← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

مَسْأَلَةٌ: الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ، وَأَنَّ النَّافِيَ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ مُخْطِيءٌ آثِمٌ كَافِرٌ، اجْتَهَدَ، أَوْ لَمْ يَجْتَهِدْ. وَقَالَ الْجَاحِظُ: لَا إِثْمَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ، بِخِلَافِ الْمُعَانِدِ، وَزَادَ الْعَنْبَرِيُّ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِي الْعَقْلِيَّاتِ مُصِيبٌ. «مسألة» الشرح: "الإجماع على أن المُصِيبَ في العقليات (١) واحد، وأن النافي ملة الإسلام مُخْطئ آثم كافر، اجْتهد أو لم يجتهد (٢). وقال الجاحظ: لا إثم على المجتهد، بخلاف المُعَاند، وزاد" قاضى "البصرة عبيد الله بن الحسن "العنبري (٣): كل مجتهد في العقليات مصيب"، ولا يظن بالرجل إن أراد الوقوع

стр. 2207

لَنَا: إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَوْ كَانُوا غَيْرَ آثِمِينَ لَمَا سَاغَ ذَلِكَ. وَاسْتُدِلَّ: بِالظَّوَاهِرِ. وَأُجِيبَ: بِاحْتِمَالِ التَّخْصِيصِ. معتقده في نفس الأمر حتى يلزم [عليه] (١) من اعتقاد قدم العالم وحدوثه اجتماع القدم والحدوث؛ فإن ذلك جنون، ولا نفي لإثم فقط، فإن ذلك مذهب الجاحظ بلا زيادة، بل أراد أن ما يؤديه إليه اجتهاده، فهو حكم الله - تعالى - في حقّه، سواء أوافق ما في نفس الأمر أم لا، ثم قيل: إنه عمم قوله في العقليات حتى يشمل جميع أصول الديانات، وأن اليهود والنصارى والمجوس على صواب، وهذا ما ذكر القاضي في "التقريب" أنه المشهور عنه وقيل: إنما أراد أصول الديانات التي يختلف فيها أهل القِبْلَةِ، ويرجع المخالفون فيها إلى آيات وآثار محتملة للتأويل، كالرؤية، وخلق الأفعال. فأما ما اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل المِلَلِ، كاليهود والنَّصَارى والمجوس، فإنا في هذا الموضع نقطع أن الحق فيما يقوله أهل الإسلام. قال ابن السَّمعاني: وينبغي أن يكون التأويل لمذهب العنبري على هذا الوجه؛ لأنا لا نظن أحدًا من هذه الأمة لا يقطع بتضليل اليَهُودِ، والنصارى، والمجوس. قلت: ولذلك حكى أن العنبري كان يقول في مثبتي القدر: هؤلاء عظموا الله، تعالى، وفي نافيه: هؤلاء نَزّهوا الله، ولم ينقل عنه مثل ذلك في حقّ اليهود والنصارى، وأمثالهم. وعلى هذا ينبغي حمل مذهب الجَاحِظ أيضًا، ولكن صرح القاضي عنه في "التقريب" بخلافه. الشرح: "لنا: إجماع المسلمين على أنهم من أهل النّار، ولو كانوا" على صَوَاب، أو "غير آثمين لما ساغ ذلك".

стр. 2208

قَالُوا: تَكْلِيفُهُمْ بِنَقِيضِ اجْتِهَادِهِمْ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا وَسَمْعًا لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يُطَاقُ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ كَلَّفَهُمُ الْإِسْلَامَ، وَهُوَ مِنَ الْمُتَأَتَّى الْمُعْتَادِ، فَلَيْسَ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ فِي شَيْءٍ. والمخالف إن كان خلافه فيمن [خالف] (١) ملّة الإسلام جملة، فهو خارج عن الإسلام لا يعتدّ بقوله، والإجماع حينئذ قائم من هذه الأمة بأسرها. وإن كان خلافه مخصوصًا بما اختلف فيه المسلمون من الأصول، وهو محجوج بالإجماع قبله. "واستدل: بالظواهر" الدالة على تضليل المبتدعة، وإثم الكافرين، وخطئهم، ففي الكُفَّار آيات وأحاديث لا تنحصر، وفي المبتدعة مثل قول ابن عمر حين قيل له: إن قومًا يقولون: لا قدر، فقال: "أبلغوهم أن ابن عمر منهم بَرِيء وَأنهم مني بَرَاء"، ونحوه من التعنيف، والتوبيخ، "وأجيب: باحتمال التخصيص"، في الظواهر بغير المجتهدين أي: يكون الذم مخصوصًا للمعاندين، وهذا وإن كان خلاف الظَّاهر إلا أنه يمنع كون الدَّليل قطعيًّا، والحق أنه لا يمنع قطعية الدليل بالنسبة إلى الكفار، بل القواطع دالّة على كفرهم، وتَصْلِيتهم، وأنهم في النار من غير احتمال التخصيص، وفي منعه قطعيته بالنسبة إلى المبتدعة نظر. الشرح: "قالوا" في تكليفهم" بنقيض اجتهادهم ممتنع عقلًا وسمعًا؛ لأنه مما لا يُطاق. "وأجيب بأنه كَلّفهم بالإسلام، وهو "نقيض اعتقادهم، ولكن لا نسلم أنه ليس بمقدور، فإن امتناعه إنما هو بالغير، وهو امتناع بشرط أي ما داموا معتقدين لذلك يمتنع أن يعتقدوا ما خلافه، وذلك لا يوجب كون الفعل ممتنعًا غير مقدور؛ فإن الممتنع الذي لا يقدر ما لا يتأتي عادة كالطَّيران، وحمل الجبل، أو ما استحال عقلًا. وأما ما كلفوا به، فهو الإسلام، "وهو من المتأتّى المعتاد، وليس من المستحيل في شيء"، وقد ضبط المصنف المتأتى بخطّه، وهو الصواب، وفي بعض النسخ "المنافي" بالنون والفاء، وهو غلط.

стр. 2209

مَسْأَلَةٌ: الْقَطْعُ: لَا إِثْمَ عَلَى مُجْتَهِدٍ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ اجْتِهَادِيٍّ، وَذَهَبَ بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ وَالْأَصَمُّ إلَى تَأْثِيمِ الْمُخْطِئِ. لَنَا: الْعِلْمُ بِالتَّوَاتُرِ بِاخْتِلَافِ الصَّحَابَةِ الْمُتَكَرِّرِ الشَّائِعِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَلَا تَأْثِيمٍ لِمُعَيَّنٍ، وَلَا مُبْهَمٍ؛ وَالْقَطْعُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِثْمٌ، لَقَضَتِ الْعَادَةُ بِذِكْرِهِ. وَاعْتُرِضَ: كَالْقِيَاسِ. «مسألة» الشرح: "القطع لا إثم على مجتهد في حكم شرعي اجتهادي، وذهب بشر المريسي (١) والأصم (٢) إلى تأثيم المخطئ"، ونقض قضائه (٣).

стр. 2210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "لنا: العلم بالتواتر باختلاف الصّحابة المتكرر الشائع من غير نكير، ولا تأثيم لمعين، ولا مبهم. والقطع أنه لو كان إثم لقضت العادة بذكره، واعترض" هذا الدليل "كالقياس"، فقيل لا نسلم عدم الإنكار. ألا ترى أن قول ابن عباس: "من شَاءَ باهلته إن الذي أحصى رمل عالج عددًا لم يجعل في مال واحد نصفًا ونصفًا وثلثًا". وقول عائشة: "أبلغوا زيد بن أرقم أن جهاده مع رسول الله ﷺ قد حبط". إلى غير ذلك، وجوابه ما مَرَّ في القياس، ويختص هذا بأن ما فعله ابن عباس وعائشة إنما كان تعنيفًا على التقصير، وتحريكًا على الاجتهاد فقط.

стр. 2211

مَسْأَلَةٌ: الَّتِي لَا قَاطِعَ فِيهَا قَالَ الْقَاضِي وَالْجُبَّائِيُّ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ فِيهَا مُصِيبٌ، وَحُكْمُ اللهِ فِيهَا تَابعٌ لِظَنِّ الْمُجْتَهِدِ. وَقِيلَ: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ كَدَفِينٍ يُصَابُ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ: إِنَّ دَلِيلَهُ ظَنِّيٌّ، فَمَنْ ظَفِرَ بِهِ فَهُوَ الْمُصِيبُ. الْمَرِيسِيُّ وَالْأَصَمُّ: دَلِيلُهُ قَطْعِيٌّ، وَالْمُخْطِئُ آثِمٌ. «مسألة» الشرح: المسألة "التي لا قاطع فيها" (١). "قال القاضي والجُبّائي: كل مجتهد [فيها] (٢) مصيب، وحكم الله فيها تابع لظن المجتهد". ثم قيل: الواقعة وإن لم يكن فيها حكم معين، ولكن فيها ما لو حكم الله - تعالى - لم يحكم إلا به، وهو القول بالأشبه. وعليه أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن سريج في إحدى الروايتين عنه. وقيل: ليس فيها ذلك "وقيل: المصيب واحد، ثم منهم من قال: لا دليل عليه كدفين نصاب. وقال الأستاذ: إن دليله ظني، فمن طعن به فهو المصيب". الشرح: وقال "المريسي والأصم: دليله قطعي، والمخطئ آثم". وقيل: قطعي، ولا إثم؛ لخفاء الدليل وغموضه.

стр. 2212

وَنُقِلَ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ التَّخْطِئَةُ وَالتَّصْوِيبُ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا قَاطِعٌ فَقَصَّرَ، فَمُخْطِئٌ آثِمٌ، وَإِنْ لَمْ يُقَصِّرْ، فَالْمُخْتَارُ مُخْطِئٌ غَيْرُ آثِمٍ. لَنَا: لَا دَلِيلَ عَلَى التَّصْويبِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. "ونقل عن الأئمة الأربعة التَّخْطئة والتصويب"، والصحيح عنهم التخطئة؛ إذ هي القول بأن المصيب واحد. وزعم القاضي في "التقريب" أن كلام الشافعي في "الرسالة". وفي كتاب "الاستحسان". وفي رسالة "المصريين" يحتمل، وأن الأظهر من كلامه، والأشبه بمذهب أمثاله من العلماء القول بأن كل مجتهد مصيب. قلت: وهذا غير مسلم للقاضي، بل الثابت عند الشافعي الذي حرره أصحابه ما قدمناه. قال ابن السَّمعاني: ومن قال عنه غيره، فقد أخطأ عليه. قلت: ثم من أصحابنا من ينكر أن يكون للشَّافعي مقالة تخالف هذا، وهو رأي أبي إسحاق، والقاضي أبي الطَّيب، ومنهم من يقول: له قول بالتصويب، ولكنه مرجوح. واختلف المصوّبة في أنه هل في كل واقعة ما لو حكم الله - تعالى - لم يحكم إلا به أولا؟ والأول هو القول بالأشبه، وعليه أبو يوسف، ومحمد، وابن سريج في إحدى الروايتين عنه، وأبو زيد الدّبوسي، ونقله عن علمائهم جميعًا، والقاضي أبو حامد، والدَّاركي (١)، وأكثر العراقيين من أصحابنا.

стр. 2213

وَصُوِّبَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ؛ لِلْإِجْمَاعِ. وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ [كُلٌّ] مُصِيبًا، لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ؛ لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ قَطْعِهِ مَشْرُوطٌ بِبَقَاءِ ظَنِّهِ؛ لِلإِجْمَاعِ عَلَى أنَّهُ لَوْ ظَنَّ غَيْرُه، وَجَبَ الرُّجُوعُ؛ فَيَكُونُ ظَانًّا عَالِمًا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ. لَا يُقَالُ: الظَّنُّ يَنْتَفِي بِالْعِلْمِ؛ لِأَنَّا نَقْطَعُ بِبَقَائِهِ، وَلِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِيلُ ظَنُّ النَّقِيضِ مَعَ ذِكْرِهِ. والثاني: رأى الغزالي والقائلون بالأشبه يعبرون عنه بأن المجتهد مصيب في اجتهاده في الحكم، وربما قالوا: مخطئ انتهاء لا ابتداء، وهذا كله إذا لم يكن في المسألة قاطع كما علمت، "فإن كان فيها قاطع فقصَّر، فمخطئ". وإذا لم يصبه "أثم " لتقصيره، وإن صادف الصواب، "وإن لم يقصر" يعني: ولم يصب، "فالمختار مخطئ غير آثم. لنا" على أن المصيب واحد: "لا دليل على التصويب، والأصل عدمه، فوجب نصه. الشرح: قوله: "وصوب غير معين للإجماع" هو جواب عن سؤال مقدر تقريره: ما ذكرتم يجري في التصويب، فيجب نفيه عن كل واحد؛ ولم يقل به أحد. وجوابه: أن الدليل يقتضي ذلك لولا الإجماع على تصويب واحد، فإن عدم تصويب كلّ واحد ينافيه. "وأيضًا" الدليل على أنه ليس كل واحد مصيبًا أنه "لو كان كلّ مصيب لاجتمع النقيضان"، وهما القطع بالشيء، وعدم القطع به؛ لأنه إذا ظنّ حكمًا قطع بأنه الحكم في حقّه.

стр. 2214

فَإِنْ قِيلَ: مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ اتِّبَاعِ الظَّنِّ، فَيَجِبُ الْفِعْلُ أَوْ يُحَرَّمُ قَطْعًا. قُلْنَا: الظَّنُّ مُتَعَلِّقٌ بِأَنَّهُ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ وَالْعِلْمُ بِتَحْرِيمِ الْمُخَالَفَةِ، فَاخْتَلَفَ الْمُتَعَلِّقَانِ، فَإِذَا تَبَدَّلَ الظَّنُّ زَالَ شَرْطُ تَحْرِيمِ الْمُخَالَفَةِ. فَإِنْ قِيلَ: فَالظَّنُّ مُتَعَلِّقٌ بِكَوْنِهِ دَلِيلًا، وَالْعِلْمُ بِثُبُوتِ مَدْلُولِهِ، فَإِذَا تَبَدَّلَ الظَّنُّ زَالَ شَرْطُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ. فكان قطعيًّا وهو ظني؛ لأن استمرار قطعه بما أدّاه إليه اجتهاده مشروط ببقاء ظنه؛ للإجماع على أنه لو ظنّ غيره وجب الرجوع إلى ذلك الغير، فيكون عالمًا به ما دام ظَانًّا له، فيكون عالمًا ظانًّا لشيء واحد في زمان واحد، فلزم القَطْع، وعدم القطع، وهما نقيضان، لا يقال: لا نسلّم اجتماعهما؛ إذ الظّن ينتفي بالعلم، فلا يردان على شيء واحد. وحاصله: أنا لا نسلّم أن شرط القطع بقاء الظن. وقوله: لو ظن غيره وجب عليه الرجوع. قلنا: نعم، ولكن لم يوجد ظن غيره، فإن الموجود إنما هو زوال حكم الظَّن عند زوال الظَّن، وحصول العلم بمتعلقه، والحكم هنا لا يتغير، بل يتأكّد؛ فإن القطع به أولى بذلك الحكم من ظنه، والحاصل أن الظَّن يستمرّ إلى أن يحصل القطع، فيزول، ولا يزول الحكم، بل يتأكد، وإنما لا يقال ذلك؛ لأنا نقول أولًا: إنَّا نقطع ببقائه أي ببقاء الظن، فإنكاره بهت. وثانيًا. ما أشار إليه بقوله: ولأنه لو كان الظَّن ينتفي بالعلم كان يستحيل ظن النقيض أي: نقيض الشيء مع ذكره أي: مع تذكّر الشيء المعلوم، وملاحظته؛ لأن ظن أحد النقيضين مع العلم بالآخر، واستحضاره يستلزم كون الشَّيْء الواحد معلومًا موهومًا، نعم قد يزول عند الذهول عن الموجب، وكونه موجبًا، وذلك بخلاف ما عند الظن، فإنه قد ينتفي الظن مع تذكره؛ لأنه ليس موجبًا كالغَيْم الرطب للمطر. وإذا كان الظن ينتفي بالعلم، فبالحَرِيّ أن ينتفي به الوَهْم، لكنه لا يستحيل ظنّ النقيض مع ذكره. الشرح: "فإن قيل": ما ذكرتم "مشترك الإلزام"؛ "لأن" لزوم النقيضين وارد على المذهبين، فيكون مردودًا؛ إذ يعلم به مَنْشأ الفساد ليس خصوصية أحد المذهبين، وما كان جوابًا لكم، فهو جوابنا، وإن لم يعلم بعينه، أو يقول: لو صح هذا لبطل المذهبان، وهو

стр. 2215

قُلْنَا: كَوْنُهُ دَلِيلًا حُكْمٌ أَيْضًا، فَإِذَا ظَنَّهُ عَلِمَه، وَإِلَّا جَازَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَعَبَّدُ بِهِ غَيْرَه، فَلَا يَكُونُ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا. خلاف الإجماع، [ودفع] (١) للنقيضين، وهما القول بأن كل مجتهد مصيب، وأنه: ليس "كلّ مجتهد مصيبًا". وإنما قلنا: إنه مشترك الإلزام؛ لأن "الإجماع" منعقدٌ "على وجوب اتِّبَاع الظَّن، فيجب الفعل، أو يحرم قطعًا". أي: فإذا ظنّ الوجوب وجب الفعل قطعًا، وإذا ظن الحرمة حرم قطعًا، ثم شرط القطع بقاء الظَّن بما ذكرتم، فيلزم الظَّن والقطع معًا، ويجتمع النقيضان. والجواب: أنه إنما يلزم ذلك لو كان متعلّق القطع والظن معًا شيئًا واحدًا، وليس كذلك؛ لأن "الظن متعلّق بأنه الحكم المطلوب"، والقطع متعلّق بتحريم مخالفته؛ لأنه مظنون، فاختلف المتعلّقان، وإليه أشار بقوله: قلنا: الظن متعلّق بأن الحكم المطلوب، "والعلم بتحريم المخالفة، فاختلف المتعلقان". فإن قيل: فيلزمكم امتناع ظنّ النقيض مع تذكره طريق العلم. قلنا: لا؛ لأن العلم متعلّق بأن المظنون ما دام مظنونًا يجب العمل به، فإذا زال الظَّن، فقد زال شرط العمل به، فقد انتفى العِلْمُ بوجوب العمل في زمان زَوَال الظَّن، وذلك كان حاصلًا قبل زوال الظَّن، والعلم بوجوب العمل به عند بقائه باقٍ مستمر، وإلى السؤال وجوابه أشار بقوله: "فإذا تبدل الظن زال شرط تحريم المخالفة. فإن قيل": فهذا الجواب بعينه يجري في دليلكم؛ إذ يقال: لا نسلم اتِّحَاد متعلّق الظن والعلم، "فالظن متعلّق بكونه" أي بكون الدليل "دليلًا، والعلم" متعلّق "بثبوت مدلوله" ما دام دليلًا. "فإذا تبدّل الظن زال شرط ثبوت الحكم"، وهو ظن الدلالة. الشرح: "قلنا": هذا لا يدفع اجتماع النقيضين؛ إذ "كونه دليلًا حكم أيضًا، فإذا ظنَّه" دليلًا "علم" دليل أيضًا، "وإلا" فلو لم يعلمه أيضًا "جاز أن يكون المتعبد به غيره" أي الذي

стр. 2216

وَأَيْضًا: أَطْلَقَ الصَّحَابَةُ الْخَطَأ فِي الاجْتِهَادِ كَثِيرًا، وَشَاعَ وَتَكَرَّرَ، وَلَمْ يُنْكَرْ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ خَطَّئُوا ابْنَ عَبَّاسٍ فِي تَرْكِ الْعَوْلِ، وَخَطَّأَهُمْ، وَقَالَ: مَنْ بَاهَلَنِي بَاهَلْتُهُ إِنَّ الله لَمْ يَجْعَلْ فِي مَالِ وَاحِدٍ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلُثًا. وَاسْتُدِلَّ: إِنْ كَانَا بِدَلِيلَيْنِ: فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا رَاجِحًا، تَعَيَّنَ، وَإِلَّا تَسَاقَطَا. يجب عليه العمل به غير ذلك الدليل، "فلا" يحصل له الجزم بوجوب العمل بظنّه، و"يكون" مخطئًا في اعتقاد أنه دليل "كلّ مجتهد مصيب"؛ إذ هذا مجتهد، وقد أخطأ في هذا الحكم، وهو اعتقاد أنه دليل، فحينئذٍ يجتمع في كونه دليلًا العلم والظن، ويتم الإلزام. "وأيضًا" مما يدلّ على أنه ليس كلّ مجتهد مصيبًا، وعليه اعتماد أكثر أئمتنا: إجماع الصحابة؛ إذ "أطلق الصحابة الخطأ في الاجتهاد كثيرًا، وشاع، وتكرر، ولم ينكر"، فكان إجماعًا، منه: ما روى "عن علي وزيد وغيرهما أنهم خطئوا ابن عباس في ترك العول، وخطّأهم [هو] قال" ابن عباس: "مَنْ بَاهَلَنِي بَاهَلْتُهُ إِنَّ الله لَمْ يَجْعَلْ فِي مَالٍ نِصْفًا [وَنِصْفًا] (١) وَثُلُثًا". والأثر مشهور، وقد روى محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس نحوه، وأيضًا - وهو من المعتمد - أن قوله ﷺ : "إذَا اجْتَهَدَ الحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ" (٢). أخبر ﵇ أن فيهم من يصيب ومن يخطئ، وأنَّ الحكم يختلف، ولو كانوا جميعًا مصيبين لم يكن للتقسيم معنى. الشرح: "واستدلّ" على المطلوب بأن المجتهدين "إن كانا" قد حَكمَا بلا دليل، فهو باطل قطعًا، وإن كانا حَكمَا "بدليلين، فإن كان أحدهما راجحًا تعيّن" العمل به، ويكون العمل بالآخر خطأ، "وإلا تساقطا"، وكان الحكم الوَقْف، أو التخيير، فكانا في التعين مُخْطئين.

стр. 2217

وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْأَمَارَاتِ تَتَرَجَّحُ بِالنِّسَبِ، فَكُلٌّ رَاجِحٌ. وَاسْتُدِلَّ: بِالْإِجْمَاعِ عَلَى شَرْعِ الْمُنَاظَرَةِ، فَلَوْلَا تَبَيُّنُ الصَّوَابِ، لَمْ تَكُنْ فَائِدَةٌ. وَأُجِيبَ: بتَبَيُّنِ التَّرْجِيح، أَوِ التَّسَاوِي، أَوِ التَّمْرِينِ" ا. هـ. "وَاسْتُدِلَّ: بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ طَالِبٌ. وَطَالِبٌ وَلَا مَطْلُوبَ مُحَالٌ؛ فَمَنْ أَخْطَأَ، فَهُوَ مُخْطِيءٌ قَطْعًا. وَأُجِيبَ: مَطْلُوبُهُ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ، فَيَحْصُلُ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا. "وأجيب: بأن الأمارات ترجّح بالنسب" والإضافات، فقد يكون الراجح في نفس الأمر غير الراجح عند المجتهد. وإذا كانا كذلك "فكل راجح" بالنسبة إلى الشخصين. "واستدلّ: بالإجماع على شرط المُنَاظرة، فلولا تبين الصواب لم تكن فائدة" وتصويب الجميع بعدم الفائدة. "وأجيب" بأن فائدة المُنَاظرة لا تنحصر فيما ذكر، فقد يحصل بها "بتبين الترجيح" بين الدليلين؛ ليعتمد الرَّاجح، "أو التساوي"، فيحكم بمقتضاه من وقف، أو غيره، "أو التمرين" على المُنَاظرة؛ ليحصل كمال الاستعداد لإدراك الأحكام. الشرح: "واستدلّ: بأن المجتهد طالب" لمعرفة حكم الله - تعالى - في المسألة، "وطالب ولا مطلوب محال"، فتعين أن يكون له مطلوب، "فمن" أصابه فهو المُصيب، ومن "أخطأه فهو المخطئ قطعًا.

стр. 2218

وَاسْتُدِلَّ: بِأَنَّهُ يَلْزَمُ حِلُّ الشَّيْءِ وَتَحْرِيمُهُ لَوْ قَالَ مُجْتَهِدٌ شَافِعِيٌّ لِمُجْتَهدَةٍ حَنَفيَّةٍ: أَنْتِ بَائِنٌ ثُمَّ قَالَ: رَاجَعْتُكِ. وَكَذَا: لَوْ تَزَوَّجَ مُجْتَهِدٌ امْرَأَةً بِغَيْرِ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ مُجْتَهِدٌ بِوَلِيٍّ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ؛ إِذْ لَا خِلَافَ فِي لُزُومِهِ اتِّبَاعَ ظَنِّهِ. وَجَوَابُهُ: أَنْ يُرْفَعَ إِلَى الْحَاكِمِ، فَيُتَّبَعُ حُكْمُهُ. الْمُصَوِّبَةُ قَالُوا: لَوْ كَانَ الْمُصِيبُ وَاحِدًا، لَوَجَبَ النَّقِيضَانِ إِنْ كَانَ الطَّلَبُ بَاقِيًا، أَوْ وَجَبَ الْخَطَأُ إِنْ سَقَطَ الْحُكْمُ الْمَطْلُوبُ. وأجيب: مطلوبه ما يغلب على ظنه، فيحصل وإن كان مختلفًا". والحاصل: أنا لا نسلم أن متعلّق ظنه كونه حكم الله تعالى، بل كونه ما يؤديه إليه اجتهاده، ثم هو يقول: ما تأدي إليه الاجتهاد، فهو حكم الله تعالى، "واستدلّ: بأنه يلزم" من القول بالتَّصويب "حل الشيء وتحريمه" معًا؛ لأنه "لو قال مجتهد شافعي لمجتهدة .. حنفية: أنت بائن، ثم قال: [راجعتك] (١)، فهي بالنَّظر إلى معتقد الزوج حل؛ لأن الكنايات عنده ليست بَوَائن، فيجوز الرّجعة، وبالنظر إلى معتقدها حرام. الشرح: "وكذا: لو تزوج مجتهد امرأة بغير وَلِيّ"؛ لكونه يرى صحّته، "ثم تزوجها بعده مجتهد بولي"؛ لكونه يرى بطلان الأول، فيلزم من صحّة المذهبين حلولهما. "وأجيب: بأنه مشترك الإلزام"، وأنه كما يرد على المصوبة يرد على المخطئة؛ لأنه وإن جعل المصيب واحدًا، فيأمره باتباع ظنه؛ "إذ لا خلاف في لزومه اتباع ظنه". فالشافعي مأمور بجواز المُرَاجعة اتباعًا لظنه، والحنفية بالعكس، فيعود الإشكال. "وجوابه: أن يرفع إلى الحاكم، فيتبع حكمه"؛ فإن أقضيته [ترفع] (٢) الخلاف، فإن لم يرفع إلى الحاكم، فكل مأمور بمقتضى اجتهاده. الشرح: واحتجت "المصوبة" (٣) لكل مجتهد على مذهبهم بوجهين "قالوا: لو كان

стр. 2219

وَأُجِيبَ: بِثُبُوتِ الثَّانِي؛ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهَا نَصٌّ، أَوْ إِجْمَاعٌ وَلَمْ يُطَّلَعْ عَلَيْهِ بَعْدَ الاجْتِهَادِ، وَجَبَ مُخَالَفَتُه، وَهُوَ خَطَأٌ؛ فَهَذَا أَجْدَرُ. قَالُوا: قَالَ: "بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ"، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُخْطِئًا، لَمْ يَكُنْ هُدًى. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ هُدِيَ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ مُجْتَهِدٍ أَوْ مُقَلِّدٍ. المصيب واحدًا"، والمخطئ يجب عليه العمل بموجب ظنّه، فإما أن نوجبه عليه مع القول ببقاء الحكم الذي في نفس الأمر في حقه، أو مع زواله، والأول يستلزم ثبوت الحكم الأول. والثاني في حقّه، وهما نقيضان، والثاني يستلزم أن يكون العمل بالحكم الخطأ واجبًا، وبالصواب حرامًا، فاللازم إما اجتماع النقيضين، أو وجوب العمل بالخطأ، وكلاهما محال. وإليه أشار بقوله: "لوجب النقيضان إن كان الطلب" كذا بخطّه، وفي بعض النسخ "المطلوب باقيًا أو وجب الخطأ إن سقط الحكم المطلوب، وأجيب: بثبوت" القسم "الثاني" من اللازم. واختياره ومنع لزوم الخَطَأ فيه؛ لأنه على تقدير سقوط الحكم الثابت في نفس الأمر لا يبقى ما ظنه المكلف خطأ، بل يجب متابعته "بدليل أنه لو كان فيها نصّ، أو إجماع، ولم يطلع عليه بعد الاجتهاد وجب مخالفته"؛ لوجوب اتباع الظَّن، "وهو "أي: اتباع ظنّه حينئذٍ "خطأ" لمخالفته النَّص، والإجماع، "فهذا أجدر" بوجوب الاتباع؛ إذ ليس فيه مخالفة قاطع. الوجه الثاني: "قالوا": تقدم في الإجماع أنه ﷺ "قال": "أَصْحَابي كَالنُّجُومِ "بَأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ". جعل الاقتداء بكل واحد منهم هدى مع اختلافهم. "ولو كان أحدهما مخطئًا لم يكن هدى، وأجيب: بأنه هدى؛ لأنه فعل ما يجب عليه". سواء كان "مجتهدًا أو مقلدًا"، فإنه يجب العمل بالاجتهاد، والمجتهد ومقلده وكونه خطأ من وجه لا يمنع كونه هدى من هذا الوجه.

стр. 2220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "فرع" إذا اجتهد أربعة أنفس في القِبْلَةِ، واختلفوا - صلى كلٌّ على حسب تأدية اجتهاده، ثم من تيقّن الخطأ يلزمه الإعادة في أصح القولين. وأما قبل التَّبيين فلا؛ إذ لا يدري الصواب في أي جهة. "فرع آخر" في نَفَاذِ حكم الحاكم باطنًا في المسائل الاجتهادية أوجه: أحدها: المنع، وهو قول الأستاذ أبي إسحاق. والثاني: النفاذ. قال الرافعي: وهو الأصح عند جماعة منهم صاحب "التهذيب"، وأبو عاصم العبادي. والثالث: التفرقة بين اعتقاد الخَصَمَين ما حكم به فينفذ، وإلا فلا. قال الرافعي: وأشير إلى بناء الخلاف على كل مجتهد مصيب، والمصيب واحد، إن قلنا [بالأول] (١) نفذ ظاهرًا وباطنًا. وإن قلنا بالثاني ينفذ باطنًا. قلت: وقضيّة البناء أن يكون الأرجح عدم النفوذ باطنًا؛ لأن الأرجح المصيب واحد، والرافعي والنووي لم يصرحا بترجيح شيء لا في كتاب "الشفعة" ولا في كتاب "القضاء". وقال الرافعي في آخر كتاب "دعوى [الدَّم والقَسَامَة": (٢) ميل الأئمة إلى ثبوت الحلّ باطنًا، وكذلك في أثناء "الدعاوى" قال بعد مضى نحو كراسين: ميل الأكثرين إلى الحل.

стр. 2221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2222

مَسْأَلَةٌ: تَقَابُلُ الدَّلِيلَيْنِ الْعَقْلِيَّيْنِ مُحَالٌ ؛ لاسْتِلْزَامِهِمَا النَّقِيضَيْنِ، وَأَمَّا تَقَابُلُ الْأَمَارَاتَ الظَّنِّيَّةِ وَتَعَادُلُهُمَا، فَالْجُمْهُورُ: جَائِزٌ؛ خِلَافًا لِأَحْمَدَ وَالْكَرْخِيِّ. لَنَا: لَوِ امْتَنَعَ لَكَانَ لِدَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ". «مسألة» الشرح: "تقابل الدليلين العقليين مُحَال؛ لاستلزامهما" (١) إجماع "النقيضين" من حيث إن الدليل العَقْلي ملزوم للعلم، فلو تقابلا لزم العلم بالشيء مع العلم بعدمه. وأما تقابل الأمارات الظنية، وتعادلهما، فالجمهور" كما نقل المصنّف على أنه "جائز؛ خلافًا لأحمد والكرخي"، ونقله ابن السَّمْعَاني عن الفقهاء، ونَصَره. والحق ما أشار إليه الغزالي وغيره من أن القائلين بأنّ المصيب واحد لا يجوزون التعادل في نفس الأمر، وإنما الخلاف بين المصوّبة. واختار الإمام الرازي أنه جائز غير واقع، واتفق الكل على جواز التَّعادل في ظن المجتهد. "لنا: لو امتنع" تعادلهما "لكان لدليل، والأصل عدمه".

стр. 2223

قَالُوا: لَوْ تَعَادَلَا: فَإِمَّا أَنْ يُعْمَلَ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا مُعَيَّنًا أَوْ مُخَيَّرًا أَوْلَا، وَالْأَوَّلُ: بَاطِلٌ، وَالثَّانِي: تَحَكُّمٌ، وَالْثَّالِثُ: حَرَامٌ لِزَيْدٍ حَلَالٌ لِعَمْروٍ مِنْ مُجْتَهِدٍ وَاحِدٍ، وَالرَّابعُ: كَذِبٌ؛ لأَنَّهُ يَقُولُ: لَا حَرَامَ وَلَا حَلَالَ، وَهُوَ أَحَدُهُما. وَأُجِيبَ: يُعْمَلُ بِهِمَا فِي أَنَّهُمَا وُقِفا فَيَقِفُ، أَوْ بِأَحَدِهِمَا مُخَيَّرًا، أَوْ لَا يُعْمَلُ بِهِمَا، وَلَا تَنَاقُضَ إِلَّا مِنِ اعْتِقَادِ نَفْيِ الْأَمْرَيْنِ لَا فِي تَرْكِ الْعَمَلِ. الشرح: "قالوا: لو تعادلا فإما أن يعمل بهما، أو بأحدهما معينًا أو مخيرًا أولا، والأول باطل"؛ للزوم اجتماع التحليل والتحريم، وهو تناقض. "والثاني: [تحكم] (١) "، وهما متساويان. "والثالث" كذلك؛ لأنه يلزم منه أن الشيء الواحد "حرام لزيد، وحلال لعمرو، من مجتهد واحد. والرابع: كذب"؛ "لأنه يقول: لا حلال ولا حرام، وهو أحدهما" في نفس الأمر. "وأجيب" أولًا بأنا نقول: "يعمل بهما في أنهما" لتعارضهما "وقف، فيقف". وإنما يلزم اجتماع النقيضين لو اقتضى كل عند الاجتماع العمل [بمقتضاه] (٢) عند الانفراد، وليس كذلك. بل مقتضاهما عند الاجتماع غير مقتضاهما عند [الانفراد] (٣)، فعند الاجتماع مقتضاهما الوقف، وعند [الانفراد] (٤) العمل، ولا تناقض في الحالتين، "أو "يختار العمل "بأحدهما مخيرًا، أو "بمنع استعماله الحل لزيد، والحرمة لعمرو من مجتهد واحد، أو يختار الرابع هو أنه "لا يعمل بهما"، كما لم يكن دليل، ويتساقطان، "ولا تناقض" في عدم العمل بهما، ولا كذب في التَّنَاقض لا يكون "إلا من اعتقاد نفي الأمرين لا في ترك العمل" بهما، فله بعد الدليلين أن يعتقد وقوع أحدهما، ولكن لا يعلم عينه، كما كان قبل قيام

стр. 2224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الدَّليلين، فما أوجبه الدليل من ترك العمل ليس بمُحَال، والمحال لم يلزم من الدليل، ولقائل أن يقول: هذا يجوز اجتماع الأمارتين في ذهن المجتهد، ولا نزاع فيه وإنما النزاع فيهما في نفس الأمر، ولا يتجه القول به مع اعتقاد أن المصيب واحد أبدًا.

стр. 2225

مَسْأَلَةٌ: لَا يَسْتَقِيمُ لِمُجْتَهِدٍ قَوْلَانِ مُتَنَاقِضَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ وَقْتَيْنِ أَوْ شَخْصَيْنِ عَلَى قَوْلِ التَّخْيِيرِ، فَإِنْ تَرَتَّبَا، فَالظَّاهِرُ رُجُوعٌ، وَكَذَلِكَ المُتَنَاظِرَانِ، وَلَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ مَسْألَةً: فِيهَا ........... «مسألة» الشرح: "لا يستقيم لمجتهد قَوْلَان متناقضان في وقت واحد" (١)، ولا لعاقل؛ لأن دليلهما إن تعادلا فقوله: حكم التعارض من وقف أو غيره. وإن ترجح أحدهما عنده، فقوله الراجح، "بخلاف" ما إذا صدر منه قولان في "وقتين. أو" بالنسبة إلى "شخصين على قول التخيير"؛ إذا تعادل الأمارتان لا على قول الوقف. "فإن تَرَتَّبَا" أي: القولان المتناقضان بالزمان، "فالظاهر" أن الثاني "رجوع" عن الأول أوجبه [تغير] (٢) اجتهاده، "فكذلك المتناظران، ولم يظهر فرق" بينهما. أما إن ظهر فرق فيحمل عليه، ولا يخرج قوله من المسألة إلى الأخرى. الشرح: "وقول الشافعي في سبع عشرة مسألة: فيها قولان" أو في بضع عشرة كما قال القاضي أبو حامد المَرْوروذي، أو في دون عشرة كما قال آخرون، ليس قولًا منه بالنفي، والإثبات في وقت واحد.

стр. 2226

قَوْلَان، إِمَّا لِلْعُلَمَاءِ، وَإِمَّا فِيهَا مَا يَقْتَضِي لِلْعُلَمَاءِ قَوْلَيْنِ؛ لِتَعَادُلِ الدَّلِيلَيْنِ عِنْدَه، وَإِمَّا لِي قَوْلَانِ عَلَى التَّخْيِيرِ عِنْدَ التَّعَادُلِ، وَإِمَّا تَقَدَّمَ لِي فِيهَا قَوْلَانِ. كيف وذلك لا يتصور، بل المراد منه "إما للعلماء" فيها قولان. وإما فيهما ما يقتضي للعلماء قولين؛ لتعادل الدليلين عنده، وإمَّالي قولان على التخيير عند التعادل. وإما تقدم لي فيها قولان"، فللمقلّد أن يتبع أيهما شاء؛ لأنهما جميعًا قول مجتهد في محل اجتهاده، واعلم أن مسألة القولين عَرِيقة عندنا، وقد بَيَّنا أنه لا يجوز أن يعتقد العاقل شيئين متناقضين في وقت واحد. وأما قولا الشافعي فقد عرفت محاملها، وقد بسط الأصحاب القول في ذلك، وصنف ابن القاص، وسليم الرازي، والمَاوَرْدِي، والروياني، والغزالي فيه ما تقرّ عين ناظره، وأحسنَ القول فيه أيضًا ابن السَّمْعَاني في "القواطع"، فلينظره من أراده.

стр. 2227

مَسْأَلَةٌ: لَا يَنْقُضُ الْحُكْمَ فِي الاجْتِهَادِيَّاتِ مِنْه، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ بِاتِّفَاقٍ ؛ لِلتَّسَلْسُلِ، فَتَفُوت مَصْلَحَةُ نَصْبِ الْحَاكِمِ، وَيُنْقَضُ إِذَا خَالَفَ قَاطِعًا. «مسألة» الشرح: "لا ينقض" المجتهد "الحكم في الاجتهاديّات منه، ولا من غيره" إذا تغير الاجتهاد "باتفاق" (١)؛ "للتسلسل" اللازم غير ذلك؛ إذ لو جاز النَّقض لجاز نقض النقض، وهكذا، "فتفوت مصلحة نَصْب الحاكم". وهو قطع المنازعة؛ لعدم الوثوق حينئذٍ بالحكم، "وينقض إذا خالف قاطعًا" من نص كتاب، أو سُنّة متواترة، أو إجماع. وقال علماؤنا: أو مظنونًا ظنًّا محكمًا بخبر الواحد، أو بالقياس الجَلِيّ، وروى أن عمر ﵁ كان يفاضل بين الأصَابع في الدية؛ لتفاوت منافعها، ونقض حكمه لما روى له الخبر في التسوية، وأن عليًّا ﵁ نقض قضاء شريح بأن شهادة المولى لا تقبل بالقياس الجَلِيّ، وهو أن ابن العم تقبل شهادته، وهو أقرب من المولى. فإذن الاجتهاديات التي لا نقض فيها هي ما بعد، وما ذكرناه، ويتردد بين الطرفين صور يقع فيها [الخلاف] (٢) كما في القضاء بصحة نكاح المفقود، وقضاء الحنفي ببطلان خيار المجلس والعرايا وزكاة الجَنِينِ، ومسألة المُثَقّل، وقتل المسلم بالكافر، وكثير من الصور في الفقهيات، وحاول الغزالي ضبط ما ينقض فيه، وما لا ينقض، فقال: إذا لم ينقدح في نفسه إمكان الصواب انقداحًا له وقعٌ. ما فله النقض، وذلك في النصوص لصحّة

стр. 2228

فَلَوْ حَكَمَ عَلَى خِلَافِ اجْتِهَادِهِ، كَانَ بَاطِلًا وَإِنْ قَلَّدَ غَيْرَهُ اتِّفَاقًا، فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِغَيْرِ وَلِيٍّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُه، فَالْمُخْتَارُ التَّحْرِيمُ. وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ حُكْمٌ، وَكَذَلِكَ الْمُقَلِّدُ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ مُقَلدِهِ، فَلَوْ حَكَمَ مُقَلِّدٌ بِخِلَافِ [اجْتِهَادِ] إِمَامِهِ، جَرَى عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِهِ غَيْرَهُ. موردها، وصراحة لفظها وبعدها عن قبول التأويل، وفي الأقيسة لوضوحها وموافقتها للأصول، وإذا لم يكن كذلك، وتقارب النظران فلا نقضى، ويختلف الحال في ذلك بالمجتهدين وآحاد الأدلة. الشرح: "فلو حكم على خلاف اجتهاده كان باطلًا، وإن قلده غيره اتفاقًا"؛ إذ يجب عليه العمل بظنه، ولا يجوز له التقليد مع اجتهاده إجماعًا، "فلو تزوج امرأة بغير ولي" عند اقتضاء اجتهاده ذلك، "ثم تغير اجتهاده، فالمختار التحريم"؛ لأنه مستند إلى ما يعتقده حرامًا. "وقيل: إن لم يتصل به حكم"، فيحرم، وإن اتصل لم يحرم؛ لئلا ينقض الحكم بالاجتهاد، "وكذلك" نقول في "المقلّد بتغير اجتهاد مقلده"، فيتغير الحكم بالنسبة إليه، ولذلك يجب على المجتهد إعلامه. وتردد الغزالي في المقلّد مع جزمه بتغير الحكم بالنسبة إلى المجتهد، ثم صحح أنهما سواء كما هو المختار، "فلو حكم مقلد بخلاف قول إمامه جرى" القول في جوازه، وعدم نقضه "على" الخلاف في "جواز تقليده غيره"، وسيأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 2229

مَسْأَلَةٌ: الْمُجْتَهِدُ قَبْلَ أَنْ يَجْتَهِدَ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّقْلِيدِ. وَقِيلَ: فِيمَا لَا يَخُصُّهُ. وَقِيلَ: فِيمَا لَا يَفُوتُ وَقْتُهُ. وَقِيلَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ مِنْهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَحَابِيًّا. [وَقِيلَ]: أَرْجَحَ، فَإِنِ اسْتَوَوْا تَخَيَّرَ. وَقِيل: أَوْ تَابِعِيًّا. وَقِيلَ: غَيْرُ مَمْنُوعٍ، وَبَعْدَ الْاجْتِهَادِ اتِّفَاقٌ. «مسألة» الشرح: "المجتهد قبل أن يجتهد ممنوع من التقليد. وقيل": ممنوع "فيما لا يخصه" أي: فيما يفتى به غيره لا فيما يخصّه. "وقيل: فيما لا يفوت وقته" (١) لو اشتغل بالاجتهاد فيه دون ما يفوت، وهو رأى أبي العباس بن سُرَيج. "وقيل": لا يجوز له التقليد "إلا أن يكون" [المقلّد "أعلم منه".

стр. 2230

لَنَا: حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُه، بِخِلَافِ النَّفْيِ؛ فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ انْتِفَاءُ دَلِيلِ الثُّبُوتِ، وَأَيْضًا مُتَمَكِّنٌ مِنَ الْأَصْلِ؛ فَلَا يَجُوزُ الْبَدَلُ كَغَيْرِهِ. وَاسْتُدِلَّ: لَوْ جَازَ قَبْلَه، لَجَازَ بَعْدَهُ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ بَعْدَهُ حَصلَ الظَّنُّ الْأَقْوَى. وهو رأي محمد بن الحسن. "وقال الشَّافعي" في القديم: لا يجوز التقليد "إلا أن يكون"] (١) المقلّد "صحابيًّا أرجح" من غيره من الصحابة، فيجوز، "فإن استووا" أي: الصحابة الذين اختلف عليه فُتياهم في الدرجة "تخير" في تقليد من شاء منهم. "وقيل: لا يجوز التقليد إلا أن يكون المقلد صحابيًّا كما ذكرناه، أو تابعيًّا. وقيل: "إن العالم" غير ممنوع" من تقليد عالم آخر مطلقًا، وعليه سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق. وقيل: يجوز للقاضي دون غيره. وقيل: يجوز تقليد أبي بكر وعمر دون غيرهما، وهذا كله كما علمت حكمه قبل الاجتهاد. "وبعده اتفاق" أي: الاتفاق على أنه لا يجوز التقليد للعالم بعد الاجتهاد. الشرح: "لنا": أن جواز التقليد "حكم شرعي، فلا بد له من دليل"؛ لأن القول في الدِّين بلا دليل باطل، والدليل لم نجده، والأصل عدمه، لا يقال: وكذلك مع التقليد لا بد له من دليل "والأصل عدمه"؛ لأنا نقول: الفرق بين جانب الثبوت والنفي واضح [به] (٢)، وهو أن الثبوت لا يكفي فيه انتفاء دليل النفي، "بخلاف النفي؛ فإنه يكفي فيه" دليل "انتفاء الثبوت، وأيضًا" المجتهد "متمكن من الأصل"، وهو الاجتهاد، "فلا يجوز" له "البدل"،

стр. 2231

الْمُجَوِّزُ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٣]. قُلْنَا: لِلْمُقَلِّدِينَ؛ بِدَلِيلِ: "إِنْ كُنْتُمْ"، وَلأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مِنْ أَهْلِ الذِّكْرِ. (الصَّحَابَةَ) "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ"، وَقَدْ سَبَقَ. قَالُوا: الْمُعْتَبَرُ الظَّنُّ، وَهُوَ حَاصِلٌ. أُجِيبَ: بأَنَّ ظَنَّ اجْتِهَادِهِ أَقْوَى. وهو التقليد "كغيره" من يتمكن من البدل والمبدل، فإنه يتحتّم عليه المبدل، كما في الوضوء والتيمم. وللمانع أن يمنع كون التقليد بدلًا، ويقول: بل المجتهد مخير بين التقليد والاجتهاد كما في غسل الرجل ومسح الخُفّ. "واستدلّ: لو جاز" للمجتهد التقليد "قبله" أي: قبل الاجتهاد "لجاز بعده"؛ لأنه لا مانع إلا كونه مجتهدًا، فإذا لم يكن مانعًا قبل لم يكن مانعًا من بعده، "وأجيب: بأنه بعده حصل الظَّن الأقوى". والحاصل أنه ليس المانع منحصرًا في كونه مجتهدًا، بل المانع أنه إذا اجتهد حصل له ظَنّ الحكم باجتهاده، وهو أقوى من الظَّن الذي يحصل له باجتهاد غيره، فيكون العمل به عملًا بالراجح، ولا يوجد ذلك فيما قبل الاجتهاد. الشرح: واحتج "المجوز" للتقليد مطلقًا بقوله تعالى: " ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ" إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٣]. وهو قبل الاجتهاد لا يعلم، والآخر من أهل الذكر، فوجب عليه سؤاله للعلم به، وهو المطلوب. "قلنا": الخطاب "للمقلدين؛ بدليل "إنْ كُنْتُمْ" لَا تَعْلَمُونَ"؛ فإنه صيغة عموم تفهم من سياق أن من له علم لا يجب عليه السؤال، وأن السؤال إنما هو لمن لا يقدر على العلم بنفسه، والمجتهد ليس كذلك؛ "ولأن المجتهد من أهل الذكر"، فلا يكون سائلًا؛ وإذًا كان سائلًا مسئولًا، واحتج من ذهب إلى أنه لا يقلد إلا "الصحابة" بما تقدم من قوله ﵇: ""أَصْحَابِي كَالنُّجومِ، وقد سبق" الكلام فيه في مسألة مذهب الصَّحابي.

стр. 2232

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "قالوا: المعتبر الظَّن، وهو حاصل"، ثم افترقوا فمن عمم جواز التقليد، قال: وهو حاصل بفتوى الغير، ومن خصّ الصحابة قال: وهو حاصل بفتوى الصَّحابي، ولا يحصل بفتوى غير الصَّحابي لمن يكون مجتهدًا؛ لاستوائهما في الدَّرجة، فإنهما مجتهدان، ولا صحبة لأحدهما حتى يتميز بها. و"أجيب بأن" المعتبر عند التمكّن من طريقين أقواهما، ولا يشك أن" [ظن] (١) اجتهاده أقوى" من ظن تقليده، فيجب الأخذ به.

стр. 2233

مَسْأَلَةٌ: [الْمُخْتَارُ]: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْمُجْتَهِدِ: احْكُمْ بِمَا شِئْتَ؛ فَهُوَ صَوَابٌ، وَتَرَدَّدَ الشَّافِعِيّ، ثُمَّ الْمُخْتَارُ: لَمْ يَقَعْ. لَنَا: لَوِ امْتَنَعَ لَكَانَ لِغَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ. قَالُوا: يُؤَدِّي إِلَى انْتِفَاءِ الْمَصَالِحِ؛ لِجَهْلِ الْعَبْدِ. وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْجَوَازِ، وَلَوْ سُلِّمَ لَزِمَتِ الْمَصَالِح، وَإِنْ جَهِلَهَا. (الْوُقُوعُ) قَالُوا: "إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ". وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ. «مسألة» الشرح: "يجوز أن يقال للمجتهد: احكم بما شئت، فهو صواب" (١)، ويكون إذ ذاك حكم من جملة المدارك الشرعية، فإذا قال: هذا حلال عرفنا أن الله حكم، في الأول بحلّه، "وتردّد الشّافعي" في جوازه. وقيل: إنما تردد في وقوعه. وقيل: يجوز التفويض للنَّبي دون العَالِمِ، واختاره ابن السَّمعاني، وذكر أن كلام الشافعي في "الرسالة" يدلّ عليه. "ثم المختار: لم يقع. لنا: لو امتنع لكان لغيره" لا لذاته؛ إذ لا يلزم من فرض وقوعه وقوع محال، "والأصل" في ذلك الغير "عدمه"، والمانعون من جوازه "قالوا: يؤدّي إلى انتفاء المصالح؛ لجهل العَبْدِ" الذي فوض إليه الحكم بوجهها، فلا يؤمن اختياره ما المصلحة في خلافه،

стр. 2234

قَالُوا: قَالَ: "لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا"، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ، فَقَالَ: "إِلَّا الْإِذْخِرَ". وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْإِذْخِرَ لَيْسَ مِنَ الْخَلَا، فَدَلِيلُهُ الْاسْتِصْحَاب، أَوْ مِنْه، وَلَمْ يُرِدْه، والشارع قصد المصالح، "وأجيب: بأن الكلام في الجواز" لا الوقوع، وما ذكرتم لا يمنع الجواز. "ولو سلم" فلا يسلم انتفاء المصالح، بل نقول: إذا فوض إلى العبد، فقد "لزمت المصالح"، فلا يقع منه إلا المصلحة. "وإن جهلها"؛ لأن الله - تعالى - لا يفوض إليه إلا وقد علم أنه لا يختار إلا الأصلح، وإذا علم ذلك كان هو الواقع، وأما الذين مذهبهم "الوقوع"، فإنهم "قالوا" قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ "إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ " يقتضي وقوع التفويض؛ فإنه لا يمكن تحريمه على نفسه إلا بتفويض الأمر إليه، وإلا كان المحرم هو الله تعالى "وأجيب: بأنه يجوز أن يكون" تحريم إسرائيل لما حرمه "بدليل ظنّي" نهض عنده، ويسند حينئذٍ التحريم إليه. كما تقول: أباح الشافعي الشِّطْرنج، ولحم الخَيْل، وحرمهما أبو حنيفة، ويوضح هذا أن الحاكم هو الله - تعالى - على كُلّ حال، والتفويض لو وقع لم يقتض استناد الحكم إلى العبد وإنما يكون فعل العبد علامة على أنَّ الحكم لله كما عرفناك في صدر المسألة. الشرح: ثانيًا: "لَا يُخْتَلَى، خلاها وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، فقال: العباس: إلا الإِذخر، فقال "إلَّا الإِذخر" واللفظ عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح "مكة": إنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ إِلى أن قال: فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ - تَعَالَى - إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُه، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُه، وَلَا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، فقال العبّاس: يا رسول الله إلا الإِذْخر؛ فإِنه لقبورهم وبيوتهم، فقال: "إلا الإِذْخر" رواه البخاري ومسلم (١)، وهذا اللفظ لفظه قالوا: وهذا يدلّ على تفويض الحكم إِلى رأيه ﵇.

стр. 2235

وَصَحَّ اسْتِثْنَاؤُهُ بِتَقْدِيرِ تَكْرِيرِهِ؛ لِفَهْمِ ذَلِكَ، أَوْ مِنْه، وَأُرِيدَ وَنُسِخَ؛ بِتَقْدِيرِ تَكْرِيرِهِ بِوَحْيٍ سَرِيعٍ. قَالُوا: قَالَ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ"، "أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا، أَوْ لِلأَبَدِ؟ قال: "لِلأَبَدِ، وَلَوْ قُلْتُ: نَعمْ لَوَجَبَ. وإذا أطلق ابتداء، ثم استثنى بالتماس العَبَّاس مع ظهور أنه لم ينزل الوحي في تلك اللَّحْظَة. "وأجيب" [ثانيًا] (١) "بأن الإِذخر ليس من الخَلا" ليتناوله الحكم، "فدليله" الدّال على إِباحته "استصحاب" لحال الحل، ويكون الاستثناء منقطعًا، "أو "أنه "منه ولم يرده" النبي ﷺ بالعموم تخصيصًا له، "وصح استثناؤه بتقدير تكرره"؛ [لقوله: لَا يُخْتَلَى خَلَاها"، كأنه قال: "لا يُخْتَلَى خَلَاهَا إِلا الإِذْخر" "لفهم" العباس "ذلك أو "نقول: إنه "منه وأريد، ونسخ بتقدير تكرر" (٢) الاستثناء "بوحي سريع"، فالأجوبة ثلاثة. وتقديرها هكذا: لا نسلم أن الاستثناء، متصل، بل هو منقطع، وليس الإذخر من الخَلَا. سلمنا الاتصال، لا نسلم أنه مراد. فإن قلت: ولم استثنى؟ قلنا: ليس استثناء منه بل بتقدير تكرار اللفظ كما عرفت. سلمنا أنه مراد، ولكن لم قلتم: إنه ينسخ بوحي سريع، وما المانع من ذلك؟. الشرح: "قالوا" ثالثًا: روي الجماعة أنه ﷺ قال: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ" عَلَى أُمّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلّ صَلاةٍ". وهو صريح في أن الأمر وعدمه إليه، ولذلك لما قيل: "أحَجُّنا هذا لعامنا أو للأبد؟

стр. 2236

وَلَمَّا قَتَلَ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، ثُمَّ أَنْشَدَتْهُ ابْنَتُهُ: [الكامل] مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا … مَنَّ الْفَتَى، وَهوَ الْمَغِيظُ الْمُحْنَقُ فَقَالَ ﵇: "لَوْ سَمِعْتُه، مَا قَتَلْتُهُ". وَأُجِيبَ: بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ خُيِّرَ فِيهِ مُعَيَّنًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِوَحْيٍ. فقال: لِلْأَبَدِ، وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ"" (١). واللفظ من حديث أبي هريرة: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: "يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا" فَقَالَ رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال النبي ﷺ : "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَما اسْتَطَعْتُمْ". رواه أحمد بن حنبل، ومسلم بن الحجاج في الصحيح، وأبو عبد الرحمن النسائي. وهو صريح في أن قوله المجرد من غير وحي يوجب، فدلّ أنه كان مفوضًا إليه؛ لأنه لا ينطق عن الهَوَى. الشرح: "ولما قتل النَّضر بن الحارث، ثم أنشدته ابنته": [الكامل] "مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا … مَنَّ الفَتَى وَهُوَ المَغِيظُ المُحْنَقُ" "فقال ﷺ : "لَوْ سَمِعْتُهُ مَا قَتَلْتُهُ". وذلك فيما أخبرنا به عبد القادر بن الملك المغيث عبد العزيز بن الملك المعظم عيسى بن أبي بكر بن أيوب قرأه عليه وأنا حاضر أسمع في أواخر الثالثة أو أوائل الرّابعة بـ"القاهرة" وأحمد بن علي بن الحسن بن داود الحنبلي بقراءتي عليه مرة، وقرأت عليه وأنا أسمع أخرى بـ"دمشق" قال: أنبأنا محمد بن إسماعيل خطيب "مرو"، قال الأول: سماعًا، وقال الثاني: حضورًا في الخامسة أنبأنا صنيعة الملك أبو محمد هبة الله بن يحيى بن حَيْدَرة، أنبأنا أبو محمد عبد الله بن رفاعة بن عذير السّعدي، أنْبأنا أبو الحسن علي بن الحسين الخُلعي، أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن سعيد بن النّحاس [البَزّار] (٢)،

стр. 2237

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أنبأنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن الوَرْدِ، أنبأنا أبو سعيد عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحيم البَرْقي، أنبأنا أبو محمد عبد الملك بن هشام النحوي البَصْري، حَدْثنا زياد بن عبد الله البَكَّائي عن محمد بن إسحاق المطلبي ﵀. قال بعد أن ذكر غزوة "بدر" الكبرى، وعدّد القتلى بها: وكان من شياطين قريش قتله علي بن أبي طالب [من] (١) نفر من بني عبد الدَّار بن قصي بن النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدَّار، قتله علي بن أبي طالب صَبْرًا عند رسول الله ﷺ بـ"الصفرا" فيما يذكرون. قال ابن هشام: بـ"الأثيل" ثم ذكر ابن هشام بعد ذلك أبياتًا ذكرتها قتيلة بنت الحارث (٢) أخت النضر تَبْكيه، وهي: [الكامل] يَا رَاكِبًا إِنَّ الأَثِيلَ مَظِنَّةٌ … مِنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ أَبْلِغْ بِهَا مَيْتًا بِأَنَّ تَحِيَّةً … مَا إِنْ تَزَالُ بِهَا النَّجَائِبُ تَخْفِقُ مِنِّي إِلَيْكَ وَعَبْرَةً مَسْفُوحَةً … جَادَتْ بِوَاكِفِهَا، وَأُخْرَى تُخْنَقُ هَلْ يَسْمَعَنِّي النَّضْرُ إِنْ نَادَيْتُهُ … أَمْ كَيْفَ يَسْمَعُ مَيِّتٌ لَا يَنْطِقُ؟! أَمُحَمَّدٌ وَلأَنْتَ صِنْوُ كَرِيمَةٍ … فِي قَوْمِهَا وَالفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرِقُ مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا … مَنَّ الفَتَى وَهُوَ المَغِيظُ المُحنَقُ أَوْ كُنْتَ قَابِلَ فِدْيَةٍ فَلْيُنْفَقَنْ … بِأَعَزِّ مَا يَغْلُو بِهِ مَا يُنْفِقُ وَالنَّضْرُ أَقْرَبُ مَنْ أَسَرْتَ قَرَابَةً … وَأَحَقُّهُمْ إِنْ كَانَ عِتْقٌ يَعْتِقُ ظَلَّتْ سُيُوفُ بَنِي أَبِيهِ تَنُوشُهُ … لِلهِ أَرْحَامٌ هُنَاكَ تَشَقَّقُ صَبْرًا يُقَادُ إِلَى المَنِيَّةِ مُقْعِيًا … رَسْفَ المُقَيَّدِ وَهْوَ عَانٍ مُوثَقُ (٣)

стр. 2238

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال ابنُ هشام: فيقال والله أعلم: إن رسول الله ﷺ لما بلغه هذا الشّعر قال: "لَوْ بَلَغَنِي هَذَا قَبْلَ قَتْلِهِ لَمَنَنْتُ عَلَيْهِ". وبهذا استمسكت المفوضة، فقالت: لو لم يكن القتل مفوضًا إِليه لم يفْترق الحال بين أن يبلغه شِعْرها أو لا، على أن الزبير بن بَكّار ذكر في "النّسب" أنه سمع بعض أهل العلم يذكر أن هذه الأبْيات مصنوعة، "وأجيب: بجواز أن يكون" النبيّ ﷺ قد "خيّر فيه" أي فيما أسنده إلى نفسه من هذه الصور الثلاثة "معينًا" كأن قيل: أنت مخيّر في إيجاب السّؤال وعدمه، وتكرير الحَجّ وعدمه، وقتل النضر وتركه، "ويجوز أن يكون بوحي" لا من تلقاء نفسه.

стр. 2239

مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ: أَنَّهُ ﷺ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ فِي اجْتِهَادِهِ. وَقِيلَ: بِنَفْيِ الْخَطَأِ. لَنَا: لَوِ امْتَنَعَ لَكَانَ لِمَانِعٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُه، وَأَيْضًا: "لِمَ أَذِنْتَ"، ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦٧] حَتَّى قَالَ: لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ، مَا نَجَا مِنْهُ غَيْرُ عُمَرَ؛ لِأَنَّهُ أَشَارَ بِقَتْلِهِمْ. «مسألة» الشرح: قال أبو عمرو: و"المختار: أنه ﷺ لا يقرّ على خطأ في اجتهاده. وقيل بنفي الخطأ. لنا: لو امتنع لكان لمانع، والأصل عدمه (١). "وأيضًا" ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ "لِمَ أَذِنْتَ"﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٣]، ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، [سورة الأنفال: الآية ٦٧] "حتى قال" ﷺ : ""لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ مَا نَجَا مِنْهُ غَيْرُ عُمَرَ؛ لأَنَّهُ أَشَارَ بِقَتْلِهِمْ"". وهذا اللفظ غير معروف وإنما المعروف ما في صحيح مسلم عن ابن عباس قال: لما أسروا الأسارى - يعني يوم "بدر" - قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسَارى، فقال أبو بكر: يا رسول الله هم بنو العَمّ والعشيرة، أرى أن نأخذ منهم فدية، فيكون لنا قوة على الكُفَّار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "مَا تَرَى يَا بْنَ الخَطَّابِ؟؟ " قال: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن

стр. 2240

وَأَيْضًا: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ، فَلَا يَأْخُذْهُ؛ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ"، وَقَالَ: "إِنَّمَا أَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ". وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَحْكَامِ لَا فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ. وَرُدَّ: بِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ المُحْتَملِ. تمَكّننا، فنضرب أعناقهم، فتمكّن عليًّا من عقيل، فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان نسيبًا لعمر، فأضرب عنقه؛ فإِن هؤلاء أئمة الكفر، فَهَوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قلت، فلما كان من الغد جئت، فإِذا رسول الله، وأبو بكر قاعدين يَبْكيان، فقلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت؛ وإن لم أجد بكاء لبكائكما تباكيت فقال الرسول ﷺ : "أَبْكِي لِلَّذِي عُرِضَ عَلَى أَصْحَابِكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الفِدَا، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أدْنَاهُ مِنْ هَذِهِ الشَّجرة - شَجَرَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْهُ" وأنزل الله - تعالى - ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (١) [سورة الأنفال: الآية ٦٧ - ٦٩] فأحل الله الغنيمة لهم،

стр. 2241

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشرح: "وأيضًا" روى أحمد، وأبو داود من حديث أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّكُمْ تختصمون إِلَيَّ، وَلَعَلَّ أَحَدَكُم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بشيءٍ مِنْ مَالِ أخِيهِ، فَلَا يَأْخُذْهُ؛ فَإِنَّمَا أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ" (١). وأصل الحديث متفق عليه. "وقال: "إِنَّمَا أَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ"، وهذا اللفظ لا يُعْرَف، "وأجيب" عن [هذا] (٢) الاستدلال به على تقدر صحّته: "بأن الكلام في الأحكام لا في فَصْل الخصومات، ورد بأنه" أي قضاء الخصومات "يستلزم الحكم الشرعي المحتمل"، أي: الحكم الشّرعي؛ فإِن المال حلال لزيد، حَرَام على عمرو مع احتمال الصواب والخطأ. واعلم أنّ الحق عندنا أنه ﷺ يمتنع عليه الخَطأ. ودليله ما سيذكره، واستدلال المصنف بقوله: "عَفَا اللهُ عَنْكَ" مدفوع؛ فقد قال غير واحد: إنه ﷺ كان مخيرًا في الإِذْن وعدمه، فما ارتكب إِلا صوابًا. فإِن الله - تعالى -[يقول] (٣): ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [سورة النور: الآية ٦٢]، فلما أذن

стр. 2242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لهم أعلمه الله - تعالى - بما لم يطلع عليه من سرّهم أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا، أو أنه لا حرج عليه فيما فعل، ولا خطأ، وليس "عَفَا" هنا بمعنى: عفو، بل كما قال النبي ﷺ :"عَفَا اللَّهُ لَكُمْ مِنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ وَالرَّقِيقِ" (١). ولم يجب عليهم ذلك قط. قال القشيري: ومن قال: العفو لا يكون إِلا عن ذنب، فهو غير عارف بكلام العرب، وإنما معنى "عَفَا اللَّهُ عَنْكَ " لم يلزمك ذنبًا كما في: "عفا عن صدقة الخيل". وأما قوله في أسارى " بدر": "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى" الآيتين، فليس فيه إِلزام ذنب للنبي ﷺ ، بل فيه بيان ما خصّ به، وفضل من بين سائر الأنبياء. فكأنه قال: ما كان هذا لنبي غيرك. وقوله: "تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا" المعنى به: من أراد ذلك منهم، وليس المراد به النبي ﷺ ، وأما حديث القضاء، فالقاضي مصيب عند الحكم بشهادة الشَّاهدين مطلقًا، واعلم أن هذا المحل لا يحتمل البسط في المسألة، ومسألة العصمة هي الكافلة به؛ فإن المأخذ في عِصْمته عن الصَّغائر والكبائر كالمأخذ في عصمته عن الخطأ في الاجتهاد، والقادر على عصمته من الذنوب ويطهره عن دَنَسِهَا في حالتي العمد والسهو قادر على رفع جانبه عن الخَطأَ، والله المستعان، والذين وافقونا على امتناع الخطأ:

стр. 2243

قَالُوا: لَوْ جَازَ، لَجَازَ أَمْرُنَا بِالْخَطَأِ -. وَأُجِيبَ: بِثُبُوتِهِ لِلْعَوَامِّ. قالُوا: الإِجْمَاعُ مَعْصُومٌ؛ فَالرَّسُولُ أَوْلَى. قُلْنَا: اخْتِصَاصُهُ بِالرُّتْبَةِ وَاتِّبَاعِ الإجْمَاعِ لَه، يَدْفَعُ الأوْلَوِيَّةَ، فَيتَّبعُ الدَّلِيلَ. "قَالُوا: الشَّك فِي حُكْمِهِ مُخِلٌّ بِمَقْصُودِ الْبَعْثَةِ. وَأُجِيبَ: بِأَن الاِحْتِمَالَ فِي الاِجْتِهَادِ لا يُخِلُّ، بِخِلافِ الرِّسَالَةِ وَالْوَحْي. الشرح: "قالوا: لو جاز لجاز أمرنا بالخطأ"؛ لأنا مأمورون باتباعه، فلو كان فيما أفتى به ما هو خطأ لدخل تحت عموم ما أمرنا به "وأجيب بثبوته" أي: بثبوت الأمر بالخطأ "للعوام"، ومنع بطلان اللَّازم، ولا يخفى أنه ضعيف؛ فإن أحدًا لم يأمر بالخطأ، وإنما العامي مأمور بالتقليد، والخطأ واقع في طريقه، ولو انكشف الخطأ لما جاز للعامّي تقليد المُفْتى في خطائه، فإنما يقلده لظنّه أنه مصيب. "قالوا" ثانيًا: "الإجماع معصوم" عن الخطأ؛ لكون أهله أمة الرسول ﷺ ، "فالرسول أولى. قلنا: اختصاصه بالرّتبة"، أي: رتبة الرسالة التي هي أعلى مراتب المخلوقين، "واتباع" أهل "الإجماع له يدفع الأولوبة" رتبة العِصْمة، فربما ثبت للمفضول ما لا يثبت للفاضل، ولا يعود ذلك على الفاضلُ بِضَيْرٍ، فقد جاء في الحديث أنّ أناسًا لهم في الآخرة مراتب تربطهم [فيها] (١) الأنبياء والشهداء، فإذا جاز أن تكون العصمة عن الخطأ ثابتة وألّا تكون، فإنه لا يلزم من عصمة جميع الأمة عصمة نبيها، "فيتتبع الدليل" الدَّال على جواز الخطأ. ولقائل أن يقول: لم يأتوا بما ينتهض دليلًا حتى يتبع، ثم نحن ننكر أن المفضول قد يختص برتبة، ولكن ليس ذلك موجودًا فيما نحن فيه؛ فإن عصمة الأمة ثابتة إكرامًا لنبيها، فما ظنك بنبيها ﷺ ، وهذا واضح لمن تدبَّره. الشرح: "قالوا" ثالثًا: تجويز الخطأ يوجب الشَّك في حكمه، هل هو صواب أو خطأ؟

стр. 2244

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "والشك في حكمه مخلّ بمقصود البعثة"، وهو الوثوق بما يأتيه ويذره. "وأجيب بأن الاحتمال" للخطأ "في الاجتهاد"، و"لا يخل" إلا "بخلاف" الاحتمال فيه، و"الرسالة والوحي"، فلذلك افترقا، وحاصله منع أن ذلك مخلّ بالمقصود.

стр. 2245

مَسْأَلَةٌ: الْمُخْتَارُ: أَن النَّافِيَ مُطَالَبٌ بِدَلِيلٍ. وَقِيلَ: فِي الْعَقْلِيِّ، لا الشَّرْعِيِّ. لَنَا: لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَكَانَ ضَرُورِيًا نَظَرِيًا، وَهُوَ مُحَالٌ. وَأَيْضًا الإجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ فِي دَعْوَى الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقِدَمِ، وَهُوَ نَفْيُ الشَّرِيكِ، وَنَفْيُ الْحُدُوثِ. «مسألة» الشرح: "المختار: أن النَّافي مُطَالب بدليل. وقيل: في العقلي لا الشَّرعي". وقال أصحاب الظاهر: لا دليل عليه مطلقًا. "لنا: لو لم يكن "مطالبًا بالدليل "لكان" ما يدعيه "ضروريًا نظريًا، وهو محال" (١). وبيان الملازمة: أن عدم المطالبة إنما يكون في البديهيات، فلو لم يطالب لكان ضروريًا، والفرض أنه نظري، فيكون ضروريًا نظريًا، وقد قرر أصحابنا هذا الدليل بوجه أبسط من هذا وأوضح، فقالوا: النفي لكون الشيء حلالًا أو حرامًا حكم من أحكام الدين كالإثبات، والأحكام لا تثبت إِلا بدليلها، ومن ادعى حكمًا فعليه الدليل إِثباتًا كان أو نفيًا قَال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١١]. ثم يقول: لا يخلو النافي إما أن يدّعي العلم بنفي ما نفاه أولا، ولكن يخبر عن جهله، وسلبه الثاني لا دليل عليه، ولكنه ليس مما نحن فيه؛ لأنه ليس بحاكم بشيء حتى يقال: إنه نافي أو مثبت، والأول يقال له: هل علمت نفي ما نفيت باضطرار، أو استدلال ولا يمكنه دعوى الضرورة؛ إذ لو كانت لشاركناه فيها.
следующие страницы →