. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الشرح: "وأيضًا" روى أحمد، وأبو داود من حديث أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّكُمْ تختصمون إِلَيَّ، وَلَعَلَّ أَحَدَكُم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بشيءٍ مِنْ مَالِ أخِيهِ، فَلَا يَأْخُذْهُ؛ فَإِنَّمَا أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ نَارٍ" (١). وأصل الحديث متفق عليه.
"وقال: "إِنَّمَا أَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ"، وهذا اللفظ لا يُعْرَف، "وأجيب" عن [هذا] (٢) الاستدلال به على تقدر صحّته: "بأن الكلام في الأحكام لا في فَصْل الخصومات، ورد بأنه" أي قضاء الخصومات "يستلزم الحكم الشرعي المحتمل"، أي: الحكم الشّرعي؛ فإِن المال حلال لزيد، حَرَام على عمرو مع احتمال الصواب والخطأ.
واعلم أنّ الحق عندنا أنه ﷺ يمتنع عليه الخَطأ.
ودليله ما سيذكره، واستدلال المصنف بقوله: "عَفَا اللهُ عَنْكَ" مدفوع؛ فقد قال غير واحد: إنه ﷺ كان مخيرًا في الإِذْن وعدمه، فما ارتكب إِلا صوابًا.
فإِن الله - تعالى -[يقول] (٣): ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [سورة النور: الآية ٦٢]، فلما أذن
стр. 2242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لهم أعلمه الله - تعالى - بما لم يطلع عليه من سرّهم أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا، أو أنه لا حرج عليه فيما فعل، ولا خطأ، وليس "عَفَا" هنا بمعنى: عفو، بل كما قال النبي ﷺ :"عَفَا اللَّهُ لَكُمْ مِنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ وَالرَّقِيقِ" (١).
ولم يجب عليهم ذلك قط.
قال القشيري: ومن قال: العفو لا يكون إِلا عن ذنب، فهو غير عارف بكلام العرب، وإنما معنى "عَفَا اللَّهُ عَنْكَ " لم يلزمك ذنبًا كما في: "عفا عن صدقة الخيل".
وأما قوله في أسارى " بدر": "مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى" الآيتين، فليس فيه إِلزام ذنب للنبي ﷺ ، بل فيه بيان ما خصّ به، وفضل من بين سائر الأنبياء.
فكأنه قال: ما كان هذا لنبي غيرك.
وقوله: "تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا" المعنى به: من أراد ذلك منهم، وليس المراد به النبي ﷺ ، وأما حديث القضاء، فالقاضي مصيب عند الحكم بشهادة الشَّاهدين مطلقًا، واعلم أن هذا المحل لا يحتمل البسط في المسألة، ومسألة العصمة هي الكافلة به؛ فإن المأخذ في عِصْمته عن الصَّغائر والكبائر كالمأخذ في عصمته عن الخطأ في الاجتهاد، والقادر على عصمته من الذنوب ويطهره عن دَنَسِهَا في حالتي العمد والسهو قادر على رفع جانبه عن الخَطأَ، والله المستعان، والذين وافقونا على امتناع الخطأ:
стр. 2243
قَالُوا: لَوْ جَازَ، لَجَازَ أَمْرُنَا بِالْخَطَأِ -.
وَأُجِيبَ: بِثُبُوتِهِ لِلْعَوَامِّ.
قالُوا: الإِجْمَاعُ مَعْصُومٌ؛ فَالرَّسُولُ أَوْلَى.
قُلْنَا: اخْتِصَاصُهُ بِالرُّتْبَةِ وَاتِّبَاعِ الإجْمَاعِ لَه، يَدْفَعُ الأوْلَوِيَّةَ، فَيتَّبعُ الدَّلِيلَ.
"قَالُوا: الشَّك فِي حُكْمِهِ مُخِلٌّ بِمَقْصُودِ الْبَعْثَةِ.
وَأُجِيبَ: بِأَن الاِحْتِمَالَ فِي الاِجْتِهَادِ لا يُخِلُّ، بِخِلافِ الرِّسَالَةِ وَالْوَحْي.
الشرح: "قالوا: لو جاز لجاز أمرنا بالخطأ"؛ لأنا مأمورون باتباعه، فلو كان فيما أفتى به ما هو خطأ لدخل تحت عموم ما أمرنا به "وأجيب بثبوته" أي: بثبوت الأمر بالخطأ "للعوام"، ومنع بطلان اللَّازم، ولا يخفى أنه ضعيف؛ فإن أحدًا لم يأمر بالخطأ، وإنما العامي مأمور بالتقليد، والخطأ واقع في طريقه، ولو انكشف الخطأ لما جاز للعامّي تقليد المُفْتى في خطائه، فإنما يقلده لظنّه أنه مصيب.
"قالوا" ثانيًا: "الإجماع معصوم" عن الخطأ؛ لكون أهله أمة الرسول ﷺ ، "فالرسول أولى.
قلنا: اختصاصه بالرّتبة"، أي: رتبة الرسالة التي هي أعلى مراتب المخلوقين، "واتباع" أهل "الإجماع له يدفع الأولوبة" رتبة العِصْمة، فربما ثبت للمفضول ما لا يثبت للفاضل، ولا يعود ذلك على الفاضلُ بِضَيْرٍ، فقد جاء في الحديث أنّ أناسًا لهم في الآخرة مراتب تربطهم [فيها] (١) الأنبياء والشهداء، فإذا جاز أن تكون العصمة عن الخطأ ثابتة وألّا تكون، فإنه لا يلزم من عصمة جميع الأمة عصمة نبيها، "فيتتبع الدليل" الدَّال على جواز الخطأ.
ولقائل أن يقول: لم يأتوا بما ينتهض دليلًا حتى يتبع، ثم نحن ننكر أن المفضول قد يختص برتبة، ولكن ليس ذلك موجودًا فيما نحن فيه؛ فإن عصمة الأمة ثابتة إكرامًا لنبيها، فما ظنك بنبيها ﷺ ، وهذا واضح لمن تدبَّره.
الشرح: "قالوا" ثالثًا: تجويز الخطأ يوجب الشَّك في حكمه، هل هو صواب أو خطأ؟
стр. 2244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"والشك في حكمه مخلّ بمقصود البعثة"، وهو الوثوق بما يأتيه ويذره.
"وأجيب بأن الاحتمال" للخطأ "في الاجتهاد"، و"لا يخل" إلا "بخلاف" الاحتمال فيه، و"الرسالة والوحي"، فلذلك افترقا، وحاصله منع أن ذلك مخلّ بالمقصود.
стр. 2245
مَسْأَلَةٌ:
الْمُخْتَارُ: أَن النَّافِيَ مُطَالَبٌ بِدَلِيلٍ.
وَقِيلَ: فِي الْعَقْلِيِّ، لا الشَّرْعِيِّ.
لَنَا: لَوْ لَمْ يَكُنْ، لَكَانَ ضَرُورِيًا نَظَرِيًا، وَهُوَ مُحَالٌ.
وَأَيْضًا الإجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ فِي دَعْوَى الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقِدَمِ، وَهُوَ نَفْيُ الشَّرِيكِ، وَنَفْيُ الْحُدُوثِ.
«مسألة»
الشرح: "المختار: أن النَّافي مُطَالب بدليل.
وقيل: في العقلي لا الشَّرعي".
وقال أصحاب الظاهر: لا دليل عليه مطلقًا.
"لنا: لو لم يكن "مطالبًا بالدليل "لكان" ما يدعيه "ضروريًا نظريًا، وهو محال" (١).
وبيان الملازمة: أن عدم المطالبة إنما يكون في البديهيات، فلو لم يطالب لكان ضروريًا، والفرض أنه نظري، فيكون ضروريًا نظريًا، وقد قرر أصحابنا هذا الدليل بوجه أبسط من هذا وأوضح، فقالوا: النفي لكون الشيء حلالًا أو حرامًا حكم من أحكام الدين كالإثبات، والأحكام لا تثبت إِلا بدليلها، ومن ادعى حكمًا فعليه الدليل إِثباتًا كان أو نفيًا قَال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١١].
ثم يقول: لا يخلو النافي إما أن يدّعي العلم بنفي ما نفاه أولا، ولكن يخبر عن جهله، وسلبه الثاني لا دليل عليه، ولكنه ليس مما نحن فيه؛ لأنه ليس بحاكم بشيء حتى يقال: إنه نافي أو مثبت، والأول يقال له: هل علمت نفي ما نفيت باضطرار، أو استدلال ولا يمكنه دعوى الضرورة؛ إذ لو كانت لشاركناه فيها.
стр. 2246
النَّافِي: لَوْ لَزِمَ للَزِمَ مُنْكِرَ مُدِّعِي النبوَّةِ، وَصَلاةٍ سَادِسَةٍ، وَمُنْكِرَ الدَّعْوَى.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الدَّلِيلَ يَكُونُ اسْتِصْحَابًا مَعَ عَدَمِ الرَّافِعِ، وَقَدْ يَكُونُ انْتِفَاءَ لازِمٍ، وَيُسْتَدَلُّ بِالْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ بِالْمَانِعِ، وَانْتِفَاء الشَّرْطِ عَلى النَّفْي، بِخِلافِ مَنْ لا يُخَصِّصُ الْعِلَّةَ.
وإن قال: باستدلال سئل عنه أشرعي أم عقلي هو؟ فلا بد من دليل يقيمه، "وأيضًا: الإجماع" واقع "على" أن الثاني مُطَالب بالدليل في "ذلك" مطالبته "في دعوى الوحدانية والقدم، وهو نفي الشريك، ونفي الحدوث"، فبطل السَّلب الكلي، وهو دعواكم أنه لا دليل على النافي مطلقًا، وببطلانه يثبت الإِيجاب الكلي؛ إذ لا قائل بالفصل.
الشرح: واحتج "النافي" للمطالبة بالدليل بأنه "لو لزم" كل من يدعي نفيًا أن يقيم الدليل "للزم منكر مدّعى النبوة، وصلاة سادسة، ومنكر الدعوى"، واللوازم باطلة "أجيب بأن" هذه الصور غير منفكة عن الدليل، وذلك لأن "الدليل يكون استصحابًا" للأصل "مع عدم الرَّافع"، وذلك محقّق في مسألة الدعوى "وقد يكون" الدليل على الانتفاء "انتفاء لازم" من لوازمه؛ لاستلزامه انتفاء المَلْزُوم، وهو متحقق في الصَّلاة السادسة؛ إذ الإشهار من لوازمها عادة، وقد انتفى، وكذلك في دعوى الرِّسَالة؛ إِذ لازمها وجود المعجز عادة، وقد انتفى، والحاصل منع بطلان اللّوازم؛ فإن الثلاثة مطالبون بالدليل، لكنه مقرر معلوم، فلذلك ترك التَّصريح به، "ويستدل بالقياس الشرعي بالمانع، وانتفاء الشَّرْط على النفي، بخلاف من لا يخصص العلة" أي: إذا قلنا: النافي مطالب بالدليل، فالنافي للحكم الشرعي هل يجوز له الاستدلال بالقياس؟ اختلف فيه، والحق أنه إنما يستدل به إذا كان الجامع وجود مانع، أو عدم شرط، لا باعثًا؛ فإن عدم الحكم لا يتعين أن يكون الباعث، بل يكفي فيه عدم الباعث على الحكم، وذلك إِنما يصحّ عند من يجوز تخلّف الحكم عن علّته، ولا يجعله قادحًا في العلّية إِذا كان المانع، أو عدم شرط كما مَرَّ، فهو فرع تخصيص العلة، فجوزه المصنف لجوازه عنذه، ونحن نمنع تخصيص العلّة، فلا نجوزه.
стр. 2247
التَّقْلِيدُ
التَّقْلِيد، وَالْمُفْتِي، وَالْمُسْتَفْتِي، وَمَا اسْتُفْتِيَ فِيهِ فَالتَّقْلِيدُ: الْعَمَلُ بِقَوْلِ غَيْرِكَ منْ غَيْرِ حُجَّةٍ، وَلَيْسَ الرُّجُوعُ إِلَى الرَّسُولِ وَإلَى الإجْمَاعِ، وَالْعَامِّيِّ إِلَى الْمُفْتِي، وَالْقَاضِي إِلَى الْعُدُولِ - بِتقْلِيدٍ؛ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ، وَلا مُشاحَّةَ فِي التَّسْمِيَةِ.
وَالْمُفْتِي: الْفَقِيهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
الشرح: "التقليد (١) والمفتي، والمستفتى، وما يستفتى به".
"فالتقليد: العمل بقول غيرك من غير حجّة"، كأخذ العامي والمجتهد بقول مثله "وليس الرجوع إلى المرسل، وإلى الإجماع، والعامي إِلى المفتى، والقاضي إِلى العدول بتقليد لقيام الحجّة" على أن كلًّا منها دليل شرعي في حق الآخذ به، وقد تسمى هذه الصورة تقليدًا عند قوم لا سيّما رجوع العامي إِلى قول المفتي، وهو المختار، وعليه جرى المصنّف بعد، حيث يقول: غير المجتهد يلزمه التقليد، "ولا مُشَاحّة في التسمية، "والمفتي: الفقيه، وقد تقدم".
стр. 2248
وَالْمُسْتَفْتِي خِلافُهُ.
فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّجَزُّؤ، فَوَاضِحٌ، وَالْمُسْتَفْتَى فِيهِ الْمَسَائِلُ الاِجْتِهَادِيَةُ لا الْعَقْلِيَّة، عَلَى الصَّحِيحِ.
الشرح: تعريف الفقه، ويعرف منه تعريف الفقيه "والمستفتى خلافه.
فإن قلنا بالتجزؤ، فواضح" ثبوت الفرق بين المفتى والمستفتى؛ لأنّ كل عامي في مسألة مستفت للعالم فيها، والعالم فيها مفت، وإن لم نقل بالتجزؤ، فالمفتى المجتهد، والمستفتى غيره، "والمستفتى فيه المسائل الاجتهادية لا العقلية على الصحيح"؛ لأنه يشترط فيها القَطْع كما سيأتي عقبه إن شاء الله تعالى.
стр. 2249
مَسْأَلَةٌ:
لا تَقْلِيدَ فِي الْعَقْلِيَّاتِ ؛ كَوُجُودِ الْبَارِي تَعَالَى.
وَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ بِجَوَازِهِ.
وَقِيلَ: النَّظَرُ فِيهِ حَرَامٌ.
لَنَا: الإجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الْمَعْرِفَةِ، وَالتَّقْلِيدُ لا يُحَصلُ؛ لِجَوَازِ الْكَذِبِ، وَلأَنَّهُ كَانَ يَحْصُلُ بِحُدُوثِ العَالَمِ وَقِدَمِهِ.
وَلأنَّهُ لَوْ حَصَلَ لَكَانَ نَظَرِيًّا، وَلا دَلِيلَ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ وَاجِبًا، لَكَانَتِ الصَّحَابَةُ أَوْلَى، وَلَوْ كَانَ، لَنُقِلَ كَالْفُرُوع.
«مسألة»
الشرح: "لا تقليد في العقليَّات كوجود الباري - تعالى -" وما يجوز له (١)، وما يمتنع، ويجب من الصفات.
"وقال العنبري بجوازه.
وقيل: النظر فيه حرام.
لنا: الإجماع على وجوب المعرفة، والتقليد لا يحصّل" المعرفة، فلا يكفي.
وإنما قلنا: إن التقليد لا يحصلها لوجوه ثلاثة؛ "لجواز الكذب" على المخبر المقلد؛ لأنه غير معصوم، فلا يحصل العلم بقوله، "ولأنه" لو "كان" التقليد "يحصل" العلم "بحدوث العالم" إذا قلّد فيه، "وبعدمه" إذا قلد فيه معتقده، ونحو ذلك من المسائل المختلف فيها، فإذا قلد واحد في الحدوث، وآخر في القدم كان المقلّدان عالمين بها، فيلزم حقيقتهما، وهو محال.
الشرح: "ولأنه لو حصل" التقليد العام "لكان" العلم بكونه محصلًا به "نظرًا؛ إذ ليس
стр. 2250
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ كَذَلِكَ، وَإلَّا لَزِمَ نِسْبَتُهُمْ إِلَى الْجَهْلِ بِاللَّهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يُنْقَلْ؛ لِوُضُوحِهِ وَلعَدَمِ الْمُحْوِجِ إلَى الإِكْثَارِ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ، لأَلْزَمَ الصَّحَابَةُ الْعَوَامَّ بِذَلِكَ.
قُلْنَا: نَعَمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَحْرِيرَ الأَدِلَّةِ، وَالْجَوَابُ عَنِ الشُّبَهِ وَالدَّلِيلُ يَحْصُلُ بِأَيْسَرِ نَظَرٍ.
بضروري بالضرورة، ولو كان ضروريًا لكان عليه دليل، "ولا دليل" عليه، والأصل عدمه، فعلى من ادعاه إظهاره، والذاهبون إلى عدم وجوب النظر "قالوا" أولًا: "لو كان" النظر "واجبًا لكانت الصحابة أولى" به، "ولو كان" أي: ثبت منهم النظر في العقليات "لنقل كالفروع" أي: كما نقل نظرهم في الفروع الاجتهاديات.
"وأجيب بأنه كذلك"، أي: كان النظر واجبًا عليهم واقعًا منهم، "وإلا لزم نسبتهم إِلى الجَهْل، وهو باطل، وإنما لم ينقل لوضوحه، وعدم المحجوج إلى الإكثار" من صفاء الأذهان، ومشاهدة الآيات ومعاينة نزول الوحي وأنوار المصطفى ﷺ ، بخلاف زماننا؛ فإنه لما كان بالضد من ذلك احتيج إلى إكثار النظر والبحث.
"قالوا" ثانيًا: "لو كان" النظر واجبًا "لألزم الصحابةُ العوامَّ بذلك"، كما كانوا يلزمونهم بسائر الواجبات، واللازم باطل؛ فإنا نعلم أكثر عوام العرب لم يكونوا عالمين بالأدلّة الكلامية.
"قلنا: نعم" أي نلتزم أن الصحابة ﵃ الزموا العوام بذلك، "وليس المراد" بالنظر الواجب على العوام "تحرير الأدلة والجواب عن الشبه"، كما يفعل الغزالي، والإمام الرازي، وأمثالهما.
"والدليل يحصل بأيسر نظر"، والقصد أن العامي لا يكون مقلدًا في معرفته بالرب - تعالى - فإنه يكون غير عارف به؛ لأن التقليد أخذ قول الجر بغير حجّة، وإذا انتفى التقليد بأي طريق كأن يحصل العلم حصل الإيمان، وعوام المسلمين كلهم كذلك، فإنهم عارفون
стр. 2251
قَالُوا: وُجُوبُ النَّظَرِ دَوْرٌ عَقْلِيٌّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
قَالُوا: مَظِنَّةُ الْوُقُوع فِي الشُّبَهِ وَالضَّلالَةِ؛ بِخَلافِ التَّقْلِيدِ.
قُلْنَا: فَيَحْرُمُ عَلَى المُقَلَّدِ، أَوْ يَتَسَلْسَلُ.
غير شاكين في الله تعالى وإن كان ما في ذهنهم من الدليل غير الطريق الذي في ذهن غيرهم، وذلك كافٍ.
الشرح: "قالوا: وجوب النظر دور عقلي"؛ لتوقف معرفة الإيجاب على معرفة الموجب، فلو توقفت معرفة الموجب على معرفة الإيجاب لزم الدور، وقد تقدم جوابه في مسألة الحسن والقبح، والذاهبون إلي وجوب التقليد "قالوا: ومظنة الوقوع في الشّبه والضلالة بخلاف التقليد. "قلنا": إذا كان النظر "حرامًا، فيحربم على المقلَّد" اسم مفعول بفتح اللام، وكذا ضبطه المصنّف بخطه، أو يتسلسل؛ لأن الذي قلد إن كان قد نظر فيكون مرتكبًا للحرام، وإن استند إلى تقليد آخر تسلسل.
فائدة
عزى إلى شيخنا أبي الحسن أن إيمان المقلّد لا يصح، وأنكر الأستاذ أبو القاسم القُشَيري صحته عنه، وقد ذكر في قصيدة لنا نظمناها فيها المسائل التي اختلف فيها أبو حنيفة والأشعري - رحمهما الله تعالى - ونحن نقول على تقدير ثبوته عنه: التقليد: يطلق تارة بمعنى قَبُول قول الغير بغير حجّة، ويسمى اتباع العامي لإمامه تقليدًا على هذا، وهو العرف.
وتارة بمعنى الاعتقاد، والجازم لا الموجب، والتقليد بالمعنى الأول قد يكون ظنًّا، وقد يكون وهمًا، كما في تقليد إِمام في فرع من الفروع مع تجويز أن يكون الحق في خلافه، ولا شك أن هذا لا يكفي في الإيمان عند الأشعري، وسائر الموحدين، ولعلّه مقصود الأشعري بقوله المقلد لا يصح أن يثبت عنه.
وأما التقليد بالمعنى الثاني، فكان أبي ﵀ يقول: لم يقل أحد من علماء الإِسلام: إنه لا يكفي في الإيمان، إلا أبو هاشم من المعتزلة، وأنا أقول: إن هذا لا يتصور؛ فإن الإِنسان إذا مضى عليه زمن لا بد أن يحصل عنده دليل، وإن لم يكن على طريقة أهل الجدل، فإن فرض مصمم جازم، ولا دليل عنده، فهو الذي يكفره أبو هاشم، ولعلّه المنسوب إلى الأشعري، والصحيح أنه ليس بكافر، وأن الأشعري لم يقل بذلك.
стр. 2252
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نعم اختلف أهل السُّنة في أنه هل هو عاصٍ، والأصح عند أبي حنيفة ﵀ أنه مطيع.
وعند آخرين أنه عاص، وهو الخلاف في وجوب النظر، فاعرفه.
وإن قلنا: إنه عاص، وأن النظر واجب، فالواجب نظر ما، ولا يشترط نظر على طريقة المتكلمين كما عرفناك، وهذا لا خلاف فيه نعلمه ثابتًا عن أحد من سلف الأمّة.
قال ابن السَّمْعَاني: إيجاب معرفة الأصول على ما يقوله المتكلّمون بعيد جدًّا عن الصَّوَاب، ومتى أوجبنا ذلك، فمتى يوجد من العوام من يصرف ذلك؟ وتصدر عقيدته عنه، بل أكثر العوام بحيث لو عرضت عليهم تلك الدلائل لم يفهموها، وإنما غاية العامي أن يتلقى ما يريد أن يعتقده ويلقى به ربه من العلماء، ويتبعهم في ذلك ويقلدهم، ثم يسلم عليها بقلب سليم طاهر عن الأهواء والأَدْغَال، ثم يعلّق عليها بالنَّوَاجذ، فلا يحول ولا يزول، ولو قطّع إربًا، فهنيئًا لهم السلامة والبعد عن الشُّبهات الداخلة على أهل الكلام والوَرطَات التي تورّطوا فيها حتى أَدَّت بهم إِلى المهاوي والمَهَالك، وولجت عليهم الشُّبُهَات العظيمة في الآخرة، فصاروا متحيّرين عمهين، ولهذا لا يوجد فيهم متورع متعفّف إلا القليل؛ لأنهم أعرضوا عن ورع الألْسنة، وإن سألوها في صفات الله - تعالى - بجرأة عظيمة، وعدم مهابة وحرمة، ففاتهم ورع سائر الجوارح، وذهب عنهم بذلك ورع اللَّسَان، والإنسان كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا، فإذا خَرِبَ منه جانب تَدَاعى منه سائره للخراب؛ ولأنه ما من دليل لفريق منهم يعتمدون عليه إلا ولخصومهم عليه الشبه القوية، بل يدعون لأنفسهم مثل ذلك سواء، وغاية الواحد منهم في اللجج والعلو على صاحبه بزيادة الحذف في طريقة الجَدَل، فبينهم أوضاع يتناظرون عليها، ويطالبون الخَصْم بطردها، فإذا لم يفوا بطردها سمّوها انقطاعًا، وعجزوا، على أَنَّا لا ننكر من الدلائل العقلية بقدر ما ينال المسلم به بَرْد الخاطر، ويزداد ثقة فيما يعتقده [وطمأنينة] (١)، وإنما ننكر إيجاب التوصل إِلى العقائد في الأُصول بالطريق الذي اعتقدوه وساموا به جميع الخلق، وزعموا أن من لم يفعل ذلك لم يعرف الله تعالى.
стр. 2253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم أدى ذلك بهم إلى تكفير العوام أجمع، وهذا هو الحطة الشنعاء، والدَّاء العُضَال، وإذا كان السواد الأعظم هم العوام، وبهم قوام الدِّين، وعليهم مَدَار رجال الإِسلام، ولعل لا يوجد في البلدة الواحدة التي تجمع المائة ألف، والمائتي ألف ممن يقوم بالشرائط التي يعتبرونها إِلا الفذّ الشَّارد والشَّاذ والنَّادر، ولعله لا يبلغ عقد العشرة، فمتى يجد المسلم من قلبه أن يحكم بكفر هؤلاء الناس أجمع، ويعتقد أنهم لا عقيدة لهم في أصول الدين أصلًا، وأنهم أمثال البَهَائم والدواب المسخّرة؟! انتهى كلام ابن السَّمْعَاني، وذكر بعده حكايات تؤيد ما ذكره، وقد اكتفينا بما أوردناه منه عما لم نورده، وأتينا بما أوردناه مع طوله؛ لأنه حسن حق.
فائدة أخرى: ذكر أبو زيد الدبوسي من الحنفية فصلًا في "الإِلْهَام" عقب ذكره إبطال التقليد، وأصحابنا لم يتكلّموا في ذلك، وإنما ذكره ابن السَّمْعَاني عن أبي زيد، ثم تكلم عليه، فقال أبو زيد: الإلهام (١) ما حرك القلب بعلم يدعوك إِلى العلم من غير استدلال بآية،
стр. 2254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولا نظر في حجة، والذي عليه جمهور العلماء أنه خيار لا يجوز العمل به إِلا عند فقد الحُجَجِ كلها في باب ما أبيح عمله بغير علم.
وقال بعض الجبرية: إنه حجة بمنزلة الوحي المسموع عن رسول الله ﷺ .
واحتج بقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٧، ٨] بالإيقاع في القلب، وبقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٢٥].
وشرح الصدر بنور العلم، والحرج بظلمة الجهل، أخبر تعالى أنه [هو] (١) الجاعل لذلك بلا واسطة ولا صنع من العبد، وبقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [سورة الروم: الآية ٣٠]. أخبر أن الناس خلقوا على الدين الحنيفي بلا صنع منهم.
وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ الآية [سورة النحل: الآية ٦٨] يعني: ألهمها حتى عرفت مصالحها، فلا ينكر ذلك للآدمي.
وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [سورة القصص: الآية ٧] أي: ألهمناها.
وقال ﵇: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ" (٢).
стр. 2255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال ﵇: "اتَّقُوا فرَاسَةَ المُؤمِنِ" (١)، والفراسة شيء يقع في القلب بلا نظر في حجّة.
وقال ﵇ لِوَابِصَةَ وقد سأله عن البر والإِثم: "ضَعْ يَدَكَ عَلَى صَدْرِكَ، فَمَا حَاكَ فِي قَلْبِكَ فَدَعْهُ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوكَ".
فقد جعل ﵇ شهادة قلبه بلا حجّة أولى من الفتوى.
وقال ﵇: "قَدْ كَانَ فِي الأُمَمِ مُحَدّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الأُمةِ، أَحَدٌ فَهُوَ عُمَرُ" (٢).
وعن أبي بكر ﵁: ألقى في روعى أن ذا بطن بنت خارجة جَارِية، والإلقاء الإلهام، وأطال في ذلك.
ثم قال: فثبت أن الإِلهّام حقّ، وأنه وحي باطن إلا أن العبد إِذا عصى ربه، وعمل بهواه حرم هذه الكرامة، واستولى عليه وحي الشيطان، فهذه حجج أهل الإلهام.
أما حجّة أهل السّنة فقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: الآية ١١١].
стр. 2256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فألزمهم الكذب بعجزهم عن إِظهار الحجّة، والإِلهام حجّة باطنة لا يمكن إظهارها.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١١٧].
وبحثهم عن دعوى إله لا برهان لهم به، فدلّ أن شهادة قلوبهم لا تنتهض حجّة، وإنما الحجة ما يمكن إظهاره من الدلائل الشرعية، ويدل عليه قوله: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ".
فهو دليل على أن العلم بالله - تعالى - لا يكون إِلا بآيات، والآيات لا تدلنا إلا بعد الاستدلال بها عن نظر عقلي، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [سورة الغاشية: الآية ١٧]، وقوله تعلى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٢١].
وقال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢].
أمر الرب - تعالى - بالنظر والاستدلال، ولم يأمر بالرجوع إلى القلب.
ولذلك قوله ﷺ لمعاذ: "بِمَا تَحْكُمُ؟ " … الحديث، لم يذكر فيه إلهام القلب.
قال علماؤنا: ونقول لأهل الإلهام: ما قولكم في الالهام أهو حجّة عند موافقة الشرع، أو مطلقًا؟ فإن عمّموا قولهم وزعموه حجّة، وإن خالف الشرع فقد رفعوا قواعد الإسلام، وأتوا بما لا يدين به من يوحد الله تعالى قالوا: إنما يكون حجّة عند المُوَافقة، فالموافقة لا تعرف إلا بعد النَّظر في أصول الشَّرْع، وأيضًا فالإِلهام قد يكون من الله - تعالى - وقد يكون من الشَّيْطَان، وقد يكون من النَّفْس، فإن كان من الله يكون حقًّا.
وإن كان من النفس أو من الشيطان يكون باطلًا، فإذا احتمل ألَّا يكون حقًّا لم يكن حكا، ويدل عليه أن كل إنسان في دعوى الإِلهام مثل صاحبه، فإن قال واحد: ألهمت أن ما أقوله حق، قال عكسه من أراد معاكسته وليس ثم إلا دعوى مقابلة دعوى. وأما الجواب عن كلماتهم، فنقول: قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سورة الشمس: الآية ٨] تأويله والله أعلم: عرفها طريق العلم، وهو الآيات والحُجج، وطريق الفجور، ولذلك شرح الصّدور بنور التوفيق هو النظر في الحُجَج، وكذلك الأخبار المذكورة في القرآن للقلب، وهو بنور الأدلة وبما آراه من الآيات.
стр. 2257
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما الفطر، فتأويلها أن الآدمي يخلق وعليه أمانة الله التي قبلها آدم ﵇، فيكون على فِطْرة الدين ما لم يخن فيما عليه من الأمانة.
وأما وحي النحل، فإنما أنكرنا مثل ذلك في علم خوطبنا بِكَسْبِهِ، وابتلينا به، وأما وحي أمّ موسى ﵇ فأمر نقول به، وبيانه: أن أم موسى خافت عليه القتل من فرعون لما ظهر من سُنته، ومن خاف على نفسه الهلاك حل له إلقاء نفسه في البحر، إن رجا فيه النجاة بوجه، وراكب السفينة إذا ابتلى بالحريق حالة ركوب لوح في البحر وكل من ابتلى بشرين لزمه ارتكاب [أهونهما] (١)، فقد فعلتْ الذي فعلت بالنظر إلى الذي ألقى في قلبها.
وأما كرامة الفرَاسَة، فلا ننكرها أصلًا، ولكنا لا نجعل شهادة القلب حجّة؛ لجهلنا أنها من الله تعالى، أو من الشيطان، أو النفس.
وأما الصحابة، فلم يقولوا إِلا عن نظر استدلال. هذا مختصر كلام أبي زيد الدبوسي.
قال أبو المظفر بن السَّمعاني: واعلم أن إنكار أصل الإلهام لا يجوز، ويجوز أن يفعل الله - تعالى - بعبد بلطفه كرامة له، ويقول في التمييز بين الحق والباطل، والحق من ذلك أنه كلّما استقام على شرع النبي ﷺ ولم يكن في الكتاب والسُّنة ما يرده، فهو مقبول، وما لا فمردود، ويكون ذلك من تسويلات النَّفْس، ووساوس الشَّيْطَان، ويجب ردّه، على أنا لا ننكر زيادة نور من الله - تعالى - كرامة للعبد، وزيادة نظر له، فأما أن يرجع إلى قلبه في جميع الأمور فقول لا نعرفه. انتهى.
قلت: ومع كوننا لا ننكر ما ذكره، فلسنا نزعم أنه حجّة شرعية، وإنما هو نور في القلب يختص الله به من يشاء من عباده، وإذا وافق الشرع كان حُجَّة ذلك الشرع إِلا ما قام في الذهن، ونقول: ربّ صالح عالم مطعمه حَلال ومشربه حلال، ومكسبه حلال اختصه الله بأن يلهمه الصواب، ولا يحل له في ظاهر الشَّرع الاحتجاج بذلك؛ لأنه ليس بمعصوم، فلا ثقة له بخواطره.
стр. 2258
مَسْأَلَةٌ:
غَيْرُ المُجْتَهِدِ يَلْزَمُهُ التَّقْلِيد، وَإنْ كَانَ عَالِمًا.
وَقِيلَ: بشَرْطِ أَنْ يَتَبيَّنَ لَهُ صِحَّةُ اجْتِهَادِهِ بِدَلِيلِهِ.
لَنَا: "فَأَسْالُوا أَهْلَ الذكرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ" وَهُوَ عَامٌّ فِيمَنْ لا يَعْلَمُ.
وَأَيْضًا: لَمْ يَزَلِ الْمُسْتَفْتُونَ يَتَّبِعُونَ مِنْ غَيْرِ إِبْدَاءِ الْمُسْتَنَدِ لَهُمْ مِنْ غَيْر نَكِيرٍ.
قَالُوا: يُؤَدِّي إِلَى وُجُوبِ اتِّباعِ الْخَطَأِ.
«مسألة»
الشرح: "غير المجتهد يلزمه التقليد، وإن كان عالمه" (١) بطرف صالح من علوم الاجتهاد.
"وقيل": إنما يلزم هذا العالم "بشرط أن يتبيّن له" من حال المجتهد الذي يريد تقليده "صحّة اجتهاده بدليله".
"لنا" قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٧].
وهو عام فيمن لا يعلم"، فنقول: هذا غير عالم بهذه المسألة، فعليه السؤال عنها، ويحققه أن علة السؤال الجهل وهو حاصل في هذه المسألة فيجب، "وأيضًا لم يزل المستفتون (٢) يتبعون" المجتهدين "من غير إبداء المستند لهم، ولا كشف وجه اجتهادهم، وشاع ذلك وذاع "من غير نكير"، فكان إجماعًا.
стр. 2259
قُلْنَا: وَكَذَلِكَ لَوْ أَبْدَي لَهُ مُسْتَنَدَه، وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي نَفْسُهُ.
"قالوا" القول بذلك "يؤدي إلى وجوب اتباع الخطأ"؛ لجوازه على المجتهد.
الشرح: "قلنا: وكذلك" الحال "لو أبدى له مستنده"؛ إذ لا يلزم من إبداء المستند الأمن من الخطأ، "وكذلك المفتى نفسه"، يرد هذا عليه بعينه؛ لأنه يتبع ظنه مع احتمال الخطأ.
стр. 2260
مَسْأَلَةٌ:
مَسْأَلَة: الاِتِّفَاق، عَلَى اسْتِفْتَاءِ مَنْ عُرِفَ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ، أَوْ رَآهُ مُنْتَصِبًا، وَالنَّاسُ مُسْتَفْتُونَ مُعَظِّمُونَ لَه، وَعَلَى امْتِنَاعِهِ فِي ضِدِّهِ.
وَالمُخْتَارُ: امْتِنَاعُهُ فِي الْمَجْهُولِ.
لنَا: أَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الْعِلْمِ.
وَأَيْضًا: الأَكْثَرُ الْجُهَّال، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنَ الْغَالِبِ، كَالشَّاهِدِ وَالرَّاوِي.
«مسألة»
الشرح: "الاتفاق على" جواز "استفتاء من عرف بالعلم والعدالة، أو رآه منتصبًا" للفتوى، "والناس يستفتون له معظمون، وعلى امتناعه في ضده"، أي: والاتفاق على امتناع الاستفتاء فيمن كان بالضّد من ذلك (١).
"والمختار: بامتناعه في المجهول" حاله في العلم والجهل.
"لنا: أن الأصل عدم العلم، وأيضا: الأكثر الجهال كالظاهر أنه من الغالب"، فإذن الأصل والظاهر مُتَضَافران على انتفاء العلم، فيعتمدان "كالشاهد والراوي.
стр. 2261
قَالُوا: لَوِ امْتَنعَ لِذَلِكَ، لامْتَنَعَ فِيمَنْ عُلِمَ عِلْمُهُ دُونَ عَدَالَتِهِ.
قُلْنَا: مُمْتَنِعٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْفَرْقُ أَنَّ الغَالِبَ فِي المُجْتَهِدِينَ الْعَدَالَةُ، بِخِلافِ الاِجْتِهَادِ.
الشرح: "لو امتنع لذلك" أي: الجهل بعلمه "لامتنع فيمن علم علمه دون عدالته".
بدليلكم بعينه؛ لجريانه فيه، واللازم منتفٍ.
"قلنا": نلتزم أنه "ممتنع" أيضًا، "ولو سلم فالفرق أن الغالب في المجتهدين العدالة، بخلاف" منصب "الاجتهاد"؛ فإنه ليس غالبًا على الناس، بل أَعز من الكبريت الأحمر.
стр. 2262
مَسْأَلَةٌ:
إِذَا تَكَرَّرَتِ الْوَاقِعَةُ، لَمْ يَلْزَمْ تَكْرِيرُ النَّظَرِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُ.
لنَا: اجْتَهَدَ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ أَمْرٍ آخَرَ.
قَالُوا: يُجْتَمَلُ أَنْ يَتَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ.
قُلْنَا: فَيَجِبُ تَكْرِيرُهُ أَبدًا.
«مسألة»
الشرح: "إذا تكررت الواقعة لم يلزم تكرير النظر"، وتجديد الاجتهاد.
"وقيل: يلزم.
لنا: اجتهد، والأصل عدم أمر آخر.
قالوا: يحتمل أن يتغير اجتهاده"، فلا ثقة ببقاء الظن، فالمجتهد يرى هل تعيّن أو لا.
"قلنا: فيجب تكريره أبدًا"؛ لأن احتمال تغير الاجتهاد قائم، فلم التقييد بتكرار الواقعة؟
واعلم أن الأصح في مذهبنا لزوم التجديد، والمسألة مفروضة فيما إِذا لم يكن ذكر الدليل الأول، ولم يتجدد ما يوجب رجوعه، فإن كان ذاكرًا لم يلزمه قطعًا، وإن تجدّد ما قد يوجب الرجوع لزمه قطعًا، ولذا اختلف أصحابنا في العامّي يستفتى المجتهد، ويعرف استناده في فُتْيَاه إلى الرأي، أو يشك فيقع له الواقعة.
ثانيًا: على وجهين:
وأصحهما: يلزمه السؤال.
ثانيًا: لاحتمال تغير اجتهاد المجتهد، ونظير المسألة إذا عدل الشاهد، ثم شهد في واقعة أخرى.
стр. 2263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال أصحابنا: إن لم يطل الزمان حكم بشهادته، ولا يطلب تعديله.
ثانيًا: وإن طال فوجهان:
أصحهما: نطلب تعديله؛ لأن طول الزمان يغير الأحوال.
قَالُوا: فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَيَسْتَلْزِمُ انْتِفَاؤُهُ اتِّفَاقَ المُسْلِمِينَ عَلَى البَاطِلِ.
قُلْنَا: إذَا فُرِض مَوْتُ الْعُلَمَاءِ لَمْ يُمْكِنْ.
"قالوا: قال" ﷺ : "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقِّ حَتَّى يَأْتِي أَمْرُ اللَّهِ، وَحَتَّى يَظْهَرَ الدَّجَّلُ" (١).
وهو حديث متفق على صحته، لكن ليس في لفظ "الصحيحين": "وحَتّى يظهر الدجال" هذا ظاهر في عدم الخلو إلى يوم القيامة، أو أشراطها.
"قلنا": سلمنا أن هذا يدل على عدم وقوع الخلو، "فأين نفي الجواز" الذي ادعيتموه، "ولو سلم فدليلنا أظهر"؛ لأن فيه التصريح بقبض العلم، وليس فيما ذكرتموه إِلا ظهور الحق، ولا يلزم من بقاء أهل العلم.
وفي حديث حذيفة بن اليَمَانِ أن رسول الله ﷺ قال: "يَدْرُسُ الإِسْلامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْىُ الثَّوْبِ" (٢) … الحديث رواه ابن ماجه، والحاكم في صحيحه، وقال: على شرط مسلم.
стр. 2266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"ولو سلم" تساوى الدليلين، "فيتعارضان" أعني: الحديث الذي أوردناه مع الذي أوردتموه.
"ونسلم" الدليل "الأوّل" الذي ذكرناه نحن، وهو أن الأصل عدم المانع.
الشرح: ""قالوا" الاجتهاد "فرض كفاية، فيستلزم انتفاؤه [اتفاق] (١) المسلمين على الباطل.
قلنا": إنما يكون فرض كفاية إذا لم يفرض موت العلماء.
أما "إذا فرض موت العلماء لم يكن"؛ لأن موتهم ينفي القدرة، والتمكن من الاجتهاد، وإذا لم يكن مقدور لم يقع التكليف به.
стр. 2267
مَسْأَلَةٌ:
إِفْتَاءُ مَنْ لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ، بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ إِنْ كَانَ مُطَّلِعًا عَلَى المَآخِذِ، أَهْلًا لِلنَّظَرِ - جَائِزٌ.
وَقِيلَ: عِنْدَ عَدَمِ المُجْتَهِدِ.
وَقِيلَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: لا يَجُوزُ.
لَنَا: وُقُوعُ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكَرْ، وَأُنْكِرَ مِنْ غَيْرِهِ.
"الْمُجَوِّزُ": نَاقِلٌ كالأَحَادِيث.
«مسألة»
الشرح: "إفتاء من ليس بمجتهد بمذهب مجتهد إِن كان مطلعًا على المآخذ" (١) التي لإمامه "أهلًا للنظر جائز.
وقيل: يجوز مطلقًا" أي: سواء كان مطلعًا على المآخذ أم لا.
"وقيل: لا يجوز، لنا: وقوع ذلك" مع ترادف الأعصار؛ فإن طوائف المذاهب يفتون بمذهبهم مع عدم بلوغهم رتبة الاجتهاد المطلق، "ولم ينكر" الإفتاء على مَنْ هذه صفته، "وأنكر من غيره" فكان إِجماعًا على جواز فُتْيَا المتبحّر، وعدم جواز فُتْيَا من لم يطلع على المآخذ.
واحتج "المجوز" مطلقًا، بأنه "ناقل"، فلا يشترط فيه الاطلاع على المآخذ، "كالأحاديث"؛ فإنه لا يشترط في رواتها الفقه، وربّ حَامِل فِقْهِ ليس بفقيه.
стр. 2268
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْخِلافَ فِي غَيْرِ النَّقْلِ.
"الْمانِعُ": لَوْ جَازَ لَجَازَ لِلْعَامِّيِّ.
وَأُجِيبَ: بِالدَّلِيلِ، وَبِالْفَرْقِ.
الشرح: "وأجيب: بأن الخلاف في غير النقل"، وهو جواز الاقتداء بقول إمامه.
واحتج "المانع" بأنه "لو جاز" الإفتاء بغير المجتهد، "لجاز للعامي" بجامع عدم بلوغ رتبة الاجتهاد.
"وأجيب": بأن جوازه للمطلع على المأخذ "بالدليل" النَّاهض عليه، والعامي لا دليل على جواز فتياه، فأنّى يستويان؟.
"وبالفرق" بين العامي والمطلع على المآخذ.
"فائدة"
لمن لم يبلغ رتبة الاجتهاد المطلق مراتب:
أحدها: أن يصل إلى رتبة الاجتهاد المفيد، فيستقل بتقرير مذهب إِمام معين، ويتخذ نصوصه أصولًا يستنبط منها، نحو ما يفعله المستقلّ بنصوص الشارع، وهذه صفة أصحاب الوجوه، والذي أظنه قيام الإجماع على جواز فُتْيا هؤلاء، وأنت ترى علماء المذاهب ممن وصل إلى هذه الرتبة هل منعهم أحد الفتوى، أو منعوا هم أنفسهم عنها؟.
الثانية: من لم يبلغ رتبة أصحاب الوجوه، ولكنه فَقِيهُ النفس حافظ [للمذهب] (١) قائم بتقريره، غير أنه لم يرتض في التخريج والاستنباط كارْتِيَاضِ أولئك، وقد كانوا يفتون، ويخرجون كأولئك.
الثالثة: من لم يبلغ هذا المِقْدَار، ولكنه حافظ لِوَاضِحَاتِ المسائل، ومشكلاتها، غير أن عنده ضعفًا في تقرير أدلّتها، فعلى هذا الإِمساك عن الفُتيَا، فانغمض فهمه مما لا نقل عنده فيه، وليس هذا هو الذي حكينا فيه الخلاف؛ لأنه لا اطلاع له على المآخذ، وكل هؤلاء غير عوام.
أما العامي إذا عرف حكم حادثة بدليلها لم يكن له الفُتْيَا بها.
стр. 2269
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: إن كان نقليًّا جاز، وإلا فلا.
وقيل: إن كانت دليلها من الكتاب والسُّنة جاز، وإلا فلا.
وأما العامي الذي عرف من المجتهد حكم مسألة، ولم يدر دليلها، ولا وجه يعلقها، كمن حفظها مختصرًا من مختصرات الفقه، فليس له أن يفتي، ورجوع العامي إليه إذا لم يَلْقَ سواه أَوْلَى من الارتباك في الحيرة، وكل هذا فيمن لم ينقل عن غيره.
أما الناقل فلا يمنع، فإذا ذكر العامي أن فلانًا المفتى أفتاني بكذا لم يمنع من نقل هذا القدر، وإليه أشار في الكتاب بقوله: وأجيب: بأن الخلاف في غير النقل.
стр. 2270
مَسْأَلَةٌ:
لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُقَلِّدَ الْمَفْضُولَ، وَعَنْ أَحْمَدَ، وَابْنِ سُرَيْجٍ: الأَرْجَحُ مُتَعَيِّنٌ.
لَنَا: الْقَطْعُ بِأَنَّهُمْ كَانوا يُفْتُونَ مَعَ الاِشْتِهَارِ وَالتَّكَرُّرِ، وَلَمْ يُنكرْ.
وَأَيْضًا: قَالَ: "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ".
وَاسْتُدِلَّ: بِأَنَّ العَامِّيَّ لا يُمْكِنُهُ التَّرْجِيحُ؛ لِقُصُورِهِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يَظْهَرُ بِالتَّسَامُعِ، وَبِرُجُوعِ الْعُلَمَاءِ إِلَيْهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَالُوا: أَقْوَالُهُمْ كَالْأَدِلَّةِ، فَيَجِبُ التَّرْجِيحُ.
قُلْنَا: لا يُقَاوِمُ ما ذَكَرْنَا، وَلَوْ سُلِّمَ فَلِعُسْرِ تَرْجِيح الْعَوَامِّ.
«مسألة»
الشرح: "للمقلّد أن يقلد المفضول من المجتهدين وإن قدر على تقليد الفاضل.
(وعند أحمد وابن سريج الأرجح متعّين) (١) واختاره القاضي المّروزي والقاضي الحسين وابن السمعانى.
لنا: القطع في المفضولين "بأنهم كانوا يفتون" والفاضلون موجودون "مع الاشتهار والتَّكْرَار، ولم ينكر"، فكان إجماعًا.
"وأيضًا قال" ﷺ ""أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ" بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ". خرج العوام؛ لأنهم المقتدون، بقي معولًا به في المجتهدين من غير فضل.
الشرح: واستدل "بأن العامي لا يمكنه الترجيح؛ لقصوره"، ولو كلف بذلك لكان تكليفًا بضرب من الاجتهاد.
стр. 2271
قَالُوا: الظَّنُّ بِقَوْلِ الأَعْلَمِ أَقْوَى.
قُلْنَا: تَقْرِيرُ مَا قَدَّمْتُمُوهُ.
وأجيب بأنه يظهر بالتسامع، وبرجوع العلماء إليه وغير ذلك"، ككثرة المستفتين، وتقديم العلماء له، وذلك ممكن، فلا يمتنع تكليف به، كما يجب عليه قطعًا البحث الذي يعرف به صلاحية مَنْ يستفتيه للإفتاء إِذا لم يكن قد تقدّمت معرفته بذلك.
"قالوا": المفتون "أقوالهم كالأدلة، فيجب الترجيح" عند تعارضها، والأفضلية من المرجّحات.
"قلنا": هذا قياس، وهو "لا يقاوم ما ذكرناه" من الإجماع، "ولو سلم" أنه مقاوِم "فَلِعُسْرِ ترجيح العوام" بين المفتين لم يجب عليهم الترجيح، ولسهولته على المجتهدين بين الأدلّة وجب، فقد وضح الفرق.
"قالوا: الظن بقول الأعلم أقوى"، ويجب معرفة أقوى الظنين للأخذ به عند التَّعَارض "قلنا": هذا "تقرير ما قدمتموه" من الدليل في المعنى، وإن تخالفا في العبارة، لأن إفادته للظن، وكونه كالدليل للمجتهد أمر واحد، والجواب الجواب بعينه.
стр. 2272
مَسْأَلَةٌ:
وَلا يَرْجِعُ عَنْهُ بَعْدَ تَقْلِيدِهِ اتِّفاقًا، وَفي حُكْمٍ آخَرَ: الْمُخْتَارُ: جَوَازُهُ.
لنَا: الْقَطْعُ بِوُقُوعِهِ، وَلَمْ يُنْكَرْ، فَلَوِ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا؛ كمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، فَثَالِثُهَا كَالأَوَّلِ.
«مسألة»
الشرح: "ولا يرجع عنه بعد تقليده"، في مسألة "اتفاقًا، وفي حُكْمٍ آخر المختار: جوازه" (١) "لنا: القطع بوقوعه" إذا كانوا يستفتون في كل حادثة غير ملتزمين سؤال من سألوه أولًا، "ولم ينكر" ذلك من أحد، فكان إِجماعًا، هذا إذا لم يعين العامي مذهبًا، "فلو التزم مذهبًا معينًا كمالك والشافعي وغيرهما"، فهل يلزمه الاستمرار عليه، وعدم الحيد عنه؟ فيه أقوال: أحدها: يلزمه.
والثاني: لا.
وأما الأعدل "فثالثهما"، وهو أنه إن قلده في واقعة لم يكن له الرجوع، وإلا فله الرجوع، ويكون في ذلك "كالأول" أي: كالعامي الذي لم يلتزم مذهبًا.
وقال الإمام ابن السمعاني: وإذا سمع المستفتى جواب المفتى لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه.
ويجوز أن يقال: يلزمه إذا أخذ في العمل به، وقيل: يلزمه إذا وقع في نفسه صحّته وحقيته، قال: وهذا أوْلَى الأوجه.
стр. 2273
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال ابن الصّلاح: ولم أجد هذا لغيره، وقد حكى هو بعد ذلك عن بعض الأصوليين أنه إذا أفتاه بما هو مختلف فيه خيّره بين أن يقبل منه، أو من غيره.
قال ابن الصَّلاح: والذي تقتضيه القواعد أنه إذا لم يجد سواه تعيّن عليه الأخذ بفُتْيَاه، ولا يتوقف ذلك على التزامه، ولا سكون نفسه إلى صحته.
وإن وجد، فإن استبان أن الذي أفْتَاه هو الأَعْلَم والأوْثق لزمه بناء على تقليد الأفضل، وإن لم يستبن لم يلزمه.
واعلم أن أئمتنا أكثروا القول في باب الفُتْيا، وخصّ الباب منهم بالتصنيف القاضي أبو القاسم الصّيمري، ومن المتأخرين الشيخ أبو عمرو بن الصّلاح، وأجاد كل الإجادة، وأحسن القول فيه أيضًا ابن السمعاني في "القَوَاطع".
ومن أئمتنا من أودع الباب مسألة تقليد الشافعي، كإمام الحرمين، وابن السّمعاني، والغزالي وغيرهم، وميل المحققين منا إلى أن تقليده واجب على طوائف العامة، وأنه لا عُذْر لهم عند الله - تعالى - في العدول عنه، وبه صرح إمام الحرمين في تصنيف لطيف أفرده في ذلك، وسَمَّاه بـ "مغيث الخلق واختيار الحق" ونحن نرى الإمساك عن الكلام في هذه المسألة، فليست من فن الأصول، والكلام فيها يؤول إلى تَشْعيب من أصحاب الآراء، وتشنيع من اختلاف السّفهاء، ثم لا نعود بطائل من الفائدة، والله - تعالى - يهدينا إلى سبيل الرشاد.
стр. 2274
التَّرْجِيحُ
التَّرْجِيح، وَهُوَ اقْتِرَانُ الْأمَارَة بِمَا تَقْوَى بِهِ عَلَى مُعَارِضِهَا، فَيَجِبُ تَقْدِيمُهَا؛ لِلْقَطْعِ عَنْهُمْ بِذلِكَ.
وَأُورِدَ: شَهَادَةُ أَرْبَعَةٍ مَعَ اثْنَيْنِ، وَأُجِيبَ: بِالْتِزَامِهِ، وَبِالفرْقِ، وَلا تَعَارُضَ فِي قَطْعِيَّيْنِ، وَلا فِي قَطْعِيٍّ وَظَنِّيٍّ؛ لاِنْتِفَاءِ الظَّنِّ وَالتَّرْجِيحِ فِي ظَنِّيَّيْنِ مَنْقُولَيْنِ، أَوْ مَعْقُولَيْنِ، أَوْ مَنْقُولٍ وَمَعْقُولٍ.
«مسألة»
الشرح: "وهو اقتران الأمارة بما يقوى به على معارضها" (١).
وإنما قلنا: الأمارة ليختصّ بالظنين، فإنه لا تعارض بين قطعيين، ولا قاطع وظني.
وإنما قلنا: على معارضها؛ لأنه إذا لم يكن هناك معارض، فلا ترجيح.
أما عند حصول المرجّح "فيجب تقديمها" على المعارض اقتداء بالصحابة ﵃ "للقطع عنهم بذلك، وأورد: شهادة أربعة مع اثنين" إذا تعارضا، فإن الظن بالأربعة أقوى، ومع ذلك لا ترجيح في الشَّهَادات بالعدد.
стр. 2275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"وأجيب بالتزامه"، وهو مذهب مالك، أو "بالفرق" بين الشهادة والدليل، بأنه ليس كل ما ترجح به الأدلة ترجح به الشهادة، وستقف إن شاء الله - تعالى - من ذلك على كثير.
قال علماؤنا: ووجه الفرق أن الشهادة مقدّرة في الشرع بعدد معلوم، فكفينا الاجتهاد فيها، بخلاف الرواية؛ فإن أمرها مبني على الاجتهاد.
"ولا تعارض في قطعيين" وإلا ثبت مقتضاهما، وهما نقيضان، ولا في قَطْعي وظني، لانتفاء الظن" عند القطع بالنقيض، "والترجيح" حينئذ منحصر "في الظَّنين"؛ لتأتي التعارض بينهما، وعدم تأتيه في غيرهما، والظنان إما أن يكونا "منقولين" كَنَصّين، "أو معقولين" كقياسين، "أو منقول ومعقول" كنصّ، وقياس.
стр. 2276
مَسْأَلَةٌ:
الأَوَّلُ: فِي السَّنَدِ، وَالْمَتْنِ، وَالْمَدْلُولِ، وَفِي خَارج.
الْأَوَّلُ: بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ لِقُوَّةِ الظَّنِّ؛ خِلافًا لِلْكَرْخِيِّ، وَبِزِيادَةِ الثِّقَةِ، وَبِالْفِطْنَةِ، وَالْوَرَعِ، وَالْعِلْمِ، وَالضَّبْطِ، وَالنَّحْوِ، وَبِأَنَّهُ أَشْهَرُ بِأَحَدِهَا، وَبِاعْتِمادِه عَلَى حِفْظِهِ لا نُسْخَتِهِ، وَعلَى ذِكْرٍ لا خَطٍّ، وَبِمُوَافَقَتِهِ عَمَلَه، وَبأَنَّهُ عُرِفَ أَنَّهُ لا يُرْسِلُ إِلَّا عَنْ عَدْلٍ فِي الْمُرْسِلِينَ.
وَبِأَنْ يَكُونَ الْمُبَاشِرَ، كَرِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ: نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلالٌ، وَكَانَ السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَرَامٌ.
وَبِأَنْ يَكُونَ صَاحِبَ الْقِصَّةِ؛ كَرِوَايَةِ مَيْمُونَةَ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ حَلالانِ.
«مسألة»
الشرح: "الأول": في ترجيح المنقولين، وهو أربعة أصناف:
"في السند"، وهو طريقة ثبوته، "والمتن" وهو باعتبار مرتبته ودلالته، "والمدلول" من حُرْمة أو إباحة، "وفي" أمر قد ينضم إليه من "خارج" الصنف الأول في التَّرْجيح بحسب السند، ويقع في الراوي والرواية، والمروي والمروي عنه، ففيه أربعة فصول:
الأول: في الراوي، ويكون في نفسه، وفي تركيبه الأول ما يتعلق بنفسه، وذكر المصنف منه خمسة عشر أمرًا.
الشرح: "الأول": كثرة الرواة بقوة الظن، خلافًا للكرخي"، حيث اعتبرها بالشهادة، وهو ضعيف، فإن الشهادة مستندة إلى توقيفات يعتد به، ولذلك لا يقبل بغير لفظ الشَّهَادة حتى [إذا] أتى العدد الكثير بلفظ الإخبار لم يقبل، ولو شهد ألف امرأة وعبد على ناقة
стр. 2277
وَبِأَنْ يَكُونَ مُشَافِهًا؛ كَرِوَايَةِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أن بَرِيرَةَ عَتَقَتْ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، عَلَى مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ حُرًّا؛ لأِنَّهَا عَمَّةُ الْقَاسِمِ.
وَأَنْ يَكُونَ أَقْرَبَ عِنْدَ سَمَاعِهِ؛ كَرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ: أَفْرَدَ ﷺ وَكَانَ تَحْتَ نَاقَتِهِ حِينَ لَبَّى.
وَبِكَوْنِهِ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ لِقُرْبِهِ غَالِبًا، أَوْ مُتقَدِّمَ الإسْلام، أَوْ مَشْهُورَ النَّسَبِ، أَوْ غَيْرَ مُلْتَبِسِ بِمُضَعِّفٍ، وَبِتَحَمُّلِهَا بَالِغًا، وَبِكَثْرَةِ المُزَكِّينَ أَوْ أعْدَلِيَّتِهِم، أَوْ أَوْثَقِيَّتِهِم، وَبِالصَّرِيحِ عَلَى الْحُكْمِ، وَالْحُكْمِ عَلَى الْعَمَلِ، وَبِالْمُتَوَاتِرِ عَلَى الْمُسْنَدِ، وَالْمُسْنَدِ عَلَى الْمُرْسَلِ، وَمُرْسَلِ التَّابِعِيِّ عَلَى غَيْرِهِ، وَبِالأَعْلَى إِسْنَادًا، وَالمُسْنَدِ عَلَى كِتَابٍ مَعْرُوفٍ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ، وَالْكِتَابِ عَلَى المشْهُورِ، وَبِمثْلِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَلَى غَيْرِهِ.
[بعل] (١) ردوا.
ومثاله قال الشافعي في "الرسالة": الأخذ بحديث عبادة في الربا أولى من حديث أسامة؛ لأن مع عبادة عمر وعثمان وأبا سعيد وأبا هريرة، والخمسة أولى من واحد.
الثاني: أن يكون أحد [الراويين] (٢) راجحًا على الآخر في وصف يغلب ظن الصدق، والثقة والفِطْنة، والوَرَع، والعلم، والضبط، والنحو.
وإليه أشار بقوله: "وبزيادة الثقة، والفطنة، والورع، والعلم، والضبط، والنحو"، ولذلك رجح أصحابنا رواية مالك وسفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال للرَّجُل: "زَوَّجتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ" (٣) على ما رواه عبد العزيز بن أبي حازم، وزائدة عن أبي حازم عن سهل أن النبي ﷺ قال له: "مَلَكْتَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ"؛ لأن مالكًا
стр. 2278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسفيان أعلم منهما، وأوثق وأضبط.
قوله: "وبأنه أشهر بأحدها" هذا هو الثالث، وهو أن تكون إحدى الروايتين أشهر بشيء من هذه الصفات الخمس، وإن لم يعلم رُجْحانه فيها؛ فإن كونه أشهر يكون في الغالب لرجحانه قوله، "وباعتماده على حفظه لا نسخته، وعلى ذكر لا خط".
هذا هو الرابع، وهو أن يكون أحدهما يعتمد في الرواية على حفظه للحديث، لا على نسخته وعلى تذكره للسماع، لا على خطّ نفسه؛ لما لعله يعتور الخط من ضَعْفٍ وتَغيُّر.
قال الإمام الرازي: وفيه احتمال، قوله: "وبموافقته عمله"، هذا هو الخاص، وهو أن يكون أحدهما علم أنه عمل برواية نفسه، والآخر لم يعمل، ولذلك رجّحنا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فرَسِهِ صَدَقَةٌ" (١) على حديث غورك السعدي عن جعفر بن محمد عن عائشة عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "فِي كُلِّ فَرَسٍ سَائِمةٍ دِينَارٌ" (٢).
فإن أبا يوسف رواه عن غورك السعدي، وترك العمل به.
قوله: "وبأنه" هذا هو السادس، وهو أن يكون أحدهما قد "عرف أنه لا يرسل إلا عن عَدْل"، وهذا لا يكون إلا "في" تعارض الخبرين "المرسلين".
السّابع: ما أشار إليه بقوله: "وبأن يكون" أحدهما "المباشر" للواقعة، "كرواية أبي رَافِعٍ" في "جامع الترمذي": "نكح" ﷺ "مَيْمُونَةَ وهو حلال (٣)، وكان" أبو رافع "السفير
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بينهما (١) على رواية ابن عباس" المرجّحة في الكتب الستة: "نكح ميمونة وهو حَرَام" (٢).
الثامن: ما أشار إليه بقوله: "وبأن يكون صاحب القصة، كرواية ميمونة" المخرجة في "سنن أبي داود" "تزوّجني ﷺ ونحن حلالان بـ "سرف".
ولفظ مسلم: عن ميمونة أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال (٣).
[التاسع] (٤): المشار إليه بقوله: "وبأن يكون" أحدهما "مُشَافَهًا" اسم مفعول، أي: سمع شفاها، والآخر من وراء حجاب، "كرواية القاسم عن عائشة أن بريرة عتقت وكان زوجها عبدًا" (٥)، رواه مسلم وأبو داود والترمذي "على من روى أنه كان حرًّا"، وهو الأسود