← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

مَسْأَلَةٌ: الأَوَّلُ: فِي السَّنَدِ، وَالْمَتْنِ، وَالْمَدْلُولِ، وَفِي خَارج. الْأَوَّلُ: بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ لِقُوَّةِ الظَّنِّ؛ خِلافًا لِلْكَرْخِيِّ، وَبِزِيادَةِ الثِّقَةِ، وَبِالْفِطْنَةِ، وَالْوَرَعِ، وَالْعِلْمِ، وَالضَّبْطِ، وَالنَّحْوِ، وَبِأَنَّهُ أَشْهَرُ بِأَحَدِهَا، وَبِاعْتِمادِه عَلَى حِفْظِهِ لا نُسْخَتِهِ، وَعلَى ذِكْرٍ لا خَطٍّ، وَبِمُوَافَقَتِهِ عَمَلَه، وَبأَنَّهُ عُرِفَ أَنَّهُ لا يُرْسِلُ إِلَّا عَنْ عَدْلٍ فِي الْمُرْسِلِينَ. وَبِأَنْ يَكُونَ الْمُبَاشِرَ، كَرِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ: نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلالٌ، وَكَانَ السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁: نَكَحَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَرَامٌ. وَبِأَنْ يَكُونَ صَاحِبَ الْقِصَّةِ؛ كَرِوَايَةِ مَيْمُونَةَ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ حَلالانِ. «مسألة» الشرح: "الأول": في ترجيح المنقولين، وهو أربعة أصناف: "في السند"، وهو طريقة ثبوته، "والمتن" وهو باعتبار مرتبته ودلالته، "والمدلول" من حُرْمة أو إباحة، "وفي" أمر قد ينضم إليه من "خارج" الصنف الأول في التَّرْجيح بحسب السند، ويقع في الراوي والرواية، والمروي والمروي عنه، ففيه أربعة فصول: الأول: في الراوي، ويكون في نفسه، وفي تركيبه الأول ما يتعلق بنفسه، وذكر المصنف منه خمسة عشر أمرًا. الشرح: "الأول": كثرة الرواة بقوة الظن، خلافًا للكرخي"، حيث اعتبرها بالشهادة، وهو ضعيف، فإن الشهادة مستندة إلى توقيفات يعتد به، ولذلك لا يقبل بغير لفظ الشَّهَادة حتى [إذا] أتى العدد الكثير بلفظ الإخبار لم يقبل، ولو شهد ألف امرأة وعبد على ناقة

стр. 2277

وَبِأَنْ يَكُونَ مُشَافِهًا؛ كَرِوَايَةِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂؛ أن بَرِيرَةَ عَتَقَتْ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا، عَلَى مَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ حُرًّا؛ لأِنَّهَا عَمَّةُ الْقَاسِمِ. وَأَنْ يَكُونَ أَقْرَبَ عِنْدَ سَمَاعِهِ؛ كَرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ: أَفْرَدَ ﷺ وَكَانَ تَحْتَ نَاقَتِهِ حِينَ لَبَّى. وَبِكَوْنِهِ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ لِقُرْبِهِ غَالِبًا، أَوْ مُتقَدِّمَ الإسْلام، أَوْ مَشْهُورَ النَّسَبِ، أَوْ غَيْرَ مُلْتَبِسِ بِمُضَعِّفٍ، وَبِتَحَمُّلِهَا بَالِغًا، وَبِكَثْرَةِ المُزَكِّينَ أَوْ أعْدَلِيَّتِهِم، أَوْ أَوْثَقِيَّتِهِم، وَبِالصَّرِيحِ عَلَى الْحُكْمِ، وَالْحُكْمِ عَلَى الْعَمَلِ، وَبِالْمُتَوَاتِرِ عَلَى الْمُسْنَدِ، وَالْمُسْنَدِ عَلَى الْمُرْسَلِ، وَمُرْسَلِ التَّابِعِيِّ عَلَى غَيْرِهِ، وَبِالأَعْلَى إِسْنَادًا، وَالمُسْنَدِ عَلَى كِتَابٍ مَعْرُوفٍ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ، وَالْكِتَابِ عَلَى المشْهُورِ، وَبِمثْلِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَلَى غَيْرِهِ. [بعل] (١) ردوا. ومثاله قال الشافعي في "الرسالة": الأخذ بحديث عبادة في الربا أولى من حديث أسامة؛ لأن مع عبادة عمر وعثمان وأبا سعيد وأبا هريرة، والخمسة أولى من واحد. الثاني: أن يكون أحد [الراويين] (٢) راجحًا على الآخر في وصف يغلب ظن الصدق، والثقة والفِطْنة، والوَرَع، والعلم، والضبط، والنحو. وإليه أشار بقوله: "وبزيادة الثقة، والفطنة، والورع، والعلم، والضبط، والنحو"، ولذلك رجح أصحابنا رواية مالك وسفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال للرَّجُل: "زَوَّجتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ" (٣) على ما رواه عبد العزيز بن أبي حازم، وزائدة عن أبي حازم عن سهل أن النبي ﷺ قال له: "مَلَكْتَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ"؛ لأن مالكًا

стр. 2278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وسفيان أعلم منهما، وأوثق وأضبط. قوله: "وبأنه أشهر بأحدها" هذا هو الثالث، وهو أن تكون إحدى الروايتين أشهر بشيء من هذه الصفات الخمس، وإن لم يعلم رُجْحانه فيها؛ فإن كونه أشهر يكون في الغالب لرجحانه قوله، "وباعتماده على حفظه لا نسخته، وعلى ذكر لا خط". هذا هو الرابع، وهو أن يكون أحدهما يعتمد في الرواية على حفظه للحديث، لا على نسخته وعلى تذكره للسماع، لا على خطّ نفسه؛ لما لعله يعتور الخط من ضَعْفٍ وتَغيُّر. قال الإمام الرازي: وفيه احتمال، قوله: "وبموافقته عمله"، هذا هو الخاص، وهو أن يكون أحدهما علم أنه عمل برواية نفسه، والآخر لم يعمل، ولذلك رجّحنا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلا فرَسِهِ صَدَقَةٌ" (١) على حديث غورك السعدي عن جعفر بن محمد عن عائشة عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "فِي كُلِّ فَرَسٍ سَائِمةٍ دِينَارٌ" (٢). فإن أبا يوسف رواه عن غورك السعدي، وترك العمل به. قوله: "وبأنه" هذا هو السادس، وهو أن يكون أحدهما قد "عرف أنه لا يرسل إلا عن عَدْل"، وهذا لا يكون إلا "في" تعارض الخبرين "المرسلين". السّابع: ما أشار إليه بقوله: "وبأن يكون" أحدهما "المباشر" للواقعة، "كرواية أبي رَافِعٍ" في "جامع الترمذي": "نكح" ﷺ "مَيْمُونَةَ وهو حلال (٣)، وكان" أبو رافع "السفير

стр. 2279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بينهما (١) على رواية ابن عباس" المرجّحة في الكتب الستة: "نكح ميمونة وهو حَرَام" (٢). الثامن: ما أشار إليه بقوله: "وبأن يكون صاحب القصة، كرواية ميمونة" المخرجة في "سنن أبي داود" "تزوّجني ﷺ ونحن حلالان بـ "سرف". ولفظ مسلم: عن ميمونة أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال (٣). [التاسع] (٤): المشار إليه بقوله: "وبأن يكون" أحدهما "مُشَافَهًا" اسم مفعول، أي: سمع شفاها، والآخر من وراء حجاب، "كرواية القاسم عن عائشة أن بريرة عتقت وكان زوجها عبدًا" (٥)، رواه مسلم وأبو داود والترمذي "على من روى أنه كان حرًّا"، وهو الأسود

стр. 2281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عن عائشة، كما رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ "لأنها" أي: عائشة ﵂ "عَمّة القاسم"، فسمع منها شفاهًا؛ لأنه محرمها، بخلاف الأسود. العاشر: المشار إليه بقوله: "وأن يكون أقرب عند سماعه" إلى الرسول ﷺ ، وكل مسموع منه، "كرواية ابن عمر" الثابتة "أفرد رسول الله ﷺ " الحج، "وكان" ابن عمر "تحت ناقته" ﷺ "حين لَبّى" فترجح على رواية أنس أنه قَرَن (١). الحادي عشر: المشار إليه بقوله: "ويكون من أكابر الصحابة لقُرْبه غالبًا" من مجلس النبي ﷺ ، ونظيره كونه أكثر صحبة، فيقدم كما قدمنا خبر عائشة ﵂: "كان رسول الله ﷺ يصبح جُنُبًا من جِمَاع لا من احتلام، ويصوم" (٢)، على ما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أصبَحَ جُنُبًا، فَلا صَوْمَ لَهُ" (٣)؛ لأن صحبة عائشة كانت أكثر، واختصاصها به أوفر. الثاني عشر: المشار إليه بقوله: "أو متقدم الإسلام". قال الآمدي: فإن رواية متقدم الإسلام أغلب على الظَّن؛ لزيادة أصاله في الإِسلام، وتحرزه فيه. قلت: ومذهبنا هو الذي ذكره جمهور أصحابنا أن متأخر الإسلام أرجح قالوا: وذلك كتقديمنا خبر أبي هريرة أن النبي ﷺ قام من اثنتين وتكلّم … " (٤) على حديث ابن مسعود

стр. 2282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . في الكلام في الصَّلاة (١). وتقديمنا رواية ابن عباس في التشُّهد (٢) على رواية ابن مسعود، قالوا: كذلك إذا كان أحدهما متقدّم الصحبة، والآخر متأخرها، فرواية المتأخر أولى. قالوا: وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: لا يقدم بالتأخر، لأن المتقدم أيضًا عاش حتى مات رسول الله ﷺ ، فساوى المتأخر في الصحبة وزاد عليه. قالوا: ورد عليهم أصحابنا هذا بأن: سماع المتأخر متحقق التأخر، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث قلت: ذكروه، وأجيبوا به، يتبيّن لك أن صورة المسألة أن يعلم أن سماع المتأخر وقع بعد إسلامه، وإلا فلا تقدم، وألّا يكون المتقدم مات قبل إسلام المتأخر، فإن مات قدم المتأخر قطعًا، وهو بحث ذكره الإمام الرازي. الثالث عشر: المشار إليه بقوله: "أو مشهور النسب". قال الآمدي: لأن احتراز مشهور النسب عما يوجب نَقْض منزلته المشهورة يكون أكثر. قلت: وعندي أنه [لا ترجيح] (٣) بشهرة النسب، وعبارة الإِمام في "المحصول": رواية معروف النسب راجحة على رواية مجهوله.

стр. 2283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الرابع عشر: المشار إليه بقوله: أو غير ملتبس بمضعف. قال الآمدي: فإن الذي لا يلتبس اسمه ببعض الضعفاء أغلب على الظن ممن يلتبس. قلت: ولا يحصل الالتباس إِلا عند تقارب زمانهما واجتماعهما في شيخ واحد، ولذلك شرط الإِمام في "المحصول" أن يصعب التمييز. الخامس عشر: المشار إليه بقوله: "ويتحملها بالغًا"؛ فإن من تحمل في زمن البلوغ أضبط ممن يحمل في زمن الصِّبَا؛ ولأن موضعه أقرب إلى رسول الله ﷺ ؛ لقوله ﵊: "لِيَلِيَنِي مِنكمْ أُولُو الأَحْلامِ وَالنُّهَى" (١) فيكون أسمع لقوله وأعرف، ولهذا رجّحنا رواية ابن عمر ﵁ في إفراد الحج على رواية أنس أنه قرن لأن ابن عمر كان كبيرًا، وقال لما بلغه قول أنس في القِرَان، وكان أنس يتولّج على النساء وهن منكشفات: "وأنا آخذ بزمام نَاقَةِ رسول الله ﷺ يسيل على لُعَابها"، فهذه الأوجه مرجّحات السند بحسب الراوي نفسه، وأهمل المصنف أمورًا سهلة. وأما الترجيح بحسب التزكية، فإليه أشار بقوله: "وبكثرة المزكين، أو أعدليتهم، أو أوثقيتهم، وبالصريح" من ألفاظ التزكية "على" التزكية باعتبار "الحكم" بشهادته بلا تصريح، "والحكم" بشهادته راجح "على العمل"؛ لأن الاحتياط فيه أكثر. في الترجيح بالرِّواية، وإليه الإشارة بقوله: "وبالمتواتر على المسند" من الآحاد. ولك أن تقول: المتواتر قطعي، وكلامنا في التَّرْجيح بين الظَّنيات، "والمسند على المرسل" على القول بالاحتجاج بالمرسل، "ومرسل التابعي على غيره"؛ لأن الأغلب على التابعي الرواية عن الصحابة، والصحابة عدول، فيغلب ظن الصدق في مرسله. "وبالأعلى إسنادًا"؛ لأنه كما قلّت الرواة كان أبعد من الخطأ، فرواية خالد الحَذَّاء عن أبي

стр. 2284

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلابة عن أنس: "أن بلالًا أُمِرَ أن يشفع الآذان ويوتر الإقامة" (١) أرجح من رواية عامر الأحول عن مكحول عن ابن محيريز عن أبي مَحْذُورة في تثنية الإقامة. "والمسند" رجح "على" المعزى "كتاب معروف" بين المحدثين؛ لأنه أبعد عن التبديل والتصحيف، "وعلى" الخبر "المشهور" بدون كتاب؛ لأن المسند يرويه العدل عن العدل، والمشهور قد لا يكون كذلك، فرب مشهور غير صحيح. "والكتاب" راجح "على المشهور"؛ لأن تطرق احتمال الوهم إلى المشهور أكثر من تطرُّقه إلى الكتاب، "وبمثل البخاري ومسلم على غيره". فإن قلت: إن أردتم بـ "غيره" ما لم يلتزم صاحبه فيه الصحة كالسنن الأربعة، فواضح أن ما هو محكوم بصحته فوق ما ليس كذلك. وإن أردتم ما هو ملتزم فيه أنه على شرط الشيخين، أو أحدهما كـ "المستدرك" للحاكم، أو أنه ملتزم فيه الصحة كصحيحي ابن ماجه، وابْن خزيمة، فلا نسلم التقديم. قلت: المراد ما هو صحيح أيضًا ملتزم فيه الصحة، فالصحيحان مقدمان عليه، ولو كان على شرطهما؛ لأن لشهرتهما وقَبُول الأمة بالقبول ما ليس لغيرهما، وإن ساواهما في درجة الصحة، ولذلك قال الأستاذ أبو إسحاق وغيره من أئمتنا: إن كلّ ما فيهما مقطوع به.

стр. 2285

الفصل الثاني وَالمُسْنَدُ بِاتِّفَاقٍ عَلَى مُخْتَلَفٍ فِيهِ. وَبِقِرَاءَةِ الشَّيْخِ، وَبِكَوْنِهِ غَيْرَ مُخْتَلفٍ فِيهِ. الشرح: "والمسند باتفاق" مرجح "على مختلف فيه" أي: في أنه مرفوع، أو موقوف، فحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال:"مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَدْ عُتِقَ مِنْهُ مَا عُتِقَ، وَرُقَّ مَا رُقَّ" (١). يقدّم على ما روى قتادة عن النضر عن أنس عن بشير بن نهيك عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا في مَمْلُوكٍ، فَعَلَيْهِ خلاصُه مِنْ مَالِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ المَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمّ اسْتسعى العَبْد غَيْر مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ" (٢). لأنه رواه شعبة وهمام، وهما أحفظ من سعيد، ولم يذكر السعاية، وذكرهما ابن يحيى أن السعاية من قول قتادة. الشرح: "وبقراءة الشيخ" على ما كان بالقراءة على الشيخ؛ لأنه أبعد عن غَفْلة

стр. 2286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الشيخ، "وبكونه غير مُخْتَلِف" بكسر اللام إلى الحديث الذي لم يختلف لفظ رواته راجح على ما اضطرب لفظ راويه واختلف، فحديث مالك وسفيان عن الزهري من سالم عن أبيه "في"رفع اليَدَيْنِ راجح على حديث سفيان عن يزيد أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء: أن رسول الله ﷺ كان إِذا افتتح الصَّلاة رفع يديه، ثم لا يعود. قال سفيان: كان يزيد يروي هذا الحديث، ولا يذكر "ثم لا يعود"، ثم دخلت "الكوفة" فرأيته يرويه، ويزيدها فيه، وكأنه لقّنها. وقال الدارقطني: لقّن في آخر عمره، ويحتمل أن يقرأ: "غير مُخْتَلَف" بفتح اللام إِلى غير مختلف على رواية لحديث أنس وابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: "إِذا زَادَتِ الإِبِلُ عَلَى مائةِ وَعِشْرِينَ اسْتُؤْنِفَتِ الفَرِيضةُ" (١). وروى الشافعي بإسناده عن عاصم بن ضمرة عن علي مثل رواية أنس وابن عمر، وهذا قد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: إذا اختلفت الرواية عن أحد الراويين دون الآخر تساقطتا. ومنهم من رجّح رواية من لم يختلف عليه؛ لأنه أقرب إلى الضبط، وحكى سليم الرازي في "التقريب" وجهًا عكسه.

стр. 2287

الْفَصْلُ الثَّالِثُ وَبِالسَّمَاعِ عَلَى مُحْتَمَلٍ وَبِسُكُوتِهِ مَعَ الْحُضُورِ عَلَى الْغَيْبَةِ، وَبِوُرُودِ صِيغَةٍ فِيهِ عَلَى مَا فُهِمَ. الفصل الثالث: في الترجيح بحسب المروي، وإليه أشار بقوله: "وبالسَّماع" المتيقّن "على محتمل" لأن يكون غير سماع، وكذلك كان "سمعت" أرجح من "قال" لاحتمالها. وعبارة أبي الحسين الحلاني عن هذا أنه: أن "سمعت" مقدمة على "كتب إلينا". وقيل بقول ابن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَيُمَا إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ" (١) مع قول عبد الله بن عكيم: كتب إلينا رسول الله ﷺ : "لا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بإهابٍ وَلا عَصَب" (٢). الشرح: "وبسكوته مع الحضور على الغيبة"، وعبارة "المنتهى": وأن يكون ساكتًا عنه مع حضوره على ما سكت عنه مع غيبته. انتهى.

стр. 2288

وَبِمَا لا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى عَلَى الآخَرِ فِي الآحَادِ. وَبِمَا لَمْ يَثْبُتْ إِنكَارٌ لِرُوَاتِهِ عَلَى الآخَرِ. وحاصله: أن ما سكت عنه مع الحضور أولى مما سكت عنه مع الغيبة، "وبورود صيغة" صدرت من النبي ﷺ "فيه" أي: في ذلك الخبر بلفظها بغيبة "على" الآتي بمعنى "ما فهم" من الصيغة، وحاصله تقديم الرواية باللفظ على الرواية بالمعنى حتى يقدم الحديث المشتمل على صيغة واحدة مروية بلفظها على ما كله مروي بالمعنى. الشرح: "وبما لا تعمّ به البلوى على الآخر في الآحاد" أي: وهذا يختصّ بالآحاد. وبهذا رجحت الحنفية حديث بُسْرة (١) على طَلْق (٢) في مسّ الذكر. ولقائل أن يقول: لا حاجة إِلى قيد "الآحاد" مع العلم بأن المتواترين، والمتواتر والآحاد لا تعارض فيهما. الشرح: "بما لا يثبت إنكار لرواية على الأخرى"، أي: ما أنكر الأصل رواية الفرع فيه مرجوح بالنسبة إلى ما لم ينكر، وهذا فيما إِذا أنكر الأصل وصمّم على إنكاره، مثل

стр. 2289

الْمَتْنُ: النَّهْيُ عَلَي الأَمْرِ، وَالأَمْرُ عَلَى الإبَاحَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالنَّهْيُ بِمِثْلِهِ عَلَى الإبَاحَةِ. إنكار أبي معبد ما حدث به عنه عمرو بن دينار من حديث ابن عباس أنه كان يعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ . أما إذا لم يصمم، وحمل أمر شكّه في نفسه على النسيان، فلا تظهر مرجوحية، وقد كانوا يحدثون بعد ذلك عمن روى عنهم، فيقول واحدهم: حدثني فلان عني كما فعل بـ "سهيل" في حديث القضاء باليمين مع الشاهد. وسبقه أنس فقال: حدثني ابني عنى أن النبي ﷺ نهى أن يجعل فصّ الخاتم من غيره. الشرح: الصنف الثاني: الترجيح بحسب المَتْن، وإليه أشار بقوله: "المتن"، فيرجح "النهي على الأمر"؛ لأن النهي لدفع المفسدة، والأمر لِجَلْبِ المصلحة، والاهتمام بدفع المفسدة أشد، "والأمر على الإباحة على الصحيح" للاحتياط. وقيل: يرجح ما مدلوله الإباحة؛ لأن مدلوله متحد، ومحامل الأمر كثيرة، والإباحة على النهي. كذا بخط المصنف، وظاهره أن ما مدلوله نهي راجح على ما مدلوله إباحة. وقد اختلف أصحابنا فيما إِذا تعارض خَبَران أحدهما يقتضي الحَظْر، والآخر الإِباحة على وجهين حكاهما ابن السَّمْعَاني وغيره: أحدهما: أنهما سواء؛ لأنهما حكمان شرعيان. والثاني: تقديم ما يقتضي الحَظْر، وسيرجّحه المصنّف حيث يقول في المدلول الحظر على الإباحة ثم على الخلاف، والقول بتقديم الإباحة لا أعرفه عن أحد، ثم تقديم النهي معلوم من قوله هنا: "النهي على" الأمر، والأمر على "الإباحة"؛ فإنه صريح في أن النهي متقدم على الإِباحة، فقوله بعده: والإباحة على النّهي يناقضه، فلا يجعل بكلام الشارحين هنا، فما فيه غير تعسّفات لا حاصل لها. وقد قلنا غير مرة: إن الصواب أن يرد من كلام المصنفين ما يجب ردّه، ويقبل ما يجب قبوله. فأما التكليف والتخيُّل والحمل على أبعد المحامل بِلَطَافَةِ الوهم، ومنعه التخيل، وركوب الصَّعْب في ذلك دون المدلول، فهو عندنا شيء تستنكره العقول، ولا يرضاه لنفسه ذو نفس أبيّة، ولا يحفل به إِلا من مَلَكَتْهُ العصبية، وأخذته العزة بالحميّة، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إِلا صاحب القبر ﷺ .

стр. 2290

والأَقَلُّ احْتِمَالًا عَلَى الأَكثَرِ، وَالْحَقِيقَةُ عَلَي الْمَجَازِ، وَالْمَجَازُ عَلَى الْمَجَازِ بِشهْرَةٍ مُصَححَةٍ أَوْ قُوَّتِهِ، أَوْ قُرْب جِهَتِهِ، أَوْ رُجْحَانِ دَلِيلِهِ، شُهْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ، وَالْمَجازُ عَلَى الْمُشْتَرَكِ عَلَي الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ؛ وَالأَشْهَرُ مُطْلَقًا، وَاللُّغَوِيُّ الْمُسْتَعْمَلُ شَرْعًا عَلَى الشَّرْعِيِّ؛ بِخِلافِ الْمُنْفَرِدِ الشَّرْعِيِّ. وابن الحاجب ليس بمعصومٍ، وما أحسن قول سلطان العلماء شيخ الإِسلام عز الدين بن عبد السَّلام في "القواعد" وقد استشكل مذهب الشَّافعي في كون الرشد صلاح الدين والمال، وقد تكلّف له تكلفًا مشكلًا: الفقيه من رأى الواضح واضحًا فقد كلّف نفسه شططًا، فإن كان عاقلًا كان أول ماقتٍ لنفسه، والتعصّب للحق على الرجال أولى من التعصُّب للرجال على الحق. انتهى. الشرح: "والأقل احتمالًا" يرجّح "على الأكثر"؛ لبعده عن الاضطراب، "والحقيقة على المجاز"؛ لعدم افتقارها إلى القرينة، "والمجاز" يرجّح على "المجاز" إما "بشهرة مصححه" أي: مصحح ذلك المجاز، وذلك بأن يكون ما به الاشتراك أعني: العلاقة بينه وبين محلّ الحقيقة أشهر مما به الاشتراك بين المجاز الآخر وحقيقته، "أو قوته" أي: بكون علاقة أحد المجازين أقوى من الآخر، "أو قرب جهته" إلى الحقيقة بأن كانت أقرب إليها من الآخر، "أو برجحان دليله" على دليل المجاز الآخر "أو شهرة استعماله" بأن كان أحدهما أشهر استعمالًا من الآخر، "والمجاز" راجح "على المشترك على الصَّحيح كما تقدم" في أوائل الكتاب. "والأشهر" راجح "مطلقًا" أي: في اللغة" أو الشرع أو العرف على غير الأشهر، "واللغوي"، وهو اللفظ "المستعمل" في اللغة لمعنى: إذا استعمل "في الشرع" لموضوعه اللغوي أيضًا راجح "على الشرعي"، وهو المستعمل في الشرع لمعناه الشرعي الذي لم تضعه العرب له؛ لأن الأصل موافقة الشرع للغة، "بخلاف" اللَّفظ "المنفرد الشرعي"؛ فإنه أظهر، والحاصل أن اللُّغوي المستعمل شرعًا في موضوعه الأصلي أرجح مما نقله الشَّارع عن معناه اللُّغوي؛ لعدم التغيير والبعد، بخلاف المنفرد الشرعي، وهو ما له معنى شرعي وللآخر معنى لغوي؛ فإن حمله على الشرعي أظهر كما تقدم في موضوعه.

стр. 2291

وَبِتَأكِيدِ الدَّلالَةِ. وَيُرَجَّحُ في الاِقْتِضَاءِ بِضَرُورَةِ الصِّدْقِ عَلَى ضَرُورَةِ وُقُوعِهِ شَرْعًا، وَفِي الإيمَاءِ بِانْتِفَاءِ الْعَبَثِ، أَوِ الْحَشْوِ عَلَى غَيْرِهِ، وَبِمَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ عَلَى الْمُخَالَفَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالاِقْتِضَاءُ عَلَى الإشَارَةِ، وَعَلَى الإيمَاءِ، وَعَلَى الْمَفْهُومِ، وَتَخْصِيصُ الْعَامِّ عَلَي تَأْوِيلِ الْخَاصِّ لِكَثْرَتِهِ، وَالْخَاصُّ وَلَوْ مِنْ وَجْهٍ، وَالْعَامُّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّصْ عَلَى مَا خُصَّ، وَالتَّقْييدُ كَالتَّخْصِيصِ. الشرح: "وبتأكيد الدَّلالة" نحو: "فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ"، وكما تقدم دلالة المطابقة على الالتزام، وترجيح الدلالة "في" دلالة "الاقتضاء بصيرورة الصدق على صيرورة وقوعه شرعًا" أي إذا تعارض خبران دَالان بالاقتضاء: أحدهما لضرورة الصدق، والآخر لضرورة وقوعه شرعيًّا قدم الأول؛ لأن الصدق أهم من وقوعه شرعيًّا. "وفي" دلالة "الإيماء". وإذا تعارض يرجّح أحدهما "بانتفاء [العَبَث] (١)، أو الحشو على غيره" من ترتيب حُكْمٍ على وصف لكون انتفاء [العبث] (٢)، والحشو أظهر من دلالة الفاء والترتيب، "وبمفهوم الموافقة على المُخَالفة على الصحيح"؛ لأنه أقوى. واحتج من قدم المخالفة بأنها تفيد تأسيسًا، والموافقة للتأكيد، والتأسيس أولى، "والاقتضاء على الإشارة"؛ لترجيحها بقصد المتكلّم، "وعلى الإيماء"؛ لتوقف صدق المتكلم أو صحة الملفوظ به فيه، بخلاف الإيماء، "وعلى المفهوم"؛ لوقوع الاتفاق على دلالة الاقتضاء دون المفهوم في مفهوم المخالفة؛ ولجواز ألَّا يكون السكوت أولى، أو مساويًا في الموافقة، "وتخصيص العام على تأويل الخاص لكثرته" وقلَّة تأويل الخاصّ، "والخاص ولو من وجه" [محل] (٣) العام؛ لأنه غير مبطل للعام، بخلاف العمل بالعام، فإنه يبطل الخاص على ما تقدم في مسألة "بناء العام على الخاص" المذكورة في ضمن مسألة "تخصيص الكتاب بالكتاب"، "والعام الذي لم يخصص على ما خص"؛ لأنه بالتخصص

стр. 2292

وَالْعَامُّ الْشَّرْطِيُّ عَلَى النَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَالْمَجْمُوعُ بِاللَّامِ و"مَنْ" وَ"مَا" عَلَى الْجِنْسِ بِاللَّامِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى النَّصِّ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى مَا بَعْدَهُ فِي الظّنِّيِّ. يضعف اللفظ، ويصير مجازًا عند قوم، ومثاله خبر أنس وابن عمر مع خبر علي فيما إذا زادت الإبل على مائة وعشرين، فإن من قال باستئناف الفريضة ترك ذلك في المائة والخمسين، فأوجب فيها ثلاث حِقاقٍ، ذكره سليم الرَّازي، كتطرق [الضعف] (١) إلى ما خصّ؛ للخلاف في حجّيته، وأنه هل هو حقيقة، "والتقييد" المطلق "كالتخصيص" للعامّ، فيقدم المقيد ولو من وَجْه على المطلق، والمطلق الذي لم يخرج منه صورة على ما أخرج منه. الشرح: "والعام الشّرطي على النكرة المنفية وغيرها" من الجمع المُحَلّى والمضاف ونحوهما؛ لأن الدلالة في الشرط وأقوى لإفادة التعليل، ثم المبنية على الفتح من النكرات المنفية، ثم المرفوعة، "والمجموع باللام، و"من" و"ما" على الجنس" المعرّف "باللّام، والإجماع على النص" كتابًا كان أو سُنّة متواترة؛ لأن النسخ مأمون فيه. قوله: "والإجماع على ما بعده" أي: إذا ظن تعارض إجماعين قدّم المتقدم منهما على ما بعده، كالصّحابة على التابعين، والتابعين على تابعيهم، وهكذا؛ لأنهم أعلى رتبة وأقرب إلى زمن النبي ﷺ . وقوله: "في الظن" أي: ذلك متصور في الإجماع الظني دون القطعي، فإنه يظن فيه التَّعَارض، وإلا لزم تعارض الإجماعين في نفس الأمر، وهو محال. هذا تقرير كلامه فاعتمده، وبه صرح في "المنتهى" إذ قال: وإجماع الصحابة على مَنْ بعدهم، ثم على الترتيب، وذلك إنما يكون في الظني؛ لأنهم أعلى رتبة. انتهى. ولا يخفى ما فيه من التعسّف؛ فإن تعارض الإجماعين في نفس الأمر مستحيل، سواء أكانا ظنيين أم قطعيين، وما قاله بعض الشُّراح: إنه إذا نقل بخبر الواحد فقد لا يطلع عليه أهل العصر الثاني، فيجمعون على خلافه - ليس بصحيح؛ فإنه وإن لم يطلعوا عليه، فالله قد عصمه عن أن يجمعوا على خلافه؛ لأنه بالإجماع عليه حق، فلو أجمعوا على خلافه لأجمعوا على باطل، سواء أعلموا بأنه تقدمهم إجماع أم لا، فظن تعارض الإجماعين ممكن، سواء أكانا في القطعيين أم الظنيين.

стр. 2293

الصِّنْفُ الثَّالِثُ الْمَدْلُولُ: الْحَظْرُ عَلَى الإِبَاحَةِ. وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ وَعَلَى النَّدْبِ؛ لِأَنَ دَفْعَ الْمَفَاسِدِ أَهَمُّ، وَعَلَى الْكَرَاهَةِ، وَالْوُجُوبُ عَلَى النَّدْبِ؛ وَالْمُثْبِتُ عَلَى النَّافِي؛ كَحَدِيثِ بِلالٍ ﵁: دَخَلَ الْبَيْتَ وَصَلَّى، وَقَالَ أُسَامَةُ: دَخَلَ وَلَمْ يُصَلِّ، وَقِيلَ: سَوَاءٌ، وَالدَّارِئُ عَلَى الْمُوجِبِ، وَالْموجِبُ لِلطَّلاقِ وَالْعِتْقِ؛ لِمُوَافَقَتِهِ النَّفْيَ، وَقَدْ يُعْكَسُ؛ لِمُوَافَقَتِهِ التَّأْسِيسَ، وَالتَّكْلِيفِيُّ عَلَى الْوَضْعِيِّ بِالثَّوَابِ، وَقَدْ يُعْكَس، وَالْأَخَفُّ عَلَى الْأَثْقَلِ وَقَدْ يُعْكَسُ. الشرح: في الترجيح بحسب مدلول اللفظ، وإليه أشار بقوله: "المدلول: الحَظْر على الإباحة"؛ للاحتياط. قال أصحابنا: ولأن سبب التحريم والتحليل إذ اجتمعا في عين واحدة غلب التحريم. كالجارية بين الشريكين، والمتولّد بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل. "وقيل: بالعكس"؛ لأنهما حكمان شرعيان، وقد قدمنا أنهما وجهان لأصحابنا، والخلاف فيما إذا لم يكن للشيء أصل من حظر، ولا إباحة، واقتضى أحد الخبرين الحظر، والآخر الإباحة مثل: خبر عَدِيّ بن حاتم فيما أكلت منه الجارحة أنه يحرم مع خبر أبي ثعلبة الخشني في إباحة أكله. وأصح قولي الشَّافعي أنه لا يحل اعتمادًا على هذا الأصل. أما إذا كان لذلك الشيء أصل إباحة، وأصل حظر، وأحد الخبرين يوافق ذلك الأصل، والآخر مخالفه كان الناقل عن ذلك الأصل أولى، كتقديم الخبر في تحريم النبيذ على الخبر في تحليله، "وعلى الندب؛ لأن دفع المفاسد أهم، وعلى الكراهة"؛ للاحتياط.

стр. 2294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "والوجوب" راجح "على الندب"؛ لأنه أحوط، "والمثبت على النافي"، "كحديث بلال" المتفق على صحته: "دخل البيت وصلى". "وقال أسامة: دخل ولم يصل فيه" حتى خرج، فلما خرج ركع في قبل البيت ركعتين أخرجه مسلم، ولقائل أن يقول: إنما يثبت التعارض بين هذين الخبرين لو ثبت أنه ﷺ لم يدخل الكعبة إلا مرة واحدة، ولكنه دخلها غير مرة، فلعله ﷺ صلّى مرة، ورواه بلال، وترك أخرى، ورواه أسامة. وسمعت بعض أهل الحديث يمثل بقصة ماعز، ففي البخاري عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر أنه: لما رجم ماعز قال النبي ﷺ - خيرًا وَصَلّى عليه (١). قال البُخَاري: لم يقل يونس وابن جريج عن الزهري: "وصلى عليه". قلت: وخالف محمودًا فيه [جماعة] (٢) أصحاب عبد الرزاق. فأخرجه أبو داود عن محمد بن المتوكل العسقلاني والحسن بن علي، وأخرجه الترمذي عن الحسن بن علي، والنسائي عن محمد بن رافع ونوح بن حبيب، وأخرجه البيهقي من طريق أحمد بن منصور الرمادي، كلهم عن عبد الرزاق. وقالوا فيه: ولم يصل عليه (٣) على نقيض ما قاله محمود بن غيلان. قلت: ولكن التمثيل بهذا لا يصح؛ لأنَّ الحكم للنفي، وقد حكم البيهقي بخطأ محمود بن غيلان، وَثَمَّ أحاديث تقوى أنَّهُ ما استغفر له، ولا أشبه، فاعتضد حديث النفي، فلتطلب مثال غير هذا، [وقيل] (٤): المثبت والنافي "سواء؛ لأن المثبت إن كان معه زيادةُ علمٍ فالنافي معتضدٌ

стр. 2295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بالأصلِ، فتعارضا، "والدارئُ" للحدّ راجح "على الموجب"؛ لأن الحدود تُدْرَأُ بالشبهات. وفي وجه لأصحابنا أنهما سواء؛ لأن الشبهة لا تؤثر في ثبوته شرعًا؛ ألا ترى أنه ثبت بخبر الواحد، والقياس مع الشبهة فيهما؛ ولأن الحد إنما يسقط بالشبهة إذا كانت في نفس الفعل، فيبيحه قوم، ويحظره آخرون، كالوطء في النكاح بلا ولي ولا شهود، وليس هنا اختلاف في نفس الفعل، وإنما تعارض الخبران فيه، فكانا سواء. ونظيره من عرف تحريم الخمر وجهل أنه موجب للحد، ولا يجعل جهله بإيجاب الحد شبهة، "والموجب للطلاق والعتق" راجح على المزيل لهما؛ "لموافقته النفي" الأصلي، "وقد ينعكس" (١) فيقدَّمُ النافي للطلاق والعتق، وهو رأى قوم، "والتكليفى على الوضعي"، ورجحانه "بالثواب" الحاصل من التكليف، "وقد ينعكس" فيرجح الوضعي؛ لأنه لا يتوقف على فهم، ويمكن "والأخف على الأثقل" لليسر، "وقد ينعكس"؛ لأن الأشق أكثر إجزاء.

стр. 2296

الصِّنْفُ الرَّابِعُ الْخَارجُ: يُرَجَّحُ الْمُوَافِقُ لِدَلِيل آخَرَ، أَوْ لِأَهْلِ "الْمَدِينَةِ"، أَوْ لِلْخُلَفَاءِ، أَوْ لِلأَعْلَمِ. الشرح: مما يرجح الأمر به "الخارج" عن الدَّليل المنقول وعوارضه، فنقول: "يرجح الموافق لدليل آخر" من كتاب، كتقديمنا خبر عائشة في التَّغْلِيسِ على حديث رافع في الإسفار؛ لموافقة قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٣٨]، ومن المحافظة على الصلاة في أول الوقت. أو سُنّة، كتقديمنا: "لا نِكَاحَ إِلَّا بِوَليٍّ " على حديث: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَليِّهِا" (١) لموافقته لحديث: "أَيُما امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْر إِذْنِ وَليِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ" أو قياس، كتقديمنا حديث جابر "أن الضحك ينقض الصلاة (٢)، ولا ينقض الوضوء" على حديث "مَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلاةِ فَلْيُعِدِ الصَّلاةَ وَالوُضوء" (٣)؛ لموافقته القياس، فإن ما لا ينقض الوضوء خارج عن الصلاة لا ينقضها داخلها كالكلام.

стр. 2297

وَبِرُجْحَانِ أَحَدِ دَلِيلَي التَّأْوِيلَيْنِ. وقوله" [أو] (١) لأهل المدينة" أي يرجح الموافق لأهل "المدينة" وإن لم نقل: إن إجماعهم حجة، كما قدمنا حديث أبي مَحْذُورَة في الترجيح في الآذان، ورواية من روى إفراد الإقامة؛ لأن أهل "المدينة" أعرف بالتنزيل، وبين ظهرانيهم مشاهدة الأمور، "أو للخلفاء" الأربعة، وإن لم يحتج بإجماعهم أيضًا؛ لأن عملهم يدل على أنه آخر الأمرين؛ ولأنه بمحضر من الصّحابة، فيكون أقوى في النفس. فيقدم حديث عائشة أن النبي ﷺ "كبر في العِيدَيْنِ في الأولى سبعًا، وفي الثانية خمسًا" (٢) على خبر أبي موسى: "كبر في العِيدَيْنِ أربعًا في الأولى، وأربعًا في الثانية" (٣)؛ لأن الأول عمل به أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃. "أو للأعلم"، أي: يرجح الخبر لمواففته لعمل الأعلم؛ لكونه أعرف بمواقع التنزيل، كتقديمنا رواية على في الاستفتاح على غيره [لموافقتها] (٤) عمله، وهو أعلم من المخالف له في روايتها. الشرح: "وبرجحان أحد دليلي التأويلين"، أي: إذا تعارض مؤلان ودليل تأويل أحدهما أرجح قدم على الآخر، كتأويل أصحابنا قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ

стр. 2298

وَبِالتَّعَرُّضِ لِلْعِلَّةِ. مِنْهَا﴾ [سورة النور: الآية ٣١] على الوجه والكفين، فيكون القدم من العورة محتجين بأنه روي عن ابن عباس أنه قال: تفسيره الوجه والكف، إن عارضت الحنفية بأنه روي عن ابن مسعود في تأويله: السَّاق والقُرْط، والخُلْخَال، والدّملج، والقِلادَة. قالوا: أو الخلخال في آخر الساق، ويلزم من إبدائه ظهور القدم. فأجاب أصحابنا بأن دليلنا أرجح لثلاثة أوجه: أحدها: أن ابن عباس أقعد بتأويل القرآن لقوله ﷺ : "اللَّهُمْ فَقِّههُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأوِيلَ". والثاني: أن الدَّملج محله الذراع، والقِلادَة محلّها العُنقُ، وهما من العورة اتفاقًا، فصار قول ابن مسعود متروك الظاهر، فرجح الأول. والثالث: حديث أم سلمه أنه ﷺ قال: "مَنْ جَرَّ ثَوْبًا مِنْ مَخِيلَةٍ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيهِ" (١). قالت أم سلمة: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ قال: "يُرْخِينَ شِبْرًا". قالت: إذن تنكشف أقدامهن، قال ﷺ : "فَيُرْخينهُ ذِرَاعًا لا يَزِدْنَ عَلَيْهِ" (٢) رواه أبو داود، فقولها: "إذن

стр. 2299

وَالْعَامُّ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ فِي السَّبَبِ، وَالْعَامُّ عَلَيْهِ فِي غَيْرِهِ. تنكشف أقدامهن" مع إقراره ﷺ دليل أن انكشاف القدم محظور. الشرح: "وبالتعرض للعلّة"؛ لأن ذكر علته تدل على الاهتمام به، والنقب عليه بحديث: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" (١) مقدم على حديث النهي عن قتل النّساء (٢)؛ لأنه نيط الحكم فيه بوصف الردة، وهو مناسب لا تختلف مناسبته بالنسبة إلى الرجال والنساء، ولفظ النساء لا وصف فيه، فأمكن حمله على الجزئيات. الشرح: "والعام" يرد "على سبب خاص" راجح على العام المطلق إذا تعارضا "في" صورة "السَّبب"؛ لقوة دلالته فيها، ولذلك يجوز تخصيصها. وأما فيما عدا صورة السبب، فالعام الذي لم يرد على سبب أرجح؛ للاختلاف في تعميم الوارد على سبب صرح به أصحابنا. قالوا: وهو كما أجرينا: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" على عمومه، وقصرنا نهيه عن قتل النساء بالحربيات، ولعلّك تجد في بعض التَّصَانيف أن "العام" الوارِد "على" سبب راجح على ما لم يرد في بعضها عكسه، وهو محمول على ما ذكرناه. فمن قال: إن الوارد على سبب راجح أراد في صورة السبب. ومن قال: إن عكسه راجح أراد فيما عداها، ولا يتجه خلاف في الموضعين.

стр. 2300

وَالْخِطَابُ شِفَاهًا مَعَ الْعَامِّ كَذَلِكَ، وَالْعَامُّ لَمْ يُعْمَلْ فِي صُورَةٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، وَالْعَامُّ بِأَنَّهُ أَمَسُّ بِالْمَقْصُودِ؛ مثْلُ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣] عَلَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وَبِتَفْسِيرِ الرَّاوِي بِفِعْلِهِ أَوْ قَوْلِهِ. الشرح: "والخطاب" العام الوارد "شفاهًا" مثل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٠٢]، "مع العام" غير الوارد شفاهًا "كذلك" أي: كالعامين ورد أحدهما على سبب، فيتقدم عام المُشَافهة فيمن شُوفهوا به، وفي غيرهم الآخر، وهو واضح، "والعام" الذي "لم يعمل" به "في صورة" ما "على غيره"، ليعمل به، فيكون قد عمل بها؛ إذ لو اعتبر ما يحمل به لزم إلغاء الآخر حمله، والجمع ولو بوجه أولى. "وقيل: بالعكس" أي: بتقديم ما عمل به؛ لأن العمل شاهد له بالاعتبار. "والعام" المقصود به بيان الحكم المختلف فيه راجح على العام الذي لم يقصد به، وذلك "بأنه أمس بالمقصود"، وأقرب إليه، ولا ريب في رُجْحَان ما كان كذلك "مثل: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [سورة النساء: الآية ٢٣] "؛ فإنه راجح في تحريم الجمع بينهما في الوطء "على ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ إذ هو أمس بمسألة الجمع. ومثل خبر ابن عباس في مواقيت الصلاة؛ فإنه راجح على خبر ابن عمر: "إنما مثلكم ومثل الأمم من قبلكم"؛ لأن القصد بهذا ضرب المثل لا الحكم، "وبتفسير [الراوي] (١) "، أي: إذا تعارض تفسيران لخبر، وكان أحد التفسيرين قد فسره به الراوي، فهو الأرجح؛ لأنه أعرف بما رواه، فيكون ظن الحكم به أوثق، سواء أوقع التفسير "بفعله أو قوله"، كما قلنا في التفريق في المُتبَايعين (٢) أن ابن عمر فسّره بالتفرق بالبدن، وكان إذا ابتاع قام ومشى، وهو الراوي، فالمصير إليه أوْلَى. وفي كلام أكثر المتأخرين، وجميع الشارحين لـ"المختصر": إذا تعارض خبران أحدهما مقترن بتفسير الراوي فهو أرجح، وهنا [لا شيء] (٣)، وإنما المراد تعارض تفسيرين

стр. 2301

وَبِذِكْرِ السَّبَبِ، وَبِقَرَائِنِ تَأَخُّرِهِ، كَتَأْخِيرِ الْإِسْلامِ أَوْ تَارِيخٍ مُضَيَّقٍ، أَوْ تَشْدِيدِهِ لِتَأَخُّرِ التَّشْدِيدَاتِ. لخبر واحد كما قررناه، لا تعارض خبرين أحدهما مفسر بكلام الراوي. الشرح: "وبذكر السبب"، أي: ويرجح ما ذكر سبب على ما لم يذكر؛ لأن ذكر الراوي للسبب يدلّ على زيادة اهتمامه بما رواه، "وبقرائن تأخره" عن الآخر، فما دلَّت القرينة على تأخره راجح، والقرائن "كتأخير الإسلام"، كذا بخطّ المصنف أي: أن إسلام أحد الراويين بعد الآخر قرينة أن سماعه متأخر عنه؛ لأن الظاهر أن سماعه إنما هو في حال الإسلام، والعمل بالأحدث فالأحدث، فتكون روايته راجحة، وهذا هو مذهبنا كما قدمناه إلا أن المصنف قدم خلافه؛ إذ صرح فيما مضى بأن تقدم الإسلام أحد مرجّحات الراوي. وإن قيل: السابق أن تقدم الإسلام مرجح للراوي لا لروايته، والمذكور هنا أن تأخره مرجّح لروايته لا له نفسه، فلا منافاة. قلنا: هذا لا حاصل له؛ لأن كلامنا ثَمّ إنما هو في ترجيح الراوي يترجح به روايته، "أو تاريخ مضيق"؛ فإنه يرجّح على غيره من مطلق، أو مؤرّخ بتاريخ موسّع، فإنهما يحتملان التأخر. واعلم أن المراد بـ "التَّاريخ المضيق" ما يبعد بعده التغيير والنسخ، كالمسند إلى أواخر العمر، كتقديمنا ما روي من قوله ﵊: "إِذَا صَلَّى الإمَامُ قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ" (١). وليس مرادنا بـ "التّأخير المضيق" ما يعين فيه ساعة السماع، أو يومه، فإنه لا يظهر ترجيح بذلك، بل الظاهر أنهما فيه سواء. والأصح في مذهبنا فيما إذا تعارضت بينتان إحداهما مؤرخة، والأخرى مطلقة أنهما سواء. وقيل: تقدم المؤرخة.

стр. 2302

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن قلت: والأصح في المذهب أنهما إن أرختا بتاريخ مختلف قدم أسبقهما تاريخًا. قلت: لاعتضاده بالاستصحاب، وهذا في الشهادات، ولا كذلك في الروايات؛ فإن المتأخر أحدث وأبعد عن النسخ، والفرق بين الشَّهادة والرواية معروف، ولو أرخ أحد الراويين بتاريخ متقدم، وأطلق الآخر قدم المطلق؛ لأنه أشبه بالمتأخر، "أو تشديده"، فإذا كان في أحد الخبرين تشديد دون الآخر، أو كان أحدهما أشد قدم "لتأخير التشديدات"؛ فإن الدين كانت قوته تزداد شيئًا فشيئًا، وكان ﵊ لرأفته بالخلق وتدريجه إياهم لا ينذر بالتغليظ، بل يلوح، ثم يعرض، ثم يصرح، والقرآن أكثره هكذا، وانظر آيات تحريم الخمر، واختار صاحب "الحاصل" تاج الدين الأرموي أن المتضمن للتخفيف أرجح، وتبعه البيضاوي في "المنهاج"، وهو شيء ذكره الإمام الرازي بحثًا، والأرجح خلافه. والله أعلم.

стр. 2303

الْقِسْمُ الثَّانِي الْمَعْقُولانِ: قِيَاسَانِ أَوِ اسْتِدْلالانِ، فَالْأَوَّلُ: أَصْلُه، وَفَرْعُه، وَمَدْلُولُه، وَخَارجٌ، الْأَوَّلُ: بِالْقَطْعِ. وَبِقُوَّةِ دَلِيلِهِ، وَبِكَوْنِهِ لَمْ يُنْسَخْ بِاتِّفَاقِ، وَبِأَنَّهُ عَلَى سَنَنِ الْقِيَاسِ، وَبِدَلِيلٍ خَاصٍّ عَلَى تَعْلِيلِهِ. الشرح: في تعارض الدليلين المعقولين فنقول: إذا تعارض "المعقولان"، فهما إما "قياسان، أو استدلالان، فالأول" صنف القياس،. والترجيح فيه يقع بأربعة أشياء، وهي "أصله وفرعه، ومدلوله، وخارج الأول" الترجيح بحسب الأصل، ويقع من وجوه "القطع"، فيقدم ما حكم أصله قطعي على ما هو ظني، كقولنا في لعان الأخرس: إن ما صحّ من الفاسق صحّ من الأخرس، كاليمين؛ فإنه أرجح من قياسهم على شهادته تعليلًا بأنه يفتقر إلى لفظ الشهادة؛ لأن اليمين يصح من الأخرس بالإجماع؛ والإجماع قطعي. وأما جواز شهادته ففيه خلاف بين الفقهاء. الشرح: "وبقوة دليله"؛ لأنه أغلب على الظن، "وبكونه لم ينسخ باتفاق"، فإن ما قيل بأنه منسوخ، وإن كان القول بأنه منسوخ ضعيفًا، ليس كما اتفق أنه لم ينسخ، "وبأنه على سنن القياس". فإن قلت: لو لم يكن كل منها على سَنَنِ القياس لم يتعارضا؛ لأن من شرط حكم الأصل ألَّا يكون معدولًا به عن سَنَنِ القياس. وإذا لم يكن تعارص فلا ترجح. قلت: قد يكون أحدهما على سنن القياس باتفاق، والآخر مختلف؛ في كونه على سننه، فيرجح المتفق على المختلف إذ أحدهما على سننه قطعًا، والآخر ظنًّا، فيرجّح الأول، وهل يقال: المراد بكونه على سنن القياس أن يكون أصل أحدهما من جنس الفرع

стр. 2304

وَبِالْقَطْعِ بِالْعِلَّةِ، أَوْ بِالظَّنِّ الأَغْلَبِ، وَبِأَنَّ مَسْلَكَهَا قَطْعِيٌّ، أَوْ أَغْلَبُ ظَنًّا. المُتَنَازع فيه دون أصل، والآخر فيرجح ما هو من جنسه؛ لأنه على سننه، وبذلك صرح القاضي أبو الطيب، والماوردي، وأبو إسحاق الشيرازي، والسمعاني وغيرهم من أئمتنا مثل قياسنا ما دون أرش الموضحة في تحمّل العَاقِلة أياه، فهو أولى من قياسهم ذلك على غرامات الأموال في إسقاط التحمل؛ لأن الموضحة من جنس ما [اختلفنا] (١) فيه، فكان على سننه؛ إذ الجنس بالجنس أشبه. كما تقول: قياس الطهارة على الطهارة أولى من قياسها على سَتْرِ العورة. "وبدليل خاص" يقوم "على تعليله" وجواز القياس عليه؛ فإنه أبعد من التعبد والقصور. الثاني: الترجيح بحسب العلة. الشرح: وإليه أشار بقوله: "وبالقطع بالعلّة" أي: بوجود العلة فيه، "أو بالظن الأغلب، وبأن مسلكها قطعي" دون مسلك الأخرى، "أو غلب ظنًّا" إما بكونها منصوصًا عليها مثل علّتنا في بيع الرُّطب بالتمر أنه جنس ربوي بيع بعضه ببعض على صفة يتفاضلان في حال الكمال والادّخار، فأشبه الحِنْطَة بالدفيق مع تعليلهم بوجود التَّماثل في الحال؛ لأن علّتنا منصوص عليها، فإن النبي ﷺ نصّ على معنى هذا التعليل في حديث: "أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ " (٢) فكانت أولى من المستنبطة، أو لكثرة أصولها، كقياسنا الإقرار بالزنا على سائر الأقارير في أنه لا يعتبر فيه العدد مع قياسهم أي على الشهادة بالزنا، أو لغير ذلك.

стр. 2305

وَالسَّبْرُ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ؛ لِتَضَمُّنِهِ انْتِفَاءَ الْمُعَارِضِ، وَيُرَجَّحُ بِطُرُقِ نَفْى الْفَارِقِ فِي الْقِيَاسَينِ، وَالْوَصْفُ الْحَقِيقِيُّ عَلَى غَيْرِهِ. وَالثُّبُوتِيُّ عَلَى الْعَدَمِيِّ. الشرح: "والسبر على المناسبة؛ لتضمنه انتفاء المعارض"؛ لتعرُّضه لعدم علّية غير المذكور، بخلاف المناسبة، فقولهم: للمحتال الرجوع على المحيل، إذا أفلس المحال عليه؛ لأنه عجز عن الرجوع مع بقاء عينه، وشبه البائع مرجوح بالنسبة إلى قولنا: وصف الحِوَالَةِ لا بد أن يقتضي شيئًا، وهو إما تحوُّل الحقّ أو لا. والثاني باطل، وإلا لزم أن تدوم له المطالبة كما في الضَّمان، فثبت الأول، فإذا تحول لم يعد، "ويرجح" إذا كان طريق ثبوت العلّية في القياس نفي الفارق "بطرفي نفي الفارق في القياسين" بتقدم القاطع على الظَّني، والأغلب ظنًّا على الآخر. "والوصف الحقيقي على غيره" مما العلة فيه وصف اعتباري، أو حكمة مجردة على القول بجواز التعليل بها، أو وصف حكمي، كقولنا في المَنِيّ: مبتدأ خلق بشر، فأشبه الطّين مع قولهم: مانع سببه الغُسْل، فأشبه الحَيْض. الشرح: "والثبوتي على العدمي" كقولنا في السَّفَرْجل: مطعوم، وكان ربويًّا كالبر مع قولهم: ليس بمكيل ولا موزون، وهذا إذا كان الحكم وجوديًا، والعلة وجودية فإنه يرجح على ما إذا كانا عدميين كما مثّلناه، وكذا على ما إذا كان أحدهما عدميًّا كقولنا: الخُلْع طلاق؛ لأنه فرقة ينحصر ملكها في الزوج مع قولهم: فسخ؛ لأنه لا رَجْعَة فيه. أما إذا كان الحكم عدميًّا، والعلة ثبوتية أو بالعكس، فقد قال الإمام الرازي وأتباعه: إنه مرجوح بالنسبة إلى ما إذا كانا عدميين، واعتلوا بالمُشَابهة بين التعليل بالعدمي، وللعدمي.

стр. 2306

وَالْبَاعِثَةُ عَلَى الْأَمَارَةِ، وَالْمُنْضَبِطَة، وَالظَّاهِرَة، وَالْمُتَّحِدَة، عَلَى خِلافِهَا. وعندنا فيه وقفة ذكرناها في "شرح المنهاج"، ومثال العدميين مع الوصف العدمي والحكم الوجودي قولنا: المرأة لا تلي القَضَاء، فلا تلي النكاح كالمجنون مع قولهم: لا يمنع من التصرف في المال، فيلي النكاح كالعاقل، والعدميين مع الحكم العدمي، والوصف الوجودي. قولنا: عتق الراهن تصرُّف صادف الملك، فلا يلغى مع قولهم: لم ينصرف فيه، وهو مطلق التصرف، فلا يعتبر. الشرح: "والباعثة على الأمارة"، أي: والقياس الذي علّته بمعنى الباعثة على الذي علته بمعنى الأمارة؛ لأن قبول الطباع إليه أسرع، ولقائل أن يقول: العلة أبدًا إما بمعنى الباعث، أو الأمارة، أو المؤثر على ما سبق الخلاف فيه. أما القول بأنها تارة بمعنى الباعث، وتارة بمعنى الأمارة، فلم يقل به أحد، وكان مراده أن ذات التأثير والتخييل أرجح من التي لا يظهر لها بمعنى فقهي، وذلك واضح. "والمنضبطة والظاهرة والمتحدة على خلافها" أي على المضطربة [والخفية] (١)، والمتعددة، أما المضطربة؛ فلأنها لا وثوق بها. وأما الخفية؛ فلأنه لا يؤمن الغلط فيها. وأما ذات الأوصاف؛ فَلِبُعْدِ الضبط عنها، فتعليل عدم توريث [القَاتِلِ] (٢) بالقياس أرجح من خلافه؛ لانضباطه والتعليل فتأمل. وقولنا في إزالة النجاسة: مائع لا يرفع الحدث، فلا يزيل النجس أوْلى من قولهم: مائع ظاهر مزيل للعين؛ لأنه أقلّ أوصافًا. ومنهم من قال: لا يرجّح بقلة الأوصاف.

стр. 2307

وَالأَكْثَرُ تَعَدِّيًا، وَالْمُطَّرِدَةُ، عَلَى الْمَنْقُوضَةِ، وَالْمُنْعَكِسَة، عَلَى خِلافِهَا، وَالْمُطَّرِدَةُ فَقَطْ عَلَى الْمُنْعَكِسَةِ فَقَطْ، وَبِكَوْنِهِ جَامِعًا لِلْحِكْمَةِ مَانِعًا لَهَا عَلَى خِلافِهِ، وَالْمُنَاسَبَةُ عَلَى الشَّبَهِيَّةِ. الشرح: "والأكثر تعديًا" راجح على الأقلّ على المختار؛ لأن فائدته أكثر، كعلَّة الطعم، فإنها أكثر فروعًا من علة الاقتيات. ويعلم من هذا أن المتعدية أولى من القاصرة، وفيه خلاف. "والمضطردة" راجحة "على المنقوضة" كقولنا في نفقة الأقارب وعتقهم: كل قرابة لا يستحق بها النَّفقة مع اختلاف الدين لا يستحق بها مع اتفاقه كقرابة ابن العَمّ، فإنه أرجح من قولهم: ذو رحم محرم بالنسب تشابه الوالدين؛ لأن هذا لا يتناول الذَّكَر مع الذَّكَر؛ إذ لا يقال: إنه محرم، وإنما يستعمل ذلك في الذَّكَر مع الأنثى. والاطراد والانعكاس إن وجد، وهو الغاية، والمطّردة المنعكسة أرجح من التي لا تنعكس كقياسنا في تزويج غَيْرِ الأب والجد للصغيرة أن من لا يملك التصرف في مال الصغيرة بنفسه لم يملك التصرف في بعضها كالأجنبي مع قولهم: إنه من أهل ميراثها، فكان كالأب؛ فإنه منعكس بالحاكم؛ إذ هو تزوج، وليس هو من أهل ميراثها. "والمنعكسة على خلافها"، كما ذكرناه، فإن من لا يملك التصرّف [ينعكس؛ إذ كل من يملك التصرف] (١) في مالها بنفسه يتصرف في بعضه، ولا كذلك تعليلهم بالإرث. "والمطردة فقط على المنعكسة فقط". وقولنا في القطع بسرقة الثمار: كل ما جاز بيعه وبلغت قيمته نصابًا وجب بسرقته القطع مطَّرد، ولا ينعكس بدليل الموقوف، وأم انولد؛ فإنه يقطع سارقهما، ولا يجوز بيعهما، وهو أرجح من أن يقول الحنفي: كل ما لا ينتفع به حالًا ومالًا لا يقطع بسرقته، فإنه وإن انعكس، إذ الذي [يفقد] (٢) النفع به في الجالتين لا يقطع به؛ لأنه لا قيمة له، لكنه غير مطرد بدليل الجَحْشِ الصغير.

стр. 2308

وَالضَّرُورِيَّةُ الْخَمْسَةُ عَلَى غَيْرِهَا، وَالْحَاجِيَّةُ عَلَى التَّحْسِينِيَّةِ، وَالتَّكْمِيلِيَّةُ مِنَ الْخَمْسَةِ عَلَى الْحَاجِيَّةِ، وَالدِّينِيَّةُ عَلَى الأَرْبَعَةِ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ. "وكونه جامعًا للحكمة مانعًا لها"، وتوجد الحكمة كلما وجد، وتنتفي كلما انتفى "على خلافه، والمناسبة على الشبهة"؛ لأن الظن الحاصل بها أقوى فقولهم في اثنين: قطع أحدهما من المرفق، والآخر من الكوع القِصَاص على الثاني فقط كما لو قطع أحدهما اليد وحزّ الآخر الرقبة مرجوح بالنسبة إلى قولنا: بل هما قاتلان؛ لأنهما اشتركا في سبب وجوب القصاص، فيلزمهما كما لو اختلف المحلّ بأن قطع أحدهما من جانب، والآخر من جانب؛ لأن حاصل قياسهم شبهي، وهو تشبيه قطع الرقبة بعد الكوع بحزّ الرقبة بعد القطع، ولا مناسبة بينهما بخلاف قياسنا، فإنه مناسب. الشرح: "والضرورية الخمسة على غيرها، والحاجيَّة، على التحسينيَّة، والتَّكميليَّة من الخمسة على الحاجيَّة والدينية على الأربعة" أي: إذا تعارضت أقسام من المناسبة قدّمت بحسب قوة المصلحة تقدمت الأمور الخمسة الضرورية على غيرها من حاجي أو تحسيني، وقدمت المصلحة الحاجية على التَّحسينية، وقدمت التكميلية من الخمس الضرورية على أصل الحاجية، وإذا تعارضت بعض الخمسة في أنفسها قدمت الدينية على الأربع الأُخر؛ لأنها المقصود. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦]. "وقيل: بالعكس" أي: تقدم الأربعة الأخر؛ لأنها حقّ آدمي، وهو مبني على الشُّح والمضايقة، بخلاف حقّ الرب؛ فإنه مبني على المسامحة والمساهلة، ولذلك قدم قتل القصاص على قتل الردة عند تزاحمهما، والصَّحيح الأول لحديث: "فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ بِالقَضَاءِ" (١). وأما تقديم قتل القصاص، فقد بَيّنا في "شرح المنهاج" سِرّه، وهو أن الشارع لا مقصد له في إزهاق الأرواح، إنما مقصده دعوة الخلق إليه، وهداهم وإرشادهم، فإن حصل فهو الغاية، وإلا تعين حسم الفساد بإراقة دم مَنْ لا فائدة في بقائه، فإراقة دم المرتد والحربي

стр. 2309

ثُمَّ مَصْلَحَةُ النَّفْسِ، ثُمَّ النَّسَبِ، ثُمَّ الْعَقْلِ، ثُمَّ الْمَالِ، وَبِقُوَّةِ مُوجِبِ النَّقْضِ مِنْ مَانِعٍ أَوْ فَوَاتِ شَرْطٍ عَلَى الضِّعْفِ، وَالاحْتِمَالِ". "وَبانْتِفَاءَ الْمُزَاحِمِ لَهَا فِي الْأَصْلِ، وَبِرُجْحَانِهَا عَلَى مُزَاحِمِهَا، والمُقْتَضِيَةُ لِلنَّفْي عَلَى الثُّبُوتِ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، وَبِقُوَّةِ الْمُنَاسَبَةِ، وَالعَامَّةِ فِي الْمُكَلَّفِينَ عَلَى الْخَاصَّةِ. إنما هو لعدم الفائدة في بقائه لا لقصد في الإزهاق، فإذا زاحمه قتل القصاص، وكان ولي الدّم لا قصد له إلا التَّشَفِّي باستيفاء ثأر موليه سلمناه إليه؛ فإنه يحصل فيه القصدان جميعًا: تطهير الأرض من المفسدين بإراقة دم هذا الكافر، وتشفّي ولي الدم، ولا كذلك لو قتله الإمام عن الردة، فإنه يبطل مقصد ولي الدم بالأصالة، والجمع بين الحقين أولى. والحاصل: أن تسليمه إلى ولي الدم ليس تقديمًا لحق الآدمي، بل جمعًا بين الحقّين، فليس مما نحن فيه، فظهر أن الدينية مقدّمة على الأربعة. الشرح: "ثم مصلحة النفس، ثم النسب، ثم العقل، ثم المال". فإن قلت: كيف قلتم فيمن زنا وسرق وشرب الخمر: إنه يبدأ بحد القذف، ثم الشرب، ثم الزنا، ثم يقطع في السرقة. قلت: الحدود تسقط بالشبهة، فلذلك أخرت موضع الخلاف في تقديم حقّ الله - تعالى - أو الآدمي إنما هو فيما لا يسقط كالأموال في الزكاة، والحج ونحوهما. قوله: "وبقوة موجب النقض" فيه، أي: إذا انتقضت العلّتان، وكان موجب التخلف في أحدهما في صورة النقض أقوى منه في الآخر قدم الأول، وقوته بأن يوجد فيه ما يمكن إحالة النقض عليه "من مانع، أو فوات شرط" دون الصورة الأخرى، إما بأن كان موجب النقض فيها ضعيفًا أو محتملًا للوجود والعدم فيها، فإن قوة موجب النقض راجحة "على الضعف والاحتمال". الشرح: "وبانتفاء المزاحم بها في الأصل" بألّا يكون معارضة، وتكون الأخرى معارضة "وبرجحانها على مزاحمها" إن كانت [ذات] (١) مزاحم، "والمقتضية للنفي على

стр. 2310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثبوت" لثبوت [حكمها راجحة أو مساوية، بخلاف المثبتة؛ إذ لا يثبت] (١) حكمها إلا راجحة، ولتأييدها بالنفي الأصلي. "وقيل: بالعكس" وهو المختار؛ لأنها ناقلة تفيد حكمًا شرعيًّا، "وبقوة المناسبة"، كقولنا في المرتدة: بدلت الدين الحقّ بالباطل، فوجب عليها القَتْل كالرجل، فإنه أنسب من قولهم: أنثى فلا تقتل بالكفر قياسًا على الكافرة الأصليَّة؛ لأن جعل الارتداد علَّة العقوبة لائح المناسبة، بخلاف جعل الأنوثة مانعة. "والعامة من المكلفين على الخاصة" ببعضهم؛ لقوة المناسبة بقولنا: علة ضرب الجزية سكن الدار أرجح من قولهم: حقن الدم؛ لشمول علّتنا للأعمى والزَّمِنِ وغيرهما ممن لا يقتل.

стр. 2311

التَّرْجِيحُ بِحَسَبِ الفَرْعِ الفَرْعُ: يُرَجَّحُ بِالْمُشَارَكَةِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ، وَعَيْنِ الْعِلَّةِ، عَلَى الثَّلاثَةِ، وَعَيْنِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْجِنْسَيْنِ، وَعَيْن العِلَّةِ خَاصَّةً عَلَى عَكسِهِ، وَبِالْقَطْعِ بِهَا فِيهِ، وَيَكُونُ الْفَرْعُ بِالنَّصِّ جُمْلَةً لا تَفْصِيلًا. الشرح: وإليه أشار بقوله: "الفرع يرجّح بالمشَاركة" لأصله "في عين (١) الحكم، وعين العلة" معًا "على" القياس الذي يشارك فرعه أصله في الأقسام "الثلاثة" الأخرى، وهي المشاركة في عَيْنِ الحكم وجنس العلة، أو في جنس الحكم، وعين العلة، أو في جنسها. "و" يرجح ما شارك فرعه أصله في "عين أحدهما" إما عين الحكم وجنس العلة، أو عكسه "على" ما شارك فرعه أصله في "الجنسين، وعين العلة خاصة على عكس"، وهو ما شارك فرعه أصله في عين الحكم وجنس العلَّة. "وبالقطع بها فيه" أي: ويرجّح القياس المقطوع بوجود علّته في الفرع على غيره، كقولنا في نجاسة بول ما يؤكل لحمه: ما يستحيل من الجوف، فأشبه بول الإنسان؛ فإنه أرجح من قول المالكي في تعليل طَهَارته: مائع وردت الرخصّة في إباحة شربه، فإنها صفة مختلف فيها، ولا نقطع بوجودها في الفَرْعِ. "ويكون الفرع" ثابتًا في أحدهما "بالنَّص جملة" دون الآخر "لا تفصيلًا"، وإلا لثبت الحكم فيه بالنَّص لا بالقياس، الرابع: الترجيح بحسب الخارج، ولم يتعرض له المصنّف؛ لأنه يعرف مما ذكره. الثاني: الاستدلالان: ولم يتعرض أيضًا لهما كذلك.

стр. 2312

الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي تَرْجِيحِ المَنْقُولِ وَالمَعْقُولِ الْمَنْقُولُ وَالْمَعْقُولُ: يُرَجَّحُ الخَاصُّ بِمَنْطُوقِهِ، وَالخَاصُّ لا بمَنطُوقِهِ دَرَجَاتٌ، وَالتَّرْجِيحُ فِيهِ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ لِلنَّاظِرِ، وَالْعَامُّ مَعَ الْقِيَاسِ تَقَدَّمَ، وَأَمَّا الْحُدُودُ السَّمْعِيَّة، فَتُرَجَّحُ بِالألْفَاظِ الصَّرِيحَةِ عَلَى غَيْرِهَا، وَيَكُونُ الْمُعَرِّفُ أَعْرَفَ، وَبِالذَّاتِيِّ عَلَى العَرَضِيِّ، وَبِعُمُومِهِ عَلَى الآَخَرِ؛ لِفَائِدَتِهِ. وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ؛ لِلاتِّفَاقِ عَلَيْهِ، وَبِمُوَافَقَتِهِ النَّقْلَ الشَّرْعِيَّ أَو اللُّغَوِيَّ، أَوْ قُرْبَه، وَبِرُجْحَانِ طَرِيق اكْتِسَابِهِ، وَبِعَمَلِ "المَدِينَةِ"، أَوِ الْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ، أَوِ الْعُلَمَاءِ، وَلَوْ وَاحِدًا، وَبِتَقْرِيرِ حُكْمِ الحَظْرِ أَو حُكْمِ النَّفْي، وَبِدَرْءِ الْحَدِّ، وَيَتَرَكَّبُ مِنَ التَّرْجِيحَاتِ فِي المُرَكَّبَاتِ، وَالحُدُودِ أُمُورٌ لا تَنْحَصِرُ؛ وَفِيمَا ذُكِرَ إِرْشَادٌ لِذَلِكَ. الشرح: "المنقول والمعقول" والتعارض بينهما على وجهين؛ لأن المنقول إما عام أو خاص، والخاص إما دالّ بمنطوقه أو بمفهومه. فنقول: "يرجّح الخاص بمنطوقه" على القياس؛ لتطرّق الخلل إليه، فتعليلنا نقض الوضوء بالمس لحديث: "من مس ذكره" أرجح من قولهم: عضو من أعضاء الإنسان، فلم ينقض كاليد والرجل. "الخاص" الدّال على الحكم "لا بمنطوقه درجات" في القوة والضعف، "والترجيح فيه حسب ما يقع للناظر" من قوة الظن، "والعام مع القياس بعدم" حكمه في أنه هل يجوز التخصيص بالقياس؟ وإلا فهذه وجوه التَّرجيح في الأدلَّة. "وأما الحدود" فمنها عقلية، كتعريفات الماهيَّات، ومنها سمعية، كتعريفات الأحكام، والذي يتعلق به غرضنا "السمعية، فترجح بالألفاظ الصريحة على غيرها، ويكون المعرف" في أحدهما "أعرف" منه في الآخر، "وبالذاتي على العرضي، وبعمومه" ويرجح أحدهما بكونه أعم "على الآخر لفائدته" المتكثرة بتناوله بحدود الآخر، وزيادة.

стр. 2313

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "وقيل: بالعكس"، وهو أن الأخص أرجح "للاتفاق عليه" لتناول الحَدّين له، بخلاف النافي، فإنه مختلف فيه، والمتفق أولى، "وموافقة العقل" السمعي أي "الشرعي، أو اللغوي"؛ فإن الأصل عدم النقل "أو قربه" إلى المعنى المنقول شرعًا أو لغة عنه؛ لأن النقل إن كان للمناسبة، فيكون الأقرب أنسب، فيكون أولى، "وبرجحان طريقة اكتسابه"؛ لأنه أغلب على الظن. "وبعمل "المدينة" والخلفاء الأربعة" أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ "والعلماء ولو واحدًا، وبتقرير حكم الحظر؛ فإنه أحوط من المقرر لحكم الإباحة، أو حكم النفي لموافقته الأصل، ويدرأ الحد، ويتركب من الترجيحات الواقعة في المركبات، والحدود أمور لا تنحصر، وفيما ذكر إرشاد لذلك، أرشدنا الله لمراضيه. قال علماؤنا: وهذه الترجيحات منها ما تنهض به الحُجّة في نفسه، ومنها ما لا يستقلّ بنفسه دليلًا، كعمل المدينة والخلفاء، واطراد العلة، وغير ذلك؛ لأنه ليس كل ما صلح للترجيح صلح لأنا يكون في نفسه دليلًا؛ فإن الرجح يتطلب فيه أدنى ظن، وما استقل بنفسه دليلًا أرجح مما لا يستقل، والله الموفق. فرغت من هذا الشرح في أواخر نهار الأربعاء الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة تسع وخمسين وسبعمائة، وكانت البراءة (١) فيه من مستهلّ سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، وهو شرح إذا رآه المنصف عرف أنا أتينا فيه بالعجب العجاب، ودعونا قَصِيّ الإجادة فأجاب، ورُضْنَا عَصِيّ المراد، فزال شماسه وانْجَاب، ودرى أهو الجدير أن يبيد بالقِرى وَهَجَرَ هَجْرَ واصل الكرام، أم الحقيق بأن يضرب له آباط المطي أهل الآراء؛ فإنا وَفَيْنَا بحقّ مختصر حلّت فيه العقد، وقام مصنفه - يرحمه الله - بوظيفة الإيجاز التي قصر دونها كلّ بليغ، وقعّد ورمى المعاني من أمد بعيد، ولم يسلم من حاسد على هذه النعمة، ونعمة الله مقرون بها الحَسَد، صدح على غصون البلاغة ذوات الأفنان، ومنح الطَّالبين جنّة قطوفها دانية لكل قَاصٍ ودانٍ، وشرح صدور الأولياء غير ملتفت إلى الأعداء، وإنما كلام العدا ضرب من الهذيان، فقمنا حق القيام، ورُضْنَا مصاعب النظر بالجدّ والاهتمام، وترقّينا فجر الحقائق حتى تبلّج صُبْحُه والناس نيام، وأعملنا الأفكار، واستخرجنا من الخبَايا الأبْكَار،

стр. 2314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واستنزلنا المعاني الطَّائرة من الأوْكَار، وإنا وإن ارتاض لنا بعد هذا الكَدّ من المصاعب شُمُوسها، ودَنَا منا بعد هذا البُعْد في الدَّيَاجر أقمارها، وفي الهَياجر شُمُوسها، واقترب منا عقيب هذا الجد من المطالب نَائيها فأعَدْناها. وقد ظنَّ دروسها - لن يقدم من يقبح هذه الصورة الجميلة، ويشينها، ويعترض هذه العقلية بما هو عند ذوي التَّحقيق يزينها، ويبتدر هذه الدرة بكلمات ينفق بها سوقها، ويباع سَمِينهَا: [الكامل] وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ نشْرَ فَضيلَةٍ … طُوِيَتْ أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودِ لوْلا اشتِعَالُ النَّارِ فِيمَا جَاوَرَتْ … مَا كَانَ يُعْرَفُ طِيبُ عَرْفِ العُودِ وكيف تعدم الذَّامَّ الحسناء، وتفقد حاسدًا يقصد أن يستكفئ من إحسانها الصحيفة والإناء، وأنى يُنَحَّى الكمال ولا يذم الإنحاء، ولا علينا سيطول الزمن قليلًا، ويعود الشغب ثناء جزيلًا، ويقوم الشأن بحمدنا طويلًا، وتكثر الأعوان والأنظار، [وتسكن الدّهماء، ويخمد النقع المثار ويؤسس بناء الإنصاف على] (١) التقوى بموت الحاسد والمحسود، فيهدم مسجد الضوار: [الكامل] وَادْأَبْ عَلَى جَمْعِ الْفَضَائِلِ جَاهِدًا … وَأَدِمْ لَهَا تَعَبَ القَرِيحَةِ وَالحَسَدْ وَاقْصِدْ بِهَا وَجْهَ الإْلهِ وَنَفْعَ مَنْ … بَلَغَتْهُ مِمَّنْ جَدَّ فِيهَا وَاجْتَهَدْ وَاتْرُكْ كَلامَ الحَاسِدِينَ وَبَغْيَهُمْ … هَمَلًا فَبَعْدَ المَوْتِ يَنْقَطِعٌ الجَسَدْ فقد جمعنا - بحمد الله - في هذا الشرح كل جميل جليل، ووضعنا بتمامه عنا الحمل الثقيل، ورفعنا الأيدي بالدعاء لمن أحسن إلينا، ولم يدعنا نعترضه بسبيل ما على المحسنين من سبيل، وهو مولانا ملك الأمر المعز الأشرف العالي المولوي الأميري الكافلي العالمي الزاهدي العلائي أمير على المارداني الحنفي نائب السلطنة الشريفة بـ "الشام" المحروس، الجامع بين العلم والدين، والمانع نفسه إلا عن سلوك سبيل المتقين، والدافع عن الحق حيث لا ناصر ولا معين، الذي أحسن فاطمأنت القلوب، وجاد فجادت القريحة بالمطلوب، وأتى بالجميل على أحسن أسلوب، جزاه الله عنا أفضل الجزاء، وحرسه بعناية تبلغ عَنان

стр. 2315

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . السماء، وتقبل فيه من مواليه صالح الدعاء، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما يهون علينا مَصَائب الدنيا، ومتّعنا اللّهم بأسماعنا وأبصارنا أبدًا ما أحييتنا، واجعل ذلك الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على مَنْ عادانا، ولا تجعل مُصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلّط علينا بذنوبنا مَنْ لا يرحمنا يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين (١). بعونه تعالى تمّ الجزء الرابع من كتاب رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب وهو الجزء الأخير
следующие страницы →