خِلَافًا لِلْقَاضِي، وَابْنِ سُرَيْجٍ، وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي نَحْوِ: (رَجُلٍ)، وَرَفْعِ الْفَاعِلِ، أَيْ: لا لَا يُسَمَّى مَسْكُوتٌ عَنْهُ إِلْحاقًا بِتَسْمِيَةٍ لِمُعَيَّنٍ، لِمَعْنًى يَسْتَلْزِمُهُ وُجُودًا وَعَدَمًا؛ كَالْخَمْرِ
"خلافًا للقاضي، وابن سريج" (١)، وابن أبي هريرة (٢)، وأبي إسحاق الشِّيرَازي، والإمام، وكثيرٍ من أصحابنا، وابن القصَّار (٣)، وابن التَّمَّار من المالكية، وأهل العربية؛ كالفارسي، وابن جِنِّي، والمَازِرِيِّ.
وفي النَّقل عن القاضي نظر؛ نقل عنه المَازِرِيُّ وغيره: المنع، وهو الصَّحيح عنه، وبه صرح في كتاب (التقريب).
"وليس الخلاف في "ما ثبت تعميمه بالنقل؛ "نحو: رجل"، أو بالاستقراء؛ كنصب المفعول، "ورفع الفَاعل"؛ إنما الخلاف في أن اسم الجنس، إذا كان معناه مقارِنًا لمعنى يستلزمه، صالحًا للغلبة؛ كاسم الخَمْرِ.
والمصنِّف من القائين بأنه لا يثبت، "أي: لا يسمَّى مسكوت عنه [إلحاقًا] (٤) بتسميةٍ لمعيَّن؛ لمعنًى يستلزمه"؛ أي: يستلزم ذلك المعنى "وجودًا وعدمًا؛ كالخَمْرِ للنبيذ؛ للتخمير،
стр. 422
لِلنَّبِيذِ؛ لِلتَّخْمِيرِ، وَالسَّارِقِ لِلنَّبَّاشِ، لِلأَخْذِ خُفْيَةً، وَالزَّانِي لِلَّائِطِ؛ لِلإِيلَاجِ الْمُحَرَّمِ؛ إِلَّا بِنَقْلٍ، أَوِ اسْتِقْرَاءِ التَّعَمِيمِ.
لَنَا: إِثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالْمُحْتَمَلِ.
قَالُوا: دَارَ الاسْمُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا؛ قُلْنَا: وَدَارَ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الْعِنَبِ، وَكَوْنِهِ مَالَ الْحَيِّ، وَقُبُلًا.
والسَّارق للنباش؛ للأخذ خفية، والزَّاني لِلَّائِطِ؛ لِلإِيلَاجِ الْمُحَرَّمِ"؛ "إلا" أن يثبت شيء من هذه الصور "بنقل، أو استقراء لتعميم"؛ فيخرج عن محل النزاع، ولا يكون من أمثلة ما نحن فيه، وفائدةُ القياس في اللُّغَةُ؛ أنه يدعَى دخولُ النبيذِ، والنَّباش، واللَّائطِ تحت عمومِ لفظ: الخَمْرِ، والسَّارق، والزَّاني؛ لانسحاب الاسم عليه قياسًا، فافهمه (١).
الشرح: "لنا": أن القياس في اللُّغَةُ: "إثباتُ اللُّغَةُ بالمحتمَلِ"؛ لأنَّهُ يحتمل التصريحَ بمنعه؛ كما يحتمل باعتباره؛ بدليل منعهم طرد الأدْهَمِ، والقَارُورَة، وما لا ينحصر؛ فيبقى عند السكوت على الاحتمال، ومجردُ احتمالِ وضع اللَّفظ للمعنَى لا يصحِّح الحكمَ بالوضعِ؛ للتحكُّم؛ ولئلا يلزم الحكم بالوضع من غير قياس؛ [كقيام الاحتمال.
ولك أن تقول: بل هو إثباتٌ بالظَّاهر؛ فلا تحكُّم، ولا يلزم الوضع من غير قياس] (٢).
الشرح: "قالوا: دَارَ الاسم" - كالخمر مثلًا - "معه"؛ أي: مع المعنى؛ كالتَّخْمير؛ "وجودًا" في ماء العنب المسكرِ، "وعدمًا" في غيره؛ والدَّوَرَان دليلٌ أنه متى تحقّق المعنى، تحقّق الاسم.
"قلنا: [و] دار" مع ما ذكرتم، ودار أيضًا "مع كونه من العنب" في الخَمْرِ، "وكونهِ مال الحَيِّ" في السرقة، "وقُبُلًا" في الزنا، فإذا كان الدَّوَران علَّةً، وقد دار فيما ذكرتموه، وفيما ذكرناه - كان المعنى الذي ذكرتموه جزء العلة؛ فلا يستلزم.
ولك أن تقول: إنما تعلُّقنا بدوران الوصف المُنَاسب، وما ذكرتموه غيرُ مناسب؛ فكان ما ذكرناه علَّة تامَّة؛ لأن التحقيق أن الدَّوَران، إذا كان مع أمور بعضُها مخيلٌ، دون بعض، فالعلَّية للمخيِّل (٣) فقط.
стр. 423
قَالُوا: ثَبَتَ شَرْعًا، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ؛ قُلْنَا: لَوْلَا الْإِجْمَاع، لَمَا ثَبَتَ وَقَطْعُ النَّبَّاشِ وَحَدُّ النَّبِيذِ؛ إِمَّا لِثبوتِ التَّعْمِيمِ، أَوْ بِالْقِيَاسِ، لَا لأِنَّهُ سَارِقٌ أَوْ خَمْرٌ؛ بِالْقِيَاسِ.
الشرح: "قالوا: ثبت" القياس "شرعًا"؛ أي: الشرعي، "والمعنى واحد"، وهو حمل فرعٍ على أصل بجامعٍ.
"قلنا: لولا الإجماع" في الشرعي، "لما ثبت، وقطع النباش" (١)؛ كما هو الصَّحيح من مذهبنا، "وحدُّ" شارب "النبيذ" ليس لثبوت اللُّغَةُ قياسًا.
"إمّا لثبوت التعميم"؛ أي: تعميم اسم السَّارق والخمر؛ للنَّباش والنَّبِيذ.
قال الشَّعْبي (٢): النباش سارق.
وقال النَّبِيّ ﷺ : "كُلّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ" (٣)؛ فيكون تسميتها بالنَّقل لا بالقياس اللُّغوي، "وإمَّا
стр. 424
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالقياس" الشرعي على السَّارق والخمر في الحُكْم؛ بجامع المفسدة، "لا لأنَّهُ سارق أو خمر؛ بالقياس" اللغوي، أو لكلٍّ من الأمرين، أو في أحدهما؛ وهو الخمر؛ بالنَّقْل الذي ذكرناه، وفي الآخَرِ: إما بالقياس الشرعي، وإما [بـ] ما في حديث البَراءِ؛ من قوله ﷺ : "وَمَنْ نَبَشَ، قَطَعْنَاهُ" (١).
وأنا أختار (٢) التمسك بهذا؛ فإنَّ قَطْع النَّباش، لو كان بالقياس الشرعي، أو بتسميته سارقًا (٣)، لقُطِعَ سارقُ ما عدا الكَفَنَ من الغير، والأصحُّ خلافه؛ فكل هذه طرق للأصحاب، ومن قاس منهم في اللُّغَة، لم يستنكفْ من القياس، وإنما المصنّف اعتذر عمن لم يقس، وليست هذه المسألة مسألة التعليل بالاسم؛ فتلك في أنه، هل يُنَاطُ حكمٌ شرعيٌّ باسم؟ وهذه في أنه، هل يسمى اسم بآخر؛ لغةً؛ بجامع، والقياس الشرعي إلحاقُ فرعٍ بأصلٍ في حكمه.
"فائدة"
الخلاف في ثبوت اللُّغة قياسًا، على الحقيقة والمجاز؛ هذا هو الظَّاهر، وأشار القاضي عبد الوهَّاب المالكي (٤)؛ إلى أنه ممنوع في المَجَازِ؛ بلا خلافٍ؛ وذكر فرقين، ولم يرتضهما المازِريُّ.
стр. 425
الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ
الْحُرُوفُ: مَعْنَى قَوْلهِمُ: الْحَرْفُ: لَا يَسْتَقِلُّ بِالْمَفْهُومِيَّةِ، أَنَّ نَحْوَ (مِنْ) وَ (إِلَى) مَشْرُوطٌ فِي دِلَالَتِهِمَا عَلَى مَعْنَاهُمَا الإِفْرَادِيِّ - ذِكْرُ مُتَعَلَّقِهِمَا، وَنَحْوَ (الابْتِدَاء)، وَ (الانْتِهَاء)، وَ (ابْتَدَأَ)، وَ (انْتَهَى) - غَيْرُ مَشْرُوطٍ فِيهَا ذلِكَ.
الشرح: "الحروف (١): معنى قولهم: الحرفُ لا يستقل بالمفهومية (٢)؛ أن نحو (من)، و (إلى) مشروط في دلالتهما (٣) على معناهما الإفرادي"؛ وهو الابتداء في (من)، والانتهاء في (إلى) - "ذكر متعلِّقهما؛ من دارٍ ونحوها؛ نحو: سرتُ من الدار، وإلى الدارِ؛ فإنَّما يفيد أن البداية والنهاية بِضَمِيمَةٍ أخرى.
"ونحوَ: الابتداء، والانتهاء، من الأسماء، "وابتدأ، وانتهى" من الأَفْعَال - "غيرُ مشروطٍ فيها
стр. 426
وَأَمَّا نَحْوُ (ذُو)، وَ (فَوْقَ)، وَ (تَحْتَ)، وَ (إِنْ) لَمْ تُذْكَرْ إِلَّا بِمُتَعَلَّقِهَا لأَمْرٍ، فَغَيْرُ مَشْرُوطٍ فِيهَا ذلِكَ؛ لِمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ وَضْعَ "ذو" بمَعْنَى صاحِبٍ؛ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى الْوَصْفِ بِأَسْمَاءَ الْأَجْنَاسِ - اقْتَضَى ذِكْرَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَأَنَّ وَضعَ "فَوْقَ" بِمَعْنَى مَكَانٍ؛ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى عُلُوٍّ خَاصٍّ - اقْتَضَى ذلِكَ، وَكَذلِكَ الْبَوَاقِي.
مَا تُفِيدُهُ الْوَاوُ
مَسْأَلَةٌ:
(الْوَاوُ) لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ؛ لَا لِتَرْتيبٍ، وَلَا مَعِيَّةٍ؛ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ؛ ...................
ذلك"؛ أي: وجود الضَّميمة؛ إذ يفهم المعنى بدونها.
الشرح: "وأما نحو (ذو)، و (فوق)، و (تحت) "، وسائر الألفاظ الدَّالَّة على النسبة؛ كـ (قبل)، و (بعد)، و (أمام)، و (قُدَّام)، و (خَلْف)، و (وراء) - فإنها "وإن لم تذكر إلا بمتعلَّقها (١) لأمرٍ" مَا عارضٍ - "فغير مشروط فيها ذلك"؛ أي: ذكر متعلِّقها، ولا تنتقض الحروف بها؛ "لما علم من "أنها وضعت في الأصل لِمَعَانٍ قائمة في نفسها غيرِ مفتقرةٍ في الدَّلالة على معانيها؛ إلى قرينة.
وتحريره: "أن وضع (ذو) "في الأصل "بمعنى (صاحب) "؛ لغرض. التوصُّل؛ أي: "ليتوصَّل به إلى الوصف بأسماء الأجناس"؛ في نحو: زيدٌ ذو مالٍ، وذو فرسٍ - "اقتضى" ذلك "ذِكْرَ المضاف إليه"؛ ليتم بذكره الغرضُ منها، لا أصلُ دلالتها، "وأنَّ وَضْعَ "فوق" مثلًا؛ لمَّا كان في الأصل "بمعنى مكانٍ" عالٍ؛ وأتى به "ليتوصل به إلى علو خاص" يستفاد من الضميمة - "اقتضى ذلك"؛ أي: اقتضى ذِكْرَ متعلَّقهُ؛ تقول: زيد فوق السطح؛ "وكذلك" حكم "البواقي" من هذه الألفاظ.
"مسألة"
الشرح: "الوَاوُ" العَاطِفَةُ "للجمع المُطْلَق".
ولو قال: مطلق الجمع، لكان أسدَّ؛ لما في الجمع المُطْلق من إيهامٍ؛ بتقييد الجَمْعِ بالإطلاق، والغرضُ نَفْيُ التقييد؛ وفرقٌ واضحٌ بين مطلقِ الحقيقةِ، والحقيقةِ المطلقةِ، والحقيقةِ بلا قيدٍ، والحقيقةِ بقيدٍ.
"لا لترتيب ولا مَعِيَّة؛ عند المحققين".
وقيل: للترتيب؛ وهو الذي اشتهر عند الشافعية، ونُقِلَ عن الشافعي نفسِهِ؛ وهو من أئمة
لا الْنَّقْلُ عَنِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهَا كَذلِكَ.
وَاسْتُدِلَّ: لَوْ كَانَ لِلتَّرْتِيب، لَتَنَاقَضَ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية، ٥٨] مَعَ الْأخْرَى، وَلَمْ يَصِحَّ: (تَقَاتَلَ زَيْدٌ وَعَمْرو)، وَلَكَانَ: (جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو بَعْدَهُ) تَكْرِيرًا، وَ (قَبْلَهُ) تَنَاقُضًا؛ وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ مَجَازٌ؛ لِمَا سَنَذْكُرُ.
وقيل: للمعية؛ وهو المشهور عن الحنفية (١).
"لنا: النقل عن الأئمة: أئمَّةِ اللُّغَةُ؛ "أنها كذلك؛ فقد نصَّ عليه سيبويه في سبعةَ عشَرَ موضعًا من كتابه.
وقال الفارسي: أجمع عليه نحاة (البَصرة)، و (الكوفة) (٢).
ولكن نازع فيه شيخنا أبو حيَّان (٣)، و [قد] (٤) أصاب؛ لما نقلناه آنفًا (٥).
الشرح: "واستدل: لو كانـ"ت "للترتيب، لتناقض" قوله تعالى: " ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية، ٥٨] مع" الآية "الأخرى"؛ وهي: (وَقُولُوا: حِطَةٌ، ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [سورة الأعراف: الآية، ١٦١]؛ والقصة (٦) واحدة.
"ولم يصح: تقاتل زيد وعمرو، ولكان" قولنا: " (جاء زيد وعمرو بعده) - تكريرًا؛ للعلم بالبَعْدية من "الواو"، و (قبله) تناقضًا؛ لدلالة (الواو) على التأخير، ولكن لا تكرار، ولا نقض؛ فلا ترتيب.
"وأجيب: بأنَّه" فيما ذكرتم "مَجَاز؛ لما سيذكر" من الدَّلالة على أنَّها للترتيب.
стр. 429
قَالُوا: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [سورة الحج: الآية، ٧٧]؛ قُلْنَا: التَّرْييبُ مُسْتَفَادٌ مِنْ غَيْرِهِ؛ قَالُوا: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [سورة البقرة: الآية، ١٥٨]؛ وَقَالَ ﵇: (ابدَءُوا بمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ)؛ قُلْنَا: لَوْ كَانَ لَه، لَمَا احْتِيجَ إِلَى (ابْدَءُوا).
الشرح: "قالوا: قد أفادت (الواو) الترتيب في قوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [سورة الحج؛ الآية، ٧٧]؛ [قلنا: الترتيب بدليل امتناع تقديم السجود على الركوع؛ فليقدَّم في غيره؛ دفعًا للاشتراك والمجاز" (١).
قلنا: الترتيب" هنا "مُسْتَفَادٌ من غيره.
قالواا: لَمَّا نزلَتْ: " ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ … ﴾ " [سورة البقرة: الآية، ١٥٨] بدأ النبيّ ﷺ بالصَّفَا "وقال: (ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بهِ) (٢)؛ [كذا] (٣) بخط المصنّف: (ابْدَءُوا)؛ بضمير الجمع للمخاطبين؛ وهو لفظ رواية النَّسَائي (٤)؛ وفي مسلم (٥): (ابْدَأْ) بضمير المتكلم.
стр. 430
قَالُوا: رَدَّ [ ﷺ ] عَلَى قَائِلِ: (وَمَنْ عَصَاهُمَا، فَقَدْ غَوَى)؛ وَقَالَ: (قُلْ: وَمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ)؛ قُلْنَا: لِتَرْكِ إِفْرَادِ اسْمِهِ بِالتَّعْظِيمِ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ مَعْصيتَهُمَا لَا تَرْتِيبَ فِيهَا.
"قلنا: لو كان له" - أي: الترتيب - "لما احتيج إلى (ابْدَءُوا) "؛ لمعرفتهم الترتيب من الواو؛ فإذن الحديث عَلَيْكُمْ، لَا لَكُمْ.
الشرح: "قالوا: رد" النَّبِيّ " ﷺ على قائلِ": (من يطع الله ورسوله، فقد رَشَدَ، "ومن عصاهما"؛ كذا بخط المصنِّف.
ولفظ الحديث (ومن يعصهما "فقد غوى)، وقال": (بِئْسَ الخَطِيبُ أَنْتَ؛ "قُلْ: وَمَنْ عَصَى) (١) "؛ كذا بخطّ المصنّف، واللَّفظُ: (يعصِ "الله ورسوله) "؛ رواه مسلم، فلو لم تكن للترتيب، لم يكن فرق بين ما أمره به، وما نهاه عنه.
"قلنا": ليس اللَّوم للترتيب؛ بل "لترك إفراد اسمه"؛ أي: اسمِ الله "بالتَّعظيم؛ بدليل أن معصيتهما لا ترتيبَ فيها"، وكلٌّ منهما مستلزمةٌ للأخرى.
فإن قلت: كيف قال المصنّف: (معصيتهما) عَقِبَ سماع اللَّومِ على الجمع بين الله ورسوله ﷺ في ضمير واحد.
قلت: لَوْمُ الخطيبِ؛ إنَّما كان لأن مَقَامَهُ (٢) - وهي العظة والخطابة - يقتضي التوسُّع في الكلام؛ فكان المناسبُ فيه الإفراد؛ تعظيمًا، ولا كذلك أماكنُ الاختصار؛ كـ (مختصر ابن الحاجب)؛ وفي القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية، ٥٦].
وفي الحديث: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا .. " (٣).
стр. 431
قَالُوا: إِذَا قِيلَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَطَالِقٌ، وَطَالِقٌ - وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ؛ بِخِلَافِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا؛ وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَقَوْلُ مَالِكٍ [﵀]: وَالأَظْهَرُ أَنَّهَا مِثْلُ (ثُمَّ)؛ إِنَّمَا قَالَهُ فِي .........................
الشرح: "قالوا: إذا قيل لغير المدخول بها: أنْتِ طالق، وطالق، وطالق - وقعت واحدة؛ بخلاف أنت طالق ثلاثًا"؛ فلو اقتضت (الواو) الجمع، لم تفترق الصُّورتان.
"وأجيب بالمنع"؛ فقد قال أحمد بن حنبل (١)، وبعض المالكية؛ بوقوع الثلاث؛ وهو قول قديم للشافعي؛ أثبته ابن أبي هريرة (٢).
قال المصنّف: "وهو "- أي: المنعُ - "الصحيحُ".
ونقله: ابن أبي هريرة في (النَّوَادر) عن ابن حبيب، وقاله فضل بن أبي سَلَمَة (٣) في (اختصار الواضحة).
الشرح: "و" أما "قول مالك: والأظهر أنها مثلًا (ثُمَّ) (٤) " - فمحمول على أنه "إنَّما قاله في
стр. 432
الْمَدْخُولِ بِهَا؛ يَعْنِي يَقَعُ الثَّلَاثُ، وَلَا يَنْوِي فِي التَّأكِيدِ.
المدخول بها؛ يعني (١): يقع" عليها "الثلاث، ولا يَنْوِي"؛ - أي: ولا تُقْبلُ (٢) منه نِيَّته "في" إرادة "التأكيد"؛ كما لا تقبل إرادته التأكيد في (ثم).
والمحفوظ عن مالك؛ أن في النَّسَق بالواو إشكالًا.
قال ابن القاسم (٣): ورأيت الأغلب على رأيه أنها مثل (ثم)، ولا ينوي.
والمصنِّف جرى على مختاره في مَذْهَبِهِ.
وأما نحن، فالصَّحيح من مذهبنا وقوعُ واحدةٍ فقط؛. لأنها تَبِينُ بالأولَى؛ فلا يقع ما بعدها؛
قال أصحابنا: وإنما سبق وقوعه؛ لأنَّهُ تكلّم به على وجه الإيقاع؛ من غير أن يربطه برابط، أو يعلِّقه (٤) بشيءٍ ما.
والموجود منه ثلاث إيقاعاتٍ متوالية، لا تعلُّقَ لبعضها ببعض، وحظ (الواو) هنا مطلق العطف، فصارت قضية الكلام الأولِ الوقوعَ من غير إبطاءٍ (٥) ولا مهلة، وإذا وقع، لم يُصادِف الثاني والثالثُ إلا بائنًا، لا يلحقها طلاق، ويخالف: أنت طالق ثلاثًا؛ لأن ثلاثًا بيانٌ للأول.
стр. 433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد لاح بهذا أنه لا حُجَّةَ لمن زعم أن الشافعي يقول: (الواو) للترتيب بهذه المسألة.
فإن قلت: فالأصح وقوع الثلاث فيما إذا علَّق هذا اللَّفظ، ووجدتِ الصفة.
قلت: لأن الصفة وقوعٌ لا إيقاعٌ، فوُجِدَتِ التَّطليقاتُ الثلاثُ معًا، وهو في التَّعليق بإزاء: أنتِ طالق ثلاثًا سواء.
وتعلَّقوا أيضًا بإيجاب الشَّافعى الترتيب في الوضوء (١) من آية الوضوء، والشَّافعيُّ لم يأخذ ذلك من (الواو)، بل من جهة أن العبادة كلَّها مترتبة؛ كالصَّلاة، والحج، والوضوءُ منها، و (الواو) لا تنفي الترتيب.
وقال الأستاذ أبو منصور البغداديُّ: معاذ الله أن يصحَّ عن الشَّافعيّ أنها للترتيب، وإنما هي عنده لمطلق الجمع (٢).
قلت: ومما يوضِّحه اتفاق الأصحاب على أنَّ: وقفت (٣) على أولادي، وأولاد (٤) أولادي - يقتضي التسوية، وإن أتى في بعض الفروع خلافٌ، فمنشؤه من اختيارٍ لقائله أن (الواو) للترتيب؛ كما في: إن دخلتِ الدار، وكلمتِ زيدًا، فأنتِ طالق.
قال الأصحاب: لا فرق بين تقدَّم الكلام وتأخُّره.
وفي (التتمة) ما يقتضي إثبات خلافٍ فيه؛ ولا يشكل علينا إلا ما قال صاحب (التهذيب) فيما إذا قال لعبده: إن مت، ودخلت الدار، فأنت حر - أنه لا بد من وقوع الدَّار بعد الموت، وسكت عليه الرَّافعي، فإن لاح له وجهٌ غيرُ اقتضاء (الواو) الترتيب، وإلا فلا أراه المذْهَبَ.
стр. 434
الثالِثُ ابْتِدَاءُ الْوَضْعِ لَيْسَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَمَدْلُولهِ مُنَاسَبَةٌ طَبِيعِيَّةٌ؛ لَنَا: الْقَطْعُ بِصِحَّةِ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلشَّيْءِ وَنَقِيضِهِ وَضِدِّهِ - وَبِوُقوعِهِ؛ كَالْقُرْءِ، وَالْجَوْنِ.
الشرح: "ابتداء الوضع ليسر بين اللَّفظ ومدلوله مناسبةٌ طبيعيةٌ" (١)؛ خلافًا لـ "عبَّاد بن سليمان الصَّيْمَرِيّ (٢)(٣)؛ إذ أثبت مناسبةً، قيل: حاملةً للواضعِ على (٤) أن يضع.
وقيل: بل كافيةً بمجرَّدها في كون الألفاظ دالَّةً على المعاني من غير احتياج إلى الوضع، قال الشيخ الأصبهاني: وهو الصحيح عن عباد.
"لنا: القَطْعُ بصحَّة وضع اللَّفظ للشيء ونقيضه"، وللشيء "وضده"؛ "و "القطع، "بوقوعه" أيضًا؛ "كالقُرْء"؛ الموضوعِ للطهر والحيض، "والجَوْن" (٥)؛ للأسود والأبيض.
ولك أن تقول: هذا (٦) مثال الضدين، فأين مثال النقيضين؟
وقد قال الإمام الرَّازي: لا يجوز أن يكون اللفظ مشتَرَكًا بين عدم الشيء وثبوته؛ وهو ضعيف.
стр. 435
قَالُوا: لَوْ تَسَاوَتْ، لَمْ يَخْتَصَّ؛ قُلْنَا: يَخْتَصُّ بإرَادَةِ الْوَاضِع الْمُخْتَار.
تَوْقِيفِيَّةُ الأَلْفَاظِ (١)
مَسْأَلَةٌ:
قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: عَلَّمَهَا اللهُ بِالْوَحْي، أَوْ بِخَلْقِ الْأَصْوَاتِ، أَوْ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ، الْبَهْشَمِيَّةُ: وَضَعَهَا الْبَشَرُ؛ وَاحِدٌ، أوْ جَمَاعَةٌ؛ وَحَصَلَ التَّعْرِيفُ بِالإِشَارَةِ وَالْقرَائِنِ كَالْأطْفَالِ، الْأُسْتَاذُ: الْقَدْرُ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي التَّعْرِيفِ تَوْقِيفٌ، وَغَيْرُهُ مُحْتَمِلٌ، وَقَالَ
الشرح: "قالوا: لو تساوت" نسبة الألفاظ إلى المعاني "لم يختص" لفظ بمعنى، وإلا يلزم الترجيحُ بلا مرجِّح.
"قلنا: يختص لإرادة الواضع المختار"، وذلك كتخصيصه وجودَ العالَمِ بوقت دون وقت.
فإن قلت: هذا ظاهر على القَوْلِ بأن الواضع هو الله، فبماذا يجيب من يقول بالاصطلاح؟
قلت: قيل بأن سببه حضور اللَّفظ عند سبق المعنى، والأصحُّ - وإياه ذكر الشيخ الأصفهاني - أن الجواب الأول عامٌّ؛ لأنَّهُ إذا كان الواضعُ العَبْدَ، وأفعالُه مخلوقةٌ لله - تعالى -، رجع الكلُّ إلى إرادته تعالى.
"مسألة"
الشرح: "قال" الشيخ "الأشعري": إنَّ الألفاظ توقيفية (٢)؛ "علمها الله ﷺ - تعالى - ووقف عباده عليها؛ إما: "بالْوَحْي" لبعض أنبيائه ﵈، "أو بخلق الأصوات" في بعض الأجسام، "أو بعلمٍ ضروريٍّ" خلَقَه في بعضهم، حصَّل له إفادة اللفظ للمعنى.
وقالت "البَهْشَمِيَّةُ" - وهم أبو هاشم وأتباعه (٣) -: "وضعها البشر"؛ إما: واحد، أو جماعة" اصطلحوا عليها؛ "وحصل التعريف" منهم لغيرهم؛ "بالإشارة و "بـ "القرائن؛ كَالأطفال" في حصول المعرفة لهم بذلك.
وقال "الأستاذ: القدرُ المحتاج إليه في التعريف توقيف، وغيرُهُ محتملٌ"؛ لأن يكون أيضًا بالتوقيف من الله، ولأن يكون بالمواضعة من البشر.
стр. 436
الْقَاضِي: الْجَمِيعُ مُمْكِنٌ، ثُمَّ الظَّاهِرُ قوْلُ الْأَشْعَرِيِّ.
قَالَ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ [الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا]﴾، [سورة البقرة: الآية، ٣١]؛ قَالُوا: أَلْهَمَه، أَوْ عَلَّمَهُ مَا سَبَقَ؛ قُلْنَا: خِلَافُ الظَّاهِرِ.
وقيل: عكسه.
"وقال القاضي" في كتاب (التقريب): الصحيحُ الوقْفُ؛ إذ "الجميع ممكنٌ"؛ وتبعه المحقِّقون.
واعلم أن المسألة عند أئمتنا قطعية، فالتوقف عن القطعي بواحد من هذه الأقوال؛ كما ذهب إليه القاضي - حق.
"ثم الظاهر" منها "قولُ الأشعريِّ"، فلا تظننّ المتوقِّف (١) توقَّف إِلَّا عن القطْعِ فقط، ثم الظاهرُ من الاحتمالات التي ذكرها الأشعريِّ "احتمالُ الوحي؛ دون خلق الأصوات، والعلمِ الضروريِّ، وسيذكره المصنِّف؛ حيث يقول: فخلاف المعتاد.
و"قال" الأشعري: قوله تعالى: " ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ [كُلَّهَا]﴾ " [سورة البقرة: الآية، ٣١] دليلٌ على التَّوقيف، وإذا ثبت في الأسماء، ثبت في الأفعال والحروف؛ لعدم القائل بالفصْل؛ أو لأن المراد بالأسماء العلامات، والأفعال والحروف أسماء؛ بهذا الاعتبار.
"قالوا": يحتمل أن يكون المرادُ من (علَّم): "ألهمه" الاحتياجَ إلى هذه الألفاظ، ووهبه ما به يتمكَّن من الوضع، "أو علَّمه ما سبق" وضعُهُ من اصطلاحِ مَنْ تقدَّمه.
قال القاضي في (التقريب): ويحتمل أيضًا أن يكون غيرُ آدم تواضَعُوا على مثْلِ ما وقَّفه الله عليه، أو يكون علَّمه لغة من اللُّغات مبتدأةً لم ينطقْ بها أحد قبله، أو أنطقه، أو أقدَرَه، أو غيرُ ذلك.
"قلنا": كلُّ هذا "خلاف الظاهر"، فظاهر التعليم أنه أوجد فيه العلم بأن اسم هذا المعنى هذا اللفظُ؛ وإذن: لا يكون التوقّف صوابًا إِلَّا عن القطْعِ، لا عن الظُّهور؛ وهذا ما ذكره ابن دقيقِ العِيدِ.
وقول الإمام الرَّازي: (ليس التعليم إيجاد العلم، بل فعلٌ صالحٌ لترتُب حصول العلم عليه) ضعيفٌ؛ كما ذكرنا في (شرح المنهاج) (٢).
стр. 437
قَالُوا: الْحَقَائِق، بدَلِيلِ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية، ٣١]؛ قُلْنَا: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلَاءِ﴾ [سورة البقرة: الآية، ٣١] يُبَيِّنُ أَنَّ التَّعْلِيمَ لَهَا، وَالضَّمِيرَ لِلْمُسَمَّيَاتِ.
= نعم لك أن تقول: هي ظاهرة في أنه علمه، لكن لم قلتم: إن الوضع منه - تعالى - وجاز أن يكون الوضع من السَّابقين، ولسنا ندعي أن قبل آدم الجِنَّ والبِنَّ؛ فذلك لم يثبت عندنا، بل قال القاضي في (التقريب): جاز تواضعُ الملائكةِ المخلوقةِ قبله.
قال ابن القُشَيري: وقد كانوا قبله يتخاطبون ويفهمون؛ فالإنصافُ أن احتمال الإلهام خلافُ الظَّاهر، واحتمال تعليم ما سبق لا يخالفُ الظَّاهر؛ إذ ليس فيه إثباتُ ما ينفيه اللَّفظ، ولا نفيّ ما يثبته.
الشرح: "قالوا": لعلَّ الَّذي علمه آدمَ "الحقائقُ"؛ مثل: حقيقةُ الخيلِ كذا، والبقرِ كذا، وهي تصلحُ لكذا، وأطلق عليها الأسماء؛ "بدليلِ" قوله تعالى: " ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ [سورة البقرة: الآية، ٣١] "، ولو كان الضمير للأسماءْ، لقال: عرضها، أو عرضهنَّ.
"قلنا": ليس المقصود الحقائقَ، بل الألفاظَ؛ بدليل قوله تعالى: " ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاء هؤُلَاء﴾ [سورة البقرة: الآية، ٣١] "؛ فإِنَّه "يُبيِّن أن التعليم" كان "لها" - أي: الأسماء - "والضمير" في عرضهم "للمسمَّيات"، ولا مُنَافاة بينهما.
стр. 438
وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَاخْتِلَافِ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [سورة الروم: الآية، ٢٢]؛ وَالْمُرَادُ اللُّغَاتُ؛ بِاتِّفَاقٍ.
قلنا: التَّوْقِيفُ وَالْإِقْدَارُ؛ فِي كَوْنِهِ آيَةً - سَوَاءٌ.
الْبَهْشميَّةُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [سورة إبراهيم: الآية، ٤]؛ دَلَّ عَلَى سَبْقِ اللُّغَاتِ، وإِلَّا، لَزِمَ الدَّوْرُ؛ قُلْنَا: إِذَا كَانَ آدَمُ ﵇ هُوَ الَّذِي عَلَّمَهَا، انْدَفَعَ الدَّوْرُ؛ .............................................................
الشرح: "واستدلَّ" على التوقيف أيضًا؛ "بقوله" تعالَى: " ﴿وَاخْتِلَافِ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [سورة الروم: الآية، ٢٢] والمرادُ" بالألسنة "اللغاتُ؛ باتِّفاقٍ"؛ إطلاقًا للسبب على المسبَّب، دون الجَارِحَةِ (١)؛ إذ ليست هي المراد؛ بالاتفاق.
"قلنا: التوقيفُ والإقدار" على وضع اللُّغات؛ "في كونه (٢) آيةً - سواءٌ"؛ وكما يطلق اللسان على اللغات مجازًا، يطلق على القدرة كذلك، فليس الحمل على اللغات بأولى من الحمل على القدرة.
ولقائل أن يقول: مجازُ المستدِلِّ أولى؛ لأنَّهُ أقل إضمارًا.
نعم لِلْخَصْمِ أن يقول: سلمنا أن المراد اختلاف اللغات؛ ولكن لم قلتم: إن ذلك إنما يكون آية بالتوقيف، بل هو آيةٌ، وإن كان العبد هو الواضع؛ إذ أفعاله مخلوقة لله تعالَى.
الشرح: واستدلَّ "البهشميةُ" على الاصطِلَاحِ؛ بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [سورة إبراهيم: الآية، ٤] "؛ فإنه "دلَّ (٣) على سبق اللّغات" للرسالة؛ فكانت (٤)، اصطلاحية، "وإلا، لزم الدَّوْر"؛ لكونها توقيفية عند انتفاء الاصطلاح؛ فيلزم تأخرها عن الرِّسالة المتأخِّرة عنها؛ وهو محالٌ؛ لاستلزامه تقدَّم كل منهما على الآخَر (٥).
"قلنا: إذا كان آدم ﵇ هو الذي علَّمها" غيرَهُ بتعليمِ الله إيَّاه - "اندفع الدَّور"؛ لأن لآدم حالتين: حالة النبوة، وهي الأولَى، وفيها الوَحْيُ الذي من جملته تعليمُ اللغات؛ وعلَّمها الخلْقَ [إذ ذاك، ثم بُعِثَ بعد أن عَلِمَها قومُهُ؛ فلم يكن مبعوثًا لهم إلا بعد عِلْمِهِمُ اللغات، فبعث
стр. 439
وَأَمَّا جَوَازُ أَنْ يَكُونَ التَّوْقِيفُ بِخَلْقِ الْأَصْوَاتِ أَوْ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ - فَخِلَافُ الْمُعْتَادِ.
الْأُسْتَاذُ: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمُحْتَاجُ إِلَيْهِ تَوْقِيفِيًّا، لَزِمَ الدَّوْر، لِتَوَقُّفِهِ عَلَى اصْطِلَاحٍ سَابِقٍ؛ قُلْنَا: يُعْرَفُ بِالتَّرْدِيدِ وَالْقَرَائِنِ؛ كَالْأَطْفَالِ.
بلسانهم] (١)؛ وحاصلها: أن نُبُوَّته متقدمة على رسالته، والتعلُّم متوسط، وهذا وجهُ اندفاع الدَّوْر.
"وأما" ما قد يقال في دفعه؛ من "جواز أن يكون التوقيف بخلق الأصوات، أو بعلمٍ ضروريٍّ"؛ فينا، لا بالتَّفهيم (٢) بالخِطَابِ - "فخلافُ المعتاد"؛ إذ المعتاد التفهُّم بالخطاب.
الشرح: وقال "الأستاذ"؛ محتجًّا لمذهبه: "إن لم يكن" القدرُ "المحتاجُ إليه" في التعريف وقع "توقيفيًا - لزم الدور؛ لتوقفه على اصطلاح سابق" يعرف به؛ أن اللفظ موضوع للمعنى، فلو استفيدتْ تلك الألفاظ التي يراد أن يعرف بها الاصطلاحُ من الواضع - لزم التوقيف.
"قلنا": لا نسلِّم توقفه على اصطلاح سابق، لو لم يكن توقيفيًا؛ لجواز أن "يعرف" ما في الضَّمير "بالترديد والقَرَائن؛ كالأطفال".
واعلم أن للمسألة مَقَامَيْنِ:
أحدهما: الجوازُ؛ فمن قائل: لا يجوز أن تكون اللُّغة إلا توقيفًا.
ومن قائل: لا يجوز أن تكون [إلا] (٣) اصطلاحًا.
والثاني: أن ما الذي وقع؛ على تقدير جواز كل من الأمرين.
والقول بتجويز كل من الأمرين هو رأي المحقِّقين، ولم أرَ من صرَّح عن الأشعري بخلافه.
والذي أراه أن الشيخ إنما تكلَّم في الوقوع، وأنه يجوِّز صدور اللُّغَةُ اصطلاحًا، ولو منعَ الجواز، لنقله عنه القَاضِي وغيره من محقِّقي كلامه، ولم أرهم نقلوه عنه، بل لم يذكر القاضي، وإمام الحرمَيْن، وابن القُشَيْري الشيخ في مسألة مبدأ اللغات ألبتة.
وذكر إمام الحرمين الاختلاف في الجواز، ثم قال: إن الوقوع لم يثبت، وتبعه ابن القُشيري وغيره.
"فائدة"
الصحيح عندي؛ أنه لا فائدة لهذه المسألة، وهو ما صحَّحه ابن الأَنْباري (٤) وغيره؛ ولذلك
стр. 440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قيل: ذكرها في الأصولِ فُضولٌ.
وقيل: فائدتها النَّظَرُ في جواز قَلْبِ اللغة؛ فحُكِيَ عن بعض القائلين بالتوقيفِ منع القَلبِ مطلقًا؛ فلا يجوز تسمية الفرسِ ثوبًا، والثوبِ فرسًا، وعن القائليِن بالاصطلاحَ تجويزُهُ.
وأما المتوقِّفون، قال المازِرِيُّ: فاختلفتْ إشارة المتأخِّرين؛ فذهب الأزدي إلى التجويز؛ كمذهب قائل الاصطلاح.
وأشار أبو القاسم عبد الجليل الصَّابونيُّ؛ إلى المنع، وجوَّز كون التوقيف واردًا على أنه وجب ألّا يقع النطق إلا بهذه الألفاظ.
قلت: وعلى الخلاف بنَى بعضهم مسألة: إذا عَقدَ صَداقًا في السِّرِّ، وصداقًا في العلانية، ويلتحقُ به ما إذا استعمل لفظ شركةِ (١) المفاوضةِ (٢)، وأراد شركة العنانِ (٣)، وقد نص الشَّافعي
стр. 441
الرَّابعُ: طَرِيقُ مَعْرِفَتِهَا: التَّوَاتُرُ فِيمَا لَا يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ؛ كَالْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ؛ وَالآحَادُ فِي غَيْرِهِ.
فيها على الجواز.
والحق عندي - وإليه يشير كلام المازري -: أنه لا تعلُّق لهذا بالأصل السابق؛ فإن التوقيف؛ لو تم، ليس فيه حَجْر علينا؛ حتَّى لا ننطق (١) بِسِوَاه، فإن فُرِض حَجْرٌ، فهو أمر خارجي، والفرعُ حكمه حكم الأشياء قبل ورود الشَّرائع؛ فإنَّا لا نعرف في الشرع ما يدلُّ عليه.
وما ذكره الصَّابُوني من الاحتمال مدفوعٌ.
قال المَازِرِيُّ: وقد علم أن الفقهاء المحقِّقين لا يحرِّمون الشَّيء بمجرّد احتمال ورود الشَّرع بتحريمه، وإنما يحرِّمونه عند انتهاض دَليلِ تحريمه.
قال: وإن استند (٢) في التحريم إلى الاحتياط، فهو (٣) نظر في المسألة من جهة أخرى.
وهذا كله فيما لا يؤدِّي قَلْبُهُ إلى فساد النِّظَام، وتغييرهُ إلى اختلاط الأحكام، فإن أدى إلى ذلك، قال المَازِرِيُّ: فلا يختلف في تحريمِ قَلْبِهِ (٤)، لا لأجل نفسه؛ بل لأجل ما يؤدي إليه.
الشرح: "طريق معرفتها" - أي. معرفةِ اللُّغَةُ (٥) - "التَّوَاتُرُ فيما لا يقبلُ التَّشْكيك؛ كالأرض والسَّماء، والحر والبَرْد"؛ فتعرف به؛ "و "بـ"الآحاد في غيره"؛ وهو ما يقبل التَّشْكِيك.
стр. 442
مَبَاحِثُ الْأَحْكَامِ
الْأَحْكَامُ: لَا يَحْكُمُ الْعَقْلُ بِأَنَّ الْفِعْلَ حَسَنٌ أَوْ قَبِيحٌ؛ فِي حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُطْلَقُ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ إِضَافِيَّةٍ: لِمُوَافَقَةِ الْغَرَضِ وَمُخَالَفَتِهِ، وَلمَا أُمِرْنَا بِالثَّنَاء عَلَيْهِ ...........
الشرح: "الأحكام": تستدعى حاكمًا، ومحكومًا به، وعليه؛ فليقع الافتتاحُ بالنَّظر في الحكم:
قال أئمتنا: "لا يحكمُ العَقْلُ؛ بأن الفعل حسن أو قبيح؛ في حكم الله تعالى".
وقوله: (في حكم الله) قيدٌ يخرجُ به حكمُ العَقْل؛ بأن هذا حسنٌ، أو قبيحٌ؛ بمعنى ملاءمة الطبع ومُنافرته، وجمالِ الصورةِ وقُبْحها، وصفةِ الكمالِ والنقصِ؛ فإن ذلك عقلي؛ بلا خلاف.
وإضافة الحكم إلى الله قيدٌ يظهر في بادئِ الرَّأي؛ أنه غير محتاج إليه.
وعندي أن ذكره تبعًا لإمام الحرمين؛ حيثُ قال: لسنا ننكر أن العقول تقضي من أربابها باجتناب المهالك، وابتدار المَنَافع الممكنة؛ على تفاضل (١) فيها، وجَحْدُ هذا خروجٌ عن المعقول، ولكن الكلام فيه يحسنُ ويقبحُ في حكم الله تعالَى. انتهى.
والسّر فيه عندي أن الخَصْمَ لا ينكر أن الله - تعالى - حاكمٌ، ولكنه يقول: العقل يحكم، والشَّرع يَعْضُدُه، ولا يخرجُ عن قضيته؛ فهو حاكم بهذا الاعتبار.
"ويطلق" (٢) الحسن والقبح (٣) "لثلاثة أمورٍ إضافيةٍ: لموافقة الغرض ومُخَالَفَتِهِ"؛
وَالذَّمِّ، وَلمَا لا حَرَجَ فِيهِ وَمُقَابلِهِ؛ وَفِعْلُ اللهِ - تَعَالَى - حَسَنٌ بِالاعْتبَارَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ وَالْبَرَاهِمَةُ: الْأَفْعَالُ حَسَنَةٌ وَقَبِيحَةٌ لِذَاتِهَا ................
نقول (١): هذا حسنٌ؛ لموافقته الغرض، وهذا قبيح؛ لمخالفته؛ فليس ذاتيًّا؛ لتبدله بتبدل الأغراض - "ولمَا أمرنا بالثناء عليه والذَّمِّ"، فالحُسْن بهذا التفسير يتناول الواجبَ والمندوب، دون المباح، والقبيحُ يتناول الحَرَامَ دون المكروهِ والمُبَاحِ.
"ولمَا لا حَرَجَ فيه ومقابِلِهِ"، فالحسن على هذا أعمُّ من الثاني؛ لتناوُلِ المباحِ أيضًا.
"وفعل الله - تعالى - حسنٌ [بالاعْتبَارَيْن] الأخيرين"؛ إذ أمرنا بالثناء عليه، ولا حَرَجَ فيه، وقضيةُ الثالث - أن المكروه حَسَنٌ، إذ لا حَرَجَ في فعله.
والصَّحيح - وبه صرَّح إمام الحرمين في (الشَّامل): أنه خارجٌ عن وصف الحسن والقبح جميعًا.
"وقالت المعتزلة والكرَّامية والبراهمة: الأفعال حسنةٌ وقبيحةٌ لذاتها" (٢).
стр. 448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنها: ما يتضح (١) حكمه، ووجه المصلحة فيه غاية الإيضاح، فيجعلونه معلومًا بالعلم الضروريِّ العقليِّ؛ كإنقاذ الغرقَى من غير ضَرَرٍ يلحق المنقذَ، أو الظلمِ والكذبِ بغير غرض.
ومنها: ما انحطتْ رتبته عن هذا الإيضاحِ؛ حتى احتيج فيه إلى قياسه على الضروريِّ؛ كظلمٍ مقيَّد، أو كذبٍ مقيَّد.
ومنها: ما لا تبلغ العقول كُنْهَ معرفته، ولو بحثت وفكرت وقاست واستنبطت، كَتَفاصِيلِ الشرعياتِ - المأموراتِ والمنهياتِ -، فَالعَقْلُ في هذا يفتقر إلى الشرائع،. وما جاءت به الرسلُ ﵈.
стр. 449
فَالْقدَمَاءُ: مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ، وقوْمٌ بِصِفَةٍ، ..............................
وتبعهم من الحنفية جَمَاعَةٌ (١)، ومن أصحابنا الصَّيْرَفي، والقَفَّال الكبير، وأبو بكر الفارسي، والقاضي أبو حامد، وأبو عبد الله الحليمي (٢) - نقله عنه ابن السَّمْعَاني - وفيه ما سأذكره - إن شاء الله - في مسألة شُكر المُنْعِمِ.
واعلم أن البراهمة ليسوا مُسْلِمِينَ، ولا كلامَ معهم، وإنما الكلامُ مع القدريَّة، ومن تبعهم؛ من الكَرَّامية والخَوارج.
وقد اختلفوا "فالقدماء" من المعتزلة قالوا: بحصول الحُسْنِ والقُبْحِ "من غير صفة" موجبةٍ لهما (٣).
وَقَوْمٌ بِصِفَةٍ فِي الْقَبِيحِ، وَالْجُبَّائيَّةُ بِوُجُوهٍ وَاعْتِبَارَاتٍ.
"وقومٌ" منهم قالوا: "بصفةٍ" زائدةٍ عليها.
و"قومٌ" ذهبوا إلى أنها مختصَّة "بصفة في القبيح"، دون الحَسَن.
"والجُبَّائية" - وهم أبو علي وأتباعه - ذهبوا إلى أن الاختصاص بالحُسْن والقبح؛ إنما هو؛ "بوجوهٍ واعتباراتٍ"؛ فَلَطْمَةُ اليتيم حسنةٌ؛ باعتبار التأديب، قبيحةٌ؛ باعتبار الإيلامِ.
فإن قلت: قولهم: الأفعال حسنة وقبيحة لذاتها، مع قولهم: إن حُسْنَهَا وقُبْحَهَا، باعتبار صِفَاتِهَا - مما يتناقض.
стр. 452
لَنَا: لَوْ كَانَ ذَاتِيًّا، لَمَا اخْتَلَفَ، وَقَدْ وَجَبَ الْكَذِب، إِذَا كَانَ فِيهِ عِصْمَةُ نَبِيٍّ، وَالْقَتْلُ وَالضَّرْبُ وَغَيْرُهُمَا.
"وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ ذَاتيًّا، لاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ فِي صِدْقِ مَنْ قَال: لأَكْذِبَنَّ غَدًا - وَكَذِبِهِ.
وَاسْتُدِلَّ: لَوْ كَانَ ذَاتيًّا، لَلَزِمَ قيَامُ الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى؛ لأَنَّ حُسْنَ ...........
قلت: اقتضاء الذات للحُسْن والقبح هو قولٌ اشتركوا فيه، ثم اقتضاؤها قد يكون بواسطةٍ هي الصفةُ والاعتبارات، وقد لا يكون بِوَاسِطَةٍ.
الشرح: "لنا: لو كان" الحسن والقبح "ذاتيًا" للفعْلِ - "لما اختلف" بصيرورة (١) الحَسَن قبيحًا، وبالعكس؛ لامتناع اختلاف الذَّاتيات، "وقد" اختلف؛ إذ "وجب الكذب" عند اشتماله على مصلحة رَاجِحَةٍ؛ كما "إذا كان فيه عِصْمةُ نبِيٍّ، والقَتْلُ واِلضربُ وغيرهما" - كذا بخطّه -، أي: وجب القتل أو الضرب وغيرهما أيضًا؛ إذا كان فيه عصمة نبيّ؛ فلا يكون ذاتيًّا.
الشرح: "وأيضًا: لو كان ذاتيًا، لاجتمع النقيضان"؛ وهما الحسن والقبح الذَّاتيان "في صدق من قال: لأكذبنَّ غدًا - وكذبه"؛ لأنه إن صدق، لزم إيجاد القَبِيحِ، والفعل المستلزمُ للقبيح قبيحٌ، فالصدقُ إذن قبيحٌ، وإن لم يصدقْ، لزم القبيحُ أيضًا، فحصول القبيحِ لازمٌ على التقديرين، ويلزم منه اجْتِمَاع (٢) الحسن والقبح فيه.
واعترض الأول: بأن الواجب لازمُ الكذبِ والقَتْل والضربِ، وهو خلاصُ النَّبي، دون ما ذكر؛ كما تقول في الصَّلاة في الدَّار المغصوبة: إنها ذات وجهين.
وهو ساقط؛ إذ المصلَّي مأثوم بأفعال الصَّلاة من جهة أنها شَغْلُ مِلْكِ الغَيْرِ، ولم يقل أحدٌ من علماء الشَّريعة؛ بأن الكاذب فيما نحن فيه آثم من جهة أنَّهُ كاذب.
واعترض الثاني: أنه ذو وجهين أيضًا، فيحسُنُ من جهة صدقه، ويقبُحُ من جهة استلزامه الكذب.
الشرح: "واستدلَّ: لو كان ذاتيًّا" لـ"ــــلزم قيامُ المعنى"؛ وهو الحسن والقبح - "بالمعنى"؛ وهو الفعل.
والتَّالي؛ وهو قيام العَرَض بالعَرَض - باطلٌ؛ فكذا المقدِّم.
стр. 453
الْفِعْلِ زَائِدٌ عَلَى مَفْهُومِهِ؛ وإلّا، لَزِمَ مِنْ تَعَقُّلِ الْفِعْلِ تعَقُّلُهُ؛ وَيَلْزَمُ وُجُودُهُ؛ لأِنَّ نَقِيضَهُ: (لا حُسْنَ)، وَهُوَ سَلْبٌ، وإلَّا، اسْتَلْزَمَ حُصُولُهُ مَحَلًّا مَوْجُودًا، وَلَمْ يَكُنْ ذَاتِيًّا، وَقَدْ وُصِفَ الْفِعْلُ بِهِ؛ فَيَلْزَمُ قِيَامُهُ بِهِ، ........................................................
وإنما قلنا: إنه يلزم ذلك؛ "لأن حسن الفعل زائدٌ على مفهومه؛ وإلا، لزم من تعقل الفعل تعقُّلُه" - أي: تعقُّلُ حسنِهِ - والتَّالي باطل؛ إذ قد يُعْقل الفعل، ولا يخطر بالبال حسنُهُ ولا قبحُهُ.
"ويلزم" مع ثبوت زيادته على الفعل "وجودُهُ" - أي: أن يكون أمرًا وجوديًّا؛ "لأن نقيضه لا حُسْنَ، وهو سَلْبٌ.
وإلا" فلو لم يكن سلبًا، كان ثبوتيًّا، و"استلزم حصوله محلًّا موجودًا"؛ لامتناع قيام الصِّفة الثبوتية بالمعدوم؛ وهو صادق على المَعْدوم؛ إذ نصف (١) كثيرًا من المعدومات بأنها غير حَسَنَةٍ؛ فلا يكون ثبوتيًّا.
وإذا كان: لا حُسْنَ، أمرًا سلبيًا - لزم كون نقيضه، وهو الحُسْن - أمرًا ثبوتيًّا.
وأيضًا: إذا لم يصدق عليه أنه ليس بحُسن، صدق أنه حُسْن؛ إذ لا مَخْرَجَ عن النَّفْي والإثبات.
"ولم يكن ذاتيًّا"؛ إذ المعدوم لا يكون له صفةٌ إلا مقدرةً موهومة، وكيف تكون صفةٌ حقيقيةٌ ذاتيةٌ لما لا حقيقة له ولا ذات.
وإذا ثبت أن نقيضه سلبٌ، كان هو وجودًا؛ فقد ثبت أنه زائدٌ وجوديٌ، "وقد وُصِفَ الفعل به؛ فيلزم قيامُهُ به"، أي: قيامُ المعنى بالمعنى، أو قيامُ الحُسْن بالفعل؛ وهو قيام المعنى بالمعنى؛ والدليل على بطلان التالي؛ وهو قيام العرَضِ بالعَرَضِ: أن العرض الذي هو مَحَلُّ العَرَض لا بد، وأن يكون قائمًا بالجَوْهَرِ؛ دفعًا للتَّسَلْسُل، وقيامُ العرض بالجوهر لا معنى له إلا كونُهُ حاصلًا في الحيِّز؛ تبعًا لحصول الجَوْهَرِ فيه، فلو كان العرض قائمًا بالعرض، لزم حصوله في حَيِّزِ العَرَض الذي هو محلُّه؛ تبعًا لحصوله فيه؛ فَهُمَا قائمان بالجوهر؛ وإن كان قيام أحدهما به مشروطًا بقيام الآخر؛ كما في الأعراض المشروطة بالحياة.
وهذا الدليل اعتمده الآمِدِيُّ، وهو مبنيٌّ على امتناع قيام العَرَضِ بالعرض.
والخَصْم يمنعه؛ فإن السرعة والبُطْءَ عَرَضان قائمان بالحركة - وهي عَرَض - وليسا قائمين بالجِسْمِ؛ إذ يقال: جسم بطيء في حركته، ولا يقال: بطيء في جسميّته.
стр. 454
وَاعْتُرِضَ بإجْرَائِهِ فِي الْمُمْكِنِ؛ وَبِأَنَّ الاسْتِدْلالَ بِصُورَةِ النَّفْي عَلَى الْوُجُودِ دَوْرٌ؛ لأِنَّهُ قَدْ يَكُونُ ثُبُوتيًّا أَوْ مُنْقَسِمًا؛ فَلا يُفِيدُ ذلِكَ.
وَاسْتُدِلَّ: فِعْلُ الْعَبْدِ غَيْرُ مُخْتَارٍ؛ فَلا يَكُونُ حَسَنًا وَلا قَبِيحًا ...........
وأصحابنا يجيبون عن هذا المَنْع - كون البُطْء صفةً للحركة -؛ ويقولون: إنما هو عبارة عن تخلل السَّكتات؛ وكذلك السرعةُ عبارةٌ عن عدم التَّخلل؛ فيرجع حاصله إلى أن الجسم يسكُنُ في بعض الأحيان، ويتحرّك في بعضها؛ فيكون ذلك صفةً للجسم؛ لا للحركة، ويقولون (١) أيضًا: إن ما ذكره الخصوم لا يتأتى على مذهبهم أيضًا؛ لجواز أن تكون طبقاتُ الحركات أنواعًا مختلفة، وليس ثمَّ إلا الحركةُ المخصوصة، وأما السُرعة والبطء، فمن الأمور النِّسْبية؛ ولذلك تكون بطيئةً سَريعة بالنسبة إلى حركة؛ كالإنْسانِ مثلًا، سريعة بالنسبة إلى أخرى؛ كالفَرَس.
"واعتُرِضَ" الدَّليل أيضًا "بإجرائِهِ في المُمْكِنِ"؛ فيقال: إمكانُ الممكنِ زائدٌ على مفهومه، وهو ثبوتي؛ لأنه نقيض: (لا إمكان) العدميِّ، وقد وُصِفَ الفعلُ به؛ فيلزم قيام العَرَض بالعرض.
ولك أن تقول: الإمكان أمر اعتباريٌّ؛ لا وجود له في الخارج.
والخصم لا يمكنه الجوابُ بهذا؛ لأن الحسن والقبح عنده من الصفات الوجودية.
"وبأن الاستدلال بصورة (٢) النَّفي"، وكونه سلبًا "على الوجود" - أي: وجود المنفى - "دورٌ؛ لأنه" إنما نعلم أن: لا حُسْن، أمر سلبيٌّ؛ إذا علمنا أنه نقيض الحُسْن، وأن الحسن أمرٌ وجوديٌّ؛ فإن نقيض الوجودي سلبي؛ فلو استدللنا على أن الحسن جودي؛ بأن نقيضه سلبي، لزم الدور؛ وهذا لأنه "قد يكون" السلب "ثبوتيًّا"؛ كاللامعدوم، "أو منقسمًا" إلى الوجودي والعدمي، كاللاممكن؛ فإنه ينقسم إلى الواجب - وهو وجوديٌّ -، والممتنعِ - وهو عدميٌّ؛ "فلا يفيد" الاستدلالُ بصورة النّفي "ذلك" المطلوبَ.
ولك دفع الدور؛ بانَّ عِلْمَنا بأن: لا حُسْنَ سلبي - ليس مستندًا إلى أنه نقيضُ الحسن؛ حتى يلزم الدَّوْرُ؛ وإنما هو مستند إلى أنه لو كان ثبوتيًّا، استلزم محلًّا موجودًا.
الشرح: "واستدل" ثانيًا على أن الحسن والقبح ليسا ذاتيين بما تقريره أن تقول (٣): "فعلُ العبد غير مختار" - وحينئذٍ يكون إما اضطراريًّا أو اتفاقيًّا - "فلا يكون حسنًا ولا قبيحًا لذاته؛
стр. 455
لِذَاتِهِ؛ إِجْمَاعًا؛ لأِنَّهُ إِنْ كَانَ لازِمًا، فَوَاضِحٌ، فإنْ كَانَ جَائِزًا؛ فإنِ افْتَقَرَ إِلَى مُرَجِّحٍ، عَادَ التَّقْسِيم، وَإلَّا، فَهُوَ اتِّفَاقِيٌّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ فإنَّا نَفْرُقُ بينَ الضَّرُورِية، وَالاخْتيَارِيَّةِ؛ ضرُورَةً؛ وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ فِعْلُ الْبَارِي، وَأَلَّا يُوصَفَ بِحُسْنٍ وَلا قُبْحٍ؛ شَرْعًا؛ .............
إجماعًا"، أما عندنا فظاهرٌ، وأما عند الخَصْمِ فلأنه لا يجوز التكليف بالأفعال التي هي غير اختيارية شرعًا، فضلًا عن أن يعلم ذلك بضرورة العقل أو نظره.
وإنما قلنا: إن العبد غير مختار في أفعاله؛ "لأنه إن كان" صدور الفعل عنه "لازمًا، فواضح" لزوم الجَبْرِ، وحصول المطلوب من عدم الاختيار، "وإن كان جائزًا"؛ فإما أن يفتقر (١) في ترجيح أحد طرفيه على الآخر إلى مرجح، أو لا؛ "فإن افتقر إلى مرجِّح، عاد التقسيم" المذكور فتقول: - مع ذلك المرجح - إما أن يكون الفعل لازمًا أو جائزًا، ويلزم التسلسل أو الانتهاء إلى مرجح مخلوق لله - تعالى - ولا يتمكن العبد من تركه عند وجوده. فيلزم الاضطرار؛ "وإلا" - أي: وإن لم يفتقر إلى مرجِّح، "فهو اتفاقي" لا يصدر عن اختيار، وقد اعتمد الإمام الرَّازي على هذا الدليل.
"وهو ضعيفٌ" لوجوه:
الأول: العلم ببطلان مدلوله ضرورة؛ "فإنا نفرِّق بين" الأفعال "الضرورية" كحركة المرتعش "والاختيارية" كسائر الحركات الإرادية "ضرورة".
والثاني: أنه "يلزم عليه فعل الباري"، فيلزم ألا يكون مختارًا، وذلك كُفْرٌ.
والثالث: أنه يلزم منه أيضًا "ألا يوصف" الفعل "بحسن ولا قُبْح شرعًا" بغير ما ذكر وهو باطل وفاقًا.
واعلم أن الإلزام الأول أوجه الإلزامات.
وقد يقال عليه: أما التفرقة بين حركة المرتعش وغيره فضرورية، وهي التي جعلت مذهبنا - معاشر الأشاعرة - واسطة بين الجَبْرِ والقَدَرِ.
وأما إبطال هذا الدليل بهذا ففيه نظر؛ لأن مورد التقسيم فعل العبد، وحركة المرتعش ليست من فعله، ولا يقال: حرك المرتعش يده إلا مجازًا، لفقدان الاختيار والداعية.
قولكم: لو كانت أفعالنا اضطرارية لساوت حركاتنا حركات المُرْتَعِشِ.
قلنا: أي المساواة تريدون المساواةَ من جِهَةِ امتناع التَّكليف بها.
стр. 456
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ بِالاخْتيَارِ.
الأول: مسلَّمٌ، فإنها واجبة الوقوع لتمام عِلَّتها (١) الصَّادرة من الغير.
والثاني ممنوع؛ لأنها وجبت بالغَيْرِ، ووجوب الشَّيء بشرط غيره لا ينافي إمكانه وقدرة الغير عليه، فلم تكن حركاتنا كحركات المرتعش.
والحاصل: أنا نلتزم الاضطرار، ولا ينتفي للمدح والذم.
وما قيل من الإجماع على انتفاء التكليف بالاضطراري إنما هو في الاضطراري الذي لا مدخل للعبد [فيه] (٢) ألبتة.
وأما ما يكمل المرجّح فيه بداعية العبد وعزمه فالفعل واجب، ولا ينفي (٣) هذا الاضطرار الثواب والعقاب.
وأما الثاني فضعيف، لقيام الفرق، فإن فاعلية الباري - تعالى - تتوقَّف على مرجّح من قبله، وهو إرادته القديمة المتعلّقة بالإيجاد في وقت مخصوص، وما ذكرنا من التقسيم غير آتٍ فيه حتى يلزم التسلسل أو الاضطرار أو الاتفاق، ولا يلزم قدم مخلوقاته.
وأما الثالث فساقطٌ؛ لأَن الدليل على المقدمة الثانية في البرهان المذكور إنما هو الاتفاق على أن الاضطراري والاتفاقي لا يصحَّان عقلًا، وهو غير حاصل في الحسن والقبح الشرعيين، ولأَنَّ جماهير القائلين بانهما شرعيان - وإمامهم شيخنا أبو الحسن - قالوا بجواز التكليف بما لا يطاق.
"والتحقيق" في الجواب عن فعل العَبْدِ: "أنه" يجوز صدوره، ولكن "يترجَّح" صدوره "بالاختيار" من العبد.
والحاصل: أن بين القدر والجبر واسطة، وهي: الكَسْب الذي نقول بإثباته، وتحقيقه محال على الكتب الكلامية من كتب أصحابنا. فلا تظنن هذا المكان يتكفّل لك بتقرير الكسب الذي هو أصعب ما عند الأشاعرة.
وإن أبيت إلا التعتق بما يكون في ضميرك عقدًا من معرفة الكسب، فاعلم أن أئمتنا قد أكثروا فيه.
ولي أنا فيه طريقة أراها الصواب فأقتصرُ على ذكرها قائلًا: ثبت لنا قاعدتان: إحداهما: أن
стр. 457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العبد غير خالق "لأفعال نفسه" (١).
والثانية: أن الله لا يعاقب إلا على ما فعله العبد، والثواب والعقاب واقعان على الجوارح (٢)، فلزمت الواسطة بين القَدَرِ والجَبْرِ، وساعدنا عليها شاهد في الخارج، وهو التفرقة الضرورية بين حركة المرتعش والمريد، فأثبتنا هذه الواسطة، وسميناها بالكَسْبِ لقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦] وغير ذلك من الآي والأخبار، فإنْ سُئِلْنا (٣) عن التعبير عن هذا الكَسْبِ بتعريفٍ جامعٍ مانعٍ قلنا: لا سبيل لنا إلى ذلك والسلام، فرُبَّ ثابتٍ لا تحيط (٤) به العِبَارَات، ومحسوسٍ لا تكتنفه الإشاراتُ.
ومن أصحابنا من أخذ يحقق الكَسْب فوقع في مُعْضل أرب لا قِبَلَ له به.
والصواب عندنا: أنه أمر لَزِمَ عن حقّ فكان حقًّا، وعضده ما ذكرناه، فعرفناه على الجملة دون التَّفصيلِ.
وما أحسنَ قول علي بن موسى الرضا (٥) وقد سُئِل: أيكلّف الله العباد بما لا يطيقون؟ قال: هو أعدل من ذلك.
قيل: أفيستطيعون أن يفعلوا (٦) ما يريدون؟ قال: هم أعجز من ذلك.
وعلى الرضا هو ابن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمَّد الباقر بن زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ وهذا الذي قاله عينُ مَذْهبنا فافهمه.
وهو قبل الأشعري وَفَاة بما ينيف على مائة وعشرين سنة، فإنه مات بـ"طوس" سنة ثلاث
стр. 458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومائتين - قبل الشافعي بِسَنَةٍ - والأشعري مات بعد العشرين وثلثمائة.
فإن قلت: وأي برهان قام على إبطال القَدَرِ والجبْر.
قلت: هذا الآن من فمن الكلام، وإدخاله في الأصول فضول، ونحن يشير إلى زبدة القول فيه فنقول: قد تقرّر عند كل ذي لُبّ أن الرب - تعالى - مطالبٌ عباده بأعمالهم في حالهم، ومثيبهم ويعاقبهم عليها في مآلهم، وتبين بالنصوص المترقبة عن درجات التَّأويل أنهم من الوفاء بما كلفوه بسبيل.
وَمَن نظر في كليات الشرائع، وما فيها من الاستحثاث على المكرمات والزواجر عن الموبقات، وما اشتملت عليه من وعد الطائعين بالزُّلْفَى، ووعيد العاصين بسوء المنقلب، وما تضمنه قوله تعالى: تعديتم وعصيتم وأبيتم، وقد أرخيت لكم الطول وفَسَّحت لكم المهل؛ فأرسلت الرسل وأوضحت السُّبل لئلَّا يكون للناس على الله حُجَّةٌ، وأحاط بذلك كله، ثم استراب في أن القول بالجَبْرِ باطل فهو (١) مُصَابٌ في عقله، أو ملقى من التقليد في وَهْدَةٍ (١) من جهله.
فإن أخذ الجبري يقول: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٢٣].
قيل له: كلمةُ حق أريد بها باطلٌ، نعم يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولكن يتقدس عن الخُلْف ونقيض الصدق، وقد فهمنا (٢) بضرورات العُقُولِ من الشَّرع المنقول أنه عزت قدرته طالبَ عباده بما أخبر أنهم مُتَمَكِّنُونَ من الوفاء به، فلم يكلفهم إلا على مبلغ الطاقة والوُسْعِ، فقد لاحَ إبطالُ القول بالجَبْرِ.
وأسْفَهُ منه القول بِخَلْقِ الأفعال، فإنَّ فيه مُرُوقًا عما درج عليه الأولون، واقتحام ورطات الضلال، ولزوم حدوث الفعل الواحد بِقَادِرَيْنَ، ومُدَاناة القول بشريك الباري، فلقد أجمع المسلمون قَاطِبةً قبل ظهور البِدَعِ (٣) والآراء، واجتماع أصحاب الأهواء على أنه لا خالق إلا الله، وفاهوا به كما فاهوا بقولهم: لا إله إلَّا الله، وبمدح الرب في آي من الكتاب بقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [سورة النحل: الآية ١٧]. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [سورة فاطر: الآية ٣]. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٠١]، فلا يشك لبيبٌ أنْ [من] (٤) وصف نفسه بكونه خالقًا
стр. 459
وعلى الجُبَّائيّة لَوْ حَسُنَ الْفِعْلُ أَوْ قَبُحَ لِغَيْرِ المطَّلَبِ، لَمْ يَكُنْ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ لِنَفْسِهِ؛ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أَمْرِ زَائِدٍ.
وَأيْضًا: لَوْ حَسُنَ الْفِعْلُ أَوْ قَبُحَ لِذَاتِهِ أَوْ لِصِفَتِهِ، لَمْ يَكُنِ الْبَارِئُ مُخْتارًا فِي الْحُكْمِ؛ لأِنَّ الْحُكْمَ بِالْمَرْجُوحِ عَلَى خِلافِ الْمَعْقُولِ، فَيَلْزَمُ الآخَر، فَلا اخْتيَارَ.
على الحقيقة، فقد أعظم الفِرْيةَ (١) على ربِّه، فلقد وضح كالشمس أن الجبري مبطلٌ لدعوة الأنبياء ﵈.
والقدري مثبتٌ لربه شريكًا، وهذه جملة لا يقنع بها الطَّالب للبسط، وفيها رمز إلى خلاصة ما يقوله علماؤنا ﵃، وقد تم (٢) الدَّليل على غير الجُبَّائية.
الشرح: "وعلى الجُبَّائية" أن نقول: "لو حسن الفعل أو قبح بغير الطلب" من الشَّارع (٣) وكان حسنه، أو قبحه لما زعمتم من الوجوه والاعتبارات أو لذاته، "لم يكن تعلّق" الفعل لنفسه - كذا بخط المصنّف، أي: لم يكن تعلّق "الطلب" بالفعل "لنفس الفعل"، "لتوقفه على أمرٍ زائدٍ" وهي تلك الوجوه والاعتبارات، والتالي باطل فالمقدم مثله.
أمَّا الشرطية؛ فلأن حسنَ الفعل أو قبحه لو كان مستندًا إلى اعتبار ما لكان متوقفًا في حسنه على حصول ذلك الاعتبار، [والباري - تعالى - إنما يأمر بالفعل لأجل الحُسْن فيكون الطلب متوقفًا على ذلك الاعتبار] (٤) الذي به يحسن (٥) [الفعل] (٦)، وأما بطلان التالي، فلأنا نفرض الكلام في فعل تعلَّقَ الطلبُ به.
الشرح: "وأيضًا" الحجَّة على الجميع "لو حسن الفعل، أو قبح لذاته، أو لصفته لم يكن الباري" - تعالى - "مختارًا في الحكم؛ لأن" الحسن راجحٌ على القُبْحِ، والحكيم إنما يأمرُ بالرَّاجح، لأن "الحكم بالمرجوح على خلاف المعقول، فيلزم الآخر" وهو الحسن الرَّاجح، وإذا كان تعلق الأمر بطرف الحسن واجبًا، وطرف القبح ممتنعًا "فلا اختيار" (٧):
стр. 460
وَمِنَ السَّمْعِ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٥] لاِسْتِلْزَامِ مَذْهَبِهِمْ خِلافهُ.
قَالُوا: حُسْنُ الصِّدْقِ النَّافِعِ وَالإيمَانِ، وَقُبْحُ المكَذِبِ الضَّارِّ وَالكفْرَانِ - مَعْلومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى عُرْفٍ أَوْ شَرْعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. والْجَوَابُ الْمَنْعُ بلْ بِمَا ذُكِرَ.
قَالُوا: إِذَا اسْتَوَيَا فِي الْمَقْصُودِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كُلِّ مِقْدَارٍ، آثَرَ ........
الشرح: "ومن السمع" مما يهدم قاعدةَ الحسنِ والقبح قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٥].
ولم يقل (١): حتى نركِّب [فيهم] (٢)، عقولًا، وإنما ورد على الخصوم هذا "لاستلزام مذاهبهم خلافه"، وذلك لأنه - تعالى - نفى التعذيب قبل البعْثَةِ.
والقولُ بأنَّ العقل يقتضي ويستلزم التعذيب وإن لم توجد البعثة، لوجدانه قبلها، والتعذيب عندهم إذا قضى به العَقْل واجب، فلا يتخلف.
ولنا آي أُخَر، سأذكر بعضها في أثناء مسألة شُكْر المنعم.
الشرح: "قالوا": العلمُ بالحسن والقبح ضروريٌّ، إذ "حسن الصدق النافع والإيمان، وقبح الكذب الضَّار، والكُفْران معلوم ضرورة من غير نظر إلى عُرْفٍ أو شرع أو غيرهما"، بدليل أنه حاصل لجميع الأمم، حتى إن منكري الشرائع يعترفون بحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضَّار، ولو كان ذلك مستفادًا من الشرع لما حصل لهم.
"والجواب المنع"، فلا نسلِّم أن ذلك يعلم بضرورة العَقْل، وكيف يستتب (٣) ادعاء الضرورة، ومن العقلاء من لا يعتقد قُبْحَ ما ذكروه من الأشياء، "بل" إنما يحكم بالحسن والقبح "بما ذكر" من الشَّرْع.
الشرح: "قالوا" الصِّدقُ والكذبُ "إذا استويا في المقصود مع قطع النَّظر عن كل" أمر "مقدر" يقضي بترجيح. أحدهما "آثر العقلُ الصدقَ" على الكذب، وليس ذلك إلَّا لأنه حسن بالعقل.