← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ يَتَرَجَّحُ بِالاخْتيَارِ. الأول: مسلَّمٌ، فإنها واجبة الوقوع لتمام عِلَّتها (١) الصَّادرة من الغير. والثاني ممنوع؛ لأنها وجبت بالغَيْرِ، ووجوب الشَّيء بشرط غيره لا ينافي إمكانه وقدرة الغير عليه، فلم تكن حركاتنا كحركات المرتعش. والحاصل: أنا نلتزم الاضطرار، ولا ينتفي للمدح والذم. وما قيل من الإجماع على انتفاء التكليف بالاضطراري إنما هو في الاضطراري الذي لا مدخل للعبد [فيه] (٢) ألبتة. وأما ما يكمل المرجّح فيه بداعية العبد وعزمه فالفعل واجب، ولا ينفي (٣) هذا الاضطرار الثواب والعقاب. وأما الثاني فضعيف، لقيام الفرق، فإن فاعلية الباري - تعالى - تتوقَّف على مرجّح من قبله، وهو إرادته القديمة المتعلّقة بالإيجاد في وقت مخصوص، وما ذكرنا من التقسيم غير آتٍ فيه حتى يلزم التسلسل أو الاضطرار أو الاتفاق، ولا يلزم قدم مخلوقاته. وأما الثالث فساقطٌ؛ لأَن الدليل على المقدمة الثانية في البرهان المذكور إنما هو الاتفاق على أن الاضطراري والاتفاقي لا يصحَّان عقلًا، وهو غير حاصل في الحسن والقبح الشرعيين، ولأَنَّ جماهير القائلين بانهما شرعيان - وإمامهم شيخنا أبو الحسن - قالوا بجواز التكليف بما لا يطاق. "والتحقيق" في الجواب عن فعل العَبْدِ: "أنه" يجوز صدوره، ولكن "يترجَّح" صدوره "بالاختيار" من العبد. والحاصل: أن بين القدر والجبر واسطة، وهي: الكَسْب الذي نقول بإثباته، وتحقيقه محال على الكتب الكلامية من كتب أصحابنا. فلا تظنن هذا المكان يتكفّل لك بتقرير الكسب الذي هو أصعب ما عند الأشاعرة. وإن أبيت إلا التعتق بما يكون في ضميرك عقدًا من معرفة الكسب، فاعلم أن أئمتنا قد أكثروا فيه. ولي أنا فيه طريقة أراها الصواب فأقتصرُ على ذكرها قائلًا: ثبت لنا قاعدتان: إحداهما: أن

стр. 457

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العبد غير خالق "لأفعال نفسه" (١). والثانية: أن الله لا يعاقب إلا على ما فعله العبد، والثواب والعقاب واقعان على الجوارح (٢)، فلزمت الواسطة بين القَدَرِ والجَبْرِ، وساعدنا عليها شاهد في الخارج، وهو التفرقة الضرورية بين حركة المرتعش والمريد، فأثبتنا هذه الواسطة، وسميناها بالكَسْبِ لقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٨٦] وغير ذلك من الآي والأخبار، فإنْ سُئِلْنا (٣) عن التعبير عن هذا الكَسْبِ بتعريفٍ جامعٍ مانعٍ قلنا: لا سبيل لنا إلى ذلك والسلام، فرُبَّ ثابتٍ لا تحيط (٤) به العِبَارَات، ومحسوسٍ لا تكتنفه الإشاراتُ. ومن أصحابنا من أخذ يحقق الكَسْب فوقع في مُعْضل أرب لا قِبَلَ له به. والصواب عندنا: أنه أمر لَزِمَ عن حقّ فكان حقًّا، وعضده ما ذكرناه، فعرفناه على الجملة دون التَّفصيلِ. وما أحسنَ قول علي بن موسى الرضا (٥) وقد سُئِل: أيكلّف الله العباد بما لا يطيقون؟ قال: هو أعدل من ذلك. قيل: أفيستطيعون أن يفعلوا (٦) ما يريدون؟ قال: هم أعجز من ذلك. وعلى الرضا هو ابن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمَّد الباقر بن زين العابدين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ وهذا الذي قاله عينُ مَذْهبنا فافهمه. وهو قبل الأشعري وَفَاة بما ينيف على مائة وعشرين سنة، فإنه مات بـ"طوس" سنة ثلاث

стр. 458

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ومائتين - قبل الشافعي بِسَنَةٍ - والأشعري مات بعد العشرين وثلثمائة. فإن قلت: وأي برهان قام على إبطال القَدَرِ والجبْر. قلت: هذا الآن من فمن الكلام، وإدخاله في الأصول فضول، ونحن يشير إلى زبدة القول فيه فنقول: قد تقرّر عند كل ذي لُبّ أن الرب - تعالى - مطالبٌ عباده بأعمالهم في حالهم، ومثيبهم ويعاقبهم عليها في مآلهم، وتبين بالنصوص المترقبة عن درجات التَّأويل أنهم من الوفاء بما كلفوه بسبيل. وَمَن نظر في كليات الشرائع، وما فيها من الاستحثاث على المكرمات والزواجر عن الموبقات، وما اشتملت عليه من وعد الطائعين بالزُّلْفَى، ووعيد العاصين بسوء المنقلب، وما تضمنه قوله تعالى: تعديتم وعصيتم وأبيتم، وقد أرخيت لكم الطول وفَسَّحت لكم المهل؛ فأرسلت الرسل وأوضحت السُّبل لئلَّا يكون للناس على الله حُجَّةٌ، وأحاط بذلك كله، ثم استراب في أن القول بالجَبْرِ باطل فهو (١) مُصَابٌ في عقله، أو ملقى من التقليد في وَهْدَةٍ (١) من جهله. فإن أخذ الجبري يقول: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٢٣]. قيل له: كلمةُ حق أريد بها باطلٌ، نعم يفعل الله ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولكن يتقدس عن الخُلْف ونقيض الصدق، وقد فهمنا (٢) بضرورات العُقُولِ من الشَّرع المنقول أنه عزت قدرته طالبَ عباده بما أخبر أنهم مُتَمَكِّنُونَ من الوفاء به، فلم يكلفهم إلا على مبلغ الطاقة والوُسْعِ، فقد لاحَ إبطالُ القول بالجَبْرِ. وأسْفَهُ منه القول بِخَلْقِ الأفعال، فإنَّ فيه مُرُوقًا عما درج عليه الأولون، واقتحام ورطات الضلال، ولزوم حدوث الفعل الواحد بِقَادِرَيْنَ، ومُدَاناة القول بشريك الباري، فلقد أجمع المسلمون قَاطِبةً قبل ظهور البِدَعِ (٣) والآراء، واجتماع أصحاب الأهواء على أنه لا خالق إلا الله، وفاهوا به كما فاهوا بقولهم: لا إله إلَّا الله، وبمدح الرب في آي من الكتاب بقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [سورة النحل: الآية ١٧]. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [سورة فاطر: الآية ٣]. ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٠١]، فلا يشك لبيبٌ أنْ [من] (٤) وصف نفسه بكونه خالقًا

стр. 459

وعلى الجُبَّائيّة لَوْ حَسُنَ الْفِعْلُ أَوْ قَبُحَ لِغَيْرِ المطَّلَبِ، لَمْ يَكُنْ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ لِنَفْسِهِ؛ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أَمْرِ زَائِدٍ. وَأيْضًا: لَوْ حَسُنَ الْفِعْلُ أَوْ قَبُحَ لِذَاتِهِ أَوْ لِصِفَتِهِ، لَمْ يَكُنِ الْبَارِئُ مُخْتارًا فِي الْحُكْمِ؛ لأِنَّ الْحُكْمَ بِالْمَرْجُوحِ عَلَى خِلافِ الْمَعْقُولِ، فَيَلْزَمُ الآخَر، فَلا اخْتيَارَ. على الحقيقة، فقد أعظم الفِرْيةَ (١) على ربِّه، فلقد وضح كالشمس أن الجبري مبطلٌ لدعوة الأنبياء ﵈. والقدري مثبتٌ لربه شريكًا، وهذه جملة لا يقنع بها الطَّالب للبسط، وفيها رمز إلى خلاصة ما يقوله علماؤنا ﵃، وقد تم (٢) الدَّليل على غير الجُبَّائية. الشرح: "وعلى الجُبَّائية" أن نقول: "لو حسن الفعل أو قبح بغير الطلب" من الشَّارع (٣) وكان حسنه، أو قبحه لما زعمتم من الوجوه والاعتبارات أو لذاته، "لم يكن تعلّق" الفعل لنفسه - كذا بخط المصنّف، أي: لم يكن تعلّق "الطلب" بالفعل "لنفس الفعل"، "لتوقفه على أمرٍ زائدٍ" وهي تلك الوجوه والاعتبارات، والتالي باطل فالمقدم مثله. أمَّا الشرطية؛ فلأن حسنَ الفعل أو قبحه لو كان مستندًا إلى اعتبار ما لكان متوقفًا في حسنه على حصول ذلك الاعتبار، [والباري - تعالى - إنما يأمر بالفعل لأجل الحُسْن فيكون الطلب متوقفًا على ذلك الاعتبار] (٤) الذي به يحسن (٥) [الفعل] (٦)، وأما بطلان التالي، فلأنا نفرض الكلام في فعل تعلَّقَ الطلبُ به. الشرح: "وأيضًا" الحجَّة على الجميع "لو حسن الفعل، أو قبح لذاته، أو لصفته لم يكن الباري" - تعالى - "مختارًا في الحكم؛ لأن" الحسن راجحٌ على القُبْحِ، والحكيم إنما يأمرُ بالرَّاجح، لأن "الحكم بالمرجوح على خلاف المعقول، فيلزم الآخر" وهو الحسن الرَّاجح، وإذا كان تعلق الأمر بطرف الحسن واجبًا، وطرف القبح ممتنعًا "فلا اختيار" (٧):

стр. 460

وَمِنَ السَّمْعِ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٥] لاِسْتِلْزَامِ مَذْهَبِهِمْ خِلافهُ. قَالُوا: حُسْنُ الصِّدْقِ النَّافِعِ وَالإيمَانِ، وَقُبْحُ المكَذِبِ الضَّارِّ وَالكفْرَانِ - مَعْلومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى عُرْفٍ أَوْ شَرْعٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. والْجَوَابُ الْمَنْعُ بلْ بِمَا ذُكِرَ. قَالُوا: إِذَا اسْتَوَيَا فِي الْمَقْصُودِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كُلِّ مِقْدَارٍ، آثَرَ ........ الشرح: "ومن السمع" مما يهدم قاعدةَ الحسنِ والقبح قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٥]. ولم يقل (١): حتى نركِّب [فيهم] (٢)، عقولًا، وإنما ورد على الخصوم هذا "لاستلزام مذاهبهم خلافه"، وذلك لأنه - تعالى - نفى التعذيب قبل البعْثَةِ. والقولُ بأنَّ العقل يقتضي ويستلزم التعذيب وإن لم توجد البعثة، لوجدانه قبلها، والتعذيب عندهم إذا قضى به العَقْل واجب، فلا يتخلف. ولنا آي أُخَر، سأذكر بعضها في أثناء مسألة شُكْر المنعم. الشرح: "قالوا": العلمُ بالحسن والقبح ضروريٌّ، إذ "حسن الصدق النافع والإيمان، وقبح الكذب الضَّار، والكُفْران معلوم ضرورة من غير نظر إلى عُرْفٍ أو شرع أو غيرهما"، بدليل أنه حاصل لجميع الأمم، حتى إن منكري الشرائع يعترفون بحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضَّار، ولو كان ذلك مستفادًا من الشرع لما حصل لهم. "والجواب المنع"، فلا نسلِّم أن ذلك يعلم بضرورة العَقْل، وكيف يستتب (٣) ادعاء الضرورة، ومن العقلاء من لا يعتقد قُبْحَ ما ذكروه من الأشياء، "بل" إنما يحكم بالحسن والقبح "بما ذكر" من الشَّرْع. الشرح: "قالوا" الصِّدقُ والكذبُ "إذا استويا في المقصود مع قطع النَّظر عن كل" أمر "مقدر" يقضي بترجيح. أحدهما "آثر العقلُ الصدقَ" على الكذب، وليس ذلك إلَّا لأنه حسن بالعقل.

стр. 461

الْعَقْلُ الصِّدْقَ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ تَقْدِيرُ مُسْتَحِيلٍ؛ فَلِذلِكَ يُسْتَبْعَدُ مَنْعُ إِيثَارِ الصِّدْقِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَلا يَلْزَمُ فِي الْغَائِبِ؛ لِلْقَطْع بِأَنَّهُ لا تقْبُحُ مِنَ اللهِ تَمْكِينُ الْعَبْدِ مِنَ الْمَعَاصِي، وَيَقْبُحُ مِنَّا. قَالُوا: لَوْ كَانَ شَرْعِيًّا، لَزِمَ إِفْحامُ الرُّسُل. فَيَقُولُ: لا أَنْظُرُ فِي مُعْجِزَتِكَ حَتَّى يَجِبَ النَّظَر، وَيُعْكَسَ، أَوْ لا يَجِبُ حَتَّى يَثْبُتَ الشَّرْعُ وَيُعْكَس. وَالْجَوَابُ أَنَّ ....... "وأجيب [بأنه] تقديرٌ مستحيلٌ" وقوعه، فإن الصدق والكذب مُتَنَافيان، ويستحيل تساوي المتنافيين في جميع الصفات، "فلذلك" الفرض المستحيل "يستبعد" في العقل "منع إيثار (١) الصدق"، ولا يلزم من استبعاد العقل ذلك على هذا التقدير بعده في نفس الأمر، وإنما يلزم أن لو وقع في نفس الأمر، وهو ممنوع، "ولو سلم" إمكان التقدير في حقنا "فلا يلزم" مثله "في الغالب (٢)، للقطعِ بأنَّه لا يقبح (٣)، من الله تمكين العَبْدِ من المعاصي، ويقبح" ذلك "منا" فلا يُقاس الغائب بالشاهد. الشرح: "قالوا: لو كان" الحسن والقبح "شرعيًا" لكان وجود النظر شرعيًا، وذلك واضح. ولو كان كذلك "لزم إفحام الرسل" ﵈ أي: انقطاعهم؛ وذلك لأن الرَّسول (٤) إذا قال للمرء: انظر في معجزتي لتؤمن "فيقول: لا انظر في معجزتك (٥) حتى يجب النظَرُ" فيها "ويعكس" (٦) قائلًا: "ولا يجب" عليَّ النظر "حتى يثبت الشرع"، ضرورة توقّف الوجوب على الشرع حينئذ، "ويعكس" قائلًا: ولا يثبت الشرع حتى أنظر، وأنا لا أنظر، ويكون هذا القول حقًّا، ولا سبيل للرسول إلى دفعه وهو حُجَّة عليه، وهو معنى الإفهام.

стр. 462

وُجُوبَهُ عِنْدَهُمْ نَظَرِيٌّ فَيَقُولُ بِعَيْنهِ، عَلَى أَنَّ النَّظَرَ لا يَتَوَقفُ عَلَى وُجُوبِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَالْوُجُوبُ بِالشَّرْعِ، نَظَرَ أَوْ لَمْ يَنْظُرْ، ثَبَتَ أَوْ لَمْ يثْبُتْ. قَالُوا: لَوْ كَانَ ذلِكَ، لَجَازَتِ الْمُعْجِزَةُ مِنَ الْكَاذِبِ، وَلامْتَنَعَ الحكْمُ بِقُبْح نِسْبَةِ الْكَذِبِ عَلَى اللهِ قَبْلَ السَّمْعِ، وَالتَّثْلِيثِ وَأَنْوَاعِ الْكُفْرِ مِنَ الْعَالَمِ (١). وَأُجِيبَ بِأنَّ الأَوَّلَ إِنِ امْتَنَعَ فَلِمَدْرَكٍ آخَرَ، .................................... "والجواب: أن وجوبه" [وإن استند عندهم إلى العقل، فليس بضروري "عندهم" بل هو "نظري فيقول بعينه": لا أنظر حتى أعرف وجوب النظر، ولا أعرف حتى أنظر، فإذن الشُّبهة (٢) مشتركة الإلزام، فما كان جوابًا لهم فهو جوابنا. "وعلى" أنا نقول: "إن النظر" في المعجز "لا يتوقف على وجوبه"] (٣)، لإمكان أن ينظر العاقلُ قبل تعلّق الوجوب به. "ولو سلَّم" توقّفه عليه "فالوجوبُ" - وجوبُ النَّظر - إنما هو "بالشَّرع" عندنا، "نظر أولم ينظر، ثبت" عنده الشرع "أو لم يثبت"، فإنه متى ظهرت المُعْجزة فإنفسها وكان صدق النبي فيما ادّعاه [ممكنًا] (٤)، والمدعو متمكنًا من النظر والمعرفة فقد استقر الشرعُ وثبت، والمدعو مفرط في حق نفسه. الشرح: "قالوا: لو كان ذلك" - كذا بخطّه - أي: كون الحسن والقبح شرعيين قائمًا في نفس الأمر، ولم يكونا عَقْليين - لحسن من الله كل شيء، ولو حسن منه كل شيء، "لجازت" وحسنت "المعجزة من الكاذب"، وحينئذٍ يقع التباس النَّبي بالمتنبئ، "ولامتنع الحكم بقبح نسبة الكذب على الله - تعالى - قبل ورود السمع" بحرمة الكَذِبِ عليه - كذا بخط المصنف. وفي بعض النُّسخ: نسبة الكذب إلى الله، أي: لا يقبح أن ينسب الكذب إليه قبل السمع ولامتنع الحُكْمُ بقبح عِبَادَةِ الأصنام، "والتَّثْلِيث، وأنواع الكفر من العالم" قبل الشرع. "وأجيب: بأن الأولَ" أي: المعجزة على يد الكاذب - لا نسلم أن امتناعه لذاته، بل "إن امتنع فلمدرك آخر" غير القبح الذاتي، وهو العادة، ولا يلزم عليه التباس النبي بالمتنبئ، فإن

стр. 463

وَالثَّاني مُلْتَزَمٌ إِنْ أُرِيدَ [بِهِ] التَّحْرِيمُ الشَّرْعِيُّ. الالتباس إنما يلزمُ بتقدير الوقوع، ولا يلزمُ من حسن الشيء وقوعه، بل قد يمتنع عادةً. "والثاني" وهو الكذب، والتَّثْليث إلى آخر ما ذكروه "ملتزم" عدم التحريم فيه "إن أريد بالتحريم التحريم الشرعي"؛ إذ لا تحريم قبل ورود الشرع على أصولنا. ومنهم من يستثني المعرفة ويقول: لا توجب العقول سواها، فعلى هذا إيراد أنواع الكفر إيراد ما هو من غير محل النزاع. والحقُّ أن العقول لا توجب شيئًا ألبتة، ومن تُرَّهَات القوم قولهم: لو لم تجب (١) المعرفة بالعَقْلِ لجاز ورود الشَّرع بإسقاطها، وهذا من فن الهَذَيَانِ؛ إذ التكليف بالجهل مستحيلٌ، فإنه فرع معرفتك من كلفك (٢)، وهو تناقض، ثم قد أخبر الله بأنه لا يأمر بالفَحْشَاء، وتأخيره القائلين بالعقول، وخيبتهم (٣) فما هم واللهِ بأعقل من قدماء الفلاسفة، ولا أكثر رياضةً منهم، وقد وقعوا في الكُفْرِ بركونهم إلى عقولهم، واعتقد كثير منهم خمسة قدماء، وكثير منهم اثنين. فلينظرِ النَّاظرُ إلى أي شيء صار أمرهم، وانتهت حالهم، والسعيدُ من وُعِظَ بغيره. قال علماؤنا: عقول عامَّة الناس مَغْمُورة بِالهَوَى، مَكْفُوفَةٌ عن بلوغ الغاية (٤) بالميل الطبعي، ولهذا وقع أكثر العقلاء في مهاوى الحَيْرَةِ، ولحقتهم من الدَّهش والتردد (٥) ما لا غاية وراءه. قالوا: ودليل هذا أنا لم نجد أحدًا غادره الله وعقله خلي، بل أنزل الكتبَ وأرسل الرسلَ، ولو استقل العقل بشيء لكان بالحري (٦) إن وجد واحد خلي وعقله من غير أن يدخل تحت رِبْقَةِ أحد من الأنبياء ﵈. معاذَ اللهِ أن يكون ذلك، فليتق المرءُ ربه، وَلْيَقِ نَفْسَهُ [ولا يدْخِلْ في الدِّين ما ليس منه، وليتبع الوحي النبوي، وليلتمس التأييد الإلهي، ولا يغتر بزخارفَ من القول، وأباطيل من البهت، فإنها خدع الشيطان وتسويلات النفسِ، وخُذْلان من الله - تعالى - يلحق العبد، ولا عقوبةَ من الله أعظم من أن يكل العبد إلى نفسه] (٧)، ويدعه وحَوْلَهُ وَقُوَّتَه، ويخليه ورأيه وعَقْلَهُ.

стр. 464

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فوحق الحق ليس معتمدي في ردِّ قاعدة الحسن والقبح على ما ذكره المتأخرون من الوجوه العقلية مما قد ذكر المصنّفُ بعضه، فإن ذا الحجاج بسبيل من المضايقة فيه - على ما يكثر تَعْدَاده من آي إلهية، وأحاديث نبوية تَنْشَرحُ لها الصدور، وتفرج بها مضايق الكروب. فإن قلت: قد عُلِم مذهب أهل السُّنة في إبطال الحسن والقبح العقليين فما المعنى بالعبارات الواقعة في كلام بعض فقهاء أهل السُنة من تحليل وتحريم بالعقل؟ قلت: قد قدمنا أنه لا ينكر أحدٌ أن العقل مدرك (١)، وربما أدرك الحكمَ الشرعي بالقياس، أو أدرك دخول الفرع الخاص تحت القاعدة الكلية، فقيل فيه: عقلي لذلك، لا لأن العقل الحاكم فيه كما تقول (٢): الوَتْرُ يُصَلَّى على الراحلة (٣)، [وما يصلى على الراحلة] (٤) سُنَّة. قال: سُنَّة بالعقل، أي: بمعنى إدراك العقل النتيجة، لا جعله الوتر سُنَّةً. ومن هذا القبيل: أن الشافعي ﵁ أطلق القول في "المختصر" بِتَعْصِيةِ (٥) الناجش (٦)، وهو: الذي يزيد في .....................................

стр. 465

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ثمن (١) السِّلعة المعروضة للبيع، وهو غير راغب فيها، ليخدع الناس ويرغبهم فيها، وشرط في تَعْصِيةِ (٢) من بَاعَ على بَيْعِ أَخيه أن يكون عالمًا بالحديث الوارد فيه. قال الشَّارحون: إن السبب فيه أن النَّجَشَ خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحد، معلوم من الألفاظ العامة، وإن لم يعلم الخبر فيه بخصوصه، والبيع على بيع الأخ إنما عُرِف تحريمه من الخبر الوارد فيه، فلا يعرفه من لا يعرف الخبرَ. وذكر بعضهم: أن تحريمَ الخِدَاعِ يعرف بالعقلِ، وإن لم يرد فيه شرعٌ. واعترض الرافعي على هذا بأنه ليس معتقدنا. وفيه نظر، فإن هذا القائل لم يقل: إن العقل حرم، ولو أراد ذلك لم يقل: يعرف بالعقل. بل كان يقول: العقل يُحرم الخِدَاع، أو ما يؤدي هذا المعنى، وإنما مراده أن العقل يدرك تحريم الخداع من غير زيادةِ في الفِكْرِ والنظر؛ إذ كل نجَش خديعة. وكل خديعة حرام، وينتج عن هذا أن النجشَ حرامٌ - ومراده بقوله: "وإن لم يرد شرع" أي: خبر خاص، لا القول بأنَّ العقل يحسن ويقبح، كما فهمه الرَّافعي. فإن قلت: فالبيع على بيع الأخ إضرار، وكما يعرف تحريم النَّجش من الألفاظ العامة في تحريم الخِدَاعِ يعلم تحريمه من الأنماظ العامة في تحريم الإضرار. قلت: كذا اعترض [به] (٣) الرافعي. ولقائل أن يقول: لا يؤخذ (٤) البَيْع على البيع من الألفاظ العامة، وإن أخذ النجش. والفرق أن النجش لا يجلب للناجش مصلحة؛ لأنه لا غرض له إلا الزيادة في ثَمَنِ (٥) السلعة لتجلب نفعًا لصاحبها يلزم (٦) منه الإضرار بالمشتري، وجلب منفعة لشخص بإضرار آخر حرامٌ، واضح من القواعد المقررة في الشرع.

стр. 466

مَسْألتَانِ عَلَى التَّنَزُّلِ، الْأُولَى: ........................................................... وأما البيع على البيع فهو يدعو أخاه إلى فسخ (١) البيع ليبيعه (٢) خيرًا منه بأرخص، ففيه جَلْب منفعةٍ له من حيث ترويج سِلْعَةِ للمشتري من جهة شراء الأجود بأرخص، فهاتان مصلحتان لم تعارضهما إلا مفسدة محتملة ليست متيقنة (٣)، وذلك لجواز أن البائع الأول يبيع سلعته إذا فسخ البيع من مشترٍ آخر بذلك الثمن أو أزيد، فليس يلزم من تحريم جَلْبِ منفعة واحد يلزم عنها وقوع مفسدة، وهو الواقع في سورة النَّجش - تحريم جلب منفعة اثنين لمجرد ظن ترتب مفسدةٍ [عليها] (٤)، وهو الواقع في سورة البيع على البيع يدرك تحريمه لما ذكرناه بخلاف النَّجش، أو أنه وإن أدركه فليس كالأول؛ إذ هو فيه متوقّف على مزيد (٥) فكر ونظر. "مسألتان" الشرح: جرت عادة أئمتنا بذكرهما بعد إبطال قاعدةِ الحُسْن والقبح "على" سبيل "التنزل"، وتسليم القاعدة، وأنه لا يلزم من تسليمها صحَّة دعوى الخصوم في هذين الفرعين مع أن الحامل لهم على ارتكاب العظيمة في الدين الذهاب إلى هذه القاعدة إنما هو التوصُّل إلى إثبات ما ادعوه في هذين الفرعين. وبهذا يظهر لك أن مسألة - شكر المنعم - فرع من فروع مسألة التحسين والتقبيح، ولذلك يُعبر عنها طوائف بلفظ: الفرع (٦).

стр. 467

شُكْرُ الْمُنْعِمِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَقْلًا؛ ................................ وقال إلكيا الهراسي: بل هي نفس مسألة الحسن والقبح؛ إذ المراد بالشكر عندنا - امتثال الأوامر واجتناب النَّواهي (١). وعندهم ارتكاب المستحسنات، واجتناب المستقبحات قال: ولكنا أفردناها بالذّكر على عادة المتقدمين. قلت: وحينئذٍ فلا يحسن استعمال لَفْظ: الفرع فيها، ولا لفظ: التنزل (٢)، وقد عدل المصنّف عن الأول فقال: مسألتان، ولم يقل: فرعان، ووقع في الثاني. المسألة "الأولى: [شكر] (٣) المنعم ليس بواجب عقلًا" خلافًا للمعتزلة، وبعض أصحابنا كالصيرفي، وأبي العباس بن سُرَيجٍ (٤) والقفال الكبير، وابن أبي هريرة، والقاضي أبي حامد، وغيرهم. وقد اعتذر القاضي في "التقريب"، والأستاذ أبو إسحاق في "أصوله" والشيخ أبو محمد

стр. 468

لأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ، لَوَجَبَ لِفَائِدَةٍ، وَإلَّا، كَانَ عَبَثًا، وَهُوَ قَبِيحٌ، وَلا فَائِدَةَ لله تِعَالَى؛ لِتَعَالِيهِ عَنْهَا، وَلا لِلْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا؛ لأِنَّهُ مَشَقَّةٌ، وَلا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ، وَلا فِي الآخِرَةِ؛ إِذْ لا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِي ذلِكَ. قَوْلُهُمْ: الْفَائِدَةُ الْأَمْنُ مِنَ احْتِمَالِ الْعِقَابِ فِي التَّرْكِ، وَذلِكَ لازِمُ الْخُطُورِ - مَرْدُود بِمَنْعِ الْخطُورِ فِي الْأَكْثَرِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَمُعَارَضٌ بِاحْتِمَالِ الْعِقَابِ عَلَى .......... الجويني في "شرح الرسالة" عمن وافق المعتزلة من أصحابنا بأنهم لم يكن لهم قدمٌ راسخٌ في الكلام، وربما طالعوا كتب المعتزلة فاستحسنوا هذه العبارة - وهي أن شكر المنعم واجب "عقلًا"، فذهبوا إليها غافلين (١) عن تشعّبها عن أصول القدرية. قال القاضي: مع علمنا بأنهم ما انتحوا مَسَالكهم، وما اتبعوا (٢) مقاصدهم. قلت: وهو كلام حَق بالنسبة إلى من عدا القَفَّال الكبير، أما القفالُ فكان إمامًا في الكَلامِ مقدمًا، والذي عندنا أنه لما ذهب إلى هذه المقالة وما أشبهها من قوله: يجب العمل بخبر الواحد عقلًا، وبالقياس عقلًا، ونحو ذلك - كان على الاعتزال، لا بد أن يكون رجع عن ذلك. واستدلّ على عدم الوجوب بالعَقْلِ، فقال: "لأنه لو وجب لوجب (٣) لفائدة وإلَّا" فلو وجب لا لفائدة "كان" الوجوب "عبثًا، وهو قبيح"، والعقل الذي عليه تفرع (٤) يدرؤه. والقولُ بالوجوب لفائدة أيضًا باطلٌ؛ لأن الفائدةَ، إما راجعة إلى الله أو إلى العبد، "ولا فائدة" في الشكر" [لله تعالى، لتعاليه عنها، ولا للعبد] (٥) في الدنيا؛ لأنه مشقّة"، إذ هو ارتكاب الواجب واجتناب المحرم، وهو تعب ناجز، "ولا حَظّ للنفس فيه، ولا في الآخرة؛ إذ لا مجالَ للعقل في ذلك" - كذا بخطه - أي: في ثواب الآخرة أو نفعها. وإما التزامهم القسم الثاني - وهو عود الفَائِدَةِ إلى العَبْد في الدنيا. الشرح: "قولهم: الفائدة الأمن من احتمال العكاب في الترك" لشكر المنعم، "وذلك" الاحتمال "لازم الخطور" بِبَالِ كُل عاقل يرى نفسه متقلبًا في نعم محسن، ثم لا يشكره؛ فإن مثلَ هذا بالحري أن يخاف عقابَ المنعم على نفسه. وهو قول "مردود لمنع الخطور" خطور العقاب "في"بال "الأكثر" من الخلق. "ولو سلم" خطوره لجميع العقلاء، "فمعارض باحتمال العِقَابِ على الشكر"، فإذن احتمال

стр. 469

الشُّكْرِ؛ لأِنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ غَيْره، أَوْ لأِنَّهُ كَالاسْتِهْزَاءِ، كَمَنْ شَكَرَ مَلِكًا عَلَى لُقْمَةٍ، بَلِ اللُّقْمَةُ بِالنِّسْبةِ إِلَى المَلِكِ أَكْثر. العقاب - وإن قام عند عدم الشكر - فهو (١) قائم عند وجدانه، إما "لأنه تصرف في ملك غيره" - كذا بخطه - وفي بعض النسخ الغير، بإدخال الألف واللَّام على "غير" - وهو لحنٌ. وإنما قلنا: تصرف في ملك غيره؛ لأن ما يتصرف فيه العبد من جوارحه، ملك لباريه، والتصرف في ملك غيره بغير إذنه قبيح. "أو لأنه كالاستهزاء" بالمنعم، فكان الشَّاكر لربه (٢) "كمن شكر ملكًا على لُقْمة" وقام في المَحَافل (٣) ينادي بها، فإن العقلاء يعدونه مستهزئًا به، بل اللقمة - وإن حقرت "بالنسبة إلى الملك أكبر" من هذه النعم وإن تعاظمت بالنسبة إلى الله. واستغراق العبد أيامه ولياليه بالشُّكر، أحقر في جنب الله من شكره للملك بتحريك إصبعه. وعلى مسألة شكر المُنْعِمِ يتخرج (٤) مسألة من لم تبلغه الدعوة، فعندنا يموت ناجيًا، ولا يقاتل حتى يدعى إلى الإسلام، وهو مضمون بالكَفَّارة (٥) والدية (٦) (٧)، ولا يجب .......

стр. 470

الثانِيَةُ: لا حُكْمَ فِيمَا لا تقْضِي الْعَقْلُ فِيهِ بِحُسْنٍ وَلا قُبْح. وَثَالِثها: لَهُمُ الْوَقْفُ عَنِ الْحَظْرِ وَالإبَاحَةِ. وَأَمَّا غَيْرُهَا فَانْقَسَمَ عِنْدَهُمْ إِلَى الْخَمْسَةِ. القصاص (١) على قاتله على الصحيح؛ إذ ليس هو بمسلم. قال الشَّافعي ﵁: ولا أعلم أحدًا لم يبلغه هذا، يعني: دعوة محمد ﷺ إلا أن يكون قوم وراء الترك. قلت: وهذا إن كان هو في زمن الشَّافعي ﵁، وأما الآن فما أدري أحدًا إلَّا وقد بلغته دعوة محمد ﷺ . الشرح: "الثانية: لاحكمَ للعَقْلِ فيما لا يقضي العَقْلُ فيه بحُسْنٍ ولا قُبْحٍ" (٢). وللمعتزلة مذاهب: أحدها: القول بالإباحة. وثانيها: التحريم. "وثالثها: لهم الوقف عن الحَظْر والإباحة. وأما غيرها" فما للعقل فيه قضاء بحسن أو قبح، "فانقسم عندهم إلى الخمسة" من واجبٍ، ومَنْدُوبٍ، وحَرَام، ومَكْرُوهٍ، ومُبَاحٍ، بحسب تأدية العقول. وذكر القاضي: أنه انقسم عندهم إلى أربعة: واجب، كشكر المنعم والعدل، وندب كالتفضل والإحسان، وحرام كالجَهْلِ بالصَّانع وكفر النعمة، ومباح، ولم يذكر المكروه. واعلم أن الكلام في المسألة في موضعين: أحدهما: في حكم الأشياء قبل ورود الشراع مطلقًا، سواء ما قضى فيها العقل بشيء عند

стр. 471

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القائلين بقضايا العُقُول، وما لم يقْضِ. والصحيح عند أصحابنا: أن الحكم مرتفع إذ ذاك، سواء كانت الأفعال ضرورية أم اختيارية، ولا عليك إن أشعرت عبارةُ الإمام الرازي بخلاف هذا، على أن لها محملًا صحيحًا ذكرناه في غير هذا المَكَانِ، وهذا لأن الحكم عندنا عبارة عن الخطاب، فحيث لا خطاب لا حُكْمَ، واستدلُّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [سورة يونس: الآية ٥٩] فمن ادَّعى تحريم شيء، أو تحليله بغير إذنه، فقد افترى عليه. واعلم أنه ربما عبَّر أصحابُ هذا القول المُخْتَار عن قولهم: بالوَقْفِ، وهي عبارة أكثر المتقدمين، ونقلت عن شيخنا أبي الحسن، وأبي بكر الصَّيرفي، وأبي بكر الفارسي وأبي علي الطبري (١). ولا تحسبن (٢) أن المراد به التردد في أن الأمر ما هو؟ وإنما مرادهم به أن الحكم موقوف على ورود السمع مجزوم به قبل وروده، وهذا شأن كل موقوف في الوجود على غيره، فافهمه، وبه صرح القاضي في "التقريب"، وابن السَّمعاني، وغيرهما (٣). وقالت المعتزلة: هذه الأشياء إما أن يقضي فيها العقل بشيء، فيتبع فيها حكمه. وإما ألَّا يقضي ففيها المذاهب المذكورة في الكتاب، وثالثها: لهم لا لنا الوقف. ومرادهم به فيما أظن التردد، فلم يريدوا بالوَقْفِ ما نريده (٤) نحن، وقد تابعهم في كل قول من هذه الأقوال بعض فقهائنا ممن لم يعرف عود كلامهم. والموضع الثاني: تفريعها على الأصل السابق، فيقول: ما لا يقضي العَقْل فيه بشيء فلا يتجه تعريفه على الأصل السَّابق، وهذا واضح لمن تَدَبّرَه؛ فإن الأصل السَّابق إنما هو حيث يقضي العقل، هل يتبع حكمه؟

стр. 472

لأنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَحْظُورَةً، ............................................. وإنما الأصحاب قالوا: هب أن ذاك الأصل صحيح، فلم قضيتم حيث لا قضاء للعقل؟ وليس هذا تفريعًا على ذلك الأصل. وأما ما للعقل فيه قضاء فهم ذهبوا إلى انقسامه حسب (١) تأدية العقلِ، وخالفهم أصحابنا. وعند هذا أقول: لم ترد هذه المسألة على قولك: ما للعقل فيه قضاء اتبع المعتزلة فيه عقولهم، ونحن خالفناهم، وذلك هو عَيْن مسألة التحسين والتقبيح، فكيف يقال: إنه فرع عنه؟ ولعمري كذلك [يقال في مسألة شكر المنعم: الشكر هو اجتناب القبح وارتكاب الحسن، وذلك كما قال إلكيا: هو عين مسألة التحسين والتقبيح] (٢). وقد لاح بهذا أنه لا تفريع لهاتين (٣) المسألتين على قاعدة الحُسْن والقبح، والسر عدي في إفراد (٤) الأولى بالذكر - أن أبلغ فقاقع المعتزلة بتشنيعهم بأن شكر المنعم عقلًا، وصاروا يَمُوجُونَ في تشنيعهم (٥) ومناداتهم علينا بهذا القول فراد أصحابنا تبيين سفاهتهم، وتخصيص هذه المسألة بالذكر، وأنها ممنوعةٌ على قضية أصلهم، كما هي ممنوعة على أصلِ غيرهم. والسرُّ في إفراد الثانيةِ أن أصحابنا يقولون: معاشر القدرية فيم هذا الطغيان؟! والقول بإضافة الحكم إلى غير الرحمن، والحال حالان قبل الشرع وبعده. فأما بعده، فالشرع قائم، والمرجع إليه. وإن (٦) قيل: فالحسنُ والقبح حقّ؛ إذ هو كاشف لا يخطئ، فلا فائدة في العتو والبغي، وإطلاق القول بأن الحاكم هو العقل، ورب الأرباب ينادي في كتابه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [سورة يوسف: الآية ٤٠]، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٥]، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [سورة الزمر: الآية ٧١]، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ [سورة تبارك: الآية ٨]، ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ [سورة النساء: الآية ١٦٥] إلى غير ذلك من الآي. وأما قبله فما ليس للعَقْل فيه قضاء على أصولكم لا يتجه القول فيه بالحَظْر؛ الشرح: "لأنها" أي المنافع - والحالة هذه (٧) - "لو كانت محظورةً" عند توهّم عقولكم فيها

стр. 473

وَفَرَضْنَا ضِدَّيْنِ، لَكُلِّفَ بِالْمُحَالِ. الْأسْتَاذُ: إِذَا مَلَكَ جَوَادٌ بَحْرًا لا يَنْزِف، ........................................ الحظر، وكان فيها فعلان "وفرضنا ضدين" لا ثالثَ لهما كالحَرَكَةِ والسكون "لكلّف بالمُحَال" إن حظرتم جميعها (١)، وإن خصصتم بعضها بالحظر دون بعض، فهو ترجيحٌ من غير مرجّح، فقد سقط القولُ بالحظر. واعلم أن المراد بالضِّدين هنا ما يستحيل خلوّ المحل عنهما، كذا ذكره القاضي وإمام الحرمين، وغيرهما. لا يقال: مثل هذين الضِّدين من الأفعال الضرورية، والكلام في الاختيارية لأن (٢) الكلام فيهما جميعًا على حد سواء كما أسلفناه. قال إمام الحرمين: وإن خصصوا الحَظْر بما يعتقدون الخلو عنه أصلًا، فمرجعهم إلى أن التصرفَ في مِلْكِ الغير بغير إذنه قبيح، وقد مضى من الكلام ما يدرؤه. الشرح: وقال "الأستاذ" في الرد على الحاظر (٣): "إذا ملك جواد بحرًا لا ينزف"، وهو

стр. 474

وَأَحَبَّ مَمْلُوكُهُ قَطْرَةً، فَكَيْفَ يُدْرِكُ تَحْرِيمَهَا عَقْلًا. قَالُوا: تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ. قُلنا: يَنْبَنِي عَلَى السَّمْعِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَفِيمَنْ يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ مَا، وَلَوْ سُلِّمَ، فَمُعَارَضٌ بِالضَّرَر النَّاجِزِ. مستغنٍ عنه، "وأحب (١) مملوكه قطرة"، وهو عطشان لاهِثٌ، "فكيف يدرك تحريمها عقلًا" حتى يقضى به. وهذا الكلام من الأستاذ واضح في تسفيه رأي الخصوم، وفي أن الكلام في الضروري والاختياري سواء، إذ مثل بالعطشان اللَّاهث. ولكن قال الإمام: لا حاجة إليه مع وضوح مسلك البُرْهَانِ. الشرح: "قالوا: تصرّف في ملك الغير" بغير إذنه، فيكون حرامًا. "قلنا": لا نسلِّم، بل "يبنى على السَّمع"، ولولا ورود السمع لما عرفنا تحريم التصرّف في ملك الغير، وإن كنا قائلين بقاعدة العَقْلِ. "ولو سلم" أنه مما يدرك تحريمه عقلًا "ففيمن يلحقه ضرر" بالتصرّف في ملكه لا على الإطلاق والله - تعالى - منزّه عن لحاقِ الضرر، فلا يقبح عقلًا التصرف في ملكه. "ولو سلم" أنه لا يجوز التصرُّف في ملك الغير مطلقًا، سواء كان ممن يلحقه ضرر أم لا. "فمعارض بالضرر النَّاجز"، فإنه لو لم يتصرف، وانتظر الإذن الشرعي لتضرر في الحال بترك اللَّذة العاجلة، والعقل يقضي بالاحتراز من الضَّرر العاجل، فهذا تمام الرد على القائلين بالحظر (٢).

стр. 475

وَإنْ أَرَادَ الْمُبِيحُ أَنْ لا حَرَجَ، فَمُسَلَّمٌ وَإنْ أَرَادَ خِطَابَ الشَّارعِ، فَلا شَرْعَ، وَإنْ أَرَادَ حُكْمَ الْعَقْلِ، فَالْفَرْضُ أَنَّهُ لا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهِ. قَالُوا: خَلَقَهُ وَخَلَقَ الْمُنْتَفِعَ بِهِ، فَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِي الإبَاحَةَ. قُلْنَا: مُعَارَضٌ بِأنَهُ مِلْكُ غَيْرِه، وَخَلَقَهُ لِيَصْبِرَ، فَيُثَابُ. الشرح: "وإن أراد المبيح [أن] (١) لا حرج" (٢) في هذه الأفعال "فمسلم"؛ إذ الحرج إنما يكون بالشرع "وإن أراد خطاب الشرع فلا" نسلِّم؛ إذ لا "شرع". "وإن أراد حكم العَقْل" بالتخيير "فالفرض أنه لا مجال للعقل فيه"، أي: فيما ليس للعقل فيه قضاء؛ إذ كلامنا فيما لا يحكم العَقْل فيه بحسن ولا قبح. الشرح: "قالوا: خلقه"، أي: خلق العبد، "وخلق" الشيء "المنتفع به فالحكمةُ تقضي الإباحة"، وإلا لكان خلقه عبثًا، وهو قبيح؛ للضرر، ولم يقل به عاقل. وإنما قال: المنتفع به، ولم يقل: الرزق؛ لأن الحرام [عندهم] (٣) ليس برزق، فلو قال: الرزق. قيل: إنما يكون رزقًا على أصلك بعد إثبات أنه حلالٌ. "قلنا: معارض بأنه ملك غيره"، فلا يجوز التصرف فيه، "وخلقه" للنفع ولا ينحصر النفع في التناول، بل جاز أن يكون "ليصبر" العبد "فيثاب"، والثواب نفع، فهذا تمامُ الرد على القائلين بالإباحة (٤) (٥).

стр. 476

وَإنْ أَرَادِ الْوَاقِفُ أنَّهُ وَقَفَ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، فَفَاسِدٌ. الشرح: "إن أراد الواقفُ أنه وقف لتعارض الأدلة" فلم يدر الحق في أي طرف "ففاسد" لِمَا مر من بطلان الإباحة والتحريم، وإن أراد أن الحكم موقوف على ورود السَّمع ولا حكم في الحال فصحيح - وهو مذهبنا - وهذا ذكره الغَزَالِيُّ، وتبعه الآمدي والمصنف. وإنما قال ذلك؛ لأن الواقفية منهم أصحابنا، ومنهم المعتزلة، ومراد أصحابنا بالوَقْفِ غير مُرَاد المعتزلة كما عرفت، وهذا كله فيما قبل الشَّرع مما لم يقض العقل فيه بحسن ولا قُبْح، أما ما له فيه قضاء، فقد عرفت أنهم قسموه إلى الخمسة، ولم يتكلم المصنف عليه، وعند هذا يظهر لك أن ما لا يقضي فيه العقل بشيء لا يكون فرعًا لمسالة الحسن والقبح؛ إذ هي مقصورة (١) على ما للعقل [فيه] (٢) قضاء، وإنما كان يتجه لو تكلموا فيما للعقل فيه قضاء، فكان في الحقيقة ليس فرعًا، بل هو عين المسألة كما ذكرناه. ولو قيل: إذا كنتم مَعَاشر القَدَرِيَّةَ تتبعون العقول، وفرض مسألتنا أنه لا عقل فبأي (٣) وجه حكمتم لكان صوابًا قاضيًا على ما أورده من الشّبه العقلية في طرفي الحظر والإباحة بالفساد والتناقض، إذ فرضوا الكلام فيما لا تقضي (٤) فيه العقول، ثم قضوا واستندوا إلى العقل، وهذا لعمر الله تناقض لائح، وقد أشرنا [إليه] (٥) آنفًا.

стр. 477

تَعْرِيفُ الْحُكْم الشَّرْعِيّ (١) الْحُكْم، قِيلَ: خِطَابُ اللهِ تَعَالَى الْمُتَعَلَّقُ بِأفعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، فَوَرَدَ .............. الشرح: "الحكم: قيل" في تعريفه: "خطاب الله المتعلّق بأفعال المكلفين". والخطاب: توجيه الكلام للأفهام، وبإضافته إلى الله - تعالى - خرج من عداه؛ إذ لا حكم إلا لله.

стр. 478

مِثْلُ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ٩٦] فَزِيدَ بِالاقْتِضَاء أَوِ التَّخْيِيرِ، فَوَرَدَ كَوْنُ الشَّيْءِ دَلِيلًا وَسَبَبًا وَشَرْطًا، فَزِيدَ: أَوِ الْوَضْعِ، فَاسْتَقَامَ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إِلَى الاقْتِضَاءِ وَالتَّخْيِيرِ. وَقِيلَ: لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَقِيلَ: الحكْمُ خِطَابُ الشَّارعِ بِفَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ وقوله: "المتعلّق بأفعال المكلّفين" يخرج ما ليس كذلك، والمراد. جنس الفعل، والمكلّف واحدًا كان أو أكثر. فلو قيل: بفعل المكلف، كان أوضح. قوله: "فورد"، أي: نقضًا على هذا التعريف ما له تعلّق بفعل المكلف، وليس بحكم "ومثل: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ٩٦]. فزيد (١) بالاقتضاء، أو التخيير". والاقتضاء: الطلب، فيندرج (٢) فيه الأربعة، والتخيير: الإباحة. وإنما زيد هذا؛ لدفع الإيراد المشار إليه، فورد بسبب زيادته ما لم يكن واردًا من قبل، وهو كون الشيء دليلًا - كـ"الدلوك" دليل الصلاة - وسببًا - كـ"البيع" سبب صحة التصرفات - وشرطًا - كـ"الطهارة" للصلاة - فإن كل واحد منها حكم شرعي، ولا اقتضاء فيه ولا تخيير، فزيد "أو الوضع" عند ذكر هذا الإيراد، فاستقام الحد من جهتي الطرد والعكس. وهذا عند من يرى السؤال واردًا كالمصنّف. وقيل: بل هو، أي: ما أورد لا يرد؛ لأنه داخل في الحَدّ؛ إذ هو راجعٌ إلى الاقتضاء والتخيير؛ لوجوب الشيء عنده، ومعنى (٣) سببية الدَّلوك (٤) وجوب الصلاة عنده، وصحة البيع إباحة التصرف، ومانعية الحدث للصَّلاة راجعة إلى تحريمها. وهذه طريقة الإمام الرَّازي، وعليها يعتمد. "وقيل: ليس" واحد من هذه الأشياء "بحكم"، بل علامات الحكم. "وقيل: الحكم: خطاب الشارع بفائدة شرعية" - قاله الآمدي (٥) - ولم يرد بالفائدة الشرعية متعلّق الحكم الشرعي، وإلا لزم الدور، وإنما أراد (٦) - كما ذكر في "الإحكام" - الاحتراز عما

стр. 479

تَخْتَصُّ بِهِ، أَيْ: لا تُفْهَمُ إِلَّا مِنْهُ لأَنَّهُ إِنْشَاءٌ فَلا خَارجَ لَهُ. أَقْسَامُهُ فإنْ كَانَ طَلَبًا لِفِعْل غَيْرِ كَفٍّ، يَنْتَهِضُ تَرْكُهُ فِي جَمِيعِ وَقْته سَبَبًا .............. [لا] (١) يفيد فائدة شرعية؛ كالإخبار عن المعقولات، والمَحْسُوسَاتِ ونحوها. وقد أورد عليه أنه صادق على إخبار الشَّارع عن المغيبات، مثل: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [سورة الروم: الآية ٢]؛ إذ هي فائدة غير عقليَّة ولا حسيَّة، وليست حكمًا. وعندي أنه مندفع؛ لأنه نحو العقلية والحسية، وهو قد احترز "بالشرعية" (٢) عنهما وعن نحوهما، لا عنهما فقط. والمصنّف لما رأى هذا الإيراد يستلزم بطلان الحَدّ بإبطال طرده بالأخبار الشرعي قيل: الخطاب يفيد كونه بكون (٣) يكون معه إنشائيًا؛ لظنّه ورود الإيراد، فقال: "تختص (٤) به [أي: لا تفهم] (٥) أي: لا تعرف إلا منه"، فخرج الإخبار الشرعي، فإنه وإن كان خطابًا بفائدة شرعية، لكن قد تفهم تلك الفائدة من غير ذلك الخطاب. وأما الفائدةُ الشَّرعية التي هي في الحكم، فلا تفهم (٦) إلَّا من الخطاب؛ "لأنه" - أي: الحكم - "إنشاء فلا خارج له"، وإذا لم يكن له خارج، لم يتأت فهمه إلَّا من الخطاب. ولك أن تقول: لا حَاجَةَ مع هذا القَيْدِ الذي زاده المصنّف إلى لفظة "شرعية"؛ إذ هو مفصح عن المراد بها فقط كما عرفت - وهو مغن عن ذكرها. الشرح: إذا عرفت هذا "فإن كان" الحكم "طلبًا (٨) لفعل غير كَفّ ينتهض تركه في جميع وقته سببًا للعقاب، فوجوب". وقيدنا "الفعل" بغير الكَفّ ليحترز عن النهي؛ إذ مقتضاه عندنا فعل الضد، لا الانتفاء، وقال: في جميع وقته - ليدخل الموسع.

стр. 480

لِلْعِقَابِ، فَوُجُوبٌ، وَإنِ انْتَهَضَ فِعْلُهُ خَاصَّةً لِلثَّوَابِ، فنَدْبٌ، وإنْ كَانَ طَلَبًا لِكَفٍّ عَنْ فِعْل، يَنْتَهِضُ فِعْلُهُ سَببًا لِلْعِقَابِ، فتَحْرِيمٌ. وَمَنْ يُسْقِطُ "غَيْر كَفٍّ" فِي الْوُجُوبِ تقُولُ: طَلَبًا لِنَفْى "وإن انتهض فعله خاصَّة" سببًا "للثواب، فندبٌ". وإنما قال: "خاصَّة" ليعرف أنه لا يترتب على تركه شيء. وإن أورد الفقيه ردَّ شهادة من اعتاد ترك السُّنن الراتبة، وتسبيحات الركوع [والسجود] (١)، ونحو ذلك. وقيل له: ليس العقاب في شيء من ذلك لمجرد ترك السنن، بل للإشعار من فاعله (٢) بقلَّة المُبَالاة بالمُهَمَّات (٣). "وإن كان طلبًا لكف عن فعل ينتهض فعله سببًا للعقاب، فتحريم. ومن يسقط" قولنا: "غير كف في "تعريف "الوجوب" وهو قائل: إن مطلوب النهي [عن] (٤) الانتفاء - كأبي هاشم - "يقول: طلبًا لنفي فعل" ينتهض فِعْلُهُ سببًا للعقاب "في التحريم". ولا نعني بانتهاض فعله سببًا للعقاب، عقاب الدنيا بخصوصه من حَدّ أو تَعْزِيزٍ (٥)، ونحوهما، بل أعم من عقاب الدُّنيا وإثم الآخرة، فلا يرد حرام لا يعاقب مرتكبه في الدنيا كما قال القاضي أبو حامد المروروذي (٦): فيمن دخل من أهل القوة الحمى الذي حماه الإمام فرعى ماشيته أنه لا غرم ولا تعزير (٧) عليه، وكما قيل على وجه آخر: إذا وطئ السَّيد المكاتبةَ فلا يعزّر، وإن

стр. 481

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 482

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كان عالمًا بالتحريم، وكما قال الشَّيخ عز الدين بن عبد السلام (١): إنه لا يجوز تعزير الأولياء على الصَّغائر، بل تقال عثراتهم، وكما قيل - على وجه -: فيما إذا وطئ الأب جارية الابن - وقلنا: - بالصحيح، وهو أنه لا حَدّ عليه - أنه لا تعزير أيضًا، وكما قال ابن داود - شارح "مختصر المزني" -: إن قاتل الزَّاني المحصن إذا وجده مع أهله فقتله على تلك الحالة لا يعزّر.

стр. 483

فِعْلٍ فِي التحْرِيمِ، وإنِ انْتَهَضَ الْكَفُّ خَاصَّةً لِلثوَابِ، فَكَرَاهَةٌ، وإنْ كَانَ تَخْيِيرًا، فإبَاحَةٌ، وإلَّا، فوَضْعِيٌّ. قال: لأن الغيظ والحمية حمله، وهو قد جنى على محل حقه، فجاز أن يعزر - وإن كان حرامًا - للافتيات على الإمام. فهذه معاصٍ لا عِقَابَ فيها في الدُّنيا، وهي مستثناة من القاعدة المشهورة في الفقه. إن من أتى معصيةً لا حَدَّ فيها ولا كَفَّارة، عليه التعزير، فاحفظها (١). وكذلك نقول في الواجب: مرادنا "بانتهاض تركه سببًا للعقاب" ما هو أعم من عقاب الدَّارين. "وإن انتهض الكَفّ خاصةً سببًا للثواب فكراهة". وقال: خاصَّة في الكراهة أيضًا؛ ليعلم أنه لا يترتب عليها عقاب، وإن أورد الفقيه هنا مواظب لعب الشِّطْرنج، ونحوه، وكالندب. وإن انتهض "الحكم تخييرًا" بين الفعل والترك، "فإباحة". "وإلا" - أي: وإن لم يكن طلبًا ولا تخييرًا - "فوضعي" كالصحة والبطلان، وكون الشيء سببًا ودليلًا وشرطًا ومانعًا، وغير ذلك. والمصنّف جار في الوضعي على مختاره - وقد سبق القول فيه - وتابع في حصر الاقتضاء والتخيير في الأحكام الخمسة لعلمائنا أجمعين. وأنا أقول: بقي (٢) خلاف الأولى الذي تذكره الفقهاء في مسائل عديدة، ويفرقون بينه وبين المكروه، كما في صوم يوم "عرفة" للحاج الصحيح خلاف الأَوْلى. وقيل: مكروه. والخروج من صوم التطوع أو صلاته بعد الثلثين بغير عذر مكروه. وقيل: خلاف الأَوْلى. ونفض (٣) اليد في الوضوء مباح.

стр. 484

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقيل: مكروه. وقيل: خلاف الأَوْلى. والزيادة على الثلاث في الوضوء مكروه. وقيل: حرام. وقيل: خلاف الأَوْلى. وقيل: مكروهة. وتفضيل أعضاء العقيقة (١). خلاف الأولى. وأصح الوجهين في "شرح المهذب" (٢): أنه غير مكروه. قال النووي: لأنه لم يثبت فيه نهي مقصود. وعمارة الدّور وسائر العَقَار، الأَوْلى ترك الزيادة فيها. وربما قيل: تكره (٣) والمعتكف. قال في "البحر": يكره أن يغسل يده من غير طست.

стр. 485

وفي تَسْمِيَةِ الْكَلامِ فِي الْأَزَلِ خِطَابًا خِلافٌ. وقيل: [لا] (١) يكره، ولكن الأحسن غيره. ويكره أن يقال لغير الأنبياء صلوات الله عليهم: فلان صلوات الله عليه. وقيل: خلاف الأَوْلى. وإذا كان موضع الإمام أعلى من موضع المأمومين، ولم يكن مريدًا تعليمهم أفعال الصلاة، فهو خلاف الأَوْلى. وأطلق ابن الصَّباغ والمتولّي فيه لفظ الكراهة. ومن تأمل وجده خارجًا عن الخمسة، ولعلنا نحقق ذلك في التعليقة، فلنقل: الحكم إما طلب لفعل غير كَفّ، أو لفعل هو كَفّ، أو تخيير. والأول: إما مع الجزم [فالوجوب، أو لا، فالندب. والثاني: إما مع الجزم] (٢) فالحرمة، أو لا، وفيه نهي مخصوص، فالكراهة، أو لا نَهْيَ فيه مخصوصٌ، فخلاف الأولى. والثالث: الإباحة، والندب، والسُّنة، والمستحبّ، والطَّاعة، والحسن، والنَّفل - مترادفة، خلافًا لبعض فقهائنا. الشرح: "وفي تسمية الكلام في الأزل خطابًا خلاف" مفزع على تفسير الخطاب (٣)، فمن قائل: إنه الكلام الذي يقصد به إفهام من هو متهيّئ لِلْفَهْم. ومن قائل: الذي يعلم منه أنه يقصد به الإفهام، فعلى هذا هو خطاب دون الأول.

стр. 486

الْوُجُوبُ وَالْوَاجِبُ الْوُجُوبُ: الثُّبوتُ وَالسُّقُوط، وَفِي الاصْطِلاحِ مَا تَقَدَّمَ. وَالْوَاجِبُ: الْفِعْلُ المتَعَلَّقُ لِلْوُجُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَا يُعَاقَبُ تَارِكُهُ مَرْدُودٌ؛ بِجَوَازِ الْعَفْوِ، وَمَا أُوعِدَ بِالْعِقَابِ تَارِكُهُ مَرْدُودٌ؛ بصِدْقِ إِيعَادِ اللهِ تَعَالَى، وَمَا يُخَافُ مَرْدُودٌ؛ بِمَا يُشَكُّ فِيهِ. الْقَاضِي: مَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا بِوَجْهٍ مَا. وَقَالَ: "بِوَجْهٍ مَا" لِيَدْخُلَ الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ وَالْكِفَايةُ؛ حَافَظَ عَلَى عَكْسِهِ؛ فَأَخَلَّ بِطَرْدِهِ؛ إِذْ يَرِدُ النَّاسِي وَالنَّائِمُ وَالْمُسَافِرُ فإنْ قَالَ: يَسْقُطُ الْوُجُوب بِذلِكَ. قُلنا: وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ (١). الشرح: "الوجوب" في اللُّغة (٢): "الثبوت"، ومنه الحديث: "اللَّهُمَّ إِني أَسْألُكَ مُوجِبَاتِ

стр. 487

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . رَحْمَتِكَ" (١)، "والسقوط"، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [سورة الحج: الآية ٣٦]. وفي حديث أبي عبيدة (٢) ومعاذ (٣) "إِنَّا نُحَذِّرُكَ يَوْمًا تَجِبُ فِيهِ القُلُوبُ" فكأنه الشيء الذي سقط على المخاطب فلزم وأثقله، كما يسقط عليه الشيء، فلا يمكنه دفعه عن نفسه.

стр. 488

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "وفي الاصطلاح ما تقدم". "الواجب الفعل المتعلّق للوجوب، كما تقدم". وتعريفه بأنه "ما يُعَاقب تاركه". مردود بجواز العفو من الله تَعَالَى. وما أوعد (١) بالعقاب على تركه. قال المصنّف: "مردودٌ بصدق إيعاد الله". ولك أن تقول: قد يتجاوز الرّب ويعفو، ثم لا ينتفى الصّدق. "وما يخاف" العقاب على تركه، ردَّه إمام الحرمين بما يحسبه المرء واجبًا، فإنه يخاف العقاب عليه، وقد لا يكون كذلك. وهذا صحيح، فإِنَّ من اعتقد جهلًا صيام رجب، يخاف العقاب على تركه مع انتفاء الوجوب. وقد عبَّر المصنّف تبعًا للآمدي (٢) عن هذا الرد بعبارة غير سَدِيدَةٍ، فقال: "مردود بما يشك فيه" أنه واجب، أو لا؛ إذ الخوف موجود مع عدم الوجوب. والظاهر: أن المراد بهذه العبارة ما ذكره الإمام، ولكن فيها قصور. والاعتراض عليها لائح (٣) ذلك منع وجود الخوف، وإن سلم فالخوف من قبل الوجوب. وإن قدر اختلاط الحلال بالحرام كما في امرأة اختلطت بأجنبيَّات محصورات فالحرمة متحققة، إلا أنها في واحدة بالذات، وفي الأخريات بمقدمة الواجب. وقال "القاضي": الواجب "ما يُذمُّ تاركه شرعًا بوجهٍ ما". والمراد بالذمّ شرعًا: أنه واقع من قبل الشارع؛ إذ لا حكم إلَّا من الشرع. "وقال بوجه ما" كما ذكر في كتاب التقريب، "ليدخل فيه الواجب الموسّع". قال المصنّف: "والكفاية"؛ فإن التارك فيها لا يُذَمُّ مطلقًا، بل بوجه دون وجه ففي الموسّع إذا ترك في جميع الوقت، وفي الكفاية إذا لم يظن قيام غيره به، وكذا المخير إذا قلنا: كل واحد

стр. 489

وَ الفَرْضُ وَالْوَاجِبُ مُتَرَادِفَانِ و الْحَنَفِيَّةُ: الفرْضُ الْمَقْطُوعُ بِهِ، وَالوَاجِبُ الْمَظْنُون. واجب، فإنه يذم تاركه إذا ترك معه الآخر لا مطلقًا. وأما إذا قلنا: الواجب فيه واحد مبهم - كرأي المصنّف - فيذم تاركه بأي وجه فرض؛ فلذلك لم يذكره كغيره. ولك أن تقول: كان ينبغي أيضًا ألَّا يذكر في فرض الكفاية إلا أن يحقق أن القاضي يقول: إنه على الجميع. والقاضي لم يذكره في "التقريب" فلعلَّه يقول: إنه على البعض. واعلم أن القاضي بهذا القيد "حافظ على عكسه"، فلم يخرج من الحد (١) ما هو المحدود، أعني: الموسع والكفاية "فأخذ بِطَرْدِهِ"، لدخول ما ليس من المحدود فيه، "إذ يرد النَّاسي والنائم"؛ حيث لا تجب عليهما الصلاة، "والمسافر"، حيث لا يجب عليه الصَّوم، ويذمون على تركه بوجه ما، وذلك عند انتفاص الأعذار، كما يذتم فرض الكفاية بتقدير ترك الجميع. "فإن قال" القاضي: لا نسلِّم أن هذه غير واجة، بل هي واجبة، وإنما "يسقط الوجوب بذلك" العُذْر - عذر السَّفَرِ، والنوم، والنسيان. "قلنا": كذلك في الكِفَايةِ "يسقط" الذم "بفعل البَعْضِ" الآخر. واعلم أن القاضي لا يقول ذلك؛ إذ صرَّح في "التقريب" بأنه لا وجوب على النائم والنَّاسي، ونحوهما حتى السَّكران، وأن المسافر يجب عليه صوم أحد الشهرين كالواجب المُخَيَّر سواء. وللقاضي الجواب بأن النَّائم لا يذم بوجه ما. قولكم: عند انتفاء العذر. قلنا: ليس هو - والحالة هذه - نائمًا، والكلام في النائم. الشرح: "والفرض والواجب" لفظان "مترادفان" وقالت "الحنفيةُ: الفرض: المقطوع، والواجب: المظنون". والخلاف لفظي (٢).

стр. 490

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وحكي القاضي في "التقريب" عن بعضهم أن الفرض ما ورد في القرآن، والواجب ما ورد في السُّنة، وهو فاسدٌ، ولفظي أيضًا.

стр. 491

الأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ وَالإعَادةُ (١) الأَدَاءُ: مَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا أَوَّلًا، وَالْقَضَاءُ: مَا فُعِلَ ............................ واقتضت عبارة صاحب "التنبيه" في كتاب الحج (٢): أن الفرض أعم من الواجب؛ إذ قال في "باب فروض الحج والعمرة": وذكر أركان الحج من واجباته، وهي مؤولة، فاعرف ذلك. ونقل الرافعي عن زيادات العَبَّادي (٣) أنه لو قال: الطلاق واجب عَلَيَّ، تطلق، أو فرض عليّ، لم تطلق. وليس افتراقًا بين حقيقتيهما (٤)، وإنما هو ادعى أن العرف جرى بالواجب دون الفرض. الشرح: والعبادة المُؤَقَّتة تنقسم باعتبار فعلها في الوَقْتِ وخارجه إلى أداء، وقضاء، وإعادة.

стр. 492

بَعْدَ وَقْتِ الْأَدَاءِ اسْتِدْرَاكًا لِمَا سَبق لَهُ وُجُوبٌ مُطْلَقًا، أَخَّرَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، تَمَكَّنَ مِن فِعْلِهِ كَالمُسَافِرِ، أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ؛ لِمَانِع مِنَ الْوُجُوبِ شَرْعًا، كَالْحَائِضِ، أَوْ عَقْلًا كَالنَّائِمِ، وَقيلَ: لِمَا سَبَقَ وُجُوبُهُ عَلَى الْمُسْتَدْركِ، فَفِعْلُ الْحَائِضِ وَالنَّائِمِ قَضَاءٌ عَلَى الأَوَّلِ لا الثانِي إِلَّا عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ. وَالإعَادَةُ مَا فُعِلَ فِي وَقْتِ الْأدَاء ثَانِيًا؛ لِخَللٍ. وَقيلَ: لِعُذْرٍ. فأما "الأداء" فهو "ما فعل في وقته المقدر له شرعًا أولًا"، فخرج ما لم يقدر له وقت كالنَّوافل المُطْلقة، أو قدر لا بأصل الشرع، كمن يضيق عليه المُوَسّع لعارض ظنه الفوات إن لم يبادر، وما وقع في وقته المُقَدَّر له شرعًا، ولكن غير الوقت الذي قدر له أولًا. كالظهر وقتها الأول ما بين زوال الشَّمْس إلى صيرورة ظِلِّ كلّ شيء مثله، ووقتها الثاني إذا ذكرها بعد النِّسْيَان، لقوله ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَو نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا" (٢) فإنَّ ذلك وقتها. وإذا أوقعها في الثاني لم يكن أداءً. وليس قوله: أولًا متعلقًا بقوله: فعل فيكون معناه: فعل أولًا لتخرج (٣) الإعادة؛ لأن الإعادة

стр. 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قسم من الأداء في مصطلح الأكثرين، وعليه جرى الآمدي. "والقضاء" اختلف فيه، والمختار أنه "ما فعل بعد وقت الأداء استدراكًا لما سبق له وجوب مطلقًا" أي: سواء كان الوجوب على المستدرك أم غيره، وسواء "أخره عمدًا أم سهوًا" وسواء "تمكن" المستدرك "من فعله" في وقته "كالمسافر" إذا ترك الصوم، "أو لم يتمكن لمانع من الوجوب". إما "شرعًا كالحائض" في الصوم، إذا لم نقل بوجوب الصَّوم عليها في زمن الحيض، وهو رأي الأصوليين، "أو عقلًا كالنّائم، في الصلاة. "وقيل": ما فعل بعد وقت الأداء استدراكًا "لما سبق وجوبه على المستدرك". وهذا أخص من الأول، ويظهر الفَرْقُ بينهما في الحَائِضِ والنائم، "ففعل الحائض" بعد انصرام الحَيْض، "والنّائم" بعد الانتباه "قضاء على الأول"؛ إذ هو استدراك لما سبق له وجوب مطلقًا، "لا الثاني إلا في قول ضعيف"، وهو قول من يقول بوجوب الصوم على الحائض. وقد قال الشيخ أبو إسحاق: إن الخلافَ في الوجوب على الحائض لفظي. وذكرنا في "شرح المنهاج" (١): أن منهم من بنى عليه وجوب التعرّض للأداء، والقضاء في النِّيَّة، وينبغي أن تبدل لفظة "الوجوب" في التعريفين بالمشروعية، فيقال: ما سبقت له مشروعية (٢)، ليشمل النّوَافل المؤقَّتة، فإنَّ أصح أقوال الشافعي أنها تقضي. "والإعادة: ما فعل في وقت الأداء ثانيًا لِخَلَل في الأول"، من فقدان رُكْن أو شرط، كذا صرح به القاضي أبو بكر. "وقيل": في وقت الأداء ثانيًا "لعذر"، فعلى الأول صلاة من أدَّى منفردًا، ثم أعاد في جماعة لا يكون إعادة، وعلى الثاني يكون؛ إذ وجد أن الجماعة عُذْر. وكذا يتخرّج من صَلَّى ولو في جماعة، ثم رأى من يصلي تلك الصَّلاة الفريضة وحده، فإنه يستحبّ له أن يصليها معه لتحصل (٣) له فضيلةُ الجَمَاعَةِ (٤). ومن صلّى في جماعة ثم أدرك جماعة أخرى، يستحبّ له الإعادة على الصحيح، سواء

стр. 494

الْوَاجِبُ عَلَى الكِفَايةِ (١) مَسْألةٌ: الْوَاجِبُ عَلَى الْكِفَايةِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَيَسْقُطُ بِالْبَعْضِ. لنَا إِثْم ........................... اشتملت الجماعةُ الثانية على زيادة فضيلة من كون الإمام أعلم، أو أورع، أو الجمع أكثر، أو المكان أشرف، أو لا، وسَمَّاها الفقهاء إعادة (٢). وقد يقال: لا عُذْرَ إذا استوت الجَمَاعَتَانِ من كل وجه، ويكون (٣) على هذا الإعادة ما فعل في وقت الأداء ثانيًا مطلقًا، وهو المُخْتَار، في تعريفها، وقد يقال: وجدان جماعة أخرى عذر. "فرعٌ" قال القاضي الحُسَين (٤): إذا شرع في الصَّلاة ثم أفسدها، ثم صَلّاها في وقتها كانت قضاء، وتبعه غيره على ذلك، ومأخذه: أنها تضيقت عليه بالشروع (٥). وهو ضعيف، لأن التضييق بالشروع بفعله لا بأمر الشرع، والنظر في القضاء والأداء إلى أمر الشرع، لا إلى فعله كما عرفت (٦). "مسألة" الشرح: "الوَاجِبُ عَلَى الكِفَايةِ".

стр. 495

الْجَمِيعِ بِالتَّرْكِ بِاتِّفَاقٍ. قَالُوا: يَسْقُطُ بِالْبَعْضِ. قُلْنَا: اسْتِبعَادٌ. قال الغَزَّالي: وهو مهم ديني يقصد الشرع حصوله، ولا يقصد به عين مَنْ يَتَوَلَّاهُ (١). واجب "على الجميع، ويسقط بالبعض" عند الجمهور، ومنهم المصنّف، وأبي رحمه الله تعالى. وقيل: على البعض - وهو المُخْتَار. ويعبَّر عنه بأنه غير واجبٍ على واحدٍ بعينه إلَّا بشرط ألَّا يقوم به غيره. [قال ابنُ السَّمْعَاني: فيكون على الأول فرضًا إلا أن يقوم به] (٢) الغير [فيسقط، وعلى الثاني ليس بفرض إلَّا ألَّا يقوم به الغير] (٣) فيجب، ومَدَاره على الظنون، فإن ظن قيام غيره به سقط، أو عدم قيامه لم يسقط (٤). "لنا: إثم الجميع بالترك باتِّفَاق"، ولو لم يتعلّق بالكُلّ لما أثموا. ولك أن تقول: إنما أثموا لوقوع تفويت المقصد الشرعي، ولم يأثم الكل، لكونهم تركوا. وعند هذا نقول: الدليل لنا لا لكم؛ إذ نقول: لو وجب على الجميع لأثموا بتركهم إياه، وليس كذلك، وإنما يأثمون بعدم وقوعه في الخارج، لا بعدم (٥) إيقاعهم إياه. فإن قلت: كيف يأثمون على ما ليس من فعلهم؟ قلت: هم مكلفون بوقوع هذا الفعل في الخارج، سواء كان وقوعه منهم أم من غيرهم، وذلك مقدور لهم بتحصيلهم بأنفسهم أو بغيرهم.
следующие страницы →