← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ وَالإعَادةُ (١) الأَدَاءُ: مَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا أَوَّلًا، وَالْقَضَاءُ: مَا فُعِلَ ............................ واقتضت عبارة صاحب "التنبيه" في كتاب الحج (٢): أن الفرض أعم من الواجب؛ إذ قال في "باب فروض الحج والعمرة": وذكر أركان الحج من واجباته، وهي مؤولة، فاعرف ذلك. ونقل الرافعي عن زيادات العَبَّادي (٣) أنه لو قال: الطلاق واجب عَلَيَّ، تطلق، أو فرض عليّ، لم تطلق. وليس افتراقًا بين حقيقتيهما (٤)، وإنما هو ادعى أن العرف جرى بالواجب دون الفرض. الشرح: والعبادة المُؤَقَّتة تنقسم باعتبار فعلها في الوَقْتِ وخارجه إلى أداء، وقضاء، وإعادة.

стр. 492

بَعْدَ وَقْتِ الْأَدَاءِ اسْتِدْرَاكًا لِمَا سَبق لَهُ وُجُوبٌ مُطْلَقًا، أَخَّرَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، تَمَكَّنَ مِن فِعْلِهِ كَالمُسَافِرِ، أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ؛ لِمَانِع مِنَ الْوُجُوبِ شَرْعًا، كَالْحَائِضِ، أَوْ عَقْلًا كَالنَّائِمِ، وَقيلَ: لِمَا سَبَقَ وُجُوبُهُ عَلَى الْمُسْتَدْركِ، فَفِعْلُ الْحَائِضِ وَالنَّائِمِ قَضَاءٌ عَلَى الأَوَّلِ لا الثانِي إِلَّا عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ. وَالإعَادَةُ مَا فُعِلَ فِي وَقْتِ الْأدَاء ثَانِيًا؛ لِخَللٍ. وَقيلَ: لِعُذْرٍ. فأما "الأداء" فهو "ما فعل في وقته المقدر له شرعًا أولًا"، فخرج ما لم يقدر له وقت كالنَّوافل المُطْلقة، أو قدر لا بأصل الشرع، كمن يضيق عليه المُوَسّع لعارض ظنه الفوات إن لم يبادر، وما وقع في وقته المُقَدَّر له شرعًا، ولكن غير الوقت الذي قدر له أولًا. كالظهر وقتها الأول ما بين زوال الشَّمْس إلى صيرورة ظِلِّ كلّ شيء مثله، ووقتها الثاني إذا ذكرها بعد النِّسْيَان، لقوله ﷺ : "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاةٍ أَو نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا" (٢) فإنَّ ذلك وقتها. وإذا أوقعها في الثاني لم يكن أداءً. وليس قوله: أولًا متعلقًا بقوله: فعل فيكون معناه: فعل أولًا لتخرج (٣) الإعادة؛ لأن الإعادة

стр. 493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قسم من الأداء في مصطلح الأكثرين، وعليه جرى الآمدي. "والقضاء" اختلف فيه، والمختار أنه "ما فعل بعد وقت الأداء استدراكًا لما سبق له وجوب مطلقًا" أي: سواء كان الوجوب على المستدرك أم غيره، وسواء "أخره عمدًا أم سهوًا" وسواء "تمكن" المستدرك "من فعله" في وقته "كالمسافر" إذا ترك الصوم، "أو لم يتمكن لمانع من الوجوب". إما "شرعًا كالحائض" في الصوم، إذا لم نقل بوجوب الصَّوم عليها في زمن الحيض، وهو رأي الأصوليين، "أو عقلًا كالنّائم، في الصلاة. "وقيل": ما فعل بعد وقت الأداء استدراكًا "لما سبق وجوبه على المستدرك". وهذا أخص من الأول، ويظهر الفَرْقُ بينهما في الحَائِضِ والنائم، "ففعل الحائض" بعد انصرام الحَيْض، "والنّائم" بعد الانتباه "قضاء على الأول"؛ إذ هو استدراك لما سبق له وجوب مطلقًا، "لا الثاني إلا في قول ضعيف"، وهو قول من يقول بوجوب الصوم على الحائض. وقد قال الشيخ أبو إسحاق: إن الخلافَ في الوجوب على الحائض لفظي. وذكرنا في "شرح المنهاج" (١): أن منهم من بنى عليه وجوب التعرّض للأداء، والقضاء في النِّيَّة، وينبغي أن تبدل لفظة "الوجوب" في التعريفين بالمشروعية، فيقال: ما سبقت له مشروعية (٢)، ليشمل النّوَافل المؤقَّتة، فإنَّ أصح أقوال الشافعي أنها تقضي. "والإعادة: ما فعل في وقت الأداء ثانيًا لِخَلَل في الأول"، من فقدان رُكْن أو شرط، كذا صرح به القاضي أبو بكر. "وقيل": في وقت الأداء ثانيًا "لعذر"، فعلى الأول صلاة من أدَّى منفردًا، ثم أعاد في جماعة لا يكون إعادة، وعلى الثاني يكون؛ إذ وجد أن الجماعة عُذْر. وكذا يتخرّج من صَلَّى ولو في جماعة، ثم رأى من يصلي تلك الصَّلاة الفريضة وحده، فإنه يستحبّ له أن يصليها معه لتحصل (٣) له فضيلةُ الجَمَاعَةِ (٤). ومن صلّى في جماعة ثم أدرك جماعة أخرى، يستحبّ له الإعادة على الصحيح، سواء

стр. 494

الْوَاجِبُ عَلَى الكِفَايةِ (١) مَسْألةٌ: الْوَاجِبُ عَلَى الْكِفَايةِ عَلَى الْجَمِيعِ، وَيَسْقُطُ بِالْبَعْضِ. لنَا إِثْم ........................... اشتملت الجماعةُ الثانية على زيادة فضيلة من كون الإمام أعلم، أو أورع، أو الجمع أكثر، أو المكان أشرف، أو لا، وسَمَّاها الفقهاء إعادة (٢). وقد يقال: لا عُذْرَ إذا استوت الجَمَاعَتَانِ من كل وجه، ويكون (٣) على هذا الإعادة ما فعل في وقت الأداء ثانيًا مطلقًا، وهو المُخْتَار، في تعريفها، وقد يقال: وجدان جماعة أخرى عذر. "فرعٌ" قال القاضي الحُسَين (٤): إذا شرع في الصَّلاة ثم أفسدها، ثم صَلّاها في وقتها كانت قضاء، وتبعه غيره على ذلك، ومأخذه: أنها تضيقت عليه بالشروع (٥). وهو ضعيف، لأن التضييق بالشروع بفعله لا بأمر الشرع، والنظر في القضاء والأداء إلى أمر الشرع، لا إلى فعله كما عرفت (٦). "مسألة" الشرح: "الوَاجِبُ عَلَى الكِفَايةِ".

стр. 495

الْجَمِيعِ بِالتَّرْكِ بِاتِّفَاقٍ. قَالُوا: يَسْقُطُ بِالْبَعْضِ. قُلْنَا: اسْتِبعَادٌ. قال الغَزَّالي: وهو مهم ديني يقصد الشرع حصوله، ولا يقصد به عين مَنْ يَتَوَلَّاهُ (١). واجب "على الجميع، ويسقط بالبعض" عند الجمهور، ومنهم المصنّف، وأبي رحمه الله تعالى. وقيل: على البعض - وهو المُخْتَار. ويعبَّر عنه بأنه غير واجبٍ على واحدٍ بعينه إلَّا بشرط ألَّا يقوم به غيره. [قال ابنُ السَّمْعَاني: فيكون على الأول فرضًا إلا أن يقوم به] (٢) الغير [فيسقط، وعلى الثاني ليس بفرض إلَّا ألَّا يقوم به الغير] (٣) فيجب، ومَدَاره على الظنون، فإن ظن قيام غيره به سقط، أو عدم قيامه لم يسقط (٤). "لنا: إثم الجميع بالترك باتِّفَاق"، ولو لم يتعلّق بالكُلّ لما أثموا. ولك أن تقول: إنما أثموا لوقوع تفويت المقصد الشرعي، ولم يأثم الكل، لكونهم تركوا. وعند هذا نقول: الدليل لنا لا لكم؛ إذ نقول: لو وجب على الجميع لأثموا بتركهم إياه، وليس كذلك، وإنما يأثمون بعدم وقوعه في الخارج، لا بعدم (٥) إيقاعهم إياه. فإن قلت: كيف يأثمون على ما ليس من فعلهم؟ قلت: هم مكلفون بوقوع هذا الفعل في الخارج، سواء كان وقوعه منهم أم من غيرهم، وذلك مقدور لهم بتحصيلهم بأنفسهم أو بغيرهم.

стр. 496

قَالُوا: كَمَا أُمِرَ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ أَمْرُ بَعْضٍ مُبْهَمٌ. قُلْنَا: إِثْمُ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ لا يُعْقَلُ قَالُوا: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٢]. قُلْنَا: يَجِبُ تَأْوِيلُهُ عَلَى الْمُسْقِطِ؛ جَمْعًا بَيْنَ الأَدِلَّةِ. والقائلون بما اخترناه "قالوا: سقط بالبعض"، ولو وجب على الكُلّ لما كان كذلك؛ إِذ يستبعد سقوط الواجب على المكلف بفعل غيره. "قلنا: استبعاد" لا يقتضي الامْتِنَاع (١). الشرح: "قالوا: كما أمر بواحد مبهم" في خصال الكَفَّارة، "أمر بعض مبهم". قال: "قلنا: إِثم واحد مبهم لا يعقل"، بخلاف الإِثم بترك واحد مبهم (٢). ولك أن تقول: نحن لا نؤثم [مبهمًا] (٣)، وإِنما نؤثم الكل، ولا يمتنع كما قَدَّمناه. "قالوا: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٢] ". دليل على أن فرض الكفاية غير معيّن؛ إِذ طلب التفقُّه - وهو من فروض الكِفَايةِ من طائفة وهي غير معينة. قال: "قلنا": الطَّائفة كما يحتمل أن يكونوا الذين أوجب عليهم طلب التفقُّه، يحتمل أن يكونوا هم الذين يسقطون الوجوب بالمُبَاشرة من الجميع، وحينئذٍ "يجب تأويله على المسقط" - وإِن كان مرجوحًا - "جمعًا بين الأدلَّة". ولك أن تقول: أي أدلة ذكرت؟ وليس إِسقاطهم عن غيرهم بفعلهم أولى من تأثيم غيرهم بتركهم، ومما يدلّ على ما اخترناه قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٠٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة النور: الآية ٢]. "خاتمة" الأفعال قسمان: ما يتكرر مصلحته بتكرره، فهو على الأعيان وكالظّهر مثلًا، مصلحتها الخضوع، وهو يتكرر بتكررها، وما لا يتكرر وهو فرض الكفاية، كإِنقاذ الغَرِيقِ، وكِسْوَةِ العاري، ونحوه.

стр. 497

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإِن قلت: الجديد فيمن صلى ثم أعاد في جماعة أن الأولى للفرض، والقديم إِحداهما لا بعينها، وفي وجه هما جميعًا يقعان على الفرض، ومقتضى ما فرقت به بين هذين الفرعين أن يكون هذا الوجه هو الأصح؛ لأن مصلحة الخضوع تتكرَّرُ بتكرُّرِ الفعل. قلت: المرادُ تعدد الفاعلين لا تَكْرَار أفعالهم، وإلا لوجبت الإِعادةُ على المصلي، ولا يتناهى ذلك، بل إِذا أعاد كان حسنًا، وقد يوصف فعله بالفريضة، ولاشتماله على المصلحة الَّتي من أجلها جعل أصل الفعل فرضًا، وقد لا يوصف، لعدم العقاب على تركه، وقائل هذا الوجه لم يقل: إِنها فرض، بل [قال: يقع] (١) عن الفرض: (٢) ولا بعد فيه، لما ذكرنا. ومن هنا يعلم أنَّ المقصود في فرض العَيْنِ الفاعلون وأفعالهم بطريق الأصالة، وفي فرض الكِفَايَةِ الفرض: وقوع الفِعْلِ من غير نظر إِلى فاعله، وهذا معنى قول الغزالي: إِنه كلّ مهم (٣) ديني يراد حصوله، ولا يقصد عَيْن من يَتَوَلَّاه، كما قدمناه عنه. وبهذا يترجّح عندك أنه لا يجب على الكلِّ؛ لأن الفاعلين لا نظر إِليهم فيه بالذات. بل [لضرورة] (٤) الواقع؛ إِذ لا يقع الفعل إِلا من فاعل، فما بالُنا نجعله متعلقًا بالكلّ ولا ضرورة تدعو إِلى ذلك، وملاقاة الوجوب للبعض مُمْكنة بالمعنى الذي أسلفناه. ولو أن غريقًا قذفه الحوت إِلى شاطئ البحر فيحيا، أو جائعًا قدر الله له الشبع بدون أكل، فيحتمل أن يقال: بالتأثيم؛ لعصيان الكُلّ بالجرأة على الله تعالى. والأظهر: أنه لا يأثم أحدٌ لحصول (٥) المقصود. فإِن قلت: كيف يستحبّون صلاة الجَنَازَةِ لمن لم يصلّها مع حصول الفرض بالصلاة أولًا. قلت: الفرض بالذات من صلاة الجَنَازَةِ انتفاع المَيّت والدعاء سبب، فما لم يتحقق الانتفاع يستحبّ الصلاة؛ إِذ يحتمل أن الله لم يستجب دعاء الأولين، وإِنما لم [توجب] (٦) إِعادة الصَّلاة لئلا [يوجب] (٧) ما لا يتناهى، إِذ لسنا على يَقِينٍ من الاستجابة في واحدة من الصلوات، وأيضًا فالاستجابة ليست في قدرتنا، والتوصُّل إِليها مرة واجب، وبما زاد [مستحب] (٨).

стр. 498

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإِن قلت: قد قال الأصحابُ: إِنَّ صلاةَ الطَّائفة الثَّانية تقع (١) فرضًا مع سقوط الحرج والإِثم بالأول، فكيف يكون فرضًا مع جواز تركها؟. قلت: فرض الكفاية قسمان: ما يحصل تمام المقصود منه أولًا، ولا يقبل الزيادة، كإِنقاذ الغريق، فهذا إِذا وقع فعله لا يتصور وقوعه ثانيًا. وما تتجدد (٢) به مصلحة بتكرُّر الفاعلين، كالاشتغال بالعلم وصلاة الجنازة، وهذا كلّ من أوقعه وقع فرضًا. فإِن قلت: ردّ السَّلام فرض كفاية، وقد قال الأصحاب: لو سلَّمَ على جماعة فأجاب الجميع كانوا كلهم مؤدِّين للفرض، سواء أجابوا معًا، أم على التعاقب، ومقتضى ما يقولون إِن الفرضَ فيما إِذا أجابوا على التَّعَاقُبِ الأولِ؛ لحصول تمام المقصودية. قلت: المقصود الذي من أجله شرع أصل السَّلام إِلقاء المَوَدَّة بين المسلمين على ما قال ﷺ : "أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْء إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ قَالُوا: نعم. قال (٣): أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ" (٤) والمودةُ لا تحصل إِلا بين المجيب والمبتدي، دون السَّاكت؛ ولذلك يستحبّ للثَّاني الجواب، فإِذا أجاب وقع فرضًا، كما قلناه. "فائدة" فرضُ الكفاية منزلةٌ بين منزلتين: فرض العَيْنِ، والسُّنة، [وهو] يضاهي فرض العَيْنِ من جِهَةِ وجوبه، والسُّنة من جهة جواز تركه عند فعل الغَيْر، ولربما وقع خلاف في صورة، ومثاره من

стр. 499

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . هذا، كما تقول: لا يؤدّي بالتيمُّم (١) فريضتان. ويؤدّي نافلتان، وهل يجمع بين فريضةٍ، وصلاة جنازةٍ، أو صلاتي جنازة. أصح القولين: الجواز، والخلاف جارٍ في أنَّه هل يصلي على جنازتين صلاةً واحدة بتيممٍ

стр. 500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . واحدٍ؟ وهل يقصد في صلاة الجَنَازة؟ وفرض العَيْن يلزم بالشروع، دون النفل؟ وفي فرض الكفاية خلاف. قال الجُمْهُور: يجب إِتمام صلاة الجَنَازَةِ بالشُّروع. وقال الغَزَّالِي: [الأصح] (١) أن العلم وسائر فروض الكفايات تجب (٢) بالشروع (٣). قلت: ويظهر أن يفرق بين صلاة الجَنَازَةِ والعلم، [وبين] (٤) ترك فرض عَيْن أجبر، بخلاف النفل. وفي فرض الكِفَايَةِ خلاف جار في القاضي (٥)، وكفالة اللَّقيط، وغيرهما، والصحيح الإجبار (٦) وفي كتابنا "الأشباه والنظائر" صور أخر (٧). "فائدة" قال الشيخ أبو محمد وولده إِمام الحرمين، والأستاذ أبو إِسحاق: فرضُ الكفايةِ أفضلُ من فرضِ العينِ (٨).

стр. 501

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "فائدة" [نسبةُ] (١) سُنَّة الكفاية من سُنَّة العَيْن نسبة فرض الكفاية من فرض العَيْن (٢)، وقد زعم فخر الإِسْلام [الشَّاشِي] (٣) أنه ليس لنا سُنَّة على الكِفَايةِ إِلا الابتداء بالسَّلام وليس كذلك، فمن سُنَنِ الكفاية تشميت العَاطِسِ، والتسمية على الأكل. والأذان والإِقامة، وما يفعل بالميت، وما ندب إِليه، والشَّاة الواحدة إِذا ضحى بها واحد من أهل البيت، تأدَّى [الشّعَار] (٤).

стр. 502

الْأَمْرُ بِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ "الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ" (١) مَسْأَلةٌ: الْأَمْرُ بِوَاحِدٍ مِنْ أَشْيَاءَ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ مُسْتَقِيمٌ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ: الْجَمِيعُ وَاجِبٌ. وَبَعْضُهُمُ الْوَاجِبُ مَا يُفْعَلُ. وَبَعْضُهُمُ الْوَاجِبُ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ، وَيَسْقُطُ بِهِ وَبِالآخَرِ. "مسألة" الشرح: "الأمر بواحد مبهم من "أشياء" معيّنة"، "كَخِصَالِ الكَفَّارة"، وما هو على التخيير من كفَّارات الحج "مستقيم" عند علمائنا، ويعرف بـ "الواجب المُخَيّر" عند جميع الطَّوائف. "وقال بعضُ المعتزلةِ: الجميعُ واجبٌ"، ويسقط بواحد. ومأخذ الخلاف بيننا وبينهم الحُسْن والقُبْح. قالوا: إِيجاب مبهم (٢) يمنع حسنه الخاص به، فلو كان واحد من الثلاثة واجبًا، واثنان

стр. 503

لَنَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ؛ وَالنَّصُّ دَلَّ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا وُجُوبُ تزوِيجِ أَحَدِ الْخَاطِبَيْنِ، وإِعْتَاقِ وَاحِدٍ مِنَ الْجِنْسِ، فَلَوْ كَانَ التَّخْيِيرُ يُوجِبُ الْجَمِيعَ، لَوَجَبَ تَزْوِيجُ الْجَمِيعِ، وَلَوْ كَانَ مُعَيَّنًا؛ لِخُصُوصِ أَحَدِهِمَا، امْتَنَعَ التَّخْيِيرُ. غير واجبين، لخلى اثنان عن المقتضى للوجوب، فلا بد وأن يكون كلّ واحد بخصوصه مشتملًا على صفة تقتضي وجوبه، ولكن كلّ منهما يقوم مقام الآخر، فلهذا سُمِّي بالمخيّر. وقد وافقهم على إِطلاق القول بوجوب الجَمِيعِ ابن خويز منداد، من المالكية. نقله المَازِرِيُّ. "وبعضهم" قال: "الواجب ما يفعل". "وبعضهم: الواجب واحد منها معيّن، ويسقط" الفرض "به وبالآخر". وهذا يُسَمَّى قول التراجم (١) ينسبه أصحابنا إِلى المعتزلة، والمعتزلة إِلى أصحابنا فاتفق الفريقان على فَسَادِهِ، ولست أرى مسوغًا لنقله عن واحد من الفريقين وقد [تَعَاضَدَا] (٢) على إِفساده. وقال أبي ﵀: وعندي أنه لم يقل به قائل، ولا وَجْهَ [له] (٣)، لرواية أصحابنا له عن المعتزلة لِمُنَافَاةِ قواعدهم له. الشرح: "لَنَا: القطْعُ بِالجواز"؛ إِذ لا يلزم مُحَال من قولك: أوجبت عليك واحدًا مبهمًا (٤) من هذه الأمور، وأيها فعلت برئت ذمّتك، وإِن تركت الجميع عاقبتك، لتركك أحدها من حيث هو أحدها "والنَّص دَلَّ عليه"، كما في الكَفَّارة، فوجب حمله عليه. "وأيضًا [وجوب] (٥) تَزْويج أحد الخاطبين" الكفؤين (٦) إِذا دعت المرأة إِليهما،

стр. 504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "وإعتاق (١) واحد من الجنسِ" جنسِ الرقبة في الكَفَّارة بالتخيير. "ولو كان التخيير يوجب الجميع لوجب تزويج الجميع"، وإِعتاق جميع الرِّقَاب. "ولو كان" التخيير "معينًا لخصوص أحدهما، امتنع التخيير"؛ لأن التعيين يوجب ألَّا

стр. 505

الْمُعْتَزِلَةُ: غَيْرُ الْمُعَيَّنِ مَجْهُولٌ، وَيَسْتَحِيلُ وُقُوعُه، فَلا يكَلَّفُ بِهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مُعَيَّنٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ وَاجِبٌ، وَهُوَ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلاثَةِ، فَيَنْتَفِي الْخُصوُص، فَصَحَّ إِطْلاقُ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ عَلَيْهِ. قالوا لَوْ كَانَ الْوَاجِبُ وَاحِدًا مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا لا بِعَيْنِهِ مُبْهَمًا، ........ يجزئ الآخر، والتخيير يوجب الإِجزاء (١)، وهما متنافيان، فلم يَبْقَ إِلا إِيجاب أحدهما لا بعينه، وهو المطلوب، وفي هذا نظر سيأتي إِنْ شَاءَ الله تعالى. الشرح: قالت "المعتزلةُ: غير المعيّن مجهول"، والمجهول لا يكلّف به، وأيضًا فالمجهول "مستحيل وقوعه، فلا يكلف به". "والجواب: أنه معين من حيث هو واجب، وهو واحد من الثلاثة، فيبقى الخصوص" أي: تعينه الشخصي؛ لأنه أحد الثلاثة لا بعينه "فصح إِطلاق غير المعين عليه" بانتفاء خصوصه الشَّخصي، وإِطلاق المعين عليه باعتبار كونه واجبًا، فصح بهذا الاعتبار كونه معلومًا ووقوع التكليف بهِ. الشرح: "قالوا: لو كان الواجبُ واحدًا من حيث هو أحدها لا بعينه مبهمًا (٢) لوجب أن يكون المخيرُ فيه واحدًا [لا] (٣) بعينه من حيث هو أحدها، فإِن تعددا" - أي: الواجب والمخير فيه - "لزم التخيير بين واجب وغير واجب"، مثل: صَلّ، أو: كُل، "وإِن اتحدا لزم اجتماع التخيير" وهو جواز التَّرك "والوجوب"، وهو عدم جواز التَّرك في شيء واحد، وهما متناقضان. "وأجيب بلزومه في "أعيان (٤) واحد من "الجنس، و [في] (٥) "تزويج أحد "الخاطبين"، فإِنَّ دليلكم بعينه يأتي فيهما. "والحَقُّ" في الجواب "أن الذي وجب" - وهو المبهمُ - "لم يخير فيه، والمخير فيه" - وهو كل واحد من المتعيّنات - " [لم يجب] (٦)، لعدم التَّعيين"، وإِن كان يتأتى به الواجب، لتضمّنه مفهوم أحدها، "والتعدّد" فيما صدق عليه أحدها إِذا تعلّق به الوجوب، والتخيير "يأبى كون

стр. 506

لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ المخَيَّرُ فِيهِ وَاحِدًا لا بِعَيْنِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَحَدُهَا. فَإِنْ تَعَدَّدَا، لَزِمَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ المتعلّقين" - متعلّقي الوجوب والتخيير - واحدًا، "كما لو حرم واحدًا وأوجب واحدًا" من الأمرين، فإِن معناه: أيهما فعلت حرم الآخر، وأيهما تركت وجب الآخر، والتخيير بين واجب وغيره بهذا المعنى جائزٌ، كما أن الصَّحيح فيمن قال لامرأته: أنت عَلَيَّ حرام كظهر أمي، ونوى الطَّلاق والظّهار معًا بقوله: حرام، أنه يخير في الأخذ بما شاء من الطلاق والظّهار، وأيهما أخذ به حرم الآخر. وكذا - على وجه - المُبتدأة الَّتي لا تَمْييز لها إِذا عرفت ابتداء دمها، وقلنا: تحيض سِتًا أو سبعًا - أن ذلك على سبيل التخيير. وعلى هذا إِن شاءت السّت، وجب عليها في اليوم السَّابع الصَّلاة والصوم، وإلا حرما، فهي في السَّابع مخيّرة بين أمرين أيهما أخذت به حرم الآخر. وإِنما ذكرنا هذين المثالين للتقريب، وإِلَّا فقد يضايق (١) فيهما؛ لأن تحريم أحدهما وإِن كان منهما فليس بالأصالةِ، كما في: حرمت أحدهما لا بعينه، وأوجبت الآخر، والفرض أن مثل ذلك لا يمتنع، وإِنما الممتنع التخيير بين واجبٍ بعينه، وغير واجبٍ بعينه (٢)، على ما فيه من النَّظر؛ إِذ لقائلٍ أن يقول: قد خُيِّرَ النبيّ ﷺ ليلة الإِسراء بين الخَمْرِ (٣) واللَّبَنِ. وقيل فيه: إِن ذلك كان في السماء، وليست عالم تكليف، وأنه كان من خمر الجنَّة، وليس بحرام. ويمكن أن يقال: إِنه على ما به، وخُيِّرَ بين واجب وحرام، لعلم الله - تعالى - أنه لا يقع منه الحرام، ويتجوز (٤) بهذا أنَّ التخيير بين واجب وحرام، إِنما يمتنع إِذا كان المخاطب ممن لا يبعد إِتيانه لكلّ منهما، أما إِذا امتنع عليه الإِتيان بالحَرَام، وعُصِم عنه فلا.

стр. 507

وَاجِبٍ وَغَيْرِ وَاجِبٍ، وَإِنِ اتَّحَدَا، لَزِمَ اجْتِمَاعُ التَّخْيِيرِ وَالْوُجُوبِ. وَأُجِيبَ بِلُزُومِهِ فِي فإِن قلت: وأي فائدة فيه حينئذٍ؟ قلت: رفع درجته بكونه قد تعاطى اختيار الحَلالِ؟ وفي قصَّة الإِسراء (١) زيادة لطيفة، وهي أن شرب اللَّبن سبب هداية هذه الأمة، ولو شرب ﵊ الخمر لغوت أمته - كما أخبر به جبريل ﵇ فوقع التخيير بينهما، ليختار اللَّبن فتقع هداية أمته على يديه، ويكون هو السَّببُ فيها. وهذا كلّه حائد عن مقصدنا، والغرضُ من جواب المصنّف أن متعلّق الوجوب هو القدر المشترك بين الخِصَالِ، ولا تخيير فيه، ومتعلّق التخيير خصوصيات الخِصَالِ، ولا وجوب فيها. وكان أبي ﵀ يسلك في الجواب مسلكًا فائقًا عائدًا على هذا الجواب بمزيد تحرير، فيقول (٢): القدر المشترك يقال: على المتواطئ، كالرجل، ولا إِيهام فيه، فإِن حقيقته معلومة متميزة عن غيرها من الحقائق. وقال: على (٣) المبهم بين شيئين أو أشياء، كأحد الرجلين. والفرق بينهما: أنَّ الأول لم يقصد فيه إِلا الحقيقة الَّتي هي مسمى الرجولية، والثَّاني: قصد فيه أخص من ذلك، وهو أحد الشَّخصين بعينه، وإِن لم يعين، ولذلك سُمِّيَ مبهمًا؛ لأنه أُبْهِمَ علينا أمره، والأول لم يقل أحد: إِن الوجوب يتعلّق بخصوصياته كالأمر بالإِعتاق (٤)، فإِنَّ مسمى الإِعتاق، ومسمى الرقبة متواطئ كالرجل، فلا تعلّق للأمر بالخصوصيات لا على التعيين، ولا على التخيير، ولا يقال فيه: واجبٌ مخيَّرٌ، ولا يأتي فيه الخلاف الذي في المخير، وأكثر أوامر الشريعة من ذلك. والثَّاني: متعلّق بالخصوصيات؛ فلذلك وقع الخلاف فيه، وسمي الواجب المخيّر. وبهذا تبيّن لك أن وجوب تزويج أحد الخاطبين، وإِعتاق واحد من الجنس اللذين ذكرهما

стр. 508

الْجِنْسِ وَفِي الْخَاطِبَيْنِ. وَالْحَقُّ أَنَّ الَّذِي وَجَبَ لَمْ يُخَيَّرْ فِيهِ، وَالْمُخَيَّرُ فِيهِ لَمْ يَجِبْ؛ لِعَدَمِ المصنّف، وكذا نصب أحد المستعدين للإِمامة (١) - إِذا شغر الوقت عن إِمام - ليس ممَّا نحن فيه؛

стр. 509

التَّعْيِينِ. وَالتَّعَدُّدُ يَأْبَى كَوْنَ الْمُتَعَلِّقَيْنِ وَاحِدًا، كَمَا لَوْ حَرَّمَ وَاحِدًا، وَأَوْجَبَ وَاحِدًا. لأنه ممَّا يتعلّق الوجوب فيه بالقَدْرِ المشترك من غير نظر إِلى الخصوصيات.

стр. 510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكان أبي ﵀ يمثل بأهل الشُّورى الذين جعل عمر ﵁ الأمر [فيها] بأعيانهم.

стр. 511

قَالُوا: يَعُمُّ، وَيَسْقُط، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ كَالْكِفَايةِ. قُلْنَا: الْإِجْمَاعُ ثَمَّةَ عَلَى تَأْثيمِ الْجَمِيعِ، وَهُنَا: بِتَرْكِ وَاحِدٍ لا بِعَيْنِهِ، وَأَيْضًا: فتَأْثِيمُ وَاحِدٍ لا ........... الشرح: "قالوا": الوجوبُ "يعمّ" كلَّ الخصال، "ويسقط" بمباشرة أحدها، "وإِن كان بلفظ التخيير" وذلك "كالكفاية"، فإِن فرضَ الكفاية - كما مَهَّدتم - واجب على الجميع، ويسقط بالبعض بجامع حصول المصلحة بمبهم (١). "قلنا": الفرق أن "الإِجماع ثَمَّ على تأثيم الجميع"، والإِجماع "هنا"، على الذمِّ "بترك واحد [لا بعينه] "، كذا ذكر في "المنتهى". ونقل عن بعض المعتزلة التأثيم بالجميع. ولكن ظاهر إِيراد الأكثرين ما ذكره المصنّفُ من اتفاق الفريقين على أن التَّارك إِنما يأثم بواحد، وقالوا: على هذا، لا خلاف في المَعْنَى. وممن صرَّحَ بأنه لا خلاف في المعنى إِمام الحرمين، وابن السَّمعاني، وجماعة من المتأخرين.

стр. 512

بِعَيْنِهِ غَيْرُ مَعْقُولٍ بِخِلافِ التَّأْثِيمِ عَلَى تَرْكِ وَاحِدٍ مِنْ ثَلاثَةٍ. قَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ الآمِرُ الْوَاجِبَ. قُلْنَا: يَعْلَمُهُ حَسْبَمَا أَوْجَبَه، وَإِذَا أَوْجَبَهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَجَبَ أَنْ يَعْلَمَهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ. قَالُوا: عَلِمَ مَا يُفْعَلُ فَكَانَ الْوَاجِبَ. قُلْنَا: فَكَانَ الْوَاجِبَ؛ لِكَوْنِهِ ........... وقد حكى المَاوَرْدِيّ (١) في "الحاوي" (٢) وجهين، فيمن مات وعليه الكَفَّارة المخيرة، ولم يوص بإِخراجها، وعدل الوارث عن أول الأمور إِلى العِتْقِ، هل يجزئ؟. قال: ويشبه أن يكونا مخرجين من الخلاف المذكور. إِن قلنا: الجميع واجب، وله إِسقاط الوجوب بإِخراج واحد آخر. وإِن قلنا: أحدها لا بعينه لم يجزئ؛ لأنه لم يتعيَّن في الوجوب. "وأيضًا فتأثيمُ واحد لا لعينه غير معقول"؛ لأنه لا يمكن عقاب أحد الشخصين إِلا على التعيين، "بخلاف التَّأثيم على تَرْك واحد من الثلاثة"، لجواز أن العقاب على أحد الفعلين لا بعينه. والذين ذهبوا إِلى أن الواجب معين عند الله تعالى. الشرح: "قالوا: يجب أن يعلم الآمرُ الواجبَ"؛ لأنه طالبه، ويستحيل طلب المَجْهُول، وإِذا علمه كان معينًا، لتميزه عن غيره. "قلنا": أما وجوب علمه بما أوجبه فصحيح، ولكن إِنما "يعلمه حسب ما أوجبه، وإِذا أوجب" واحدًا "غير معين، وجب أن يعلمه غير معين"، وإِلَّا لم يكن عالمًا بما أوجبه. والحاصلُ: أن المعيَّن يطلق على المُشَخَّص، ولا يلزم أن يعلم الطَّالب المشخّص، ولا أن يوجه الطَّلب نحوه، وعلى المعلوم المتميّز، فإِنَّ له تعيُّنًا بوجه ما، وهو الموجود هنا، والَّذين قالوا: الواجب هو: ما يفعله العبد. الشرح: "قالوا: علم" الله "ما يفعل" العبد، "فكان" المفعول "الواجب" في علمه تَعَالى، للاتفاق على إِثباته بالواجب إِذا فعل ما شاء منهما.

стр. 513

وَاحِدًا مِنْهَا لا لِخُصُوصِهِ؛ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْخَلْقَ فِيهِ سَوَاءٌ. قلنا: علم الله ما يفعله العَبْدُ فكان ما يفعله العبد هو الواجب، "لكونه واحدًا منها" - أي: من الثلاثة - "لا بخصوصه" من إِطعامٍ، أو كسوةٍ، أو إِعتاقٍ، "لِلْقَطْعِ بأن الخلق فيه سواء" من غير تفاوت، وأن الواجب على زَيْدٍ هو الواجب على عَمْرٍو. "فائدة" ذكر ابن السَّمعاني أن أصحابنا قالوا: إِذا فعل الخِصَالَ، فالواجبُ أعلاها؛ لأنه مُثَاب على جميعها، وثواب الواجب أكثر من ثواب النَّدب، فانصرف الواجب إِلى أعلاها، ليكثر ثوابه، وإِن ترك الجميع عوقب على أدناها، ليقل وَبَالُهُ وَوِزْرُهُ؛ ولأن الوجوب [سقط] (١) بفعل الأدنى. انتهى. ولا أعرف هذا عن الأصحاب، ولكنه قول القاضي أبي بكر، وادَّعى عبد الجليل الصَّابوني مناقضته فيه. وليس كما ادَّعَاهُ؛ لما ذكر ابنُ السَّمْعَاني من التَّفْرقة. نعم - إِن اتَّجه ما قاله في العِقَابِ فلا يتَّجه في الثواب، بل التَّحقيق فيه أنه يُثَابُ ثواب الواجب على مُسَمَّى أحدها. وقوله: الواجب أكثر ثوابًا صحيح، ولكن المتعين ليس بواجب كما عرفت. وابن السَّمْعَاني بنى هذا على أصله من أن الواجب يتعيَّن بفعل المكلّف، ويكون مبهمًا قبل الفعل، متعينًا بعده بفعله، فإِنه نصير (٢) هذا، ونقله عن جمهور الفقهاء. وجمهور الفُقَهَاء إِذا حقّق مذهبهم لم يكن إِلَّا ما اخترناه، وهو رأي المتكلمين من أهل السُّنة، ونقل عن حذاق الفقهاء. وأما هذا فهو المذهب الذي عَزَاهُ المصنّف إِلى بعض المعتزلة. وما أظنّ ابن السَّمعاني ذهب إِلا إِلى المختار، ولكن في عبارته قصور. "فرع" قد يقع التخيير بين ضدين كـ"قُمْ" أو اقعد، أو خلافين، كما في خصال الكَفَّارة وجزاء الصيد، أو المثلين مثل: صلّ ركعتين غدًا، أو بعد غد.

стр. 514

الْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ (١) ومثل له المازري بـ "صَلّ ركعتين قبل قدوم زيد بساعة، أو بعد قدومه بساعة" وزيد لا يعلم متى يقدم، ثم قال: وهذا وإِن تصور، لا يرد به الشَّرع إِلا على القول بتكليف ما لا يُطَاق. قلت: وهذا صحيح، والاستحالة فيه من قبل المثال، لا من التخيير (٢) بين المثلين، وقد مثلنا بواضح. ثم ما وقع التخيير فيه قد لا يمكن الجَمْعُ بين المخير بينهما عقلًا وشرعًا كالضدين، وقد يمكن عقلًا وشرعًا، كما ذكرنا من الخلافين. وقد يمكن عقلًا لا شرعًا كالتزويج من الخاطبين (٣).

стр. 515

مَسْألَةٌ: الْمُوَسَّعُ: الْجُمْهُورُ: إِنَّ جَمِيعَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَنَحْوِهِ وَقْتٌ لِأَدَائِهِ. «مسألة» الشرح: "المُوَسَّع" (١) قال "الجمهورُ: [إِن] جميع وقت الظهر ونحوه" ممَّا وُقِّتَ بوقتٍ

стр. 516

الْقَاضِي: الْوَاجِبُ الْفِعْلُ أَوِ الْعَزْمُ وَيَتَعَيَّنُ آخِرًا، وَقِيلَ: وَقْتُهُ أَوَّلُه، فَإِنْ أَخَّرَهُ فَقَضَاءٌ. بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: آخِرُه، فَإِنْ قَدَّمَه، فنَفْلٌ يُسْقِطُ الْفَرْضَ. الْكَرْخِيُّ: إِلَّا أَنْ يَبْقَى بِصِفَةِ التَّكلِيفِ، فَمَا قَدَّمَهُ وَاجِبٌ. يفضل عنه، كسائر الصلوات الخمس "وقت لأدائه" ففي أي جزء أوقعه منه، فقد أوقعه في وقته، مع تعلق الوجوب بأول الوقت وجوبًا موسعًا يطلق فيه التأخير إِلى وقت، يعلم أنه إِن أخر فات، فحينئذ يضيق عليه، وهو قول محمد بن شُجَاع الثَّلْجي (١)، وغيره من الحنفية وجمهور المتكلمين. ثم قال "القاضي" وجمهور المتكلّمين (٢): "الواجب" في كلّ جزء "الفعل، أو العزم" فيه على الفعل في ثاني الحال، "ويتعين" الفعل "آخرًا". "وقيل: وقته أوله، فإِن أَخَّرَهُ فقضاء". ثم زاد بعضهم: يسد مسد الأداء - يعني: ولا يعصي (٣) بتأخيره، وحمله على ذلك نقل القاضي أبي بكر، ومن تابعه الإِجماع على أنه لا يأثم بتأخيره عن أول الوقت. وهو نقل مدفوع؛ فإِن الشَّافعي - رضي الله تعالى عنه - نقل في "الأم" في كتاب الحَجّ عن بعضهم التأثيم - وهو أثبت - فينبغي الاقتصار على لفظة القضاء كما في الكتاب. وقال "بعض الحَنَفِيَّة": وقته "آخره، فإِن قدّمه فَنَفْلٌ يسقط الفرض"، كتحصيل الزَّكاة قبل وجوبها (٤).

стр. 517

لَنَا: أَنَّ الْأَمْرَ قُيِّدَ بِجَمِيعِ الْوَقْتِ، فالتَّخْيِيرُ وَالتَّعْيِينُ تَحَكُّمٌ، وَأَيْضًا، لَوْ كَانَ مُعَيَّنًا، لَكَانَ الْمُصَلِّي فِي غَيْرهِ مُقدِّمًا؛ فَلا يَصِحُّ، أَوْ قَاضِيًا؛ فَيَعْصِي، وَهُوَ خِلافُ الْإِجْمَاعِ. الْقَاضِي: ثَبَتَ فِي الْفِعْلِ وَالْعَزْمِ حُكْمُ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ. وَأُجُيبَ .......... وقال "الكَرْخي" (١): آخره "إِلَّا أن يبقى بصفةِ (٢) التَّكليف" (٣) إِلى آخر الوقت "فما قدمه واجب"، وهو عنده موقوف مُراعي. الشرح: "لنا: أن الأمر قيِّد بجميع الوَقْت"، ولا تعرض فيه للتخيير بين الفعل والعزم كما يقول القاضي، ولا بأول الوقت وآخره كقول الآخرين، "فالتَّخيير والتعيين [تحكُّم] (٤). وأيضًا: لو كان الوقت معينًا لكان المصلي في غيره مقدمًا فلا يصح، أو "مؤخرًا "قاضيًا"؛ لأنه أخرج العبادة عن وقتها "فيعصي، وهو خلافُ الإِجماعِ". ودعوى الإِجماع في المؤخَّر قد عرفت أنها ليست بصحيحة بنقل الشَّافعي ﵁. الشرح: واحتجّ "القاضي" بأنه "ثبت في الفعل والعزم" قبل آخر الوَقْتِ الذي هو وقت التضييق "حكم خصال الكَفَّارة" من حيث هو وجوب أحدها لا بعينه، وذلك لأن الفِعْلَ لمَّا جاز تركه في أوَّل الوقت، فلو لم يجب العزم بدلًا لم يكن الفعل واجبًا مطلقًا، لأنه جاز تركه بلا بدل، فيكون الواجب في أول الوَقْتِ أحدها. "وأجيب: بأن الفاعل" للصَّلاة في أول الوقت (٥) "ممتثلٌ، لكونها صلاةً قطعًا لأحد الأمرين" ولا كذلك في خصال الكَفَّارة. وأما "وجوب العَزْمِ" فإِنه لا يدلُّ على التخيير؛ لأنه غير مخصوص بالموسّع، بل هو جارٍ

стр. 518

بأَنَّ الْفَاعِلَ مُمْتَثِلٌ لِكَوْنِهَا صَلاةً قَطْعًا لا لِأَحَدِ الأَمْرَيْنِ، وَوُجُوبُ الْعَزْمِ فِي كُلِّ وَاجِبٍ مِنْ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ. "في كلّ واجب من أحكام الإِيمان" أي: كل أمر ديني يجب العَزْمُ على فعله إِذا كان واجبًا، لقوله ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (١). قلت: وهذا ساقطٌ، فإِنَّ القاضي لم يرد بالعَزْمِ النِّيَّةَ على الفعل، أو على تقدير إِرادة النّية، فلا نسلِّم أنها واجبةٌ في كلّ واجب قبل [الشروع] (٢) فيه، والذي يوجبه القاضي هنا إِنما هو العزم على أن يفعل في ثاني الحال، ويسميه (٣) بدلًا عن الفعل في أول الحال، وهو غير نِيَّة الفعل المقارنة (٤) للشروع فيه. ولقد أطال أصحابنا في الرد على القاضي في إِيجاب البدل. والطريقة المحررة عندنا في الرَّد عليه أن تقول: إِما أن يكون الفعل في الأول واجبًا، أو لا،

стр. 519

الْحَنَفِيَّةُ: لَو كَانَ وَاجِبًا أَوَّلًا، عَصَى بِتَأْخِيرِهِ؛ لأَنَّهُ تَرْكٌ. قُلْنَا: التَّأْخِيرُ وَالتَّعْجِيلُ فِيهِ كَخِصَالِ الكَفَّارَةِ. تَأْخِيرُ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ مَسْأَلةٌ: مَنْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ الْمَوْتِ قَبْلَ الفِعْلِ عَصَى اتِّفَاقًا، فَإِنْ لَمْ يَمُتْ ثُمَّ ........... إِن لم يكن فلا حاجة إِلى البَدَلِ، وإِن كان فإِما أن يكون كُلّ الواجب، أو لا، إِن كان فيتأدى ببدله، وإِلا فيلزم أن يكون واجبان، ولا دليلَ عليه والقاضي في "التقريب" ذكر ما حاصله أن قولنا: لا دليلَ على العَزْمِ ممنوع، بل دليله أنه إِذا ثبت جواز التَّرْك مع القَضَاء عليه بالوجوب فلا بُدّ وأن يكون تركه على خلاف ترك النَّفل ليتميز عنه، فليجب العَزْمُ لذلك. ولقائلٍ أن يقول: يكفي في تمييزه عن النَّفْلِ أن إِخراج (١) الوقت عنه يؤثم (٢)، ولا حاجة إِلى ما ذكرت. الشرح: واحتجت "الحنفية" بأنه "لو كان واجبًا أولًا عصى بتأخيره؛ لأنه ترك" الواجبَ وهو الفعل أولًا. "قلنا: التأخير والتَّعجيل فيه كَخِصَالِ الكَفَّارة"؛ لأنا لم نقل: إِنه واجب أولًا عينًا. وحاصل قولنا: إِن الوجوب يلاقي المكلّف في أول الوقت، لا أنه يجب عليه إِيقاع الفعل أول الوقت، فلم يلزم ترك الوَاجب. "مسألة" الشرح: "مَنْ أخَّر" الموسع (٣) "مع ظنِّ الموت قبل الفعل عصى اتفاقًا"؛ لأنه تضيق عليه

стр. 520

فَعَلَهُ فِي وَقْتِهِ فَالْجُمْهُورُ: أَدَاءٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: قَضَاءٌ، فَإِنْ أَرَادَ وُجُوبَ نِيَّةِ الْقَضَاء فَبَعِيدٌ، بظنه "فإِن" تبين خطأ ظنه، "ولم يمت ثمَّ فعله في وقته، فالجمهور" قالوا: إِنه "أداء"، لا مفعول في وقته المقدر له شرعًا، ولا يرتفع ذلك الإِثم، لجرأته، كمن وطئ امرأته يظنها أجنبية. وعن إِمام الحرمين: أن الإِثْم ينتفي. ونظيره قول بعض الأشياخ: إِن الرَّجْعَةَ ترفع إِثم الطَّلاق في الحَيْضِ. "وقال القاضي: قضاء"، لأنه تضيق عليه بظنّه، وهو نظير ما قَدَّمناه عن القاضي، والحَقّ مع الجمهور. ونظير المسألة: الزَّاني، ومن وطئ امرأته وهو يظنّها أجنبية، ولا يشكّ ذو نظر صحيح؛ أن إِثم الزَّاني أبلغ، وأن هذا إِنما يأثم على جرأته. ومثار التَّردد أنه هل ينظر إِلى ما في نفس الأمر أو الظاهر. وهي قاعدة من فروعها: ما لو رأى العسكر سوادًا، وظنوه عدوًا، فصلوا صلاة الخَوْفِ، وبان غير عدو، ففي القضاء قولان: أظهرهما: الوجوب. ولو رأوا عدوًا فخافوا، ثم بَانَ أنه كان بينهم وبينه خندق، فالصحيح وجوب القضاء، ولو استناب، المعضوب الذي لا يرجى برؤه ثم برئ، فالأصحُّ عدم الإِجزاء، نظرًا إِلى ما في نفس الأمر في الكلّ. "فإِن أراد" القاضي بكونه قضاء حقيقة القضاء المصطلح عليه (١) بحيث ينبني عليه وجوب نيّة القضاء فبعيدٌ (٢)، إِذ هو واقع في [الوَقْتِ] (٣) المحدود له. ولقائلٍ أن يقول: إِذا كان ينظر إِلى فصل المكلّف إِلى الوَقْتِ المحدود في نفس الأمر فلا بعد (٤) فيه، وقد علمت موافقة القاضي الحسين له، وهو من أسَاطِين الفقهاء. ثم لا يلزم من كونه قضاء "وجوب نِيَّةِ القضاء"؛ لأنا لا نشترطُ نيةَ القضاء في القضاء، ولا نِيَّةَ الأداء في الأداء، نعم هو في نفسه ضعيف ناءٍ عن صنيع السلف. "ويلزمه" أن المرء "لو اعتقد انقضاء الوقت قبل دخول الوقت"، وقد يتفق ذلك، كمحبوس

стр. 521

وَيَلْزَمُهُ لَو اعْتَقَدَ انْقِضَاءَ الْوَقْتِ قَبْلَ الْوَقْتِ، فَيَعْصِي بالتَّأْخِيرِ. وَمَنْ أَخَّرَ مَعَ ظَنِّ السَّلامَةِ، فَمَاتَ فَجْأَةً فَالتَّحْقِيقُ لا يَعْصِي بِخِلافِ مَا وَقْتُهُ الْعُمْرُ. لا يعرف أمر الأوقات فعصى بالتأخير أي: لم يفعل عند ظَنّه، ثم تبين خطأ ظنه، وأوقعها في الوقت أن يكون ذلك قضاء. هذا تقرير كلام المصنّف، وبه يظهر لك أن جواب "لو" محذوف، لدلالة ما قبله - وهو ما يلزمه عليه، ففاعل يلزمه ضمير يعود على، القضاء المتقدم كما قررناه. والمعنى: ويلزمه القضاء في هذه الصورة. وقوله: "فيعصي بالتأخير" معطوف على اعتقد، أصله: لو اعتقد فعصى. وقد توهّم الشِّيرَازي أن لفظ المصنّف فيعصي - فعل مضارع - ثم توهّم ثانيًا أن ذلك جواب "لو"، ثم اعتقد ثالثًا أن عدم العصيان في هذه الصورة مفروغ منه، فلمَّا لزم القضاء الزم به، ليتبيّن فساد قوله، فأخذ ينتصر للقاضي بأنه لا يلزم، إِذ لا يلزم من كون الظن موجبًا للعصيان بالتأخير عن الوَقْتِ المظنون في الوقت المَشْرُوع كونه موجبًا بالتأخير عنه قبل الوَقْتِ المشروع. وما روي أن المصنّف وكل أحد يقول بالعصيان، وأن المفروغ منه ثبوت العصيان لا انتفاؤه، وأن الذي الزم به القاضي جعل هذه الصورة قضاء فقط، فإِن التزمه فقد باء بعظيم، فإِنَّ أحدًا لا يقول بأن العبادة تقع قبل الوقت أداء وبعده قضاء، وإِلَّا فقد تحكم؛ إِذ في المكانين ظنٌّ بانَ خطؤه وأثم بتأخير العبادة فيه، وكون ذلك الوقت المشروع لا هذا، لأن الوقت عنده ما يظنه المكلف فحسب. وهذا على تقدير أن يكون القاضي أراد بكونه قضاء، القضاء المصطلح عليه (١) الذي دَلَّ عليه المصنّف بما يترتَّب عليه من وجوب نيَّة القضاء. وعندي أن القاضي يلتزم كونه قضاء، بل هذا قوله، ولا حاجة إِلى الاستفسار. وأمَّا نِيَّةُ القضاء ففرع عنه، ولا يلزم أيضًا، لما ذكرناه من عدم اشتراطها فلا تصحّ (٢) إِرادتها بلفظ القضاء، وإِذا كان هذا هو مدعى القاضي فلا يقال: إِنه يلزم. ولعلَّ المصنّف إِنما عدل عن القضاء إِلى نيّة القضاء؛ لئلَّا يكون قد ألزم بنفس المدعى فأخذ يلزم باثر من آثاره، يستبعد التزامه وهو النّية.

стр. 522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وسببه: أنه ظنها أثرًا من آثار القضاء [كما هو مذهب من يشترط تعيين نيَّة القضاء] (١) والأداء، وحينئذٍ فإِن كان الإِلزام بالنّية، وهو (٢) إِما أن يلتزم ذلك بناء على هذا المذهب أو لا يلتزمه، ولا يلزمه بناء على عدم الاشتراط، وإِن كان بكونه قضاء، فهو (٣) في نفس الدَّعوى فلم يصح الإِلزام. نعم أنا أقول: يلزمه إِذ تضيق (٤) عليه الوقت بالظَّن قبل دخوله، وأخر لعذر، ثم أن يجوز له التأخير والقضاء على التَّراخي؛ لأن ذلك شأن الصلاة المتروكة بِعُذْرٍ. فإِن عاش التزم ذلك وقال: يحل له التأخير والقضاء إِذا دخل الوَقْت، وتبين أنه كان مخطئًا في ظن دخوله، وتضييقه تأخير قضائه عنه، ولا يعتبر بالوقت، لأن المَدَارَ على الظَّن فاعتقد أن ذلك خرق لإِجماع الأمة، هذا تمام الكلام على هذا الشِّق. وإِن أراد القاضي غيره فلا بد من بيانه، وقال في "المختصر [الكبير] " (٥): إِن أراد غيره لم يكن لا خلاف أثرٌ في المعنى، ولم يذكر هنا هذا الشق، إِما لوضوحه، أو لعود الخلاف لفظيًّا. وقول الآمدي: إِنما تظهر فائدته في نِيَّة القضاء والأداء بناء منه على ما اعتقده هو والمصنّف من أن كونه قضاء يوجب نيَّة القضاء، ثم يقول بهذا التقدير: إِنما تظهر الفائدة إِذا التزمه، فلا ظهور لهذه الفائدة، نعم لو التزم القاضي ما ألزمناه نحن ظهرت فائدة معنوية للخلاف، وهي حلّ التأخير عن الوَقْتِ، لكنى أجلُّ مقداره عن التزام ذلك، والله أعلم. "ومن أخَّر مع ظَنّ السلامة فمات، فالتحقيق لا يعصي" فيما له أمد معلوم كالصلوات الخمس "بخلاف ما وقته العمر" كالحج، فإِنه يعصي فيه. والفرق: أنه بالموت في أثناء وقت الصَّلاة لم يخرج وقت الصَّلاة، وبالموت في أثناء وقت الحَجّ خرج وقته مع القول بأن من مات في أثنائه لا يُقْضَى (٦) له إِلا على تأويل - وهو أنها لو أقيمت [لوقعت على مرتبة الواجبات] (٧). وأغلظُ له ابنُ السَّمعاني القَوْلَ في الردِّ عليه وقال: إِن من مات بَغْتَةً غير مفوت للمأمور؛

стр. 523

مُقَدِّمَةُ الوَاجِبِ (١) مَسْأَلةٌ: مَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ، وَكَانَ مَقْدُورًا شَرْطًا، وَاجِبٌ، ............ لأن التأخير من وقت إِلى مثله لا يُعدّ تفويتًا، إِلا أنه صار فائتًا [بمعنى] (٢) من قبل الله - تعالى - فلم يجز أن يوصف بالعصيان، وهو كالمضيق إِذا لم تساعده الحياة في وقته هذا حاصل كلامه، وهو معروف ممَّا قلناه قابل لِلتَّشْكيك. «مسألة» الشرح: "ما لا يتم الواجب إِلا به" ممَّا ورد الأمر فيه مطلقًا كالصَّلاة "وكان مقدورًا" للمكلف "شرطًا" لحصول المأمور به كالطهارة للصلاة - "واجب" (٣). وقولنا: "مطلقًا" - احتراز (٤) من الوجوب المقيد بشرط، كالزكاة، وجوبها متوقف على النِّصَاب (٥)، والجمعة (٦)، على الأربعين (٧)، ولا يجب تحصيلها، "والمقدور" - احتراز من قدرة

стр. 524

والأَكْثَرُ: وَغَيْرَ شَرْطٍ؛ كَتَرْكِ الْأَضْدَادِ فِي الْوَاجِبِ، وَفِعْلِ ضِدٍّ فِي الْمُحَرَّمِ، وَغَسْلِ جُزْءِ الرَّأْسِ. وَقِيلَ: لا، فِيهِمَا. العبد على الفعل وداعيته المخلوقين لله تعالى. ولا تتم الواجبات المطلقة إِلا بها، ولا يجب تحصيلهما، ولا يتوقّف الوجوبُ عليهما.

стр. 525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقيل: إِن كان سببًا لتحصيل الواجب كان واجبًا، وإِن كان شرطًا فلا، وربما أوهم إِطلاق

стр. 526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المصنّف أن السبب لا يجب تحصيله، بخلاف الشرط، وهذا لا يقوله أحد، فإِن السبب أولى بالوجوب. وإنما مراده أنه يجب الشرط الشرعي دون ما عداه الشروط العقليّة والعادية، وهو رأي إِمام الحرمين (١). وإِنما أطلق في الكتاب قوله: شرطًا، ولم يقيد بالشرعي؛ لأنه لا يسمى العقلي والعادية شروطًا كما ظهر من كلام إِمام الحرمين. ومحاولة بعض الشَّارحين أن المصنّف يختار وجوب الشَّرط دون السَّب إِيقاع للمصنّف في خرق الإِجماع الذي سينقله هو من بعد، وإِلزام له بما لا [ينتهض] (٢) به توجيه. والحق عندنا - وهو اختيار الشيخ الإِمام وعليه الأكثر - وجوبه مطلقًا شرطًا، وغير شرط، ممَّا يلزم فعله عقلًا "كترك الأضداد في الواجب، وفعل ضد في المحرم"، وعادة نحو "غسل جزء من الرأس" لتحقُّق غسل الوجه كله.

стр. 527

لَنَا: لَوْ لَمْ يَجِبِ الشَّرْط، لَمْ يَكُنْ شَرْطًا. ثم قال أكثرهم: إِن ذلك ليس من صيغة اللَّفظ، بل من دلالته، وهو الصَّحيح. واقتضى كلامُ ابن السَّمْعَاني أن منهم من يقول: بأنه من نفس الصيغة يقتضي ذلك وهو ساقطٌ. "وقيل: لا" وجوب "فيهما" أي: في الشرط وغيره. وزعم (١) ابنُ الأَنْبَاري أنه لا خلاف في وجوب الشَّرط الشرعي، وليس كذلك، ولو تَمَّ لاتجه للمصنّف أن يقول بوجوب الشَّرط الشرعي دون السَّبب؛ لأن لنا قائلًا بأن السَّبب لا يجب. فإِذا قام الإِجماع مع ذلك على وجوب الشَّرْط كان السبب أولى، بأن يقال بوجوبه، ولكن ذلك مردود نقلًا ومعنى لا [تقوم] (٢) به الحُجَّة. الشرح: "لنا" (٣) على وجوب الشَّرط الشرعي أنه "لو لم يجب الشَّرطُ لم يكن شرطًا"، والتالي باطل؛ لأنه خلاف الفرض. وبيان الملازمة: أن الشرط إِذا لم يجب جاز تركه، فإِذا تركه، فإِما أن يكون الفعل إِذ ذاك مأمورًا به، أَوْ لا، والتالي (٤) باطل، فيلزم أن يتقيَّد الوجوب بوقت وجود الشَّرط، وهو خلاف الفَرْض؛ لأن صورة المسألة: إِذا ورد الأمر مطلقًا غير متوقف بحالة حصول المتوقّف عليه.

стр. 528

وَفِي غَيْرِهِ، لَوِ اسْتَلْزَمَ الْوَاجِبُ وُجُوبَه، لَزِمَ تَعَقُّلُ الْمُوجِبِ لَه، وَلَمْ يَكُنْ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ لِنَفْسِهِ، وَلامْتَنَعَ التَّصْرِيحُ بِغَيْرِهِ، وَلَعَصَى بِتَرْكِهِ، وَلَصَحَّ قَوْلُ الْكَعْبِيِّ فِي نَفْي الْمُبَاحِ، وَلَوَجَبَتْ نِيَّتُهُ. والأول إِما أن يكون الفعل ممكن الحصول عند عدم الشرط أو لا، والتالي باطل، وإِلا يلزم تكليف ما لا يُطَاق، فيتحقق الأول، وهو كونه غير شرط. الشرح: "وفي "الدلالة على عَدَمِ وجوب "غيره". قال المصنّف: "لو استلزم الواجب وجوبه لزم تعقل الموجب له"، وإِلا أدَّى إِلى الأمر بما لا شعورَ له به، وهو قد يغفل عنه. وأيضًا: "لم يكن تعلّق الوجوب" الذي هو الطلب الجازم بغير الشرط "لنفسه". لكن الطلب الذي هو نسبة بين الطَّالب والمطلوب ما لا يعقل منه غير المطلوب فلا يستلزم إِيجاب شيء غيره. وأيضًا: لو كان مستلزمًا وجوبه "لامتنع التصريح بغيره"، ولا يمتنع أن يقول: لا يجب غسل شيء زائد على الوجه مثلًا. وأيضًا: لو استلزم "لعصى (١) بتركه"، وتارك مقدمة الواجب إِنما يعصي (٢) بترك الواجب لا بترك المقدمة. "ولصح قول الكعبي (٣) في نفي المُبَاح"؛ لأن فعل الواجب - وهو ترك الحرام - لا يتم إِلا به فيجب. وفي بعض النسخ - وليس في أصل المصنّف - "ولوجبت نِيَّته" (٤)؛ لأنه عبادة، ولا تجب إِجماعًا. ولقائل أن يقول: على الأول، لا نسلم الغَفْلة عنه على الجملة.

стр. 529

قَالُوا: لَوْ لَمْ يَجِبْ، لَصَحَّ دُونَه، وَلَمَا وَجَبَ التَّوَصُّلُ إِلَى ............ سلمنا، ولكن لِمَ قلتم بامتناع الغفلة عنه: إِنما يمتنع الغفلة عما يجب بالذات؟ أما ما يكون مقدمة للواجب فقد يغفل عنه (١)، ثم (٢) يجب تبعًا. وعلى الثَّاني: أن ما ذكره جار في الشَّرط الشرعي، فلم أوجبه. والتحقيق: أن إِجابة المقدمة ليس بذاته، بل بالدلالة والاستلزام، كما نقلناه عن أكثر. وعلى الثالث: أنه ملتزم إِن أريد وجوب الوسائل (٣)، وغير لازم إِن أريد وجوب المقاصد. وعلى الرابع: أنه ملتزم أيضًا. وعلى الخامس: أن قول الكعبي بهذا الطريق، هو المختار على ما حقق في مكانه. وعلى السادس: أنه غير لازم، وإِنما تجب نِيَّة (٤) العبادة المقصودة بنفسها. وهذا هو السِّر في قيام الإِجماع على أن الصائم يخص النِّيَّة بالإِمساك الواقع في النهار، ولا يجب عليه أن يبسط النِّيَّة على ما وراءه، وإِن قيل: بوجوب الإِمساك فيه. الشرح: وأصحابنا "قالوا: لو لم يجب" ما لا يتمّ الواجب إِلا به مطلقًا "لصح" الواجب "دونه"، لأنه آت - والحالة هذه - بكلّ ما وجب عليه، والفرض أن الواجب ممتنع إِلا به. وأيضًا: لو لم يجب "لما وجب التوصُّل إِلى الواجب، والتوصل" إِلى الواجب "واجب بالإِجماع". "وأجيب (٥) إِن أريد بلا يصح" دونه، وبأن التوصّل إِلى الواجب "واجب"، أنه "لا بد منه فمسلم"، وليس محلّ النّزاع، "وإِن أريد" أنه "مأمور به" شرعًا، "فأين دليله"؟ وما ذكر من الإِجماع ممنوعٌ قيامه، "وإِن سلم الإِجماع ففي الأسباب" دون الشروط العقليّة والعادية، وهي في الأسباب "بدليل خارجي"، لا من جهة كونه وسيلة، فلا يدلّ على إِيجاب الوسيلة مطلقًا. وهذا يعرفك أن المصنّف يختار وجوب السَّبب، بل يسلّم (٦) قيام الإِجماع عليه.

стр. 530

الْوَاجِبِ، وَالتَّوَصُّلُ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَأُجِيبَ إِنْ أُرِيدَ بِـ "لا يَصِحُّ وَوَاجِبٌ": لا بُدَّ مِنْه، "فروع" إِذا ترك واحدة من الخمس، وجهل عينها، وجب الخمس. والأصح: إِيجاب تيمم واحد، لا خمس تيمُّمات؛ لأن الأربع - من حيث إِنها لم ترد لنفسها - منحطةٌ عن مراتب الفرائض. وإِذا قال: إِحداكما طالق، حِيلَ بينه وبينهما إِلى أن يعيِّن، خلافًا لأبي علي بن أبي هريرة. وفي الزائد على ما ينطلق عليه الاسم من المَسْح، وقدر قيمة الشَّاة من البعير المخرج عن الشَّاة الواجبة في الزَّكاة، ومن البَدَنَة الَّتي يذبحها المتمتع بدلًا عن الشَّاة، وحلق جميع الرأس، وتطويل أركان الصَّلاة زيادة على ما يجوز الاقتصار عليه، والبَدَنة المضحى بها بدلًا عن الشَّاة المقدورة، هل يوصف بالوجوب؟ خلاف، رجَّح الإِمامُ الرازي أنه لا يوصف. وهل يختصّ الخلاف في مَسْحِ الرأس (١) مثلًا، بما إِذا وقع دفعة واحدة، أم
следующие страницы →