← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المصنّف أن السبب لا يجب تحصيله، بخلاف الشرط، وهذا لا يقوله أحد، فإِن السبب أولى بالوجوب. وإنما مراده أنه يجب الشرط الشرعي دون ما عداه الشروط العقليّة والعادية، وهو رأي إِمام الحرمين (١). وإِنما أطلق في الكتاب قوله: شرطًا، ولم يقيد بالشرعي؛ لأنه لا يسمى العقلي والعادية شروطًا كما ظهر من كلام إِمام الحرمين. ومحاولة بعض الشَّارحين أن المصنّف يختار وجوب الشَّرط دون السَّب إِيقاع للمصنّف في خرق الإِجماع الذي سينقله هو من بعد، وإِلزام له بما لا [ينتهض] (٢) به توجيه. والحق عندنا - وهو اختيار الشيخ الإِمام وعليه الأكثر - وجوبه مطلقًا شرطًا، وغير شرط، ممَّا يلزم فعله عقلًا "كترك الأضداد في الواجب، وفعل ضد في المحرم"، وعادة نحو "غسل جزء من الرأس" لتحقُّق غسل الوجه كله.

стр. 527

لَنَا: لَوْ لَمْ يَجِبِ الشَّرْط، لَمْ يَكُنْ شَرْطًا. ثم قال أكثرهم: إِن ذلك ليس من صيغة اللَّفظ، بل من دلالته، وهو الصَّحيح. واقتضى كلامُ ابن السَّمْعَاني أن منهم من يقول: بأنه من نفس الصيغة يقتضي ذلك وهو ساقطٌ. "وقيل: لا" وجوب "فيهما" أي: في الشرط وغيره. وزعم (١) ابنُ الأَنْبَاري أنه لا خلاف في وجوب الشَّرط الشرعي، وليس كذلك، ولو تَمَّ لاتجه للمصنّف أن يقول بوجوب الشَّرط الشرعي دون السَّبب؛ لأن لنا قائلًا بأن السَّبب لا يجب. فإِذا قام الإِجماع مع ذلك على وجوب الشَّرْط كان السبب أولى، بأن يقال بوجوبه، ولكن ذلك مردود نقلًا ومعنى لا [تقوم] (٢) به الحُجَّة. الشرح: "لنا" (٣) على وجوب الشَّرط الشرعي أنه "لو لم يجب الشَّرطُ لم يكن شرطًا"، والتالي باطل؛ لأنه خلاف الفرض. وبيان الملازمة: أن الشرط إِذا لم يجب جاز تركه، فإِذا تركه، فإِما أن يكون الفعل إِذ ذاك مأمورًا به، أَوْ لا، والتالي (٤) باطل، فيلزم أن يتقيَّد الوجوب بوقت وجود الشَّرط، وهو خلاف الفَرْض؛ لأن صورة المسألة: إِذا ورد الأمر مطلقًا غير متوقف بحالة حصول المتوقّف عليه.

стр. 528

وَفِي غَيْرِهِ، لَوِ اسْتَلْزَمَ الْوَاجِبُ وُجُوبَه، لَزِمَ تَعَقُّلُ الْمُوجِبِ لَه، وَلَمْ يَكُنْ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ لِنَفْسِهِ، وَلامْتَنَعَ التَّصْرِيحُ بِغَيْرِهِ، وَلَعَصَى بِتَرْكِهِ، وَلَصَحَّ قَوْلُ الْكَعْبِيِّ فِي نَفْي الْمُبَاحِ، وَلَوَجَبَتْ نِيَّتُهُ. والأول إِما أن يكون الفعل ممكن الحصول عند عدم الشرط أو لا، والتالي باطل، وإِلا يلزم تكليف ما لا يُطَاق، فيتحقق الأول، وهو كونه غير شرط. الشرح: "وفي "الدلالة على عَدَمِ وجوب "غيره". قال المصنّف: "لو استلزم الواجب وجوبه لزم تعقل الموجب له"، وإِلا أدَّى إِلى الأمر بما لا شعورَ له به، وهو قد يغفل عنه. وأيضًا: "لم يكن تعلّق الوجوب" الذي هو الطلب الجازم بغير الشرط "لنفسه". لكن الطلب الذي هو نسبة بين الطَّالب والمطلوب ما لا يعقل منه غير المطلوب فلا يستلزم إِيجاب شيء غيره. وأيضًا: لو كان مستلزمًا وجوبه "لامتنع التصريح بغيره"، ولا يمتنع أن يقول: لا يجب غسل شيء زائد على الوجه مثلًا. وأيضًا: لو استلزم "لعصى (١) بتركه"، وتارك مقدمة الواجب إِنما يعصي (٢) بترك الواجب لا بترك المقدمة. "ولصح قول الكعبي (٣) في نفي المُبَاح"؛ لأن فعل الواجب - وهو ترك الحرام - لا يتم إِلا به فيجب. وفي بعض النسخ - وليس في أصل المصنّف - "ولوجبت نِيَّته" (٤)؛ لأنه عبادة، ولا تجب إِجماعًا. ولقائل أن يقول: على الأول، لا نسلم الغَفْلة عنه على الجملة.

стр. 529

قَالُوا: لَوْ لَمْ يَجِبْ، لَصَحَّ دُونَه، وَلَمَا وَجَبَ التَّوَصُّلُ إِلَى ............ سلمنا، ولكن لِمَ قلتم بامتناع الغفلة عنه: إِنما يمتنع الغفلة عما يجب بالذات؟ أما ما يكون مقدمة للواجب فقد يغفل عنه (١)، ثم (٢) يجب تبعًا. وعلى الثَّاني: أن ما ذكره جار في الشَّرط الشرعي، فلم أوجبه. والتحقيق: أن إِجابة المقدمة ليس بذاته، بل بالدلالة والاستلزام، كما نقلناه عن أكثر. وعلى الثالث: أنه ملتزم إِن أريد وجوب الوسائل (٣)، وغير لازم إِن أريد وجوب المقاصد. وعلى الرابع: أنه ملتزم أيضًا. وعلى الخامس: أن قول الكعبي بهذا الطريق، هو المختار على ما حقق في مكانه. وعلى السادس: أنه غير لازم، وإِنما تجب نِيَّة (٤) العبادة المقصودة بنفسها. وهذا هو السِّر في قيام الإِجماع على أن الصائم يخص النِّيَّة بالإِمساك الواقع في النهار، ولا يجب عليه أن يبسط النِّيَّة على ما وراءه، وإِن قيل: بوجوب الإِمساك فيه. الشرح: وأصحابنا "قالوا: لو لم يجب" ما لا يتمّ الواجب إِلا به مطلقًا "لصح" الواجب "دونه"، لأنه آت - والحالة هذه - بكلّ ما وجب عليه، والفرض أن الواجب ممتنع إِلا به. وأيضًا: لو لم يجب "لما وجب التوصُّل إِلى الواجب، والتوصل" إِلى الواجب "واجب بالإِجماع". "وأجيب (٥) إِن أريد بلا يصح" دونه، وبأن التوصّل إِلى الواجب "واجب"، أنه "لا بد منه فمسلم"، وليس محلّ النّزاع، "وإِن أريد" أنه "مأمور به" شرعًا، "فأين دليله"؟ وما ذكر من الإِجماع ممنوعٌ قيامه، "وإِن سلم الإِجماع ففي الأسباب" دون الشروط العقليّة والعادية، وهي في الأسباب "بدليل خارجي"، لا من جهة كونه وسيلة، فلا يدلّ على إِيجاب الوسيلة مطلقًا. وهذا يعرفك أن المصنّف يختار وجوب السَّبب، بل يسلّم (٦) قيام الإِجماع عليه.

стр. 530

الْوَاجِبِ، وَالتَّوَصُّلُ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَأُجِيبَ إِنْ أُرِيدَ بِـ "لا يَصِحُّ وَوَاجِبٌ": لا بُدَّ مِنْه، "فروع" إِذا ترك واحدة من الخمس، وجهل عينها، وجب الخمس. والأصح: إِيجاب تيمم واحد، لا خمس تيمُّمات؛ لأن الأربع - من حيث إِنها لم ترد لنفسها - منحطةٌ عن مراتب الفرائض. وإِذا قال: إِحداكما طالق، حِيلَ بينه وبينهما إِلى أن يعيِّن، خلافًا لأبي علي بن أبي هريرة. وفي الزائد على ما ينطلق عليه الاسم من المَسْح، وقدر قيمة الشَّاة من البعير المخرج عن الشَّاة الواجبة في الزَّكاة، ومن البَدَنَة الَّتي يذبحها المتمتع بدلًا عن الشَّاة، وحلق جميع الرأس، وتطويل أركان الصَّلاة زيادة على ما يجوز الاقتصار عليه، والبَدَنة المضحى بها بدلًا عن الشَّاة المقدورة، هل يوصف بالوجوب؟ خلاف، رجَّح الإِمامُ الرازي أنه لا يوصف. وهل يختصّ الخلاف في مَسْحِ الرأس (١) مثلًا، بما إِذا وقع دفعة واحدة، أم

стр. 531

فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ أُرِيدَ: مَأْمُورٌ بِهِ، فَأَيْنَ دَلِيلُه، وَإِنْ سُلِّمَ الْإِجْمَاع، فَفِي الْأَسْبَابِ بِدَلِيلٍ خَارِجِيٍّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 532

تَحْرِيمُ وَاحِدٍ لا بِعَيْنِهِ (١) مَسْألَةٌ: يَجُوزُ أَنْ يُحَرَّمَ وَاحِدٌ لا بِعَيْنِهِ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَهِيَ كَالْمُخَيَّرِ. يجزئ (٢) وإن وقع مرتبًا؟ فيه وجهان. وفائدة الخلاف تظهر في الثَّواب، فإِن ثواب الفريضة أكثر من ثَوَاب النَّافلة، وفيما إِذا عجل البعير عن شَاةٍ، واقتضى الحال الرجوع بجميعه أو بسبعه (٣). فيه وجهان في "شرح المهذب" وغير ذلك. ومن مقدّمة الواجب مؤنة الكَيْل الذي يفتقر إِليه القبض، وهو على البائع كمؤنة إِحضار المبيع الغائب، ومؤنة وزن الثَّمن على المشتري، وفي أجرة نقد الثمن وجهان. وإِذا خفي عليه موضع النَّجَاسة من الثوب أو البدن غسله كله. وإذا اكترى دابَّة للرّكوب أطلق الأكثرون أن على المكتري الإِكَاف والبَرْدَعة والحزام وما ناسب ذلك، لأنه لا يتمكّن من الركوب دونها. «مسألة» الشرح: "يجوز أن يحرِّم واحدًا لا بعينه" - أي: مبهم من أشياء - فقد يرد التخيير بين

стр. 533

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ضدّين لا ثالث لهما (١). والمعنى ملاءمة المكلف أحد الضِّدين الذي اختار وآثره على نقيضيه (٢)، مثل: أنهاك عن الحركة، أو السُّكون، أحببت أيهما شئت، ولا تأكل اللَّبن أو السمك، فقد منعتك عن أحدهما مبهمًا، لا عن كليهما جميعًا، ولا عن أحدهما معينًا، "خلافًا للمعتزلة"؛ إِذ منعوا ذلك. "وهي كالمخيّر" خلافًا وحِجَاجًا. وفيها زيادة، وهي دعوى بعض المُخَالفين، كما نقل المَازِرِيُّ أن اللغة لم ترد بذلك قال: ألا ترى أن قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [سورة الإنسان: الآية ٢٤] محمول على أنه نهى عن طاعتهما. قال المَازِرِيُّ: وهذا ليس بشيء، قال: ولولا الإِجماع على أن المراد في الشَّرْع النَّهي عن طَاعَة الجميع لم تحمل الآية على ذلك. فاعلم (٣) أن القَرَافِيَّ فرّق بين الأمر المخيّر، والنَّهي (٤) المخيّر، بأن الأمر يتعلّق بمفهوم أحدها، والخصوصيات بتعلّق التخيير، ولا يلزم من إِيجاب المشترك إِيجاب الخصوصيات كما مضى. وأما النهي فإِنه إِذا تعلّق بالمشترك لزم منه تحريم الخصوصيات؛ لأنه لو دخل منه فرد إِلى الوجود لدخل في ضمنه المشترك المحرم ووقع المحذور، كما إِذا حرم الخنزير، يلزم تحريم السَّمين منه والهَزِيل والطَّويل والقصير. وتحريم الجمع بين الأختين، ونحوه، إِنما لاقى المجموع عينًا لا المشترك بين الأفراد،

стр. 534

مَسْأَلَةٌ: يَسْتَحِيلُ كَوْنُ الشَّيْءِ وَاجِبًا حَرَامًا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَّا عِنْدَ بَعْضِ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ الْمُحَالِ. وَأَمَّا الشَّيْءُ الْوَاحِد، لَهُ جِهَتَانِ؛ كَالصَّلاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، فالمطلوب فيه ألَّا يدخل ماهية المجموع في الوجود، والماهيةُ تنعدم بانعدام جزء منها، فأي أخت تركها خرج عن عُهْدَةِ المجموع، فليس كالأمر. «مسألة» الشرح: "يستحيل كون الشيء واجبًا حرامًا من جهة واحدة" (١)، وحينئذ فلا يكلف به "إِلا عند بعض من يجوِّز تكليف المُحَال"، أي: التكليف بما لا يُطَاق. وعند الآخرين يمتنع، لما فيه من التَّناقض. "وأما الشيء الواحد" الذي "له جِهَتَان" غير [متلازمتين] (٢)، فإِنه يجوز توارد الأمر والنَّهي، باعتبار جهتيه "كالصَّلاة في الدَّار المغصوبة"، مأمور بها من حيث إِنها صلاة، منهي (٣) عنها من حيث إِنها شغل ملك الغَيْر عدوانًا، فقد اختلفوا فيه. "فالجُمْهُور" قالوا: "يصح". "والقاضي" قال: "لا يصح، ويسقط (٤) الطلب عندها". قال ابن السَّمْعَاني: وهو هذيان. وقال "أحمد وأكثر المتكلّمين: لا يصح، ولا يسقط" (٥). وذكر بعض أصحابنا للمسألة أصلًا، وهو أن الأمر المطلق لا [يتناول] (٦) المكروه عندنا، وإِن لم يكن محرمًا. وقال الحنفية: يتناوله (٧). واحتجّ أصحابنا بأنَّ المكروه مطلوب التَّرك، فكيف يندرج تحت الأمر الذي هو طلب الفعل، [والجمع بين طلب الفعل] (٨) والترك في فعل واحد من وجه واحد يتناقض، ثم إِذا لم

стр. 535

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يدخل المباح تحت قضية الأمر، فكيف يدخل الممنوع، وإِذا تحقَّق ذلك وجب أن يكون المأمور بفعل إِذا فعله على وجه كره الشَّرع إِيقاعه عليه لا يكون ممتثلًا، وينعطف (١) من كراهيته (٢) الإِيقاع على هذا الوجه، فيدل (٣) على الأمر المطلق. قال إِمام الحرمين: وهذه المسألة مَثَّلها الإِئمةُ بالترتيب في الوضوء، فمن يراه يقول: المنكس (٤) مكروه، فلا يدخل تحت مقتضى الأمر (٥). وقال ابنُ السَّمْعَاني: تظهر فائدة (٦) الخلاف في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [سورة الحج: الآية ٢٩]. فعندنا: هذا لا يتناول الطَّواف بغير طهارة، ولا المنكّس، وعندهم يتناوله فإِنهم وإِن اعتقدوا كراهته ذهبوا إِلى أنه دخل في الأمر وأجزأ. قلت: وفائدة هذا أن من يدعي دخول المكروه تحت الأمر يستدلّ بالأمر عليه، ولا يحتاج إِلى دليل من خارجٍ، بخلاف من ينكره، فالشَّافعي مثلًا، يطالب الحنفي بالدَّليل على إِجزاء المنكّس في الوضوء والطواف. فإِن قال: الاسم صادق عليه، فدخل تحت عموم الأمر، منعه، وقال: إِنما يدخل تحت عموم الأمر، ما يكون مطلوبًا، وهذا مكروه بالاتفاق، وسواء كان مجزئًا كما يقولون، أم لا. قال ابن السَّمْعاني: وهذا المثال - يعني الطواف - إِنما يتصوّر على أصلهم. وأما عندنا فليس هو بطواف أصلًا. قلت: هذا ينبني على أن العبادات الشرعية، هل هي موضوعة للصحيح فقط، أَوْ لِما هو أعم من الصحيح والفاسد؟ وسنتكلم على ذلك في باب النواهي، إِن شاء الله تعالى.

стр. 536

فَالْجُمْهُورُ: تَصِحُّ، وَالْقَاضِي: لا تَصِحُّ، وَيَسْقُطُ الطَّلَبُ عِنْدَهَا. وَأَحْمَدُ وَأكْثَرُ قلت: وتظهر فائدة الخلاف أيضًا في الصَّلاة في الأوقات المكروهة (١)، إِذا قلنا: إِنها مكروهة كراهة تنزيه - وفي صحتها - تفريعًا على هذا - وجهان.

стр. 537

المتكَلِّمِينَ": لا تَصِحُّ، وَلا يَسْقُطُ. والقول بعدم صحتها يتخرَّجُ على أن المكروه لا يدخل تحت مطلق الأمر.

стр. 538

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = بالناقص الواقع عند طلوع الشمس. قال السرخسي في الفرق بين صلاة العصر اليوم عند الاصفرار فغابت الشمس وهو يصلي، وصلاة الصبح فطلعت الشمس وهو يصلي حيث صحت الأولى وبطلت الثَّانية: - إِن الطلوع بظهور حاجب الشمس وبه لا تنتفي الكراهة، بل تتحقق فكان مفسدًا للفرض، والغروب بآخره وبه تنتفي الكراهة ولم يكن مفسدًا للعصر. أمّا النوافل: فالصلاة النافلة الَّتي يشرع فيها الإِنسان في هذه الأوقات الثلاثة: قال الحنفية: إِنها صحيحة تلزم بالشروع فيها وتضمن بالقطع، حتى لو قطعها وجب عليه القضاء، وينبغي أن يقطعها ويقضيها في وقت تحل فيه الصلاة تخلّصًا من الكراهة، فإِن قضاها في وقت آخر مكروه أجزأه وقد أساء؛ لأنه لو أتمها في ذلك الوقت أجزأه مع الإِساءة، فكذا إِذا قضاها في مثل ذلك الوقت. وقال زفر: إِن قطعه لا يضمن، وهو رواية عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى؛ لأنها منهي عنها فلم تجب صيانتها عن البطلان. ووجه القول الأول - وهو ظاهر الرواية - أن الصلاة تركبت من أجزاء مختلفة غير متجانسة من قيام وركوع وسجود، فلا يكون لبعضها اسم الصلاة، وإِنما ينطلق الاسم عند انضمام هذه الأجزاء بعضها إِلى بعض بأن يقيد الركعة بالسجدة، وصارت الركعات بعد ذلك أجزاء متجانسة فكان لركعة واحدة اسم الصلاة، ولهذا لو حلف ألّا يصلي فشرع في الصلاة لا يحنث ما لم يقيّد الركعة بالسجدة، ومن انتقل من الفرض إِلى النفل قبل تمامه لا يجعل متنفلًا ما لم توجد منه السجدة؛ لأن ما دون الركعة ليس بصلاة، والنهي ورد عن الصلاة في هذه الأوقات، فلم يكن الشروع فيها منهيًا عنه، ولا القيام والقراءة والركوع، وإِنما يتوجه النهي إِلى هذا الفعل عند وجود السجدة، فما مضى قبل ذلك انعقد عيادة محضة غير منهي عنها، فإِبطالها حرام وصيانتها واجبة، ولا تحصل الصيانة دون المضيّ، فكان المضي في حق ما مضى امتناعًا عن إِبطال العمل وهو واجب، وفي حق ما يستقبل تحصيل طاعة وتحصيل معصية، فكان المضيّ طاعة ومعصية وامتناعًا عن معصية: وهي إِبطال العبادة. وترك المضيّ امتناع عن معصية وطاعة وتحصيل معصية وهي إِبطال عبادة محضة، فترجحت جهة المضيّ على جهة القطع، فإِذا قطع الصلاة فقد قطع عبادة وجب عليه المضيّ فيها، فيلزمه القضاء. هذا هو ما ذكره بعض المشايخ توجيهًا لقول الحنفية بصحة النوافل في هذه الأوقات. وقد ناقش الكمال هذا التوجيه فقال ما حاصله: إِن محصل هذا التوجيه أن النهي يتعلّق بمسمى الصلاة، ومسمّاها مجموعة الأركان، وبمجرد الشروع لا تتحقق الأركان، فلم يتحقق المنهي عنه؛ فصح الشروع لعدم تعلق النهي به، فيلزم القضاء بالإِفساد وهو مدفوع؛ إِذ كون مسمّى الصلاة لا يتحقق إِلا بالأركان، لا يقتضي وجوب القضاء بالإِفساد، لأن وجوب القضاء بوجوب الإِتمام قبل الإِفساد، والثابت نقيضه، وهو حرمة الإِتمام بالنهي. كما يلزم عليه أيضًا أن تفسد الصلاة بعد ركعة؛ لارتكاب المنهي عنه حينئذ، وهو منتف =

стр. 539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 540

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولإِمام (١) الحرمين احْتِمَالٌ في إِعادة صلاة الجَنَازة، أنها لا تصح؛ لأن إِعادتها لا تستحب وفي وجه: تكره. واعلم أن إِمام الحرمين أنكر كون المكروه لا يقع مجزئًا مع موافقته (٢) على أن الأمر لا يتناول المكروه وقال: إِن من يتتبع قواعد الشَّريعة ألفى من المكروه المجزئ أمثلة تفوت الحصر. وحاصلُ كلامه آيل إِلى ما تقرّر في الصَّلاة في الدَّار المغصوبة، وأن النهي إِذا لم يرجع إِلى عين الفعل المأمور به لم يمتنع الإِجزاء من هذه الجِهَةِ. كذا فهمه المازري عنه، واعترضه بأن الأمثلة المُشَار إِليها وإِن تكاثرت إِنما ترد لو عممنا القول، وقلنا: لا نعتد بمكروه أصلًا، [ونحن إِنما نقول: الأصل أن الأمر لا يتناول المكروه] (٣)، وإِذا لم يتناوله بقيت المُطَالبة بموجب الأمر الأول فلا يرد عليه. ولم يفهم عنه ابن الأَنْبَارِيّ رد القول في ذلك إِلى نظيره من الصلاة في الدَّار المغصوبة

стр. 541

لَنَا الْقَطْعُ بِطَاعَةِ الْعَبْدِ وَعِصْيَانِهِ، بِأَمْرِهِ بِالْخِيَاطَةِ، وَنَهْيِهِ عَنْ مَكَانٍ .......... وقال: ليس الأمر على ما قاله، بل يستحيل كون المكروه طاعةً على حال، فكيف يصحُّ اجتماع الحكمين وهما متضادان؟. نم: إِن تعددت الوجوه أمكن ذلك كما في الدار المغصوبة. قلت: وهو حق إِلا أن الإِمام ردّ المسألة إِلى مآخذ الكلام في الدار المَغْصُوبة، فلذلك فهم عنه المَازِرِيّ ذلك، ولو لم يكن كذلك لم يتَّجه كلامه ألبتة. وأنا أقول في رَدّ [هذا] القَوْل إِلى مأخذ الصَّلاة في الدار المَغْصُوبة نظر، وإِن ذكر الإِمام وابن السَّمعاني وغيرهما، وذلك لتحقّق جهتين فيها، بخلاف ما نحن فيه، فإِن الوضوء المنكسَ مثلًا - مكروه، من حيث إِنه تنكيس وضوء، فهو كصوم يوم النَّحْر سواء، ولا كذلك الصلاة، فإِنها ليست حرامًا من حيث إِنها صلاة، بل من حيث إِنها شغل فافهم ذلك. وقد أغلظ الإِمامُ القول علي أئمتنا، وقال: الاستدلال على وجوب التَّرتيب في الوضوء، بأن المنكس مكروه، والمكروه لا يتناوله الأمر فتبين أنَّ الأمر بالطهارة لم [يمتثل] (١) فيطالب (٢) المكلف به، وذكر أن مَغْزَى هذا إِثبات وجوب الشَّيء من حيث يثبت الخَصْم كراهته، [وهو من فن العبث - أي: ليس في دعوى الخَصْمِ كراهة] (٣) المنكس، ما ينتهض حُجَّة لنا في وجوب الترتيب. وهذا صحيح لو أن أئمتنا يستندون في وجوب الترتيب إِلى هذا، وإِنما [لم] (٤) يذكر أئمتنا هذا الطريق على وجه الإِلزام والإِفحام، كما يقول المناظر. قلت: كذا وكذا، فيلزم عليك كذا وكذا، وهذا اللازم لا يتوجَّه إِلا على أصلي فدلّ على [أنه] (٥) الصحيح. إِذا عرفت هذا فلنعد إِلى الكلام في تعلق الأمر والنهي بالشيء الواحد من جهتين فنقول: الشرح: "لنا: القطع بطاعة العَبْدِ وعصيانه بأمره بالخِيَاطَةِ ونهيه عن مكان مخصوص"، كما إِذا قال: خِطْ هذا الثوب ولا تدخل الدَّار، فإِنه إِذا خَاطَ الثوب في الدار [كان] (٦) ممتثلًا من

стр. 542

مَخْصُوصٍ؛ لِلْجِهَتَيْنِ، وَأَيْضًا، لَوْ لَمْ تَصِحَّ، لَكَانَ لاتِّحَادِ الْمُتَعَلَّقَيْنِ؛ إِذْ لا مَانِعَ سِوَاهُ اتِّفَاقًا، وَلا اتِّحَادَ؛ لأِنَّ الْأَمْرَ لِلصَّلاةِ، وَالنَّهْيَ لِلْغَصْبِ. واخْتِيَارُ الْمُكَلَّفِ جَمْعَهُمَا لا يُخْرِجُهُمَا عَنْ حَقِيقَتِهِمَا. وَاسْتُدِلَّ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ، لَمَا ثَبَتَ صَلاةٌ مَكْرُوهَةٌ، وَلا صِيَامٌ مَكْرُوهٌ؛ لِتَضَادِّ الْأَحْكَامِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنِ اتَّحَدَ الْكَوْن، مُنِعَ، وَإِلَّا لَمْ يَفْسُدْ؛ لِرُجُوعِ النَّهْيِ إِلَى وَصْفٍ مُنْفَكٍّ. الخِيَاطَة عاصيًا من حيث الدخول (١)، وإِنما حصل التغاير بينهما "للجهتين. وأيضًا لو لم يصح لكان لاتحاد المتعلّقين"، أي: لأن متعلّق الوجوب والحرمة واحدٌ؛ "إِذ لا مانع سواه اتفاقًا"، واللازم باطل، إِذ "لا اتحاد" للمتعلّقين؛ "لأنَّ الأمر للصلاة والنهي للغصب، واختيار المكلّف جمعهما لا [يخرجهما] (٢) عن حقيقتيهما" اللَّتين هما متعلّقا (٣) الأمر والنهي، وإِذا لم يكن متعلق الأمر والنهي واحدًا، صح تعلّقه به، وأيضًا قد وافق المخالفون على صحّة صوم الشَّيخ والمريض اللَّذينَ يستضران بالصَّوم، مع أنه منهي. الشرح: "واستدلّ لو لم يصحّ" اجتماع الأمر والنَّهي (٤) باعتبار جهتين "لما [ثبتت] (٥) صلاة مكروهة، ولا صيام مكروه، لتضاد الأحكام" الخَمْسَة، فالوجوبُ كما يضاد التحريم يضاد الكَرَاهة، فلو لم يثبت مع التحريم لما ثبت مع الكَرَاهَةِ، إِذ لا مانع إِلا التضاد، واللازم باطل؛ بدليل كراهية ما لا ينحصر من صلاة وصوم. "وأجيب" عن هذا الاستدلال "بأنه إِن اتحد الكون" أي: الحصول في الحيز واحد في الصلاة، وهو مأمور به، وفي الغَصْبِ منهي؛ لأنه هو الغصب فاتَّحد المتعلّقان، فمنعت الصحة، فإِن كان الصوم والصلاة المكروهين كذلك "منع" كونهما صحيحين، "وإِلا لم يفسد"؛ إِذ لا يلزم من الصِّحة الواقعة في المنهي "لرجوع النَّهي إِلى وصف منفك" لا يتّحد فيه المتعلّق الصحة حيث يرجع إِلى الكون (٦) الَّذي هو ذاتي متَّحد (٧) المتعلّق. ولقائل أن يقول: النَّهي في الصلاة في الدَّار المغصوبة راجع أيضًا إِلى وصف منفك، ولا يظهر فرق بينهما وبين الصَّلاة المكروهة.

стр. 543

واسْتُدِلَّ: لَوْ لَمْ تَصِحَّ، لَمَا سَقَطَ التَّكْلِيفُ. قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ سَقَطَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْمُرُوهُمْ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ، وَرُدَّ بِمَنْعِ الْإِجْمَاعِ مَعَ مُخَالَفَةِ أَحْمَدَ، وَهُوَ أَقْعَدُ بِمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ. قَالَ الْقَاضِي وَالْمُتَكَلِّمُونَ: لَوْ صَحَّتْ، لاتَّحَدَ الْمُتَعَلَّقَانِ؛ لِأَنَّ الْكَوْنَ وَاحِدٌ، وَهُوَ غَصْبٌ. وَأُجِيبَ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ كَمَا سَبَقَ. الشرح: "واستدلّ لو لم يصح لما سقط التكليف" بها. "قال القاضي: وقد سقط بالإِجماع؛ لأنهم" أي: الماضين "لم يأمروهم"، أي: المصلين في الدار المغصوبة "بقضاء الصلوات". والقاضي هو المحتج بهذا الدَّليل، ولكن على السقوط لا على الصحة، وأشار به إِلى أن المسألة من القَطْعيَّاتِ، لحصول الإِجماع، وذلك أن تقلبهم في البِلادِ، وتحركهم في الأسفار لا يسلم معه في مستقرّ العادات من الصلاة في مكان مَغْصُوب، ولو كانت تعاد لنقل عن الصحابة ﵃، ولو نقل عنهم لما خفي. وقد زاد النَّووي في "باب الآنية" من "شرح المهذب" فذكر: أن أصحابنا يدعون الإِجماع على الصحة قبل مخالفة أحمد. وهذا لو تَمَّ دفع مذهب القاضي؛ إِذ هو موافق على عدم الصِّحَّة. "ورد" هذا الوجه "بمنع الإِجماع"؛ إِذ كيف يصح ادعاؤه "مع مخالفة أحمد وهو أقعد بمعرفة الإِجماع"، فلو سبقه إِجماع لكان أجدر من القاضي بمعرفته ثم لم يخرقه. وممن منع الإِجماع إِمام الحرمين، وابن السَّمعاني، وغيرهما من الأئمة وهو الحَقّ. وما ذكره القاضي من عدم انْفِكَاكِ عصر الماضي عن الصلاة في مكان مغصوب مردود عندنا؛ فإِن الظَّاهر من حال الصَّحابة أن هذا لم يتَّفق في عصرهم، ولو فرض وقوعه من واحد من الأتباع لأمكن أن يخفى عنهم (١)، وعلى تقدير اطّلاعهم فغايته إِجماع سكوتي، والقاضي لا يراه حُجَّة. الشرح: "قال القاضي": "لو صحَّت لاتَّحد المتعلّقان" متعلقا الأمر والنهي؛ "لأن الكون"

стр. 544

قَالُوا: لَوْ صَحَّتْ، لَصَحَّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ بِالْجِهَتَيْنِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ صَوْمَ يَوْمِ النَّحْرِ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنِ الصَّوْمِ بِوَجْهٍ، فَلا تتَحَقَّقُ جِهَتَانِ، أَوْ بِأَنَّ نَهْيَ التَّحْرِيمِ لا يُعْتَبرُ فِيهِ تَعَدُّدٌ إِلَّا بِدَلِيلٍ خَاصٍّ فِيهِ. وَأَمَّا مَنْ تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً، فَحَظُّ الْأصُولِيِّ فِيهِ بَيانُ اسْتِحَالَةِ تَعَلُّقِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ جزء الحركة والسُّكون، وهما جزءا الصَّلاة، فيكون الكون جزءًا للصلاة، وهو "واحد" فيكون مأمورًا به، ثم هو بعينه منهي [عنه]؛ لأنه كون في المغصوب "وهو غصب. وأجيب" بالمَنْعِ من اتحاد الكون اتحادًا شخصيًا، للقطع "بإِعتبار الجِهَتَيْنِ" فيكونان متغايرين "بما سبق" تقديره. الشرح: "قالوا: لو صَحَّت لصح يوم النَّحْر بالجهتين"، كونهْ صومًا وواقعًا يوم النَّحْرِ. "وأجيب": بمنع اختلاف الجهة، "بأن صوم يوم النَّحْرِ غير منفك عن الصَّوم بوجه"، لاستلزام (١) المقيد المطلق "ولا يتحقق" (٢) فيه "جهتان" تنفك إِحداهما عن الأخرى، بخلاف الصَّلاة في الدار المغصوبة. "أو بأن نهي التحريم لا يعتبر فيه تعدد إِلا بدليل خاص فيه"؛ لأنه ظاهر في البطلان منصرف (٣) إِلى الذات غالبًا، بخلاف نهي الكراهة فإِنه ينصرف في الوصف غالبًا، وهذا ضعيف والأول هو المعتمد. الشرح: "وأما" ما لا يمكن الانفكاك فيه مثل: "من توسّط أرضًا مغصوبة، فحظ الأصولي [فيه] بيان استحالة الأمر والنهي معًا بالخروج" منها، فإِنه تكليف بالمُحَال فيتعلّق التكليفُ بواحدٍ منها يعينه الفقيه. والفقيهُ يقول: يؤمر بالخروج، كما يؤمر المُولِج في الفرج الحرام بالنزع (٤)، وإِن كان به مماسًا لِلْفَرْجِ الحرام، ولكن يقال: انزع على قصد التوبة، لا على قصد الالتذاذ، فكذلك (٥) الخروج من الغَصْب فإِن أهون الضررين يصير واجبًا بالإِضافة إِلى أعظمهما.

стр. 545

مَعًا بِالْخُرُوجِ وَخَطَأِ أَبِي هَاشِمٍ، وَإِذَا تَعَيِّنَ الْخُرُوجُ لِلْأَمْرِ، قُطِعَ بِنَفْيِ الْمَعْصِيَةِ بِهِ ومن حظّ الأصوليين أيضًا بيان "خطأ أبي هاشم"، حيث يقول: بأنه منهي عن خروجه؛ لأنه متصرفٌ في ملك الغير بغير إِذنه، وذلك قبيح لعينه، ومأمور به؛ لأنه انفصالٌ عن المُكْثِ. وهذا الشيخ بنى كلامه على أصله الفاسد في الحسن والقبح فأخلّ (١) بأصله الفاسد من منع التكليفِ بالمحال، إِذ حرم عليه الشَّيء وضده. "وإِذا تعيَّن الخروج للأمر قطع بنفي المعصية به" إِذا وقع الخروج "بشرطه" من السّرعة على مبلغ الجهد، واجتناب التقصير، والتصرف في ملك الغير ليس حرامًا لعينه، بل بنهي الشارع، وهذا مأمور به فلا يكون معصية. "وقول الإِمام باستصحاب حكم المَعْصية مع الخروج ولا نَهْي بعيد". وضَعَّفه تلميذه الغزالي (٢)؛ لأنه معترف بانتفاء النهي، فالمعصية إِلى ماذا تستند؟. وقوله في "البرهان": إِن هذا يلتفت على مسألة الصلاة في الدار المغصوبة فإِنها تقع امتثالًا من وجه (٣)، وغصبًا واعتداء من وجه، فكذلك الذاهب إِلى صوب (٤) الخروج، ممتثل من وجه، عاصٍ ببقائه من وجه، فيه نظر؛ إِذ الخروج شيء واحد، "ولا جهتين، لتعذُّر الامتثال" (٥)، بخلاف الصَّلاة في الدَّار المَغْصُوبة، فإِن الامتثال يمكن، وإِنما جاء الاتحاد من جهة المُكَلّف. واعلم أنه اعترف في "البرهان" بأن الإِمكان لا بد منه في المنهيات والمأمورات. وقال: إِن المعصية إِنما هي من أجل نسبته إِلى ما تورّط فيه آخرًا قال: وليس هو عندنا منهيًّا عن الكون في هذه الأرض، ولكنه مرتبك في المعصية مع انقطاع تكليف النَّهْيِ عنه، وهذا ما أشار إِليه المصنّف بقوله: ولا نهي. والحاصلُ أن الصَّلاةَ في الدَّار المغصوبة كان يمكن الامتثال، ولكن الاتحاد جاء من اختيار المكلف، فكلف، والتكليف بالمُحَال لا خيرة للعبد فيه، فلا يكلّف. وهذا في المحال الذي لم يكن العبد متسببًا إِلى وقوعه، وأما ما كان متسببًا فيه - كما في هذه المسألة - فإِنه كان في وُسْعِ هذا الإِنسان ألّا يقع في هذا الممتنع المحال بألَّا يدخل الدار فهل يمتنع التكليف؟.

стр. 546

بِشرْطِهِ. وَقَوْلُ الْإمَامِ: بِاستْصْحَابِ حُكمِ المَعْصِيَةِ مَعَ الْخُرُوجِ، وَلَا نَهْيَ، بَعِيدٌ، وَلَا قال أبو هاشم: يتوجّه عليه التكليف بهما، وهو خطأ لا سيما على أصله، كما قلنا. وقالت الجماعة: إذا كان التَّعرِّي من الأمرين محالًا، فلا مُبالَاةَ بمبدئهما وسببهما، فليقع الفعل مأمورًا. وحاول الإمام طريقة التوسّط فقال: إنه غير منهي؛ وإن انسحب عليه حكمُ العصيان، وهذا موضع الأناة والاتِّئاد، فإنه في غاية من الإشكال فنقول: المرء منهي عن الغصب، وهو: ما لم يعر عن الاستيلاء على حق الغير غاصب، إذ الغصب الاستيلاء على حق الغير. إلا أنه لما كان آخذًا في الخروج من المعصية، والأمر متوجّه نحوه إذ ذاك بها، لم يكن منهيًّا الآن، وهذا واضحٌ؛ لامتناع اجتماع الأمر والنهي من جهة واحدة، ولكن النهي السَّابق قضى عليه بالإثم ما لم يخرج عن الاستيلاء فبقيت آثاره، وإن لم يطرأ الآن نهي، فلم نَقُل بالمعصية مع انتفاء النهي رأسًا، بل مع انتفاء نهي طرأ الآن، ثم المعصية مستندة إلى النهي السابق الذي إن انقطع لمصادمة الأمر لم [تنقطع] (١) آثاره، فإن المُضَادَة إنما وقعت بين الأمر [والنهي] (٢) لا بين آثارهما، فإنا لا نعني بالنهي إلا طلب الكَفّ ولا بالأمر إلا طلب الفعل ليس بكَفّ، واجتماعهما متعذّر، والأمر موجود، فانتفى النهي، وأثر النهي - وهو التأثيم لا وجه لارتفاعه، وهذا كما يقول الفقهاء فيمن ارْتَدَّ، ثم جُنَّ، ثم أَفاق وأسلم: إنه يجب عليه قضاء صلوات أيام الجنون (٣)، وما ذلك إلا لاستصحاب حكم الرِّدَّة عليه، ولا [تسألن] (٤) الفقيه هنا فما قولكم فيه: لو مات أيام جُنُونه، هل يلقى الله تعالى كافرًا أو غير مكلف؟. لأنا نقول: هذا ليس مما نحن فيه؛ لأن لُقْيَهُ رَبَّهُ راجعٌ إلى ما عرف الربُّ من حاله، والذي يظهر لنا أنه مرتد، والربُّ أعلمُ به.

стр. 547

جِهَتَينِ؛ لِتَعَذُّرِ الاِمْتِثَالِ. فإن قال: فهل تقتلون (١) المرتد إذا طرأ جنونه؟ قلنا: لو قيل (٢): لم يوقع الموقع، ولكنا لا نجوز قتله (٣) لأمر لا يتعلق بما نحن فيه، وقد مثل إمامُ الحرمين بالتَّائب (٤) فيما اقْتَرَفَ من حقوق الآدميين، فإن الإثم ينسحبُ عليه ما لم يعزم (٥). وإن عزم على العزم، وما ذلك إلا لتَوْرِيطِهِ نفسه. قال المَازِرِيّ: ولو يمثل بقيام الحدود (٦) على السَّكران، ووقوع طلاقه (٧)، وإن كان غير

стр. 548

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عاقل حين جنايته ما جنى لأجل أن شربه الخَمْر معصية، وهي طريق إلى زوال العقل، فزوالٌ

стр. 549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . العقل كالمكتسب (١) له بسببه، وإن كان لا [صنع] (٢) له فيه لكان أوضح، لكون الجناية الواقعة الآن ليست كَفِعْلٍ يقضي مثل ما يقضي زمن الغَضبِ، بل هي فعلٌ شرعَ فيه السّكران كما شرع الغاصب في الخروج من الدار. ثم ذكر إمام الحرمين (٣) أن غرضه يظهر بمسألة ألقاها أبو هاشم فحارت فيها عقول الفقهاء، وهي أن من توسّط جمعًا من الجَرْحَى، وجثم على صدر واحد منهم، وعلم أنه لو بقي (٤) على ما هو عليه لَهَلَكَ من تحته، ولو انتقل لهلك آخر، بعني مع تساوي الرجلين في جميع الخِصَالِ. قال (٥): وهذه المسألة لم أتحصل فيها من قول الفقهاء على ثبت، فالوجه المقطوع به سقوط التكليف عن صاحب الواقعة مع استمرار حكم سخط الله عليه وغضبه. ووجه السقوط استحالةُ التكليف بالمُحَال، واستمرار العصيان بسببه (٦) إلى ما لا مخلص منه. ولو فرض إلقاء رجل على صدر آخر بحيث لا يُنْسب الواقع إلى اختيار فلا [تكليف] (٧) ولا عصيان. وقال الغَزَالِيُّ: يحتمل ذلك، ويحتمل أن يقال: يمكن (٨)، فإن الانتقال فعل مستأنف، ويحتمل التخيير.

стр. 550

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وسيكون لنا عَوْدَةٌ إلى هذا في أخبار الآحاد. وبلغنا أن الغزالي قال للإمام: كيف قلت: لا حكمَ، وأنت ترى أنه لا تخلو واقعةٌ عن حكمٍ؟ فقال: حكم الله ألا حكم، فقال الغزالي: لا أفهم هذا. قال ابن الأنباري: وهذا تأدب من الغزالي، وهذا القول غير مفهوم في نفسه وهو متناقض. قلت: ويمكن أن يقال: إن الله تعالى حكم بانتفاء الأحكام الخمسة التي هي الاقتضاء والتخيير، وتكون البراءةُ الأصلية حكمًا لله تعالى بهذا الاعتبار، فإن تركه الخلق على قضيتها قضاء منه بها، وليس هو القضاء في الأحكام الخمسة. وقد عدّ الغزالي ما قاله الإمام من المحتملات مع قوله أيضًا بألّا تخلو واقعة عن حكم. فإن قلت: ما قولكم فيمن كسر رجله، أو ألقى بنفسه من سطح، هل يقضي الصلاة قاعدًا؟. قُلْتُ: قال الغزالي: لا، وينبغي مساق كلام الإمام إن كان فعل ذلك ذريعةً للصلاة قاعدًا أن ينسحب عليه حكم العصيان، بل ويجب القضاء. قال الإمام (١): ومما أخرجه على ذلك أن من واقع قريب الفجر قاصدًا إيقاع ذلك الوقاع بحيث إذا طلع الفجر اقترن بِمَطْلَعِهِ الانكفاف والنزع (٢)، فسد صومه من جهة سببه (٣) إلى وضع المخالطة في مقارنة الفجر وإن كان مُنْكَفًّا، وإن خالط أهله ظانًّا أنه في مهل من بقية الليل، ثم ابتدره الفَجْر فابتدر النزع فلا يفسد. والفقهاء لا يفصلون هذا التفصيل، ويحكمون بأن النازع لا يفطر، وإن قصد وتعمّد في الصورة التي فرضناها من جهة أنه نازع مع أول الفَجْرِ. قلت: وقد حكى الأصحاب فيما إذا قال لزوجته: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثًا وجهين: أحدهما: أنه بعد مضي مدة الإيلاء (٤) يطالب بالطَّلاق على

стр. 551

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . التعيين (١)، ويمنع من الوطء؛ لأن الطلاق يقع بتغييب الحشفة، فالنزع يقع بعد وقوعه، وهو نوع اسْتِمْتَاع بالمُطَلَّقة فلا يجوز. وأيضًا فإنه لا يتأتى وصل النّزع بآخر التَّغييب (٢)، بل يقع بينهما فصل، وهي في تلك الحالة محرمة عليه. وأيضًا فالصَّائم إذا خشي طلوع الفَجْر، ووقوع النزع بعد الطلوع يمنع من الوَطْء فكذا هنا. والأصح المنصوص عليه يطالب بالفَيْئَةِ أو الطلاق، ولا يمنع من الوطء؛ لأن النزع ترك وخروج عن المعصية. قال الرَّافعي: والقول بأن يقع بينهما فصل لا حاصلَ له، فإن التكليفَ بما في الوسع والفصل الذي لا [يحسن] (٣) لا عبرةَ به. قلت: وهذا نازع إلى أن المنتسب إلى الضدين لا تكليف عليه بهما (٤) كما تقدم إلا أن هذا أصل إيلاجه حلال بخلاف الغاصب، فنظيره: مَنْ وقع على جريح بغير اختيار منه. قال: ومسألة الصّوم ممنوعة إن تحقّق وقوع الإيلاج في اللَّيل، ولا فرق بين الصورتين. قلت: هذا نظير مسألة الإمام، وقد قال بالجواز.

стр. 552

هَلِ الْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ مَسْأَلَةٌ: الْمَنْدُوبُ مَأْمُورٌ بِهِ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَالرَّازِيِّ. لنَا: أَنَّهُ طَاعَةٌ،. . . وذكر ابن الأَنْبَاري أن ما قاله الإمامُ ضعيف؛ لأن مدار مسألة النزع عليه على أنه وطئ فيفطر به أم لا فلا، سواء كان متعمدًا أم ناسيًا. قلت: قد يقول الإمام: هو وطءٌ إن كان متعمّدًا، غير وطي إن كان ناسيًا، وهذا لأن النَّزْع صالح [لأن (١) يكون] وطئًا؛ لما فيه من نوع الاستمتاع. وألَّا يكون لكونه خروجًا ضروريًا فيميزه القصد فيتجه ما قاله. والإمام قد قال: نظير هذا فيما إذا طلع الفجر وهو يجامع (٢) وعلم به فمكث، حيث رَدّ على من قال: ينعقد صومه، ثم يفسد بأن النَّزع إنما لا ينافي الصوم إذا قصد الترك. أما إذا لم يقصد فينافيه، فانظر كيف فرق بين القصد وعدمه فرقًا يتغير به حكمه. ومن فروع المسألة: اختلاف أصحابنا فيمن أحرم نازعًا عن الجماع، هل ينعقد صحيحًا أو فاسدًا، أو لا ينعقد أصلًا؟ حكاه ابن الرفعة (٣)، والشيخ الإمام أبي في "شرح المنهاج". وكذلك الصَّائم (٤) - هل انعقد ثم فسد كما قلناه - واختاره أبي ﵀ وأطال البحث فيه - أو لم ينعقد كما نص الإمام. «مسألة» الشرح: "المندوب مأمور به" حقيقة، وهو رأي القاضي، "خلافًا للكرخي والرَّازي" من

стр. 553

وَأنَّهُمْ قَسَّمُوا الْأَمَرَ إلَى إِيجَابٍ وَنَدْبٍ. الحنفية، والشيخ أبي حامد، والقاضى أبي الطيب، وابن الصَّبَّاع، وابن السَّمعاني، والإمام الرَّازي وغيرهم من الشافعية (١). فإن قلت: كيف يكون المندوب عند المصنّف كذلك، وسيقول في باب الأمر: إن صيغةَ: "افعل" حقيقة في الوجوب. قلت: الكلام هنا في الأمر - أمر - لا في صيغة "افعل"، والأمر مقول على الواجب والمندوب بالحقيقة. و"افعل" مختصة بالوجوب، فالندب (٢) مأمور به حقيقة، ولا يدخل فيه صيغة "افعل"

стр. 554

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حقيقة، هذا ما تحررّ من كلام المصنّف، وبه يظهر أن كلامه غير مختلف، ولولا ذلك لناقض كلامه هنا ما قاله في باب الأمر، وهذه طريقة الآمدي. وطريقة الإمام الرازي: أنه لا فرق بين الأمر وصيغة "افعل". ويعضد (١) طريقة الآمدي تصريح بعض أصحابنا بأن الأمر حقيقةٌ في الوجوب، مع أن المندوب مأمور به حقيقة كما نقله الشيخ أبو حامد، وابن السَّمعاني وغيرهما، إلا أنهما صرحا بأن مأخذ هذا القائل أن الواجب ما يُثَاب [على] (٢) فعله، ويعاقب على تركه، والمندوب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، فإذا استعمل الأمر في الندب، فقد استعمل في بعض ما اشتمل عليه الواجب فكان حقيقة كحمل العموم على بعض ما يتناوله. ولذلك قال سليم الرَّازي في "التقريب": ونقله عن كثر أصحابنا، ونقل كونه مجازًا عن أهل "العراق". قلت: وهذا فيه نظر من وجهين: أحدهما: أن اللفظ إذا أطلق على بَعْضِ مدلوله الحقيقي كان (٣) مجازًا، وكذلك (٤) نقول (٥): في العام يطلق على الخاص. والثاني: أن المندوب ليس بَعْضَ الواجب، بل هو قسيمه، وإن اشتركا في الثواب على الفعل، فافهم ذلك. قال: "لنا" وجهان: أحدهما: "أنه طاعة" إجماعًا، ولذلك يعقد الفقهاء باب صلاة التطوع للنَّوَافل، والطاعة امتثال الأمر، فيكون مأمورًا به. والثاني: "أنهم قسموا الأمر إلى إيجاب وندب"، ومورد التقسيم مشترك بين القسمين. وقد يمنع كبرى الأول، ويقال: الطَّاعة فعل المطلوب، وهو أعم من الأمر، والمندوب طاعة؛ لأنه مقتضى ممن له الاقتضاء. قال ابن القشيري: وربما كان طاعةً لورود الوعد بالثَّوَاب عليه. وقد يمنع صغرى الثَّاني ويقال: لا نسلّم أنهم قسموا.

стр. 555

قَالُوا: لَوْ كَانَ، لَكَانَ تَرْكُهُ مَعْصِيَةً؛ لأِنَّهَا مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ، وَلَمَا صَحَّ "لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ". قُلنا: الْمَعْنَى أَمْرُ الإِيجَاب فِيهِمَا. الشرح: "قالوا: لو كان" مأمورًا به لكان "تركه معصيةً؛ لأنها" - أي: المعصية - "مخالفة الأمر ولمَّا صح" قوله ﵇: "لَوْلَا أنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ" (١) رواه البُخَاري ومسلم؛ لأنه ندبهم إليه. وقال الشَّافعي رضي الله تعالى عنه: لو كان واجبًا لأمرهم به، شَقّ أم لم يَشُقّ عليهم. "قلنا": "نعني أمر الإيجاب فيهما" - أي: في قولكم: المعصية مخالفة الأمر، وقوله ﵇: "لأمرتهم" - لا مطلق الأمر. وهذا وإن كان خلاف الأصل، ولكن يصار إليه بما ذكرناه من الدليل. ولقائل أن يقول: هذا يقال لك أيضًا في باب الأمر، حيث قلت: تارك المأمور عاصٍ بدليل: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣].

стр. 556

مَسْأَلَةٌ: الْمَنْدُوبُ لَيْسَ بِتكْلِيفٍ، خِلَافًا لِلأُسْتَاذِ؛، وَهِيَ لفظِيَّةٌ. فنقول (١): المعنى بما يعصي (٢) بتركه أمر الإيجاب بما ذكرناه من الدليل. «مسألة» الشرح: "المندوب ليس بتكليف، خلافًا للأستاذ"، والقاضى وهى مسألةٌ "لفظية" راجعة إلى تفسير التكليف فيهما (٣). يقولان: الدعاء إلى ما فيه كُلْفَة ومَشَقَّة، والنوافل من ذلك، ونحن نقول: بل إلزام ما فيه كُلْفَة" (٤).

стр. 557

مَبَاحِثُ المَكْرُوهِ (١) مَسْأَلَةٌ: الْمَكْرُوهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ، كَالْمَنْدُوبِ، وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْحَرَامِ، وَعَلَى تَرْكِ الأَوْلَى. «مسألة» الشرح: "المَكْرُوهُ" فيه أبْحَاث. أحدها: "منهي عنه".

стр. 558

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والثاني: أنه "غير مكلّف به" على المُخْتَار فيهما، "كالمندوب" مأمور غير مكلف به. والمخالف ثمَّ مخالف هنا. والثالث: أنه "يطلق أيضًا على الحَرَام". وهو كثير في كلام الشَّافعي وغيره من الأقدمين، وكانوا يتورَّعُونَ عن استعمال لفظة الحرام والحلال في المُجْتهدات، خشية وفرقًا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦]. "وعلى ترك الأَوْلَى".

стр. 559

تمّ الجزء الأول من كتاب رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب ويليه الجزء الثاني وأوله مسألة إطلاق الجائز على المباح

стр. 560

الْجَائِزُ مَسْأَلَةٌ: يُطْلَقُ الْجَائِزُ عَلَى الْمُبَاحِ، وَعَلَى مَا لَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا أَوْ عَقْلًا، وَعَلَى مَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فِيهِ فِيهِمَا، وَعَلَى الْمَشْكُوكِ فِيهِ فِيهِمَا بِالاعْتِبَارَيْنِ. الْإِبَاحَةُ وَالْمُبَاحُ (١) مَسْأَلَةٌ: الْإِبَاحَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ؛ خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. لنَا: أَنَّهَا خِطَابُ الشَّارعِ، قَالُوا: انْتِفَاءُ الْحَرَجِ، وَهُوَ قَبْلَ الشَّرْعِ. «مسألة» الشرح: "يُطْلَقُ الجَائِزُ عَلَى المُبَاحِ. وعلى ما لا يمتنع شرعًا، أو عقلًا". والثاني أعم من الأول، وأخصّ من الثالث. "وعلى ما اسْتَوَى الأمران فيه"، وهما وجوده وعدمه - فيهما - أي: في العَقْلِ والشَّرْع سواء استويا شرعًا كالمباح، أو عقلًا كفعل الرَّضيع. "وعلى المَشْكُوك فيه فيهما بالاعتبارين"، اعتبار عدم الامتناع شرعًا كان أو عقلًا، واعتبار استواء الطرفين. «مسألة» الشرح: "الإباحة حكم شرعي خلافًا لبعض المعتزلة". "لنا: أنها خطاب الشَّارع"، وكانت حكمًا شرعيًّا.

стр. 561

مَسْأَلَةٌ: الْمُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، خِلَافًا لِلْكَعْبِيِّ. لَنَا: أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ وَلَا تَرْجِيحَ. "قالوا": بل هي" [انتفاء] (١) الحرج، وهو": ثابت "قبل الشرع"، وما يثبت (٢) قبل الشرع لا يكون شرعيًّا. قلنا: كلامنا في التخيير بخطاب الشارع، لا بالبراءة الأصلية، والخلاف لفظي، ناشئ عن تفسير الإباحة (٣). "مسألة" الشرح: "المُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ (٤).

стр. 562

قَالَ: كُلُّ مُبَاحٍ تُرِكَ حَرَامٌ، وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ، وَمَا لَا يَتِمُّ. . . . . خلافًا للكَعْبيّ" (١) وشيعته حيث قالوا: المباح مأمور به، دون الأمر بالندب فالندب (٢) دون أمر الإيجاب، كذا نقل (٣) عنهم القاضي والغَزَالي وغيرهما. ثم لا يقولون: إنه مأمور به باعتبار ذاته، بل باعتبار أنه يترك به الحرام. وقيل: بل أنكر المُباح في الشَّريعة رأسًا. وهذا ما نقله عنه إمامُ الحرمين وابن برهان والآمدي وغيرهم، والأول عندي أثبت، وعليه جرى المصنّف. "لنا: [أن] (٤) الأمر طلب، والطلبُ يستلزم الترجيح" ترجيح الفِعْل على الترك "ولا ترجيح" في المباح. الشرح: "قالوا: كلّ مباح ترك حرام، وترك الحرام واجبٌ"، فيكون المباح واجبًا. وإن قيل: ليس ترك الحرام فعل المباح، بل به يحصل. قلنا: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويؤول (٥) الإجماع" في انقسام الأحكام إلى الخمسة "على ذات الفعل" مع قطع النَّظر عما يستلزمه، وهي خمسة باعتبار ذاتها "لا بالنظر إلى ما يستلزم" من توقّف ترك الحرام عليه "جمعًا بين الأدلة" من جهته وجهتنا، ولا يمنع كون الشيء مباحا باعتبارٍ، واجبًا باعتبار آخر، كالواجب الحرام باعتبارين. "[وأجيب بجوابين:

стр. 563

الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَتَأَوَّلَ الإجْمَاعَ عَلَى ذَاتِ الْفِعْلِ لَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَسْتَلْزمُ جَمْعًا بينَ الْأَدِلَّةِ. وَأُجيبَ بِجَوَابَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ غيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِذلِكَ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَفِيهِ تَسْلِيمُ أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ، فَمَا فَعَلَه، فَهُوَ وَاجِبٌ قَطْعًا. الثانِي: إِلْزَامُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ حَرَامٌ، إِذَا تُرِكَ بِهَا وَاجِبٌ، وَهُوَ يَلْتَزِمُهُ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ. "وَلَا مُخَلِّصَ إِلَّا بِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الموَاجِبُ إِلَّا بِهِ مِنْ عقْلِيٍّ أَوْ عَادِيٍّ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. أحدهما: أنه" - أي: المباح - "غير معين لذلك] " (١)، لإمكان الترك بغيره من واجب وندب ومكروه "فليس بواجب". وهو ضعيف، إذ "فيه تسليم أن الواجب واحد"، من الأضداد لا بعينه. أما من الواجبات أو المندوبات، أو المكروهات، "فما فعله فهو (٢) واجب قطعًا"، لتعينه بفعله فإذا اختار المكلف فعل المباح كان واجبًا. "الثاني: إلزامه أن الصلاة حرام، إذ [تركها بـ،] (٣) واجب" من جهة ترك ذلك الواجب "وهو يلزمه باعتبار الجهتين". الشرح: فقد لاح سقوط الجوابين، "ولا مُخَلّص" عما قاله الكَعْبِي "إلا بأن ما لا يتم الواجب إِلَّا به [من] (٤) عَقْلي أو عادي (٥) فليس بواجب" وهو اختيار المصنّف، ولعل هذا هو الذي دعاه إلى اختيار ذلك. وَالحَقُّ عندنا: أن ما لا يتم الواجب المطلق المقدور إلا به فهو واجب مطلقًا وأن ما قاله [الكَعْبِيُّ حَقّ باعتبار الجِهَتَيْنِ، نعم ينكر عليه تخصيصه] (٦) المُبَاح بذلك، وما ذكره فيه آتٍ في غيره من الأحكام، فليحكم على كل منهما بالجهتين، وهو الظَّاهر، ونشدّد النكير عليه إن صح عنه إنكار المباح رأسًا فإن دليله لا ينهض به، وألزم على ذلك الخروج عما عليه عصابة المُسْلمين من انقسام الأحكام إلى الخمسة.

стр. 564

وَقَوْلُ الْأُسْتَاذِ: "الْإِبَاحَةُ تَكْلِيفٌ" بَعِيدٌ. وأنا أقول: إن أنكر وجدان شيء استوى الطرفان فيه شرعًا باعتبار ذاته فقد خرق حجاب الهيئة (١) بلا شكٍ، وجحد كثيرًا مما وقع عليه الإجماعُ. وإن قال: لا أنكر ذلك ولكن أنكر تسميته بالمُبَاح فهو خارج عن اصطلاح حملة (٢) الشَّريعة في تسميتهم ما استوى الطرفان فيه بالمباح، ولا أستطيع أن أقول: إنه مرتكب بذلك حرامًا، إذ غايته الخروج عن (٣) أمر اصطلاحي، وليس فيه مخالفة حكم شرعي ولا جحوده. الشرح: "وقول الأستاذ: الإباحة تكليفٌ بعيدٌ" (٤) أبعد مما قاله في المَنْدُوب والمكروه؛ لأن الإباحة لا كُلْفةَ فيها، بخلافهما، ولذلك خالفه هنا من وافقه فيهما، وهو قد قال: إن مراده وجوب اعتقاد الإباحة. وهذا فيه رَدّ الكلام إلى الواجب، وهو من التكليف بلا ريب، ثم الخلاف لفظي.

стр. 565

الْمُبَاحُ لَيْسَ بِجِنْسٍ لِلْوَاجِبِ مَسْأَلَةٌ: الْمُبَاحُ لَيْسَ بِجِنْسٍ لِلْوَاجِبِ، بَكْ هُمَا نَوْعَانِ لِلْحُكْمِ. لنَا: لَوْ. . . . «مسألة» الشرح: "المُبَاح ليس بجنسِ للواجبِ" (١) - خلافًا لبعضهم - "بل هما نوعان للحكمِ" مندرجان تحته مع تباينهما.
следующие страницы →