مَسْأَلَةٌ:
الْمُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ، خِلَافًا لِلْكَعْبِيِّ. لَنَا: أَنَّ الْأَمْرَ طَلَبٌ يَسْتَلْزِمُ التَّرْجِيحَ وَلَا تَرْجِيحَ.
"قالوا": بل هي" [انتفاء] (١) الحرج، وهو": ثابت "قبل الشرع"، وما يثبت (٢) قبل الشرع لا يكون شرعيًّا.
قلنا: كلامنا في التخيير بخطاب الشارع، لا بالبراءة الأصلية، والخلاف لفظي، ناشئ عن تفسير الإباحة (٣).
"مسألة"
الشرح: "المُبَاحُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ (٤).
стр. 562
قَالَ: كُلُّ مُبَاحٍ تُرِكَ حَرَامٌ، وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ، وَمَا لَا يَتِمُّ. . . . .
خلافًا للكَعْبيّ" (١) وشيعته حيث قالوا: المباح مأمور به، دون الأمر بالندب فالندب (٢) دون أمر الإيجاب، كذا نقل (٣) عنهم القاضي والغَزَالي وغيرهما.
ثم لا يقولون: إنه مأمور به باعتبار ذاته، بل باعتبار أنه يترك به الحرام. وقيل: بل أنكر المُباح في الشَّريعة رأسًا.
وهذا ما نقله عنه إمامُ الحرمين وابن برهان والآمدي وغيرهم، والأول عندي أثبت، وعليه جرى المصنّف.
"لنا: [أن] (٤) الأمر طلب، والطلبُ يستلزم الترجيح" ترجيح الفِعْل على الترك "ولا ترجيح" في المباح.
الشرح: "قالوا: كلّ مباح ترك حرام، وترك الحرام واجبٌ"، فيكون المباح واجبًا.
وإن قيل: ليس ترك الحرام فعل المباح، بل به يحصل.
قلنا: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويؤول (٥) الإجماع" في انقسام الأحكام إلى الخمسة "على ذات الفعل" مع قطع النَّظر عما يستلزمه، وهي خمسة باعتبار ذاتها "لا بالنظر إلى ما يستلزم" من توقّف ترك الحرام عليه "جمعًا بين الأدلة" من جهته وجهتنا، ولا يمنع كون الشيء مباحا باعتبارٍ، واجبًا باعتبار آخر، كالواجب الحرام باعتبارين.
"[وأجيب بجوابين:
стр. 563
الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَتَأَوَّلَ الإجْمَاعَ عَلَى ذَاتِ الْفِعْلِ لَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَسْتَلْزمُ جَمْعًا بينَ الْأَدِلَّةِ. وَأُجيبَ بِجَوَابَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ غيْرُ مُتَعَيَّنٍ لِذلِكَ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَفِيهِ تَسْلِيمُ أَنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ، فَمَا فَعَلَه، فَهُوَ وَاجِبٌ قَطْعًا. الثانِي: إِلْزَامُهُ أَنَّ الصَّلَاةَ حَرَامٌ، إِذَا تُرِكَ بِهَا وَاجِبٌ، وَهُوَ يَلْتَزِمُهُ بِاعْتِبَارِ الْجِهَتَيْنِ.
"وَلَا مُخَلِّصَ إِلَّا بِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الموَاجِبُ إِلَّا بِهِ مِنْ عقْلِيٍّ أَوْ عَادِيٍّ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
أحدهما: أنه" - أي: المباح - "غير معين لذلك] " (١)، لإمكان الترك بغيره من واجب وندب ومكروه "فليس بواجب".
وهو ضعيف، إذ "فيه تسليم أن الواجب واحد"، من الأضداد لا بعينه.
أما من الواجبات أو المندوبات، أو المكروهات، "فما فعله فهو (٢) واجب قطعًا"، لتعينه بفعله فإذا اختار المكلف فعل المباح كان واجبًا.
"الثاني: إلزامه أن الصلاة حرام، إذ [تركها بـ،] (٣) واجب" من جهة ترك ذلك الواجب "وهو يلزمه باعتبار الجهتين".
الشرح: فقد لاح سقوط الجوابين، "ولا مُخَلّص" عما قاله الكَعْبِي "إلا بأن ما لا يتم الواجب إِلَّا به [من] (٤) عَقْلي أو عادي (٥) فليس بواجب" وهو اختيار المصنّف، ولعل هذا هو الذي دعاه إلى اختيار ذلك.
وَالحَقُّ عندنا: أن ما لا يتم الواجب المطلق المقدور إلا به فهو واجب مطلقًا وأن ما قاله [الكَعْبِيُّ حَقّ باعتبار الجِهَتَيْنِ، نعم ينكر عليه تخصيصه] (٦) المُبَاح بذلك، وما ذكره فيه آتٍ في غيره من الأحكام، فليحكم على كل منهما بالجهتين، وهو الظَّاهر، ونشدّد النكير عليه إن صح عنه إنكار المباح رأسًا فإن دليله لا ينهض به، وألزم على ذلك الخروج عما عليه عصابة المُسْلمين من انقسام الأحكام إلى الخمسة.
стр. 564
وَقَوْلُ الْأُسْتَاذِ: "الْإِبَاحَةُ تَكْلِيفٌ" بَعِيدٌ.
وأنا أقول: إن أنكر وجدان شيء استوى الطرفان فيه شرعًا باعتبار ذاته فقد خرق حجاب الهيئة (١) بلا شكٍ، وجحد كثيرًا مما وقع عليه الإجماعُ.
وإن قال: لا أنكر ذلك ولكن أنكر تسميته بالمُبَاح فهو خارج عن اصطلاح حملة (٢) الشَّريعة في تسميتهم ما استوى الطرفان فيه بالمباح، ولا أستطيع أن أقول: إنه مرتكب بذلك حرامًا، إذ غايته الخروج عن (٣) أمر اصطلاحي، وليس فيه مخالفة حكم شرعي ولا جحوده.
الشرح: "وقول الأستاذ: الإباحة تكليفٌ بعيدٌ" (٤) أبعد مما قاله في المَنْدُوب والمكروه؛ لأن الإباحة لا كُلْفةَ فيها، بخلافهما، ولذلك خالفه هنا من وافقه فيهما، وهو قد قال: إن مراده وجوب اعتقاد الإباحة.
وهذا فيه رَدّ الكلام إلى الواجب، وهو من التكليف بلا ريب، ثم الخلاف لفظي.
كَانَ جِنْسَه، لَاسْتَلْزَمَ النَّوْعُ التَّخْيِيرَ. قَالُوا: مَأْذُونٌ فِيهِمَا، وَاخْتُصَّ الْوَاجِب، قُلنَا: تَرَكْتُمْ فَصْلَ الْمُبَاحِ.
خِطَابُ الْوَضْعِ
مَسْأَلَةٌ:
خِطَابُ الْوَضْعِ، كَالْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ بِالسَّبَبِيَّةِ الْوَقْتِيَّةِ؛. . . .
"لنا: لو كان المُبَاح جنسه لاستلزم النَّوع" - وهو الواجب - "التخيير"، ضرورة استلزام النوع لجنسه، فيكون الواجب مخيرًا، وهو باطل.
"قالوا": المُبَاح والواجب "مأذون فيهما، واختص الواجب" بفصل المنع من الترك استلزام مع الثواب على الفعل.
"قلنا: تركتم فصل المُبَاح" الذي به يتميّز عن الواجب، وهو عدم الذَّمّ على الترك ثُمَّ توهّمتم الجنسيَّة.
«مسألة»
الشرح: "خطابُ الوضعِ" (١) سبق أن المصنّف يرى دخوله في جملة الأحكام، وهو ورود بكون (٢) الشيء سببًا ومانعًا وشرطًا، فعلى هذا لله - تعالى - في كلّ واقعة رتّب الحكم فيها على وصف أو حكمة - إن جوزنا التعليل بهما حكمان:
أحدهما: نفس الحكم المترتّب (٣) على الوصف.
والثَّاني: سببية ذلك الوَصْفِ.
والمغايرةُ بينهما ظاهرة، وصحَّة القياس في الأول متَّفق عليها بين القياسيين (٤)، وفي الثاني مختلف فيها، ونفس الحكم قد يثبت بدون السَّببية، وبالعكس كما في صورة المانع ثم الوضع "كالحكم على الوصف (٥) المعين بالسَّببية".
стр. 567
كَالزَّوَالِ، وَالْمَعْنَوِيَّةِ؛ كَالإِسْكَارِ وَالْمِلْكِ وَالضَّمَانِ وَالْعقُوبَاتِ، وَبِالْمَانِعِيَّةِ لِلْحُكْمِ؛ لِحِكْمَةٍ
والسَّببُ شرعًا هو: الوصف الظَّاهر المنضبط الذي دلَّ السَّمع على كونه معرفًا للحكم الشرعي (١).
ويحتاج الآمدي والمصنّف [إلى] أن يزيدا: وفيه باعث؛ لقولهما: إنَّ العلَّة بالباعث.
وقسَّم المصنّفُ السَّببَ إلى وقتي ومعنوي، وقال: "الوقتية كالزَّوال"، فإنه سبب لوجوب الظهر، "والمعنوية كالإسكار"، فإنه أمر معنوي معرف لتحريم النبيذ" [والملك"، فإنه جعل سببًا لإباحة الانتفاع] (٢)، "والضمان" (٣) للمطالبة، "والعقوبات" لوجوب القصاص أو الدية، ونحو ذلك.
وتقسيم المصنّف السبب إلى وقتي (٤) ومعنوي (٥) مدخول؛ إذ الوقتي يجوز أن يكون معنويًا، كالنهي عن الصَّلاة حتَّى ترتفع الشمس قَدْرَ رُمْحٍ، ورب مكاني أيضًا - وهو لا وقتي ولا معنوي. أو مكاني معنوي كما تقول (٦) على أحد القولين: إن دخول "مكَّة" موجب
стр. 568
تَقْتَضِي نَقِيضَ الْحُكْمِ؛ كَالْأُبُوَّةِ فِي الْقِصَاصِ، وَللسَّبَبِ؛ لِحِكْمَةِ تُخِلُّ بِحِكْمَةِ السَّبَبِ؛
للإحرام (١) بحجٍّ أو عمرة إذا كان لحاجةٍ لا تتكرر، وكالصلاة في الدَّار المغصوبةِ، وأمثال ذلك يكثر.
والآمدي إنما قسَّمه إلى معنوي وغيره، وهو الأسَدُّ.
ومن خطاب الوضع الحكم على وصف بالمانع (٢) - أي: بكونه مانعًا، وهو ضربان:
стр. 569
كَالْدَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَلْزِمُ عَدَمَه، فَهُوَ شَرْطٌ فِيهِمَا؛ كَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالطَّهَارَةِ.
أحدهما: أن يكون مانعًا "للحكم" وهو: الوصف الوجودي الظَّاهر المنضبط المستلزم "لحكمة [تقتضي نقيض الحكم"، حكم السبب مع بقاء حكمة السبب "كالأبوة في" منع "القصاص" (١) مع وجود القتل للولد، مع اشتمالها على حكمة تقتضي عدم القِصَاص، وهي أن
стр. 570
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأب سبب لوجوده فلا يحسن أن يكون هو سببًا لإعدامه (١) مع بقاء حكمة السَّبب، وهو حياة الإنسان.
والثاني: أن يكون مانعًا للسبب - سبب الحكم.
стр. 571
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومانع السَّبب هو: الوصف الوجودي المقتضي الظَّاهر المنضبط المستلزم "لحكمة تخل بحكمة السَّبب كالدَّين في الزَّكاة" (١) في ملك النّصاب، فإن السَّبب النصاب، والحكمة سد خلة الأصناف، والمانعُ يخلّ بحكمة السبب.
وقد اتبع المصنّف في هذا المثال الآمدي (٢) - وهو غير آتٍ على الصحيح من مذهبنا، سواء قصد به الدين المكاني على (٣) مالك النِّصاب أم الدين الثابت له على غيره؛ إذا حال حوله، فإنَّ وجوب الزكاة لا يمنع بشيء من الصورتين على الصحيح.
ومن خطاب الوضع الحكم على الوصف بأنه شرط، "فإن" لم يكن وجود الوصف مستلزمًا للإخلال بل "كان المستلزم" لذلك "عدمه [وهو شرط] " (٤) فيهما - أي: في الحكم وسببه - وهو إما شرط في (٥) الحكم "كالقدرة على التسليم"، فإن ثبوت المِلْك حكم، وصحة البيع سببه، وإباحة الانتفاع حكمه صحة البيع، والقدرة على التَّسْليم شرط صحة البيع؛ لأن عدم القدرة على التسليم، يستلزم عدم القُدْرة على الانتفاع الموجب لإخلال إباحة الانتفاع.
وأما شرط السَّببية نحو "الطَّهارة" (٦) في الصلاة، فإن حصولَ الثواب حكمٌ، والصَّلاةُ سببٌ،
стр. 572
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحكمتها التوجّه إلى جناب الحق تعالى، والطهارة شرط الصلاة (١)، فإن عدم الطهارة يستلزم ما يقتضي نقيض الحكم - أعني (٢): عدم حصول الثواب مع بقاء حكمة الصلاة (٣).
стр. 573
وَأَمَّا الصِّحَّةُ وَالْبُطْلَانُ أَوِ الْحُكْمُ بِهِمَا، فَأَمْرٌ عَقْلِيٌّ؛ لأِنَّهَا إِمَّا كَوْنُ. . . .
الشرح: "وأما الصحة (١) والبطلان، أو الحكم بهما فأمر عقلي؛ لأنها" - أي: الصحة الكائنة في العبادات، فهي "إما كون الفعل مسقطًا للقضاء" كما يقول الفقهاء، "وإما موافقة أمر الشَّارع" كما يقول المتكلمون.
وعلى [خلافهما تنبني] (٢) صلاةُ من ظَنّ أنه متطهّرٌ.
وقد يكون في المُعَاملات، وهي ترتب الأَثَرِ.
وصحَّة العبادات لا تكون من أحكام الوضع كما قلناه؛ لأنه بعدَ ورود الشَّرْع بالفعل يكون الفعل موافقًا للأمر أو مخالفًا، ومسقطًا للقضاء، أو غير مسقط غير محتاج إلى التوقيف من الشرع، بل يعرف بمجرّد العَقْل، فهو كونه مؤديًا للصلاة، أو تاركًا لها، كذا قال، وفيه نظرٌ.
والصَّوابُ عندنا أن الصِّحة والبطلان والحكم بهما أمور شرعية، وكون الفعل مسقطًا أو موافقًا للشَّرْع هو من فعل الله - تعالى - وتصييره (٣) إياه سببًا لذلك، فما الموافقة ولا الإسقاط (٤) بعقليين؛ لأنَّ للشرع فيهما مدخلًا، ولو لم تكن الصِّحة شرعية لم يقض القاضي بها عند اجتماع شرائطها، لكنه يقضي بالصِّحة إجماعًا فدلَّ أنها شرعية؛ إذ لا مَدْخل للأقضية في العقليات.
والعَجَبُ كلُّ العجب ممن يرى أن خطاب الوضع حكم شرعي، لم لا يرى الصحةَ حكمًا شرعيًّا؟ ولو قال هذه المقالة مَنْ لا يرى ذلك لرددناها عليه، فما ظنّك بمن يراها.
стр. 574
الْفِعْلٍ مُسْقِطًا لِلْقَضَاءِ، وَإِمَّا مُوَافَقَةُ أَمْرِ الشَّرْعِ، وَالْبُطْلَانُ وَالْفَسَادُ نَقِيضُهَا. الْحَنَفِيَّةُ: الْفَاسِدُ
" والبُطْلان والفساد نقيضها" - أي: نقيض الصّحة عندنا.
وقالت "الحنفية: الفاسد (١) المشروع بأصله الممنوع" بوصفه؛ كبيع درهم بدرهمين، فإنَّ العوضين قابلان للبيع، ولكن جاء الخَلَلُ من [قبل] (٢) الزيادة، والباطل ما لم يشرع بأصله، ولا وصفه، كبيع الميتة بالدَّم، فإنهما غير قَابلين لِلْبَيْعِ.
ثم الفَاسِدُ عندهم إذا اتَّصل بالقبض أفاد ملكًا خبيثًا، والباطلُ لا يفيد شيئًا.
والخَطْب في هذه المسألة يسير؛ إذ هو آيل إلى الاصطلاح، فإن ثبت لهم إفادة بعض البياعات (٣) الفاسدة شيئًا فليسموه بما شاءوا.
وإنما يعطي الخطب عند متفقّهة (٤) الشَّافعية إذا مرت بهم فروع، فرَّق فيها الأصحاب بين الباطل والفاسد، حيث يظنون بها مناقضتهم لأصلهم فلنسردها ثم نفصح عن سردها فمنها:
الخُلعْ (٥). . . .
стр. 575
الْمَشْرُوعُ بِأَصْلِهِ، الْمَمْنُوعُ بِوَصْفِهِ.
والكتابة (١)، الباطل فيهما ما كان على غير عوضٍ مقصود كالميتة، أو رجعَ إلى خلل كالصِّغر والسَّفَه (٢)، والفاسد خلافه.
وحُكْم الباطل أنه (٣) لا يترتّب عليه شيء، والفاسد يترتب عليه العِتْقُ والطَّلاق، ويرجع الزوج بالمهر، والسيد بالقيمة.
стр. 576
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنها: الحج يبطل بالزيادة، ويفسد بالجِمَاعِ (١)، وحكم الباطل أنه لا يجب قضاؤه، ولا يمضي فيه، بخلاف الفاسد.
هذا حكم ما يطرأ، وأما الفاسد ابتداء فإذا أحرم بالعمرة، ثم جامع ثم أدخل عليها الحج، فالأصحُّ ينعقدُ فاسدًا.
وقيل: صحيحًا.
وقيل: لا ينعقد - قاله في "الروضة" في باب الإحرام.
стр. 577
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأمَّا إذا أحرم وهو مجامعٌ، فينعقد فاسدًا أيضًا على الأصح - قاله الرَّافعي في باب المواقيت (١) قبل الميقات المَكَاني، وصحَّح النَّووي في "باب محرّمات الإحرام" عدم الانعقاد.
стр. 578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنها: العارية (١) قال الغزالي في "الوسيط" بعد حكاية الخلاف في إعارة الدراهم والدَّنانير: فإن أبطلناها ففي طريقة "العراق" (٢) أنها مضمونة، لأنها إعارةٌ فاسدةٌ، وفي طريقة
стр. 579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"المَرَاوزة" (١). أنها غير مضمونة؛ لأنها غير قابلة للإعارة، فهي باطلة.
ومنها: الإجارة (٢) الفاسدة، يجب بها أجرة المِثْلِ.
стр. 580
وَأَمَّا الرُّخْصَة، فَالْمَشْرُوعُ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ لَوْلَا الْعُذْرُ؛. . . .
وأما إذا استأجر - مثلًا - صبيٌّ رجلًا بالغًا فعمل عملًا لم يستحق شيئًا؛ لأنه الذي فَوَّت على نفسه عمله، وتكون باطلة.
ومنها: لو قال للمديون: اعزل قدر حَقِّي، فعزل، ثم قال: قارضتك عليه لم يصحّ؛ لأنه لا يملكه بالعزل، فإذا تصرف المأمورُ بأن اشترى بالعين فهو ملك له، وإن اشترى في الذمة للقراضِ ولغيره فوجهان:
أحدهما: الشراء للقراض، ويكون قراضًا فاسدًا، وله الأجرة والربح لبيت المال.
والثاني: لا يكون قراضًا (١) لا فاسدًا ولا صحيحًا، بل هو باطلٌ.
ومنها: لو قال: بعتك، ولم يذكر ثمنًا، وسلَّم، وتلفت العين في يد المشتري، هل عليه قيمتها؟ وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه بيعٌ فاسدٌ.
والثاني: لا؛ لأنه ليس بيعًا أصلًا، فيكون أمانة، وهذا ما حضرنا منها.
واعلم أنَّا فرقنا في هذه الفروع - كما عبمت - بيد أنا لم نَرُمْ مَرَامَ الحنفية، ولم [نَنْحُ] (٢) طريقتهم؛ لأنهم يثبتون بيعًا فاسدًا يترتب عليه مع القبض أحكام شرعية. ونحن لا [نغفل] (٣) ذلك، وإنما العقود لها صورة لغةً وعرفًا من عاقد ومعقود عليه، وصيغة، ولها شروط شرعية.
فإن وجدت كلها فهو الصحيح، وإن فقد العاقد أو المعقود عليه، أو الصيغة وما يقوم مقامها فلا عقد ألبتة، وتسميته باطلًا مجاز، وإن وجدت وقارنها (٤) مفسد من عدم شرط أو نحوه فهو فاسدٌ.
وعندنا هو باطلٌ أيضًا، ولكن يطلق عليه الفاسد لمشابهته للصَّحيح من جهة ترتُّب أثر (٥) ما عليه من أُجْرة مِثْلٍ، وغير ذلك، ولم ننف عنه الإبطال، وإنما سَمَّيناه بالفاسد، وسكتنا عن ذكر الباطل تفرقةً بين ما يترتّب عليه أثر ما، وما لا يترتَّب.
الشرح: واعلم أن الرُّخصةَ من خطاب الاقتضاء لا الوضع، وستعرف انقسامها بحسب ما تؤول (٦) إليه إلى: واجبٍ، ومندوبٍ، ومباحٍ، ولكنَّ المصنّف أوهم أنها من الوضع، إذ
стр. 581
كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، وَالْقَصْرِ وَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَاجِبًا وَمَنْدُوبًا وَمُبَاحًا.
وضعها هنا، وهي قسيم العزيمة.
فأما العزيمةُ (١) فالحكم الأصلي الذي شرعه الشَّارع، ولم يتغير من ذلك الوَضْع بعارض، كالصلوات الخمس والبيع.
"وأما الرُّخصة، فالمشروع لِعُذْرٍ مع قيام المحرم لولا العُذْر"، والمشروع يتناول الفعلَ والكَفّ، وقيد العذر يخرج المشروع لا لعذر كالصَّلاة.
وقوله "مع قيام المحرم": لولا العذر يفهم أن المحرم ليس قائمًا مع العُذرِ، وكأنه يريد بقيامه انتهاضه مترتبًا عليه الحكم، وإلا فسببه قائم مع العذر.
ويحسن أن يحترز بهذا القَيْدِ عن المشروع لِعُذْر، ولكن لا مع قيام المحرم لولا العذر كالإطعام في كَفَّارة الظِّهار، مشروع لِعُذْرِ عدم القُدْرَةِ على الإعتاق، والمحرم غير قائم؛ لأن الإعْتاق عند فقد الرَّقبة لا يكون واجبًا، فلا يكون محرم ترك الإعتاق قائمًا.
وأحسن من هذا التَعريف أن يقال: الرُّخصةُ ما تغير من الحكم الشَّرعي لعذر إلى سهولة، ويسر مع قيام السَّبب للحكم الأصلي "كأكل الميتة للمضطر" (٢).
стр. 582
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال إمامُ الحرمين في "النهاية" في "باب صلاة المسافر": يجوز أن يقال: إنه ليس من الرُّخص لوجوبه، ويجوز أن يُجَاب بالتّيمُّمِ، فإنه واجبٌ على فاقد الماء، وهو معدود من الرُّخص.
وهذا من الإمام تردُّد في أن الوجوب هل بجامع الرُّخصة؟
وكلام غيره أيضًا يدلّ على ذلك، وسننبّه على الجَمْع بين هذا، وبين كلام الأصوليين.
"والقصرُ" للمسافر (١) إذا بلغ سفره ثلاثة أيام، "والفطر في السَّفر
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفي وجه يباح فقط.
ونظيره العاصي بسفره إذا عدم الماء، فأصح الأوجه يلزمه التيمُّم، وإعادة الصلاة.
والثَّاني: يلزمه، ولا إعادةَ.
والثالث: يحرم التيمم، ويجب القضاء "مندوبًا" أي: في القصر، والرُّخصة في الحقيقة ما تضمّنه الواجب والندب من الإحلال، وأما خصوصُ الوجوب والندب فزائد آلت إليه الرخصة بدليل خاصٍّ.
стр. 586
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبهذا يجمع كلام الإمام في "النهاية" وغيره مع كلام الأصوليين.
"ومباحًا" أي: في الفطر، وفيه نظر، فإن مراده بالمُبَاح مستوى الطرفين، فالمسافر إن كان يجهده الصَّوم، فالأفضل الفطر، وإلا فالصَّوم، فلا استواء، فالأولى التمثيل بالسّلم (١) والعرايا (٢)، وأن يجعل الإفطار في السفر مثالًا لخلاف الأوْلَى.
стр. 587
الْمَحْكُومُ فِيهِ والْتَّكلِيفُ بِالْمُحَالِ
مَسْأَلَةٌ:
الْمَحْكُومُ فِيهِ الْأَفْعَالُ. شَرْطُ الْمَطْلُوبِ الْإِمْكَانُ وَنُسِبَ خِلَافُهُ. . . . .
واعلم أن الآمدي (١) شَكَّك في تحقُّق الرخصة بأن العُذْر المرخّص إن كان راجحًا على السبب المحرم كان موجبه عزيمة، وإلا لكان حكمًا ثابتًا براجح مع وجود المعارض المرجوح رخصة، وإن كان مساويًا أو مرجوحًا فبأي شيء يرجّح دليل الرُّخصة، ثم قال: القول بأنه مرجوح هو الأشبه بالرُّخصة، لما فيه من التَّيسير بالعمل بالمَرْجُوح.
قلت: وهذا ضعيف؛ فإن التيسير يصير المرجوح راجحًا إذا كان فيه تشوّف للشارع كما هو الواقع، وكما أن الله يحب أن تؤتى رُخَصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، وهذا كما أنا [لا] (٢) نحكم بإسلام لقيط وجد في مَدِينَةٍ غالب أهلها كُفَّار، أو بحرية [عبد] لقيط في بقعة غالب من فيها عَبِيدٌ فلسنا هنا عاملين بالمَرْجُوح.
وجواب سؤال الآمِدِيّ. أنا نلتزم أن العذر المرخّص راجح.
قوله: يلزم أن يكون كُلّ راجح رخصةً.
قلنا: الرَّاجح قسمان: راجح شُرعَ لعذر، واستفيد رجحانه من دليل خاصّ فهو رخصة أبدًا، وكل خاصّ عارض العام، وكان خروجه لعذر فهو رخصة، وراجح شُرعَ لا لعذر وتسهيل، فلا يلزم فيه هذا.
«مسألة»
الشرح: "المحكوم فيه الأفعال شرط المَطْلوب الإمكان" - عند جمهور المعتزلة، وعليه
стр. 588
إِلَى الْأَشْعَرِيِّ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِمَا عَلِمَ اللهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ لَنَا؛ لَوْ صَحَّ التَّكلِيفُ
شذوذ من أصحابنا منهم المصنّف.
"ونسب خلافه إلى الأشعريِّ" - وهو لم يصرّح به، ولكنه قضيةُ مذهبه، وعليه جماهير أئمّتنا، وهو الحق (١).
والمسألةُ من عَظَائم المشكلات، وقد كثر خوض الخائضين فيها، وتشاجرهم جوازًا ووقوعًا.
والحاصل: أنه يجوز التكليف بالمُحَال عند شيخنا، وأكثر أصحابه سواء كان ذلك محالًا لنفسه أو لغيره (٢).
стр. 589
بِالْمُسْتَحِيلِ، لَكَانَ مُسْتَدْعَى الْحُصُولِ؛ لأَنَّهُ مَعْنَى الطَّلَبِ وَلَا يَصِحُّ؛ لأِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ
وذهب جمهور المعتزلة إلى امتناعه مطلقًا، لا (١) فيما كان ممتنعًا لتعلّق العلم بعدم وقوعه كما مَرّ من [تكليف] (٢) من علم أنه لا [يؤمن] (٣) بالإيمان.
ووافقهم من أصحابنا الشيخ أبو حامد، والغزالي، وابن دقيق العِيدِ (٤).
وفصَّل معتزلة "بغداد"، فمنعوا المحال لِذَاتِهِ دون المُحَال لغيره، وادَّعى الآمدي ميل الغزالي إليه وارتضاه.
وقال الأستاذ أبو إسحاق: إن ورد لم يسم تكليفًا، بل علامة نصبت على عذاب المكلف به.
وقال إمام الحرمين: إن أريد بالتَّكليف بالمحال طلب الفعل، فهو محال من العالم باستحالة وقوع المطلوب، وإن أريد ورود الصيغة، وليس المراد بها طلبًا مثل: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٦٦] فغير ممتنع، وعلى هذا المذهب تنطبق عبارة المصنّف حيث قال: المطلوب، فإنه ليس كلّ ما وردت فيه صيغة الأمر يكون مطلوبًا.
فإن قُلْتَ: كيف حادَ إمام الحرمين، وكذلك الشيخ أبو حامد [والغزالي ومن معهم عن قول الشيخ] (٥)، ووافقوا المعتزلة، ومنع التكليف بالمُحَال لا يمشي على قاعدة أهلِ السُّنةِ.
قلت: هم وإن وافقوهم في الحكم، فالمأخذ مختلف.
وذلك أن مأخذ القدرية أن الآمر يريد وقوع المأمور به، والجمع بين علمه - تعالى - بأنه لا يقع وإرادته وقوعه تناقض.
والإمام بريءٌ من هذا المأخذ، وإنما تصور أن الطلب في نفسه لا يتحقّق مع علم الطالب أن المطلوب بأمره مستحيل.
وأما أشياخنا فتصوروا أن العلم بامتناع وقوعه لا يمنع وقوع الطَّلب.
هذا حكم الجواز.
وأما الوقوع فالممتنع لذاته غير واقع، سواء كان امتناعه مطلقًا لا يختلف (٦) استحالته
стр. 590
وُقُوعُه، وَاسْتِدْعَاءُ حُصُولهِ فَرْعُهُ؛ لأِنَّهُ لَوْ تُصُوِّرَ مُثْبَتًا، لَزِمَ تَصَوُّرُ الْأَمْرِ عَلَى خِلَافِ مَاهِيَّتِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ.
بالنِّسْبة (١) إلى قادرٍ دون قادرٍ كالجمع بين النَّفي والإثبات، أو غير مطلق - وهو قسمان؛ لأنه إما أن يكون واقعًا بالقدرة التي هي (٢) غير مستحيل بالنِّسبة إليها كخلق الأجسام، وبعض الأعراض والطعوم والرّوائح، فإنه مستحيل بالنسبة إلى القدرة الحادثة، دون القديمة، وهو واقع بها، وعلى هذا رأي من يُثبت القدرةَ.
وأما من ينفيها - وهو الحق - فلا يتصوّر اختلاف الاستحالة بالنسبة إلى قدرة دون قدرة، أو يكون غير واقع بها أيضًا، كجبل من ذَهَبٍ وبحر من زِئْبَق.
وأما الممتنع لغيره إما لفقد شرط سواء علم اشتراطه له حسًّا، كالمَشْى من مقطوع الرِّجْل، أو عقلًا، كالقيام في حالة [عدم] (٣) الداعي إليه، أو لوجود مانع، إما حسي، كالقيام من المقيّد بقيد مانع منه، أو عقلي، كالأمر بتحصيل ما علم الله أنه لا يحصل منه، والأمر بالفعل حال التَّلبس بضده، وليس هو المذكور في صدر كلام المصنّف، فإن منه الواقع.
ولا ينبغي لأشعريٍّ أن يَتَلَعْثَمَ (٤) في ذلك، بل كلّ التكاليف عندنا هكذا، لأن الاستطاعةَ عندنا لا تتقدم الفعل مع توجه الأمر قبلها، والعَبْدُ ليس بمخترع فعله، وما يشتبه (٥) من الكسب لا تأثير له بحال كما هو مقرر في الديانات.
وإن وقع اضطراب في النَّقل عن الشيخ، فلعله في وقوع الممتنع لذاته.
ويدّل له تمثيلهم بتكليف أبي جهل بالجَمْع بين النفي والإثبات، لا في جوازه ولا في وقوع الممتنع لغيره.
وهذا واضح لمن تدبّر مذهب الشيخ، وقد صرَّحَ الشيخ في كتاب "الإيجاز" بأن تكليف العاجز الذي لا يقدر على شيء أصلًا، وتكليف المحال الذي لا يقدر عليه المكلف صحيح ثم قال: وقد وجد تكليف الله العِبَاد بما هو مُحَال يصح وجوده خلافًا لبعض أصحابنا. ثم استدل بقضية أبي لهب، وبإجماع الأمة على أن الكافر مكلَّفٌ بالإيمان.
"والإجماع على صحَّة التكليف بما علم الله أنه لا يقع".
стр. 591
فَإِنْ قِيلَ: لَوْ لَمْ يُتَصَوَّرْ، لَمْ يُعْلَمْ إِحَالَةُ الْجمْع بَيْنَ الضِّدَّيْنِ؛ لأِنَّ الْعِلْمَ بِصِفَةِ الشَّيْءِ فَرْعُ تَصَوُّرِهِ. قُلْنَا: الْجَمْعُ الْمُتَصَوَّرُ جَمْعُ الْمُخْتَلِفَاتِ، وَهُوَ الْمَحْكُومُ بِنَفْيِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِهِ مَنْفِيًّا عَنِ الضِّدَّيْنِ تَصَوُّرُهُ مُثْبَتًا.
وهو ضرب من الممتنع لغيره، والجماهير على وقوعه أيضًا، وقد كلف الله الثقلين جميعًا بالإيمان مع قوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].
وإن وجدت على (١) أحد هنا [خلافًا] (٢) فاعلم أنه من القائلين بأن للعبد قدرةً تؤثر، كالقدرية.
فإذن أبو جهل - مثلًا - مكلّف (٣) بالإيمان بإجماع المسلمين مع علم الله تعالى أنه لا يؤمن بإجماع المسلمين، ولم يمنع علم الله بأنه لا يؤمن [من] (٤) تكليفه.
أما عندنا فلأنا نكلّف بالممتنع لغيره، وأما عند غيرنا فلأنه قادرٌ فرَّطَ في حقّ نفسه، فيعاقب على كَفّه عن الإيمان مع قدرته عليه، فافهم هذا.
قال: "لنا لو صَحّ التكليف بالمستحيل" لذاته "لكان مستدعى الحصول، لأنه" - أي: استدعاء الحصول "معنى الطلب، ولا يصح" كونه مستدعى الحصول، "لأنه لا يتصور وقوعه".
"واستدعاء حصوله فرعه" - أي: فرع تصوّر الوقوع - لاستحالة (٥) استدعاء ما لا يتصّور.
وإنما [لا] يتصوّر وقوعه، "لأنه لو تصوّر مثبتًا" (٦) - أي: لو تصور وقوعه من المكلف "لزم تصور الأمر على خلاف ماهِيَّته، وهو محال"، فإن ماهيته تنافي ثبوته، وإلَّا لم يكن ممتنعًا لذاته.
الشرح: "فإن قيل: لو لم يتصور" وقوع المحال "لم يعلم إحالة الجمع بين الضّدين" أي: كان يمتنع التَّصديق بذلك؛ "لأن العلم" - أي: التصديق - "بصفة الشيء فرع" وقوعه.
"قلنا: الجمع المتصوّر جمع المختلفات" - أي: الجمع بين المختلفات التي ليست متضادة "وهو المحكوم بنفيه" عن الضِّدين، "ولا يلزم من تصوره منفيًا عن الضِّدين تصوره مثبتًا"، فلا يلزم تصور وقوع المحال.
стр. 592
فَإِنْ قِيلَ: يُتَصَوَّرُ ذِهْنًا، لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ لا فِي الْخَارجِ - قُلْنَا: فَيَكُونُ الْخَارجُ مُسْتَحِيلًا، وَالذِّهْنِيُّ بِخِلافِهِ، وَأَيْضًا يَكُونُ الْحُكْمُ بِالاِسْتِحَالَةِ عَلَى مَا لَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ، وَأَيْضًا، الْحُكْمُ عَلَى الْخَارجِ يَسْتَدْعِي تَصَوُّرَهُ فِي الْخَارجِ.
الْمُخَالِفُ: لَوْ لَمْ يَصِحَّ، لَمْ تقَعْ، لأِنَّ الْعَاصِيَ مَأْمُورٌ، وَقَدْ عَلِمَ ..........
الشرح: "فإن قيل: يتصور ذهنًا للحكم عليه لا في الخارج" حتى يلزم منه تصوّر الشيء على خلاف ما هو عليه.
"قلنا: فيكون الخارج مستحيلًا والذهني بخلافه"، فلا يكون تصور وقوع الجمع بين الضدين تصور وقوع المُحَال، بل الممكن، وإنما النزاع في تصور وقوع المُحَال.
"وأيضًا يكون حينئذٍ الحكم بالاستحالة على ما ليس بمستحيل"، لعدم الاستحالة ذهنًا.
"وأيضًا الحكم على الخارج يستدعي تصور الخارج" [وإلا فلو لم يتصوّر وقوعه في الخارج استحال الحكم باستحالته، ولا يخفى ضعف هذه الأوجه] (١).
الشرح: [واحتج "المخالف] " (٢) بأنه "لو لم يصح لم يقع"، لكنه وقع "لأن العاصي مأمور" بأن يطيع "وقد علم الله أنه لا يقع "منه أن يطيع، ضرورة أنه عاص لم يقع منه المأمور به، والله يعلم الأشياء على ما هي عليه.
وأيضًا "أخبر أنه لا يؤمن.
وكذلك من علم بموته" قبل تمكّنه من الفعل المأمور به، فإنه يمتنع منه الفعل. وكذلك " [من] (٣) نسخ عنه قبلِ تمكنه" من الفعل.
"ولأن المكلّف لا قُدْرَةَ له إلا حال الفِعْل" كما علم من أصل الشيخ أبي الحسن "وهو حينئذٍ غير مكلف"؛ لأن التكليف استدعاء الفعل على وجه اللزوم، وذلك إنما يكون في المستقبل "فقد كلف" في حال كونه "غير مستطيع لا، وهي حالة ما قبل الفعل.
"ولأن الأفعال"، - أفعال العباد - "مخلوقة لله (٤).
стр. 593
اللَّهُ أنَّهُ لا تقَع، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لا يُؤْمِن، وَكَذلِكَ مَنْ عُلِمَ بِمَوْتِهِ، وَمَنْ نُسِخَ عَنْهُ قَبْلَ تَمَكُّنِهِ،
ومن هذين" اختصاص القدرة بحال المُبَاشرة، وكون الأفعال مخلوقة لله تعالى "نسب
стр. 594
وَلأِنَّ الْمُكَلَّفَ لا قُدْرَةَ لَهُ إِلَّا حَالَ الْفِعْلِ، وَهُوَ حِينَئذٍ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَقَدْ كُلِّفَ غَيْرَ مُسْتَطِيعِ
تكليف المحال إلى الأشعري"، وقد تقدم هنا، وقدمنا أنه صرح في "الأرجانيين"، وإن كان ممتنعًا لذاته فلا حَاجَةَ إلى الاستنباط.
стр. 595
وَلأِنَ الْأَفْعَالَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى؛ وَمِنْ هذَيْنِ، نُسِبَ تكلِيفُ الْمُحَالِ إِلَى ألْأَشْعَرِيِّ. وَأُجِيبَ
وأجيب بأن ذلك لا يمنع تصوّر الوقوع، لجوازه منه - أي: لجواز وقوعه من المكلف في
الجملة.
стр. 596
بِأَنَّ ذلِكَ لا يَمْنَعُ تَصَوُّرَ الْوُقُوعِ لِجَوَازِهِ مِنْهُ فَهُوَ غَيْرُ مَحَل النِّزَاعِ، وَبِأَنَّ ذلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ
وإن كان ممتنعًا بالغير من علم أو خبر، فهو غير مَحَل النزاع، إذ النزاعُ في الممتنع بالذات.
стр. 597
التكالِيفَ كُلَّهَا تكلِيفٌ بِالْمُسْتَحِيلِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالإِجْمَاعِ.
قَالُوا: كَلَّفَ أَبَا جَهْلٍ تَصْدِيقَ رَسُولهِ فِي جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ، وَمِنْهُ ..........
وبأنه (١) يستلزم أن التَّكاليف كلّها تكليف بالمستحيل، لوجود وجوب الفعل أو عدمه لوجوب تعلّق العلم بأحدهما، فيتعين، وهو باطل بالإجماع.
وهذا ساقط، لأن (٢) الشيخ كان يقول: كل التكاليف بالممتنع، ولكن امتناعًا بالغير لا بالذات كما عرفت، والأول (٣) هو المعتمد.
الشرح: "قالوا": لو لم [يَجُزْ] (٤) لم يقع، ولكنه واقع، بدليل أنه - تعالى - "كلف أبا جهل"
стр. 598
أنَّهُ لا يُصَدِّقهُ فَقَدْ كَلَّفَهُ بِأَنْ يُصَدِّقَهُ فِي أَلَّا يُصَدِّقَه، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ أَلَّا يُصَدِّقَهُ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُمْ
ونحوه ممن عام موتهم على الكفر "تصديق رسوله ﷺ في جميع ما جاء به. ومنه لا يصدقه، فقد كلفه بأن يصدقه في ألّا يصدقه، وهو مستلزم ألا يصدقه"، فيكون مكلفًا بأن يصدقه وبألَّا يصدقه، وهو تكليف بالجمع بين الضدين، فيكون التكليف بالمحال لذاته واقعًا.
وهذا وجه اعتمده الشَّيخ، والقاضي ﵄ في كتاب "شرح الإيجاز" واتبعهم الأصحاب كلهم.
"والجواب أنهم كلّفوا بتصديقه، فيما جاء به، وتصديقه ﵇ فيما جاء به أمر ممكن في نفسه، "وإخبار رسوله ﷺ " بأنهم لا [يصدقونه] (١)، "كإخبار نوح ﵇ " في قوله تعالى: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦].
"ولا يخرج الممكن"، وهو إيمان أبي جهل مثلًا "عن الإمكان بخبر" الصَّادق بعدم وقوعه، "أو علم" منه أن ذلك لا يقع، غاية الأمر أنه يكون ممتنعًا بسبب تعلّق الخبر والعلم (٢)، وذلك
стр. 599
كُلِّفُوا بِتَصْدِيقِهِ، وَإِخْبَارُ رَسُولِهِ كَإِخْبَارِ نُوح، ﵇، وَلا يَخْرُجُ الْمُمْكِنُ عَنِ الإِمْكَانِ
امتناع بالغير لا ينافي الإمكان بالذات، فلا يكون تكليفهم به تكليفًا بالممتنع لذاته الذي هو محلّ النزاع.
"نعم لو كلفوا" بتصديقه "بعد علمهم" بأنهم لا يصدقونه "لانتفت فائدة التكليف" التي هي الابتلاء والاختبار، وهو لا يتصور مع علم المكلّف بعدم صدور الفعل منه، "ومثله" أي: مثل التكليف بالفعل مع عدم علم المكلف بعدم وقوعه "غير واقع".
هذا (١) كلام المصنّف، وهو سَاقِطٌ، ولم يبرح كلّ كافر مأمورًا بالإيمان سواء علم من نفسه أنه يؤمن أم لم يعلم، وهذا مما [لا] (٢) يَمْتَرِي فيه مُتَشَرّع.
стр. 600
بِخَبَرٍ أَوْ عِلْمٍ، نَعَمْ، لَوْ كُلِّفُوا بَعْدَ عِلْمِهِمْ، لانْتَفَتْ فَائِدَةُ التكلِيفِ، وَمِثْلُهُ غَيْر وَاقِعٍ.
الشَّرْطُ الشَّرْعِيُّ فِي التَّكلِيفِ
مَسْأَلَةٌ:
حُصُولُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ شَرْطًا فِي التكلِيفِ قَطْعًا، خِلافًا .........
وأجاب القَرَافِيّ عن قصة أبي جهل (١) ونحوه بأن ما تخيل من (٢) التكليف بالجَمْعِ بين الضدين ليس كذلك، وإنما يكون مكلفًا بالجمع بينهما لو كلف بأن يؤمن وبألّا يؤمن، وليس كذلك، بل الصوابُ حذف "الواو" وأنه كلف بأن يؤمن بألَّا يؤمن، وهو مدلول الأمر بالإيمان. وإذا كان مكلفًا بأن يصدق الخبر بأنه لا يؤمن لا يلزم أن يكون مكلفًا بجعل الخبر صادقًا. ألا ترى أن الصادق إذا أخبرك [أن] (٣) زيدًا سيكفر غدًا يجب عليك تصديقه، ثم يحرم عليك أن تجعل زيدًا كافرًا، وأبو جهل والحالة هذه إنما كلف (٤) بأن يصدق بأنه لا يؤمن، سواء كان على الجملة أم على التفصيل، لا بأن يجعل الخبر صادقًا، ويسعى في عدم إيمان (٥) نفسه.
«مسألة»
الشرح: "حصول الشرط الشَّرْعي ليس شرطًا في التكليف" بالمشروط "قطعًا، خلافًا لأصحاب الرَّأي"، حيث قطعوا بكونه شرطًا.
"وهي مفروضةٌ في تكليف الكفَّارِ بالفروع" (٦)، وقد جروا على أصلهم،