← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

بِأَنَّ ذلِكَ لا يَمْنَعُ تَصَوُّرَ الْوُقُوعِ لِجَوَازِهِ مِنْهُ فَهُوَ غَيْرُ مَحَل النِّزَاعِ، وَبِأَنَّ ذلِكَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ وإن كان ممتنعًا بالغير من علم أو خبر، فهو غير مَحَل النزاع، إذ النزاعُ في الممتنع بالذات.

стр. 597

التكالِيفَ كُلَّهَا تكلِيفٌ بِالْمُسْتَحِيلِ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالإِجْمَاعِ. قَالُوا: كَلَّفَ أَبَا جَهْلٍ تَصْدِيقَ رَسُولهِ فِي جَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ، وَمِنْهُ .......... وبأنه (١) يستلزم أن التَّكاليف كلّها تكليف بالمستحيل، لوجود وجوب الفعل أو عدمه لوجوب تعلّق العلم بأحدهما، فيتعين، وهو باطل بالإجماع. وهذا ساقط، لأن (٢) الشيخ كان يقول: كل التكاليف بالممتنع، ولكن امتناعًا بالغير لا بالذات كما عرفت، والأول (٣) هو المعتمد. الشرح: "قالوا": لو لم [يَجُزْ] (٤) لم يقع، ولكنه واقع، بدليل أنه - تعالى - "كلف أبا جهل"

стр. 598

أنَّهُ لا يُصَدِّقهُ فَقَدْ كَلَّفَهُ بِأَنْ يُصَدِّقَهُ فِي أَلَّا يُصَدِّقَه، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ أَلَّا يُصَدِّقَهُ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُمْ ونحوه ممن عام موتهم على الكفر "تصديق رسوله ﷺ في جميع ما جاء به. ومنه لا يصدقه، فقد كلفه بأن يصدقه في ألّا يصدقه، وهو مستلزم ألا يصدقه"، فيكون مكلفًا بأن يصدقه وبألَّا يصدقه، وهو تكليف بالجمع بين الضدين، فيكون التكليف بالمحال لذاته واقعًا. وهذا وجه اعتمده الشَّيخ، والقاضي ﵄ في كتاب "شرح الإيجاز" واتبعهم الأصحاب كلهم. "والجواب أنهم كلّفوا بتصديقه، فيما جاء به، وتصديقه ﵇ فيما جاء به أمر ممكن في نفسه، "وإخبار رسوله ﷺ " بأنهم لا [يصدقونه] (١)، "كإخبار نوح ﵇ " في قوله تعالى: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]. "ولا يخرج الممكن"، وهو إيمان أبي جهل مثلًا "عن الإمكان بخبر" الصَّادق بعدم وقوعه، "أو علم" منه أن ذلك لا يقع، غاية الأمر أنه يكون ممتنعًا بسبب تعلّق الخبر والعلم (٢)، وذلك

стр. 599

كُلِّفُوا بِتَصْدِيقِهِ، وَإِخْبَارُ رَسُولِهِ كَإِخْبَارِ نُوح، ﵇، وَلا يَخْرُجُ الْمُمْكِنُ عَنِ الإِمْكَانِ امتناع بالغير لا ينافي الإمكان بالذات، فلا يكون تكليفهم به تكليفًا بالممتنع لذاته الذي هو محلّ النزاع. "نعم لو كلفوا" بتصديقه "بعد علمهم" بأنهم لا يصدقونه "لانتفت فائدة التكليف" التي هي الابتلاء والاختبار، وهو لا يتصور مع علم المكلّف بعدم صدور الفعل منه، "ومثله" أي: مثل التكليف بالفعل مع عدم علم المكلف بعدم وقوعه "غير واقع". هذا (١) كلام المصنّف، وهو سَاقِطٌ، ولم يبرح كلّ كافر مأمورًا بالإيمان سواء علم من نفسه أنه يؤمن أم لم يعلم، وهذا مما [لا] (٢) يَمْتَرِي فيه مُتَشَرّع.

стр. 600

بِخَبَرٍ أَوْ عِلْمٍ، نَعَمْ، لَوْ كُلِّفُوا بَعْدَ عِلْمِهِمْ، لانْتَفَتْ فَائِدَةُ التكلِيفِ، وَمِثْلُهُ غَيْر وَاقِعٍ. الشَّرْطُ الشَّرْعِيُّ فِي التَّكلِيفِ مَسْأَلَةٌ: حُصُولُ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لَيْسَ شَرْطًا فِي التكلِيفِ قَطْعًا، خِلافًا ......... وأجاب القَرَافِيّ عن قصة أبي جهل (١) ونحوه بأن ما تخيل من (٢) التكليف بالجَمْعِ بين الضدين ليس كذلك، وإنما يكون مكلفًا بالجمع بينهما لو كلف بأن يؤمن وبألّا يؤمن، وليس كذلك، بل الصوابُ حذف "الواو" وأنه كلف بأن يؤمن بألَّا يؤمن، وهو مدلول الأمر بالإيمان. وإذا كان مكلفًا بأن يصدق الخبر بأنه لا يؤمن لا يلزم أن يكون مكلفًا بجعل الخبر صادقًا. ألا ترى أن الصادق إذا أخبرك [أن] (٣) زيدًا سيكفر غدًا يجب عليك تصديقه، ثم يحرم عليك أن تجعل زيدًا كافرًا، وأبو جهل والحالة هذه إنما كلف (٤) بأن يصدق بأنه لا يؤمن، سواء كان على الجملة أم على التفصيل، لا بأن يجعل الخبر صادقًا، ويسعى في عدم إيمان (٥) نفسه. «مسألة» الشرح: "حصول الشرط الشَّرْعي ليس شرطًا في التكليف" بالمشروط "قطعًا، خلافًا لأصحاب الرَّأي"، حيث قطعوا بكونه شرطًا. "وهي مفروضةٌ في تكليف الكفَّارِ بالفروع" (٦)، وقد جروا على أصلهم،

стр. 601

لأِصْحَابِ الرَّأْيِ، وَهِيَ مَفْرُوضَةٌ فِي تَكلِيفِ الْكُفَّارِ بِالْفُرُوعِ، وَالظَّاهِرُ الْوُقُوعُ. لَنَا: لَوْ كَانَ فقالو (١): إنه غير مكلّف بها؛ لفقدان الشَّرْط. وتابعهم من أصحابنا الشَّيخ أبو حامد الإسفراييني. ثم منهم من منع ذلك عقلًا، ومنهم من منعه سمعًا. ونحن جرينا على أصلنا في انتفاء القطع بعدم الاشْتِرَاطِ. "والظَّاهر وقوعه"، وعليه الجمهور. وقيل: تتعلَّق بهم النَّوَاهي دون الأوامر، وهي أوجه لأصحابنا. ومنهم من قال: لا خلاف في تعلُّق النَّوَاهي بهم، إنما الخلافُ في الأوامر. وقيل: المرتدّ مكلّف دون غيره. وقيل: هم مكلّفون بما عدا الجِهَاد (٢)، لامتناع قتالهم أنفسهم - والخلافُ جَارٍ في خطاب

стр. 602

شَرْطًا، لَمْ تَجِبْ صَلاةٌ عَلَى مُحْدِثٍ وَجُنُبٍ، وَلا قَبْلَ النِّيَّةِ، وَلا "اللَّهُ أَكْبرُ" قَبْلَ النِّيَّةِ وَلا اللَّامُ قَبْلَ الْهَمْزَةِ؛ وَذلِكَ بَاطِلٌ قَطْعًا. قَالُوا: لَوْ كُلِّفَ بِهَا، لَصَحَّتْ مِنْهُ. قُلْنَا: غَيْرُ مَحَلِّ النزَاعِ. التكاليف بأسرها، وفيما يرجع إليها من خطاب الوَضْعِ ككون الطَّلاق سببًا لتحريم الزوجة، فنحن نجعله سببًا، والخصم يخالف فيه. ولا يجري في إتلافاتهم وجناياتهم، بل هي أسباب للضَّمَان بالإجماع، وكذلك كون وقوع العَقْدِ على الوجه الشرعي سببًا لترتُّب أثره، والإرث، والمِلْك به، وترتب الأموال في [ذممهم] (١) وصحَّة أنكحتهم. وقد قال أبو حنيفة: بصحة أنكحتهم - وهو صدر القائلين بأنهم لا يكلفون بالفروع "لنا" - على الجواز - "لو كان شرطًا لم [تجب] (٢) صلاة على محدث [ولا] (٣) جُنُبٍ (٤) ولا قبل النية ولا الله أكبر قبل النِّية، ولا اللام قبل الهمزة"؛ لانتفاء الشرط، "وذلك باطل قطعًا". الشرح: "قالوا: لو كلّف (٥) لصحَّت منه"؛ لأن الصِّحَّة موافقة الأمر، واللَّازمُ منتفٍ. "قلنا": عين - بالنون كذا ضبطه المصنّف - محلّ النزاع، فإِنَّا نجوز التكليف عقلًا بدون الصِّحة شرعًا. وفي بعض النّسخ: "غير محلّ النزاع"، ووجه المُغَايرَةِ أنا لا نريد أنه مأمور بفعله حالة كُفْره، نعم يصح منه بأن يؤمن، ويفعل كالمحدث.

стр. 603

قَالُوا: لَوْ صَحَّ، لأَمْكَنَ الاِمْتِثَال، وَفِي الْكُفْرِ لا يُمْكِنُ وَبَعْدَهُ ........... الشرح: "قالوا: لو صَحَّ" تكليف الكافر بالصَّلاة مثلًا "لأمكن الامتثال، وفي الكفر [لا يمكن] (١) وبعده يسقط"؛ لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله. "قلنا": ليس الامتثال ممتنعًا، بل "يسلم ويفعل". والحاصل: أن المكتسبات منها ما يقع ارتجالًا. ومنها ما يقع بعد مقدمات. وافتقار بعضها إلى مقدّمات مكتسبات لا يخرج الأواخر (٢) أن تكون ممكنةً متأتية (٣). ومن أمر أن يكتب والقلم في يده، كمن أمر أن يكتب والقلم موضوع بين يديه يمكنه (٤) أن يتناوله، فالكافر "كالمحدث" يمكنه الصَّلاة بأن يتوضأ. وقد ارتكب أبو هَاشِمٍ (٥) هذه المُنَاقضة، وزعم أنه غير مُخَاطب بالصَّلاة، ولو بقي سائر دهره محدثًا، ووافقه ابْنُ خويز مِنْدَاد، وعزاه إلى مالك ﵁. وقال إمامُ الحَرَمَيْنِ: التحقيق أنَّ الكافرَ يستحيل أن يخاطب بإنشاء فرع على الصحة، وكذلك كُلّ ما يقع آخرًا من العقائد في حَق من لا يصح عقده في الأوائل، وكذا المحدث يستحيل أن يخاطب بإنشاء الصَّلاة الصحيحة مع بقَاءِ الحدث، ولكن هؤلاء يخاطبون بالتوصّل إلى ما يقع آخرًا، ولا ينجز الأمر عليهم بإيقاع المشروط قبل وقوع الشرط - إذا مضى من الزَّمان ما يسع الشَّرط والمشروط والأوائل والأواخر، فلا يمنع أن يعاقب الممتنع على حكم التَّكليف معاقبة من يخالف أمرًا توجّه عليه ناجزًا، فمن أبى (٦) ذلك قضى عليه قاطع الفعل (٧) بالفَسَاد، ومن جَوّز (٨) تنجيز الخِطَابِ بإيقاع المشروط قبل وقوع الشرط، فقد سوّغ تكليف ما لا يُطَاق، ومن أراد أن

стр. 604

يَسْقُطُ. قُلْنَا: يُسْلِم، وَيَفْعَلُ كَالْمُحْدِثِ. الْوُقُوعُ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ [سورة النساء: الآية ٣٠]، ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [سورة المدثر: الآية ٤٣]. يفرّق بين الفروع وآخر العقائد، وبين صلاة إلى حدث وهو مبطل قطعًا. ثم ذكر مقالة أبي هَاشِمٍ ثم قال: إن أراد ما ذكرناه فهو الحقُّ الذي لا خفاءَ فيه، وإن أراد ألَّا يعاقب على ترك الصَّلاة لتركه (١) التوصُّل إليها فقد خرق إجماعَ الأمةِ. وهذا من الإمام تحقيق لمقالة أصحابنا، ومن بحره اغترف ابن برهان فقال: ترجمة المسألة بأن الكُفَّار مخاطبون بفروع الإيمان خطأ؛ لأن الصلاة غير صحيحة من الكافر، وهو منهي عنها، فكيف يخاطب بها؟. وقد اشتمل كلام الإمام هذا على دفع شُبْهَةِ الخصوم، إذ قالوا: هو غير مخاطب بالصلاة مثلًا؛ لأنه في الزَّمَان الأول وهو حين بلوغه [لا] (٢) يمكن أن يكون مخاطبًا بأن الإيمان والصَّلاة معًا؛ إذ الزمان يضيق عنهما، ولا بالصَّلاة فقط، لأنها مشروطة بالإيمان [فيما بقي إلا أن يكون مكلَّفًا بالإيمان] (٣) فقط. والقول في ثاني الزَّمَان كالقول في أوله، فلا خِطَابَ بالفروع أصلًا، ووجهه أنه مكلف بالإيمان في الزمان الأول، والصلاة في الثاني، فإذا مضى زمانها عوقب على تركهما كالمحدث، يخاطب بالطَّهَارة والصَّلاة، فإذا تركهما عوقب عليهما. فإن قلت: لو مضى الزمان الأول لا يعصي عند الإمام إلا بالكُفْر فقط، ويعصي عند الأصحاب به وبالفروع. قلت: قال الإمام: لو أثم بالفروع والفرض أنها غير ممكنةٍ كان تكليفًا بما لا يُطَاق، هذا منتهى الكلام في دليل الجواز. وأما "الوقوع" فدليله قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ "وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [سورة الفرقان: ٦٨] وأشار بذلك إلى جميع ما تقدم، وإن كان ظاهرها أنها لفظ مفرد لا يعود إلا على مفرد، وإلا يلزم أن يضيق ذكر القتل والزنا.

стр. 605

قالُوا: لَوْ وَقَعَ، لَوَجَبَ الْقَضَاءُ، قُلْنَا: الْقَضَاءُ بِأَمْر جَدِيدٍ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وُقُوعِ التكلِيفِ وَلَا صِحَّتِهِ رَبْطٌ عَقْلِيٌّ. وقوله -تعالى- حكاية عنهم: " ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [سورة المدثر: الآية ٤٣] "، عللوا دخول النَّار بترك الصَّلاة فدلَّ على أنهم مخاطبون بها. وأوضح (١) من هاتين الآيتين (٢) عندي في الدلالة على تكليفهم قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [سورة النحل: ٨٨]؛ إذ لا ريب في أن زيادة هذا العَذَاب إنما هو بالإفساد الذي هو من وراء الكفر. الشرح: "قالوا: لو وقع" تكليفهم بالفروع "لوجب" عليهم "القضاء". قلنا: القضاء "بأمر جديد، فليس بينه وبين وقوع التَّكليف ولا صحته ربط عَقْلي" بحيث يلزم من وجودهما وجوب القضاء. وهذه الشُّبهةُ هي الحاملة لأبي حامد الإسفراييني على اختيار تكليف الكُفَّار بالفروع. ونقول تفريعًا على أن القضاء بالأمر الأول: قال أصحابنا: إن المرتد يقضي صلاة أيام الردة وهو كافر، وأما من عداه فإنما سقط القَضَاء بقوله (٣) تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٣٨] وقوله ﵇: "الإِسْلَامُ يَجُا ما قَبْلَهُ" (٤). "فروع" قال الأستاذ أبو إسحاق: يجب على الحَرْبِيّ ضمان النَّفس والمال، تخريجًا من [أن] (٥) الكُفَّار مخاطبون بالفروع، وعزاه إلى المُزَني في "المنثور"، والصحيح خلافه. إذا اغتسلت الذِّمّية لتحل لمن يحل له وطؤها من المسلمين، فهل يجب عليها إعادة الغسل إذا أسلمت؛ فيه وجهان. لو اغتسل الكافر عن جنابة أو توضأ أو تيمَّم، ثم أسلم فالصَّحيحُ وجوب الإعادة. في لُبْث الكافر والجنب [في المسجد] (٦) وجهان.

стр. 606

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المذهب أنا لا نأخذ في الجِزْيةِ، وفي ثمن الشِّقْصِ المشفوع، فما تَيَقَّنَا أنه من ثمن الخمر. وفيه وجه: التصرف في الخمر حرام عليهم عندنا خلافًا لأبي حنيفة (١).

стр. 607

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال في "التتمة": وهو مبني على هذا الأصل.

стр. 608

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إذا دخل الكافر الحرم، وقتل صيدًا لزمه الضمان.

стр. 609

لا تَكْلِيفَ إِلَّا بِفِعْلٍ (١) مَسْأَلَةٌ: لا تَكْلِيفَ إِلَّا بِفِعْلٍ ؛ فَالْمُكلَّفُ بِهِ فِي النَّهْي كَفُّ النَّفْسِ عَنِ ........... وقال صاحب "المهذب": يحتمل لا. «مسألة» الشرح: "لا تكليفَ إِلَّا بفعلٍ" - سواء كان في الأمر أم النهي.

стр. 610

الْفِعْلِ، وَعَنْ أَبِي هَاشِمٍ وَكَثيرٍ: نَفْيُ الْفِعْلِ. لَنَا: لَوْ كَانَ، لَكَانَ مُسْتَدْعًى حُصُولُهُ مِنْه، وَلا فإن قلت: "فالمكلف"، "في النهي" كيف، يكون فعلًا، وهو طلب ترك الفعل. قلت: المطلوب بالنهي "كَفّ النَّفس عن الفعل"، والكَفّ فعل. "وعن أبي هاشم وكثير" أن المكلف به في النهي "نفي الفعل". "لنا: لو كان" الانتفاء هو المَطْلُوب لكان "يستدعى حصوله منه، ولا يتصور" ذلك؛ "لأنه غير مقدور له"؛ لكونه عدمًا، والعدم لا يكون مقدورًا. "وأجيب بمنع أنه - أي: العدم - "غير مقدور له"؛ فإن القادر على الزّنا قادرٌ على تركه، وهذا "كأحد قولي القاضي" أبي بكر: إن عدم الفعل مكتسب للعبد. "ورد" المنع "بأنه" - أي: الفعل - "كان معدومًا، واستمر"، فكيف يكون مقدورًا "والقدرة تقتضي أثرًا عقلًا"، والعدم ثابت قبلها فكيف يَكون أثرًا لها؟ "وفيه نظرٌ"، فقد يقال: لا نسلّم أن استمراره لا يصلحُ أثرًا للقدرةِ؛ إذ هو متمكن من ألَّا يفعل فيستمر، ومن أن يفعل فلا يستمر. وأيضًا فأثره أنه لم يشأ فلم يفعل، وهذا كافٍ في كونه أثرًا، وأما وجوب أن يفعل شيئًا فلا. وأنا قد وقعت على دليلين يدلّان على أن الكَفّ فعلٌ. أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٣٠] إذ الاتخاذ "افتعال"، والمهجور: المتروك. والثاني: ما رواه أبو جُحَيفَةَ السُّوَائيّ ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أَيُّ الأَعْمَالِ خَيْرٌ؟ " فسكتوا قال: "حِفْظُ اللِّسَانِ". "فرع" نقل الرَّافعي عن القَفَّال فيمن قال لزوجته: إن [فعلت] (١) ما ليس لله فيه رضا فأنت طالق، فتركت صومًا أو صلاةً أنه ينبغي ألَّا تطلق (٢)؛ لأنه ترك وليس بفعل، فلو سرقت أو زَنتْ طلقت.

стр. 611

يُتَصَوَّرُ؛ لأِنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُ. وَأُجِيبَ بِمَنْعِ أَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَه، كَأَحَدِ قَوْلَي الْقَاضِي، وَرُدَّ بِأَنَّهُ كَانَ مَعْدُومًا، وَاسْتَمَرَّ، وَالْقُدْرَةُ تَقْتَضِي أَثَرًا عَقْلًا، وَفِيهِ نَظَرٌ. هَلْ يَنْقَطِعُ التَّكلِيفُ بِالْفِعْلِ حَالَ حُدُوثِهِ؟ مَسْأَلةٌ: قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: لا يَنْقَطِعُ التَّكلِيفُ بِفِعْل حَالَ حُدُوثِهِ، وَمَنَعَه، ........... "فرع [آخر] " (١) لو منع مالكُ الطَّعام عن المضطر فمات جوعًا، فلا ضمانَ؛ لأنه لم يحدث منه فعل مهلك. وقال صاحب "الحاوي": لو قيل (٢) يضمن الدية كان مذهبًا؛ لأن الضرورة أثبتت له في ماله حقًّا بدليل أنه يجب عليه أن يطعمه فكأنه منع منه طعامه. "مسألة" الشرح: "قال" الشَّيخ "الأشعري: لا ينقطع التكليف بفعل حال حدوثه"، بل يبقى تعلُّق التكليف كما كان. "ومنعه الإمامُ والمعتزلةُ (٣). فإن أراد الشيخ أن تعلّقه" (٤) بالفعل "بنفسه، فلا ينقطع" فحق، لكنه يلزم ألَّا ينقطع التكيف بعد الفعل لنقل هذا التعلق "بعده أيضًا"، وهو باطل إجماعًا، والشيخ أجلّ من أن يريد هذا، "وإن أراد أن تنجيز التكليف به باقٍ" - وهو مراده بلا شَكّ - "فتكليف" بالمحال؛ إذ هو تكليف "بإيجاد الموجود وهو مُحَال، ولعدم صحَّة الابتلاء، فتنتفي فائدة التكليف"؛ لأن الابتلاء إنما يتصوّر عند التردّد، وعند تحقق الفعل لا تردد.

стр. 612

الإِمَامُ وَالْمُعْتَزلَة، فَإِنْ أَرَادَ الشَّيْخُ أَنَّ تَعَلُّقَهُ لِنَفْسِهِ، فَلا يَنْقَطِعُ بَعْدَهُ أَيْضًا، وَإِنْ أَرَادَ أَن تنجِيزَ التَّكلِيفِ بَاقٍ، فَتَكْلِيفٌ بإِيجَادِ الْمَوْجُودِ، هُوَ مُحَالٌ، وَلعَدَمِ صِحَّةِ الاِبْتِلاءِ، فتَنْتَفِي فَائِدَةُ التَّكْلِيفِ. "قَالُوا: مَقْدُورٌ حِينَئذٍ بِاتِّفَاقٍ؛ فَيَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِهِ. قُلْنَا: بَلْ يَمْتَنِعُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ. ولقائِلٍ أن يقول: إنما يستحيل لو أريد بكونه مأمورًا أنه مطلوبُ مقتضى، وليس ذلك المراد كما سيأتي. سلمنا أنه المراد، ولكن إنما يكون الفعل موجودًا عند تمامه؛ لأن المركب ينتفي بانتفاء جزء منه، فالصلاةُ مثلًا إنما تكون موجودة إذا تحققت في الخارج، وذلك عند انقضائها وهو (١) ما لم يَنْتَهِ إلى آخرها مأمور بها مطلوبة منه، وليست حاصلة، ضرورة أنها إنما تحصل عند آخر جزء منها، فلا يلزم تحصيل الحاصل. الشرح: "قالوا" - يعني - ناصري الشيخ -: "مقدور" للمكلّف [حينئذٍ] (٢) باتفاق" - منا ومن المعتزلة أما عندنا فلأن القدرة حال الفعل. وأما عندهم، فهي موجودةٌ قبل، وفي الحال "فيصحُّ التكليف به". "قلنا: بل يمتنع" بقاؤه - أي: بقاء التكليف - "بما ذكرناه" من لزوم تحصيل الحاصل، وانتفاء فائدة التكليف. واعلم أن المسألة (٣) من عظائم الكلام، ودقائق أحكام القدر، وهي قليلة الجدوى في الفقه. وقد وافق الإمام فيها المعتزلة وأغلظ القَوْل في شيخ الجَمَاعة، وادعى احتياطة مذهبه، وتابعه الآمدي والمصنف. ونحن نذكر الخِلافَ فنقول: للفعل أحوال: استقبال، وحال، ومضي. أما الاستقبال: فالفعل يوصف قبل وجوده بأنه مأمور به، ومقتضى، ومطلوب، ومرغَّب فيه، ومحضوض (٤) عليه، وطاعة.

стр. 613

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الحال: فلا يصح وصف الفعل فيه بأنه مقتضى، ومرغب فيه، ومحضوض عليه] (١)؛ لأن الطلب والاقتضاء، وما في معنى ذلك إنما يتصور فيما لم يوجد، والموجود حاصل، والحاصلُ لا ينتفي، ويصح وصفه بأنه طاعة، وهل يوصف بأنه مأمور به حال وقوعه؟. قال أصحابنا: نعم، ونفاه المعتزلة. وأما الماضي: فلا خلاف أنه لا يوصف بهذه الأوصاف إلا مجازًا إطلاقًا باعتبار ما كان. فإذا قلنا: إنه حال الإيقاع وقبله مأمور به على مذاهبنا، فهل يتعلّق الأمر بهاتين الحالتين تعلّقًا مساويًا؛ اختلف أئمتنا فيه. فمنهم (٢) من قال: هما سواء، والأمر متعلّق بالفعل في الحالتين تعلّق إلزام. ومنهم من قال: أما حال الوقوع فتعلّق إلزام، وأما قبله فتعلّق إعلام، وأكثرنا على القول الأول. والإمامُ الرَّازي وأتباعه على الثاني، وهو مقتضى نقل إمام الحرمين عن الأصحاب، إذا عرفت هذا، فقد صار الإمام وتلميذه الغَزَالي في هذه المسألة إلى رأي المعتزلة، ورأيا أن الفعل حال الإيقاع لا يتعلّق الأمر به، ثم اختلفت الطرق (٣) بهم. فالمعتزلة: بَانُون على أصلهم من تقدّم القدرةِ على الفِعْل، وانقطاع تعلّقها حال وجوده. والإمام كاد يوافقهم؛ لأنه يقول: ما ليس بمقدور لا يؤمر به من يثبت (٤) قدرته ويقول (٥): الحال غير مقدور، فلزمه تقديم القُدْرَةِ، فصرح من أجلها بتوجه الأمر قبل الفعل وانقطاعه معه. وأما الغزاليُّ، فإنه سلَّم مقارنة القدرة للمقدور، ووافق مع هذا على انتفاء الأمر حال الوقوع، فوافقنا في الأصل، وخالفنا في الفرع، ثم اعتمد هو وإمامه على أن حقيقة الأمر الاقتضاء والطلب، والحاصل لا يطلب (٦). وجوابهما معروف ممَّا قدمناه في نَقْلِ المذاهب، فإنَّا سلَّمنا أنه غير مقتضى حال الإيقاع،

стр. 614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولكنه مع هذا مأمور به بمعنى أنه طاعة - وامتثال (١)، ولا ينكر أحد كونه طاعة وامتثالًا؛ لأن الطاعة موافقة الإرادة، والإرادة يصح (٢) عندهم أن تقارن المراد، وإذا ثبت كونه طاعة ومرادًا صح كونه مأمورًا به، ويكون للأمر فائدتان. الاقتضاء، ثم كون الفعل الموقع طاعة، وهذه الإفادة حاصلة حال الإيقاع كما تحصل (٣) قبله. والإمام والغزالي ومن تبعهما كالمصنّف، قد رأوا أن لا حقيقة له [إلَّا في] (٤) الاقتضاء فإذا بطلت الحقيقة بطل في نفسه. وأما مخالفة إمام الحرمين لنا في تقدُّم القدرة على الفعل، فإنه اعتل بأن القدرة هي التمكن، والتمكن لا يكون حال وجود الفعل، بل قبله. وهذا من دقائق ما يذكر في علم الكَلامِ، فلا نطيلُ هنا باستيفاء القول فيه. والشَّيخُ يقول: القُدْرَة المحدثة لا تتقدم المقدور، والأمر يتقدم الفعل، ويقارنه كما عرفت. فقال الإمام ملزمًا له على هذا: إن المكلف في حال قعوده مأمور بالقيام باتفاق أهل الإسلام، والقيام غير مقدور له قبل شروعه فيه مع كونه مأمورًا به، فقد صار المأمور به غير مرتبط بكونه مقدورًا عليه، فلا وَجْه لبنائه المسألة على أن المكلف إذا اشترط كون قدرته تفارق المقدور صح كون الفعل مأمورًا به حال وجوده لكونه مقدورًا حينئذ، لأنا أريناه أن المأمور به يكون غير مقدور عليه. هذا حاصل كلام الإمام. وردّه المَازِرِيُّ بأنه يلزم الشيخ حيث يستدلّ على صحَّة تعلّق الأمر بالحادث لتعلّق القدرة أن يقول: [لا يتعلّق] (٥) قبل، لعدم تعلق القدرة به، وهو استدلالٌ بالعَكْسِ. قال: وهو باطل على سائر المذاهب، ألا ترى أنا نستدل على وجود البَارِي بوجود أفعاله، ولا يلزم من عدمها عدمه. قال: فكذلك [لا يقال] (٦) للأشعري إذا استدللت على حصول الأثر بحصول القدرة،

стр. 615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فاستدل على انتفاء الأمر بانتفاء القدرة، وإذا استدللت بهذا أريناك نقيضه؛ لأن القاعد مأمور بالقيام، وقدرته معدومة عليه، وهذه القُدْرَةُ انعدمت، ولم ينعدم الأمر. قال المَازِرِيُّ: وكلّ من نظر بعينِ الإنصاف علم صحَّةَ ما بَيَّناه، وأن الإمام لم ينصف الرجل في إلزامه كيف وهو يعني الإمام وقد نبَّه على أن الأشعري لم يمنع تقدم القدرة على الفعل بمعنى يعود إلى حقيقة تعلّقها بالأفعال، ولكن من حيث إنها عرض، والعرَضُ لا يبقى زمانين، فلو فرضناها متقدمة، وانعدمت في الثَّاني من حال وجودها قبل إيقاع المقدور بها، فلا فائدة فيها، ولا تأثير لها، وإن فرضناها باقيةً أبطلنا أصلنا في أن الأعراض لا تبقى زمانين (١). قلت: وكلام الإمام يقتضي أن القائل بهذه المَقَالَةِ لا يقول بتوجّه الأمر قبل الفعل، إلا على سبيل الإعلام دون الإلزام، كما قدمته، وعلى هذا لا يكون استدلاله استدلالًا بالعكس، بل نقض على دعوى أن الأمر لا يتوجّه قبل المُبَاشرة بأن القاعد مأمور بالقيام إجماعًا ويصح مقاله (٢)، وقد ألزم صاحب هذه المقالة أيضًا بأن أحدًا لا يعصي بترك المأمور؛ لأنه إن أتى به، فذاك وإلا فهو غير مكلف. وجواب هذا عندنا، أن الأمر بالشَّيء نهي عن ضده على أصل شيخنا. والتارك مباشر للترك، وهو فعل منهي حرام قائم من هذه النَّاحية، لكن مساق هذا أن تارك الصلاة مثلًا غير مكلف بالصلاة، بل بترك ترك الصَّلاة الذي يلزمه الصلاة. والإمام قد ادعى الإجماع على أن القاعد مأمور بالقيام، فإن أمكن ردَّه إلى ترك الترك كما قررناه فلا إشكالَ، وإلَّا فهو معدم على القول بذلك. وقد يقال: ترك الترك هو نفس الصلاة (٣)، وإذا تأملت ما ألقيت إليك علمت اندفاع ترديد المصنّف، وأن الشيخ لم يرد إلا تنجيز التكليف، ولا يلزم عليه ما ذكره، لأنه لم يقل بأن الاقتضاء قائم في إيجاد (٤) الموجود، بل إنه مأمور به كما عرفت، ولكن [لم] (٥) قلتم: إن كل مأمور به مقتضى؟ سلمنا أن كل مأمور به مقتض، ولكن لم قلتم: إنه يستلزم تحصيل الحاصل، وتقريره قد عَرفْتَه.

стр. 616

الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ مَسْأَلةٌ: الْفَهْمُ شَرْطُ التَّكْلِيفِ. وَقَالَ بِهِ بَعْضُ مَنْ جَوَّزَ الْمُسْتَحِيلَ؛ لِعَدَمِ الاِبْتِلاءِ. لَنَا: لَوْ صَحَّ، لَكَانَ مُسْتَدْعى حُصُولُهُ مِنْهُ طَاعَةً، كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَصَحَّ تكلِيفُ الْبَهِيمَةِ؛ لأِنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي عَدَمِ الْفَهْمِ. قَالُوا: لَوْ لَمْ يَصِحَّ، لَمْ تقَعْ، وَقَدِ اعْتُبِرَ طَلاقُ السَّكْرَانِ وَقَتْلُهُ ............. "مسألة" الشرح: "الفهم شرطُ صحة التكليف". قال به (١) من جوز المستحيل"، وادعى بعضهم الوفاق على ذلك، وهو ما ذَكَرَهُ القاضي في "التقريب"؛ "لعدم الابتلاء" الذي به تَحْصُل (٢) فائدة (٣) التكليف؛ ولأن الأمر بالشيء يتضمن إعلام المأمور بأن الآمر طالب، سواء أمكن حصوله منه أو لم يمكن، وإعلام من لا عَقْلَ له، ولا فَهْمَ متناقض؛ إذ يصير التقدير، بأن من لا فهم له فهم (٤). "لنا: لو صحَّ" تكليف الغافل "لكان" الفعل "مستدعى حصوله منه طاعة" - أي: على وجه الطاعة - "كما تقدم" في مسألة التَّكليف بالمستحيل، والثاني باطل؛ لعدم تصوره. "ولصح (٥) تكليف البَهِيمَة لأنهما سواء في عدم الفهم". ولقائل أن يقول: الفارق أن البهيمة لا قابليةَ لها. والذين جوَّزوا تكليف الغافل. الشرح: "قالوا: لو لم يَصِحّ لم يقع، وقد" وقع بدليل أنه "اعتبر طلاق السَّكران وقتله وإتلافه" ورُتِّبت (٦) عليها الأحكام، وإن كانت صادرة ممن لا يفهم.

стр. 617

وَإِتْلافُهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذلِكَ غَيْرُ تَكْلِيفٍ، بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْأَسْبَابِ؛ كَقَتْلِ الطِّفْلِ وَإِتْلافِهِ. "قَالُوا: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [سورة النساء: الآية ٤٣] ................. "وأجيب بأن ذلك" الأمر المجرى على السَّكران "غير تكليف، بل من قبيل الأسباب"، وذلك من باب خطاب الوَضْع، فطلاقه (١) سبب الفراق، وقتله سبب القِصَاص، وإتلافه سبب الضَّمان "كقتل الطفل وإتلافه"، فإنه سببٌ للضمان والغَرَامَةِ. ولك أن تقول: لو كان كالطِّفْل لما وجب عليه قِصَاصٌ، ولاختلف في أن عمده عمد، أو خطأ. بل قال القَفَّال ومن تابعه كالبَغَوِيّ (٢): إنه لا خلاف في الطفل الذي لا تَمْييز له أن عمده ليس بعمد بل خطأ، وإنما الخلاف في صبي يعقل عقل مثله. الشرح: "قالوا": قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [سورة النساء: الآية ٤٣] دليل على خطاب الغافل إذا وجه النهي نحوه حالة السكر. "قلنا: يجب تأويله، إما" بأن يقال: وقع النَّهي عن السّكر عند إرادة الصلاة تشبيهًا "بمثل" ما يقال: "لا تَمُتْ وأنت ظالم"، وعلى عكسه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٠٢]. "وأما على أن المراد الثَّمل"، وهو الذي تَدبُّ فيه أوائل الطَّرب دون الطَّافح الخارج عن قضية التَّمييز، ونهى عن الصَّلاة حينئذٍ مع حضور عقله، لأن مبادئ الطَّرب "تمنع" (٣) الخشوع "والتثبت كالغضب" ويؤيده قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [سورة النساء: الآية ٤٣]. ولو قال المصنّف: النّشْوَان بدل الثَّمل كان أولى، فإن الثملَ والطَّافحَ سواءٌ، وهو من أخذ منه الشراب.

стр. 618

قُلْنَا: يَجِبُ تَأْوِيلُه، إِمَّا بِمِثْلِ: لا تَمُتْ، وَأنْتَ ظَالِمٌ، وَإِمَّا عَلَى أَن المُرَادَ الثَّمِلُ؛ لِمَنْعِهِ التَّثبُّتَ كَالْغَضَبِ. وفي الحديث الصحيح. لما دخل النَّبي ﷺ على حمزة، وجعل حمزة يُصَعّد نظره ثم قال: وهل أنتم إلا عبيد لأبي فعرف النبي ﷺ أنه ثَمِلٌ … الحديث أي [أنه] (١) سَكْران شديد السّكر. ولقائل أن يقول: هذا صريح في تحريم الصلاة على المنتشي مع حضور عقله بمجرد عدم التثبت، ولا نعلم من قال به. والحقُّ الذي نرتضيه مذهبًا ونرى ارتداد الخلاف إليه - أن من لا يفهم إن كان لا قابلية له كالبَهَائِمِ، فامتناع تكليفه مجمع (٢) عليه، سواء خطاب التكليف، وخطاب الوضع. نعم قد يكلف صاحبها في أبواب خطاب الوضع بما يفعله مع ما يفضله الفقيه. وإن كانت له قابلية، فإما أن يكون معذورًا في امتناع فهمه كالطفل والنائم، ومن أكره حتى شرب ما أسكره، فلا يكلف إلا بالوضع. وأما أن يكون غير معذور كالعاصي (٣) بسُكْره فيكلف، تغليظًا عليه، وقد نصَّ الشَّافعي على هذا. وقول الغَزالِيِّ: السكران أسوأ حالًا من النَّائم الذي يمكن تنبيهه. وكذلك (٤) دول القاضي في "التقريب": السكران الطَّافح لا يكلف كسائر من لا يفهم مما لا [نوافقهما] (٥) عليه - بل هو مكلف، ولا حاجة إلى الجواب بأنه من خطاب الوضع، فإنه يلزم عليه ألا يأثم ونحن نُؤثّمه؛ إذ هو الذي وَرَّط نفسه بتسببه إلى زوال عقله بالسُّكر. وأيضًا فخطاب الوضع عندنا راجع إلى الاقتضاء خلافًا للمصنف. ويشهد لتفرقتنا بين من له قَابِلِيَّة، ومن لا قابلية له إيجاب الضمان على الأطفال دون الميت. فإن أصحابنا قالوا بنفخ (٦) مَيّت، وتكسرت قارورة بسبب انتفاخه لم يجب ضمانها.

стр. 619

مَسْألَةٌ كلامِيَّةٌ فِي الحُكْمِ عَلَى الْمَعْدُومِ مَسْأَلةٌ: قَوْلُهُمُ: الأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ، وَلَمْ يُرَدْ تنجِيزُ التَّكْلِيفِ، وَإنَّمَا .......... الشرح: ولا أقول خطاب المعدوم كما ترجم بعضهم المسألة به؛ إذ في تسمية الكلام في الأزل خطابًا خلاف؛ لأن الخطاب يستدعي مُوَاجهة، وهي لا تمكن من المعدوم كما فعل المصنّف؛ إذ لا يلزم من الحكم على المعدوم تسمية الكلام أمرًا أو نهيًا، فمنا من قال بالحكم على المعدوم وامتنع من تسمية الكلام في الأزل أمرًا، كما ستعرف إن شاء الله تعالى. وإذا عرفت هذا فأصحابنا قائلون بالحكم على المعدوم (١)، والمعتزلة ينكرونه، وإمام الحَرَمَيْنِ منا عنده وقفة في المسألة من أجلها توقف ضَعَفَةُ الأشاعرة عن الجزم وأخذوا في تقرير (٢) مذهبنا، فقال فيهم (٣) المصنّف: "قولهم" - يعني أصحابه الأشعرية -: "الأمر يتعلق بالمعدوم، لم يرد تنجيز التكليف" أي: إتيان المعدوم بالمأمور به حالة عدمه؛ لأن الصبي والمجنون الدَّاخلين في الموجودات غير مأمورين في الباطن بالمعدوم. "وإنما أريد" بتعلّق الحكم به "التعلق العقلي" وهو قيام الطلب بذات الله - تعالى - من المعدوم للفعل إذا وجد واتصف بصفات المكلفين فإنه حينئذ يصير مكلفًا بذلك الطلب القديم من غير تجدد طلب آخر (٤).

стр. 620

أُرِيدَ التَّعَلُّقُ الْعَقْلِيُّ. لَنَا: لَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ، لَمْ يَكُنْ أَزَليًّا؛ لأِنَّ مِنْ حَقِيقَتِهِ التَّعَلُّقَ، وَهُوَ أزَلِيٌّ. واعلم أن شيخنا إنما أراد التنجيز، والتعلّق عنده قديم، ولا يلزم من التنجيز تكليف المعدوم بأن يوجد الفعل في حال عدمه، بل تعلّق التكليف به على صفة، وهي أنه لا يوقعه إلا بعد وجوده، واسْتِجْمَاع الشرائط، وذلك لا يوجب عدم التَّنجيز، بل التنجيز واقع وهذا معناه. ومن ظن أنه [كان] (١) يلزم من كونه كل أمورًا في القدم (٢) أن يوجد في العدم فقد زَلّ، فإن إتيانه في العدم كما يستدعي الإمكان كذلك يستدعي أنْ يؤمر به على هذا الوجه، والأمر لم يقع كذلك، بل على صفة أن الفعل يكون بعد استجماع شرائطه التي منها الوجود، [وأقرب] (٣) مثال لذلك الوكَالَة، فإن تعليقها باطلٌ على المذهب، ولو نَجّز الوكالة وعلق التصرُّف على شرط صح، وهو الآن وكيل وكالة منجزة، ولكنه لا يتصرف إلَّا على مقتضاها، وهو وجدان الشرط. هذا كلام نفيس لأبي ﵀ فيه رسوخ القَدَم (٤)، فإنه كان يقرره وينادي عليه بأوضح البَرَاهين، وبه يتضح أن التعلق (٥) قديم، على خلاف ما ذكره جماهير المتأخرين منهم الإمام في أول "المحصول" من حدوث التعلّق فَارِّين من أمر لا يحوجهم إلى ذلك. وقد فَاهَ الإمام في مكان آخره من "المحصول" بِقِدَمِ التعلُّق كما كان أبي - رحمه الله تعالى - يختاره. وعندي [أَنا أنَّ التعلق] (٦) نسبة بين منتسبين لا يوصف بحدوث ولا قِدَمٍ. "لنا": على تعلّق الأمر بالمعدوم، "لو لم يتعلّق به لم يكن أزليًا؛ لأن من" لوازم "حقيقة

стр. 621

قَالُوا: أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَخَبَرٌ مِنْ غَيْرِ مُتَعَلَّقٍ مُحَالٌ. قُلْنَا: مَحَل النِّزَاعِ، ........... التعلق" بالغير وهو المأمور، فلو لم يكن التعلُّق أزليًّا لم يكن الأمر أزليَّا، "وهو أزلي" قطعًا، لما ثبت من قِدَمِ كلام الرَّبِّ جلَّ وعلا، وكان تعلقه أزليًّا. وأنت إذا وقفت (١) على هذه الحُجَّة علمت أنها لا تنهض على من ينكر قدم الكلام، وهم الخصوم في المسألة - أعني المعتزلة - وأنه لا ينبغي الاكنفاء به، فإن منع الحكم على المعدوم هو أحد شُبَهِ المعتزلة في القول بِخَلْقِ القرآن. الشرح: "قالوا": لا يتعلّق الحكم بالمعدوم؛ إذ كيف يوجد "أمر، ونهي، وخبر من غير متعلّق" موجود هو المأمور المنهي المخبر، هذا "مُحَال". ونظيره من جلس وحده ينادي: يا زيد افْعَلْ كذا، ويا عمرو اترك كذا، وذلك عين الاختلال والسَّفه، فيستحيل على الباري تَعَالى. "قلنا": استحالة هذا "مَحَل النزاع وهو استبعاد" مجرد، فلا يلزم منه الامتناع، وإنما بَعُدَ عِنْدَكُم [لأنكم قِسْتُمْ] (٢) الغائب بالشاهد، واللفظي بالنَّفسي. وأنَّى يستويان، فإن من أحب أن يحيط علمًا بوَرَقِ الأشجار (٣)، وقَطْر البحار من أَسْفه الخلق، بخلاف الرَّب تعالى. والحاصل: أن المعدوم بالنسبة إليه - تعالى - متوقّف وجوده على أمره، وقد قدر وجوده في وقت معلوم لا يتخلّف عنه على صفة مَعْلُومة لا انْفِكَاكَ لها دون أمره، وهو نازل عنده منزلة الموجود يأمره وينهاه بخلاف المخلوق. "ومن ثم" أي: ومن أجل هذا الاستبعاد - "قال" عبد اللّه "بن سَعِيدِ" بن كلاب القَطَان (٤) وهو أحد أئمة أهل السُّنَّة، وبطريقته (٥) وطريقة الحارث بن

стр. 622

وَهُوَ اسْتِبْعَادٌ؛ وَمِنْ ثَمَّةَ، قَالَ ابْنُ سَعِيدٍ: إِنَّمَا يَتَّصِفُ بِذلِكَ فِيمَا لا يَزَالُ. وَقَالَ: الْقَدِيمُ الْأَمْرُ أسد (١) المُحَاسبي (٢) اقتدى شيخنا أبو الحسن أن كلامه - تعالى - لا يتصف بالأمر والنهي والخبر في الأزل، لحدوثه وقِدَمِ الكلام النَّفسي، "وإنما يتصف بذلك فيما لا يزال. وقال": الكلام "القديم" هو "الأمر المشترك" بين الأمر والنهي والخبر وتابعه أبو العباس القَلانسي من قدماء الأشاعرة، وقد [راما] (٣) بهذا المَرْكب الصَّعب التخلص من إلزام المعتزلة بحدوث الكلام؛ فإن المعتزلة لما أحالوا وجود أمر ولا مأمور قالوا: لم يكن مع الله - سبحانه - في الأزل أحد فيأمره وينهاه. وإذا لم يكن معه أحد استحال حُصُول الأمر لانتفاء المأمور، وإذا استحال حصول الأمر استحال حصول الكلام، فتسببت بدعتهم الشَّنعاء في القول بخَلْقِ القرآن (٤)، وهذه الشُّبهة من

стр. 623

الْمُشْتَرَك، وَأُورِدَ أَنَّهَا أَنْوَاعُه، فَيَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 624

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عهدهم (١) العظيمة عندهم فتخلص عنها هذان الرَّجلان، وقالا: إذا نفينا الأمر في الأزل لم تجد المعتزلة سبيلًا إلى الطعن علينا في قِدَمِ القرآن بهذه الشبهة. وقالا: يثبت للرب - تَعَالى - صفة موجودة ويثبت لها مع وجودها وصفًا آخر أخص من وصف الوجود، وهو كونها كلامًا في الأزل، ويصرف الوصف الآخر الذي هو أخص من وصفها بالكلام، وهو الأمر والنهي إلى صفة فعل، هو خلق الله - سبحانه - في قَلْب من تعلّق إدراكه بها عند إدراكه لها العلم بأنه - سبحانه - طلب منا، فعلًا أو زَجَرَهُ عن فعل وتخلّص من إثبات أمر، ولا مأمور. "وأورد" عليهما "أنهما" فَرَّا من مستبعدٍ إلى أبْعَدَ منه، وذلك أنهما - أي: الأمر والنهي والخبر ونحوها "أنواعه" أي: أنواع الكلام، "فيستحيل وجوده" بدون واحد منها؛ لاستحالة وجود الجنس إلَّا في أحد أنواعه، فما ذكره مؤدٍ إلي نفي الكلام. ولئن جاز ثبوت صفة وهي الكلام عَارِيَّةٌ من حقائقها النفسية، ولوازمها العقلية جاز إثباتها عاريةً من حقيقة أخرى من حقائقها، وهى كونها كلامًا حتى يقال: هذه الصفة حاصلة لله -

стр. 625

قَالُوا: يَلْزَمُ التَّعَدُّدُ. قُلْنَا: التَّعَدُّدُ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقَاتِ لا يُوجِبُ تَعَدُّدًا وُجُودِيًّا. التَّكلِيفُ بما عَلِمَ الآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ مَسْأَلةٌ: يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِمَا عَلِمَ الآمِرُ انْتِفَاءَ شَرْطِ وُقُوعِهِ عِنْدَ وَقْتِهِ، ......... سبحانه - في الأزل، وليست كلامًا في الأزل، وإنما تصير كلامًا عند خلق المتكلمين السَّامعين، وهذا لا يقوله أحد. الشرح: ولئن "قالوا": وجود الأمر والنهي والأخبار في الأزل "يلزم" منه "التعدد" باعتبار أنواعه وأفراده؛ فإن المتعلق بـ "زيد" غير المتعلق بـ "عمرو". "قلنا: التعدد" إنما هو "باعتبار المتعلِّقات" التي هي الأمر والنهي والخبر والاستخبار والتعجُّب والتمنِّي والترجِّي والقَسَم والنِّدَاء (١). والتعدّد بهذا الاعتبار "لا يوجب تعددًا وجوديًّا"، فهو (٢) بمنزلة تعدُّد المعلومات، فإنها متعدّدة باعتبار تعلّق العلم بها، لا أنها موجودة في نفس الأمر متعددة، والمحال هو التعدد الوجودي. الشرح: "يَصِحُّ التَّكليفُ بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه عند وقته" (٣) - فيجوز أن يكلف الله زيدًا بصلاة يوم الخميس فإما مع علمه بِعَجْزِهِ عن القيام، إذ ذاك "فلذلك يعلم" المأمور "قبل الوقت" أنه مأمور مع عدم علمه بأنه هل يتمكن أو لا؟. "وخالف الإمام والمعتزلة" في ذلك. "ويصحّ من جهل الأمر" تقدم وقوع الشرط "اتفاقًا". وقد عَصَت هذه المسألةُ على أفهام قوم من المتكلمين على هذا المختصر.

стр. 626

فَلِذلِكَ يُعْلَمُ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَخَالَفَ الإِمَامُ وَالْمُعْتَزِلَة، وَيَصِحُّ مَعَ جَهْلِ الآمِرِ اتِّفَاقًا. قالوا: لا فارق بينها وبين ما حكي فيها الإجماع من مسألة تكليف ما لا يُطَاق حيث قال: والإجماع على صحَّة التكليف بما علم الله أنه لا يقع. وقالوا: قد كرر مسألة وادّعى فيها الإجماع، ثم نقل فيها الخلاف. وأنا أقول: ما لوقوعه شرط إن علم الآمر الشرط واقعًا، فلا إشكال في صحَّة التكليف به، وإن جهله، ويفرض في السيد يأمر عبده فكذالك (١). ونقل المصنّف عليه الاتفاق، وفيه نظر. وإن علم انتفاءه فهو على قسمين: أحدهما: ما يتبادر الذِّهن إلى فهمه حين إطلاق التكليف كالحياة والتمييز، فإن السَّامع متى سمع التكليف تبادر ذِهْنُهُ إلى أنه يستدعي حيًّا مميزًا، وهذا هو الذي خالف فيه إمام الحَرَمَيْنِ. والثاني: خلافه، وهو ما كان خارجيًّا (٢) لا يتبادر إليه الذهن، وهو تعلّق علم الله مثلًا بأن زيدًا لا يؤمن، فإن انتفاء هذا التعلُّق شراط في وجود إيمانه، ولكن السَّامع يقضي بإمكان [إيمان] (٣) زيد غير ناظر إلى هذا الشرط، وهذا لا يُخَالف فيه الإمام ولا غيره، وهو ما سبق نقل الإجماع عليه. وسمعت من يقول: موضع الإجماع أَولًا هو هذه المسألة، ولكنه نسب المخالفين فيها إلى خرق إجماع سابق عليهم، وهذا ليس بشيء، فإنه مع لزومه تكرير مسألة واحدة من غير عرض (٤)، فيه نسبة إمام الحرمين إلى خرق الإجْمَاع، ولن يجترئ المصنّف ولا أجَلّ منه على ذلك. وإنما الصَّوابُ ما ذكرناه، على أن هذه المسألة لا يترجمها أئمتنا بما ترجمها المصنّف، وإنما هي مترجمة عندهم بما جعله المصنّف فائدة لها، وهو أنه هل يعلم المأمور كونه مأمورًا في أول الوقت توجّه (٥) الخطاب إليه، أو لا يعلم ذلك حتى يمضي عليه زمن الإمكان؛ لأن

стр. 627

لَنَا: لَوْ لَمْ يَصِحَّ، لَمْ يَعْصِ أَحَدٌ أَبَدًا؛ لأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ شَرْطُ وُقُوعِهِ مِنْ إِرَادَةِ قدِيمَةٍ أَوْ حَادِثَةٍ، وَأَيْضًا، لَوْ لَمْ يَصِحَّ، لَمْ يُعْلَمْ تكلِيفٌ؛ لأَنَّهُ بَعْدَهُ وَمَعَهُ ......... الإمكان شرط التكليف، والجاهل بوقوع الشرط جاهل بالمشروط لا محالة .. قال أصحابنا: بالأول. وقال المعتزلة: بالثاني، واختاره إمام الحرمين. فهي في الحقيقة اختلاف في زَمَن تحقُّق الوجوب على المكلّف لا في صحة التكليف وعدمه. ولكن عبارة الكتاب قاصرة، فالفعل الممكن بذاته إذا أمر اللهُ - تعالى - به عبده فسمع الأمر في زمن، ثم فهمه في زمن يليه هل يعلم العبد إذ ذاك أنه مأمور مع أن من المحتملات أن يقطعه عن الفعل قاطع عَجْز أو موتٍ أو نحوهما، أو يكون شاكًّا في ذلك؛ لأن التكليف مشروطٌ بالسلامة في العاقبة، وهو لا يتحققها أصحابنا على الأول، فيرون تحققًا مستفادًا من صيغة الأمر، وإنما الشَّك في رافع يرفع المستقر (١)، والقوم على العَكس. وربما أثر هذا الخلاف في النِّيَّة، فيلزم القوم ألا توجد نيَّة جازمة، لحصول الشك فلا يصح لهم عمل. الشرح: "لنا: لو لم يصحّ" التكليف بما علم الآمر انتفاء شرطه، وصيرورة (٢) المأمور مكلفًا "لم يعص أحد أبدًا؛ لأنه لم يحصل" للفعل "شرط وقوعه من إرادة قديمة" عند الأشاعرة؛ لأن الله - تعالى - لم يرده، ضرورة أنه لو أراده لوقع، "أو حادثة" للعبد عند المعتزلة؛ لأن العاصي لم يرده عندهم، وقد علم الله الإرَادَتَيْنِ، فيكون عالمًا بعدم الشرط، فلو لم يكن مأمورًا بالطاعة حال عدم الشرط لم يَعْصِ حال عدم الإرادة، وهي حال لا ينفك عنها عاصٍ فلا يوجد عَاصٍ. "وأيضًا لو لم يصح لم يُعْلم التكليف" أصلًا، "لأنه "إذا أمر العبد بصوم هذا اليوم فإما أن يعلم بهذا الأمر بعد اليوم أو قبله أو معه، فإن علم به "بعده ومعه" لم يُفِدْ؛ لأنه "ينقطع" التكليف حينئذ على ما تقدم. "وقبله لا يعلم"؛ لأن صومه موقوف على بقائه وهو غير معلوم له قبل اليوم، فيكون شاكًّا في شرط التَّكْليف الذي هو البقاء، فيلزم الشك في المشروط فلا يعلم التكليف بالصوم أصلًا .. "فإن فرضه" - أي: فرض الخصم زمان التكليف - "متسعًا" بحيث إذا مضى أحد جزئيه علم

стр. 628

يَنْقَطِع، وَقَبْلَهُ لا يُعْلَم، وإنْ فَرَضَهُ مُتَّسِعًا، فَرَضْنَاهُ زَمَنًا زَمَنًا، فَلا يُعْلَمُ أَبَدًا. وَذلِكَ بَاطِلٌ، وَأَيْضًا، لَوْ لَمْ يَصِحَّ، لَمْ يَعْلَمْ إِبْرَاهِيمُ وُجُوبَ الذَّبح، وَالمُنْكِرُ مُعَانِدٌ. وَقَالَ الْقَاضِي: الإجْمَاعُ عَلَى تَحَقُّقِ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ قَبْلَ .................... المكلف أنه متمكن - بخلاف المضيق فإنه لا يعلم أنه مكلّف إلا بعد الانقضاء - نقلنا الكلام إلى أجزاء ذلك الزمان، ثم "فرضنا زمنًا زمنًا"، وتردّد في كل جزء، فإنه مع الفعل فيه أو بعده ينقطع. وقيل: الفعل يجوز ألَّا يبقى بصفة التكليف في الجزء الآخر، فلا يأثم بالترك "فلا يعلم" تكليف "أبدًا، وذلك باطلٌ. وأيضًا لو لم يصح لم يعلم إبراهيم ﵇ وجوب الذّبح"، لكونه - تعالى - عالمًا بانتفاء شرطه لوقوع النَّسْخ قبل الفعل، "والمنكر" لعلم إبراهيم بوجوب ذَبْحِ ولده مع علمه باشتغاله بمقدماته "مُعَاندٌ". الشرح: "وقال القاضي" مستدلًّا على صحة التكليف بما علم الآمر انْتِفَاء شرط وقوعه "الإجماع" قائم قبل ظهور المُعْتزلة "على تحقُّق الوجوب والتحريم" على كُلّ بالغ عاقل "قبل التمكُّن" من فعل ما خوطب به. ويقال: هذا مأمورٌ بكذا، ومَنْهِيٌّ عن كذا. ومن أبَى ذلك، والتزم إطلاق القول بأنه ليس على البَسِيطَةِ مَنْ يعلم كونه مأمورًا فقد بَاهَت الشريعة، ورَاغَمَ أهل الإجماع. وقد رَدَّ إمامُ الحرمين هذا الدليل على القاضي، وقال: لا تحصيلَ وراءه، فإن الإطلاقاتِ الشرعية لا تعرض على مأخذ الحقائق، [وأجرى إطلاقهم] (١): هذا مأمور، وهذا مَنْهِي مجرى إطلاقهم (٢) الخمر محرمة، والمراد تحريم شربها فالإطلاقاتُ مجازٌ. ولقائل أن يقول: الأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا يلزم من التجوز في قولهم: الخمر محرمة - مع قيام القرينة - التجوز هنا. وقد استدلَّ الإمام على أن التكليف يتوجّه قبل المُبَاشرة بالإجماع، على أن القاعد مأمور بالقيام، فما باله يستدلّ بإطلاقاتهم على ما يرتضيه، ويَذَرُهَا عندما يوهنه.

стр. 629

التَّمَكُّنِ. الْمُعْتَزِلَةُ: لَوْ صَحَّ، لَمْ يَكُنِ الإمْكَانُ شَرْطًا فِيهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الإمْكَانَ الْمَشْرُوطَ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَأَتَى فِعْلُهُ عَادَةً عِنْدَ وَقْتِهِ وَاسْتِجْمَاعِ شَرَائِطِهِ، وَالإمْكَانُ الَّذِي هُوَ شَرْطُ الْوُقُوعِ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَبِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَلَّا يَصِحَّ مَعَ جَهْلِ الآمِرِ. قَالُوا: لَوْ صَحَّ، لَصَحَّ مَعَ عِلْمِ الْمَأْمُور. وَأُجِيبَ بِانْتِفَاءِ فَائِدَةِ ....... واستدلّ "المعتزلة" بأنه "لو صح لم يكن الإمكان شرطًا فيه"، أي: في الفعل - لكنه شرط كما تقدم في مسألة التكليف بما لا يُطَاقُ. "وأجيب بأن الإمكان المشروط" في صحَّة التكليف، هو "أن يكون" المكلف به "مما يتأتى فعله عادة عند" حُضُور "وَقْتِهِ، وَاسْتِجْمَاع شرائطه، والإمكان الذي هو شرط الوقوع" غيره، وهو النزاع، فإن عنيت بقولك: لم يكن الإمكان شرطًا - الأول، منعناه، فإن عدم الشرط لا ينافيه. والثاني التزمناه؛ لأنه "محل النزاع". وأيضًا "يلزم ألَّا يصحّ مع جهل الآمر" تعيّن ما ذكرت، لكنه مجمع عليه كما تقدم. الشرح: "قالوا: لو صَحَّ لصح مع علم المأمور" بعدم وجود الشَّرط أيضًا، والجامع كونه غير متصور الحصول منه. "وأجيب" بالفرق "بانْتِفَاء فائدة التكليف" هنا، بخلاف الأول، "وهذا" يعني الذي لا يعلم عدم (١) وجود الشَّرْط "يطيع ويعصي بالعَزْمِ" على الطَّاعة، "والبِشْرِ" بها "والكراهة" لها، بخلاف العالم بانتفاء الشرط، وهذا على تقدير تسليم انْتِفَاء اللَّازم. ولقائل أن يقول: لم قلتم: إنه لا يصحّ مع علم المأمور بانتفاء الشرط، بل نقول: إنه يصح، ولذلك أن مَنْ عَلِمَتْ أنها تحيضُ في أثناء النهار يجب عليها افتتاح اليوم بالصوم. ويقرب منه - وهو على عكسه - من نَذَرَ الصيام يوم قُدُوم زيد، وتبيّن له أنه يقدم غدًا فَنَوى الصوم من الليل أجزأه عن نَذْرِهِ على الصحيح، ولم يقولوا: إنه يجب عليه، بل اختلفوا في الإجزاء كما رأيت - ونظير عدم الوجوب فيه الوجوب في الحَائِضِ. ولا يعكّر على هذا أن الصحيح فيمن نَذَرَ الصِّيَام يوم يقدم زيد أنه يلزمه الصَّوم من أول اليوم، ويقال: كما تبين بقُدُومِ زيد في أثناء النَّهار وجوب اليوم من أوله، كذلك بطريان الحَيْضِ

стр. 630

التَّكْلِيفِ وَهذَا يُطِيعُ وَيَعْصِي بِالْعَزْمِ وَالْبِشْرِ وَالمكَرَاهَةِ. الأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ: الْكِتَاب، وَالسُّنَّة، وَالإِجْمَاع، وَالْقِيَاس، ............ تحريمه من أوله، لأنا نقول: هذا التَّبيين إنما هو بعد ظهور المقتضى في مسألة النذر، والمانع في مسألة الحَيْضِ، وقبل: ظهورهما لا أثر لهما، سواء تحقق أنهما يظهران أم لا، فقد تبيّن تحقُّق التكليف علمًا، وإن أمكن الاحترام قبل ذلك، ثم إذا ورد العَجْز أو الموت أو النَّسْخ لم [يتبين أنه لم] (١) يكن مأمورًا، بل نقول: انقطع التكليف. وعلى هذا تسبب قولنا: من أفسد صومه بجماع (٢)، ثم أَنْشأَ سفرًا طويلًا في يومه، لا تسقط عنه الكفارة على المَذْهب، وكذا لو مرض على أصح القولين. والصحيح في طَرَيَانِ الجُنُون والموت والحَيْضِ: السقوط؛ لمأخذ فِقْهِيٍّ لا يتعلّق بما نحن فيه. الشرح: "الأدلة الشرعية: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، والقِيَاس، والاسْتِدْلالُ" (٣)؛ لأن الدليل: إما وَحْي (٤) أو غيره، والوَحْي: إما مَتلُو وهو .....................

стр. 631

وَالاِسْتِدْلال، وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الْكَلامِ النَّفْسِيِّ، وَهِيَ نِسْبَةٌ بَيْنَ مُفْرَدَيْنِ، قَائِمَةٌ بِالْمُتَكَلِّمِ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 632

وَالْعِلْمُ بِالنِّسْبَةِ ضَرُورِيٌّ، وَلَوْ لَمْ تَقُمْ بِهِ، لَكَانَتِ النِّسْبَةَ الْخَارِجِيَّةَ؛ إِذ لا غَيْرَهُمَا، القرآن (١)، أو لا وهو السُّنة، وغيره إن كانْ قَوْلَ كل الأمة: فالإجماع، وإن كان مُشَاركة فَرْع

стр. 633

وَالْخَارِجِيَّةُ لا يَتَوَقَّفُ حُصُولُهَا عَلَى تَعَقَّلِ الْمُفْرَدَيْنِ وَهذِهِ مُتَوَقِّفَةٌ. لأصل في عِلَّة الحكم، فالقياس، وإلا فالاستدلالُ.

стр. 634

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "وهي" - أي: الأدلة غير الكتاب - "راجعة إلى الكلام النَّفسي"، وإلا لم يكن حُجَّة. قال علماؤنا: وقد اشتمل الكتاب على جميع الأحكام؛ لقوله - تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٨٩]، وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣٨]. وقال الشَّافعي ﵁: "وليست تنزل بأحد في الدِّين نَازِلَةٌ إلَّا في كتاب الله الدليل على سبيل الهُدَى فيها". فإن قيل: في الأحكام ما ثبت ابتداء بالسُّنَّةِ. فلنا: ذلك مأخوذ من كتاب الله - تعالى - في الحقيقة؛ لأن كتاب الله أوجب علينا اتّباع الرسول ﵊، وفرض علينا الأخذ بقوله. قال الشَّافعي ﵁: [فمن قبل عن رسول الله ﷺ فعن الله - تعالى - قَبِل] (١).

стр. 635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن قيل: هيأت القبوض في [البياعَاتِ] (١)، وكيفية الإحراز في السرقة، وغالب النقود في المُعَاملات ليس لها أصل في الكتاب ولا في السُّنَّةِ. قلنا: قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٩٩]. والعرف: ما يعرفه الناس، ويتعارفونه فيما بينهم معاملة، فصار ما ذكرتم معتبرًا بالكتاب. وروي أن الشافعي كان بـ "مكة" يقول: سلوني عما شئتم أخبركم عنه من كتاب الله، فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور (٢)، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الله - تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر: الآية ٧]. [وحدثنا] (٣) سفيان بن عُيَيْنَة (٤) عن عبد الملك بن .......................
следующие страницы →