وَالْعِلْمُ بِالنِّسْبَةِ ضَرُورِيٌّ، وَلَوْ لَمْ تَقُمْ بِهِ، لَكَانَتِ النِّسْبَةَ الْخَارِجِيَّةَ؛ إِذ لا غَيْرَهُمَا،
القرآن (١)، أو لا وهو السُّنة، وغيره إن كانْ قَوْلَ كل الأمة: فالإجماع، وإن كان مُشَاركة فَرْع
стр. 633
وَالْخَارِجِيَّةُ لا يَتَوَقَّفُ حُصُولُهَا عَلَى تَعَقَّلِ الْمُفْرَدَيْنِ وَهذِهِ مُتَوَقِّفَةٌ.
لأصل في عِلَّة الحكم، فالقياس، وإلا فالاستدلالُ.
стр. 634
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"وهي" - أي: الأدلة غير الكتاب - "راجعة إلى الكلام النَّفسي"، وإلا لم يكن حُجَّة.
قال علماؤنا: وقد اشتمل الكتاب على جميع الأحكام؛ لقوله - تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٨٩]، وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣٨].
وقال الشَّافعي ﵁: "وليست تنزل بأحد في الدِّين نَازِلَةٌ إلَّا في كتاب الله الدليل على سبيل الهُدَى فيها".
فإن قيل: في الأحكام ما ثبت ابتداء بالسُّنَّةِ.
فلنا: ذلك مأخوذ من كتاب الله - تعالى - في الحقيقة؛ لأن كتاب الله أوجب علينا اتّباع الرسول ﵊، وفرض علينا الأخذ بقوله.
قال الشَّافعي ﵁: [فمن قبل عن رسول الله ﷺ فعن الله - تعالى - قَبِل] (١).
стр. 635
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن قيل: هيأت القبوض في [البياعَاتِ] (١)، وكيفية الإحراز في السرقة، وغالب النقود في المُعَاملات ليس لها أصل في الكتاب ولا في السُّنَّةِ.
قلنا: قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٩٩].
والعرف: ما يعرفه الناس، ويتعارفونه فيما بينهم معاملة، فصار ما ذكرتم معتبرًا بالكتاب.
وروي أن الشافعي كان بـ "مكة" يقول: سلوني عما شئتم أخبركم عنه من كتاب الله، فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور (٢)، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الله - تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر: الآية ٧].
[وحدثنا] (٣) سفيان بن عُيَيْنَة (٤) عن عبد الملك بن .......................
стр. 636
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عُمَيرة (١) عن ربعي بن خِرَاش (٢) عن حذيفة بن اليَمَانِ (٣) عن النبي ﷺ أنه قال: "اقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي "أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" (٤).
وحدثنا سفيان بن عُيَيْنة عن مسعر بن كدام (٥) عن قيس بن ..............
стр. 637
مَبْحَثُ الْكِتَابِ
الكِتَابُ: القُرْآن، وَهُوَ الْكَلامُ الْمُنَزَّلُ لِلإعْجَازِ بِسُورَةٍ مِنْه، ............
مسلم (١) عن طارق بن شهاب (٢) عن عمر بن الخَطَّاب أنه أمر بقتل المحرم الزُّنبور (٣).
والكلام نفسه صفة لله - تعالى - "وهي" أي: صفة الكلام - "نسبة بين مفردين قائمة بالمتكلّم".
"والعلم بالنسبة" - أي: تصور الكلام النَّفسي -، والعلم بكونه نسبة "ضروري".
وأما أنها النسبة القائمة بالنَّفس؛ فلأنها "لو لم تقم به لكانت النسبة الخارجية"؛ لأنها نسبة، ولا مخرج لها عنهما، فإن الثابت ثابت إما في النفس، أو خارج النفس، فإذا انتفى أحدهما تعيَّن الآخر؛ "إذ لا غيرهما"، واللَّازم منتفٍ؛ إذ "الخارجية لا يتوقف حصولها على تعلق (٤) المفردين"؛ لأن نسبة القياس إلى زيد إذا ثبت (٥) في الخارج، ثبت سواء عقل زيد والقيام أم لا، "وهذه" النسبة "موقوفة" على تعقُّل المفردين، فلم تكن هي الخارجية.
الشرح: "الكتاب: القرآن - وهو: الكلام المُنَزّل؛ للإعجاز بسورة منه" (٦)، وقد خرج بِقَيْدِ
стр. 638
وَقَوْلُهُمْ: مَا نُقِلَ بَيْنَ دَفَّتَي المُصْحَفِ تَوَاتُرًا - حَدٌّ لِلشَّيْء بِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ؛ لأِنَ وُجُودَ الْمُصْحَفِ وَنَقْلَهُ فرْعُ تَصَوُّرِ القُرْآنِ.
مَسْأَلةٌ:
مَا نُقِلَ آحَادًا فَلَيْسَ بِقُرْآنٍ؛ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ العَادَةَ تَقْضِي بِالتَّوَاتُرِ فِي ............
الإعجاز ما أنزل لا للإعجاز، وقيد (١) السورة مخرج بعض السورة والآية، فإن التحدي إنما وقع بالسورة؛ وهذا الحدُّ من صنيع المصنّف.
والآمدي عرَّفه بأنه القُرآن المُنَزّل.
وقد أخذ هو والمصنف المنزل قيدًا في التعريف؛ لأن الحد للفظ فأراد إخراج النفساني بذلك.
ولقائل أن يقول: الألفاظ عَرَض، ولا تقبل حقيقة النزول، وإذا انتفت الحقيقة فيصح وصف النَّفْسَاني بالنزول مجازًا أيضًا؛ إذ لا نعني بنزوله إلا التعبير عنه في العالم السفلي "وقولهم" - في تعريف القرآن - "ما نقل بين دَفَّتي المُصحف تواترًا" لا يستقيم؛ إذ هو حد "للشيء بما يتوقّف" معرفته "عليه؛ لأن وجود المُصْحف، ونقله فرع تصوّر القرآن"، فلا يعرف القرآن بهما، وإلَّا يلزم الدَّور.
"مسألة"
الشرح: لا بد من تواتر القرآن جملة وتفصيلًا، فكلّ "ما نقل آحادًا، فليس بقرآن؛ للقطع بأن العادة تقضي بالتَّوَاتر في تفاصيل مثله"؛ إذ هذا المعجز العظيم مما تتوفَّر (٢) الدواعي على نقل جُمَلِهِ وتفاصيله.
"وقوة الشُّبهة في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ منعت من التكفير (٣) من الجانبين": جانب الشافعية حيث يجعلونها آية من كُلّ سورة على الأصح عندهم، فيما عدا "الفاتحة" و"براءة"، فإنها
стр. 639
تَفَاصِيلِ مِثْلِهِ. وَقُوَّةُ الشُّبْهَةِ فِي ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فَنَعَتْ مِنَ التَّكْفِيرِ مِنَ الجَانِبَيْنِ،
آية من "الفاتحة" بلا خلاف، وغير آية من "براءة" بلا خلاف، وجانب المالكية والقاضي أبو بكر، حيث زعموا أنها ليست من القرآن.
وليس الخلاف [فيها] (١) في قوله - تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة النمل: الآية ٣٠]، بل هي هناك من القرآن بإجماع المسلمين، فلا يكفر أحد من الفريقين ولا يفسّق.
وهذا ما يتعلّق بالأصول، ثم دخل المصنّف في ما لا يعنيه، وألقى بنفسه في لُجَّة لا تنجيه فأخذ يتعصّب (٢) لقومه، ويقيم على أن البَسْمَلَةَ ليست من القُرْآن دليلًا بزعمه فورَّط نفسه في عظيم، وفوت (٣) نحوها سهام [راسفين] (٤) يبلغون الصميم، فقال: "والقطع أنها لم تَتَوَاتر في أول السّور قرآنًا فليست بقرآن فيها قطعًا كغيرها"، - أي: كغير التَّسْمية؛ لما ذكر من أن ما نقل آحادًا، فليس بقرآن، "وتواترت بعض آية في "النَّمل" فلا مخالف فيها" في "النمل".
ولقائل أن يقول: لم قلت يا بن الحاجب: إنها لم تتواتر في أوائل السور، وقد تضمنتها مصاحف الصحابة (٥) فمن بعدهم، وصحَّ عن أمِّ سَلَمَة (٦) أن النبي ﷺ قرأ "البسملة" في أول "الفاتحة" وعدّها آية؟
وعن ابن عَبَّاس ﵁ في قوله - تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [سورة الحجر: الآية ٨٧] قال: وهي فاتحة الكتاب.
قال: فأين السَّابعة؛ قال: بسم الله الرحمن الرحيم. أخرجهما ابن خُزَيْمَةَ وغيره.
وعن ابن عبَّاس قال: كان النبي (٣) ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن
стр. 640
وَالقَطْعُ أَنَّهَا لَمْ تَتَوَاتَرْ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ قُرْانًا، فَلَيْسَتْ بِقُرْآنٍ فِيهَا قَطعًا كَغَيْرِهَا، وَتَوَاتَرَتْ بَعْضُ آيَةٍ فِي "النَّمْلِ" فَلا مُخَالِفَ.
الرحيم (١). رواه أبو دَاوُدَ والحاكم (٢)، وصحَّحه وقال: على شرط الشَّيخين.
وعن علي وأبي هريرة (٣) وابن عباس وغيرهم: أن الفاتحة هي السبع المثاني (٤)، وهي
стр. 641
قَوْلُهُمْ: مَكْتُوبَةٌ بِخَطِّ المُصْحَفِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: "سَرَقَ الشَّيْطَانُ مِنَ النَّاسِ آيَةً" لا يُفِيدُ؛ لأِنَّ القَاطِعَ يُقَابِلُهُ.
سبع آيات و"البسملة" السابعة، وفي بعض الروايات عن أبى هريرة رفع ذلك إلى النبي ﷺ . رواه البيهقي (١).
وفي الدَّارقطني (٢) عن أبي هريرة نحوه، والروايات كثيرة فلا نطيل.
ولا يظنّ الظَّانّ أنا ندَّعي تواتر ما ذكرناه الآن، فإنا نحن لم نثبت البسملة، إنما المثبت لها إمامنا الشافعي، فلعلَّها تواتر عنده، وربّ متواتر (٣) عند قوم دون آخرين، وفي وقت دون آخر.
وهذه طريقة جَدَلِيَّة ذكرناها في مقابلة دعوى ابن الحاجب القطع، وهي [تنهض] (٤) بإفساد كلامه فَأَنى ينهض (٥) القطع مع كونها مَسْطُورَةً في المصاحف ومع ما سطَّرناه من الروايات.
ومن العجب دعواه القَطْع بعد أن اعترف بأن الشُّبْهة موجودة من الجانبين، فإذا كان جانبه ذا شبْهة، فكيف يكون ذا دليل قاطع؟
стр. 642
قَوْلُهُمْ: لَا يُشْتَرَط التَّوَاتُرُ فِي المَحَلِّ بَعْدَ ثُبُوتِ مِثْلِهِ - ضعِيفٌ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ سُقُوطِ
[ثم] (١) قال: "قولهم: مكتوبة بخط المصحف، وقول ابن عباس: سرق الشَّيْطان من النَّاس آية" يعني: البسملة (٢) "لا يفيد؛ لأن القاطع يقابله"، ومراده أن هذين الدليلين ظنيَّان، ونحن نمنع (٣) ذلك كما عرفت.
ونقول: وضعها في المَصَاحف بخطّ المصحف من جميع الأمة مع إيهام أنها من القرآن بذلك دليل قاطع، وبرهان ساطع على أنها من القُرْآن مع ما انضم إلى ذلك مِمَّا رويناه.
ولو سلَّمنا القَطْع بعدم التوَاتر فلم قال: لا يفيد الآحاد فيما نحن فيه وقد أشار لهذا بقوله: "قولهم": لا يشترط القطع بتَوَاتُرِهَا في أوائل السور بعد تواترها في "النمل"، بل يكتفي به؛ إذ "لا يشترط التَّوَاتر في المَحَلّ بعد ثبوت مثله".
وهذا شيء ذكره الغَزَّالي - وهو الحَقّ عند الإنصاف - فهي من القرآن قطعًا.
وأما كونها من أوائل السور أوآية مستقلة إلى غير ذلك من التفاصيل، فأمر اجتهادي.
وذكر المصنّف أنه "ضعيف"، قال: لأنه "يستلزم سقوط كثير من القرآن المكرر"؛ لأنه يقال: يكتفي بأصله عن تَوَاتره في المحل.
قال: وكذلك يستلزم "جواز إثبات ما ليس بقرآن"، مثل: " ﴿وَيْلٌ" يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [سورة المرسلات: الآية ١٥]، " ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [سورة الرحمن: الآية ١٣]؛ لجواز أن يكون الثابت بالتواتر بعض المكررات، ويكون البعض الآخر ثابتًا بالآحاد بناء على عدم اشتراط التواتر في المحل بعد ثبوت مثله.
"لا يقال: يجوز" سقوط ما ذكرتم بالنَّظَر إلى الأصل، "ولكنه اتفق تواتر ذلك" بخلاف التسيمة؛ "لأنا نقول": لو فرضنا أنه قطع "النَّظر عن ذلك الأصل" - وهو اتفاق تواتر المكرر - "لم يقطع بانتفاء السقوط"، ولا بانتفاء الإثبات أيضًا؛ لكون القَطْع بها مستفادًا من تواتر المكرر،
стр. 643
كَثِيرٍ مِنَ القُرآنِ المُكَرَّرِ، وَجَوَازَ إِثْبَاتِ مَا لَيْسَ بِقُرْآنٍ مِنْهُ مِثْلُ ﴿وَيْلٌ﴾ [سورة المرسلات:
"ونحن" - مع قطع النظر عن ذلك الأَصْلِ - "نقطع بأنه لا يجوز" كلّ واحد من السّقوط والإثبات "والدليل" على اشْتِرَاطِ التَّواتر في القرآن "نَاهِض" على عدم السقوط والإثبات؛ "ولأنه يلزم" من قولكم: إن تواتر المكرر وقع اتفاقيًّا، وعدم اشتراط التَّوَاتر فيه "جواز ذلك" - أعني: السقوط، والإثبات "في المستقبل" - وهو باطك، فيصير التواتر آحادًا بموت المخبرين، أو غير ذلك.
ونقول إذ ذاك: بعض المجتهدين يردّه؛ لأن القرآن لا يثبت بالآحَادِ.
هذا كلام ابن الحَاجِبِ، وهو في غاية السقوط؛ فإن ما ذكره ليس بلازم لوجوه: أحدها: أن المكرر ليس منه واحد وقع الاتِّفَاق على أنه بعينه من القرآن، فلو جاز السقوط فيه لكان إما معينًا في واحد، وهو ترجيح من غير مرجّح.
وإمَّا الكُلّ وهو يستلزم سقوط بعض القرآن، وهذا بخلاف التَّسْمية، فإنها في "النمل" محققة، فجواز السقوط يتطرَّقُ إليها في غير "النمل".
والحاصل: أن البَسْمَلَةَ من القرآن قطعًا، ومن كل سورة ظنًّا، وما ذكره قوله - تعالى: ﴿فَوَيْلٌ﴾، ﴿فَبِأَيِّ﴾ لا يجيء فيه ذلك.
والثَّاني: أن ما ذكره من المكرر ليس تكريرًا إلَّا في اللَّفظ فقط، وكل واحد متعقّب (١)؛ لأنه يختص بها، ومراد به معنى ليس هو الأول، بخلاف البَسْمَلَةِ في السورة فإنها للتبرك في الجميع.
والثالث: ما ذكره ابنُ الحَاجِبِ من وقوع التَّوَاتر اتفاقًا، وما دفعه به ضعيف.
قوله: يلزم جواز ذلك في المُسْتقبل.
[قلنا] (٢): الجواز العَقْلِي ملتزم، وأما الشرعي، فمن تواتر عنده لا يتصور بغير الحال عنده لحصول العلم [له] (٣).
وأما من لم يتَّصل به التواتر، فلم قلتم: إنه لا يجتهد وهو لم يبلغْه إلا بخبر واحد، وقد قلتم: إن خبر الواحد لا يثبت به القرآن، ومع هذا فالأمة آمنة من وقوع ذلك لقوله - تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩].
стр. 644
الآية ١٩]، وَ ﴿فَبِأَيِّ﴾ [سورة الرحمن: الآية ١٦]. لَا يُقَالُ: يَجُوزُ وَلكِنَّهُ اتَّفَقَ تَواتُرُ ذلِكَ؛ لأَنَّا
واعلم: أن ذكر هذه المسألة في الأصول - فضولٌ، وذهاب القاضي أبي بكر إلى أنها قطعية - ضعيف.
والإنصاف أنها ظنية، وإن كنا قد قدّمناه، فذلك على سبيل المُعَارضة والمقابلة، ولا يستراب في حكمنا بأنها من القُرْآن دون حكمنا على آية الكرسي ونحوها.
وأما الاشتغالُ بأن الحق فيها ما هو فمن وظائف الفقيه، والذي ندين به رَبّ العالمين أن الحق في جانب الشَّافعي (١).
وقول القاضي أبي بكر: أَسْتخير الله، وأقطع بخطأ الشافعي معترض (٢) بأنا نبادر إلى القول بتخطئة القاضي من غير تَوَقُّفٍ ولا تَلَعْثُمٍ؛ لأن الإقدام على ذلك خيرٌ مَحْضٌ، وعبادة بَتَّة لا يحتاج قبلها إلى الاستخارة.
وما بالُ ابن البَاقِلَّاني - وإن كان أستاذ المتكلمين - ينادي بهذا المَقَال الذي لا يسلم لأبي حنيفة ومالك، وعصبة الحَقّ ساكتون.
وقد وقع في "شرح القطب الشِّيرازي" أن القاضي قال: إن الخطأ فيها إن لم يبلغ إلى حَدّ التكفير، فلا أقل من التَّفْسِيقِ، وهذا مختلق على القاضي وإن ذكره الإمام فخر الدِّين في "تفسيره".
معاذ الله أن يقول ذلك، ولقد بحثت عن كلماته، ووقفت على كتابه "الانْتِصَار لنقل القرآن" - وهو من نَفَائس كتبه - فوجدته قد أشبع القول فيه، ولم يتعرض لفسق، وَسُبْحَان الله القاضي أجلُّ من ذلك.
ومن طالع كلامه وجده أشد الخَلْق تعظيمًا للشَّافعي، بل ما أعرفه يعظِّم أحدًا من الأئمة مثل تعظيمه للشَّافعي.
стр. 645
نَقُولُ: لَوْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ ذلِكَ الأَصْلِ، لَمْ يُقْطَعْ بِانْتِفَاءِ السُّقوطِ، وَنَحْنُ نَقْطعُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوز، وَالدَّلِيلُ نَاهِضٌ؛ وَلأَنَّهُ يَلْزَمُ جَوَازُ ذلِكَ فِي المُسْتَقْبَلِ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
وقد قال جَمَاعَةٌ: إنه كان شافعيَّ المذهب مع أن مَنْ ذاق مذاقًا من الشَّريعة يعلم أن التفسيق هُنَا لا وجه له في الجانبين، ولكن هؤلاء الذين شرحوا هذا المختصر بعيدون عن الشريعة عَارُونَ عن ثَبَاتِ (١) الفقه.
ولقد أعجبُ لهم وكلهم شافعية يمرّون بأمثال هذه المسألة، [ولا] (٢) يزيد أكثرهم فيها على حلّ لفظ الكتاب، وأقسم بالله يمينًا برَّة لو تذزعوا لباس (٣) الفقه ما حملت أخفسهم السكوت عن هذه العظائم.
وأحسن ما يُقال في الاعتراض على القاضي شيئان:
أحدهما: ما عارضه حُجَّة الإسلام في كتاب: حقيقة القولين وغيره في مقابلة قوله: لو كانت من القرآن لبين ذلك النبي ﷺ إلى اخر ما ذكره مع الاحتياج إلى ذلك، فإن كونها مكتوبة بخطّ القرآن في كلّ سورة منزلة على النبي ﷺ مما يوهم أنها من القرآن، فيلزم بيان ذلك.
لا يقال: كلّ ما هو من القرآن مُنْحصر يمكن بيانه، بخلاف ما ليس من القرآن فإنه غير منحصر، فلا يمكن بيان أنه ليس من القُرْآن؛ لأنَّا نقول أولًا: لم قلتم: إنه لا يجب بيان ما ليس من القرآن قولكم: غير منحصر.
قلنا: نبيّنه على سبيل الإجمال بأن يقول: ما كان خارجًا عَن كيت وكيت، فهو غير قرآن.
سلَّمنا أن ذلك لا يجب على الجملة، ولكن ما الذي لا يجب أن نبيّن أنه ليس بقرآن كل ما عداه، أو ما وقع فيه الشَّك الأول مسلم.
والثاني: وهو محل النزاع - ممنوع وهو منحصر قليل ممكن.
والثَّاني: أنا ندعو القاضي أبا بكر إلى المُبَاهَلَةِ، هل قطْعُه بأن البسملة ليست من القرآن، كقطعه بأن التعوّذ ليس من القرآن؟!، ونحن نُجلُ مقداره عن أن يدَّعي ذلك.
وإن هو فاه بالحَقّ - وهو الظَّن به - وقال بالقَطْع فيهما متفاوت.
نقول: فأنت ممن لا يرى التفاوت بين العلوم.
стр. 646
الْقِرَاءَاتُ
مَسْأَلَةٌ:
الْقِرَاءَاتُ السَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ فِيمَا لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْأَدَاءِ، كَالْمَدِّ، وَالإِمَالَةِ، وَتَخْفِيفِ الهَمْزِ، وَنَحْوِهَا.
والتفاوت دليل الظن فما عندك غير ظَنّ غالب وأنت لا تجوِّز [القضاء به] (١) فلم حكمت به؟
لا يقال: فنحن ندعوكم أيضًا إلى المباهلة هل قَطَعتم بأنها من القرآن، كقطعكم بأن آية الكرسي من القرآن إلى آخر ما ذكرتموه؟ لأنا نقول: نحن عند الإنصاف لا نَدَّعي القَطْع فيها كما عرفت، ثم لو ادعينا القطع فما ندري ما رأي الشَّافعي ﵁ في العلوم هل تقبل التفاوت أم لا؟.
«مسألة»
الشرح: "القِرَاءَات (٢) السَّبْعُ مُتَوَاتِرَةٌ" (٣).
وَتَخْصِيصُ أَحَدِهِمَا تَحَكُّمٌ بَاطِلٌ؛ لاِسْتِوَائِهِمَا.
قال أبو شامة (١): ولا يلتزم التَّوَاتر في جميع الألفاظ المختلف فيها بين القراء فَبَيَّنَ المصنف في كتب القراءات اختلافًا كثيرًا.
وإنما التواتر فيما أجمعت (٢) الطرق على نقله في السبعة، فذلك متواتر.
стр. 649
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قال المصنف: "فيما ليس من قبيل الأداء كالمَدّ (١)، والإمالة (٢)، وتخفيف الهمزة، ونحوه (٣).
لنا: لو لم تكن" (٤) السَّبع متواترة "لَكَان بعض القرآن غير متواتر، كـ"مالك" (٥)، و"ملك، ونحوهما. وتخصيص أحدهما" بالتَّوَاتر دون الآخر "تحكم مَحْض؛ لاستوائهما" في النقل، فلم يَبْق إلا القول بتواترهما، وهو المدعي.
стр. 650
الْعَمَلُ بالشَّاذِّ
مَسْأَلَةٌ:
الْعَمَلُ بِالشَّاذِّ غَيْرُ جَائِزٍ مِثلُ: "فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابعَاتٍ"، وَاحْتَجَّ بهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀.
«مسألة» (١)
الشرح: "العمل بالشَّاذ" من القراءات، وهو ما نقل آحادًا "غير جائز، مثل": ما نقله ابن مسعود في مُصْحفه: ""فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ"" (٢)، "وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمْ" (٣).
"واحتج به أبو حنيفة ﵀ " وأوجب التتابع في صوم كَفَّارة اليمين.
وما ذكره المصنّف من أنه لا يجوز العمل بها، ولا تجري مجرى خبر الآحاد هو ما ذكره الإمامُ في "البرهان": أنه ظاهر مذهب الشَّافعي، وتبعه أبو نصر القشيري.
ولكن ذكر القُضَاة: أبو الطيب، والحسين، والرُّوياني. في "التَّعليقتين" و"البحر" والرافعي في "الشرح": أنها تنزل منزلة أخبار الآحاد.
стр. 651
لَنَا: لَيْسَ بِقُرْآنٍ وَلَا خَبَرٍ يَصِحُّ العَمَلُ بِهِ.
قَالُوا: يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا فَيَجِبُ.
وبقراءة ابن مسعود احتج الأصحاب على قطع اليَمِينِ.
وقال المَازِرِيّ (١): إن أضافها القارئ إلى التنزيل، أو إلى سماع من النبي ﷺ ، أجريت مجرى خبر الوَاحِدِ، وإلَّا فهي جارية مجرى التأويل.
فإن قلت: فكيف لم توجبوا التتابع (٢) لقراءة ابن مسعود؟
قلت: لعلَّه لمعارضة ذلك بما قالته عائشة ﵂: نزلت: "فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَتتَابِعَاتِ" فسقطت متتابعات. أخرجه الدَّارقطني، وقال: إسناد صحيح (٣).
قال: "لنا" إن الحُجَّةَ منحصرةٌ في الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس وغيرها (٤) من الأدلَّة المعروفة.
وهذا قال راويه (٥): إنه قرآن وهو معترف بأنه ليس سُنَّة ولا إجماعًا ولا شيئًا يغاير القرآن، ثم لم يثبت مَقَالته، فنقول: "ليس بقرآن"؛ لأنه خبر واحد، "ولا خبر يصحّ العمل به"؛ لأن راويه معترفٌ بذلك.
الشرح: "قالوا": - وهم الحنفية ومن ذكرناه من أصحابنا: إنه متردّدٌ بين أن يكون قرآنًا أو خبرًا، وحينئذ "يتعيَّن أحدهما، فيجب" العمل به.
"قلنا": لم (٦) قلتم بتعيين أحدهما، ولم لا "يجوز أن يكون مذهبًا" لناقله.
"وإن سلم" لزوم أحد الأمرين "بالخبر المقطوع بخطئه"، فهذا الخبر "لا يعمل به"، وإنما قطعنا بخطئه؛ لأن ناقله نقله قرآنًا، "ونقلَه قرآنًا خطأ"؛ وإلا لتواتر.
ولقائل أن يقول: المقطوع بخطئه جعله من القُرْآن لا كونه خبرًا، والذي لا يصح العمل به هو ذلك لا لكونه خبرًا.
والذي يظهر لي أن الجواب واحد وهو الأول.
стр. 652
قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا، وَإنْ سُلِّمَ فَالْخَبَرُ المَقْطُوعُ بِخَطَئِهِ لَا يُعْمَلُ بِهِ، وَنَقْلُهُ قُرْآنًا خَطَأٌ.
الْمُحْكَمُ والمُتَشَابِهُ
الْمُحْكَمُ: المُتَّضِحُ الْمَعْنَى، وَالْمُتَشَابِهُ: مُقَابِلُهُ؛ إِمَّا لاِشْتِرَاكٍ،
وتقريره: أن جعله من القرآن خطأ قطعًا، فلم يَبْقَ إلا كونه خبرًا أو مذهبًا، وإنما يعمل به إذا كان متحقق الخبرية، أما ما تردد الحال فيه بين أن يكون خبرًا أو لا فلا يعمل به، وعلى ذكر هذا اقتصر الغزالي في "المستصفى".
"فرع"
تصح الصَّلاة بالقراءات الشاذة إن لم يكن فيها تغيير معنى، ولا زيادة حرف ولا نقصانه، جزم به في "الروضة" (١).
وقال النَّووي في "فتاويه": لا تحلّ القراءة بها في الصَّلاة ولا في غيرها، فإن قرأ بها في الصلاة، وغيَّرت المعنى بطلت الصَّلاة إن كان عامدًا عالمًا.
الشرح: "المحكم: المتضح المعنى، والمتشابه مقابله" (٢)، وهو ما
стр. 653
أَوْ إِجْمَالٍ، أَوْ ظُهُورِ تَشْبِيهٍ، وَالظَّاهِرُ: الوَقْفُ عَلَى ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [سورة آل عمران:
[لم] (١) يتَّضح معناه.
وهذه العبارة ظاهرةٌ في أن الظَّاهر محكم، ويكون على هذا المحكم اسمًا شاملًا للنص وبالظاهر، وكذا ذكره جماعة.
وقد اختلف المفسّرون في قوله - تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٧] اختلافًا كثيرًا.
والمنقول عن ابن عبَّاس ﵁ أن المحكم: الناسخ، والمتشابه: المنسوخ (٢).
وعن الشَّافعي - كما حكاه المَاوَرْدِيّ - في "التفسير" أن المحكم (٣): ما لا يحتمل من التأويل إلَّا وجهًا واحدًا.
والمتشابه: ما احتمل أوجهًا، وهذا ما جرى عليه الأصوليون.
وقيل: المحكم: ما لم تتكرر ألفاظه، ومقابله المُتَشَابه.
وقيل: المُحْكم: الفرائض، والوعد، والوعيد، والمتشابه: القصص، والأمْثَال.
وقال ابن السَّمْعَاني: أحسن الأقاويل أن المُتَشَابه: ما استأثر الله بعلمه، ولم يطلع عليه أحدًا من خلقه، وكلفهم الإيمان به.
стр. 654
الآية ٧]؛ لأَنَّ الخِطَابَ بِمَا لَا يُفْهَمُ بَعِيدٌ.
والمحكم: ما أطلعهم عليه.
قال: هذا هو المُخْتَار على طريقة السُّنة (١).
وقال المَاوَرْدِيّ: ويحتمل أن يقال: المحكم: ما كانت معاني أحكامه معقولة. بخلاف المُتَشَابه كأعداد الصلوات، واختصاص الصِّيام بـ"رمضان" دون شَعْبَان (٢).
وهذا منه ميل إلى أن ما يسميه بالتَّعَدِّي من الأحكام له معنى، ولكنا لم نطلع عليه وهي مقالة تُنَاسب المعتزلة.
ومنهم من لا يشترط ذلك في التعبُّدي، ويقول: يجوز ألّا يكون له في نفس الأمر معنى بالكلية.
وهذا هو الصواب، فالرَّبُ يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
وعدم [اتضاح] (٣) المعنى؛ "إما لاشتراك" مثل: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [سورة البقرة: الآية ٢٢٨]؛ "أو إجمال" مثل: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ [سورة النساء: [الآية ٤٣]- عند من يجعل اللَّمس مترددًا بين الوَطْء واللَّمس باليد؛ "أو "لأجل "ظهور تشبيه" مثل: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ [سورة الفتح: الآية ١٠]، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [سورة الفجر: الآية ٢٢]، ونحو ذلك.
ولقائلٍ أن يقول: قد قلت: المُتَشَابه: ما لم يتضح.
ثم قلت: سبب عدم الإيضاح إما اشتراك، أو إجمال، أو ظهور تَشْبيه، والإجمال قد عرفته في باب المُجْمَل فقلت: ما لم [تتضح] (٤) دَلَالَتُه، فكأنك قلت: السَّبب في كونه غير متَّضح المعنى، أنه غير متضح المعنى فجعلت نفس الشيء سببًا فيه، وهو واضحُ الفَسَادِ.
стр. 655
الأَنْبِيَاءُ وَالْمَعْصِيَةُ
مَسْأَلَةٌ:
الْأَكْثَرُ: عَلَى أَنَّهُ: لَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ
"والظَّاهر الوَقْف على: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، من قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٧] لا على الله، لئلا يلزم خطابه العِبَاد بما لا يفهمونه وهو غير جائِزٍ إلَّا عند شذوذ؛ "لأن الخطاب بما لا يُفهم بعيد" عن العقول.
وقيل: الوَقْف على "الله"، و"الراسخون" مُبْتدأ، وهو المنقول عن جماعة من الصَّحابة منهم عائشة، وابن عُمَرَ، وابن عئاس، وابن مسعود، ومالك بن أنس، وابن كثير، ونافع والكسائي، ويعقوب الحَضْرَمِيّ، والأخفش، والفرَّاء، وأبو حاتم السّجستاني، وابن كيسان، وأبو عبيدة.
وما ذكره المصنف. قال ابن السَّمعاني: لم يذهب إليه إلا شرْذمةٌ قليلة من النَّاس واختاره القتبي.
أقال: وقد كان يعتقد مذهب السُّنة، ولكنه سها في هذه المسألة] (١) قال: ولا غَرْوَ فإن لكل جواد كَبْوَةً ولكل عالم هَفْوَة (٢).
قال: ونقل عن مجاهد. ولا أعلم تحققه، وقد أطلت الكلام على ذلك في كتاب "منهاج أهل السُّنة".
قلت: هو يعظم الأمر في ذلك؛ لأنه يجر الكلام فيه إلى الآيات والأحاديث الواردة في الصِّفات.
"مسألة"
الشرح: "أكثر على أنه لا يمتنع عقلًا على الأنبياء (٣) ﵈" - قبل الرِّسَالة - "معصية"، كبيرة (٤) كانت أو صغيرة.
стр. 656
عَلَيْهِمْ - مَعْصِيَةٌ، وَخَالَفَ الرَّوَافِض، وَخَالَفَ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَّا فِي الصَّغَائِرِ وَمُعْتَمَدُهُمُ: التَّقْبِيحُ الْعَقْلِيُّ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى عِصْمَتِهِمْ بَعْدَ الرِّسَالَةِ مِنْ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ فِي الْأَحْكَامِ؛ لِدِلَالَةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى الصِّدْقِ، وَجَوَّزَهُ الْقَاضِي غَلَطًا.
"وخالف الرَّوَافض" فذهبوا إلى امتناعهما.
"وخالف المعتزلة إلا في الصَّغائر"، وشبهة الفَرِيقَيْنِ "ومعتمدهم: التقبيحُ العَقْليُّ". قالوا: فإن صدور المَعْصية منهم ينفّر الطبع عنهم، فكان قبيحًا.
"والإجماعُ منعقدٌ، على عصمتهم (١) بعد الرِّسَالة من تعمّد الكذيب في الأحكام؛ لدلالة المعجزة على الصِّدق" فيها، وكذلك يمتنع على وجه السهو.
"وجوَّزه القاضي غلطًا وقال": إنما "دلَّت المعجزة على الصدق الصَّادر اعتقادًا"، لا على ما يفوهون به؛ لأن الغلط والنسيان غير داخلين تحت التَّصْديق المقصود بالمعجزة.
هذا في الكذب في الأحكام غلطًا.
"وأما غيره من المَعَاصي، فالإجماع" منعقد "على عِصْمتهم من الكبائر، وصغائر" المعاصي الدَّالة على "الخِسَّة، وَدَنَاءَةِ الهِمَّة، كسرقة لُقْمة، والتَّطفيف بِحَبَّةٍ.
والأكثر على جواز غيرها" أي: غير الكبائر وصغائر الخِسَّة.
والمختار عندنا: امتناع الكُلِّ على [كل] (٢) وجه من العَمْدِ والسهو، وهو رأي الأستاذ أبي إسْحاق والقَاضي عِيَاض، وأبي الفتح الشَّهْرَستاني، وأبي ﵁ وغيرهم من أصحابنا ومن المخالفين.
فإن قلت: لا يلزم من تجويز الصَّغائر سهوًا نَقْص من رتبتهم ولا حَطّ من مقاديرهم؛ إذ حالة السهو مغفورة لا ذنب فيها، والحِلّ والحُرْمة على أصلكم لَيْسَا من صفات الأعيان، فلا فرق في حالة الغَفْلَةِ بين صدور الطَّاعات والمعاصي.
قلت: نحن لا ننكر أنه لا ذَنْبَ في تلك الحال، ولكن الفِعْلَ من حيث هو منهي عنه، فربما تخيل (٣) رائيه النَّقْصَ في فاعله غير متأمل أنه فعله عمدًا أو سهوًا.
стр. 657
وَقَالَ: دَلَّتْ عَلَى الصِّدْقِ اعْتِقَادًا. وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الْمَعَاصِي، فَالْإِجْمَاعُ عَلَى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ الْخِسَّةِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى جَوَازِ غَيْرِهِمَا.
فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ -
مَسْأَلَةٌ:
فِعْلُهُ ﷺ مَا وَضَحَ فِيهِ أَمْرُ الْجِبِلَّةِ، كَالْقِيَامِ، وَالْقُعُودِ، وَألْأَكْلِ،
وهو أيضًا مكروه للشارع، وإنما لم يؤاخذ عليه لعذر الغَفْلة، ورتبتهم أجَلّ من الإقدام على مكروه الباري ، وهو أيضًا ربما سمي بالحَرَامِ.
وكذا اختلف أصحابنا في وَطْء الشبهة، هل يوصف بالحلال أو الحرمة أو لا يوصف بواحد منهما؟ وهو أرفع مقادير من فعل ما يوصف، ويسمى بالحَرَامِ.
فإن قلت: فهل يمنعون النِّسْيَان لأنه نقص؟
قلت: قد منعه من أصحابنا الأستاذ أبو إسحاق أيضًا، وفي الحديث الصحيح: "إنِّي لَا أَنْسَى وَلكِنْ مِمَّنْ أَنْسَى".
وادَّعى الإمام في "المحصول" (١): الاتفاق على جواز السَّهو والنسيان - وهي دعوى ممنوعة؛ لما حكيناه عن الأستاذ، ثم الفرق بين النِّسْيَان وغيره على تَقْدِير تجويز النِّسْيَان - أن النِّسْيَان طبيعةٌ بشرية لا تستلزم نقصًا في البشر.
فإن قلت: فالحنفية يجوزون الزلَّة مع منعهم الصَّغيرة، فماذا ترون؟
قلت: منعهما جميعًا إن صدق تغايرهما، وإلا فنحن لا نعني بالزلَّة إلا الصغيرة وهم يفسرونها بما لا [نوافقهم] (٢)؛ عليه، لأنهم يجنحون إلى أن الحل والحرمة من صفات الأعيان.
"مسألة"
الشرح: "فعله ﷺ " (٣) لا يكون محرمًا - كما عرفت - ولا مكروهًا؛ لِنُدْرَةِ صدور المكروه
стр. 658
وَالشُّرْبِ، أَوْ تَخْصِيصُهُ: كَالضُّحَى، وَالْوَتْرِ، وَالتَّهَجُّدِ، وَالْمُشَاوَرَةِ، وَالتَّخْيِيرِ، وَالْوِصَالِ،
عن آحَادِ المكلّفين، فكيف بسيد المرسلين ﷺ ؟!، فانحصر الأمر فيما عداها فنقول:
"ما وضح فيه أمر الجِبِلَّة" من الأفعال، "كالقيام، والقعود، والأكل، والشرب أو" وضح فيه "تخصيصه، كالضُّحى، والوَتْر (١)، والتَّهجُّد" (٢) كذا قال: والصَّحيح الذي نصَّ عليه الشَّافعي أنه نسخ وجوب التهجُّد عن النبي ﷺ "والمُشَاورة (٣)، والتخيير" (٤) لنسائه ﵇ في النِّكاح.
و"خُذُوا"، وَكَالْقَطْعِ مِنَ الْكُوعِ وَالْغَسْلِ إِلَى الْمَرَافِقِ - اعْتُبِرَ اتفِّاقًا. وَمَا سِوَاهُ إِنْ عُلِمَتْ
أربع (١) فَوَاضِحٌ" أن فعله في هذين القسمين ليس بيانًا لنا، ولسنا متعبدين به.
ولا يشرع الاتباع في الجِبِلِّي؛ لأنه [لو كان] (٢) كالواقع عن غير قصد، بل إن اتبع فيه فلا بأس وإن ترك فلا بأس (٣) ما لم يكن الترك رَغْبَةً عما فعل النبيّ ﷺ استنكافًا، فمن رغب عن سُنَّتِهِ وطريقته فليس منه.
وأنا أقول: مع ذلك يستحب التأسِّي كما سأذكره في آخر المسألة، ولكن ذلك الاستحباب لا يوجب وصف الفعل بأنه مستحبّ، بل إنما ذلك من قبيل التأسِّي والتبرُّك.
ونقل القاضي أبو بكر عن قوم: أنه مندوب بخصوصه، وكذلك حكاه الغَزَّالي في "المنخول".
وحكى بعضهم قولًا: إنه يجب علينا أن نفعل مثل ما فَعَله حكاية على الإطلاق، وهذا زَلَلٌ.
وأما ما وضح أنه مخصص به، فقد توقف إمام الحرمين في أنه هل يشرع التأسِّي فيه؟ وقال: ليس عندنا نقل لفظي أو معنوي في أن الصَّحَابة ﵃ كانوا يقتدون به ﷺ في هذا النَّوع.
ولم يتحقق عندنا نقيض ذلك، فهذا محلُّ الوَقْفِ.
وتابعه على ذلك أبو نصر بن القُشَيري، وأبو عبد الله المَازِرِيّ.
وذهب الشيخ شِهَابُ الدِّين أبو شامة في كتابه المحقق في أفعال الرسول ﷺ : إلى أنه ليس
стр. 661
صِفَتُهُ فَأُمَّتُهُ مِثْلُه، وَقِيلَ فِي الْعِبَادَاتِ، وَقِيلَ كَمَا لَمْ تُعْلَمْ. وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ فَالْوُجُوب،
لأحد التشبُّه به في المُبَاح في خصائصه، كالزِّيَادة على أربع، ويستحب التشبُّه به في الواجب عليه كالضُّحى، والتنزُّه عن المحرم عليه، كأكل كلّ ما له رائحة كريهة، وطلاق من يكره صحبته، وقال: هذا تفصيل حسن لا نِزَاعَ فيه لمن فهم الفِقْه، وقواعده قال: وقد ذكرت أدلَّة منفصلة، ولعلَّ الإمام ومَنْ وافقه عُنوا بذلك أنه لم ينقل أن الصحابة فعلوا ذلك بمجرد الاقتداء، والتأسِّي؛ بل لأدلة منفصلة (١).
قلت: الأمر كذلك فليس كلام الإمام فيما عليه دليل منفصل (٢).
"وما سواه إن وضح أنه بيان بقول أو قرينة، مثل" ما في "الصحيحين" من قوله ﷺ : "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٣)، فإنه مبين لقوله - تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٨٣]، وقوله ﷺ وهو على رَاحِلَتِهِ يوم النَّحر: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هذِهِ" (٤) رواه مُسْلم.
"وكالقطع من الكوع" المبين لآية السرقة.
روي بإسناد حسن (٥) أن النبي ﷺ قطع سارقًا من المَفْصِلِ.
стр. 662
وَالنَّدْب، وَالْإِبَاحَة، وَالْوَقْف، وَالْمُخْتَارُ: إِنْ ظَهَرَ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، فنَدْبٌ، وَإلَّا فَمُبَاحٌ.
ونقل عن أبي بكر، وعمر ﵄ قالا: إذا سرق السَّارق، فاقطعوا يده من كُوعهِ. أخرجه البيهقي (١)، "والغسل إلى المِرْفَقِ المبين" لآية الغسل في "صحيح مسلم": أن أبا
стр. 663
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هريرة توضأ فغسل يده اليُمْنَى حتى شرع في العَضُدِ ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ "اعتبر" كونه دليلًا في حَقِّنا وبيانًا لنا "اتفاقًا وما سواه" وهو ما لم يتضح أنه بيان لنا "إن علمت صفته" في حقه ﷺ من وجوب أو ندب أو إباحة "فأمته مثله.
وقيل": مثله إن كان "في العِبَادَاتِ" دون غيرها.
"وقيل": هو "كما لم [تعلم] " (١) صفته، وإليه ذهب القَاضي أبو بكر، فإنه إذا علمنا الوجه الذي وقع عليه الفعل لم يكن لنا إيقاعه عليه إلا أن يؤمر.
فأما أن يكتفى في إيجاب مثل ما وجب عليه علينا، أو ندبنا إلى مثل ما ندب إليه لعلمنا أنه فعله واجبًا أو ندَبًا فبعيدٌ.
قال أبو شَامَة: هذه المسألة لم يصورها القاضي، ولا الإمام، ولا الغَزَّالي، ولا ابن القشيري، ولا معظم المصنّفين في ذلك فيما علمت، ثم إن الإمام فخر الدين الرَّازي اختار الوقف فيها.
وأنا أقول: الفعل الذي فعله ﷺ ، وعلمنا أنه فعله على طريق الوجوب، إن علمناه واجبًا عليه وعلينا، فلا حَاجَةَ إلى الاستدلال بفعله على أنه واجب علينا، بل مرجعنا إلى الدليل الدال على عدم خصوصيته.
وإن علمناه مختصًّا به، فقد تقدم الكلام فيما هو من خواصّه.
وإن شككنا، فلا دليل على الوجوب إلا أدلة القائلين بالوجوب فيما لم يعلم صفته، فلا حَاجَةَ إلى فرض هذه المسألة، وهي أنه معلوم الصفة، أو لا، وإن علمناه أوقعه ندبًا فهو على اختيارنا النَّدْب في مجهول الصِّفة، أو مباحًا، فهو (٢) الذي لم يظهر فيه قَصْد القُرْبَةِ وسيأتي، انتهى مختصرًا.
قلت: والمراد ما إذا شككنا بالنِّسْبة إلينا، وعلمناه بالنسبة إليه، وليس كمجهول الصفة؛ إذ لا يلزم من عدم الاقتداء، ثم عدمه هاهنا.
стр. 664
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"وإن لم تعلم" صفته "فالوجوب" حكمه في حَقّه وحقّنا عند ابن سُرَيْج (١)، والإصْطَخْرِيّ (٢)، وابن خَيْرَان، وابن أبي هريرة (٣)، وبعض الحنفية، وهو الصحيح عن مالك.
"والندب" عند أكثر الحنفية والمعتزلة، [والصَّيْرَفي] (٤) والقَفَّال الكبير، وإمام الحرمين (٥).
ونسب إلى الشافعي ﵁ وأطنب الشيخ أبو شَامَةَ في نُصْرَتِهِ (٦)،
والإباحة عند آخرين، ونقل عن مالك ﵁ (٧)، "والوقف" عند ابن كَجّ (٨)، وأبي بكر الدقاق (٩)،
стр. 665
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والبندجي (١)، وأبي بكر الصَّيرفي، والقاضي أبي الطيب، والغزالي، والإمام، وأتباعه (٢)، في قولٍ خامسٍ أنه يدل على الحظر.
ووقع للآمدي في حكايته شيء غريب (٣)، فقال: هو قول من جَوَّز على الأنبياء ﵈ المعاصي، كأنه فهم (٤) عن قائله أنه يحمل الأمر على ارتكاب فاعله ﷺ محرمًا، وهو سوء فهم؛ فإن من جَوَّز المعاصي لا يقول: إنها دَيْدَنُ الأنبياء ﵈ حتى يجعل فعلهم المجرد محمولًا عليها، وإنما مستند القائل بهذه المقالة، أن الأحكام قبل ورود الشَّرْع عنده على الحظر.
وفعل ﷺ لا يغيّر هذا الأمر في حقنا، فيبقى الحَظْرُ كما كان، كذا صرح به القاضي أبو بكر والغزالي وغيرهما.
والحاصل: أن هذا القائل على ضَعْفِ مَقَالَتِهِ يقول بحُرْمَةِ الاتباع، لا أن ما وقع حظر، وهو من قول من يجعل الأحكام على الحَظْرِ قبل الشرع، سواء قالوا بتجويز المَعَاصي أم لا.
"والمختار: إن ظهر في فعله قصد القُرْبة" إلى الله - تعالى - "فندبٌ، وإلا فمباحٌ".
وهذا التَّفصيلُ صريح في جَرَيَانِ قول الإباحة مع ظهور قَصْدِ القُرْبَةِ.
وقد سبقه إليه الآمدي، وتبعه الشيخ شهاب الدين أبو شامة نقلًا واختيارًا في كتابه: "المحقق من علم الأصول فيما يتعلَّق بأفعال الرسول ﷺ "، ولم يَحْكِهِ ابن السَّمعاني، ولا غيره في هذا القِسْمِ.
وقد يقال عليه: كيف يجامع الترجح استواء الطرفين؟
стр. 666
لَنَا الْقَطْعُ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ - كَانُوا يَرْجِعُونَ
ويمكن الجواب عنه: بأن النبي ﷺ قد يقدم (١) على ما هو مستوى الطرفين ليبيّن للأمة جواز الإقدام عليه.
وبيان (٢) النبي ﷺ بهذا القَصْدِ - وهو الفعل - وإن كان مستوى الطرفين.
الشرح: "قال لنا" (٣) - أي: على وجوب التأسِّي في معلوم الصفة - "القَطْع - بأن الصَّحابة
стр. 667
إِلَى فِعْلِهِ ﵊ الْمَعْلُومِ صِفَتُه، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. وَإِذَا لَمْ تُعْلَمْ، وَظَهَرَ قَصْدُ الْقُرْبَةِ ثَبَتَ الرُّجْحَانُ فَيَلْزَمُ الْوُقُوفُ عِنْدَه، وَالوُجُوبُ زِيَادَةٌ لَمْ تَثْبُتْ، وَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ، فَالْجَوَازُ وَالْوُجُوب، وَالنَّدْبُ زِيَادَةٌ لَمْ تَثْبُتْ، وَأَيْضًا لَمَّا نفى الْحَرَجَ بَعْدَ قَوْلهِ: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٧]، فُهِمَتِ الإِبَاحَةُ مَعَ احْتِمَالِ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ.
قَالَ الْمُوجِبُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ [سورة الحشر: الآية ٧].
- ﵃ كانوا يرجعون إلى فعله ﷺ المعلوم صِفَتُهُ"، ويبادرون إلى اتباعه، كما في الغسل من الْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ وقُبْلَة الصَّائم وغيرهما.
ولقائل أن يقول: لا شك في رجوعهم، ولكن لم قلتم: إن حكمهم فيه الوجوب فربما رجعوا، وذلك الرجوع ندبًا في حقّهم أو وجوبًا.
"وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ إلى آخرها، وهو: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٧].
فإنه لولا وجوب التأسي، لم يكن للآية معنى، لإشعارها بأنه ما زوّجها منه إلا ليكون حكم أمته في ذلك كحكمه.
"وإذا لم يعلم" صفته، "وظهر قَصْد القُرْبَة"، فالدليل على نُدْبِيَّته أنه "ثبت" بقصد القربة "الرَّجحان، فيلزم الوُقُوف عنده، والوجوب زيادة لم تَثْبُتْ"؛ لعدم الدليل.
"وإذا لم يظهر، فالجواز" فقط؛ لأنه المتحقّق، "والوجوب والندب زيادة لم تَثْبُتْ"؛ لعدم دليلها.
"وأيضًا": دليل الإباحة أنه "لما نفى الحَرَج بعد قوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ بقوله: ﴿لِكَيْ لَا﴾ "فهمت" منه "الإباحة مع احتمال" اللفظ لكل من "الوجوب والندب".
الشرح: واحتج "الموجب" للتأسِّي مطلقًا بقوله - تعالى: " ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ " أي: افعلوه من جملة ما أتى به، فوجب اتباعه؛ لأن الأمر للوجوب.
стр. 668
أُجِيبَ بأَنَّ الْمَعْنَى: "مَا أَمَرَكُمْ"؛ لِمُقَابَلَةِ "وَمَا نَهَاكُمْ".
قَالُوا: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٥٣].
"وأجيب بأن المعنى": بـ ﴿مَا آتَاكُمْ﴾: "ما أمركم" به قولًا "لمقابلة" ذلك بقوله: " ﴿وَمَا نَهَاكُمْ﴾ " فإن مقابل النهي هو الأمر.
وهذا الجواب مأثور عن الشيخ أبي الحَسَنِ الأشعري ﵀.
ولقائل أن يقول: المراد: امتثلوا ما آتاكم به قولًا وفعلًا، واتركوا النهي (١)؛ إذ النهي بالفعل لا يتصور.
"قالوا": ثانيًا: قوله تعالى: " ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ " أمر باتباعه عام في الأقوال والأفعال "أجيب": بشموله للفعل، ولكن "في الفعل" المعلوم الصِّفة، وإيقاعه "على الوجه الذي فعله"، وذلك الوَجْه غير معلوم هل هو. للوجوب أو الندب أو الإباحة؟؛ لأن هذا هو الفرض.
أو يقال: ليس المراد الفعل، بل القول، والمعنى: فاتبعوه في القول.
"أو" يقال بعمومه فيهما أي: "في القول" والفعل.
وذلك أن يقول المستدلّ: لم ندعِ تخصيص قوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ بالفعل، فالضرب الأول من الجواب لا وجه له.
وعلى كلِّ حالٍ تقييدُ الفعل بمعلوم الصفة خلاف الظاهر.
وقد اعترف الشيخ شهاب الدِّين أبو شَامَة بعد أن ذكر الأجوبة، عن هذه الآية بضعف الأجوبة ثم قال: ينبغي حمل قوله - تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ على الندب، لئلا يلزم التخصيص بأشياء كثيرة (٢).
ولقائل أن يقول: الخروج عن ظاهر اللَّفظ لا دليل عليه، وكما يلزمنا التخصيص بأشياء لا يجب علينا فعلها - وإن كان هو الذي قد فعلها - كذلك يلزمك بأشياء لا يندب لنا فعلها، وإن كان هو قد فعلها، وليس كلامنا وكلامك إلا فيما تجرّد من الأفعال، فلم خرجت عن ظاهر الأمر؟
"قالوا": ثالثا: قوله - تعالى: " ﴿لَقَدْ كَانَ … ﴾ إلى آخرها"، أي: ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ
стр. 669
أُجِيبَ: فِي الْفِعْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَه، أَوْ فِي الْقَوْلِ أَوْ فِيهِمَا.
قَالُوا: ﴿لَقَدْ كَانَ … ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] إِلَى آخِرِهَا، أَيْ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ فَلَهُ فِيهِ أُسْوَةٌ [حَسَنَةٌ].
قُلْنَا: مَعْنَى التَّأَسِّي: إِيقَاعُ الْفِعْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ.
حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١]، "أي: من كان يؤمن "فهو يرجو، ومن يرج "فله فيه أسوة حسنة"، وهو ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا: ومن لم يكن له فيه أسوة لم يكن راجيًا فلا يكون مؤمنًا، وذلك على وجوب الاتباع.
"قلنا": وجوب التأسِّي مسلم، ولكن "معنى التأسِّي": تأسِّي المرء بغيره "إيقاع الفعل على الوجه الذي فعله"؛ لكونه فعله.
وقولنا: لكونه فعله، فصل ثان يخرج الموافقة، وأهمه المصنّف؛ إذ حاجته هنا إنما هي للفصل الأول، وإذا كانت على الوجه الذي فعله، فلا بد من عِرْفَانه ليقع التأسي به، والفرض أنه مجهول.
ولقائل أن يقول: لم قلتم: إن هذا معنى التأسِّي، والمفهوم من التأسِّي في اللغة إنما هو الاقتداء المُطْلق فلم شرطتم فيه ما ذكرتم؟
وقد قال الشيخ أبو شامة: لم أر أحدًا ممن وقفت على مصنفه في اللغة ذكر في معنى الائتساء والاتباع ما ذكروا، وإنما يفسرون الائتساء: بالاقتداء، والاتباع مطلقًا، وذكر كلام أبي عبيدة، وابن فارس، والجوهرى (١)، والرَّاغب (٢)، وأطنب في دفع هذا الشرط.
стр. 670
قَالُوا: خَلَعَ نَعْلَه، فَخَلَعُوا، فَأَقَرَّهُمْ عَلَى اسْتِدْلَالِهِمْ وَبَيَّنَ الْعِلَّةَ.
قُلْنَا: لِقَوْلِهِ ﵊: "صَلُّوا" أَوْ لِفَهْمِ الْقُرْبَةِ.
الشرح: "قالوا": رابعًا: خلع النبي ﷺ " وهو في الصَّلاة "نَعْلَهُ فخلعوا" نعالهم، "فأقرهم على استدلالهم" بمجرّد خلعه نَعْلَهُ.
"وبيّن العلة" التي تقضي اختصاصه حيث قال لهم لمَّا انصرف: "لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟، قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: "إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا خَبثًا رواه أبو داود بإسناد صحيح (١)، وابن خزيمة (٢) في "صحيحه"، وابن حِبَّان (٣)، والحاكم في "مستدركه"، وقال: على شرط مسلم.
"قلنا": خلعهم النِّعال لم يكن لمجرّد خلعه؛ بل "لقوله ﵊: صَلُّوا" كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٤).
ولك أن تقول: ذلك أمر بفعل الصلاة كما فعل.
فلم قلتم: إن منه خلع النعل فليس خلع النعلين من الصَّلاة في شيء.