← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

لَنَا الْقَطْعُ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ - كَانُوا يَرْجِعُونَ ويمكن الجواب عنه: بأن النبي ﷺ قد يقدم (١) على ما هو مستوى الطرفين ليبيّن للأمة جواز الإقدام عليه. وبيان (٢) النبي ﷺ بهذا القَصْدِ - وهو الفعل - وإن كان مستوى الطرفين. الشرح: "قال لنا" (٣) - أي: على وجوب التأسِّي في معلوم الصفة - "القَطْع - بأن الصَّحابة

стр. 667

إِلَى فِعْلِهِ ﵊ الْمَعْلُومِ صِفَتُه، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا قَضَى﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. وَإِذَا لَمْ تُعْلَمْ، وَظَهَرَ قَصْدُ الْقُرْبَةِ ثَبَتَ الرُّجْحَانُ فَيَلْزَمُ الْوُقُوفُ عِنْدَه، وَالوُجُوبُ زِيَادَةٌ لَمْ تَثْبُتْ، وَإِذَا لَمْ يَظْهَرْ، فَالْجَوَازُ وَالْوُجُوب، وَالنَّدْبُ زِيَادَةٌ لَمْ تَثْبُتْ، وَأَيْضًا لَمَّا نفى الْحَرَجَ بَعْدَ قَوْلهِ: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٧]، فُهِمَتِ الإِبَاحَةُ مَعَ احْتِمَالِ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ. قَالَ الْمُوجِبُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ [سورة الحشر: الآية ٧]. - ﵃ كانوا يرجعون إلى فعله ﷺ المعلوم صِفَتُهُ"، ويبادرون إلى اتباعه، كما في الغسل من الْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ وقُبْلَة الصَّائم وغيرهما. ولقائل أن يقول: لا شك في رجوعهم، ولكن لم قلتم: إن حكمهم فيه الوجوب فربما رجعوا، وذلك الرجوع ندبًا في حقّهم أو وجوبًا. "وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ إلى آخرها، وهو: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٧]. فإنه لولا وجوب التأسي، لم يكن للآية معنى، لإشعارها بأنه ما زوّجها منه إلا ليكون حكم أمته في ذلك كحكمه. "وإذا لم يعلم" صفته، "وظهر قَصْد القُرْبَة"، فالدليل على نُدْبِيَّته أنه "ثبت" بقصد القربة "الرَّجحان، فيلزم الوُقُوف عنده، والوجوب زيادة لم تَثْبُتْ"؛ لعدم الدليل. "وإذا لم يظهر، فالجواز" فقط؛ لأنه المتحقّق، "والوجوب والندب زيادة لم تَثْبُتْ"؛ لعدم دليلها. "وأيضًا": دليل الإباحة أنه "لما نفى الحَرَج بعد قوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ بقوله: ﴿لِكَيْ لَا﴾ "فهمت" منه "الإباحة مع احتمال" اللفظ لكل من "الوجوب والندب". الشرح: واحتج "الموجب" للتأسِّي مطلقًا بقوله - تعالى: " ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ " أي: افعلوه من جملة ما أتى به، فوجب اتباعه؛ لأن الأمر للوجوب.

стр. 668

أُجِيبَ بأَنَّ الْمَعْنَى: "مَا أَمَرَكُمْ"؛ لِمُقَابَلَةِ "وَمَا نَهَاكُمْ". قَالُوا: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٥٣]. "وأجيب بأن المعنى": بـ ﴿مَا آتَاكُمْ﴾: "ما أمركم" به قولًا "لمقابلة" ذلك بقوله: " ﴿وَمَا نَهَاكُمْ﴾ " فإن مقابل النهي هو الأمر. وهذا الجواب مأثور عن الشيخ أبي الحَسَنِ الأشعري ﵀. ولقائل أن يقول: المراد: امتثلوا ما آتاكم به قولًا وفعلًا، واتركوا النهي (١)؛ إذ النهي بالفعل لا يتصور. "قالوا": ثانيًا: قوله تعالى: " ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ " أمر باتباعه عام في الأقوال والأفعال "أجيب": بشموله للفعل، ولكن "في الفعل" المعلوم الصِّفة، وإيقاعه "على الوجه الذي فعله"، وذلك الوَجْه غير معلوم هل هو. للوجوب أو الندب أو الإباحة؟؛ لأن هذا هو الفرض. أو يقال: ليس المراد الفعل، بل القول، والمعنى: فاتبعوه في القول. "أو" يقال بعمومه فيهما أي: "في القول" والفعل. وذلك أن يقول المستدلّ: لم ندعِ تخصيص قوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ بالفعل، فالضرب الأول من الجواب لا وجه له. وعلى كلِّ حالٍ تقييدُ الفعل بمعلوم الصفة خلاف الظاهر. وقد اعترف الشيخ شهاب الدِّين أبو شَامَة بعد أن ذكر الأجوبة، عن هذه الآية بضعف الأجوبة ثم قال: ينبغي حمل قوله - تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ على الندب، لئلا يلزم التخصيص بأشياء كثيرة (٢). ولقائل أن يقول: الخروج عن ظاهر اللَّفظ لا دليل عليه، وكما يلزمنا التخصيص بأشياء لا يجب علينا فعلها - وإن كان هو الذي قد فعلها - كذلك يلزمك بأشياء لا يندب لنا فعلها، وإن كان هو قد فعلها، وليس كلامنا وكلامك إلا فيما تجرّد من الأفعال، فلم خرجت عن ظاهر الأمر؟ "قالوا": ثالثا: قوله - تعالى: " ﴿لَقَدْ كَانَ … ﴾ إلى آخرها"، أي: ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ

стр. 669

أُجِيبَ: فِي الْفِعْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَه، أَوْ فِي الْقَوْلِ أَوْ فِيهِمَا. قَالُوا: ﴿لَقَدْ كَانَ … ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] إِلَى آخِرِهَا، أَيْ: مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ فَلَهُ فِيهِ أُسْوَةٌ [حَسَنَةٌ]. قُلْنَا: مَعْنَى التَّأَسِّي: إِيقَاعُ الْفِعْلِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلَهُ. حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١]، "أي: من كان يؤمن "فهو يرجو، ومن يرج "فله فيه أسوة حسنة"، وهو ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا: ومن لم يكن له فيه أسوة لم يكن راجيًا فلا يكون مؤمنًا، وذلك على وجوب الاتباع. "قلنا": وجوب التأسِّي مسلم، ولكن "معنى التأسِّي": تأسِّي المرء بغيره "إيقاع الفعل على الوجه الذي فعله"؛ لكونه فعله. وقولنا: لكونه فعله، فصل ثان يخرج الموافقة، وأهمه المصنّف؛ إذ حاجته هنا إنما هي للفصل الأول، وإذا كانت على الوجه الذي فعله، فلا بد من عِرْفَانه ليقع التأسي به، والفرض أنه مجهول. ولقائل أن يقول: لم قلتم: إن هذا معنى التأسِّي، والمفهوم من التأسِّي في اللغة إنما هو الاقتداء المُطْلق فلم شرطتم فيه ما ذكرتم؟ وقد قال الشيخ أبو شامة: لم أر أحدًا ممن وقفت على مصنفه في اللغة ذكر في معنى الائتساء والاتباع ما ذكروا، وإنما يفسرون الائتساء: بالاقتداء، والاتباع مطلقًا، وذكر كلام أبي عبيدة، وابن فارس، والجوهرى (١)، والرَّاغب (٢)، وأطنب في دفع هذا الشرط.

стр. 670

قَالُوا: خَلَعَ نَعْلَه، فَخَلَعُوا، فَأَقَرَّهُمْ عَلَى اسْتِدْلَالِهِمْ وَبَيَّنَ الْعِلَّةَ. قُلْنَا: لِقَوْلِهِ ﵊: "صَلُّوا" أَوْ لِفَهْمِ الْقُرْبَةِ. الشرح: "قالوا": رابعًا: خلع النبي ﷺ " وهو في الصَّلاة "نَعْلَهُ فخلعوا" نعالهم، "فأقرهم على استدلالهم" بمجرّد خلعه نَعْلَهُ. "وبيّن العلة" التي تقضي اختصاصه حيث قال لهم لمَّا انصرف: "لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟، قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: "إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا خَبثًا رواه أبو داود بإسناد صحيح (١)، وابن خزيمة (٢) في "صحيحه"، وابن حِبَّان (٣)، والحاكم في "مستدركه"، وقال: على شرط مسلم. "قلنا": خلعهم النِّعال لم يكن لمجرّد خلعه؛ بل "لقوله ﵊: صَلُّوا" كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" (٤). ولك أن تقول: ذلك أمر بفعل الصلاة كما فعل. فلم قلتم: إن منه خلع النعل فليس خلع النعلين من الصَّلاة في شيء.

стр. 671

قَالُوا: لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالتَّمَتُّعِ تَمَسَّكُوا بِفِعْلِهِ. قُلْنَا: لِقَوْلهِ ﵊ "خُذُوا" أَوْ لِفَهْمِ الْقُرْبَةِ. قَالُوا: لَمَّا اخْتُلِفَ فِي الْغُسْلِ بِغَيْرِ إِنْزَالٍ سَأَلَ عُمَرُ عَائِشَةَ ﵄ فَقَالَتْ فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فَاغْتَسَلْنَا. وأيضًا فلم قلتم: إن هذا كان بعد قوله: "صلوا". قال بعضهم: لو كان الاقتداء واجبًا لما قال: "لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟ "؛ لعلمه بوجوب المتابعة، ولكن هذا ضعيف؛ لأن مثله يقال في الندب. وأما قول المصنّف: "أو لفهم القرينة". ولك أن تقول: أين القرينة؟ وما ذكر دليلًا لها من قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٣١] ليس بدليل؛ إذ خلع النَّعْل ليس من الزِّينة. ولو احتج به آخرًا لاحتجّ به قبل الدخول في الصَّلاة، وأيضًا كان يجب أن يستمر حكمه؛ إذ حكم الآية باقٍ. "قالوا": خامسًا: "لمَّا أمرهم بالتمتُّع"، ولم يتمتع "تمسَّكوا بفعله"؛ إذ استعظموا فعله بخلاف ما أمرهم به أولًا. ففي "الصحيحين": أنه ﷺ في حجّة الوداع أمر من لم يكن له هَدْيٌ إذا طَافَ بالبَيْتِ وبالصَّفا والمَرْوة: أن يحل من إحرامه، وأن يجعل حَجَّتَهُ (١) عُمْرَةً. وأن رسول الله ﷺ ثبت على إحرامه، وأن النَّاس استعظموا ذلك، وأن رسول الله ﷺ قال: "لَوْلَا أَن مَعِيَ الهَدْيَ لْأَحْلَلْتُ" (٢)، وهي مسألة فسخ الحَجّ إلى العُمْرَةِ. "قلنا": الاستعظام "لقوله ﵊: "خُذُوا" عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ"، "أو لفهم القرينة". الشرح: "قالوا": سادسًا: "لمَّا اختلفوا في "وجوب "الغُسْل بغير إنزال سأل عمر عائشة ﵄. فقالت: فَعَلْتُهُ أنا ورسول الله ﷺ [فاغتسلنا] " (٣).

стр. 672

قُلْنَا: إِنَّمَا اسْتُفِيدَ مِنْ "إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ"، أَوْ لأَنَّهُ بَيَانُ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا﴾ [سورة المائدة: الآية ٦]؛ أَوْ لأَنَّهُ شَرْطُ الصَّلَاةِ أَوْ لِفَهْمِ الْوُجُوبِ. وجاء في "صحيح مسلم": أن رجلًا سأل النبي ﷺ عن الرجل يجامع امرأته، ثم يكسل، وعائشة جالسةٌ فقال رسول الله ﷺ : "إِنِّي لأَفْعَلُ ذلِكَ أَنَا وَهذِهِ ثُمَّ نَغْتَسِلُ" (١). "قلنا: إنما استفيد الوجوب من "إِذَا الْتَقَى الخِتَانَانِ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ"" (٢). وذلك فيما روى "مسلم" أنهم ذكروا ما يوجب الغُسْل، فقام أبو موسى (٣) إلى عائشة ﵂ فسلَّم ثم قال: ما يوجب الغُسْل؟ فقالت: على الخَبِيرِ سَقَطْتَ. قال رسول الله ﷺ : "إِذَا جَلَسَ بَيْنَ

стр. 673

قَالُوا: أَحْوَط، كَصَلَاةٍ، وَمُطَلَّقَةٍ لَمْ تتعَيَّنَا وَالْحَقُّ أَنَّ الاِحْتِيَاطَ (١) فِيمَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ أَوْ كَانَ الْأَصْلَ كَالثَّلَاثِينَ، فَأَمَّا مَا احْتَمَلَ بَعْضَ ذلِكَ فَلَا. شُعَبِهَا الأَرْبَعِ وَمَسَّ الخِتَان، الخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ" (٢). وروى أحمد بن حنبل: أن عمر ﵁ بعث يسألها فقالت: "إذا جَاوَزَ الخِتَان، الخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ". أو [لأنه] (٣) يسلم ما رَوَيْتُم من قولها: فعلتُه. قال الترمذي: روي بإسناد جَيّد عن عائشة ﵂ أنها قالت: "إذا جاوز الخِتَانُ الخِتَانَ فقد وجب الغُسْل، فَعَلْتُهُ أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا". ["و "نقول] (٤): إنما استفيد الوجوب؛ "لأنه بيان" قوله - تعالى: " ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [سورة المائدة: الآية ٦] " والبيان يجب المُتَابعة فيه؛ "أو لأنه شرط الصَّلاة"، فإنه نوع من الطَّهَارة ففهم أتباعه بقوله ﵇: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي". "أو لفهم الوجوب" من فعله بقرينة. وأنا أقول: لعلَّ القرينة اغتسال عائشة ﵂ معه، ويكون الاحتجاج بفعلها هي، فإنها لا خصوصية لها، بل حكمها وحكمنا سواء، بخلافه هو ﷺ . الشرح: "قالوا": سابعًا: الأخذ بالوجوب "أحوط" (٥)؛ حذرًا من الإثْمِ بالترك على تقدير

стр. 674

النَّدْبُ: الْوُجُوبُ يَسْتَلْزِمُ التَّبْلِيغَ، وَالْإِبَاحَةُ مُنْتَفِيَةٌ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١]، وَهُوَ ضَعِيفٌ. الوُجُوبِ، "كصلاة ومُطَلَّقة لم يتعيَّنا"، فَإن تَارِكَ صلاةٍ لا [يعيّنها] (١) من الخمس يجب عليه الخَمْس، ومطلق إحدى زوجتيه يجب عليه الكَفُّ عنهما. "والحَقُّ أن الاحتياط" إنَّما يكون "فيما ثبت وجوبه"، كالصَّلاة [المَنْسِيَّة] (٢)، وترك الحرام في المطلقة. "أو كان" الوجوب فيه "الأصل كالثلاثين" إذا غُمَّ الهلال يفطر بناء على أصل شعبان، ومن رمضان بناء على أصل رمضان مع احتمال كون الأول من رمضان، والثاني من شَوَّال. "فأما ما احتمل" أصل الوجوب وعدمه" [لغير] (٣) ذلك" - أي: بغير أن يكون واجبًا أو يكون الأصل وجوبه -، "فلا" يجب فيه الاحتياط. بل قد يقال: لا يجوز؛ لاحتمال التحريم في حقنا، وهو هنا كذلك؛ لأن فعله ﷺ ثبت وجوبه، والأصل الوجوب. الشرح: واحتج من قال: "النَّدْب" هو الثابت، فقال: "الوجوب يستلزمُ التبليغَ"؛ لقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ﴾ والتقدير أنه لم يبلغ. "والإباحةُ منفيةٌ بقوله - تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢١] "؛ لأن أقل درجات الحَسَنَةِ الندب، وإذا انتفى الوجوب والإباحة، ثبت النَّدْب. "وهو ضعيف"؛ لأن الفعل إن لم يكن تبليغًا فنسبة الوجوب والندب إليه سواء، لوجوب التَّبليغ عليه فيهما.

стр. 675

الْإِبَاحَةُ: هُو الْمُتَحَقَّقُ فَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ. أُجِيبَ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ قَصْدُ الْقُرْبَةِ. وأيضًا فلم قلتم: إن الإباحة ليست أسوة حسنة، وقد تقدم أن المباح حسن. وأيضًا فقد يقال: قوله: لكم في الآية يدلّ على الندب؛ إذ لم يقل: عليكم، فانتفى الوجوب، والمُبَاح منتفٍ؛ لأن اللازم للاختصاص بجهة النفع، والظَّاهر من الشَّرع: اعتبار النَّفع الأخروي. والحَقُّ عندي أن هذه الآية لا تدلُّ لوجوب، ولا ندبٍ، ولا إباحةٍ كما قررته في "شرح المنهاج". الشرح: واحتجّ من قال: "للإباحة" بأن المباح "هو المتحقق"، والأصل عدم قيد زائدٍ عليه، فوجب الوقوف عنده (١). أجيب": إنما يكون هو المتحقق "إذا لم يظهر قصد القرينة". أما إذا ظهرت، فالمحقق الترجيحُ. واعلم: أن الإمام أبا المُظَفّر بن السمعاني نَصَرَ القَوْلَ بالوجوب نصرًا مؤزّرًا وقال: إنه الأشبه بمذهب الشافعي، ولكنه لم يتكلَّم إلا فيما ظهر فيه قصد القرينة؛ ولذلك لم يَحْك قول الإباحة. وأن ما تقدم من أن ما وضح فيه أمر الجِبِلَّةِ لا دليل فيه له عندي صور: أحدها: ما كان من هواجس النفس والحركات البشرية، كتصرُّف الأعضاء، وحركات الجسد. قال ابنُ السَّمعاني: فلا يتعلّق بذلك أمر باتباع ولا نَهْي عن مخالفة. قلت: مع القطع بأنه مشروع له ﷺ على ما عُرف في مسألة العصمة من أنه على الصَّواب في الحركات والسَّكنات عليه أفضَل الصَّلاة والسَّلام.

стр. 676

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والصورة الثانية: ما لا يتعلّق بالعبادات وليس مما تقدم، كأحواله في مَأْكَلِهِ ومشربه وملبسه، ونومه ويقظته. قال ابنُ السَّمعاني: فيدل ذلك على الإباحة دون الوجوب. قلت: وعندي أنه مع ذلك مستحبّ التأسِّي، فقد كان ابن عمر ﵁ لما حج يَجُرُّ خطَامَ ناقته حتى [يبركها] (١) حيث بَرَكَتْ ناقة النبي ﷺ تبرُّكًا بآثاره [الطَّاهرة] (٢). وفي الصحيح عن عبيد بن جريج (٣) أنه سأل ابن عمر (٤): رأيناك تصنع أربعًا وفيها تلبس

стр. 677

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . النِّعَال السَّبْتِيَّة، فأجابه بأنه رأى النبي ﷺ يلبسها، وآثار (١) الصحابة والتابعين ﵃ في ذلك - كثيرة. وقذ ذكر البُخَاري (٢) في "باب الاقتداء بأفعال النبي ﷺ " حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من ذهب فاتَّخذ النَّاس خواتيمَ من ذَهَبٍ فنبذه وقال: "إِنِّي لَنْ أَلْبَسَهُ أَبَدًا" (٣)، فنبذ النَّاسُ خواتيمهم. وقول الغَزَّالي: يحتمل أن يكون استدلالهم بذلك - مع قرائن حسمت بقيةَ الاحتمالاتِ،

стр. 678

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكلامنا في الفعل المجرد دون القَرِينَةِ صحيح، ولكنه لا يدفع الظهور، فإن الأصلَ عدم القرائن، فَلْيَسَعْنَا ما وَسَعَ الصَّحابة من الاقتداء والتأسِّي. قلت: وأنا أستحسن أن يستدل بما في "الصحيحين" عن عائشة ﵂ قالت: "إن كان رسول الله ﷺ لَيَدَعُ العَمَلَ وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمله الناس فيفرض عليهم" ففي هذا دليل على أمرين: أحدهما: أن الفرض عليهم لم يكن بنفس فعله، بل بفرض من الله - تعالى - إذا اقتدوا بما فيه. الثَّاني: أن الناس كانوا يتأسَّوْن وإن لم يفهموا الصّفة. والثالث: ما احتمل أن يخرج عن الجِبِلَّةِ للتشريع بمواظبة على وَجْهٍ خاص ونحوها، وهو دون ما ظهر فيه قَصْد القرينة [القُرْبَةِ]، وفوق ما ظهر [فيه] (١) الجِبِلِّي، ولم يذكره الأصوليون، وربما ترقَّى القولُ فيه في بعض أفراده إلى الوجوب. فقد رأى الشَّافعي ﵁ فساد الصَّلاة بترك الجلوس بين الخُطْبَتَيْنِ؛ لأنه ﷺ كان يجلس بين الخُطْبَتَيْنِ (٢). أو إلى الجَزْمِ بالندب، فقد استحب أصحابنا الاضطجاع على الجانب الأيمن بين ركعتي الفجر وصلاته، سواء اكان للمرء تهجّد أم لا؛ لقول عائشة ﵂: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا

стр. 679

دِلالَةُ سُكُوتِهِ ﷺ - مَسْأَلَةٌ: إِذَا عَلِمَ بِفِعْلٍ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ قَادِرًا، فَإِنْ كَانَ كَمُضِيِّ كَافِرٍ إِلَى صَلَّى رَكْعَتَي الفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ" (١). أو وقعٍ خلاف، كدخوله ﷺ "مكة" من ثَنيَّة "كَدَاء"، [أو] (٢) خروجه من ثنية وحجه راكبًا، وطوافه راكبًا، وذهابه إلى العيد في طريق وإيابِهِ في آخر. وقد اختلف الأصحاب في كل هذا، هل يحمل على الجِبِلَّةِ فلا يستحب، أو على التشريع [فيستحب] (٣)؟، والله الموفق. "تنبيه" (٤) إذا أقام النبي ﷺ حدًّا على إنسان أفاد الوجوب، وإن لم يكن هناك قرينة أصلًا بالاتفاق. ومن قال: إن الفعل المجرّد للندب أو للإباحة. نقول: هنا قرينة، وهي أنه لا يجوز إدخال الألم على بَدَنِ الإنسان إلا أن يكون واجبًا عليه، ذكره سليم الرَّازي في "التقريب". "مسألة" الشرح: في دلالة سكوته ﷺ عمن فعل فعلًا. "إذا علم" النبي ﷺ "بفعل ولم ينكره"، مع كونه ﵇ "قادرًا" على الإنكار (٥). "فإن كان" الفعل مما تقدَّم منه ﵊ بيان قُبْحِهِ، وتقرير فاعله مع ذلك بوجه شرعي، "كمضي كافر إلى كَنِيسَةٍ" (٦)، فإنه مقر على ذلك بعد بَذْلِ الجزية "فلا أثر للسكوت

стр. 680

كَنِيسَةٍ، فَلا أَثَرَ لِلسُّكُوتِ اتِّفَاقًا، وَإِلَّا دَلَّ عَلَى الْجَوَازِ، وَإِنْ سَبَقَ تَحْرِيمُه، فَنَسْخٌ، وَإلَّا لَزِمَ ولا دلالة [له] (١) على جواز" الفعل. قلت: وكان ينبغي التمثيل بغير مُضِيِّهِ إلى الكنيسة فإن ذلك بمجرده غير حرام لا على الكافر ولا المسلم، ولعلَّ المراد المُضِيّ على وجه التعبُّد بمعتقد الكافر. وإلا - أي: وإن لم يكن قد بين قُبحه، دلَّ سكوته على الجواز - جواز ذلك الفِعْلِ ويستثنى ما إذا كان قد أقدم على ذلك الفِعْلِ ممن علم أنه لا ينفع فيه الإنكار. قال الإمام: التقرير دالّ على رفغ الحَرَجِ إلا في موضع "واحد وهو ألَّا يبعد أن يرى رسول الله ﷺ آتيًا عليه ممتنعًا عن القَبُولِ لا سيَّما وقد أخبره الله - تعالى - أنه لا يؤمن، سواء أنذر أم لا ينذر. فإذا رآه يسجد لِصَنَمٍ بعدما أنكر عليه مرارًا، وأمكن حمل سكوته على يأس من القَبُول، فلا يدل على تقدير شرع، نقل هذا الكلام عن الإمام تلميذُه أبو نصر بن القُشَيري. [ومَثَّلَ] (٢) الإمام في "البرهان" لما نحن فيه بالمنافق والكافر، ووافقه المَازِرِيّ على التمثيل بالكافر قال: وأما المُنَافق فإنا نقيم عليه الحَدّ؛ لجريان الأحكام على المنافقين ظاهرًا. وحكى الغزالي في "المنخول" في [تَعْزِيرِ] (٣) المُنَافقين خلافًا (٤). ومال إلكيا الهراسي إلى ما قاله إمامه قال: لأنه ﵇ كان كثيرًا ما يسكت عن المنافقين علمًا فنه أن العِظَةَ لا تنفع فيهم، وأن كلمة العذاب حقَّتْ عليهم. قلت: هو مستمدٌّ من قول الإمام فيما حكاه عن المحقّقين في باب التَّعْزِير فيمن علم أن التأديب لا يحصل إلا بالضَّرْب المبرح؛ أنه ليس له - الضرب، لا المبرح، لأنه مهلك ولا غيره؛ لعدم إفادته. قلت: والمختار عندنا قول المَاوَرْدِيّ، فإن الحدود والتَّعْزِيرَات لا ينبغي أن تترك لمثل هذا. وقد رَدَّ الرافعي ﵀ ما نقله الإمام، وقال: يشبه أن [الضرب] (٥) يضرب ضربًا غير

стр. 681

ارْتِكَابُ مُحَرَّمٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنِ اسْتَبْشَرَ بِهِ فَأَوْضَح، وَتَمَسُّكَ الشَّافِعِيُّ ﵁ مبرح إقامة لصورة الواجب، وهذا هو الحق. "وإن" كان قد "سبق تحريمه فنسخ" - أي: فسكوته نسخ للتحريم السَّابق - "وإلا لزم" أن يقع منه ﷺ "ارتكاب محرم، وهو باطل"، فلا يقر على باطل وقد وصفه الله - تعالى - بقوله: ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٧] فهو ﵇ ينكر المنكر، ولو عرف أن مرتكبه لا يرجع، كما أنه يجب علينا الإنكار، وإن [علمنا] (١) أنه لا يفيد. فإن عُلِمَ من حال مرتكب المنكر أن الإنكار يزيده إغراء على مثله. قال ابن السمعاني: فإن كان العالم غير النبي ﷺ لم يجب الإنكار، وإلا فوجهان: أحدهما: لا يجب، وهو قول المعتزلة. والثَّاني: الوجوب، ليزول بالإنكار توهُّم الإباحة، وهو قول الأشعرية وهو أظهر. هذا كلام ابن السَّمْعَانيِّ، وهو [منازع] (٢) فيما أسلفناه عن الإمام. واعلم: أن ما ذكره المصنّف من اشتراط كون النبي ﷺ قادرًا على الإنكار عندي غير محتاج إليه، فقد ذكر الفقهاء أن من خصائصه ﷺ عدم سقوط وجوب تغيير المنكر بالخَوْفِ على نفسه بعد إخبار ربه - تعالى - بعصمته في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٧]. وما ذكر من دلالة السكوت على أن الفعل غير محرم حقّ. وأما الاستدلال به على خصوص الإباحة، فكان أبي ﵀ أولًا يقف فيه ويقول: غاية دلالة السكوت أنه لا حَرَجَ في الفِعْلِ، فمن أين أنشأ الإباحة؟. وذكر أنه سأل الشيخ صدر الدين بن المُرَحّل قديمًا هذا السؤال، ولم يحصل جواب، ثم كان آخرًا يقول: جوابه أنهم نقلوا أنه لا يجوز الإقدام على فعل حتى يعرف حكمه، فالفعل الذي أقدم عليه لو لم يكن مباحًا لحرم الإقدام عليه، بلا علم بحكمه. فمن هنا التقرير على الإباحة بخلاف السكوت عند السُّؤال. قولهم: لا يجوز الإقدام حتى يعرف حكمه في غاية الإشكال، وإن كان الشافعي ادَّعى الإجماع فيها، وكذا الغزالي في "المستصفى"، فإنهم قد صَرَّحُوا بالبراءة الأصليَّة، وأنه لا حرج في الإقدام إذ ذاك؛ إذ لا حكم.

стр. 682

فِي الْقِيَافَةِ بِالاِسْتِبْشَارِ، وَتَرْكِ الْإِنْكَارِ لِقَوْلِ المُدْلِجِيِّ، وَقَدْ بَدَتْ لَهُ أَقْدَامُ زَيْدٍ وَأُسَامَةَ ﵄: "إِنَّ هذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ". وسمعت أبي ﵁ يقول: محلّ الإجماع محمول على ما إذا أقدم بلا سبب ومحل عدم الحرج، ما إذا أقدم مستندًا إلى البراءة الأصليَّة. وهذا أيضًا عندي فيه نظر، فإن ما لا حرَجَ في فعله لا يستدعي من فاعله أن يستند فيه إلى سبب، نعم يستدعي ألا يقدم عليه ظانًّا أن فيه حرجًا، كما يحرم إقدام الرجل على وطء زوجته ظانًا أنها أجنبية. والذي يظهر لي في هذه القاعدة: أن المنفي في كلامهم هو الجواز الشرعي وهو [حق] (١)؛ إذ الفرض أن لا حكم فلا جواز، ولكنه إذا قدم فلا يعاقب؛ إذ لا حكم أيضًا. وحينئذ أقول: قول أبي ﵀ فالذي أقدم عليه لو لم يكن مباحًا لكان حرامًا - ممنوع، بل هو لا حرام ولا مُبَاح؛ لأن الحرام والمباح حكمان شرعيَّان مندرجان تحت مطلق الحكم، ولا حكم، فانتفيا بانتفاء الأعم منهما. نعم قد يجاب عن السؤال من أصله بأن تقريره على الفعل يوهم الإباحة فلو لم يحكم الشرع فيه بالحل لما جاز السُّكوت؛ لما فيه من [الإيهام] (٢)، وهذا بخلاف حالة ترك الجواب عند السؤال؛ إذ لا فعل هناك واقع، والسَّائل محقق أنه ينتظر الجواب، فلا محذور في ترك الجواب، بل السكوت محمول على عدم نزول الوحي قطعًا. فإن قلت: إذا كان لا يقر على باطل فكيف سكت عن أبي سفيان (٣) وهو يقول له في بيَت أُم

стр. 683

وَأُورِدَ أَنَّ تَرْكَ الإِنْكَارِ لِمُوَافَقَةِ الْحَقِّ، وَالْاِسْتِبْشَارَ مَعًا بِمَا يُلْزِمُ الْخَصْمَ عَلَى أَصْلِهِ؛ لأَنَّ الْمَنَافِقِينَ تَعَرَّضُوا لِذلِكَ. حبيبة (١): تركتك فتركتك العرب، ولا ينتطح فيها جَمَّاءُ ولا قَرْنَاءُ. وهو ﷺ يبتسم ويقول: "أَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا حَنْظَلَةَ؟! " وكان أبو سفيان مبطلًا فيما قاله، فإن العرب لم تترك النبي ﷺ بل كان معه صناديدُهم. قلت: لم يقر ﷺ حيث قال: "أَنْتَ تَقُولُ يَا أَبَا حَنْظَلَةَ؟! "، وهي عبارة يفهم منها الرد؛ لأن الحصر مفهوم منه. فكأنه قال: لا يقول أحد غيرك هذا. والصدق لا يختص أنت تقول يا أبا حنظلة" (٢) وهذا من جوامع كلمه ﷺ . فإن قلت: ولم لا صرح بالإنكار؟ قلت: لأنه كان في وقت استجلاب خاطر أبي سُفْيَانَ لمصلحة المسلمين، وكان أيضًا حكمه إذ ذاك، كما روى الزبير بن بَكَّار (٣) - ويكنيه أبا حَنْظَلَة - فما أقر على باطل، ولا نهر بالإنكار ﷺ . "فإن" كان الفعل مما "استبشر" النبي ﷺ "به، فأوضح" في الاستدلال على الجواز. "وتمسّك الشافعي ﵁ في "إثبات "القِيَافَة" (٤)، وإلحاق النسب بها

стр. 684

وَأُجِيبَ بأَنَّ مُوَافَقَةَ الْحَقِّ لَا تَمْنَعُ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ مُنْكَرًا، وَإلْزَامُ الْخَصْمِ حَصَلَ بِالْقِيَافَةِ، فَلَا يَصْلُحُ مَانِعًا. "بالاستبشار" الصَّادر من النبي ﷺ "وترك الإنكار لقول" مُجَزِّز (١) - بضم الميم، وفتح الجيم، ثم الزاي المكسورة ثم زاي أخرى - "المدّلجِيّ، وقد بدت له أقدام زيد وأسامة: "إن هذه الأقدام بعضها من بعض"". ففي "الصحيحين" (٢) عن عائشة ﵂ قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ اللهِ ﷺ ذات يوم مسرورًا فقال: "يَا عَائِشَة، أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا المُدّلجِيّ دخل عَلَيَّ فرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا روءسهما وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا" فقال: "إن هذه الأقدام بعضها من بعض"، زاد أبو داود: وكان أسامة أسود شديد السواد وزيد أبيض شديد البياض. "وأورد" على تمسُّك الشَّافعي، فقيل: لا نسلم "أن ترك الإنكار" منه ﷺ كان لجواز إلحاق النَّسَبِ بِالقِيَافَةِ، بل "لموافقة الحق" في نفس الأمر، "والاستبشار" وإنما كان لحكمها "بما يلزم الخصم" - أعني: "المنافقين" (٣) - "على أصله" - وهو إثبات النسب - بالقِيَافَةِ؛ "لأن [المنافقين] (٤) تعرَّضوا لذلك" وزعموا لسواد أسامة، وبياض زيد أنه ليس ابنه، فلمَّا كذبهم أصلهم استبشر به. "وأجيب: بأن موافقة الحَقّ لا تمنع" من الإنكار "إذا كان الطريق" المؤدّي إلى الحق

стр. 685

حُكْمُ الفِعْلَيْنِ الصَّادِرينِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وَعَلَاقَةُ القَوْلِ بِالفِعْلِ مَسْأَلَةٌ: الْفِعْلَانِ لَا يَتَعَارَضَانِ كَـ"ـــصَوْمٍ"، وَ"أَكْلٍ" لِجَوَازِ [تَحْرِيمِ الْأَكْلِ] فِي وَقْتِ، وَالْإِبَاحَةِ فِي آخَرَ، إِلَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ تَكْرِيرِ الْأَوَّلِ لَه، أَوْ لأُمَّتِهِ، فَيَكُونُ الثَّانِي نَاسِخًا. فَإِنْ كَانَ مَعَهُ قَوْلٌ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى تَكَرُّرٍ وَلَا تَأَسٍ بِهِ، وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ وَتَأَخَّرَ فَلَا تَعَارُضَ. "منكرًا" وإلا لأوهم ترك الإنكار؛ لأنه حاصل بها سواء ثبت النسبة بها أم لم يثبت. "تنبيه" إذا دلَّ التقريرُ على انتفاء الحرجِ، فهل يختص بمن قرر أو يعم سائر المكلفين؟ وذهب القاضي إلى الأول، والإمام إلى الثَّاني، وهو الأظهر. "مسألة" الشرح: "الفعلان" الصادران عن النبي ﷺ "لا يتعارضان" (١)؛ لأنهما إما متماثلان، كالظهر يصليها في وَقْتَيْن، أو مختلفان غير مُتَضَادّين، "كصوم" وصلاة فلا تعارض، أو متضادان كصوم في يوم "وأكل" في آخر، فلا تعارض أيضًا؛ "لجواز" الأمر بالصوم "في وقت والإباحة في آخر"؛ إذ الأفعال لا عموم لها، فلا يرتفع أحد الفعلين [بالآخر] (٢) "إلا أن يدلَّ دليل" من خارج "على وجوب تكرير" الفعل "الأول له، أو لأمته، فيكون" حينئذٍ الفعل "الثَّاني ناسخًا" للأول - وهذا حكم الأفعال المتضادّة. الشرح: "فإن كان معه" مع الفعل "قول" يعارضه، "ولا دليل على تَكَرُّر" في حقّه، "ولا" على "تأسٍّ" لنا "به" في الفعل، "والقول" قد علم أنه "خاصّ به"، "وتأخّر" عن الفعل "فلا تَعَارُضَ" بينهما؛ لجواز أن يفعل في وقت، ويقول في آخر: لا يجوز.

стр. 686

فَإِنْ تَقَدَّمَ فَالْفِعْلُ نَاسِخٌ قَبْلَ التَّمَكُّنِ عِنْدَنَا فَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِنَا فَلَا تَعَارُضَ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، فَإِنْ كَانَ عَامًّا لَنَا وَلَهُ فتَقَدُّمُ الْفِعْلِ أَوِ الْقَوْلِ لَهُ وَللأُمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ العَامُّ ظَاهِرًا فِيهِ، فَالْفِعْلُ تَخْصِيصٌ كَمَا سَيَأْتي. فَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَكَرُّرٍ وَتَأَسٍّ وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ، فَلَا مُعَارَضَةَ فِي الْأُمَّةِ، وَفِي حَقِّهِ المُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ، فَإِنْ جُهِلَ، فَثَالِثُهَا المُخْتَارُ الْوَقْفُ لِلتَّحَكُّمِ، فَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِنَا، فَلَا مُعَارَضَةَ فِيهِ وَفِي الأُمَّةِ المُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ، فَإِنْ جُهِلَ، فَثَالِثهَا الْمُخْتَارُ يُعْمَلُ بالْقَوْلِ؛ لأَنَّهُ أَقْوَى لِوَضْعِهِ لِذلِكَ، وَلخُصُوصِ الْفِعْلِ بِالْمَحْسُوسِ؛ وَللْخِلافِ فِيهِ؛ وَلإِبْطَالِ الْقَوْلِ بِهِ جُمْلَةٌ. وَالْجَمْعُ وَلَوْ بِوَجْهٍ أَوْلَى. ولا يكون هذا القول بحكم الماضي [ليصرمه] (١) وعدم تعرض هذا القول له، ولا للمستقبل؛ لأن الفعل لا عمومَ له. فإن "تقدم" القول على الفعل مثل: يجب صوم غد، ثم يصبح مفطرًا، فالفعل ناسخ للقول وهو نسخ قبل التمكُّن، وهر جائز عندنا. فإن كان القول خاصًّا بنا فلا تعارض، سواء تقدَّم القول "أو تأخر"؛ لعدم توارد الفعل والقول على محلٍّ واحد. "فإن كان" القول "عامًّا لنا وله، فيقدم الفعل، أو القول له [وللأمة] (٢) كما تقدم" فاعتبره "إلا" في شيء واحد، وهو "أن يكون العامُّ ظاهرًا" دخول النبي ﷺ "فيه" وهو متقدم، "فالفعل تخصيص كما سيأتي" في باب العموم والخُصُوص - إن شاء الله - تعالى وقد كان في القسم الأول ناسخًا. الشرح: "فإن دلَّ دليل على تَكَرُّرٍ" للفعل في حقّه "وتأسٍّ" لنا به، "والقول خاص به، فلا معارضةَ في" حقّ "الأمة"؛ لجواز اختصاصه بما دلَّ عليه القول دون الفعل، "وفي حقه المتأخر ناسخ" قولًا كان أو فعلًا. [للكلام فيه - ولكن خالفه سائر أصحابنا - ولك أن تضايقه وتقول: قد ظهر فساد دعواك أن تقديم أحدهما تحكُّمٌ؛ لأن القول أطلق فلا يكون تقديمه تحكُّمًا] (٣).

стр. 687

قَالُوا: الْفِعْلُ أقوَى؛ لأَنَّهُ يُتَبَيَّنُ بِهِ الْقَوْلُ مِثْلُ "صَلُّوا" وَ"خُذُوا عَنِّي" وَكَخُطُوطِ الْهَنْدَسَةِ وَغَيْرِهَا. قُلْنَا: الْقَوْلُ أَكْثَرُ، وَلَوْ سُلِّمَ التَّسَاوِي يُرَجَّحُ بِمَا ذَكَرْنَاه، وَالْوَقْفُ ضَعِيفٌ؛ لِلتَّعَبُّدِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَ عَامًّا فَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ، فَإِنْ جُهِلَ فَالثَّلاثَةُ. "فإن جهل" المتأخر، فلا تعارض بينهما بالنسبة إلى أمّته؛ لعدم تناول القول لهم. وأما بالنسبة إليه ﵇، "فثالثها المختار الوَقْف" حتى يقوم دليل التَّاريخ دفعًا "للتحكم" اللازم من القول بتقديم الفِعْلِ وعكسه؛ إذ هو ترجيح بلا مُرَجّح. "وإن كان" القول "خاصًّا بنا، فلا معارضة فيه" ﷺ وهو ظاهر. "وفي الأمة المتأخِّر ناسخٌ" قولًا كان أو فعلًا. "فإن جهل" المتأخّر، "فثالثها المختار يعمل بالقول؛ لأنه أقوى" دلالة من الفِعْلِ؛ "لوضعه لذلك"، فهو يدلُّ بغير واسطة؛ "ولخصوص الفِعْل بالمحسوس"، وشمول القول فيكون أكثر فائدة، فيكون أولى؛ "وللخلاف" الواقع "فيه" أي؛ في الفعل هل هو دليل؟؛ ولا خلاف في أن القول دليلٌ؛ "ولإبطال القول به"، أي: بالفعل "جملة" إذا علمنا به. أما في حقه؛ فلعدم شموله. وأما في حقنا فظاهر، والعمل بالقول يقتضي إبطال الفعل في حقّنا دونه "والجمع" بين الدليلين "ولو بوجه أولى" من إلغاء أحدهما، وهذا عندي أوجه الأوجُه. "قالوا: الفعل أقوى؛ لأنهَ يُبيّن به القول، مثل: "صَلُّوا"، وَ"خذُوا عَنِّي"، وكخطوط الهندسة وغيرها"، فإن الحكم فيها إنما يظهر بالعمل. "قلنا: القول أكثر" من الفعل، والأكثرية دليلُ الرُّجحان، "ولو سلّم التَّساوي" من حيث هما، "رجّح" القول من خارج "بما ذكرناه" من الأوجه الأربعة. "و "لئن سأل سائل، ما بالكم ترجّحون القول هنا، وتقفون في القسم السابق، وهو ما إذا كان [القول] (١) خاصًّا به، وقلتم ثَمَّ: إن ترجيح أحدهما تحكّم؟!. فنقول: "الوَقْفُ" هنا "ضعيف"، وليس كذلك في الأول؛ "للتعبُّد" بالقول هنا؛ إذ نحن متعبّدون بوجوب العمل بأحدهما، ولا يمكن العمل بهما، والقول أرجح بما ذكرناه، ولكن

стр. 688

فَإِنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى تَكَرُّرٍ فِي حَقِّهِ لَا تَأَسٍّ وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ أَوْ عَامٌّ، فَلا مُعَارَضَةَ فِي الْأُمَّةِ، وَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ فِي حَقِّهِ، فَإِنْ جُهِلَ، فَالثَّلَاثَةُ فَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِالْأُمَّةِ، فَلَا مُعَارَضَةَ، فَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى تَأَسِّي الْأُمَّةِ بِهِ دُونَ تَكَرُّرهِ فِي حَقِّهِ، وَالْقَوْلُ خَاصٌّ بِهِ، وَتَأَخَّرَ، فَلَا مُعَارَضَةَ، فَإِنْ تَقَدَّمَ، فَالْفِعْلُ نَاسِخٌ فِي حَقِّهِ فَإِنْ جُهِلَ، فَالثَّلَاثَة، فَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِالْأُمَّةِ، فَلَا مُعَارَضَةَ فِي حَقِّهِ، وَالمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ فِي الْأُمَّةِ، فَإِنْ جُهِلَ، فَالثَّلَاثَةُ راجحيَّتُهُ ليست قطعيةً حتى يقضى بها في كل مَوْضِعٍ، فيقضى بها هنا؛ للضرورة إلى العمل "بخلاف الأول"؛ إذ لسنا متعبدين في حقه بشيء، ولا ضرورة إلى الحكم على أفعاله ﵇ فيما لا يتعلّق بنا. ولقد منع ابن خيران - من - أصحابنا الكلام في "الخصائص" قال: لأنه أمر تقضّى، فلا معنى للكلام فيه، ولكن خالفه سائر أصحابنا، ولك أن تضايقه وتقول: قد ظهر فساد دعواك أن تقديم أحدهما تحكم؛ لأن القول أظهر، فلا يكون تقديمه تحكيمًا. وكان الصَّواب أن يقول: ولا ضرورة إلى تقديم أحدهما لمجرّد الظّهور. "فإن كان" القول "عامًّا" لنا وله، "فالمتأخر ناسخ" إن علم، "فإن جهل فالثلاثة" المحكية آنفًا آتية هنا، والمختار منها في حقّه ﵇ الوقف، وفي حقّنا القول. الشرح: "فإن دلَّ دليلٌ على تكرر" الفعل "في حقه"، "لا" على "تأسٍّ" لنا به، "والقول خاص [به] (١) أو عام" له ولأمته "فلا معارضة في الأمة" مطلقًا تقدم الفعل أو تأخر؛ لعدم تعبدهم به "والمتأخر ناسخ في حقه" قولًا كان أو فعلًا. "فإن جهل" المتأخر "فالثلاثة" آتية [هنا] (٢)، والمختار منها الوقف كما مَرّ. "فإن كان خاصًّا بالأمة، فلا مُعَارضة"؛ لعدم التوارد على محلّ واحد (٣).

стр. 689

مَعًا، فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ عَامًّا، فَكَمَا تَقَدَّمَ. "فإن دلَّ الدليلُ على تأسّي الأمة به دون تكرّره في حَقّه، والقول خاص به وتأخر، فلا معارضة. فإن تقدّم، فالفعل ناسخ في حقه، فإن جُهِلَ، فالثلاثة، فإن كان القول عامًّا فكما تقدّم" فاعتبره. "فائدة" التعارض بين القول والفعل يبلغ ستِّين صورة أكثرها لا وجود لمثاله في الشرع؛ فلذلك لم يعيّن بعدها. ووجهها: أنه إما أن يتقدّم القولُ، أو الفعلُ، أو يجهل. فإن تقدّم القول، فإما أن يتعقّبه (١) الفعل، أو يتراخى عنه بمهلة، وإن تقدم الفعل فكذلك، ثم القول تقدم أو تأخر أو جهل، إما أن يعم، أو يختص بالنبي ﷺ أو بالأمة، والفعل تقدم أو تأخر أو جهل إما يلابسه دليل على وجوب تكرُّره في حقه، وتأسي الأمة به، أو لا يلابسه دليل واحد منهما، أو دليل التَّكْرار دون التأسِّي أو عكسه، فهذه ستون صورة فتأملها. ولم يذكر المصنف تبعًا للآمدي غير ستة وثلاثين؛ لأنهما أهملا التعقب والتراخي. والإمام الرَّازي ذكر التعقيب والتَّرَاخي، ولكن أهمل انقسام الفعل إلى مدلول فيه على التكرار والتَّأسي، أو أحدهما، أو لا على شيء منهما فجاءت الأقسام على ما ذكر خمس عشرة صورة. وإذا جمعت بين كلام الإمام والآمدي اجتمعت لك سِتُّون سورة كما عَرَّفناك بيانه أنه إذا جهل التاريخ، فالصور اثنتا عشرة؛ لأن القول إما أن يخصه أو أمته أو يعمهما، فهذه ثلاثة أقسام مضروبة في الأربعة التي ينقسم عليها الفعل صارت الصور اثنتي عشرة وإن تقدم (٢)، فالفعل إما

стр. 690

مَبَاحِثُ الْإِجْمَاعِ (١) مَسْأَلَةٌ: الْإِجْمَاعُ: الْعَزْمُ وَالاِتِّفَاق، وفِي الاِصْطِلَاحِ: اتِّفَاقُ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ فِي عَصْرٍ عَلَى أَمْرٍ. وَمَنْ يَرَى انْقِرَاضَ الْعَصْرِ يَزِيدُ إِلَى انْقِرَاضِ الْعَصْرِ. أن يتعقّب، أو يتأخر، فهذان قسمان كل واحد منهما مضروب في ثلاثة، وهي التي ينقسم القول عليها، فهذه ستة أقسام تضرب في أربعة الفعل، فيصير المجموع أربعًا وعشرين، وإن تقدم الفعل، فكذلك أربع وعشرون صورة صار المجموع من تقدم القول، وتقدم الفعل ثمانيًا وأربعين، ولمجهول التاريخ اثنتا عشرة، فهذه ستون. "تعريفه" الشرح: "الإجماع" - لغةً -: "العزم والاتِّفاق وفي الاصطلاح" قال المصنّف:

стр. 691

وَمَنْ يَرَى أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ مَعَ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ مِنْ مَيِّتٍ، أَوْ حَيٍّ وَجَوَّزَ وُقوعَهُ - يَزِيدُ لَمْ يَسْبِقْهُ خِلَافُ مُجْتَهِدٍ مُسْتَقِرٌّ. "" اتفاق المجتهدين (١) من هذه الأمة في عصر على أمر" من الأمور". وقد خرج بإضافة الاتِّفاق إلى المجتهدين اتفاق العامَّة، وإلى هذه الأمة اتفاق الأمم السَّالفة، فلا حُجَّة فيهما (٢). أراد بقوله: في "عَصْر"، أي عصر كان (٣)، ليعلم أن إجماع كلّ عصر حُجَّة.

стр. 692

[قَالَ] الْغُزالِيُّ ﵀: اتِّفَاقُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى أَمْرٍ مِنَ ........... وقوله: "على أمر" يعم القول والفعل والنفي والإيجاب سواء [أكان] (١) دينيًّا أو عقليًّا أو عرفيًّا. "ومن يرى" انقراض العصر شرطًا في انعقاده يزيد على الحد المذكور. قوله: "انقراض العصر" يعني: يستمر الاتِّفَاق إلى الانقراض. "ومن يرى [أن] (٢) الإجماع لا ينعقد مع سبق خلاف مستقر من حي أو ميت"، و"جوز وقوعه" أي: وقوع الإجماع بعد سَبْقِ الخلاف، "يزيد لم يسبقه خلاف مجتهد مستقرّ". قال: من جَوّز وقوعه؛ لأن بعضهم لم يجوز وقوع مل هذا الإجماع. قلت: ومن يرى أن الإجماع لا يختص بهذه الأمة ينقص قوله: من هذه الأمة. ومن يرى دخول العَوامّ يبدل قوله: المجتهدين بأهل العصر. ومن يرى اختصاصه بالدِّينيات يزيد شرعي. ولقائل أن ياقول: ينبغي أن يزاد في غير زمن النبي ﷺ ، فالإجماع لا ينعقد في زمانه ﵇ كما ذكر القاضي أبو بكر والأكثرون منهم الإمام الرَّازي في أثناء الأدلَّة على الإجماع (٣)؛ لأن قولهم: "دونه" لا يصحّ، وإن كان معهم، فالحُجَّة في قوله. ولم أر أحدًا ذكر هذا القَيْد، ولا بد منه، ويزيد على المصنّف إجماع المدينة فإنه يحتج به، وليس فيه قول جميع المجتهدين، [فهذا] (٤) التعريف لا يطّردُ ولا ينعكسُ. الشرح: و"قال الغزالي: "اتِّفاق أمة محمَّد ﷺ على أمرٍ من الأمور الدينية" (٥).

стр. 693

الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لا يُوجَدُ وَلا يَطَرِدْ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ الْمُجْتَهِدِينَ وَلا يَنْعَكِسُ بِتَقْدِيرِ اتِّفَافِهِمْ عَلَى عَقْلِيٍّ أَوْ عُرْفِيٍّ. قال المصنّف: "ويرد عليه أنه لا يوجد" الإجماع على هذا التقدير؛ لأن أمة محمد ﷺ من

стр. 694

وَخَالَفَ النَّظَّامُ وَبَعْضُ الرَّوَافِضِ فِي ثُبُوتِهِ. قَالُوا: انْتِشَارُهُمْ يَمْنَعُ نَقْلَ الْحُكْمِ إِلَيْهِمْ عَادَةً. وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ لِجِدِّهِمْ وَبَحْثِهِمْ. تبعه إلى يوم القيامة "ولا يَطّرد"؛ لاستلزامه أن يكون اتفاق الأمة (١) "بتقدير عدم المجتهدين" إجماعًا، "ولا ينعكس تقدير اتفاقهم على عقلي أو عرفي ". ولقائل أن يقول: على الأول: الأمة مختصَّة بالموجودين. وعلى الثاني: أنه غير متصوّر، لأن إجماع الخَصْم العظيم على شيء واحد لا أصل له يعود إليه، مستحيل عادة كاتفاقهم على مأكول واحد في وقت واحد، وأنظاره. وليس كالاتفاق على أمر شرعيٍّ، فإن عدم استحالته إنما هو؛ لأن له قواعد يستمد منها، فجاز اتفاق القَرَائح والظُّنون بالنسة إليها، وإن لم يجز بالنسبة إلى مأكول واحد. واتفاق العَوَامّ على أمر ديني لا يكون إلا كاتفاق أهل العصر على مأكول واحد؛ إذ هم يقولون لا عن دليل [فاصل]، فالعادة قاضية باختلافهم، فإذن اتفاقهم في الديني غير متصوّر، وإنما يتصوّر تبعًا، وضميمة للمجهدين، كما سمعرفه - إن شاء الله - في مسألة دخولهم في الإجماع. وعلى الثالث: أنه ساقط بالكليَّة؛ لأنه لا يحتج بالإجماع إلا في الشَّرعيَّات. الشرح: "وخالف النَّظَّام (٢)، وبعض الرَّوافض في ثبوته" - أي: في تصوّره - فإن الدليل الآتي - إن شاء الله - تعالى يدلّ لذلك. واعلم أن هذا قول لبعض أصحاب النَّظَّام. ومن أصحابه من قال: يتصوّر، ولكن لا يتصوّر نقله على وجهه.

стр. 695

قَالُوا: إِنْ كَانَ عَنْ قَاطِعٍ، فَالعَادَةُ تُحِيلُ عَدَمَ نَقْلِهِ، وَالظَّنِّيُّ يَمْتَنِعُ الاِتِّفَاقُ فِيهِ عَادَةً؛ لاِخْتِلافِ الْقَرَائِحِ. وَأُجِيبَ: بِالْمَنْع فِيهِمَا، فَقَدْ يُسْتَغْنَى عَنْ نَقْلِ الْقَاطِعِ [بِحُصُولِ الإجْمَاعِ]، وَقَدْ يَكُونُ الظَّنِّيُّ جَلِيًّا. ومنهم من قال: يتصوّر، ولكن لا حُجَّةَ فيه، وهذا رأي النَّظَّام (١) نفسِيما كما نقله القاضي والشيخ أبو إسحاق الشِّيرَازي وابن السَّمْعَاني. وهي طريقة الإمام الرَّازي وأتباعه في النَّقْل عنه. والقولان الأولان لبعض أصحابه كما صرَّح به القاضي. وأصحاب القوَل الأول "قالوا": أولًا، و"انتشارهم" في مَشَارق الأرض ومغاربها وقفار الفيافي وسَبَاسبها "يمنع من نقل الحكم إليها عادة"، فلا يحصل الاتفاقُ. "وأجيب بالمَنْعِ" منع أن العادةَ تقضي بذلك بل العادةُ قاضيةٌ بالنَّقْل (لجِدهم) وغاية تفحُّصهم "وبحثهم". ثم "قالوا" ثانيًا: "إن كان "صادرًا "عن قاطع، فالعادة تحيل عدم نقله" أي: نقل القاطع وتقضي بنقل الدَّلائل القطعية، ودليل حكم الإجماع غير مَنْقُول، فدلَّ أنه غير قاطع، فلم يبق إلا أن يكون عن ظَنّ. "والظني يمنع الاتفاق فيه عادة لاختلاف القرائح" والأذهان ومواد الاستنباط عن (٢) المستنبطين، وذلك كالاتِّفاق على مكول واحدٍ في وقتٍ واحدٍ. "وأجيب بالمنع فيهما"، أما الأول، "فقد يستغنى عن نَقْلِ القاطع بحصول الإجماع"، فلم قلتم: إنَّ العادة تقضي بنقل القَاطِعِ؟.

стр. 696

قَالُوا: يَسْتَحِيلُ ثُبُوتُهُ عَنْهُمْ عَادَةً، لِخَفَاءٍ بَعْضِهِم، أَوِ انْقِطَاعِهِ، أَوْ ........... وأما الثَّاني: فإنه "قد يكون الظَّني جليًّا"، فلا تختلف فيه القرائح. وهذا من المصنّف يقتضي تسليم أنه لا يكون إجماع عن خَفِيّ. والحقُّ أنه قد يكون، واختلاف القرائح فيه، وإن سلمت فإنما هي في الطريق إليه فقط. الشرح: "قالوا" ثالثًا: "يستحيل ثبوته عنهم" - أي: عن المجتهدين - "عادة"؛ إما "لخفاء بعضهم" بحيث لا يعرف وجوده، "أو انقطاعه" وعُزْلته بحيث يفقد أثره، "أو أسره" بحيث يخفى حاله، "أو خموله" بحيث [يجهل] (١) كونه من المجتهدين، "أو كذبه" في فتواه لداعٍ دعاه إلى ذلك، "أو رجوعه" عن الفُتيا (٢) "قبل قول الآخر"، فلا يحصلُ الاتفاقُ.

стр. 697

أَسْرِهِ، أَوْ خُمُولهِ، أَوْ كَذِبهِ، أَوْ رُجُوعِهِ قَبْلَ قَوْلِ الآخَرِ، وَلَوْ سُلِّمَ فنَقْلُهُ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً؛ لأنَّ الآحَادَ لا تُفِيد، وَالتَّوَاتُرُ بَعِيدٌ. وأما أصحاب القول الثَّاني فإنهم قالوا: "لو سلّم" تصور الإجماع في نفسه لم يضرنا، فإنا

стр. 698

وَأُجِيبَ عَنْهُمَا بِالْوُقُوعِ فَإِنَّا قَاطِعُونَ بِتَوَاتُرِ النَّقْلِ بِتَقْدِيمِ النَّصِّ الْقَاطِعِ عَلَى المَظْنُونِ. لا نمنع ذلك، وإنما نمنع تصوّر نقله، "فنقله مستحيلٌ عادة؛ لأن الآحاد لا تفيد (١) "العلم بوقوعه، "والتواتر بعيد". "وأجيب عنهما" - أي: عن الدليلين الصَّادرين من القائلين: "الدالُّ أحدهما على استحالة الثبوت، والثاني على اسْتِحَالَةِ النقل" - "بالوقوع" وقوعِ الإجْمَاع - وهو نقض إجمالي - وتقريره: لو كان ما ذكرتم صحيحًا لما وقع؛ لكنه واقع، "فإنا قاطعون بتواتر النَّقل بتقديم النَّص القاطع على المَظْنُون" من جميع الأمة؛ فاندفع ما تَخَيَّلتموه.

стр. 699

وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَلا يُعْتَدُّ بِالنَّظَّامِ وَبَعْضِ الْخَوَارجِ وَالشِّيعَةِ. وَقَوْلُ أَحْمَدَ ﵀: مَنِ ادَّعَى الإجْمَاعَ، فَهُوَ كَاذِبٌ اسْتِبْعَادٌ لِوُجُودِهِ. الشرح: "وهو حُجَّةٌ عند الجميع، ولا يعتد بالنَّظَّام"، حيث أنكر كونه حُجَّة على ما صح عنه. أو حيث أحاله على ما نقله المصنّفُ. وكذا "بعض الخوارج والشيعة"، وإن وقع من الشِّيعة احتجاج به [فاشتماله على قول الإمام المعصوم على ما يهزؤن به] (١) كما سيأتي. ولقائل أن يقول: الحكم بكونه حُجَّة غبر متوقّف على وقوعه، ولا جواز وقوعه، فعلى ما نقل المصنف عن النَّظَّام من الاستحالة لا يتجه أن ينقل عنه ما ذكرناه أنه غير حجة إلا بعد ثبتٍ في ذلك. والصَّحيحُ عنه ما ذكرناه، وأنه يقول: الإجماع حجّة أيضًا، ثم يفسره بكل قول قامث حُجَّته وإن كان قول واحد، وتبقى (٢) الحُجّية عن الإجماع الذي نفسره نحن بما نفسره. وهذا الشَّيخ المسكين لما أضمر في نفسه أن الإجماعَ في اصطلاحنا غير حُجَّة وتواتر عنده تحريم مخالفة الإجماع - خشي سهام الكَلامِ ففسّره بما ذكرناه عنه، كذا قال الغزالي وغيره. "وقول أحمد ﵀: من ادَّعى الإجماع"، في مسألة "فهو كاذبٌ" (٣)، ليس إنكارًا للإجماع، وإنما هو "استبعاد لوجوده"؛ لعسر الاطّلاع عليه.

стр. 700

أَدِلَّةُ الإجْمَاعِ الْأَدِلَّةُ: مِنْهَا: أَجْمَعُوا عَلَى الْقَطْع بِتَخْطِئَةِ الْمُخَالِفِ، وَالْعَادَةُ ........... الشرح: الأدلة على أن الإجماع حجة كثيرة (١).

стр. 701

تُحِيلُ إِجْمَاعَ هذَا الْعَدَدِ الْكَثيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى قَطْعٍ فِي شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ قَاطِعٍ فَوَجَبَ تَقْدِيرُ نَصٍّ فِيهِ. واعلم أن المصنّف انفرد بدليلين رآهما قاطعين، وسلك فيهما غير طريق الآمدي، ونحن لا نرتضيهما.

стр. 702

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والرَّأي عندنا: أن نُخِلَّ كلامه ثم نتعقّبه، ثم نشير إلى ما نرتضيه نحن، وربَّما أطلنا النَّفَسَ قليلًا؛ لأن الإجماعَ عمادُ الأمة وعصامها، وملاذ الملة وقوامها، فالذَّبُّ عنه، وكشف الحجب عن براهينه ممَّا يتعيَّين الاحتفال به. قال: "منها أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف" للإجماع، "والعادة تحيل اجتماع هذا العدد الكثير من العلماء المحققين على قطع في" حكم "شرعي من غير" اطِّلاع على دليل "قاطع،

стр. 703

وَإِجْمَاعُ الْفَلاسِفَةِ، وَإِجْمَاعُ الْيَهُودِ، وَإِجْمَاعُ النَّصَارَى غَيْرُ وَارِدٍ. فوجب" في كلّ إجماع "تقدير نص" قاطع "فيه" دال على القطع بتخطئة المُخَالف (١). ولكن لم قلتم: إن ذلك يستدعي قاطعًا يدلّ عليه؟ ولم لا [يكفي] (٢) أمارة؟ لا يقال: لو كانت أمارة لما قطعوا؛ لأنها إنما تفيد الظَّن؛ لأنا نقول: الأمارة إذا عضدها إجماع هذا الجمع الكثير من المحققين أفادت القطع؛ لأن المسألةَ الاجتهاديةَ تنقلبُ بالإجماع قطعية. وإذا (٣) كان كذلك، فأين القاطع الدال على تخطئة مخالف الإجماع؟ فإنما دلَّ على القطع بتخطئة المُخَالف إجُماعهم مع الأمارة. والأمارة لا تفيد القَطْع، والإجماع المنضم إليها لا يستدل به، وألَّا يكون إثباتًا للإجماع بالإجماع، وهذا غير سؤاله الذي أورده وأجاب عنه حيث قال: لا يقال: أثبتُّم (٤) الإجماعَ بالإجماعِ. الشرح: "وإجماع الفلاسفة، وإجماع اليهود، وإجماع النَّصَارَى" على القطع بأمور باطلة "غير وارد" على قولنا: العادة تحيل اجتماع العدد الكثير (٥) من العلماء على القَطْعِ بلا قاطعٍ. ولم يبيّن المصنّف [سبب] (٦) عدم وروده، وقد اختبط الشَّارحون في هذا المكان؛ لأنه ارتكب طريقًا لم يسلكها الآمدي فلم يجدوا له أصلًا يستضيئون بنوره، ولا لكلامه وجهًا يظهر الفكر من تجوزه. وقد قيل فيه: إن الفَلاسِفَةَ لم يكونوا في عصر من الأعصار علماء العصر، بل بعضهم والعادة لا تحيل إجماع (٧) البعض.

стр. 704

لا يقَالُ: أثْبتُّمُ الإِجْمَاعَ بِالإِجْمَاعِ [أَوْ] أثْبتُّمُ الإِجْمَاعَ بِنَصٍّ يَتَوَقفُ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ الْمُثْبَتَ كَوْنُهُ حُجَّةً ثُبُوتُ نَصٍّ عَنْ وُجُودِ صُورَةٍ مِنْهُ بِطَرِيقِ عَادِيٍّ لا يَتَوَقَّفُ ......... وأما اليهود والنَّصَارى، فالخطأ نشأ لهم من نَقْل أوائلهم، وكانوا آحادًا. والعادةُ لا تحيل (١) اجتماع الآحاد على الخطأ، وهذا مع كونه أمثل ما ذكر فيه ضعيف؛ لأن ما ذكر من الفلاسفة يستدعي نقل التاريخ فيه، وأيضًا فالسَّائلُ سُئِلَ عن فلاسفة جميع الأعصار وهم جمع كثير يفوقون (٢) جمع العَصْرِ الواحد من علماء الأمة [في العدد] (٣) بآلاف مؤلّفة وقد اتفقوا على ضلالات، وكذا القول في اليهود والنَّصَارى. والحقُّ أن السُّؤَالَ واردٌ، وقد أورده شيخ الجماعة القاضي أبو بكر على من زعم حُجِيَّةَ الإجماع تدرك بالعقل. الشرح: نعم "لا" يرد عليه ما قد "يقال" من أنه يستلزم الدور. وبيانه أنكم "أثبتم" أن "الإجماع" حُجَّة "بالإجماع" من العدد الكثير من العلماء، "أو أثبتم الاجتماع بنص يتوقف" ثبوته "عليه" - أي: على كون الإجماع حُجَّة -؛ لأنكم قلتم: إجماع الكثيرين على تَخْطِئَةِ المخالف لا يقع، إلَّا عن نصٍّ، فيكون ثبوت النص مستفادًا من كون الإجماع الثَّاني حُجَّةً الذي هو دليل على كون مطلق الإجماع حُجَّة؛ لأنا نقول: الدورُ غيرُ لازمٍ؛ "لأن المثبت كونه" - أي كون الإجماع "حجَّة" - ليس الإجماع ولا نصًّا يتوقف على حُجِيَّته، وإنما هو "ثبوت نصّ" دالّ عليه، وثبوت ذلك النَّص مستفاد "عن وجود صورة" جزئية "منه"، وهي الإجماع الثاني. وإنما أفاد هذا الإجماع وجود النَّص "بطريق عادي"، وتلك الصورة الجزئية وهي الإجماع الثَّاني"لا يتوقَّف وجودها، ولا دلالتها على" النَّص على "ثبوت كونه حُجَّة فلا دورَ". "ومنها: أجمعوا على تقديمه على" الدليل "القاطع فدلَّ" ذلك "على أنه" في نفسه "قاطع وإلَّا" فلو لم يدلّ على ذلك "تعارض الإجماعان" - الإجماع على تقديمه علي القاطع [والإجماع على أن غير القاطع] (٤) لا يقدم عليه؛ - وذلك "لأن القاطع مقدّم" بالإجماع، وتعارض الإجماعين باطل؛ لأن العادة تقضي بامتناع وقوع التَّعَارض بين أقوال مثل هذا العدد من العلماء المحققين.

стр. 705

وُجُودُهَا وَلا دِلالتهَا عَلَى ثُبُوتِ كَوْنِهِ حُجَّةً فَلا دَوْرَ. وَمِنْهَا أَجْمَعُوا عَلَى تَقْدِيمِهِ عَلَى الْقَاطِعِ، فَدَلَّ [عَلَى] أَنَّهُ قَاطِعٌ وَإلَّا تَعَارَضَ الإِجْمَاعَانِ؛ لأِنَّ الْقَاطِعَ مُقَدَّمٌ. فَإنْ قِيلَ: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَجُّ عَلَيْهِ عَدَدَ التَّوَاتُرِ؛ لِتَضَمُّن الدَّلِيلَيْنِ ذلِكَ. ولقائل أن يقول: إجماعُهم على تقديمه على القاطع ممنوع؛ وذلك لأنه فرع تُصُوِّرَ معارضته للقاطع، والقاطعان لا يَتَعَارضان. وكان مراده بالقَاطِعِ الذي أجمعوا على تقديم الإجماع عليه ما كان قاطعًا في أصله دون دلالته، أو دوامه، أو غير ذلك، وإلا فهو لا ينكر أن القاطعيْن لا [يتعارضان] (١). وإذا كان هذا مراده فلقائلٍ أن يقول: قولك: أجمعوا على تقديمه على القاطع بهذا المعنى مسلم، ولكن لا يفيد كونه قاطعًا، بل يحتمل أن يكون الظَّن المستفاد منه أقوى من الظَّن المستفاد من القَاطِعِ في صورة الإجماع، فيكون ذلك ترجيحًا لأقوى الظَّنَّين مثاله: إذا رأينا نصًّا قاطعًا دالًّا على أن زيدًا يجب عليه كذا، ثم رأينا أن الأمة مجمعة على أنه غير واجب عليه، فالأوَّلُ قاطع في أصل الوجوب عليه دون دوامه (٢) فيعمل بالإجماع؛ لأنه يدلّ على النسخ، أو زوال الحكم بزوال علَّة كان معللًا بها، أو نحو ذلك، لا لأنه عارَض قاطعًا، فإن لم يعارضه في مَحَلّ قطعه، بل ذلك لا يمكن كما عرفت. ونظيره العامُّ والخاصُّ إذا كان العامُّ قرآنًا، والخاصُّ خبر واحد، فإن العامل مقطوع المتن مظنون الدلالة، والخاص بالعكس، فتعادلا ولم يتعارضا في موضع قطع، فكذلك ما نحن فيه لم يترجح إلا أقوى الظَّنين وقت التعارض بينهما، وإن كان أصل أحدهما قطعيًا، فافهم ذلك. الشرح: "فإن قيل": على الدليلين المذكورين، "يلزم أن يكون" الإجماع "المحتج عليه" - أي: الذي أقيم الدليلان على كونه حُجَّةً - قد تضمن "عدد التواتر" من المجمعين (٣) ليستحيل عليهم التواطؤ على الكذب؛ "لتضمن الدليلين ذلك". أما الأول: فلأن العادة إنما تحيل اجتماع العدد الكثير إذا بلغوا عدد التواتر.
следующие страницы →