تُحِيلُ إِجْمَاعَ هذَا الْعَدَدِ الْكَثيرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى قَطْعٍ فِي شَرْعِيٍّ مِنْ غَيْرِ قَاطِعٍ فَوَجَبَ تَقْدِيرُ نَصٍّ فِيهِ.
واعلم أن المصنّف انفرد بدليلين رآهما قاطعين، وسلك فيهما غير طريق الآمدي، ونحن لا نرتضيهما.
стр. 702
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والرَّأي عندنا: أن نُخِلَّ كلامه ثم نتعقّبه، ثم نشير إلى ما نرتضيه نحن، وربَّما أطلنا النَّفَسَ قليلًا؛ لأن الإجماعَ عمادُ الأمة وعصامها، وملاذ الملة وقوامها، فالذَّبُّ عنه، وكشف الحجب عن براهينه ممَّا يتعيَّين الاحتفال به.
قال: "منها أجمعوا على القطع بتخطئة المخالف" للإجماع، "والعادة تحيل اجتماع هذا العدد الكثير من العلماء المحققين على قطع في" حكم "شرعي من غير" اطِّلاع على دليل "قاطع،
стр. 703
وَإِجْمَاعُ الْفَلاسِفَةِ، وَإِجْمَاعُ الْيَهُودِ، وَإِجْمَاعُ النَّصَارَى غَيْرُ وَارِدٍ.
فوجب" في كلّ إجماع "تقدير نص" قاطع "فيه" دال على القطع بتخطئة المُخَالف (١).
ولكن لم قلتم: إن ذلك يستدعي قاطعًا يدلّ عليه؟ ولم لا [يكفي] (٢) أمارة؟
لا يقال: لو كانت أمارة لما قطعوا؛ لأنها إنما تفيد الظَّن؛ لأنا نقول: الأمارة إذا عضدها إجماع هذا الجمع الكثير من المحققين أفادت القطع؛ لأن المسألةَ الاجتهاديةَ تنقلبُ بالإجماع قطعية.
وإذا (٣) كان كذلك، فأين القاطع الدال على تخطئة مخالف الإجماع؟ فإنما دلَّ على القطع بتخطئة المُخَالف إجُماعهم مع الأمارة.
والأمارة لا تفيد القَطْع، والإجماع المنضم إليها لا يستدل به، وألَّا يكون إثباتًا للإجماع بالإجماع، وهذا غير سؤاله الذي أورده وأجاب عنه حيث قال: لا يقال: أثبتُّم (٤) الإجماعَ بالإجماعِ.
الشرح: "وإجماع الفلاسفة، وإجماع اليهود، وإجماع النَّصَارَى" على القطع بأمور باطلة "غير وارد" على قولنا: العادة تحيل اجتماع العدد الكثير (٥) من العلماء على القَطْعِ بلا قاطعٍ.
ولم يبيّن المصنّف [سبب] (٦) عدم وروده، وقد اختبط الشَّارحون في هذا المكان؛ لأنه ارتكب طريقًا لم يسلكها الآمدي فلم يجدوا له أصلًا يستضيئون بنوره، ولا لكلامه وجهًا يظهر الفكر من تجوزه.
وقد قيل فيه: إن الفَلاسِفَةَ لم يكونوا في عصر من الأعصار علماء العصر، بل بعضهم والعادة لا تحيل إجماع (٧) البعض.
стр. 704
لا يقَالُ: أثْبتُّمُ الإِجْمَاعَ بِالإِجْمَاعِ [أَوْ] أثْبتُّمُ الإِجْمَاعَ بِنَصٍّ يَتَوَقفُ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ الْمُثْبَتَ كَوْنُهُ حُجَّةً ثُبُوتُ نَصٍّ عَنْ وُجُودِ صُورَةٍ مِنْهُ بِطَرِيقِ عَادِيٍّ لا يَتَوَقَّفُ .........
وأما اليهود والنَّصَارى، فالخطأ نشأ لهم من نَقْل أوائلهم، وكانوا آحادًا. والعادةُ لا تحيل (١) اجتماع الآحاد على الخطأ، وهذا مع كونه أمثل ما ذكر فيه ضعيف؛ لأن ما ذكر من الفلاسفة يستدعي نقل التاريخ فيه، وأيضًا فالسَّائلُ سُئِلَ عن فلاسفة جميع الأعصار وهم جمع كثير يفوقون (٢) جمع العَصْرِ الواحد من علماء الأمة [في العدد] (٣) بآلاف مؤلّفة وقد اتفقوا على ضلالات، وكذا القول في اليهود والنَّصَارى.
والحقُّ أن السُّؤَالَ واردٌ، وقد أورده شيخ الجماعة القاضي أبو بكر على من زعم حُجِيَّةَ الإجماع تدرك بالعقل.
الشرح: نعم "لا" يرد عليه ما قد "يقال" من أنه يستلزم الدور.
وبيانه أنكم "أثبتم" أن "الإجماع" حُجَّة "بالإجماع" من العدد الكثير من العلماء، "أو أثبتم الاجتماع بنص يتوقف" ثبوته "عليه" - أي: على كون الإجماع حُجَّة -؛ لأنكم قلتم: إجماع الكثيرين على تَخْطِئَةِ المخالف لا يقع، إلَّا عن نصٍّ، فيكون ثبوت النص مستفادًا من كون الإجماع الثَّاني حُجَّةً الذي هو دليل على كون مطلق الإجماع حُجَّة؛ لأنا نقول: الدورُ غيرُ لازمٍ؛ "لأن المثبت كونه" - أي كون الإجماع "حجَّة" - ليس الإجماع ولا نصًّا يتوقف على حُجِيَّته، وإنما هو "ثبوت نصّ" دالّ عليه، وثبوت ذلك النَّص مستفاد "عن وجود صورة" جزئية "منه"، وهي الإجماع الثاني.
وإنما أفاد هذا الإجماع وجود النَّص "بطريق عادي"، وتلك الصورة الجزئية وهي الإجماع الثَّاني"لا يتوقَّف وجودها، ولا دلالتها على" النَّص على "ثبوت كونه حُجَّة فلا دورَ".
"ومنها: أجمعوا على تقديمه على" الدليل "القاطع فدلَّ" ذلك "على أنه" في نفسه "قاطع وإلَّا" فلو لم يدلّ على ذلك "تعارض الإجماعان" - الإجماع على تقديمه علي القاطع [والإجماع على أن غير القاطع] (٤) لا يقدم عليه؛ - وذلك "لأن القاطع مقدّم" بالإجماع، وتعارض الإجماعين باطل؛ لأن العادة تقضي بامتناع وقوع التَّعَارض بين أقوال مثل هذا العدد من العلماء المحققين.
стр. 705
وُجُودُهَا وَلا دِلالتهَا عَلَى ثُبُوتِ كَوْنِهِ حُجَّةً فَلا دَوْرَ. وَمِنْهَا أَجْمَعُوا عَلَى تَقْدِيمِهِ عَلَى الْقَاطِعِ، فَدَلَّ [عَلَى] أَنَّهُ قَاطِعٌ وَإلَّا تَعَارَضَ الإِجْمَاعَانِ؛ لأِنَّ الْقَاطِعَ مُقَدَّمٌ.
فَإنْ قِيلَ: يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُحْتَجُّ عَلَيْهِ عَدَدَ التَّوَاتُرِ؛ لِتَضَمُّن الدَّلِيلَيْنِ ذلِكَ.
ولقائل أن يقول: إجماعُهم على تقديمه على القاطع ممنوع؛ وذلك لأنه فرع تُصُوِّرَ معارضته للقاطع، والقاطعان لا يَتَعَارضان.
وكان مراده بالقَاطِعِ الذي أجمعوا على تقديم الإجماع عليه ما كان قاطعًا في أصله دون دلالته، أو دوامه، أو غير ذلك، وإلا فهو لا ينكر أن القاطعيْن لا [يتعارضان] (١).
وإذا كان هذا مراده فلقائلٍ أن يقول: قولك: أجمعوا على تقديمه على القاطع بهذا المعنى مسلم، ولكن لا يفيد كونه قاطعًا، بل يحتمل أن يكون الظَّن المستفاد منه أقوى من الظَّن المستفاد من القَاطِعِ في صورة الإجماع، فيكون ذلك ترجيحًا لأقوى الظَّنَّين مثاله: إذا رأينا نصًّا قاطعًا دالًّا على أن زيدًا يجب عليه كذا، ثم رأينا أن الأمة مجمعة على أنه غير واجب عليه، فالأوَّلُ قاطع في أصل الوجوب عليه دون دوامه (٢) فيعمل بالإجماع؛ لأنه يدلّ على النسخ، أو زوال الحكم بزوال علَّة كان معللًا بها، أو نحو ذلك، لا لأنه عارَض قاطعًا، فإن لم يعارضه في مَحَلّ قطعه، بل ذلك لا يمكن كما عرفت.
ونظيره العامُّ والخاصُّ إذا كان العامُّ قرآنًا، والخاصُّ خبر واحد، فإن العامل مقطوع المتن مظنون الدلالة، والخاص بالعكس، فتعادلا ولم يتعارضا في موضع قطع، فكذلك ما نحن فيه لم يترجح إلا أقوى الظَّنين وقت التعارض بينهما، وإن كان أصل أحدهما قطعيًا، فافهم ذلك.
الشرح: "فإن قيل": على الدليلين المذكورين، "يلزم أن يكون" الإجماع "المحتج عليه" - أي: الذي أقيم الدليلان على كونه حُجَّةً - قد تضمن "عدد التواتر" من المجمعين (٣) ليستحيل عليهم التواطؤ على الكذب؛ "لتضمن الدليلين ذلك".
أما الأول: فلأن العادة إنما تحيل اجتماع العدد الكثير إذا بلغوا عدد التواتر.
стр. 706
قُلْنَا: إِنْ سُلِّمَ فَلا يَضُرَّ.
وأما الثاني: فلأنها إنما تقضي بامتناع التعارض بين أقوال مثل هذا العدد إذا انتهوا إلى عدد التواتر.
وإذا كان كذلك فلا يكون اتفاق من نقص (١) عددهم عن عدد التَّواتر حُجَّة، ثم لا اختصاص لكونه حجة بكونهم مجتهدين، بل يكون ذلك دائرًا مع اتِّصَافهم بعدد التواتر وجودًا وعدمًا، وهو سؤال قوي.
واعلم أن سالكي الطرق المعنوية على كون الإجماع حُجَّة وإن تَبَايَنَتْ بهم الأَنْحَاء يلتزمون هذا السؤال.
كذا قاله الآمديُّ في غير موضع.
قال: ويلزمهم ألا يكون الإجماع المحتج به خصيصًا بإجماع (٢) أهل الحَلّ والعقد من المسلمين، بل هو عام في إجماع كل من بلغ عددهم التَّوَاتر، وإن لم يكونوا مسلمين.
وأما المصنّف، فإنه سلك سبيلهم في الاحتجاج بالمَعْنَى، ثم لم يلتزم هذا السؤال فوقع في معضل أرب فقال: "قلنا": لا نسلّم لزوم ذلك؛ إذ العادة تحيلُ اجتماع المحققين بالقَطْعِ في شرعي من غير قاطعٍ، سواء بلغ عددهم عدد التواتر، أم لا.
وكذا يمنع من التَّعَارض بين أقوال جمع من العلماء، وإن لم يبلغوا عدد التواتر.
ثم "إن سلم" لزوم ذلك "فلا يضر"؛ لأن اللَّازم حينئذ كون القاطعين بِتَخْطِئَةِ مخالف الإجماع والقاطعين على تقديم الإجماع على النَّص القاطع عددهم [عدد التواتر، لا كون أهل الإجماع عددهم] (٣) هذا فلا ينتهض نقضًا.
ولقائل أن يقول: دعواكم أن العادة تحيلُ إجماع (٤) المحققين، وإن لم يبلغوا عدد التواتر قد يمنعها الخَصْم.
وأما قولكم: إنما عَدَدُ التواتر في القاطعين بتخطئة مخالف الإجماع، وبتقديم الإجماع على النص القاطع، فلقائل أن يقول: أيّ إجماع يقطعون بتخطئة مخالفه، وتقديمه على النص القاطع؟ الإجماع الموجود فيه عدد التواتر، أو غيره؟ الأول: مسلَّمٌ، لكنه لا ينفعكم؛ لأن دعواكم أن كل
стр. 707
[اسْتَدَلَّ] الشَّافِعِيُّ ﵀: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ..........
إجماع حجَّة، وهذا لا يفيد إلا حجية إجماع خاص فلا ينتهض على المدعي بجملته.
فإن قلت: هَبْ أنه لا ينتهض على ذلك، أليس ينتهض ردًّا على من يمنع الإجماع بجملته؟ فيقال: قد ثبت بهذا [بعض الإجماعات فلا يصح قولك: الإجماع ليس] (١) بِحجَّةٍ.
قلت: لو كنا هنا في مقام المنع، والرد على من نفى حُجية الإجماع صح هذا، ولكنا مستدلون على نفس (٢) الإجماع، فلا بد أن يشتمل دليلنا على كُلّ المدعي، وإلا لم يكن محيطًا بالدعوى.
والثاني: ممنوع فلم يقطعِ الجمْع الذين بلغوا عدد التواتر إلا بتقديم الإجماع المُشْتمل على عدد التواتر دون غيره، وهو منع متجه، ومنكرُ حجية الإجماع لا يتحاشى من مثله.
ثم هب أنه خلاف الظاهر إلا أنه احتمال يمنع القطع، فلا ينتهض ما ذكره المصنّف قاطعًا في الدلالة على حجّية الإجماع، وهو لا يكتفي بالظُّهور كما سبقوه به في غير موضع.
فإن قلت: إذا بلغ عدد المُجْمعين عدد التَّوَاتر فهل قولهم إذ ذاك حُجَّة لكونهم بالغين عدد التواتر، ولكونهم مجتهدين؟.
قلت: مجموع الأمرين، وبهذا يندفع قول الآمدي: إن هذا القائل يلزمه ألَّا يختص الإجماع بالمجتهدين المسْلِمين؛ لأنه إنما يلزمه أن لو جعل كونهم بالغين عدد التواتر علَّة مستقلَّة في حُجّية إجماعهم، وليس كذلك، وإنما العلَّةُ عنده مجموع الوصفين.
فالحاصلُ: أنَّ من سلك طريق المعنى في الدلالة على كون الإجماع حجة، إن أخذ عدد التَّوَاتُر ناظرًا إليه بخصوصه لزمه ألا يتقيَّد بأهل الحلّ والعقد، ولكن هذا المسلك لم نر أحدًا سلكه، فلا يرد ما قاله الآمدي.
وإن أخذ خصوص كونهم مجتهدين، وادَّعى أن العادة تحيل اجتماع المجتهدين، وإن لم يبلغوا عدد التَّواتر على قاطع إلا عن قاطعٍ وهذا صنيع المصنف فليس من التحقيق (٣) في شيء، وخَصْمه يمنعه كما قرَّرنا الرد على الجوابين اللَّذين ذكرهما في الكتاب.
الشرح: و "استدلّ الشافعي" ﵁ على حُجِيَّة الإجماع بدليل استنبطه من القرآن
стр. 708
[سورة النساء: الآية ١١٥] وَلَيْسَ بِقَاطِعٍ؛ لاِحْتِمَالٍ فِي مُتَابَعَتِهِ، أَوْ مُنَاصَرَتِهِ، أَوِ الاِقْتِدَاءِ بِهِ، أَوْ
في غاية الوضوح، ولم يسبق إليه، وحكي أنه تلا القُرْآن ثلاث مرات حتى استخرجه .. روى ذلك البيهقي في "المدخل" وساق فيه حكايةً طويلةً غريبةً بسنده، ولم يدع - أعني: الشافعي - القطع فيه فاعرف ذلك، وهو قوله - تعالى -: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [سورة النساء: الآية ١١٥].
ووافقه على الاحتجاج بهذه الآية القاضي ﵁ مع كونه من مُنْكري الصيغ، وقال: إني إنما أنكر اقتضاء الصيغ للوجوب عند تجرُّدها.
أما إذا احتفت بها القرائن فأقول بها، ومن أوضحها الوعيد والتهديد الشديد، والآية مُنْطوية على ذلك.
وتقريره: أنه - تعالى - جمع بين مُشَاقّة الرسول ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد في قوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾، فيلزم تحريم اتباع غير سبيل المؤمنين؛ لأنه لو لم يكن محرمًا لما جمع بينه وبين المحرم الذي هو مُشَاقَّة الرسول ﷺ ؛ إذ الجمع بين حَرَامٍ ونقيضه لا يحسن في وعيد؛ ولأجله يستقبح إن زنيت، وشربت الماء عاقبتك، فدلَّ على حرمة اتباع (١) غير سبيلهم، وإذا وجب اتباع سبيلهم انتهض كون الإجماع حجة؛ لأن سبيل الشَّخص ما يختار من قول أو فعل أو اعتقاد (٢).
стр. 709
فِي الإِيمَانِ فَيَصِيرُ دَوْرًا؛ لأِنَّ التَّمَسُّكَ بِالظَّاهِرِ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالإِجْمَاعِ بِخِلافِ التَّمَسُّكِ بِمِثْلِهِ فِي الْقِيَاسِ.
قال: "وليس" هذا الاستدلال "بقاطع؛ لاحتمال" أن يكون اتباع غير سبيلهم "في متابعته أو مُنَاصرته أو الاقتداء به أو في الإيمان"، وهذه الاحتمالات (١) إما أن تكون مساوية (٢) لما ذكرتم، أو مرجوحة، ولسنا (٣) نضطر إلى دعوى رُجْحَانها، وأيًّا ما كان لم يَبْقَ الدليل قطعيًّا "فيصير" الاستدلال به "دورًا" لأنَّ التمسُّك بالظَّاهر إنما يثبت بالإجماع"، فلو أثبتنا كون الإجماع حُجَّة به لزم الدور، وهذا "بخلاف التمسُّك بمثله في "إثبات "القياس" بالظَّواهر [نحو] (٤): ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢] حيث يصح، لأن ثبوت العمل بالظواهر ليس بالقياس حتى يلزم الدور كما لزم في الإجماع.
ولقائل أن يقول: إنما يلزم الدور لو لم يكن غير الإجماع دليلًا على أن الظَّاهر حجة وهو ممنوع، بل الأدلة عليه كثيرة أدناها: العمل بالرَّاجح الذي هو قضيةُ العقل وأحاديث كثيرة كقوله ﵇: "إِنَّمَا أَقضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ" (٥).
وقد أطلنا في "التَّعليقة" [الرد] على المصنّف وألجأناه إلى دعوى القطع في الآية، فلينظره مَنْ أراده (٦).
الْغَزَّالِيُّ ﵀ بِقَوْلِهِ: "لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي … " مِنْ وَجْهَيْنِ:
الشرح: واستدل "الغزاليُّ ﵀ بقوله" ﷺ : ""لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي … " من وجهين":
"أحدهما: تواتر المعنى؛ لكثرتها، كشجاعة عَلِيّ (١)، وَجُودِ خَاتِمٍ" (٢)، روى أبو مالك
стр. 713
أَحَدُهُمَا: تَوَاتُرُ الْمَعْنَى؛ لِكَثْرَتِهَا كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ، وَجُودِ حَاتِمٍ، وَهُوَ حَسَنٌ.
الأشعري (١) قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلاثِ خِصَالٍ … " (٢) وفيها: "وَأَلَّا تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلالَةٍ". رواه أبو داود، وفي إسناده محمد بن إسماعيل بن عبَّاس عن أبيه، وهو على ضعفه.
стр. 714
وَالثَّانِي: تَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهَا بِالْقَبُولِ، وَذلِكَ لا يُخْرِجُهَا عَنِ الْآحَادِ.
قال أبو حاتم (١): لم يسمع من أبيه (٢) شيئًا.
وروي من طريق أخرى منقطعة، وروى الدارقطنيُّ معنى الحديث بسند ضعيف.
وعن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ اللَّهَ لا يجمَعُ أُمَّتِي"، أو قال: "أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى ضَلالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ" رواه الترمذي واستغربه. وفي سنده سليمان بن سفيان المدني (٣) ضعيف.
ورواه الحاكم وفي سنده خالد بن يزيد (٤)، ثم علَّله.
وعن مُعَانِ بن رِفَاعَة (٥) عن أبي خلف الأعمى (٦) - وهما ضعيفان - عن أنس، سمعت
стр. 715
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أُمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلالَةٍ". رواه ابنُ مَاجَةَ.
وروى الحاكم في "المستدرك": "لا يَجْمَعُ اللَّهُ أُمَّتِي عَلَى الضَّلالَةِ أَبَدًا".
والحافظ الضياء (١) في "المختارة": "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَجَارَ أُمَّتِي أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلالَةٍ"، وقد ذكرت في "التعليقة" أحاديث كثيرة، وتكلمت عليها (٢).
стр. 716
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"وهو" - يعني هذا الوجه - "حسن".
ولقائل أن يقول: لا نسلّم بلوغ القدْر المُشْترك منها إلى التواتر.
وقد تكلّمت في "التعليقة" على الأحاديث بما يسند هذا المنع.
سلمناه، ولكن لم قلتم: إن القدر المشترك منها هو عِصْمَةُ الأمة عن الخطأ وليس ذلك في كل أحاديثها، وإنما هو تعظيم أمر الأمة فقط، فغاية الأمر أن تكون ظاهرة فيما ذكرتم، فليت شعري من أين حَسُن عند المصنّف الاستدلال بالأحاديث على ضعف أكثرها وعدم دلالة الباقي عند التأمل، وضعفٍ بالآية، وكلاهما تمسّك بالظاهر، وفي الآية تواتر لفظي لا يدفع.
على أن الغزالي نفسَه لم يصل إلى هذا الحد في الدعوى، بل جعل بين الآية والأحاديث عمومًا وخصوصًا، فقال: الحديث أدل من حيث لفظُه، وليس بمتواتر، والكتاب بالعكس.
ولقد سبق القاضي أبو بكر الغَزَّاليَّ إلى هذا التقرير، وعزاه إلى أصحابنا، ثم قال: الأولى أن يتمسّك به، ثم قول الغَزَّالي: "الحديث أدلّ على المقصود" - ممَّا قد ينازع فيه.
ويقال: هو وإن كان أدلّ على عِصْمتها عن الخَطَأ إلا أنه ليس فيه ما يدلُّ على تحريم المُخَالفة والتوعُّد عليها كما في الآية، فبينهما في الدّلالة على المقصود أيضًا عموم وخصوصٌ.
"والثاني": من الوجهين اللذين قررهما الغَزَالي في طريق الاستدلال من الحديث أنَّا لا ندعي الاطراد (١)، بل علم الاستدلال وقرره من وجهين:
أحدهما: شهرة الأحاديث بين الصحابة والتَّابعين وتمسّكهم بها من غير نكير ولم يظهر أحدٌ خلافًا إلى زمن النَّظَّام، ويستحيل عادةً توافق الأمم في أعصار متكرّرة على التسليم بما لم تقم الحجة لصحّته مع اختلاف الطباع، وتفاوت المذاهب في الرد والقبول.
قلت: وهذا الوجه ذكره القاضي، وارتضاه.
стр. 717
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثاني: أن المحتجين بهذه الأخبار أثبتوا بها أصلًا مقطوعًا، وهو الإجماع، ويستحيل عادة التسليم بخبر رفع المقطوع إلا إذا استند إلى مقطوع به.
قلت: وهذا ما ذكره المصنّف بقوله: "تلقى الأمة لها بالقَبُولِ".
واعترض (١) بأن "ذلك لا يخرجها عن الآحاد"، فلا يكون مقطوعًا، فلا يُسْتدل على الإجماع به؛ إما للزوم الذور على ما ادعاه؛ أو لأنه لا بد في الدليل على حُجِيَّة الإجماع من قاطع (٢).
стр. 718
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولقائل أن يقول: تلقى الأمة للخبر بالقَبُول وإن لم يخرجه عن الآحاد، فلا يلزم أن يكون مظنونًا؛ لأن خبر الواحد قد تعضُده قرينة تصيِّره مقطوعًا، وجاز أن تكون القرينة هي تلقيهم بالقَبُول فيُسْتَدَلُّ به على الإجماع.
стр. 719
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولم يدَّع الغَزَّالي غير هذا، فتأمّل هذا فقد صرح في الوجهين الأخيرين باستفادة القطع منه،
стр. 720
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فحاصل كلامه: دعوى القَطْع من هذه الأخبار بطريقين:
أحدهما: علم الاضطرار، وهذا التَّوَاتر المعنوي الذي استحسنه المُصَنّف، وهو ضعيف عند القاضي وعندنا كما عرفت.
والثاني: علم الاستدلال بالوَجْهَيْنِ اللذين ذكرهما.
وهما راجعان إلى إحالة العادة استدلال الأمة به، وانتشاره ما بينهم من دون قاطع فاشترك الطريقان في أن يفيد العلم.
فمن فَهِم عن الغزالي أنه أراد خبر واحد مجرد عما يعضده [وهو] (١) يصيّره مفيدًا للعلم، فقد فهم ما صرَّح بخلافه.
ثم نقول: هذا الطريق الثاني هو الذي اعتمده صاحب الكتاب، وركَّب منه دليليه (٢) السَّابقين فافهمه، وبهذا يتضح لك أن ما رده هنا هو ما استدلّ به ثَمَّ، فتأمل هذا.
وإمام الحرمين في "البرهان" قال (٣): ولا حاصل لمن يقول: هذه الأحاديث متلقاة بالقبول فإن المُعَضِّد من ذلك يؤول إلى أن الحديث مجمع عليه، وقُصَاراه إثبات الإجماع بالإجماع على أنه لا تستب (٤) هذه الدعوى مع اختلاف النَّاس في الإجماع اهـ.
ودفع دليل تلقي الأمة بالقَبُول بهذا الوَجْهِ، وأوضح من دفعه بأن ذلك لا يخرجه عن الآحاد.
وقد ذكر القاضي، والإمام في مختصره "التقريب" هذا السؤال وقالا: إنه من أهم الأسئلة ثم أجابا عنه بما حاصله أنا لم نثبت الإجماع بالإجماع على تَلَقِّيهِ بالقَبُولِ؛ بل لإحالة العادة.
وهذا السؤال والجواب هو نفس سؤال المصنف وجوابه السَّابقين في قوله: لا يقال: أثبتم الإجماع بالإجماع إلخ - وهو جواب صحيح -.
وأما قول الإمام: لا تستتبّ هذه الدعوى مع اختلاف النَّاس في الإجماع.
فجوابه: أن الاختلاف طارئ لم يسبق النّظَّام إليه أحدٌ، وذلك معروف من قضية العَادَةِ، ووجوب استمرارها لتوفّر الدواعي على نقل خلاف من خالف في هذا الأصل العظيم، فلقد
стр. 721
وَاسْتُدِلَّ إِجْمَاعُهُمْ يَدُلُّ عَلَى قَاطِع فِي الْحُكْمِ؛ لأِن الْعَادَةَ امْتِنَاعُ اجْتِمَاعِ مِثْلِهِمْ عَلَى مَظْنُونٍ.
توفرت على نقل مسائل جزئية، فما ظنّك بالإجماع، فلو سبق النَّظَّامَ أحدٌ إلى مَقَالَتِهِ لنقل هذا.
وقد نقل خلاف النَّظَّام إلينا.
قال القاضي ﵁: مع خموله وقلَّة خطره في النفوس، وكونه معدودًا في أحزاب الفُسَّاق.
الشرح: "واسْتُدِلّ" على حجيَّة الإجماع أيضًا بما تقريره "إجماعهم" على الحكم "يدلّ على" وجود "قاطع في الحكم؛ لأن العادة" مقتضاها: "امتناع اجتماع مثلهم على" أَمْرٍ "مَظْنُون"؛ لاختلاف الآراء والقرائح في المظنونات.
"وأجيب": عن امتناع اجتماعهم على المَظْنُون "بمنعه في "القياس "الجَلِيّ، وأخبار الآحاد" فإنه لا مانع من (١) إجماعهم على الحكم تعويلًا على قياس جَلِيّ، أو خبر واحد "بعد العلم" الحاصل لهم "بوجوب العمل بالظاهر"، فلا يلزم أن يكون دليل الحكم مقطوعًا به.
ولقائل أن يقول: علمهم بوجوب العمل بالظاهر، إن كان مستنده الإجماع ففاسد للزوم الدَّوْرِ، وإن كان غيره فسد ما اعتُرض به على الشَّافعي ﵁ من لزوم الدور؛ لأنه حينئذ قد سلم أنه ليس مدرك العمل بالظاهر بالإجماع (٢).
واعلم أن إمام الحرمين استدلّ على الإجماع بدليل معنوي فقال: الطريق القاطع في ذلك أنا نقول: للإجماع صورتان، وذكر ما تقريره اتفاق الجمع العظيم المختلفين في الدواعي والمهم على الحكم الواحد.
إما أن يكون لدليل أو أمارة، أو لا دليل ولا أمارة، وهذا الثالث مُسْتحيل عادة.
فإن كان الأول كان الإجماع كاشفًا عن ذلك الدَّليل، وحينئذ يجب الاتباع له، وإلا لكان ذلك تجويزًا لمخالفة الدَّليل، وهو ممتنع.
وإن كان الثاني: فمثل هذا الحكم، وإن كان يسوغ (٣) مخالفته لأمارة أخرى، لكن لمَّا
стр. 722
وَأُجِيبَ بِمَنْعِهِ فِي القِيَاسِ الْجَلِيِّ وَأَخْبَارِ الْآحَادِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالظَّاهِرِ.
رأينا التابعين قاطعين بالمنع من مخالقة الإجماع أعلمنا اطلاعهم على دلالة قاطعةٍ مانعةٍ من مخالفة الإجماع، (١)؛ إذ لو كان المانع منه أيضًا الأمارة لما قطعوا بالمنع منه.
لا يُقَال: ما ذكرتموه إخراجٌ للإجماع عن كونه حُجَّة، فإنه لا مَطْمَعَ في كون قول النَّاس حجة لعينه، وإنما المطلوب المكتفى به إسناده إلى حُجَّة، وهو حاصل.
هذا دليل إمام الحرمين، وهو الذي ذكره المصنّف آخرًا.
وقد اعترضه الإمام بأنا لا نسلّم انحصار التَّقسيم؛ فإنه يجوز أن يكون اتفاقهم على الحكم لشُبْهَةٍ، فكم من المبطلين مع كثرتهم قد اتفقوا على حكم واحد لشُبْهة اعترضت لهم.
سلّمنا الحصر، لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك لأمارة؟
ولا نسلّم إجماع الصحابة والتَّابعين على المَنْعِ، سلمنا ذلك، لكن لما جوزت حصول الإجماع على الحكم لأمارة، فلم لا يجوز حصول الإجماع على المَنْع من مخالفة الإجماع لأمارة أيضًا؟.
فإن قلت: لو كان عن أمارة لما تعصَّبوا.
قلت: إذا سلمت أنه إذا كان عن أمارة لا يتعصَّبون له، فقد بطل قولك: إنهم منعوا من مخالفة هذا الإجماع.
هذا اعتراضُ الإمام، وزاد الشيخ الهِنْدِيّ اعتراضين آخرين، فقال: هذه الدلالة لو صحت لاقتضت أن يكون إجماع الخَلْق العظيم من كل أمة حجَّة، وألَّا يكون الإجماع حُجَّة إلا إذا كان المجمعون عدد التَّوَاتر.
فهذه جملة الاعتراضات على إمام الحرمين.
وأنا أقول: أما الأول: وهو منع الحَصْر بالاتِّفَاق على الشُّبهة - وهو أقواها - فقد يقال فيه: إن كل اتفاق وقع عن شُبْهَةٍ فهناك قاطع يُصَادمه، وإنما تسكن النفس للإجماع إذا لم يكن ثَمَّ قاطع معارض، فحيث وجدنا إجماعًا ولا قَاطِعَ يصادمه، وهو الذي إما أن يكون لدليل، أو أمارة فاتَّجَه الحصرُ في القِسْمَيْنِ، وخرج إجماع المبطلين، فإنه أبدًا مستصحب لقاطع مصادم.
стр. 723
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأما الثَّاني: فساقطٌ؛ لأن من استقرأ أحوال الصَّحابة والتَّابعين كاد علمه باتِّفاقهم على المَنْعِ من مخالفته يكون ضروريًّا.
وأما الثالث: فجوابه أنَّ المعلوم من عادتهم أنهم ما كانوا يَقْطَعُونَ بالمَنْعِ من مخالفة الحكم الصَّادر عن الأمارة إذا لم يعضدهم إجماع.
ورأيناهم قاطعين بالمَنْعِ من مخالفة الإجماع سواء أصدر (١) عن أمارة أو لا، وينسبون مخالفه إلى المُرُوقِ والمُحَادَّة والعُقُوق، ولا يعدون ذلك أمرًا هينًا، بل يرون الاستجراء عليه ضلالًا بيّنًا، فلو لم يَقُمِ القاطع على المَنْعِ من مخالفة الإجماع في الصُّورتين لما قطعوا في صورة الأمارة؛ لأنهم لم يكونوا يقطعون بالمَنْعِ من مخالفة الأمارة لمجردها.
قال إمامُ الحرمين (٢): ولا يبعد أن يكون القاطع بعض الأخبار التي ذكرناها (٣)، وتلقَّاها مَنْ تلقاها من رسول الله ﷺ ، وعلم بقرائن الأحوال قصد النبي ﷺ في انْتِصَاب الإجماع حُجَّة، ثم علموا بذلك، واستجروا على القَطْع بموجبه ولم يتَّهموا بنقل سبب قطعهم.
وأما الرابع والخامس: فساقطان؛ لأن إمام الحَرَمَيْنِ لم يلتزمهما، وصرَّحَ بذلك من بعد.
وقد بان بهذا حسن طريقة إمام الحرمين في الاستدلال على الإجماع، والذي وضح لي أن أقوى دليل عليه الآية التي أبداها الشَّافعي والسُّنة، وهو حديث: "لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي"، فالمعنى بالطريقة التي ذكرها، لا بما ذكره المصنّف فهو أضعف الطرق.
فإن قلت: هل يقولون بإفادة كل واحد من هذه الأدلَّة القطع؟
قلت: أما الآية، فالإنصاف أنها لا تفيد القَطْع، ولكن ظنًّا راجحًا.
وأما الحديثُ فلا شَكَّ أنه اليوم غير متواتر، بل ولا صحيح، أعني: لم يصح منه طريق على السبيل الذي يرتصُيه جَهَابِذَةُ الحُفَّاظ، ولكني أعتقد صحة القَدرِ المشترك في كل طرقه، والأغلب على الظن أنه عدم اجتماعها على الخطأ، وأقول مع ذلك: جاز أن يكون متواترًا في سالف الأزمان ثم انقلب آحادًا، فالمتواتر لمَّا اندرس بالكليَّة فَضلًا عن انقلابه آحادًا، ويغلب على ظنِّي أن ذلك هو الواقع، فمن نظر كتب الأقدمين وجدها مَشْحُونَةً بِدَعْوَى انتشار الحديث المذكور بين سلف الأمة، وإنكارهم به على مُخَالفي الإجماع كما عرفت.
стр. 724
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويعضد هذا أن من أنكر الإجماع لم يطعن في صحة الحديث، بل عدل إلى تأويله.
وأمور أخر كثيرة تضمّنتها المبسوطاتُ فالنَّاس فيه بين مُعْتمد عليه، ومؤول له، فلولا صحَّته عند الجميع لما افترقوا كذلك.
ولو توهّم النَّظَّام ومُتَابعوه في سَنَدِهِ مقالًا لَمَا عَدَلَوا به.
والظَّنُّ أنهم بحثوا عن ذلك أشد البحث، كيف وهو مما يقْصِمُ ظهورهم.
وأما المعنى فإنه لَعَمْرُ الله شديدٌ بالغ ولكنه مختصّ بما إذا بلغ المجمعون عددًا يمتنع تواطؤهم على الكذب.
وحيث انتهى في الكلام إلى هذا أقول: الإجماع عندي صورتان:
إحداهما: أن يقع من جمع يمتنع منهم التَّوَاطؤ على الكذب، وهذا قاطع، والدليل عليه قاطع.
والثانية: ألَّا يبلغوا ذلك، فهذا حُجَّة عدنا، ولكنها ظَنِّيةٌ، ولا ينتهض دليله إلى القطع.
وبلوغ المجتهدين عددًا يمتنع تواطؤهم على الكَذِبِ يختلف اختلافًا شديدًا، فرب جمع قليل، ولكن قرينة افتراقهم في أقاصي الأرض تحيل عادة اجتماعهم، فينتفي محذور احتمال الكذب، فتأمل ذلك.
وأقول مع ذلك: لو اتفق إجماع (١) علماء العصر الذين لم يبلغوا عدد التواتر، بأن كانوا قليلين جدًّا على مسألة، ثم انقرضوا، ومضت عُصُرٌ كثيرة على هذا اجتمع فيها على القول بالمسألة من يمتنع تَوَاطؤهم على الكَذِبِ، فهذا حُجَّة قطعية، وهو داخل في الصورة الأولى، ولعلَّك تجد ذلك في مسائل كثيرة من الفروع اجتمع عليها أهل عَصْر بكماله، وهم يبلغون عدد التواتر، ثم جاء بعدهم مثلهم، وبحثوا أشَدّ البحث، وقالوا بمقالة الأولين فلا شَكّ أن النفس يزيد انشراحها بتوافق العَصْرَين على ما هو في مضطرب الظُّنون، وتوافراتها لو لم تستند (٢) إلى ما يوجب ذلك لما توافقت.
وكلما ازداد عصر عصرًا ازداد اليقين يقينًا، فيكون إجماع الأولين حُجَّة ظَنِّية، وينقلب بموافقة الآخرين قطعية.
والظني قد ينقلب قطعيًّا بانضمام ما يوجبه.
стр. 725
الْمُخَالِفُ: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النحل: الآية ٨٩]، ﴿فَرُدُّوهُ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٩]، وَنَحْوُهُ؛ وَغَايَتُهُ الظُّهُور، وَبِحَدِيثِ مُعَاذٍ -؛ ﵁ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرهُ.
والمدار في كونه قطعيًّا على عدد التواتر، وليس لكونهم في عصر واحد خصوصية.
فإن قلتَ: فماذا ترضونه دليلًا على الإجماع؟
قلتُ: مجموع ما ذكر من الأدلة، وقد تعاضدت كلّها على ما فيه عدد التَّواتر. وشمل بعضها كل إجماع.
وينبغي أن يقرر الدَّليل المعنوي بالضَّمِيمَةِ التي ذكرناها، فيقال: اتفاق الخلق العظيم على الحكم الواحد، إما أن يكون لدليل أو أمارة أو شُبْهَةٍ أوْ لا.
والرابع: مستحيل عادة.
والثالث: أن يقدم بالاستقراء التام قاطعًا يُصَادمه (١) معتضدًا اجماع الجَمِّ الغفير فانحصر في الأولين ووجب الرجوع إليه على ما سبق، وفي الباب آيات كثيرة ومباحثُ جليلة ذكرناها في "التعليقة".
الشرح: واحتج "المُخَالفُ" بمثل قوله - تعالى -: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ " [سورة النحل: الآية ٨٩]، فلا مَرْجِعَ في تبْيَانِ الأحكام إلا إليه.
وقوله - تعالى -: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء: الآية ٥٩] فلا يرد إلى غيرهما، "ونحوه" (٢).
стр. 726
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ حُجَّةً.
والجواب: أن قُصارى مُسْتَمْسككم، "وغايته الظهور" في مطلوبكم، فلا يقابل القاطع الذي ذكرناه، والحق أنه لا ظهور له فيما ذكرتم أيضًا.
واحتج المُخَالفُ أيضًا "بحديث معاذ ﵁ حيث لم يذكره"، وإنما ذكر الكتاب والسُّنَّةَ والاجتهادَ، فلو كان الإجماع دليلًا لذكره.
"وجوابه: أنه لم يكن إذ ذاك حُجَّة"، فقد قدمنا أنه لا إجماع في عصر النَّبي ﷺ ، ثم هو حديث رواه أبو داود والترمذي، ولكنه لا يصح كما قال البُخَاري، وسيأتي إن شاء الله - تعالى - في "القياس".
стр. 727
حُكْمُ وِفَاقِ مَنْ سَيُوجَدُ وَالمُقَلِّدِ
مَسْأَلة:
وِفَاقُ مَنْ سَيُوجدُ لا يُعْتَبَرُ اتِّفَاقًا، وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْمُقَلَّدَ كَذلِكَ، ..........
«مسألة»
الشرح: "وفاق من سيوجد لا يعتبر اتفاقًا" (١)، وليكن محل الاتفاق في عصر طرأ بعد انقراض المجمعين، فإن حدث قبل انقراضهم مجتهد لم يكن موجودًا اتَّجه تخريجه على اشتراط انقراض العصر، وكذا إن كان، ولكن كان عاميًّا، ويزداد الخلاف في اعتبار العامي.
стр. 728
وَمَيْلُ الْقَاضِي إِلَى اعْتِبَارِهِ وَقِيلَ: يُعْتبَرُ الْأُصُوليُّ وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الْفُرُوعِيُّ.
فإن نشأ تابعيٌّ مجتهد بعد صدور إجماع الصحابة، فالخلاف فيه مشهور والأصحُّ: اعتبار خلافه "والمختار: أن المقلد كذلك" أي: لا يعتبر (١).
"وميل القاضي إلى اعتباره" (٢)، واختاره الآمديُّ وذكر أن معناه: افتقار كونه حُجَّة إلى موافقة العَوَامّ (٣).
стр. 729
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذه هي المسألة المَعْرُوفة بأنَّ العاميَّ هل يعتبر؟
وحكى فيها القاضي عبد الوَهَّاب مذهبًا ثالثًا: أنه يعتبر في الإجماع العام، وهو ما ليس بمقصورٍ (١) على العُلَمَاء وأهل النظر، كالعلم بوجوب التَّحريم بالطَّلاق، وأن الحَدَث ينقض الطهارة، وأن الحَيْضَ يمنع أداء الصلاة ووجوبها، دون الخاص، كدقائق الفِقهِ.
ولي أنا في المسألة تحقيق طويل ذكرته في "التعليقة"، حاصله: أنني أدعي أن الخلاف في أن العوامَّ هل يعتبرون؛ ليس معناه إلا أنَّا هل نطلق القول بأن الأمة أجمعت، وأنه لا خلاف في المشهور.
إنما نطلقُ هذا القولَ فنقول: مثلًا أجمعت الأمَّة على وجوب الصَّلاة وإنما الخلاف فيما قد يشذّ عن العَوَامّ ففيه مذهبان:
أحدهما: أنهم مُدْخلون في حكم الإجماع؛ فإنهم وإن لم يعرفوا تفصيل الأحكام فقد عرفوا في الجملة أن ما أجمع عليه علماء الأمة حق، وهذا منهم مساهمة في الإجماع.
الثاني: أنهم لا يكونون مُسَاهمين في الإجماع؛ لأنهم غير عالمين فكيف ينسب إليهم القول، وقد بنى الأستاذ أبو إسحاق على هذا الخلافِ الاختلافَ في تكفير من أنكر مجمعًا عليه غير معلوم بالضرورة، حكاه عنه أبي - رحمه الله تعالى - في "شرح المنهاج".
وأقول: إن ما أقوله هو قضيَّة كلام القاضي أبي بكر، بل صريحه، وقد حكيت كلامه في "التعليقة"، وذكرت أنه صريح في غير موضع بأن خلاف العوام لا يعتبر به.
ونقلنا الإجماع على ذلك، وإنما حُكي الخلاف على الوجه الذي قلته.
وجميع ما قلناه في العامي الصِرف.
أما من سند أشياء من العلوم ولم يترقَّ عن مراتب التَّقليد، فالصحيحُ: أنه لا يعتبر أيضًا.
"وقيل: يعتبر الأصوليُّ" المَاهرُ المتصرّفُ في الفِقْهِ، وإن كان من أهل التَّقليد في الفقه، وهذا هو رأي القاضي.
"وقيل: الفروعي".
стр. 730
لَنَا: لَوِ اعْتُبِرَ لَمْ يُتَصَوَّرْ، وَأَيْضًا المُخَالَفَةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ فَغَايَتُهُ مُجْتَهِدٌ خَالَفَ وَعُلِمَ عِصْيَانُهُ".
الشرح: "لنا: لو اعتبر" خلاف الجاهل بشيء فيه "لم يتصور"؛ لأن قولهم لا يكون لدليل فلا يعتبر، فإذًا لو اعتبر لم يعتبر هذا خلف [غير] (١) متصور.
"وأيضًا: المخالفة عليهم حرامٌ"، فإن التقليدَ واجبٌ عليه؛ إذ الفرض أنه إما عامي صرف، وإما أصولي ماهر له تصرف في الفِقْهِ لا يخرجه عن مرتبة التَّقْليد، "فغايته" عند المخالفة "مجتهد خالف" المجمعين، و"عُلِمَ عصيانه"، فلا يُلتفت إليه.
ولقائلٍ أن يقول على الأول: كلامكم في العَامي الصرف مبني على ما تصورتموه من أن القائل باعتباره يجعله بمنزلة آحاد المجتهدين، وليس كذلك، بل إنما [يعتبره] (٢) ليطلق لفظ الإجماع كما مضى، وفيمن سند شيئًا من الأصول [لا يتضح] (٣)؛ لأنه قد يسوقه إلى المخالفة أدنى نظر، وإن لم يكن النَّظر التَّام الذي يترفّع (٤) به عن حضيض التَّقليد.
وعلى الثَّاني: المجتهد المعلوم عصيانه بالمخالفة، إن طرأ بعد الإجماع، فالفارق بينه وبين العامي أنه لم يكن في زمن المجتهدين، فانتهض الإجماع قبله، فكان عاصيًا؛ لخرقه الإجماع؛ إذ الإجماع عنده غير متحقق (٥) إلا به فلم يخرق الإجماع.
وإن كان المجتهد موجودًا في زمن المُجْمعين، وخالف لا لدليل ساقه؛ بل عنادًا ومُكَابرة، وهذا لم قلتم: إنه لا يعتبر، وغاية ما في الباب أنه يفسق، والفسق لا يخرجه عن أهليَّة الاجتهاد.
وإن قلتم: العدالة رُكْن في الاجتهاد خَرَجتم عما نحن فيه؛ لأن كلامنا في مجتهد خَالفَ، وهو الآن على ما يقولون ليس بمجتهد.
وقد يقال في جواب هذا: المجتهدُ لا يمكن أن يخالف لا لدليل يعم، فيقول بلسانه إنه مخالف، وهو بقلبه مُوَافق؛ إذ الفرض أن الدليل لم يسبقه، وهو من أهل النَّظر، ولا اعتبار بكذبه في قوله: أنا مخالف (٦).
стр. 731
حُكْمُ المُبْتَدِعِ
مَسْأَلَةٌ:
الْمُبْتَدِعُ بِمَا يَتَضَمَّنُ كُفْرًا كَالْكَافِرِ عِنْدَ الْمُكَفِّرِ، إلَّا فَكَغَيْرِهِ وَبِغَيْرِهِ. ثَالِثها: يُعْتبَرُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَقَط.
«مسألة»
الشرح: "المبتدع بما يتضمن كفرًا (١) كافر (٢) عند المكفِّر" له، فلا يعتبر قوله في الإجماع "وإلا فكغيره".
"وبغيره" أي: والمبتدع بغير ما يتضمن كفرًا.
"وثالثها: يعتبرُ" قوله: "في حق نفسه فقط".
стр. 732
لَنَا أَنَّ الْأَدِلَّةَ لا تَنْهَضُ دُونَهُ.
قَالُوا: فَاسِقٌ فَيُرَدُّ قَوْلُهُ: كَالْكَافِرِ وَالصَّبِيِّ.
[لا غيره، فله مخالفة الإجماع المنعقد، وليس ذلك لغيره] (١).
الشرح: ["لنا: أن الأدلَّة"] (٢) السَّمعيةَ "لا تنهض دونه"، إذ ليس من عداه كل الأمة.
الشرح: "قالوا: فاسقٌ" والفسق مانع كالصّبا والكفر، "فيرد قوله: كالكافر والصَّبي".
"وأجيب": بالفَرْق "بأن الكافر ليس من الأمة"، والعصمة إنما ثبتت (٣) للأمة، "والصبي رَدّ لقصوره" عن الاستنباط، "ولو سلم" أن فِسْقَهُ مانعٌ من قبوله في حَقّ الغير، "فيقبل على نفسه"، كما يقبل إقرار الفاسق، وهذا هو المذهب الثالث (٤).
وفي الفاسق مذاهب:
أحدها: عدم اعتباره مطلقًا، وعليه الجمهور (٥).
والثاني: اعتباره مطلقًا، وهو رأي الشيخ أبي إسْحَاقَ الشِّيرَازي.
والثالث: يعتبر في حق نفسه دون غيره، وهو رأي إمام الحرمين.
стр. 733
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنَ الْأُمَّةِ (وَالصَّبِيَّ)؛ لِقُصُورِهِ، وَلَوْ سُلَّمَ فَيُقْبَلُ عَلَى نَفْسِهِ.
هَلْ يَخْتَصُّ الإجْمَاعُ بِالصَّحَابَةِ؟
مَسْأَلَةٌ:
لا يَخْتَصُّ الإجْمَاعُ بِالصَّحَابَةِ، وَعَنْ أَحْمَدَ ﵀ قَوْلانِ: لَنَا الْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ.
والرَّابع: يسأل (١) عن مأخذه؛ لجواز أن يحمله فسقه على الفُتْيَا من غير دليل، فإن ذكر ما يجوز أن يكون محتملًا اعتُبِر، وإلا فلا، وهو اختيار ابن السَّمْعَاني (٢).
"مسألة"
الشرح: "لا يختصّ الإجماع بالصَّحَابة" (٣).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"لنا: الأدلة السَّمعية" لا تختصّ بالصَّحابة.
فإن قلت: كيف استدلّ المصنّف بالسمع هنا؟
وهو إنما يستند في الإجماع إلى المعنى.
قلت: إستناده (١) إلى المعنى من أجل كون الإجماع حُجَّة؛ لأن ذلك أصل قاطع، فيتطلب له دليلًا قاطعًا، وإلى السّمع في أنه هل يختص بالصَّحابة؟، وهي مسألةٌ ظنِّية يكفي فيها دليل ظني.
стр. 736
قَالُوا: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ قَبْلَ مَجِيءِ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّ مَا لا قَطْعَ فِيهِ سَائِغٌ فِيهِ الاِجْتِهَاد، فَلَوِ اعْتُبِرَ غَيْرُهُمْ خُولفَ إِجْمَاعُهُمْ وَتَعَارَضَ الإجْمَاعَانِ.
وَأُجِيبَ: بِأنَّهُ لازِمٌ فِي الصَّحَابَةِ قَبْلَ تَحَقُّقِ إِجْمَاعِهِمْ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الإجْمَاعِ.
الشرح: "قالوا: إجماع الصَّحابة قبل مجيء التَّابعين (١) وغيرهم" منعقد "على أن ما لا قَطْعَ فيه سائغ (٢) فيه الاجتهاد، فلو اعتبر غيرهم" لكانوا إذا أجمعوا في مسألة اجتهادية على تحريم مخالفتهم (٣) فيها؛ لأن هذا شأن الإجماع.
وقد وقع إجماعُ الصحابةِ على جواز الاجتهاد فيها، وإذا اتفق ذلك "خولف إجماعهم، وتعارض الإجماعان" من الصَّحَابة ومن بعدهم.
"وأجيب: بأنه لازم في الصَّحابة قبل تحقق إجماعهم" على الحكم، فإنهم مجمعون (٤) على أن الاجتهاد سائغ، ثم يرتفع ذلك بالإجماع، "فوجب أن يكون ذلك" الإجماع الأول على أن ما لا قطع فيه اجتهادي "مشروطًا بعدم الإجماع" على الحكم، فمتى حصل زال شرط الإجماع الأول.
стр. 737
قَالُوا: لَوِ اعْتُبِرَ لاعْتُبِرَ مَعَ مُخَالَفَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ﵃.
وَأُجِيبَ: بِفَقْدِ الإجْمَاعِ مَعَ تَقَدُّمِ الْمُخَالَفَةِ عِنْدَ مُعْتَبِرِهَا.
حُكْمُ مُخَالَفَةِ البَعْضِ فِي الإجْمَاع (١)
مَسْأَلة:
لَوْ نَدَرَ الْمُخَالِفُ مَعَ كَثْرَةِ الْمُجْمِعِينَ، كَإِجْمَاعِ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ..........
الشرح: "قالوا: لو اعتبر لاعتبر مع مخالفة بعض الصَّحابة ﵃"، لأنه إذا جاز اعتباره مع عدم قول الصَّحابة فليجز مع مخالفة بعضهم.
ولكنَّ اللازمَ منتفٍ؛ لاشتراطكم عدم المخالفة.
"وأجيب: بعَقْدِ (٢) الإجماع مع تقدم المخالفة عند معتبرها"، فإنه يشترط في الإجماع ألَّا يسبقه خلاف مستقرّ.
وأما من لا يعتبر مُخَالفة بعض الصَّحابة، فيمنع من بطلان اللَّازم.
"مسألة"
الشرح: "لو ندر المخالف" للإجماع "مع كثرة المُجْمعين، كإجماع غير ابن عبَّاس ﵄ على العَوْلِ (٣)، وغير أبي موسى على أن النوم ينقضُ الوضوءَ لم يكن إجماعًا قطعًا" - كذا بخط المصنّف -، وفي بعض النسخ قطعيًّا؛ "لأن الأدلة لا تتناوله"، فإنها مختصَّة بجميع المؤمنين، وليسوا عند مخالفة من ندر كلّ المؤمنين.
стр. 738
﵄ عَلَى الْعَوْلِ، وَغَيْرِ أَبِي مُوسَى عَلَى أَن النَّوْمَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لَمْ يَكُنْ
"والظَّاهر: أنه حجَّة؛ لتعذر أن يكون الراجح متمسك المخالف".
ولقائل أن يقول: إذا كان الإجماع عند المصنّف مستندًا إلى اطِّراد العادة، فلا ينبغي له اعتبار خلاف النَّادر، بل العادر قاضيةٌ بأن الجمع الكثير لا يجتمعون على باطل. خالفهم نادرٌ أم لم يخالف ثم [إن] (١) قوله: إنه حُجَّة؛ لتعذر أن يكون الراجح متمسّك المخالف مما قد يمنع، ويقال: الصَّواب أن النظر ليس إلى العدد فقط، بل تارة إليه، وتارة إلى الفِئَتَيْنِ أيهما أمتن (٢) علمًا، فالأعلم أولى بالاعتبار، وإن عُورِضَ بالكثرة.
ولقد كان أبو بكر ﵁ وحده على قِتَالِ مانعي الزَّكاة وكان على الحق (٣)، ومن هنا يمكنك منع أن العادَةَ قاضيةٌ بأن الأكثرين على الصَّواب؛ لانخرامها بقصَّة أبي بكر ﵁.
واعلم: أن في مسألة ندور (٤) المخالف مذاهب:
أحدها: - وعليه الجمهور (٥) - لا ينعقد وهو مذهب ظاهر على رَأْي من يستند إلى السمع
стр. 739
إِجْمَاعًا قَطْعًا؛ لأَنَّ الْأَدِلَّةَ لا تَتَنَاوَلُه، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حُجَّةٌ؛ لِبُعْدِ أَنْ يَكُونَ الرَّاجِحُ مُتَمَسَّكَ الْمُخَالِفِ.
في تثبت الإجماع، وهي طريقة أكثر الفقهاء، وارتضاها أبي ﵀ وليست [على طريقة] (١) المصنّف.
والثاني: يكون إجماعًا يجب على المخالف الرجوع إليه، ونقل عن أحمد بن حنبل، وعن ابن جرير (٢) من أصحابنا، وأبي بكر الرَّازي (٣) من الحنفية، وابن خويز مِنْداد، من المالكية وأبي الحسين الخَيَّاط (٤) من المعتزلة.
стр. 740
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والثالث: أنه إن خالف أكثر من اثنين اعتبر، وإلّا فلا، وهو الذي نقله عن ابن جرير أبو إسحاق الشِّيرازي، وإمام الحرمين، والغَزالي في "المنخول".
والرَّابع: إن خالف أكثر من ثلاثة اعتبر، وإلا فلا، وهو الذي نقله عن ابن جرير سليمٌ الرَّازي في كتابه "التقريب" في أصول الفقه، ولا وجه له، بخلاف الذين قبله، فإنه قد يحتج له بقوله ﷺ : "إِن الشَّيْطَانَ يَهِمُّ بِالوَاحِدِ وَيَهِمُّ بِالاثنَيْنِ فَإِذَا كَانُوا ثَلاثَةً لَمْ يَهِمّ بِهِمْ" (١) صحيح مروي في "مسند ابن وهب" (٢) من مرسلات سعيد بن المسيب (٣).
وقوله ﵇: "الوَاحِدُ شَّيْطَانٌ وَالاِثنانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلاثَةُ رَكْبٌ" (٤) رواه أبو داود والنسائي على أن هذين لا دليل فيهما على التحقيق، ولكن الأول أبعد.