← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قَالُوا: إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ قَبْلَ مَجِيءِ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّ مَا لا قَطْعَ فِيهِ سَائِغٌ فِيهِ الاِجْتِهَاد، فَلَوِ اعْتُبِرَ غَيْرُهُمْ خُولفَ إِجْمَاعُهُمْ وَتَعَارَضَ الإجْمَاعَانِ. وَأُجِيبَ: بِأنَّهُ لازِمٌ فِي الصَّحَابَةِ قَبْلَ تَحَقُّقِ إِجْمَاعِهِمْ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذلِكَ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الإجْمَاعِ. الشرح: "قالوا: إجماع الصَّحابة قبل مجيء التَّابعين (١) وغيرهم" منعقد "على أن ما لا قَطْعَ فيه سائغ (٢) فيه الاجتهاد، فلو اعتبر غيرهم" لكانوا إذا أجمعوا في مسألة اجتهادية على تحريم مخالفتهم (٣) فيها؛ لأن هذا شأن الإجماع. وقد وقع إجماعُ الصحابةِ على جواز الاجتهاد فيها، وإذا اتفق ذلك "خولف إجماعهم، وتعارض الإجماعان" من الصَّحَابة ومن بعدهم. "وأجيب: بأنه لازم في الصَّحابة قبل تحقق إجماعهم" على الحكم، فإنهم مجمعون (٤) على أن الاجتهاد سائغ، ثم يرتفع ذلك بالإجماع، "فوجب أن يكون ذلك" الإجماع الأول على أن ما لا قطع فيه اجتهادي "مشروطًا بعدم الإجماع" على الحكم، فمتى حصل زال شرط الإجماع الأول.

стр. 737

قَالُوا: لَوِ اعْتُبِرَ لاعْتُبِرَ مَعَ مُخَالَفَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ﵃. وَأُجِيبَ: بِفَقْدِ الإجْمَاعِ مَعَ تَقَدُّمِ الْمُخَالَفَةِ عِنْدَ مُعْتَبِرِهَا. حُكْمُ مُخَالَفَةِ البَعْضِ فِي الإجْمَاع (١) مَسْأَلة: لَوْ نَدَرَ الْمُخَالِفُ مَعَ كَثْرَةِ الْمُجْمِعِينَ، كَإِجْمَاعِ غَيْرِ ابْنِ عَبَّاسٍ - .......... الشرح: "قالوا: لو اعتبر لاعتبر مع مخالفة بعض الصَّحابة ﵃"، لأنه إذا جاز اعتباره مع عدم قول الصَّحابة فليجز مع مخالفة بعضهم. ولكنَّ اللازمَ منتفٍ؛ لاشتراطكم عدم المخالفة. "وأجيب: بعَقْدِ (٢) الإجماع مع تقدم المخالفة عند معتبرها"، فإنه يشترط في الإجماع ألَّا يسبقه خلاف مستقرّ. وأما من لا يعتبر مُخَالفة بعض الصَّحابة، فيمنع من بطلان اللَّازم. "مسألة" الشرح: "لو ندر المخالف" للإجماع "مع كثرة المُجْمعين، كإجماع غير ابن عبَّاس ﵄ على العَوْلِ (٣)، وغير أبي موسى على أن النوم ينقضُ الوضوءَ لم يكن إجماعًا قطعًا" - كذا بخط المصنّف -، وفي بعض النسخ قطعيًّا؛ "لأن الأدلة لا تتناوله"، فإنها مختصَّة بجميع المؤمنين، وليسوا عند مخالفة من ندر كلّ المؤمنين.

стр. 738

﵄ عَلَى الْعَوْلِ، وَغَيْرِ أَبِي مُوسَى عَلَى أَن النَّوْمَ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لَمْ يَكُنْ "والظَّاهر: أنه حجَّة؛ لتعذر أن يكون الراجح متمسك المخالف". ولقائل أن يقول: إذا كان الإجماع عند المصنّف مستندًا إلى اطِّراد العادة، فلا ينبغي له اعتبار خلاف النَّادر، بل العادر قاضيةٌ بأن الجمع الكثير لا يجتمعون على باطل. خالفهم نادرٌ أم لم يخالف ثم [إن] (١) قوله: إنه حُجَّة؛ لتعذر أن يكون الراجح متمسّك المخالف مما قد يمنع، ويقال: الصَّواب أن النظر ليس إلى العدد فقط، بل تارة إليه، وتارة إلى الفِئَتَيْنِ أيهما أمتن (٢) علمًا، فالأعلم أولى بالاعتبار، وإن عُورِضَ بالكثرة. ولقد كان أبو بكر ﵁ وحده على قِتَالِ مانعي الزَّكاة وكان على الحق (٣)، ومن هنا يمكنك منع أن العادَةَ قاضيةٌ بأن الأكثرين على الصَّواب؛ لانخرامها بقصَّة أبي بكر ﵁. واعلم: أن في مسألة ندور (٤) المخالف مذاهب: أحدها: - وعليه الجمهور (٥) - لا ينعقد وهو مذهب ظاهر على رَأْي من يستند إلى السمع

стр. 739

إِجْمَاعًا قَطْعًا؛ لأَنَّ الْأَدِلَّةَ لا تَتَنَاوَلُه، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ حُجَّةٌ؛ لِبُعْدِ أَنْ يَكُونَ الرَّاجِحُ مُتَمَسَّكَ الْمُخَالِفِ. في تثبت الإجماع، وهي طريقة أكثر الفقهاء، وارتضاها أبي ﵀ وليست [على طريقة] (١) المصنّف. والثاني: يكون إجماعًا يجب على المخالف الرجوع إليه، ونقل عن أحمد بن حنبل، وعن ابن جرير (٢) من أصحابنا، وأبي بكر الرَّازي (٣) من الحنفية، وابن خويز مِنْداد، من المالكية وأبي الحسين الخَيَّاط (٤) من المعتزلة.

стр. 740

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والثالث: أنه إن خالف أكثر من اثنين اعتبر، وإلّا فلا، وهو الذي نقله عن ابن جرير أبو إسحاق الشِّيرازي، وإمام الحرمين، والغَزالي في "المنخول". والرَّابع: إن خالف أكثر من ثلاثة اعتبر، وإلا فلا، وهو الذي نقله عن ابن جرير سليمٌ الرَّازي في كتابه "التقريب" في أصول الفقه، ولا وجه له، بخلاف الذين قبله، فإنه قد يحتج له بقوله ﷺ : "إِن الشَّيْطَانَ يَهِمُّ بِالوَاحِدِ وَيَهِمُّ بِالاثنَيْنِ فَإِذَا كَانُوا ثَلاثَةً لَمْ يَهِمّ بِهِمْ" (١) صحيح مروي في "مسند ابن وهب" (٢) من مرسلات سعيد بن المسيب (٣). وقوله ﵇: "الوَاحِدُ شَّيْطَانٌ وَالاِثنانِ شَيْطَانَانِ وَالثَّلاثَةُ رَكْبٌ" (٤) رواه أبو داود والنسائي على أن هذين لا دليل فيهما على التحقيق، ولكن الأول أبعد.

стр. 741

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والخامس: إن بلغ الأقل عدد التواتر لم يُعْتَدَّ بالإجماع، وإلا اعتُدَّ به. قال القاضي أبو بكر: وهذا الذي يصح عن ابن جرير. والسادس: إن سوغت الجماعة الاجتهاد في مذهب المُخَالف، فخلافه معتدّ به، كخلاف ابن عباس في "مسألة العَوْل"، فإنها محلّ اجتهاد، وإلا فلا، كخلافه في مسألة رِبَا الفَضلِ (١)، ومسألة المتعة، وخلاف أبي طلحة في قوله: إنَّ آكل البَرَد لا يفطر (٢)، وهو قول أبي عبد الله الجرجاني ونقل عن أبي بكر الرازي وشمس الأئمة السَّرَخْسِيّ (٣). قال أبي ﵀: وهو ضعيف، لأن قول (٤) غير المُخَالف: إن لم يكن حجة فلا

стр. 742

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أثر للتسويغ وعدمه، وإلا فهو محلّ النزاع، فليس إنكارهم عليه بأولى من إنكارهم عليهم. والسَّابع: أن اتباع الأكثر أولى، وإن جاز خلافه، وهو ساقط. والثَّامن: الفَرْق بين أصول الدين فلا يَضُرّ، والفروع فيضر. والتَّاسع: أن قول الأكثر حُجَّة، لا إجماع. قال الغَزَّالي في "المستصفى": وهو تحكم لا دليلَ عليه. قال أبي ﵀: وذلك ظاهر؛ لأنَّهُ إذا لم يكن إجماعًا فبماذا يكون حُجَّة؟ إذا عرفت هذا فنقول: قول المصنّف لم يكن إجماعًا قطعًا (١) - أي: لا نقطع بكونه إجماعًا -، ومن كتب قطعيًّا أراد أنَّا نجزم بكونه (٢) إجماعًا قطعيًا. وهذه النسخة عندي أولى مما كتبه المصنف بيده، ولعلَّها أصلحت؛ لأن فيها فائدةَ التَّنبيه على أن من قال بأنه إجماع فإنما يجعله ظنيًّا لا قطعيًّا، وهذا هو الظَّاهر، وبه يشُعر إيراد الآمدي. وأما قطعيًّا، فليس فيها كثير فائدة؛ لأن كلّ ذي نظر يعرف أنه إذا وقع الخلاف في أنه هل هو إجماع لم يقع القطع بأنه إجماع؟ فإن قلت: فما معنى قول المصنّف: والظَّاهر أنه حجة هل يريد به أنه إجماعٌ ظني، أو أنه ليس بإجماع أصلًا ولكنه حجة؟ قلت: يحتمل أنه يريد أنه ليس بإجماع أصلًا، ولكن حجة لأمرين: أحدهما: أنه عرف الإجماع باتِّفاق المجتهدين، فلو كان اتفاق الأكثر إجماعًا، سواء أكان (٣) قطعيًّا أم ظنيًّا لورد على الحد؛ لأنَّهُ ليس اتفاق جميع المجتهدين. وثانيهما: أنه لو أراد أنه يكون إجماعًا ظنيًّا لكان هو المذهب الصَّائر إلى أن خلاف الأول (٤) غير معتبر؛ لأنا قد قلنا: إن من قال: لا يعتبر بالأقل لا يجعل الإجماع - والحالة هذه - قطعيًّا. أما (٥) أنه لم يقطع بكونه إجماعًا؛ فلوقوع الاختلاف فيه، ولا قطع مع الخلاف في مثل هذا.

стр. 743

مَكَانَةُ التَّابِعِيِّ المُجْتَهِدِ مَعَ الصَّحَابَةِ (١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإنما قلت: في مثل هذا؛ لأني أجوز القطع مع الخلاف، وذلك شأن [أكثر] (٢) مسائل الأصول، ولكن هذا المكان دلائله كلها ظنيةٌ. وأما أنه لا يقول: هو قَطْعِيّ؛ فلأنه أيضًا في محل الاجتهاد. وقد فُهم عنه أنه قال: ليس بإجماع أصلًا أبي ﵀ ونقله كذلك عنه في "شرح المهذب"، وناهيك بفهمه. ويحتمل أن يريد أنه إجماعٌ ظنيٌّ، وإياه فهِم بعض الشَّارحين، ويكون ذهابًا منه إلى أن خلاف الأقل [غير] (٣) معتبر في انتهاض الإجماع، وإن اعتبر في كونه غير قَطْعي كما قلنا: إن من قال: خلاف الأول غير معتبر لم يجعله إجماعًا قطعًا، وحينئذ لا يتَّجه قول الشيخ الإمام أبي ﵀. ثم ذا يكون حجة؛ لأنا نقول: هو حجة؛ لكونه إجماعًا، ولكن الشيخ الإمام ﵁ إنما رد عليه؛ لأنَّهُ فهم عنه الاحتمال الأول، وهو أنه ليس بإجماع أصلًا، ولعلَّه أظهر الاحتمالين وهو المذهب المصرّح بحكايته في "المستصفى"، و"الإحكام"، وغيرهما، والرد حينئذ صحيح؛ لأنَّهُ ليس بكتاب ولا سُنَّة ولا إجماع ولا قِيَاس ولا اسْتِصْحَاب، إلى غير ذلك من الأدلَّة المعروفة بين الأئمة، وليس لأحد أن يحدث في دين الله أمرًا وينصبه دليلًا يحتج به.

стр. 744

مَسْأَلَةٌ: التَّابِعِيُّ الْمُجْتَهِدُ مُعْتَبَرٌ مَعَ الصَّحَابَةِ، فَإِنْ نَشَأَ بَعْدَ إِجْمَاعِهِمْ فَعَلَى، انْقِرَاضِ الْعَصْرِ. لَنَا مَا تَقَدَّمَ. وَاسْتُدِلَّ لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ لَمْ يُسَوِّغُوا اجْتِهَادَهُ مَعَهُمْ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَشُرَيْحٍ، وَالحَسَنِ، وَمَسْرُوقٍ، وأَبِي وَائِلٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَابْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْ ........... «مسألة» الشرح: "التابعي المجتهد" إذا كان في عصر الصَّحابة، فقوله: "معتبر مع الصَّحابة" بحيث لا ينعقد إجماعهم دونه: وقيل: لا، وهذا إذا كان مجتهدًا حالة الاختلاف. "فإن نشأ (١) بعد" انعقاد "إجماعهم" على الحكم، "فعلى" الخلاف في "انقراض العَصْرِ". هل يشترط؟. "لنا" - على عدم الانْعِقَادِ في الصورة الأولى - "ما تقدم" من أنهم دونه بعض المؤمنين فلا تثبت (٢) لهم العِصْمَةُ الثابتة للكلّ. الشرح: "واستدلّ: لو لم يعتبر" قول التَّابعين المجتهدين مع الصَّحابة "لم يسوغوا اجتهادهم معهم"؛ لعدم الفائدة فيه على تَقْدِيرَي المُوَافقة والمُخَالفة، واللَّازم منتفٍ، فقد سوغوه لمجتهديهم جميعًا، كـ""سعيد بن المسيّب"، و"شريح" (٣)، ....................

стр. 745

أَبِي سَلَمَةَ: تَذَاكَرْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي عِدَّةِ الْحَامِلِ لِلْوَفَاةِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَبْعَدُ و"مسروق" (١)، و"أبي وائل" (٢)، و"الشعبي"، و"ابن جبير" (٣) وغيرهم" فكانوا (٤) يفتون بآرائهم في زمن الصَّحابة ﵃ من غير نظر إلى أنهم هل أجمعوا؟ وقد ملأ شُرَيح "الكوفة" أقضية (٥) وعليٌّ بها لا ينكر عليه، وملأ ابن المسيّب "المدينة" فتاوى، وهي مشحونة

стр. 746

الْأَجَلَيْنِ، وَقُلْتُ أَنَا بِالْوَضْعِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي. بأصحاب رسول الله ﷺ ، وكذا عطاء بـ"مكة"، والحسن وجابر بن زيد بـ"البصرة". "وعن أبي (١) سلمة" بن عبد الرحمن (٢) - كما رواه مُسْلم - "تذاكرت مع ابن عبَّاس وأبي

стр. 747

وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ إِنَّمَا سَوَّغُوهُ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ. هريرة في عدَّة الحامل للوفاة (١)، فقال ابن عباس": عدتها أبعد الأجلين.

стр. 748

إِجْمَاعُ أَهْلِ المَدِينَةِ مَسْألَةٌ: إِجْمَاعُ "الْمَدِينَةِ" مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ حُجَّةٌ عِنْدَ مَالِكِ. وقلت: أنا بالوضع. فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي"، يعني: أبا سلمة. والآثار في هذا كثيرة. "وأجيب: بأنهم إنما سَوَّغوه مع اختلافهم"، لا مع اتفاقهم الذي هو مَحَلّ النزاع. وفيه نظر: فإن اتفاقهم لو منعهم الاجتهاد لسألوا عنه قبل إقدامهم، وكانوا لا يسألون قطعًا. وما روي من أَنَّ أم المؤمنين عائشة ﵂ أنكرت على أبي سلمة دخوله بين الصَّحابة، ومنازعته لابن عباس، وقولها له: أراك كالفَرُّوج تصيح مع الدِّيَكَةِ. ومن أن عليًّا ﵁ نقض حكم شُرَيح حين قضى بين ابني عم أحدهما أخ لأم أن المال للأخ من الأم، فالأول محمول على أنه لم يبلغ منزلتهم، فأحبت له الاحتياط. وهذا أبو هريرة قد [نقلنا عنه ما] (١) نقلناه. والثَّاني: لم يصح، وإن ثبت فلعلّه كان مسبوقًا بإجماع. «مسألة» الشرح: "إجماع "المدينة" من الصَّحابة والتابعين حُجَّة عند مالك" (٢).

стр. 749

وَقِيلَ: مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ رِوَايَتهُمْ مُتَقَدِّمَةٌ. وَقِيلَ: عَلَى الْمَنْقُولَاتِ الْمُسْتَمِرَّةِ كَالْأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَالصَّحِيحُ التَّعْمِيمُ. وقد أنكره من أصحابه: أبو بكر، وأبو يعقوب الرَّازي، وأبو بكر بن المنتاب (١)، والطَّيالسيُّ والقاضي أبو الفرج (٢)، والقاضي أبو بكر، وقالوا: ليس مذهبًا له. "وقيل": قول مالك حُجَّة "محمول على أن روايتهم متقدِّمة" على غيرهم. ونقل ابنُ السَّمْعَاني وغيره: أن للشَّافعي في القديم ما يدلّ على هذا. "وقيل: على المَنْقُولات المستمرّة، كالأذان والإقامة. والصَّحيح التعميم" في الصُّورتين المذكورتين وغيرهما مما طريقه الاجتهاد والاستدلال، وهو رأي أكثر المَغَاربة من أصحابه، وتبعهم المصنّف.

стр. 750

وَاسْتُدِلَّ بِنَحْوِ: "إِنَّ الْمَدِينَةَ طَيِّبَةٌ تَنْفِي خَبَثَهَا، [كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ"]، وَهُوَ بَعِيدٌ، وَبِتَشْبِيهِ عَمَلِهِمْ بِرِوَايَتِهِمْ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ تَمْثِيلٌ لَا دَلِيلٌ مَعَ أَنَّ الرِّوَايَةَ تُرَجَّحُ بِالكَثْرَةِ بِخِلَافِ الاجْتِهَادِ. قالوا: وفي رسالة مالك إلى الليث بن سعد (١) ما يدلّ عليه، قالوا: وليس قطعيّا، بل ظني يقدم (٢) على خبر الواحد والقياس. وذهب القاضي عبد الوَهَّاب إلى أن اجتهادهم ليس بِحُجَّة، ولكن يقدم على اجتهاد غيره، والحق عندنا ما عليه جماهير الأمة من أن البِقَاعَ لا تعصم ساكنيها، وأنه لا فرق بين "المدينة"، وغيرها. وبالجملة من ادَّعى أن إجماع المدينة حجة فقد استمر على لجاج ظاهر. الشرح: "واستدل بنحو: إن "المدينة" طيبة تنفي خبثها"، والخطأ خبث فيكون منفيًا عنها، والحديث في "الصحيحين" ولفظه: "إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِينُهَا" (٣)، وأما نحوه فمثل: "إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا" رواه مسلم "وهو بعيد"، فإنَّ الباطلَ قد يوجد فيها بلا ريب، فلو اطّلع مطلعٌ على ما يجري بين لابَّتَّيْهَا من المخازي قضى

стр. 751

مَسْأَلَةٌ: لَا يَنْعَقِدُ الإجْمَاعُ بِأَهْلِ الْبيَتِ وَحْدَهُمْ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ، وَلَا بِالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ خِلَافًا لأِحْمَدَ، وَلَا بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. العجب، فيجب حمله على أنها في نفسها فاضلة مباركة، واستدل أيضًا "بتشبيه عملهم بروايتهم" فإنها مقدمة، فليكن العلم كذلك، "ورد بأنه تمثيل" وتشبيه شيء بشيء "لا دليلٌ مع أن" الفارق أن "الرواية ترجح بالكثرة بخلاف الاجتهاد"، وهو أكثر علمًا، وهذا على تقدير أن روايتهم مقدمة، ومن ذا يسلمه، والأكثرية ممنوعة. «مسألة» الشرح: "لا ينعقد الإجماع بأهل البيت وحدهم خلافًا للشيعة (١)، ولا بالأئمة الأربعة عند الأكثرين خلافًا لأحمد، ولا بأبي بكر وعمر، وعند الأكثرين" خلافًا للقاضي أبي خازم الحنفي بالخاء والزاي المعجمتين (٢)، "قالوا": استدلالًا على إجماع الأربعة. قال النَّبِيّ ﷺ : ""عَلَيْكُمْ بِسُنَّتي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاء الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي"" (٣)، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي

стр. 752

قَالُوا: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي" "اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي". قُلْنَا: يَدُلُّ عَلَى أَهْلِيَّةِ اتِّبَاعِ المُقَلّدِ، وَمُعَارَضٌ بِمِثْلِ: "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ [بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ] "، وَخُذُوا شَطْرَ دِينِكُمْ عَنْ [هذِهِ] الْحُمَيْرَاءِ. لَنَا أَنَّ الْعَادَةَ تَقْضِي بِأَنَّ مِثْلَ هذَا الْجَمْعِ الْمُنْحَصِرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ اللَّاحِقِينَ بِالاِجْتِهَادِ لَا يُجْمِعُونَ إِلَّا عَنْ رَاجِحٍ. وصححه والحاكم على شرط الشيخين، وليس في لفظه "مِنْ بَعْدِي" كما وقع في الكتاب واستدلالًا على إجماع الشيخين (١). قال النَّبِيّ ﷺ : ""اقْتَدُوا بِالَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي" أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" (٢) رواه أحمدُ والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن (٣). الشرح: قال: "لنا أن العَادَةَ تقضي في مثل هذا الجمع المُنْحصر من العلماء اللاحقين" من غيرهم "بالاجتهاد" بسُكْنَاهم في مهبط الوَحْي، ومشاهدتهم معاهد التنزيل، "لا يجمعون إلا عن راجح"، فيكون دليلًا شرعيًّا. وقال: مثل هذا الجمع، لينبّه على أن "المدينة" لا خصوصيةَ لها، وإنما اتفق فيها ذلك، ولو اتفق مثله في غيرها قِيلَ به. وقال: المُنْحَصِرُ؛ لأنهم لو تفرقت بهم النَّواحي، ولم يجتمعوا في مكان واحد لم يطلعوا على الرَّاجح؛ لأنَّهُ لا سَبِيلَ لهم مع التفرُّق إلى الاجتماع والتَّشَاور والاتفاق. "فإن قيل": هَبْ أنهم لا يجمعون عن رَاجِحٍ، ولكن "يجوز أن يكون مستمسك غيرهم أرجح، ولم يطلع عليه بعضهم".

стр. 753

فَإِنْ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَمَسَّكُ غَيْرِهِمْ أَرْجَحَ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ. "قلنا: العادة تقضي باطِّلاع الأكثر" - وأهل"المدينة" أكثر -، "والأكثر كافٍ فيما تقدّم" من كون إجماعهم حُجَّة. ولقائل أن يقول: كان العلماء في "الكوفة" و"البصرة" أكثر، وهذا ظاهر، فيلزمكم أن يكون قولهم حجَّة، وأن هذا الجمع المنحصر إذا حصلوا ببلدة أخرى كانت أقاويلهم حجَّة، ودليلك وإن اقتضى التزامه لأنا لا نعرفه صرحًا به عن مالك. وقولك أولًا: إنه أحق - ممنوع -، فقد كان فيمن هو ناء عن "المدينة" بعد موت عثمان ﵁ من [هو] (١) أفضل من ساكنيها، كَعَلِيّ، وجماعة كانوا بـ"مكة"، و"البصرة"، و "الكوفة"، وغيرها. وقولكم: مهبط الوحي ومُشَاهدة التنزيل هذا إنما الاعتبارية بالمشاهدة، لإمكان المشاهدة، فإن الجدران لا تخبرنا ولا تحدثنا، والمشاهدون لم ينحصروا في "المدينة"، بل كان الخارج عنها أكثر بلا ريبٍ، وكذلك (٢) من أدركهم من التابعين وهلمَّ جَرّا. قلنا: إنما يدلُّ ما رويتم على أهلية اتباع المقلد - أي: أهلية الأربعة في الحديث الأول، والشيخين في الثاني -؛ لاتباع المقلّد لهم أو لهما. ومعارَض أيضًا بمثل ما روى ابن مَنْدَه في "أماليه" من قوله ﷺ : "أصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُم" (٣) وفي سنده مجاهيل.

стр. 754

قُلْنَا: الْعَادَةُ تَقْضِي بِاطِّلَاعِ الْأَكْثَرِ، وَالْأَكْثَرُ كَافٍ فِيمَا تَقَدَّمَ. وروى نُعَيْمٍ بن حَمَّاد الخُزَاعي (١) عن عبد الرَّحيم (٢) بن زيد العَمِيّ (٣) - وهو ضعيف - عن

стр. 755

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أبيه - وفيه نظر عن سعيد بن المُسَيَّب عن عمرو (١) - وهو منقطع، فإن سعيدًا لم يدرك عَمْرًا أن النَّبِيّ ﷺ قال: "سَأَلْتُ رَبِّي فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابِي مِنْ بَعْدِي فقال: يا محمد، إِنَّ أَصْحَابَكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاء بَعْضُهَا أَضْوَأُ مِنْ بَعْضٍ" (٢) فَمَنْ أخذ بشيء مما هم عليه على اختلافهم عندي على هذا. وروى الدَّارمي (٣) وابن عَدِيّ (٤) من رواية حمزة الجريري عن .................

стр. 756

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . نافع (١) عن ابن عمر مرفوعًا: "أَصحَابِي مِثْلُ النُّجُومِ فَأَيُّهُمْ أَخَذْتُمْ بِقَوْلهِ اهْتَدَيْتُمْ"، وحمزة ضعيف، وقد أشار الدَّارمي إلى تقوية الحديث. ووجه معارضته: أنه يقتضي على مَسَاق قولهم: أن يكون قول كل واحد منهم حجة، ولما يقولوا به. وكذا حديث: "خُذُوا شَطْرَ دِينِكُمْ عَنِ الحُمَيْرَاءِ" (٢) - يعني: عائشة - يقتضي أن يكون قولها حُجَّة بالطريقة التي ذكروها، ولم يقولوا به، وهذا الحديث لا يُعْرَف. وكان شيخنا أبو الحَجَّاج المزّي (٣) ﵀ يقول: كل حديث فيه لفظ "الحُمَيْراء" لا أصل له إِلَّا حديثًا واحدًا في "النَّسَائي".

стр. 757

الْكَلَامُ فِي عَدَدِ التَّوَاتُرِ مَسْأَلَةٌ: لَا يُشْتَرَطُ عَدَدُ التَّوَاتُرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ. «مسألة» الشرح: "لا يشترط [عدد] (١) التَّواتر عند الأكثر" (٢). وهو قول كل من استدلّ على حجّية الإجماع بالسمع، دون من استدلّ بالعادة، كإمام الحرمين. وأما المصنّف فاختاره هنا مع استدلاله بالعَادَةِ، ثم ادَّعى أنها قاضية بذلك، وإن لم يبلغ المجمعون (٣) عدد التَّوَاتر كما تقدّم منه على ما فيه. وقال هنا: "لنا دليلٌ (٤) السَّمع"، وقد كان يكفيه دليلٌ العادة لو تَّم له.

стр. 758

لَنَا: دَلِيلُ السَّمْعِ، فَلَوْ لَمْ يَبْقَ إِلّا وَاحِدٌ، فَقِيلَ: حُجَّةٌ؛ لِمَضْمُونِ السَّمْعِيِّ، وَقِيل: لَا؛ لِمَعْنَى الاِجْتِمَاعِ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَفْتَى وَاحِدٌ وَعَرَفُوا بِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ، ........... وأنا أقول: إنه لا يمنع انتهاض السَّمع إلا على القَطْعِ، وهذه مسألة ظنية فأكتفي فيها بدليل السمع، بخلاف أصل كون الإجماع حُجَّة، ونحن لا نشترط عدد التواتر إلا في انتهاض [كون] (١) الإجماع قطعيًّا دون انتهاضه ظنيًّا، وهذا كله إذا صدق اتفق أهل العصر. "فلو لم يَبْقَ إلا واحد فقيل: حجة؛ لمضمون" الدليل "السَّمعي"، فإنه دلَّ على أن قول الأمة حُجَّة، والأمة كما تطلق على الجَمَاعَةِ تطلق على الواحد قال - تعالى -: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾. "وقيل: لا" يكون قوله حُجَّة؛ "لمعنى الاجتماع" الذي يقتضيه لفظ الإجماع، فإنه لا بد أن يكون من اثنين فصاعدًا، وصدق الأمة على الواحد مجاز، وإلا يلزم الاشتراك لصدقه بالحقيقة على الجماعة. الشرح: "إذا أفتى واحدٌ" في المَسَائل التكليفية (٢)، "وعرفوا به، ولم ينكره أحد" بل سكتوا

стр. 759

فإجْمَاعٌ أَوْ حُجَّةٌ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁ لَيْسَ إِجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً، وَعَنْهُ خِلَافُهُ. عنه سكوتًا مجردًا غير مستصحب فعلًا ولا أمارة رضى ولا سخط، ومضى قدر مهلة النظر عادة في تلك الحادثة، ولم يتكرر ذلك مع طول الزَّمان، وكان ذلك القول واقعًا في محل الاجتهاد "قبل استقرار المَذَاهب فإجماع" قطعي، "أو حُجَّة" ظنية، فيحتج به على التقديرين. ونحن مترددون في أيِّهما أرجح، وفي تسميته إجماعًا على القول بأنه حُجَّة ظنّية لا إجماع قطعي خلاف لفظي - حكاه الأستاذ أبو إسْحَاق والبندنيجي -، ذهب الصَّيرفّي إلى أنه لا يسمى، وخصَّ اسم الإجماع بما كان قطعيًّا، وخالفه غيره. "وعن الشَّافعي ﵁ ليس إجماعًا ولا حُجَّة"، وهو رأي القاضي، "وعنه خلافه" وهو [أنه] (١) إجماع، وسنتكلّم على ذلك إن شاء الله تعالى. "وقال الجُبَّائيُّ: إجماع بشرط انقراض العَصْر" - وهو رأي البندنيجي من أصحابنا - وقال "ابن أبي هريرة": يكون إجماعًا "إن كان فُتْيا (٢) لا" [إن كان "حكمًا". وعبارة الإمام الرازيِّ في الحكاية عنه: لا] (٣) إن كان من حَاكِمٍ. والفرقُ بين العبارتين واضحٌ؛ إذ لا يلزم من صُدوره عن الحاكم أن يكون قاله على وجه [الحكم] (٤)، فقد يفتي الحاكم في بعض الأحايين. وقال أبو إسْحَاق المَرْوَزِي: عكسه. وقيل: إن وقع في شيء يفوت استدراكه من إراقة دم، أو استباحة فَرْجٍ، كان إجماعًا، وإلَّا فلا. وقيل: إن كان في عصر الصَّحابة كان إجماعًا، وإلا فلا. وقيل: يكون إجماعًا إن كان السَّاكتون أقل. وهنا أمور مهمة لا يليق إهمالها وإن كنا بذكرها نخرج عن أسلوب الاختصار، فإن مسألة الإجماع السُّكوتي من قواعد الأمهات، وإلى الشَّافعية مرجعها، وقد ذكرنا فيها في "التعليقة" أوراقًا تعسر على أبناء الزَّمان، فليقع تلخيصها هنا: الأول في سؤالين يوردان:

стр. 760

وَقَالَ الجُبَّائِيُّ: إِجْمَاعٌ بِشَرْطِ انْقِرَاضِ الْعَصْرِ. أحدهما: إن جعلكم الحجة في مُقَابلة الإجماع يقتضي أنها قسيمة (١) له، وألَّا يكون ذلك [ترديدًا بين الشيء ونفسه، وإذا كان كذلك] (٢) فما هي؟. لا يقال: هي قول بعض سكت عنه البَاقون، وسكوتهم دليلٌ رضاهم إلا أن نسبة ارضا إليهم يستدعي قولهم، ولم يحصل تحقُّقه، بل ظنّه، وظننا أن حكم الله ما قاله القائل؛ لأنا نقول: إذا حصل ظَنّ أنهم قالوا: فقد حصل ظن أنهم أجمعوا، ورجع الحال إلى أنكم قابلتم الإجماعَ بالإجماع. وثانيهما: أن الأكثرين من الأصوليين نقلوا أن الشَّافعي يقول: إن السكوتي ليس بإجماع. وذكر القاضي: أن ذلك آخر أقواله، وإمام الحَرَمَيْنِ: أنه ظاهر مذهبه، وزاد الإمام والآمدي فقالا (٣): إنَّ الشافعي يقول: ليس بإجماع ولا حُجَّة أيضًا. وحكى المصنّف ذلك، وزاد أن عنه خلافه، وخلافه محتمل لأن يكون حُجَّة، وليس بإجماع، ولم أجد ذلك محكيًّا عن الشَّافعي، ولعله مراد المصنف. إذا عرَفت هذا فقد قال الرَّافعي في الشرح المشهور عند الأصحاب: إن الإجماع السّكوتي حجة، وهل هو إجماع؟ فيه وجهان. وقال الشَّيخ أبو إسحاق في "اللَّمع": إنه إجماع على المذهب (٤). فقول الرَّافعي: إنه حجة، وهل هو إجماع؟ يقتضي أن الحُجَّةَ قسيمة للإجماع، وهو صنيع ابن الحاجب، وإياه أراد الرَّافعي قطعًا، وإلا فلو أراد بكونه حجة أنه إجماع لما صح دعواه اشتهار كونه حجَّة، والتردد على وجهين في كونه إجماعًا، ولمعارضه (٥) نقل إمام الحرمين ظاهر مذهب الشافعي أن ليس بإجماع. ونقل القاضي وغيره، وقول الشيخ أبي إسحاق: إنه إجماع على المذهب فيعارض نقل إمام الحَرَمَيْنِ عن ظاهر المذهب. والجواب: أنَّا جعلنا الحُجَّة في مُقَابلة الإجماع، وهي قسيمة كما ذكرتم، ومرادنا بالإجماع

стр. 761

ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنْ كَانَ فُتْيَا لَا حُكْمًا. المنفي: الإجماع القطعي، وبالحجة المُثْبتة: الإجماع الظني، وهما قسمان داخلان تحت مطلق الإجماع، كالرجل والمرأة داخلان تحت مطلق الإنسان. وصاحب الكتاب مترددٌ بين كونه إجماعًا قطعيًا، وإليه أشار بقوله: إجماعًا أو ظنيًّا وإليه أشار بقوله: حجة، وعليه دلَّ قول "المختصر الكبير": هو حُجَّة، وليس بإجماع قطعي، ونحوه قول الآمدي في آخر المسألة؛ الإجماع السُّكوتي ظنِّيٌّ، والاحتجاج به ظاهر لا قطعي. وبهذا يظهر لك أن الإجماع المنفي في كلام القاضي وإمام الحرمين: هو القطعي وهما لا يتكلّمان في غيره. فمذهبُ الشَّافعيِّ: أنه ليس بإجماع قطعي، والمثبت في كلام الرافعي هو الظَّني الذي عبر عنه بقوله: حُجَّة، وهو الذي عبر عنه الشيخ أبو إسحاق بأنه: إجماع على المذهب (١). وأما متقدمو الأصوليين فلا يطلقون لفظ الإجماع إِلَّا على القطعي. فإن قلتَ: كما تقول: بأن السُّكوتي إجماع هل تقول بأنه قطعي مع وقوع هذا الاختلاف المتجاذب الأطراف؟ قلتُ: هذا مكانُ التَّحْقيق فنقول: هل السُّكوت غير دالّ على الموافقة أو دالّ؟ وإذا كان دليلًا فهل هو قطعي أو ظني؟ وإذا لم يكن قطعيًّا، وكان ظنيًّا فهل هو حجة؟ وإذا كان حجة، فهل هي قطعية أو ظنية، فهذه احتمالات ذهب إلى كل منها ذاهبٌ. والقاضي أبو بكر وغيره ممن لا يكتفي بالظّنون في مسائل أصول الفقه لا يمنع إثارته الظن، ولكن يقول: الظَّن لا تقوم به الحُجَّة؛ فلذلك ينفي (٢) عنه لفظ الإجماع. والمشهور عند أصحابنا - كما ذكر الرَّافعيُّ - أنه حُجَّة. فإن قلت: فلم لا يصرح بتسميته إجماعًا؟ قلت: قد سماه أبو إسحاق الشِّيرازي إجماعًا، وعُذْرُ من لم يسمه (٣) قائمٌ من أوجه: أحدها: أنه لا غرض في هذه التَّسمية، إنما الغرض قيام الاحتجاج به.

стр. 762

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والثَّاني: أن المتقدمين لا يطلقون لفظ الإجماع إلا على القَطْعِيّ، وهو اصطلاح لهم مجرد ناشئ عن عدم اكتفائهم في مَسَائل الأصول بالظنون. والثالث: سِرّ دقيق، وهو المعتمد وهو أن لنا خلافًا لفظيًّا في تسميته بالإجماع، وصرَّح بحكايته الأستاذ أبو إسحاق في "تعليقته" والبندنيجيُّ في "الذخيرة" - كما قدمناه - وصرَّحا بأنه: خلاف في العبارة فقط. والقائلون بانتهاضه حُجَّة مع كونه مثيرًا للظّن فقط، لهم خلاف في أنه قطعي أو ظني، فقال الأستاذ أبو إسحاق والبندنيجي: إنه مقطوع به. وليس مرادهم بكونه مقطوعًا به القطع بأن الإجماع حاصل، إذ لا سبيل إلى ذلك مع أن الشُكوت يحتمل أوجهًا سوى الرضا، بل إن حكم الله قطعًا ما ظنناه، وقد أشار إلى هذا البندنيجي. وقال آخرون: بل ظني - واختاره ابنُ السَّمْعَاني في أثناء المسألة -. الأمر الثَّاني: في اختيار المصنّف. قد قلنا: إنه متردّد بين كونه قطعيًّا، فهو (١) المراد بقوله: إجماع، أو ظنيًّا، وهو المُرَاد بقوله: حُجَّة، ولم يطلق على الحجة لفظ الإجماع؛ للأعذار التي قَدَّمنا، فكلٌّ من القَطْعي والظَّنِّي يحتج به، وليس المراد من كونه قطعيًّا أنا نقطع بأن الأمة أجمعت (٢) فإن ذلك لا سبيل إليه مع قيام الاحتمال، بل إنا نقطع بأن حكم الله ما ظنناه، وعليه دَلَّ كلامه في "المختصر الكبير" و"الإحكام" كما عرفت. وقال بعضُ الشَّارحين: إجماع قطعي إن علم أن سكوتهم عن رضا، وإلا فحجَّة، وهو فاسد من وجهين: أحدهما: أنه إذا علم أن سكوتهم عق رضا لم يكن من صور الإجماع السكوتي - كما قدمنا -، وبه صرَّح من سيذكر اسمه عند الكلام على هذا القيد إن شاء الله تعالى. والثاني: أن سكوتهم إذا لم يعلم أنه عن رضا فوراءه حالتان: إحداهما: أنه يعلم أنه عن سخط، وليس بحُجَّة بلا نظر، وكذا إذا ظَنّ.

стр. 763

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والثانية: أن يجهل الحال، فيكون حُجَّة بمعنى أنه إجماع، ولا يلزم من كونه - حجة، وأنه إجماع ألَّا يكون قطعيًّا حتَّى يجعل قسمًا مقابلًا للقطعي، بل جاز كونه مظنونًا، ونقطعُ مع ذلك بكونه حجَّة كما سلف. الأمر الثَّالث: في القُيُودِ. أولها: كونه في مسائل التَّكليف ولا بُدَّ منه، ولا يغني عنه لفظ الفُتْيَا، فإن مثل قول القائل: عَمَّار أفضل من حُذَيفةَ، وبالعكس لا يدلّ السكوتُ فيه على شيء، إذ لا تكليف على الناس فيه. وثانيها: أن يعلم أنه بلَغ جميع أهل العصر ولم ينكروا؛ وإلا فلا يكون الإجماعَ السكوتي ووراءه حالتان: إحداهما: أن يغلب على الظَّن أنه بلغهم؛ لانتشاره، وشهرته، فهل يكون إجماعًا أيضًا؟ لم أرَ أحدًا صرَّح بذكر هذا غير الأستاذ أبي إسحاق فذكر: أنه إجماع على مذهب الشافعي، واختاره أيضًا وجعله درجة دون الأول. والثانية: ألَّا يغلب على إلظن، بل يكون في مجاري الاحتمال، وسيذكرها المصنف في دلائل المسألة. وثالثها: كون السكوت مجردًا. أما إذا كان معه أمارة رضا فقال الرّوياني من أصحابنا: يكون إجماعًا بلا خلاف. وكذا قال القاضي عبد الوَهَّاب المالكي فيما نقله بعضهم: وقضية ذلك أنه إن ظهرت أمارات السّخط، وأما إذا استصحب فعلًا يوافق الفُتْيَا، فالأمة حينئذ منقسمة إلى قائل به وعامل وذلك إجماع بلا نزاع، نصّ عليه القاضي عبد الوَهَّاب في "الملخص". ورابعها: مضى زمان يسع قدر مُهْلة النظر عادة في تلك المسألة، ولا بد منه ليندفع احتمال أن السَّاكتين كانوا في مُهْلَةِ النظر. وخامسها: ألَّا يتكرر ذلك مع طول الزمان. وأنا أقول: لا بد منه، وذلك أنه إذا تكررت الفُتْيا، وطالت المدة مع عدم المخالفة، فإن ظن مخالفتهم يترجح.

стр. 764

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بل أقول: إنه يفضي (١) إلى القطع، ويختلف ذلك باختلاف طول الزمان وقصره، وقد صرَّح ابنُ التِّلْمَساني في "شرح المعالم" بذلك، وأنه ليس من محل الخلاف، وذلك هو مقتضى كلام إمام الحرمين، فإنه جعل صورة المسألة ما لم يطل الزمان مع تكرار الواقعة. وأما إذا تكرر مع طول الزمان فلا أنكر جريان خلاف، وقد اقتضاه كلام القاضي أبي بكر، ولكنه ليس الخلاف في السُّكُوتي، بل أضعف منه. وسادسها: أن يكون في محلّ الاجتهاد، فلو أفتى واحد بخلاف الثَّابت قطعًا فليس سكوتهم دليلًا على شيء؛ ولعلَّهم إنما سَكَتُوا للعلم بأنه على منكر، وأن الإنكار لا يفيد. فإن قلت: إنكار المنكر واجب، وإن علِم المنكر أنه لا يفيد. قلت: ليس بواجب على الكُلّ، بل هو فرض كِفَايَةٍ، ثم في غير الشَّافعية من لا يوجبه والحالة هذه. وسابعها: أن يكون قبل اسْتِقْرَارِ المذاهب، ليخرج إفتاء مقلّد سكت عنه المخالفون؛ للعلم بمذهبهم ومَذْهبه، كشافعي يُفْتِي بنقض الوضوء بِمَسِّ الذَّكَرِ، فلا يدلّ سكوت الحنفي عنه على موافقته؛ للعلم باستقرار المَذَاهب والخلاف. وقد أهمل المصنّف بعض هذه القيود كما رأيت. الأمر الرابع: سبب ما وقع من الاضطراب في النَّقْل عن الشافعي ﵁ في هذه المسألة - أن بعضهم رأى منقولًا عنه أنه ليس بإجماع، وفي ذهنه أن الإجماع أعم من القطعي والظني، والنكرة في سياق النَّفي تعمّ، وإذا انتفى الأمران فإذا يكون حجة؟ فنسب إليه أنه نيس بإجماع ولا حُجَّة، وبعضهم رأى منقولًا عنه: أنه حجة في ذكره - أنه إذا كان حُجَّة لزم أن يكون إجماعًا - وأن كل إجماع فهو قطعي؛ فاضطربت النُّقول. والصَّوابُ في النقل ما حررناه، وحاصله: أن أحدًا من أصحابنا لم يقل بأنا نقطع بأنه إجماع قطعي، ولا يتَّجه القول بذلك من ذي لُبّ، وإنما يفهم اختلاف في أنّ ظن الإجماع هل حصل؟ والأصح عندهم؛ حصوله، خلافًا للإمام الرَّازي وأتباعه، ثم بعد حصوله هل ينتهض حجة؟ الأصحُّ: انتهاضه خلافًا لإمام الحرمين، وكلامه محتمل؛ لمنع انْتِهَاضِ الظّن أيضًا.

стр. 765

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لكن الأظهر أنه لا يمتنع ذلك، وقد قال في أثناء المسألة: لا قطعَ مع الاحتمال، وذلك [لو صح] (١) أنه يتطلب القطع في المسألة، والإجماع الذي نفاه، وعزى نفيه إلى ظاهر مذهب الشَّافعي هو القَطْعي دون الظَّني، وذلك ظاهر من كلامه، وكلام القاضي قبله والغَزَالي بعده، ويخطر لي أن للشافعية أوجهًا: أحدها: أنا لا نظن بالسُّكوت انتهاض الإجماع؛ لأن له مَحَامِلَ كثيرةً. والثاني: أنا نظنّه، ونقطع إذ ذاك بكونه حُجَّة، وهو رأي الأستاذ. والثالث: هذا، ولكن بشرط انقراض العَصْرِ، وهو رأي البَنْدَنِيجي. والرَّابع: أنا نظنّه، ونظن أنه حُجَّة من غير قاطع، وهو اختيار الآمدي. وإذا ضممنا هذه الأوجه إلى الوجهين في تَسْميته بالإجماع صارت الوجوه خمسة، والحنفية مصرحون: بأن الإجماع السُّكوتي قاطع، فإذا أرادوا أنا نقطع أن الأمة أجمعت (٢)، فهم مُكَابرون، كيف ولا قَطْعَ مع الاحتمال، وإن كان مرجوحًا إلى غاية - وما أظنهم يقولون هذا - وإن أرادوا حصول ظَنّ غالب مستلزم القَطْع بأنه حُجَّة، فذلك هو أحد آرائنا، وهو أظهرها عندنا. الأمر الخامس: في العبارة المَشْهورة عن الشَّافعي، وهي قوله: لا ينسب إلى ساكت قول (٣). قال إمام الحرمين: إنها من عبارات الشَّافعي الشريفة. قلت: وقد فهم الحُذَّاق منها أن السُّكوتي ليس بإجماع، منهم القاضي، وإمام الحرمين، وغيرهما. وأنا أقول: إنها لا تقتضي ذلك، فإنها لم تفصح إلا بأن السَّاكت لا ينسب إليه قول ولا يلزم من أنا لا ننسب إليه قولًا، أنا لا ننسب إليه موافقة، فالمُوَافقة أمر باطن والقول ظاهر، والفرض أنه ساكت، فلو نسبنا القول إليه لكنا كاذبين؛ إذ لا دليلٌ عليه بخلاف المُوَافقة، فإن السكوت دليلها، ألا ترى أن إذن البِكْرِ صمَاتُها فنقول: إذنها صماتُهَا كما قال المُصْطفى ﷺ تسليمًا. ولا نقول: قالت البكر: أذِنْتُ؛ لأنها لم تقل ذلك، فلذلك (٤) قال أصحابنا: لو سكت الوَلِيّ وقد طلب منه التزويج بين يدي الحاكم كان عَضْلًا، ولم يقولوا: كان لافظًا بالامتناع.

стр. 766

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإذا شرطنا رضا المَضْمون له، فلا نشترط نُطْقَهُ على خلاف فيه. ومسائل الاعتبار بالسُّكوت كثيرة، وفيها من الأصول مسألة التقرير، ومسألة إخبار (١) واحد بِحَضْرَةِ جمعٍ لم يكذبوه. سلّمنا أن مراده بالقول: الفُتْيَا، واعتقاد ما قاله الناطق، إلا أن نهاية ما ذكره أنه لا ينسب إليه قول بخصوصه، وهو كذلك؛ لأنا لا نقول: قال الساكتون، وإنَّما نقول (٢): قالت الأمَّة، فلم قلتم: إن الشافعي يمنعه؟ سلمنا أن مراده: أن الساكت لا ينسب إليه قول أصلًا، لا بمفرده ولا مع انضمامه إلى غيره، ولكن لِمَ قلتم: إن الإجماع لا ينتهض وإن لم نُسَمّ ذلك إجماعًا؛ فالنطق بالشيء غيره، فقد يكون الإجماع (٣) موجودًا، ولكنا لا نطلق القول بأن الأمة أجمعت. وسر ذلك أن الأصل امتناع نِسْبَةِ قولٍ إلى مَنْ لا يتحقق أنه قال: ولكنا خالفناه في السَّاكتين وظننا (٤) موافقتهم، وعملنا (٥) بِمُقْتَضَاها؛ للاحتياج إلى ذلك في المسائل التكليفية فأيُّ حاجة بنا إلى تسميته بالإجماع؟ وهذا هو أحد الوجهين السَّابقين عن حكاية الأستاذ والبَنْدَنِيجي، وهو ظاهر نقل الشَّيخ أبي إسحاق عن أبي بَكْرٍ الصَّيرفي الذي كان يقال: إنه أعلم الناس بالأصول [بعد الشَّافعي، وكان أيضًا أكثر الشَّافعية إلمامًا بكلام الشَّافعي في الأصول] (٦). الأمر السَّادس: إذا تقرر أن السُّكوتي حُجَّةٌ، فلا يخفى عليك إذا تأملت ما سطّرناه أنه مراتب: أحدها: أن يعلم أنه بلغ الجميع، وافترقوا ما بين مُفْتٍ وعامل، وهو كالقولي فيما نقله القاضي عبد الوَهَّاب.

стр. 767

لَنَا: سُكُوتُهُمْ ظَاهِرٌ فِي مُوَافَقَتِهِمْ فَكَانَ كَقَوْلهِمْ: "الظَّاهِرُ مُنْتَهِضٌ"؛ فَيَنْتَهِضُ دَلِيلُ السَّمْع. الْمُخَالِفُ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَهِدْ، أَوْ وَقَفَ، أَوْ خَالَفَ فتَرَوَّى، أَوْ وَقَّرَ، أَوْ هَابَ؛ فَلَا إِجْمَاعَ وَلَا حُجَّة. وثانيها: أن يعلم الجميع، ويكون سكوتهم مع طول الزمان، وتذكّر الواقعة. وثالثها: أن يبلغ الجميع وتظهر أمارات الرِّضا. ورابعها: أن ينقرض العَصْر. وخامسها: ألَّا ينقرض العَصْر. وسادسها: الَّا يعلم أنه بلغ الكُلّ ولكن يظن. وسابعها: ألَّا يظن، ولكن يكون محتملًا. وثامنها: الأقوال المفرقة بين الصَّحَابة وغيرهم، وبين ما يمكن، استدراكه، وما لا يمكن وبين مما إذا كان القائلون أكثر من السَّاكتين، وبالعكس. وتزايدت المراتب، ولا يخفى مواضعها، ولنعَدُ إلى الحل. الشرح: "لنا: سكوتهم (١) ظاهر في موافقتهم"؛ إذ يبعد عادة سكوت الكُلّ مع المخالفة "فكان كقولهم الظَّاهر، منتهضٌ؛ فينتهض (٢) دليلٌ السَّمع" الدَّال على حجية الإجماع. الشرح: "المخالف يحتمل أنه لم يجتهد"، "أو "اجتهد و"وقف"؛ لأنَّهُ لم يظهر له شيء، "أو خالف فتروَّى" عند سماع الخلاف ليكون على بَصِيرَةٍ، "أو وقَّر" المُفْتي (٣) فلم يصرح بمخالفته تعظيمًا، "أو هاب"، وقد قال ابن عبَّاس في حَقّ عمر ﵁ في مسألة العَوْلِ: كان مهيبًا فهبته. "قلنا": قولكم: لم يجتهد، أو اجتهد ووقف، أجاب البندنيجي عنه فقال: من سكت؛ للارتياب لم يَتَعَلَّق به حكم؛ لأن من لا يَعْرف الحكم في تلك الحادثة لا يلتفت إليه، ومتى كان مخالفًا، فسكوته "خلاف الظَّاهر؛ لأن عادتهم ترك السُّكوت (٤) "، ولو كانوا (٥) كذلك لكانوا

стр. 768

قُلْنَا: خِلَافُ الظَّاهِرِ، لِأَنَّ عَادَتَهُمْ تَرْكُ السُّكُوتِ. الْآخَرُ إِلَّا عَنْ دَلِيلٍ ظَاهِرٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. الجُبَّائِيُّ: انْقِرَاضُ الْعَصْرِ يُضْعِفُ الاِحْتِمَالَ. ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْعَادَةُ فِي الْفُتْيَا لَا فِي الْحُكْمِ. كاتمين لما يعتقدونه حَقًّا مع ظهور ما هو بَاطِلٌ عندهم، والتَّعْليق بالهَيْبَةِ [والتَّقية] (١) باطل، فقد كانوا يظهرون الحَقّ، ولا يخافون أحدًا، ولهذا ردت امرأة على عمر ﵁ في المقالات في الصَّداق حتَّى قال عمر: امرأة خاصمت رجلًا فخصمته (٢)، وقال عَبِيدَةُ السّلْمَاني (٣) لعليّ ﵁: رأيك في الجَمَاعة أحب إلينا من رأيك وَحْدَكَ. وأما ما يروى من قصّة ابن عباس في العَوْلِ فكان صغيرًا في زمن عمر، وعلى أنه قد أظهر خلافه من بعد، وكلامنا فيمن سكت ولم يظهر. الشرح: واحتج "الآخر" القائل بكونه حجَّة لا إجماعيًا، بأن السُّكوت "دليل ظاهر، لما ذكرناه" من كونه حُجَّة، ولكن لا يسمى إجماعًا للاحتمالات، وهذا هو القول الأظهر عندنا. الشرح: واحتج "الجُبَّائِيّ": بأن "انقراض العصر يضعف الاحتمالَ" (٤). الشرح: "وابن أبي هريرة": بأن "العَادَةَ" ترك السُّكوت "في الفُتْيَا، لا في الحكم"؛ لأن

стр. 769

وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْفَرْضَ قَبْلَ اسْتِقرَارِ الْمَذَاهِبِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَنْتَشِرْ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ. حكم الحاكم يُسقط الاعْتِرَاضَ ورفع الخلاف، بخلاف قول المفتي. وهذا منه يقتضي أنه إنما يقول: لا يكون حجة إذا كان الصَّادر من الحاكم حكمًا كما نقل المصنّف. وأما إذا صدرت منه فُتْيا، فهو كبقية المجتهدين. قال: ولأن؛ في الإنكار على القاضي افْتِيَاتًا. قال: ونحن نحضر مجالس [الحاكم] ونراهم (١) يفتون بخلاف مذهبنا، ولا ننكر. وهذا الوجه يقتضي أنه لا يكون حُجَّة، وإن كان الصَّادر من القاضي فُتْيا لا قضاء كما نقله الإمام الرازي. الشرح: "وأجيب بأن الفرض" أنَّ ترك الإنكار إنما هو "قبل استقرار المَذَاهب"، وهناك (٢) يجب إنكار الحكم كما يجب إنكار الفُتْيَا، وما ذكرت من الافْتيَاتِ وأن الحاكم يهاب، فجوابه: أن من ترك الإنكار مُرَاعاة وتقية (٣) لا عِبْرَةَ [به] (٤)؛ لأن من تسامح في الدِّين ولو بمسألة واحدة يخرج عن الأهلية. وإن فُرض أن القاضي ظالم يتعيَّن على من أنكر عليه في مسائل الاجتهاد ومواضع الإنكار، فهو غير أهلي فلا يعتبر قوله فضلًا عن أن يَصِيرَ إجماعًا، ولا وجه حينئذٍ لتفصيل ابن أبي هريرة إلا إذا كان فيما أتى به الحاكم حكمًا، كما هو ظاهر نقل المصنف، وكذا ذكره ابن السَّمْعَاني وغيره - وجوابه ما ذكر المصنّف - وقد عكسه أبو إسحاق المَرْوَزِيّ كما عرفت معللًا (٥) بأن الأغلب بأن الصادر من الحاكم يكون عن تشاور. فإن قلت: حكاية هذين المَذْهَبَينِ ترديد في الواقع؛ لأنكم صدَّرتم المسألة بقولكم: إذا أفتى واحدٌ، فالترديدُ يعد في الفُتْيَا والحكم ترديد في الوَاقِعِ.

стр. 770

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قلت: الفُتْيَا أعمُّ من الحكم؛ لأن الحاكم في أمرٍ فَشَا مفتٍ بما حكم به، فالتفصيلُ في الحقيقة واقعٌ بين الفُتْيَا على وجه الحكم والفُتيَا لا على وجُهه. وقد انتهت مسألة الإجماع السّكوتي المشروط فيها الانتشار بحيث يبلغ الكلّ. "وأما إذا انتشر"، ولكن كان بلوغه لأهل العَصْرِ أمرًا محتملًا (١) "فليس بحُجَّةٍ عند الأكثر" وقيل: حجَّة. وقال الإمام الرَّازي وأتباعه: إن القول إن كان فيما تَعمّ (٢) به البَلْوَى كنقض الوضوء بمَسِّ الذَّكَرِ كان كالسُّكوتي، وإلا لم يكن حُجَّة، وهنا كلامان: أحدهما: قد يقول القائل: إذا لم يعرف أنه بلغ الجميع فما تَمّ غير قول بعض الأمة فكيف يكون حجة؟ وجوابه بعد تقديم مقدمة فأقول: إن المتكلمين لمَّا تكلّموا في الإجماع السكوتي صوروا المسألة بعصر الصَّحابة منهم القاضي، وأبو إسحاق الشِّيرَازي، والغزالي والقاضي عبد الوَهَّاب. وأما ابن السَّمعاني، فصدّرها بعصر الصحابة، ثم حكى في أثنائها أن بعض أصحابنا خصَّصها بعصر الصَّحابة. وأما التابعون ومن بعدهم فلا. قال: ولا يعرف فرق بين الموضعين، والأولى التسوية بين الجَمِيعِ. وأما إمامُ الحَرَمَيْنِ، فأطلق الكلام إطلاقًا من غير تخصيص، وتبعه الآمدي والمتأخرون لكن إمام الحَرَمَيْنِ لم يذكر هذا الفَرْع - أعني: إذا لم يعرف أنه بلغ الجميع -. وأما الإمام الرَّازي، فأطلق صدر مسألة السّكوتي، ثم لمَّا اتتهى إلى هذا الفرع خصَّهُ بالصَّحابة، وتوهّم بعض أصحابه أن هذا التقييد لا حاجة به إليه، وأن الفرع لا يختص بالصَّحابة كالأصل، وعلى هذا جرى البَيْضَاويُّ في "منهاجه". وأنا أقول: الصَّوابُ صنيع الإمام، وأن الصُّورة الأولى - وهي ما إذا بلغ الجميع [لا

стр. 771

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . يختص] (١) ببعض الصَّحابة - ويدلّ عليه نقل ابن السَّمْعَاني صريحًا، والمعنى وهو أن السُّكوتي دليلٌ الرِّضا فانتهض الإجماع. والثانية: وهي هذا الفرع مختصَّة، ويدلّ عليه أيضًا النقل والحجاج، وذلك أن قول البعض ليس حُجَّة علي البعض، فلا وجه لهذا القول إلا إن كان القائل صحابيًّا، فيقع الخلاف ناشئًا عن أن أقوالَ الصَّحابة هل هي حجة؟ ولذلك أن الجماهير منهم القاضي أبو بكر، والشيخ أبو إسحاق، وغيرهما أشاروا إلى أن هذا الفرع هو نفس الكلام في أن قول الصحابي هل هو حجة؟ وأخَّروا الكلام فيه إلى موضعه. وقد وضح لك بهذا أنه إن (٢) عرف بُلُوغه الجَمِيع؛ فمسألة السُّكوتي، وإن ظُنّ فيها خلاف مفرع على مسألة السُّكوتي، كما قدمناه عن الأستاذ. وإن كان محتملًا (٣) وهي هذه المسألة ولا وجه للقول فيها بالحُجّية إلا أن يكون من صَحَابي بِناء على أن قوله حجّة. ومن عمم القول فيها (٤)، [لم يصب، وإن لم يكن محتملًا أصلًا، فلا حجة فيه أيضًا] (٥). وقد قدمنا هذا إلا أن يكون صحابيًّا عند من يحتج بقوله. وقد توهّم بعض الشَّارحين أن هذه الحالة هي مقصود المصنّف، وليس بجيد. الثاني: أن المصنّف يفسّر الانتشار بما إذا بلغ الجميع، وذلك مفهوم من قوله هنا: أما إذا لم ينتشر مع ما سبق منه من أن الإجماع السُّكوتي هو ما بلغ الجميع، فدلّ أن المنتشر هو ما بلغ الجميع. وهذا هو صنيعُ الآمدي، وهو قضية كلام القاضي أي بَكْرٍ، وابن السَّمْعاني وغيرهما. وظاهر كلام الإمام الرَّازي: أن الانتشار أعَمُّ من أن يعلم أنه بلغ الجميع، أو لا، وبذلك صرَّح الشيخُ الهِنْدِيُّ من أتباعه.

стр. 772

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ولقد أطلنا في "التعليقة" في مسألة السُّكوتي، وذكرنا: ما لو رحل ذو الهمة لسماعة من بلد إلى بلد يحمد مَسْعَاه، وقد أوردنا هنا طرفًا صالحًا منه. فإن قلت: إذا تمهّد من أصولكم أن السُّكوتي دليلٌ يحتج به، فما بالكم تُنكرون مسألتين قام فيهما الإجماع السكوتي؟ إحداهما: مسألة المبتوتة بالثلاث في المَرَضِ، فإن أصحّ القولين عندكم أنها لا ترث، وقد وَرّث عثمان ﵁ تَمَاضُر بنت الإصبغ من عبد الرَّحمن بن عوف، وقد طلَّقها آخر تطليقاتها الثلاث، وتوفي وهي في العِدَّة. والثانية: إذا وجب القصاص لصغير وكبير، فإنكم تقولون: لا يجوز للكبير أن يستوفي حتَّى يبلغ الصَّغير، ويجتمعا على طلب الاستيفاء. والحسن بن علي ﵁ قتل ابن ملجم قاتل علي - كرّم الله وجهه - ولم ينتظر بلوغ الصِّغار. ولا عُرِفَ لعثمان مخالف في الأولى، ولا للحسن في الثانية فما صحتكم في المخالفة؟. قلت: أما مسألة المَبْتُوتة (١)، فلم يقع إجماع سُكوتي، ولقد قال ابن الزبير: إذ ذاك لو كان الأمر إليَّ لما ورثتها. وكان رأي عبد الرحمن بن عوف: أنها لا ترث. فالمسألةُ خلافيةٌ بين الصَّحابة ﵃، فأين السكوتي؟ وعلى تقدير التنزل

стр. 773

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وتسليم أن أحدًا لم ينكر فمن أين لنا أنه بلغ الجميع، ونحن نشرطُ في السكوتي بلوغَ الكلِّ؟ سلمنا: أنه بلغهم، ولكن الصَّادر من عثمان كان حكمًا، والحكم لا إنكار فيه. والمنقول عدم الإنكار في الحكم، ونحن نقول به؛ لأن من حكم في رمضان بالاجتهاد لم يعترض عليه. أما إنكار الاجتهاد والقول بأنه غير صواب، فلم قلتم: إنه لم يقع؟ وقد نقلنا عن ابن الزبير ما نقلناه. واعلم: أن هذا السُّؤال هو الذي أوجب لابن أبي هريرة أن يفرق بين الفُتْيا والحكم واستحسنه ابن السَّمعاني لذلك، وقد ظهر اندفاعه، فلا حاجةَ إلى التفرقة. وأما مسألة استيفاء البالغ القصاص إذا كان مشتركًا بينه وبين الصبي، فجوابه من أوجه: أحدها: أن أهل الأرض وإن عرفوا مَقْتل ابن ملجم (١)، ولكن لا نسلم أنهم عرفوا أن من الورثة صغارًا. والثاني: - وهو المُعْتمد - أن ابن ملجم إنما قتل؛ لكفره، ولا يرتاب المصنّف في ذلك فأقل ما فيه اسْتحلاله قتل علي ﵁، ولو استحلّ قَتْلَ واحد من المسلمين (٢) لكفر، فضلًا عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه. ولا رَيْبَ في أنه كان يستحلّ ذلك، وقد قال شيطانه في هذيانه: إنه ما قتله إلا ليبلغ عند الله رضوانًا - أخزاه الله وقبّحه. والثالث: أن عليًّا - كرم الله وجهه - كان إمام المسلمين. ولنا وجه في [المذهب (٣): أن قاتل الإمام الأعظم يقتلُ حدًّا - حكاه المَاوَرْدِيُّ - وابن

стр. 774

الْكَلَامُ فِي انْقِرَاضِ العَصْرِ (١) مَسْأَلَةٌ: انْقِرَاضُ الْعَصْرِ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ فُورَكَ: يُشْتَرَط، وَقِيلَ: فِي السُّكُوتِيِّ. الفضل الفراوي] (٢) من أصحابنا قال: وعلى الحد لا عَفْو. قلت: وعلى عدم العَفْو، لا انتظار؛ إذ لا فائدة فيه. «مسألة» الشرح: "انقراضُ العصرِ" - عصر المجمعين - "غير مَشْرُوط" في انعقاد الإجماع "عند المحققين"، بل يكون اتِّفاقهم حُجَّةً، وإن لم ينقرضوا (٣). "وقال أحمد، وابن فورك"، وسليم الرَّازي: "يشترط". "وقيل": يشترط "في السُّكوتي"؛ لضعفه، دون القولي - وهو رأي البَنْدَنيجي، واختاره الآمدي.

стр. 775

وَقَالَ الإِمَامُ: إِنْ كَانَ عَنْ قِيَاسٍ. "وقال إمام الحَرَمَين: إن كان" الإجماعُ صادرًا "عن قياس" اشترط، وإلا فلا. كذا وقع في الكتاب، وهو وهْم، فإمام الحرمين لا يعتبر الانقراض ألبتة، بل يفرق بين المستند إلى قاطع - وإن كان في مظنّة الظَّن، فلا يشترط فيه تَمَادي زمان، وينتهض حجة على الفور. والظني فيشترط تَمَادي الزمان، حتَّى لو خَرَّ على المجمعين سقفٌ عَقِيبَ الاتفاق، أو عمهم الهلاكُ بوجه من الوجوه. قال: فلسنا نرى ذلك إجماعًا. ثم هو مصرّح بأن ما ذكره في الظَّني متعذّر، أو محال؛ لأن الظنون لا تستقيم على مِنْوَالٍ واحد مع التَّمادي. قال: إلا أن يتكلّف [المتكلّفُ] وجهًا فيقول: قد يعمُّهم ظهور وجه من الظن. قال: وللفَطِنِ أن يقول: ما انتهى إلى هذا المنتهى، فقد اعتزى إلى القطع. وقد حكينا كلام الإمام في "التعليقة" - وهو المختار عندنا -، إلا أنا لا نوافقه على تعذّر الاستمرار على الظَّني، ونقول: إن ذلك يمكن. وقد رَدّ ابنُ السَّمْعَاني في القواطع على الإمام: بأن التفرقة بين المقطوع والمظنون لا تصح؛ لأنَّهُ لا يعرف إلى أي شيء استناد المجمعين، ولو عرف استنادهم إلى المقطوع لكان هو الحجة، دون الإجماع. ولقائلٍ أن يقول: نحن إذا حكمنا على الظَّني باشتراط الزَّمن لم يلزمنا أن نعرف عينه. وأيضًا فإنا لما تطاول الزَّمن نحكم (١) بانتهاض الإجماع؛ لأنَّهُ إن كان عن ظن فقط حصل التمادي، وإلا فهو قائم [من قبل] (٢) وما لم يتطاول لا يحكم بقيامه إلا إذا لاح لنا أنه [عن] (٣) قاطع. وأيضًا: فلم قلتم: إنا لا ندري إلى أي شيء استند الإجماع، وكم من إجماع قائم وسنده معروف. وقوله: والمقطوع هو الدَّليل، يقال عليه: لا يلزم من كونه دليلًا ألَّا ينعقد الإجماع، فقد
следующие страницы →