. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يختص] (١) ببعض الصَّحابة - ويدلّ عليه نقل ابن السَّمْعَاني صريحًا، والمعنى وهو أن السُّكوتي دليلٌ الرِّضا فانتهض الإجماع.
والثانية: وهي هذا الفرع مختصَّة، ويدلّ عليه أيضًا النقل والحجاج، وذلك أن قول البعض ليس حُجَّة علي البعض، فلا وجه لهذا القول إلا إن كان القائل صحابيًّا، فيقع الخلاف ناشئًا عن أن أقوالَ الصَّحابة هل هي حجة؟
ولذلك أن الجماهير منهم القاضي أبو بكر، والشيخ أبو إسحاق، وغيرهما أشاروا إلى أن هذا الفرع هو نفس الكلام في أن قول الصحابي هل هو حجة؟ وأخَّروا الكلام فيه إلى موضعه.
وقد وضح لك بهذا أنه إن (٢) عرف بُلُوغه الجَمِيع؛ فمسألة السُّكوتي، وإن ظُنّ فيها خلاف مفرع على مسألة السُّكوتي، كما قدمناه عن الأستاذ.
وإن كان محتملًا (٣) وهي هذه المسألة ولا وجه للقول فيها بالحُجّية إلا أن يكون من صَحَابي بِناء على أن قوله حجّة.
ومن عمم القول فيها (٤)، [لم يصب، وإن لم يكن محتملًا أصلًا، فلا حجة فيه أيضًا] (٥).
وقد قدمنا هذا إلا أن يكون صحابيًّا عند من يحتج بقوله.
وقد توهّم بعض الشَّارحين أن هذه الحالة هي مقصود المصنّف، وليس بجيد.
الثاني: أن المصنّف يفسّر الانتشار بما إذا بلغ الجميع، وذلك مفهوم من قوله هنا: أما إذا لم ينتشر مع ما سبق منه من أن الإجماع السُّكوتي هو ما بلغ الجميع، فدلّ أن المنتشر هو ما بلغ الجميع.
وهذا هو صنيعُ الآمدي، وهو قضية كلام القاضي أي بَكْرٍ، وابن السَّمْعاني وغيرهما.
وظاهر كلام الإمام الرَّازي: أن الانتشار أعَمُّ من أن يعلم أنه بلغ الجميع، أو لا، وبذلك صرَّح الشيخُ الهِنْدِيُّ من أتباعه.
стр. 772
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولقد أطلنا في "التعليقة" في مسألة السُّكوتي، وذكرنا: ما لو رحل ذو الهمة لسماعة من بلد إلى بلد يحمد مَسْعَاه، وقد أوردنا هنا طرفًا صالحًا منه.
فإن قلت: إذا تمهّد من أصولكم أن السُّكوتي دليلٌ يحتج به، فما بالكم تُنكرون مسألتين قام فيهما الإجماع السكوتي؟
إحداهما: مسألة المبتوتة بالثلاث في المَرَضِ، فإن أصحّ القولين عندكم أنها لا ترث، وقد وَرّث عثمان ﵁ تَمَاضُر بنت الإصبغ من عبد الرَّحمن بن عوف، وقد طلَّقها آخر تطليقاتها الثلاث، وتوفي وهي في العِدَّة.
والثانية: إذا وجب القصاص لصغير وكبير، فإنكم تقولون: لا يجوز للكبير أن يستوفي حتَّى يبلغ الصَّغير، ويجتمعا على طلب الاستيفاء.
والحسن بن علي ﵁ قتل ابن ملجم قاتل علي - كرّم الله وجهه - ولم ينتظر بلوغ الصِّغار.
ولا عُرِفَ لعثمان مخالف في الأولى، ولا للحسن في الثانية فما صحتكم في المخالفة؟.
قلت: أما مسألة المَبْتُوتة (١)، فلم يقع إجماع سُكوتي، ولقد قال ابن الزبير: إذ ذاك لو كان الأمر إليَّ لما ورثتها.
وكان رأي عبد الرحمن بن عوف: أنها لا ترث.
فالمسألةُ خلافيةٌ بين الصَّحابة ﵃، فأين السكوتي؟ وعلى تقدير التنزل
стр. 773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وتسليم أن أحدًا لم ينكر فمن أين لنا أنه بلغ الجميع، ونحن نشرطُ في السكوتي بلوغَ الكلِّ؟
سلمنا: أنه بلغهم، ولكن الصَّادر من عثمان كان حكمًا، والحكم لا إنكار فيه. والمنقول عدم الإنكار في الحكم، ونحن نقول به؛ لأن من حكم في رمضان بالاجتهاد لم يعترض عليه.
أما إنكار الاجتهاد والقول بأنه غير صواب، فلم قلتم: إنه لم يقع؟ وقد نقلنا عن ابن الزبير ما نقلناه.
واعلم: أن هذا السُّؤال هو الذي أوجب لابن أبي هريرة أن يفرق بين الفُتْيا والحكم واستحسنه ابن السَّمعاني لذلك، وقد ظهر اندفاعه، فلا حاجةَ إلى التفرقة.
وأما مسألة استيفاء البالغ القصاص إذا كان مشتركًا بينه وبين الصبي، فجوابه من أوجه:
أحدها: أن أهل الأرض وإن عرفوا مَقْتل ابن ملجم (١)، ولكن لا نسلم أنهم عرفوا أن من الورثة صغارًا.
والثاني: - وهو المُعْتمد - أن ابن ملجم إنما قتل؛ لكفره، ولا يرتاب المصنّف في ذلك فأقل ما فيه اسْتحلاله قتل علي ﵁، ولو استحلّ قَتْلَ واحد من المسلمين (٢) لكفر، فضلًا عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه.
ولا رَيْبَ في أنه كان يستحلّ ذلك، وقد قال شيطانه في هذيانه: إنه ما قتله إلا ليبلغ عند الله رضوانًا - أخزاه الله وقبّحه.
والثالث: أن عليًّا - كرم الله وجهه - كان إمام المسلمين.
ولنا وجه في [المذهب (٣): أن قاتل الإمام الأعظم يقتلُ حدًّا - حكاه المَاوَرْدِيُّ - وابن
стр. 774
الْكَلَامُ فِي انْقِرَاضِ العَصْرِ (١)
مَسْأَلَةٌ:
انْقِرَاضُ الْعَصْرِ غَيْرُ مُشْتَرَطٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ فُورَكَ: يُشْتَرَط، وَقِيلَ: فِي السُّكُوتِيِّ.
الفضل الفراوي] (٢) من أصحابنا قال: وعلى الحد لا عَفْو.
قلت: وعلى عدم العَفْو، لا انتظار؛ إذ لا فائدة فيه.
«مسألة»
الشرح: "انقراضُ العصرِ" - عصر المجمعين - "غير مَشْرُوط" في انعقاد الإجماع "عند المحققين"، بل يكون اتِّفاقهم حُجَّةً، وإن لم ينقرضوا (٣).
"وقال أحمد، وابن فورك"، وسليم الرَّازي: "يشترط".
"وقيل": يشترط "في السُّكوتي"؛ لضعفه، دون القولي - وهو رأي البَنْدَنيجي، واختاره الآمدي.
стр. 775
وَقَالَ الإِمَامُ: إِنْ كَانَ عَنْ قِيَاسٍ.
"وقال إمام الحَرَمَين: إن كان" الإجماعُ صادرًا "عن قياس" اشترط، وإلا فلا.
كذا وقع في الكتاب، وهو وهْم، فإمام الحرمين لا يعتبر الانقراض ألبتة، بل يفرق بين المستند إلى قاطع - وإن كان في مظنّة الظَّن، فلا يشترط فيه تَمَادي زمان، وينتهض حجة على الفور.
والظني فيشترط تَمَادي الزمان، حتَّى لو خَرَّ على المجمعين سقفٌ عَقِيبَ الاتفاق، أو عمهم الهلاكُ بوجه من الوجوه.
قال: فلسنا نرى ذلك إجماعًا.
ثم هو مصرّح بأن ما ذكره في الظَّني متعذّر، أو محال؛ لأن الظنون لا تستقيم على مِنْوَالٍ واحد مع التَّمادي.
قال: إلا أن يتكلّف [المتكلّفُ] وجهًا فيقول: قد يعمُّهم ظهور وجه من الظن.
قال: وللفَطِنِ أن يقول: ما انتهى إلى هذا المنتهى، فقد اعتزى إلى القطع.
وقد حكينا كلام الإمام في "التعليقة" - وهو المختار عندنا -، إلا أنا لا نوافقه على تعذّر الاستمرار على الظَّني، ونقول: إن ذلك يمكن.
وقد رَدّ ابنُ السَّمْعَاني في القواطع على الإمام: بأن التفرقة بين المقطوع والمظنون لا تصح؛ لأنَّهُ لا يعرف إلى أي شيء استناد المجمعين، ولو عرف استنادهم إلى المقطوع لكان هو الحجة، دون الإجماع.
ولقائلٍ أن يقول: نحن إذا حكمنا على الظَّني باشتراط الزَّمن لم يلزمنا أن نعرف عينه.
وأيضًا فإنا لما تطاول الزَّمن نحكم (١) بانتهاض الإجماع؛ لأنَّهُ إن كان عن ظن فقط حصل التمادي، وإلا فهو قائم [من قبل] (٢) وما لم يتطاول لا يحكم بقيامه إلا إذا لاح لنا أنه [عن] (٣) قاطع.
وأيضًا: فلم قلتم: إنا لا ندري إلى أي شيء استند الإجماع، وكم من إجماع قائم وسنده معروف.
وقوله: والمقطوع هو الدَّليل، يقال عليه: لا يلزم من كونه دليلًا ألَّا ينعقد الإجماع، فقد
стр. 776
لنَا: دَلِيلُ السَّمْعِ.
وَاسْتُدِلَّ: بِأَنَّهُ يُؤدِّي إِلَى عَدَمِ الإِجْمَاع لِلتَّلَاحُقِ.
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ عَصْرُ الْمُجْمِعِينَ الْأَوَّلِينَ، أَوْ لَا مَدْخَلَ لِلَّاحِقِ.
ينعقد، ويجتمع دليلان على مدلول واحد، ولولا ذلك لما وقع إجماع عن قاطع، ثم إن الحجة أبدًا هي سند الإجماع، لا نفسه، والإجماع دليلٌ الحُجَّة لا نفسها.
وفي المَسْألة مذهب خامس حكاه ابن السَّمْعَاني: إنه ينعقد قبل الانقراض فيما لا مُهلةَ فيه، ولا يمكن استدراكه من قَتْل نفس أو استباحة فَرْجٍ، دون غيره، وسبق له نظيره في السَّكوتي.
وسادس: حكاه القاضي: أنه [إن] (١) لم يَبْق من المجمعين إلا عدد ينقصون عن أقل عدد التواتر، فلا يكترث ببقائهم، ويحكم بانعقاد الإجماع.
الشرح: قال: "لنا دليلٌ السَّمع" الدَّال على أن الإجماع حجة، فإنه ليس فيه تعرض للانقراض، وهذا وجه احتج به القاضي.
وللخَصم أن يقول: الإجماع هو اتفاق العَصْرِ مع الانقراض لا مجرد اتفاق العصر، فالاستدلالُ بدليل السَّمع حينئذٍ مصادرةٌ على المطلوب.
ولقد ردّ إمام الحرمين في "مختصر التقريب" على القاضي بهذا.
ولو استدلّ المصنّف بالعادة القاضية أن الجمع الكثير لا يجتمعون إلا عن حق كان أولى، وكان جاريًا على أصله أيضًا.
الشرح: "واستدل [بأنه] " لو اشترط لم يوجد إجماع؛ لأنَّهُ "يؤدي إلى عدم" تحقق "الإجماع"؛ إذ ما من عصر يتَّفق أهله على قول إِلَّا ويوجد قوم آخرون قبل انقراضهم.
فلو (٢) جوَّزنا المخالفة لم يحصل إجماع أصلًا "للتلاحق" المذكور، وهذا أيضًا ذكره القاضي.
"وأجيب: بأن المراد" بالعَصْرِ المشروط انقراضه "عصر المجمعين" عند حدوث الواقعة "أو "يقال: إنه "لا مدخل للاحق".
فالأول: بناء على أن للَّاحقين مدخلًا في الإجماع.
والثاني: على أنه لا مدخل لهم.
стр. 777
قَالُوا: يَسْتَلْزِمُ إِلْغَاءَ الْخَبَرِ الصَّحِيحِ بِتَقْدِيرِ الاِطِّلَاعِ عَلَيْهِ.
قُلْنَا: بَعِيدٌ، وَبِتَقْدِيرِهِ، فَلَا أثَرَ لَهُ مَعَ القَاطِعِ كَمَا لَوِ انْقَرَضُوا.
قَالُوا: لَوْ لَمْ يشتَرَطْ لَمُنِعَ الْمُجْتَهِدُ مِنَ الرُّجُوعِ عَنِ اجْتِهَادِهِ.
قُلْنَا: وَاجِبٌ؛ لِقِيَامِ الإجْمَاعِ.
والحاصل أن القائلين بالانقراض اختلفوا في إدخال من أدرك المجمعين من التابعين، فمنهم من قال: لا مدخل للتَّابعي، وفائدة اشتراط الانقراض إمكان رجوع المجمعين أو بعضهم عما حكموا به أولًا، لا جواز مجتهد آخر.
وبتقدير تسليم دخول التابع لهم في إجماعهم، فلا يمتنع أن يكون الشَّرط هو انقراض عصر المجمعين عند حدوث الحَادِثَةِ، واعتبار مُوَافقة من أدرك ذلك العَصْر من المجتهدين لا عَصْر من أدرك عصرهم، وإلى هذا أشار إمامُ الحرمين، إذ قال: وهؤلاء - يعني: المشترطين - يقولون: لو أجمع العلماء في عصر، ثم لحقهم لاحقون، وبلغوا رتبة المجتهدين، فلا يعتبر انقراضهم؛ إذ يلحقهم آخرون.
وهذا يفضي إلى عسر تصوّر الانقراض، والمرعى إذًا اعتبار الذين أجمعوا أولًا.
الشرح: ومشترطو الانقراض "قالوا": عدم الاشتراط "يستلزم إلغاء الخبر الصَّحيح بتقدير الاطّلاع عليه" بعد الإجماع، وذلك يؤدي إلى إبطال النّص بالاجتهاد.
"قلنا": وجوده بعد الإجماع "بعيد"، فإنهم إنما يجمعون بعده ففسد البحث، "وبتقديره فلا أثر له مع القاطع" الدَّال على خلافه، وهو الإجماع "كما لو انقرضوا"، فإنه لا أثر له إجماعًا.
الشرح: "قالوا": ثانيًا "لو لم يشترط" الانقراض "لمنع المجتهد من الرجوع عن اجتهاده"، واللازم باطل، إذ يجوز له أن يرجع عن اجتهاده بما يطرأ له من الاجتهاد، بل يجب عليه.
وبيان المُلَازمة: أنه إذا تغير اجهاده بما يطرأ له من الاجتهاد، بل يجب عليه، وبيان الملازمة أنه إذا تغير اجتهاد بعض المجمعين، وقد انعقد الإجماع باجتهاده فيحكم باجتهاده الأول، ولا يمكن من العمل باجتهاده الثاني؛ لمخالفته الإجماع.
стр. 778
قَالُوا: لَوْ لَمْ تُعْتبَرْ مُخَالفتُهُ لَمْ تُعْتَبَرْ مُخَالَفَةُ مَنْ مَاتَ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ كُلُّ الأُمَّةِ.
قُلْنَا: قَدِ الْتَزَمَهُ بَعْضٌ، وَالْفَرْقُ أَنَّ هذَا قَوْلُ مَنْ وُجِدَ مِنَ الْأُمَّةِ فَلَا إِجْمَاعَ.
مُسْتَنَدُ الإجْمَاعِ (١)
مَسْأَلَةٌ:
لَا إِجْمَاعَ إِلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْخَطَأَ، وَلِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ عَادَةً.
"قلنا": منع المجتهد (٢) من الرجوع عن اجتهاده "واجب؛ لقيام الإجماع"، فإن الرجوعَ عن المجتهدات إنما يكون حيث لا يطرأ إجماع.
الشرح: "قالوا" ثالثًا: المجتهد اللاحق "لو لم تعتبر (٣) مُخَالفته لم تعتبر مخالفة من مات"، فيكون اتفاق الباقين بعد موت المُخَالفين إحماعًا؛ "لأن الثاني كل الأمة".
"قلنا: قد التزمه بعض"، وقال: بذهاب الأقوال بموت قائليها (٤).
"والفرق" (٥) على تقدير عدم الالتزام" أَنَّ هذا قول من وجد من الأمة" حال الإجماع "فلا إجماع"، بخلاف ما نحن فيه إذا وجد فيه قول كل الأمة حين لم يوجد قول يخالفه، فإذا انعقد فلا عِبْرَةَ بما يحدث بعده.
«مسألة»
الشرح: قال بعضهم: قد يكون الإجماع عن توفيق من الله هو من غير مستندٍ.
стр. 779
قَالُوا: لَوْ كَانَ عَنْ دَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ.
قُلْنَا: فَائِدَتُهُ سُقُوطُ الْبَحْثِ، وَحُرْمَةُ الْمُخَالَفَةِ، وَأَيْضًا فَإنَّهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا قَائِلَ بِهِ.
والصَّواب: أنه "لا إجماعَ إِلَّا عن مستندٍ؛ لأنَّهُ" بدون المستند "يستلزم الخطأ" فإن القول في الدين بلا دليلٌ خطأ؛ "ولأنه مستحيل عادة".
ولقائل أن يقول على الأول: إنما يكون القول بلا دليلٍ خطأَ إذا لم يكن من جميع الأمة، أما إذا قاله الأمة طرأ، فذلك محل النزاع.
وعلى الثاني: أن العادة لا تفيد إن كان الكلام في الجواز العَقْلي على ما سنبحث عنه إن شاء الله تعالى.
الشرح: "قالوا: لو كان عن دَلِيل لم [يكن] (١) له فائدة"، للاستغناء بدليله عنه.
"قلنا: فائدته: سقوط البحث وحُرْمة المخالفة" بعد قيام الإجماع، "وأيضًا، فإنه" أي: ما استدللتم به "يوجب أن يكون عن غير دليلٌ، ولا قائل به"، إذ لم يقل أحد: إن الإجماع يجب أن يصدر عن غير دَلِيلٍ.
واعلم: أن الآمدي زعم أن الخلاف إنما هو في الجواز، لا الوقوع.
وهذا يدرؤه استدلال الخصوم بصور ذكروها، وقالوا: وقع إجماع فيها عن غير مستند، سواء أصحَّت لهم تلك الصور أم لا؟ لأنهم حيث ادعوا الوقوع كان ذلك مذهبًا مقولًا به، صح ما اعتصم به قائله أم فسد.
стр. 780
حُكْمُ الإجْمَاعِ عَنْ قِيَاسٍ (١)
مَسْأَلَةٌ:
يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ عَنْ قِيَاسٍ، وَمَنَعَتِ الظَّاهِرِيَّةُ الْجَوَازَ، وَبَعْضُهُمْ الْوُقُوعَ.
«مسألة»
الشرح: "يجوز أن يُجْمَعَ عن قياس" جليًّا كان، أو خفيًّا.
стр. 781
لَنَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ كَغَيْرِهِ، وَالظَّاهِرُ الْوُقُوعُ كَإِمَامَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وَتَحْرِيمِ شَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَإِرَاقَةِ نَحْوِ الشَّيْرَجِ.
"ومنعت الظَّاهرية الجواز" بناء على أصلهم في منع القياس، ووافقهم الإمام محمد بن جرير [الطَّبري] (١) من أئمتنا، وهو غريب عنه؛ لأنَّهُ من القائلين بالقياس.
"وبعضهم" منع "الوقوع".
[وقيل] (٢): واقع، ولكن لا يحرم مُخَالفته.
وقيل: يجوز عن الجَلِيّ دون الخَفِيّ.
ونقل جماعة: الاتِّفاق على جواز الإجماع عن دلالة.
ورأيت - في كتاب "الميزان"من كتب الحنفية (٣) - أن بعض مشايخهم ذهب إلى: أنه لا يجوز القياس إِلَّا عن أمارة، ولا يجوز عن دلالة؛ للاستغناء بها عنه، وهو غريبٌ.
"لنا: القَطْع بالجواز كغيره" من أنواع الإجماع؛ إذ لا يلزم من وقوعه مُحَال لذاته.
стр. 782
حُكْمُ الإجْمَاعِ عَلَى قَوْلَيْن (١)
مَسْأَلَةٌ:
إِذَا أُجْمِعَ عَلَى قَوْلَيْنِ وَأُحْدِثَ قَوْلٌ ثَالِثٌ مَنَعَهُ الْأَكْثَرُ كَوَطْءِ الْبِكْرِ.
قِيل: يَمْنَعُ الرَّدَّ، وَقِيلَ: مَعَ الأَرْشِ، فَالرَّدُّ مَجَّانًا ثَالِثٌ، وَكَالجَدِّ مَعَ الْأَخ. قِيلَ:
"والظاهر: الوقوع كإمامة أبي بَكْرٍ ﵁ " أجمع عليها بالقياس على الصَّلاة؛ إذ قال عمر ﵁: رضيه رسولُ الله ﷺ لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟ "وتحريم شَحْمِ الخِنْزِيرِ" قياسًا على لَحْمِهِ، "وإراقة نحو الشَّيرَج" إذا وقعت فيه فأرة قياسًا على السمن.
«مسألة»
الشرح: "إذا أُجمع على قولين" - بأن افترقت الأمة إلى فرقتين قالت فرقة بالنفي، وأخرى بالإثبات - "وأُحدث قول ثالث" فهل يجوز (٢)؟.
"منعه الأكثر كَوَطْء البكر.
قيل: يمنع" (٣) المشتري "الرد" إذا علم بعد ذلك بِعَيْبِهَا، "وقيل": بجوازه، ولكن "مع الأَرْشِ (٤)، فالرد" قهرًا "مجانًا" بغير أَرْشِ البِكَارَةِ قول "ثالث".
стр. 783
الْمَالُ كُلُّه، وَقِيلَ: الْمُقَاسَمَةُ فَالْحِرْمَانُ ثَالِثٌ، وَكَالنِّيَّةِ فِي الطَّهَارَاتِ، قِيلَ: تُعْتَبَر، وَقِيلَ: فِي الْبَعْضِ، فَالتَّعْمِيمُ بِالنَّفْيِ ثَالِثٌ، وَكَالْفَسْخِ بِالْعُيُوبِ الْخَمْسَةِ، قِيلَ: يُفْسَخُ بِهَا، وَقِيلَ: لَا فَالْفَرْقُ ثَالِثٌ، وَكَأُمٍّ مَعَ زَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ وَأَبٍ، قِيلَ: الثُّلُث، وَقِيلَ: ثُلُثُ مَا بَقِيَ فَالْفَرْقُ
ومذهبنا: جواز الرد، وبدل الأرش، والبقاء وأخذ الأرش. فإن تَشَاحّا فالصحيح: يجاب من يدعو إلى الإمساك، والرجوع بأَرْشِ العَيبِ القديم.
والآمدي مثَّلَ بوطء الثَّيِّب.
وفيه نظر، فإن أصحابنا ذهبوا فيها إلى الرد مجانًا، وقالوا لم يثبت تكلم جميع الصَّحابة في المسألة، ونقلوا عن ريد بن ثابت مثل قولنا.
"وكالجد مع الأخ (١).
قيل: المال كله" للجد.
"وقيل: المقاسمة" بينهما، "فالحرمانُ" حرمان الجد، وهو قول ابن حَزْم "ثالث".
"وكالنِّيَّة في الطهارات (٢).
قيل: تعتبر" في جميعها، وهو قول ابن سريج.
"وقيل": يعتبر "في البعض"، كرفع الحدث دون إزالة الخبث وهو الصحيح، "فالتعميم بالنفي ثالث".
"وكالفَسْخ بالعيوب الخمسة" الجُنُون، والجُذَام (٣)، والبَرَص (٤)، والجَبّ (٥)، والعُنَّة (٦)،
стр. 784
ثَالِثٌ، وَالصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ إِنْ كَانَ الثَّالِثُ يَرْفَعُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ فَمَمْنُوعٌ كَالْبِكْرِ وَكَالْجَدِّ وَالطَّهَارَاتِ، وَإلَّا فَجَائِزٌ، كَفَسْخِ النِّكَاحِ بِبَعْضٍ، وَكَالْأُمِّ فَإِنَّهُ يُوَافِقُ فِي كُلِّ صُورَةٍ مَذْهَبًا.
والرَّتَق (١)، والقرن (٢) "قيل: يفسخ بها" وهو مذهبنا.
"وقيل: لا"، وهو مأثور عن علي كرم الله وجهه.
"فالفرق ثالث" وبه قال أبو حنيفة حيث ذهب إلى الفَسْخ ببعضها دون بعض، والحسن البصري حيث ذهب أن للمرأة الفسخ بها دون الزوج؛ لتمكّنه من الفَسْخِ بالطلاق.
"وكأم مع زوج" وأب، "أو" مع "زوجة وأب.
قيل": للأم "ثُلُث" من الأصل في المسألتين، وهو مذهب ابن عباس.
"وقيل: ثلث ما بقي" بعد نصيب الزَّوج أو الزوجة، "فالفرق" أن يقال: لها ثلث الأصل في إحدى المسألتين دون الأخرى "ثالث".
"والصَّحيحُ" في هذه المسألة - وعليه الإمام الرَّازي وأتباعه والآمدي وطائفة - "التفصيل" بأن يقال: "إن كان الثالث يرفع" من مَدْلول القولين "ما اتَّفَقَا عليه، فممنوع" إحداثه؛ لخرقه الإجماع -
стр. 785
لَنَا: أَنَّ الأَوَّلَ مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ فَمُنِعَ بِخلَافِ الثَّانِي، كَمَا لَوْ قِيلَ: "لَا يُقْتلُ مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ" وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْغَائِبِ، وَقِيلَ: يُقْتَلُ وَيَصِحُّ لَمْ يُمْنَعْ يُقْتَل، وَلَا يَصِحُّ
"كالبِكْرِ"؛ لاجتماع القولين على امتناع الرَّد قهرًا مجانًا، والثالث برفعه.
"وكالجد"؛ للاتفاق على أن له حظًّا من المال.
"وكالطهارات"؛ للاتِّفاق على أن [له] (١) بعض الظهارة [في النِّيَّة] (٢).
"وإلا" - أي: وإن لم يرفع متفقًا، بل خالف كلا بوجه ووافق بوجه -، "فجائز كفسخ النكاح ببعض" (٣).
"وكالأم فإنه يوافق في كل صورة مذهبًا" (٤)، فلا يخرق الإجماع.
الشرح: "لنا: أن الأول مخالفة الإجماع فمنع، بخلاف الثاني"، فإنه لا مخالفة فيه "كما لو قيل: لا يقتل مسلم بذمّي (٥)، ولا يصح بيع (٦) الغَائِب".
стр. 786
وَعَكْسُهُ بِاتِّفَاقٍ. قَالُوا: فَصَّلَ وَلَمْ يُفَصِّلْ أَحَدٌ فَقَدْ خَالَفَ الإِجْمَاعَ قُلْنَا: عَدَمُ الْقَوْلِ بِهِ لَيْسَ قَوْلًا بِنَفْيِهِ، وَإلَّا امْتَنَعَ الْقَوْلُ فِي وَاقِعَةٍ تتَجَدَّدُ وَيَتَحَقَّقُ بِمَسْأَلَتَيِ الذِّمِّيِّ وَالْغَائِبِ.
قَالُوا: يَسْتَلْزِمُ تَخْطِئَةَ كُلِّ فَرِيقٍ وَهُمْ كُل الْأُمَّةِ.
"وقيل: يقتل، ويصح لم يمنع، يقتل (١)، ولا يصح وعكسه باتفاق"؛ وإنما ذلك لكونه لم يرفع مجمعًا عليه.
فإن قلت: ما الفارق بين مسألتي "العيوب" و"الأم"، و"مسألة قتل المسلم بالذِّمي" و"صحة بيع الغائب"، حيث اتفقوا على جواز العضل (٢) في هذه، واختلفوا في الأولييْن.
قلت: اشتراكُ الأوليين في قدر مشترك، فالخمسُ اشتركن في فسخ بعيب، والأم في الصورتين موجودة، ولكن تارة معها زوجها وأب، وطورًا [زوجة وأب] (٣)، وعدم الاشتراك في الأخيرة، فإنه لا رابط بين قتل المُسْلِمِ بالذّمي، وصحة بيع الغائب.
والمانعون للقول الثَّالث مطلقًا زعموه رافعًا للمجمع عليه مطلقًا، فلذلك تبعوه وإلا لم يكن لمنعهم وجهٌ.
"قالوا": أولًا إن القائل به "فصّل" ففرّق مثلًا في العيوب الخمسة، "ولم يفصّلْ أحد" من السابقين، "فقد خالف الإجماع" في عدم الفصْلِ.
"قلنا: عدم القول به ليس قولًا بنفيه" حتَّى يمتنع، ففرق بين القول بعدم الشَّيء، وعدم القول بالشيء؛ إذ لا حكم في الثاني دون الأول، "وإلا امتنع القول في واقعة تتجدَّد"، ولم يطلع عليها أهل العَصْرِ الأول بشيء من الأشياء؛ لصدق أنهم لم يقولوا فيها بشيء ولا قائلَ بذلك، وسره ما ذكرناه من عدم الحكم فيه.
"ويتحقّق" جواز الفَصْل "بمسألتي الذِّمِّي والغائب".
الشرح: "قالوا": ثانيًا: "يستلزم تَخْطِئة كلّ فريق" في مسألة، "وهم (٤) كل الأمة" فيصدق أخطأت الأمة.
"قلنا: الممتنع: تخطئة كل الأمة فيما اتفقوا عليه" - أما ما لم يتفقوا عليه بأن تخطئ فرقة في مسألة وأخرى في أخرى، فلا يمتنع.
стр. 787
قُلْنَا: الْمُمْتَنِعُ تَخْطِئَةُ كُلِّ الْأُمَّةِ فِيمَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ.
وقد نظر البَيْضَاوي هذا الجواب ووجهه: أنه إذا أخطأت الأمة في شيئين كلّ شطر في شيء دخل تحت عموم "لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى خَطَإٍ".
ومن خطَّأ كلّ فريق في قول فقد خطأ كلّ الأمة.
وهذا (١) النظر له أصل مختلف فيه، وهو أنه هل يجوز انقسام الأمَّة إلى شطرين كل شطر يخطئ (٢) في مسألة؟ - والأكثر على أنه لا يجوز - واختار الآمدي خلافه، فتبعه المصنّف.
وله عندي اتجاه ظاهر، فإن المحذور حصول الاجتماع منها، وإذا انفرد كلّ واحد بخطأ غير خطأ صاحبه، فأين الاجتماع؟
ولو صدق الاجتماع لاقتضى اجتماع جمع عظيم أكثر من عدد المجمعين بأضعاف مضاعفة على الخطأ.
بيانه: أن العصر الماضي لم يَخْلُ عن معاصي صدرت من سفهائه، واللاحق كمثله، ولاحق اللاحق نظيره، وهكذا إذ ليس كل فرد من الأمة (٣) بمعصوم، والمجاري فيما بينهم طافحة، فإن صدق على مثل هذا أنه إجماع، فقد لاح اجتماع الجَمْعِ العظيم على الخطأ، فالوجه حمل الاجتماع على ما ذكرناه.
والإمامُ الرَّازي لم يذكر هذا الجَوَاب المذكور في الكتاب، بل قال: هذا الإشكال غير واردٍ على القول بأن كل مجتهد مصيبٌ، فإنه لا يلزم من حقيقة واحد من الأقسام فساد الباقي.
سَلَّمنا، ولكن لا يلزم من الذِّهَاب إلى الثالث كونه حقًّا؛ لأن المجتهد يعمل بمقتضى اجتهاده، وإن كان خطأ في نفس الأمر.
ولقائل أن يقول: [على الأول] (٤) قد اعترفتم أولًا بوروده على المَذْهَبِ الحَقّ الذي يرويه وهو أن المصيب واحد، ثم لم قلتم: إنه لا يلزم من حقيَّة أحد الأقسام فساد الباقي إذا وقع الإجماع على ذلك القسم.
وعلى الثاني: أن الذَّاهب إلى الثالث إذا كان يعلم انقسام [الأمة] (٥) إلى شَطْرَيْنِ، والفرض علمه أن الثالث يستلزم التَّخْطئة، فقد علم أن الذهاب [إليه] (٦) خطأ فيحرم عليه الذهاب إليه.
стр. 788
الآخَرُ اخْتِلَافُهُمْ دَلِيلُ أنَّهَا اجْتِهَادِيَّةٌ.
قُلْنَا: مَا مَنَعْنَاهُ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وَلَوْ سُلِّمَ، فَهُوَ دَلِيلٌ قَبْلَ تَقَرُّرِ إِجْمَاعٍ مَانِعٍ مِنْهُ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ لأُنْكِرَ لمَّا وَقَعَ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ فِي مَسْأَلةِ الْأُمِّ ..........
الشرح: واحتج "الآخر" وهو مجوّز الذهاب إلى الثالث مطلقًا - فقال: "اختلافهم" فيها "دليلٌ أنها اجتهادية"، فيكون اختلافهم فيها سائغًا، والثالث حادث عن اجتهاد فلا يُمْنَعُ.
"قلنا: ما مَنَعْنَاهُ لم يختلفوا فيه" حتى يقال: إنه اجتهادي.
"ولو سلم" أن الاختلاف دليلُ تسويغ الاجتهاد، "فهو دليلٌ قبل تقرر إجماع مانع منه" لا مطلقًا، والأمة لما اتَّفقت على القولين حصل الإجماع المانع من الثالث.
الشرح: "قالوا: لو كان" إحداث الثَّالث ممنوعًا "لأنكر لمَّا وقعَ"، ولكنه لم ينكر بدليل أنه "قد قال ابن سِيرِين" (١)؛ بإحداث ثالث "في مسألة الأم مع زوج وأب"؛ لأنَّهُ قال فيها "يقول ابن عباس"، وجعل [له] ثلث الأصل، ولم يقل به إذا كان معها زوجة، "وعكس" مجتهد "آخر" فقال: يقول ابن عباس: إذا كان معها زوجة، لا إذا كان معها زوج، ولم ينكر ذلك أحد.
هكذا ذكر ذلك الآمدي، وجرى عليه الشارحون والعقل والنقل يدرآنه، لأنَّهُ إذا أعطاها في مسألة الزوج الثلث كاملًا مع أنها تأخذ ضعف الأب، لزمه أن يعطيها (٢) الثلث كاملًا في زوجة وأبوين بطريق أولى، فإنها إذا أعطيت الثلث كاملًا في زوجة وأبوين لم تأخذ ضعفه ولا مثله، بل أنقص منه بسهم، فإذا جاز أن تأخذ (٣) ضعف الأب (٤)؛ رِعَايَةً لظاهر قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] كَامِلًا إذا كان ذلك أنقص مما أخذه الأب أولى وأحرى.
стр. 789
مَعَ زَوْجٍ وَأَبٍ (٤) بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَكَسَ آخَر، قُلْنَا: لأَنَّهَا كَالْعُيُوبِ الخَمْسَةِ فَلَا مُخَالَفَةَ لإِجْمَاعٍ.
ثم ما ذكرناه هو المنقول عن ابن [سِيرِينَ، فاعرف ذلك، والذي عكس مقالته هو القاضي] (١) شريح من التابعين أيضًا، كما نقله صاحب "الكافي" في الفَرَائِضِ.
"قلنا": إنما فعل ابن سِيرِينَ، وشريح ذلك؛ "لأنها كالعيوب الخمسة، فلا مخالفة لإجماع" فلم يمنع.
واعلم: أن مَدارَ الخلاف في هذه المسألة على أن الثَّالث هل يرفع مجمعًا عليه أو لا، أو فيه تفصيل؟
فمن نَفَاهُ مطلقًا ادَّعاه رافعًا مطلقًا، وعلى عكسه من أثبته، ومن فصّل ادَّعى التفصيل كذلك، فلو وقع اتّفاق على أنه رافع، أو غير رافع، لوقع على أنه جائز؛ أو غير جائز إذ لا مَحْذُورَ غير رفع المجمع عليه.
وهذا شأن مسائل لا يَتَنَاهَى عَدَدُهَا في الشريعة يقع [على] (٢) الخلاف فيها بعد الاتِّفَاق على أصولها، مثل النزاع بَيْنَنَا وبين الحَنَفِيَّة في أن الزيادة هل هي نسخ؟ فإنه آيِلٌ إلى أنها ترفع حكمًا شرعيًّا، فيكون نسخًا، أو لا فلا.
وأَنَا أضرب لذلك أمثلة فقهيَّة، منها:
المذهب: صحة الوقف المنقطع الآخَر، وأنه يبقى وقفًا عند انقراض المذكورين، ثم الأصحّ، أنه والحالة هذه يصرف إلى أقرب النَّاس إلى الواقف.
وقيل: إلى المساكين وقيل: في المَصَالح العامَّة.
وقيل: إلى مستحقّي الزَّكاة، وكل صاحب وجه من هذه الأربعة يعلّل مقالته بأن ما ذكره أهم الخيرات فاتَّفَقُوا على أن جهة المصرف - والحالة هذه - أهم الخيرات، ثم اختلف الرأي في أن الأهم ماذا؟
ومنها: الماء المطلق متعيّن للطهورية (٣) عند أصحابنا، إما تعبُّدًا؛ وإما لاختصاصه بنوع من النّظَافَةِ، ولا يشاركه فيه سائر المَائِعَات، وعلى كل من الأمرين المناط الاسم، فإذا وقع
стр. 790
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
خلاف في متغيّر بِتُرَاب طُرحَ قصدًا، أو بأوراق مُتَفَتِّتَة، أو غير ذلك فهو اختلاف في أن الاسم سلب، أو لا.
ومنها: الضرر مجتنب في البَيْعِ للحديث، فإذا اختلف في بيع الغائب المَذْكُور صفته، وأثبت خيار الرُّؤية على الفَوْرِ (١) لصحّته آل إلى أن مثل هذا هل ينفي الغَرَر؟
وكذا بيع السَّمك في الماء والطَّيْر في الهواء لا يصح؛ للغَرَرِ (٢)، فلو كان السمك في بِرْكة
стр. 791
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
صغيرة يتأتى أخذه منها من غير عُسْرٍ صح، ولو كانت كبيرة تحتاج إلى تعب ومشقّة فوجهان، منشؤهما أن هذا هل هو غَرَرٌ؟.
ويتّضح لك أيها الشَّافعيُّ أنك لا تقدر تحتج على الحَنَفِيّ في إبطال بيع الغائب بحديث: "نهى عَنْ بَيْعِ الغَرَرِ" (١) إلا بعد أن تقيم الدلالة على أنه غَرَر، وإلا فهو يمنعك حصول الغرر في الحالة التي تصححه فيها.
ومنها: من شروط المأموم إلا يتقدّم على إمَامِهِ في الموقف (٢) على الجديد، والاعتبار في المساواة والتقدم بالعقب، [فلو تقدم] (٣) عقب المأموم لم يصح، وإن كانت أصابعه متأخرة أو محاذية.
وفي "التتمة" وجه أنه يصح، نظرًا إلى الأصابع.
ومنشأ الخلاف: أن مثل هذا هل هو تقدم؟
وفي الفروع كثرة، ويكفي ما أوردنا منها على أمثاله، ونافعًا في أنظار ما نحن فيه بحيث لا يفيد ذكره.
стр. 792
إحْدَاث الدَّلِيلِ وَالتَّأْوِيلِ (١)
مَسْألةٌ:
يَجُوزُ إِحْدَاثُ دَلِيل آخَرَ، أَوْ تَأْوِيل آخَرَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ.
لَنَا: لا مُخَالفةَ لَهُمْ فَجَازَ، وَأَيْضًا لَوْ لَمْ يَجُزْ لأُنْكِرَ، وَلَم يَزَلِ المُتَأَخِّرُونَ يَسْتَخْرِجُونَ الأَدِلَّةَ وَالتَّأْوِيلاتِ.
«مسألة»
الشرح: أهل العصر إذا استدلوا بدليل على حكم، أو استنبطوا منه وجه دلالة قال الإمام الرَّازي وأتباعه والآمدي والمصنف وتأولوا تأويلات، فإنه "يجوز" لمن بعدهم "إحداث دليل آخر أو" استنباط آخر، قال هؤلاء: أو "تأويل آخر عند أكثر".
والحَقُّ معهم إلا في التأويل، فإنه صرف اللفظ عن ظاهره إلى مرجوح بدليل، فالتأويل لا بُدَّ وأن يكون مغايرًا له، فيلزم منه إبطال ما أجمعوا عليه، فلا يجوز إحداثه.
وبذلك صرَّح القاضي عبد الوهَّاب المالكي - وهو واضح - إلا أن تأول (٢) كلامهم بأنهم أرادوا تأويلًا لا ينافي تأويل الأولين.
والحاصل: أن ما يفعله أهل العصر الثاني لا يمنع إلا إذا نافى فعل الأولين.
"لنا: لا مُخَالفة لهم فجاز" إحداثه.
"وأيضًا: لو لم يجز لأنكر"؛ لأن العلماء لا يقرون على باطل كما علم من عَوَائدهم، "و"
стр. 793
وقَالُوا: اتَّبعَ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ.
قُلنا: مُؤَوَّل فِيمَا اتَّفَقُوا، وَإلَّا لَزِمَ الْمَنْعُ فِي كُلِّ مُتَجَدِّدٍ.
قَالُوا: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١١٠]. قُلْنَا. مُعَارَضٌ بِقَوْلهِ: ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة ال عمران: الآية ١١٠]. فَلَوْ كَانَ مُنْكَرًا لنُهُوا عَنْهُ.
لم ينكر ذلك أحد، بل "لم يزل المتأخرون يستخرجون الأدلة والتأويلات" المغايرة لدلائل الأوائل، ويعد ذلك تمامًا في النظر وضربًا من المحاسن.
الشرح: "قالوا": المحدث لذلك "اتبع غير سبيل المؤمنين"؛ لأنهم [لم] (١) يفعلوا ذلك.
"قلنا": اتّباع سبيلهم "مؤول" باتباعهم "فيما اتَّفقوا" عليه، والمعنى: ذم اتباع غير سبيل المؤمنين فيما اتَّفقوا عليه بأن يسلك ما خالفوه، لا ما لم يتعرضوا له، "وإلا لزم المنع" عن الحكم "في كل متجدّد" من الوَقَائِع (٢).
"قالوا": قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١١٠] وَالمعروف عام (٣)، فيأمرون بكل معروف، فلو كان ما أحدث معروفًا، لأمروا به، وإن لم يكن معروفًا فلا يصار إليه.
"قلنا: معارض بقوله: ﴿وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فلو كان منكرًا لنهوا عنه" بغير ما ذكَرتم.
"فائدتان"
الأولى: إذا اعتلّوا بعلَّة، فالقولُ في إحداث علَّة أخرى، كالقول في إحداث دليل آخر إن جوَّزنا اجتماع علَّتين، ذكره القاضي عبد الوهَّاب المالكي، والشيخ أبو عمر وعثمان بن عيسى المَارَانِيُّ (٤) صاحب "الاستقصاء" في كتابه: "شرح اللُّمع"، وهو ظاهر.
والثانية: هذا إذا لم يقولوا لا دليل أو لا علة إلّا ما ذكرناه.
стр. 794
حُكْمُ اتِّفاقِ العَصْرِ الثانِي (١)
مَسْألة:
اتِّفَاقُ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ قَوْلَي الْعَصْرِ الْأَوَّل بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ خِلافُهُمْ. قَالَ الْأَشْعَرِيُّ، وأَحْمَد، وَالإِمَامُ وَالغَزَّالِيُّ ﵏: مُمْتَنِعٌ.
فإن قالوا: قال أبو عمرو الماراني: لا يجوز الإحداث قولًا واحدًا.
وقال القاضي عبد الوهَّاب: إن كان الدليل الثَّاني مما يتعيَّن دلالته، فإجماعهم على منع كونه دليلًا صحيح مثل الخصوص والمجاز والنَّسخ، وإن لم يتعيَّن دلالته فلا يصحّ هذا الإجماع، ذكره في "الملخص".
«مسألة»
الشرح: "اتفاق العَصْر الثَّاني" إن كان على ما سبق الاتفاق "على" خلافه، فممتنع عند الأكثرين، وإلا يتصادم الإجماعان.
وقال أبو عبد الله البَصْرِي (٢)؛ يجوز.
стр. 795
وَقَالَ بَعْضُ الْمُجَوِّزِينَ: حُجَّةٌ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ بَعِيدٌ إِلَّا فِي الْقَلِيلِ، كَالاِخْتِلافِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ، ثُمَّ زَالَ.
قال الإمام الرَّازي: وهو الأولى.
قلت: واتفقوا على أنه غير واقعٍ، وما ذكر من قول الإمام الشَّافعي: أجمعوا على شهادة العبد، وما روي عن أنس أجمعوا على قَبُولهم، فالذي نقل عن أنس لم يصح عنه.
وبالجملة هو اختلاف في نقل الإجماع.
وإن كان "أحد قولي العَصْر الأول"، فإن كان قبل استقرار الخِلافِ، فالجمهور على جوازه.
وخالف أبو بكر الصَّيْرفي، - كما اقتضاه إطلاق الإمام الرازي وأتباعه - وينبغي التوقف فيه، فقد أجمعوا على دَفْنِ النبي ﷺ في [بيت] (١) عائشة وأمور أخَّرها رجوعهم إلى أبي بكر ﵁ في قتال مَانِعِي الزَّكاة بعد سبق الخلاف الذي لم يستقر في الكل.
وإن كان "بعد أن استقرّ خلافهم"، ومضوا عليه مدَّة، فله صورتان:
إحداهما: أن يقع الاتفاق من أهل العَصر بعينهم بعد اختلافهم، وقد أخر في الكتاب، ذكرها، وكان تقديمها على أختها أولى.
والثانية: أن ينقرضوا على خلافهم، فهل لمن بعدهم الإجماع على أحد ذَيْنك القولين؟
أصح الوجهين عند أصحابنا، وذكر الشيخ أبو إسحاق أنه قول عامَّة أصحابنا.
وقال سليم الرازي: قول أكثر أصحابنا وأكثر الأشعرية هكذا (٢).
قال ابنُ السَّمعاني؛ وقال إمام الحَرَمَيْنِ: إليه ميلُ الشافعي.
وقال ابن برهان: ذهب الشَّافعي إلى: أن حكم الخلاف لا يرتفع.
ونقله القاضي في "التقريب" عن جمهور المتكلمين والفقهاء، وبه "قال الأشعري وأحمد" ومن أصحابنا: أبو بكر الصَّيرفي، وابن أبي هريرة، وأبو علي الطَّبري، والقاضي أبو حامد "والإمام والغزالي ﵏: أنه "ممتنع".
والثَّاني: - وعليه أكثر الحنفية - أنه جائز، وعليه من أصحابنا: الحارث المحاسبي،
стр. 796
وَفي الصَّحيحِ: أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ كَانَ يَنْهَى عَنِ الْمُتْعَةِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: ثُمَّ صَارَ إِجْمَاعًا.
والإصْطَخْرِيّ، وابن خَيْرَان (١)، والقَفَّال الكبير، والقاضي أبو الطّيب، وابن الصَّباغ، ومن متأخريهم: الإمام الرَّازي وأتباعه.
"وقال بعض المجوّزين": إنه "حجَّة" ويرتفع الخلاف المتقدم، وتصير المسألة إجماعية، وهو رأي أكثرهم.
وقال شرذمةٌ منهم: لا يكون حُجَّة.
"والحق" - عند صاحب الكتاب، - في مثل هذا الإجماع "أنه بعيد" وقوعه؛ لأنه غالبًا لا يكون "إلا" عن جَلِيّ، وتبعد غفلة المخالف عنه إلَّا "في القليل".
وهذا استثناء منقطع أي: لكن وقع قليلًا، والوقوع قليلًا لا ينافي البعد، "كالاختلاف في" بيع "أم الولد"، فإنه وقع بين الصَّحابة "ثم زَالَ"، فروى حماد بن زيد عن أنس بن سِيرِينَ عن عَبِيدَةَ السَّلْمَاني قال: كَتَب إِلَيَّ عليٌّ وإلى شريح يقول: إنِّي أبغض الاختلاف فاقضوا كما كنتم تقضون - يعني: في أم الولد - حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات صاحباي، وروى البخاري مثله من رواية عبيدة عن علي، وليس فيه ذكر "أم الولد".
ولقائل أن يقول: لا نسلّم وقوع الاتِّفَاق، فقد ذهب بعض العلماء إلى بيعهنّ. سلمناه، ولكن المجمعين هنا أهل العصر بعينهم، لا أهل العصر الثَّاني بدليل علي ﵁ وهو من الصّدر الأول، فليس ذلك صورة مسألتنا.
"والصَّحيحُ": أن عثمان بن عفان ﵁ كان ينهى عن المُتْعَةِ" - متعة الحج - وذلك ثابت في صحيح مسلم (٢).
"قال البغوي" في "شرح السُّنة" (٣): "ثم صار إجماعًا" أي: صار إجماعًا أنها جائزة.
стр. 797
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعبارته في "شرح السنة" (١): هذا اختلاف محكي، وأكثر الصحابة على جَوَازها، واتَّفقت عليه. انتهى.
وقيل: المُرَاد: فسخ الحَجّ إلى العمرة، وإن نهىَ عثمان عن المُتْعَةِ يحمل على ذلك، ثم تحريمها إجماعًا.
وفيه نظر؛ لأنه لم يَصِرْ إجماعًا، بدليل أن أحمد وداود قائلان بجواز ذلك.
وقيل: مُتْعة النِّكَاح، ثم صار تحريمها إجماعًا، فإن ذلك لا يُعرف عن عثمان وإنما هو في "صحيح مسلم" عن عمر ﵁ وأنه قال: ولا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى أجل إلَّا غَيَّبْتُهُ في الحِجَارَة.
ثم النهي عن مُتْعَةِ النكاح (٢) كان عليه جماعة الصحابة، فلا يحسُن نسبته إلى واحد فقط،
стр. 798
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم الذي قال فيه البغوي ما قال إنما هو مُتْعَةُ الحج.
стр. 799
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم إن الخصم لا يسلم قيام الإجماع على تحريم متعة النِّكَاح، فقد قال أبو محمد بن حزم:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثبت على تحليلها بعد رسول الله ﷺ جماعة من السَّلف، منهم: أسماء بنت أبي بكر (١) الصدِّيق ﵁، وجابر بن عبد الله، وابن مسعود، وابن عبَّاس، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن حريث (٢) .......................................
стр. 803
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأبو سعيد الخدري (١)، وسلمة (٢)، ومغيرة (٣) ابنا أُمَيَّة بن خلف.
قال: وقال بإباحتها من التَّابعين: طاوس (٤)، وعطاء، وسعيد بن جُبَير وفقهاء "مكَّة" انتهى.
فأين الإجماع؟ وحيث انتهينا إلى هذا فليحرّر موضع قول أصحابنا: إنه لا يتصوّر، فإنه
стр. 804
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مذهب مستشكل جدًّا، وقد حاد عنه طَوَائف من متقدّميهم ومتأخريهم كما عرفت.
فنقول: اعلم أن أصحابنا قائلون بأنه لا يتصوّر انعقاد الإجماع بعد تقدم خلاف مضى عليه أصحابه مُدَّة غير كافلين عن الحادثة، بل باحثين عنها، وقد مضت مدة تقضي العادة بالاطّلاع في مثلها مع ذلك البَحْث على أنه لو كان ثَمّ دليل يوجب رجوع الجَمِيع إلى أحد ذَيْنك القولين لظهر فلمَّا مضت هذه المُدَّة مع شِدَّة التفحُّص كانت العادة مانعة من إجماع بعد.
وهذا هو المختار عندي، بيد أني أقول: لا اعتبار عندي في ذلك بانقراض العصر، حتى أجوِّز رجوع إحدى الطَّائفتين إلى الأخرى مطلقًا، وامتنع انعقاد إجماع العصر الثَّاني مطلقًا.
ولا أظن ذلك مذهبنا، بل المختار الذي أعتقده رأيًا، وأظنه مذهب أئمتنا: أن الاعتبار في ذلك بمضي مثل هذه المُدَّة مع تَذْكار الواقعة وتَرْدَاد البَحْث، فمتى حصل امتنع الإجماع بعده عادة سواء [أكان] (١) المختلفون أولًا، هم أهل عصر مضى عليهم وطرأ عصر آخر - وذلك هو الأغلب في [مثل] (٢) هذه المدَّة - أم كانوا هم بأعيانهم - وذلك نادر - إذ مثل هذه المدَّة لا تقع إلا وقد انقرض عادة أهل العصر أو غالبهم.
وهذا - والله أعلم - هو السَّبب في التفرقة بين المسألتين؛ حيث قيل في هذه إنها دون التي بعدها.
والذي يظهر: أنه لا فَرْقَ بين العصرين، وإنما النظر في المُدَّة.
فإذًا مختارنا: أن هذه المدَّة متى حصلت على خلاف استقرّ عليه أصحابه امتنع عادة انعقاد الإجماع على أحد القولين.
ونقول: لو وقع لكان حُجَّة، ولكن الشأن (٣) في وقوعه فإن القواعد (٤) تمنعه.
وأيضًا فالأقوال لا تموت بموت قائلها، فكأن الخلاف باقٍ وإن ذهب أهله، ولو مات القول بموت قائله مات قول المجمعين جميعًا بموتهم، وجاز أن يتعقّب إجماعٌ إجماعًا ويتصادمان، فهذان مأخذنا فيما ذهبنا إليه.
وهذا الذي قلته هو مقتضى كلام إمام الحرمين، أو صريح قوله حيث قال: الرَّأي الحق
стр. 805
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عندنا، ما نبديه الآن فنقول: إن قرب عَهْد المختلفين، ثم اتفقوا على قول فلا أثر (١) للاختلاف المتقدّم، وهو نازل مَنْزِلة تردّد ناظر واحد أولًا مع استقراره آخرًا. وإن تمادى الاختلافُ في زمن مُتَطَاول بحيث يقضي العرف، فإنه لو كان ينقدح وجه في سقوط أحد القولين (٢) مع طول المُبَاحثة لظهر ذلك للباحثين.
وإذا انتهى الأمر إلى هذا المُنْتَهَى، فلا حكم للوفاق على أحد القولين، ثم قال: وشفاء الغَلِيلِ في ذلك أن رجوع قوم، وهم جَمّ (٣) غَفِير إلى قول أصحابهم حتى لا يبقى على ذلك المذهب المُتَمَادَى أحد ممن كان ينتحله لا يقع في مستقر العادة، فإن الخلاف إذا رَسَخَ وتناهى الباحثون، ثم لم يتجدَّد بلوغ خبر أو أثر يجب الحكم لمثله، فلا يقع في العُرْف دروس مذهب طال الذَّبُّ عنه.
فإن فرض فارضٌ ذلك، فالإجماعُ فيه محمول على أنه بلغ الرَّاجعين أمر سوى ما كانوا يخوضون (٤) فيه من مَجَالِ الظُّنون، ثم غاية الأمر إن انتهى الأمر إلى أنهم قطعوا بذلك، فوفاقهم إجماع حملًا على هذا.
وعليه ثمّ انبنى أصل الإجماع، فإن فرض فارض عدم القَطْع مع الرجوع عن المَذْهَبِ القديم، فهذا بعيد في التصور وإن تصور ذلك على تكلف فما أرى (٥) ذلك بالغًا مبلغ الإجماع، فإنه لا ينقدح فيه دعوى سكت من يتعقق بالقول المرجوع (٦) عنه حيث انقدح ذلك في مواقع القَطْع، ثم قال: أما إذا انقرض عصر مع طول الزَّمان، فإن المعتمد عندنا طول الزَّمَان على الخلاف، ثم اجتمع علماء العصر الثَّاني على أحد المذاهب، فالوجه ألا يجعل ذلك إجماعًا. انتهى.
وقوله: ثم غاية الأمر … إلخ ممَّا لا تنازعَ فيه، فإن دعوانا أن العادة تحيل، والقول الفصلُ: إنه إن وقع كان إجماعًا.
وإمام الحرمين يقول: إنه فيما إذا وقع مع عدم القَطْعِ لا يبلغ مَبْلَغ الإجماع.
وهو صحيح، ومراده بالإجماع المقطوع، وهذا إجماع مظنون، ومراتب الإجماع متقاربة.
стр. 806
الْأَشْعَرِيُّ: الْعَادَةُ تَقْضِي بِامْتِنَاعِهِ.
وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْعَادَة وَبِالْوُقُوع.
قَالُوا: لَوْ وَقَعَ لَكَانَ حُجَّة فَيتَعَارَضُ الإجْمَاعَانِ؛ لأِنَّ اسْتِقْرَارَ اخْتِلافِهِمْ دَلِيلُ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَسْوِيغِ كُلٍّ مِنْهُمَا.
وقد صرَّح الحنفية (١): بأنه إجماع بأنه من أدنى مراتب الإجماع، ولذلك قال محمد بن الحسن فيمن قال لامرأته: أنت خَلِيَّة ونوى ثلاثًا، ثم جامعها في العِدَّة وقال: علمت أنها حرام، لا يُحَدُّ؛ لأن عمر ﵁ كان يراها واحدةً رجعيةً، وقد أجمعنا بخلافه. ونيَّة الثلاث صحيحة بلا خلاف أهو حجة، أو لا؟ فلا يصير موجبًا علمًا بلا شُبْهَة، هكذا قال أبو زيد الدّبوسي في "التقويم" من كتبهم.
وصورةُ المسألة عند الغَزَّالي - ما إذا لم يصرح المَانعون بتحريم القَوْل الآخر. وإن صرَّحوا بتحريمه فقد تردّد - أعني: الغَزَّالي - هل يمنع ذلك أو لا؟ ولا يجب اتباعهم فيه.
الشرح: إذا عرفت هذا فقول المصنّف: احتج "الأشْعَرِيّ" فقال: "العادةُ تقضي بامتناعه" إشارة إلى ما أبديناه.
ولا نعرف هذا من كلام الأشعري نفسه، وإنما هو من كلام إمام الحَرَمَيْنِ سيِّد الأشاعر.
وقوله في جوابه: "وأجيب بمنع العادة، وبالوقوع" ضعيف.
أما منع العادة، فيظهر ضعفه فيما تقدم عند الإنصاف، ولو أن كل من ادعى عادةً اتَّجه منعه منع المصنّف في دعواه العادة على أصل الإجماع، وأما الوقوع، وهو أشكل ما يورد علينا فإنَّا نمنعه، وكل صورة تورد فلا نسلّم طول الزمان فيها طولًا تقضي العادة بأنه لو كان أمر يوجب سقوط أحد القولين لظهر.
ثم ما ذكره في الكتاب من الصُّورتين لا يحتاج فيه إلى هذه الطريق بعد الإحاطة بما قدمناه فيهما، ومن وافق أصْحَابنا في الحكم فرقة.
و"قالوا: لو وقع" إجماع بعد خلاف مستقرّ "لكان حجَّة"؛ إذ كل إجماع حُجّة، "فيتعارض الإجماعان؛ لأن استقرار خلافهم دليل إجماعهم على تَسْويغِ كل منهما" - أي: من القولين - والإجماع الثَّاني يصادمه.
стр. 807
وَأجِيبَ بِمَنْعِ إِجْمَاعِ الْأَوَّل، وَلَوْ سُلِّمَ فَمَشْرُوطٌ بِانْتِفَاءِ الْقَاطِعِ كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَقِرَّ خِلافُهُمْ.
الْمُجَوِّزُ: وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ لَوْ كَانَ حُجَّةً لَتعَارَضَ الإِجْمَاعَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
قَالُوا: لَمْ يَحْصُلِ الاِتِّفَاقُ.
وَأجِيبَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ إِذَا لَمْ يَسْتَقِرَّ خِلافُهُمْ.
قَالُوا: لَوْ كَانَ حُجَّةً لَكَانَ مَوْتُ الصَّحَابِيِّ المُخَالِفِ يُوجِبُ ذلِكَ.
لأِنَّ البَاقِيَ كُلُّ الأُمَّةِ الأَحْيَاءُ.
"وأجيب بمنع الإجماع الأول" على التَّسْويغ.
"ولو سلِّم فمشروط بانتفاء القاطع"، وهو انعقاد الإجماع الثَّاني على أحد القولين فإذا وجد زوال الأول لزوال شرطه، فكان "كما لو لم يستقرّ خلافهم".
الشرح: واحتج "المجوز" - أي: القائل بأنه جائز، "وليس بحجة" أنه "لو كان حُجَّة لتعارض الإجماعان وقد تقدم" هو وجوابه.
"قالوا" ثانيًا: "لم يَحْصُلِ الاتفاق"؛ لأن فيه قولًا مخالفًا، فإن القولَ لا يموت بموت صاحبه.
"وأجيب: بأنه يلزم إذا لم يستقر خلافهم"، فيقال: لا يحدث إجماع عقيب اختلاف غير مستقر بعين (١) ما ذكرتم.
ولقائل أن يقول: ما لم يستقر عليه الرَّأي فليس قولًا لأحد.
"قالوا" ثالثًا: "لو كان حُجَّة لكان موت الصَّحابي المخالف" - إذا لم يَبْقَ مخالف (٢) غيره "يوجب ذلك" - أي: يوجب كون قول البَاقين (٣) حُجَّة.
الشرح: "لأن الباقي (٤) كل الأمة الأحياء.
стр. 808
وَأُجِيبَ بِالاِلْتِزَامِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى خِلافِهِ.
الآخَرُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لأَدَّى إِلَى أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ الْأَحْيَاءُ عَلَى الْخَطَأِ، وَالسَّمْعِيُّ يَأْبَاهُ.
وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ، وَالْمَاضِي ظَاهِرُ الدُّخُولِ لِتَحَقُّقِ قَوْلهِ بِخِلافِ مَنْ لَمْ يَأْتِ.
وأجيب بالالتزام"، وتسليم أن موت الصحابي يصير قول الباقي حجة، "والأكثر على خلافه".
فالجوابُ على آرائهم بالفارق، وهو أن قول الباقين (١) قول من قَدْ خُولفوا في عصرهم بخلاف صورة النزاع.
والمخالف "الآخر" - وهم القائلون بأنه حُجَّة - احتج بأنه "لو لم يكن لأدَّى إلى أن تجتمع الأمة الأحياء على خطأ، والسَّمعيُّ يأباه.
وأجيب بالمَنْعِ" مع انتفاء اللازم، فلا نسلِّم أن السمعي يأباه؛ لأنه لم يدل على انتفاء اجتماع الأحياء على الخطأ بل على انتفاء اجتماع الأمة، والأحياء ليسوا كل الأمة.
والماضي المثبت (٢) "ظاهر الدخول" في الأمة؛ "لتحقق قوله"، ووجدانه في الخارج.
فإن قلت: فليدخل "من لم يَأْت".
قلت: الماضى متحقق، بخلاف من لم يَأْتِ، فإنه ليس بمتحقق لا هو، ولا قوله؛ فلذلك لم يدخل.
"فرع"
إذا وطئ في نكاح المُتْعَةِ عالمًا بتحريمه انبنى على الخلاف في الاتفاق بعد الاختلاف إن جعلناه إجماعًا وجب الحَدّ، وإلا فوجهان:
الأصحُّ: لا يجب.
وحكى ابن السَّمْعَاني في تفسيق الوَاطِئ في نكاح المُتْعة وجهين.
стр. 809
اتِّفاقُ أَهْلِ الْعَصْرِ بِأَعْيَانِهِمْ (١)
مَسْأَلةٌ:
اتِّفَاقُ الْعَصْرِ عَقِيبَ الاِخْتِلافِ إِجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، وَأَمَّا بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ فَقِيلَ مُمْتَنِعٌ.
«مسألة»
الشرح: "اتفاقُ أهل العصر" بأعيانهم "عَقيب الاختلاف" - أي: قبل استقراره - "إجماع وحجة".
وإِنَّما جمع بين الإجماع والحُجَّة؛ لأن بعضهم قال: إن بعض هذه الإجماعات إجماع لا حُجَّة نحن أيضا قَدَّمنا عن الدّبوسي عن محمد بن الحَسَنِ قوله: اختلفوا في هذا الإجماع أهو حجَّة فلذلك قال: إجماع وحجة.
"وليس" وقوعه "ببعيد"، فإن الزمان لم يَتَمَاد، فالعادةُ لا تبعد اطلاعهم على مُسْتَنَدٍ جَلِيّ بعد الاختلاف يجتمعون عليه.
"وأما بعد استقراره، فقيل: ممتنع" - واختاره الإمام الرَّازي.
وقيل: جائز - واختاره الآمدي، وإليه ميل المصنّف.
وقيل: يجوز إلا أن يكون مستندهم قاطعًا.
"وقال بعض المُجَوّزين: حجة".
وقال بعضهم: ليس بحُجَّة.
"وكل من اشترط انْقِرَاض العَصْر" في انعقاد الإجماع "قال": بأنه "إجماع".
والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها: أن المُجْمعين في تلك غير المختلفين، بخلاف هذه، "وهي كالتي قبلها" انتحالًا وحجاجًا "إلا أن كونه حُجَّة" هنا "أظهر" منه، ثم؛ "لأنه" قول كل "الأمة؛ إذ "لا قول لغيرهم خلافه"، بخلاف الأول، فإنه إذا اعتبر من خالفهم من المَوْتَى كانوا بعض الأمة لا كلها.
стр. 810
وَقَالَ بَعْضُ الْمُجَوِّزِينَ: حُجَّةٌ وَكُلُّ مَنِ اشْتَرَطَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ قَالَ: إِجْمَاعٌ وَهِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا إِلَّا أَنَّ كَوْنَهُ حُجَّةً أَظْهَرُ؛ لأِنَّهُ لا قَوْلَ لِغَيْرِهِمْ عَلَى خِلافِهِ.
ومن هذه الكلمة أخذنا ميل المصنّف إلى التجويز.
وللخَصْمِ أن يقول: لا فرقَ بين موت القَائِلِ، وتغير اجتهاده؛ وهذا لأن تغير الاجتهاد لا لخرج الأول عن كونه قولًا لبعض المجتهدين، ولو رجع المجتهد عن فَتْوَاهُ في مسألة جاز للعامي تقليده في المرجوع عنه ما لم يتيقّن الخطأ؛ لأنه يتبع أقوال المجتهدين في مواطن الاجتهاد لا قائليها (١)، وهذه أقوال الشَّافعي في القديم لم تخرج بكونها مرجوعًا عنها عن أن تكون قول مجتهد للعامي انتحاله.
ولذلك لا ينتقض الاجتهاد بالاجتهاد، بل يبقى حكمه ما لم يقطع بالخطأ.
فإن قلت: فقد قالوا فيما إذا علم المستفتي برجوع المفتي، ولم يكن عمل لم يجز له العمل، وأنه لو نكح بِفَتْوَاهُ أو استمر على نكاح بفتواه، ثم رجع لزمه فراقها لنظيره في القبْلَةِ.
قلت: هذا مذهبنا، ولكن لا نَدْرِي ماذا يقول الخصم فيه؟ ولعله يقول: لعل ذلك إمَّا أنه لو عمل به؛ لأنه قول مجتهد لم يجمع على خلافه، ولم يقم قاطعّ على فساده فلا أرى (٢) ذلك ممتنعًا.
وإما؛ لأنه بتقليده؛ أو لالتزام تقليده، فلا بعد عنه بناء على أن من قلَّدَ مجتهدًا في مسألة وجب عليه الانقياد له في سائر المَسَائل.
فإن قلت: فقد حكوا وجهين فيما إذا استفتى العَامّي فأجيب، ثم حدثت له تلك الحادثة ثانيًا، وعرف استناد المُفْتي إلى الرأي والقياس، أو شَك وهو هي أصحهما، يلزمه السؤال ثانيًا.
قلت: قد يقال: لأنه لم يَبْقَ ببقاء المسألة من المجتهدات؛ لاحتمال طَرَيَان (٣) إجماع على خلاف ما أفتى به المفتي فيها؛ أو لأنه مقلّد للمفتي، ولعلَّه رجع.
والحاصلُ: أن من يقول: المَوْتُ لا يذهب قول القائلين قد يقول ذلك في تغيَّر الاجتهاد، فإن قيل له: طرأ إجماع (٤) قاطع. يقول: إن صلح قاطعًا للاجتهاد السَّابق، فليقطع قول الميت.
وقد يفرق - وهو الحق - بأن الميت يعطي حكم المصمم (٥) على مَقَالته؛ لأنه آخر الأمرين منه، بخلاف من أقرَّ على نفسه بالرُّجُوع.