← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

الْأَشْعَرِيُّ: الْعَادَةُ تَقْضِي بِامْتِنَاعِهِ. وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْعَادَة وَبِالْوُقُوع. قَالُوا: لَوْ وَقَعَ لَكَانَ حُجَّة فَيتَعَارَضُ الإجْمَاعَانِ؛ لأِنَّ اسْتِقْرَارَ اخْتِلافِهِمْ دَلِيلُ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَسْوِيغِ كُلٍّ مِنْهُمَا. وقد صرَّح الحنفية (١): بأنه إجماع بأنه من أدنى مراتب الإجماع، ولذلك قال محمد بن الحسن فيمن قال لامرأته: أنت خَلِيَّة ونوى ثلاثًا، ثم جامعها في العِدَّة وقال: علمت أنها حرام، لا يُحَدُّ؛ لأن عمر ﵁ كان يراها واحدةً رجعيةً، وقد أجمعنا بخلافه. ونيَّة الثلاث صحيحة بلا خلاف أهو حجة، أو لا؟ فلا يصير موجبًا علمًا بلا شُبْهَة، هكذا قال أبو زيد الدّبوسي في "التقويم" من كتبهم. وصورةُ المسألة عند الغَزَّالي - ما إذا لم يصرح المَانعون بتحريم القَوْل الآخر. وإن صرَّحوا بتحريمه فقد تردّد - أعني: الغَزَّالي - هل يمنع ذلك أو لا؟ ولا يجب اتباعهم فيه. الشرح: إذا عرفت هذا فقول المصنّف: احتج "الأشْعَرِيّ" فقال: "العادةُ تقضي بامتناعه" إشارة إلى ما أبديناه. ولا نعرف هذا من كلام الأشعري نفسه، وإنما هو من كلام إمام الحَرَمَيْنِ سيِّد الأشاعر. وقوله في جوابه: "وأجيب بمنع العادة، وبالوقوع" ضعيف. أما منع العادة، فيظهر ضعفه فيما تقدم عند الإنصاف، ولو أن كل من ادعى عادةً اتَّجه منعه منع المصنّف في دعواه العادة على أصل الإجماع، وأما الوقوع، وهو أشكل ما يورد علينا فإنَّا نمنعه، وكل صورة تورد فلا نسلّم طول الزمان فيها طولًا تقضي العادة بأنه لو كان أمر يوجب سقوط أحد القولين لظهر. ثم ما ذكره في الكتاب من الصُّورتين لا يحتاج فيه إلى هذه الطريق بعد الإحاطة بما قدمناه فيهما، ومن وافق أصْحَابنا في الحكم فرقة. و"قالوا: لو وقع" إجماع بعد خلاف مستقرّ "لكان حجَّة"؛ إذ كل إجماع حُجّة، "فيتعارض الإجماعان؛ لأن استقرار خلافهم دليل إجماعهم على تَسْويغِ كل منهما" - أي: من القولين - والإجماع الثَّاني يصادمه.

стр. 807

وَأجِيبَ بِمَنْعِ إِجْمَاعِ الْأَوَّل، وَلَوْ سُلِّمَ فَمَشْرُوطٌ بِانْتِفَاءِ الْقَاطِعِ كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَقِرَّ خِلافُهُمْ. الْمُجَوِّزُ: وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ لَوْ كَانَ حُجَّةً لَتعَارَضَ الإِجْمَاعَانِ وَقَدْ تَقَدَّمَ. قَالُوا: لَمْ يَحْصُلِ الاِتِّفَاقُ. وَأجِيبَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ إِذَا لَمْ يَسْتَقِرَّ خِلافُهُمْ. قَالُوا: لَوْ كَانَ حُجَّةً لَكَانَ مَوْتُ الصَّحَابِيِّ المُخَالِفِ يُوجِبُ ذلِكَ. لأِنَّ البَاقِيَ كُلُّ الأُمَّةِ الأَحْيَاءُ. "وأجيب بمنع الإجماع الأول" على التَّسْويغ. "ولو سلِّم فمشروط بانتفاء القاطع"، وهو انعقاد الإجماع الثَّاني على أحد القولين فإذا وجد زوال الأول لزوال شرطه، فكان "كما لو لم يستقرّ خلافهم". الشرح: واحتج "المجوز" - أي: القائل بأنه جائز، "وليس بحجة" أنه "لو كان حُجَّة لتعارض الإجماعان وقد تقدم" هو وجوابه. "قالوا" ثانيًا: "لم يَحْصُلِ الاتفاق"؛ لأن فيه قولًا مخالفًا، فإن القولَ لا يموت بموت صاحبه. "وأجيب: بأنه يلزم إذا لم يستقر خلافهم"، فيقال: لا يحدث إجماع عقيب اختلاف غير مستقر بعين (١) ما ذكرتم. ولقائل أن يقول: ما لم يستقر عليه الرَّأي فليس قولًا لأحد. "قالوا" ثالثًا: "لو كان حُجَّة لكان موت الصَّحابي المخالف" - إذا لم يَبْقَ مخالف (٢) غيره "يوجب ذلك" - أي: يوجب كون قول البَاقين (٣) حُجَّة. الشرح: "لأن الباقي (٤) كل الأمة الأحياء.

стр. 808

وَأُجِيبَ بِالاِلْتِزَامِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى خِلافِهِ. الآخَرُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لأَدَّى إِلَى أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ الْأَحْيَاءُ عَلَى الْخَطَأِ، وَالسَّمْعِيُّ يَأْبَاهُ. وَأُجِيبَ بِالْمَنْعِ، وَالْمَاضِي ظَاهِرُ الدُّخُولِ لِتَحَقُّقِ قَوْلهِ بِخِلافِ مَنْ لَمْ يَأْتِ. وأجيب بالالتزام"، وتسليم أن موت الصحابي يصير قول الباقي حجة، "والأكثر على خلافه". فالجوابُ على آرائهم بالفارق، وهو أن قول الباقين (١) قول من قَدْ خُولفوا في عصرهم بخلاف صورة النزاع. والمخالف "الآخر" - وهم القائلون بأنه حُجَّة - احتج بأنه "لو لم يكن لأدَّى إلى أن تجتمع الأمة الأحياء على خطأ، والسَّمعيُّ يأباه. وأجيب بالمَنْعِ" مع انتفاء اللازم، فلا نسلِّم أن السمعي يأباه؛ لأنه لم يدل على انتفاء اجتماع الأحياء على الخطأ بل على انتفاء اجتماع الأمة، والأحياء ليسوا كل الأمة. والماضي المثبت (٢) "ظاهر الدخول" في الأمة؛ "لتحقق قوله"، ووجدانه في الخارج. فإن قلت: فليدخل "من لم يَأْت". قلت: الماضى متحقق، بخلاف من لم يَأْتِ، فإنه ليس بمتحقق لا هو، ولا قوله؛ فلذلك لم يدخل. "فرع" إذا وطئ في نكاح المُتْعَةِ عالمًا بتحريمه انبنى على الخلاف في الاتفاق بعد الاختلاف إن جعلناه إجماعًا وجب الحَدّ، وإلا فوجهان: الأصحُّ: لا يجب. وحكى ابن السَّمْعَاني في تفسيق الوَاطِئ في نكاح المُتْعة وجهين.

стр. 809

اتِّفاقُ أَهْلِ الْعَصْرِ بِأَعْيَانِهِمْ (١) مَسْأَلةٌ: اتِّفَاقُ الْعَصْرِ عَقِيبَ الاِخْتِلافِ إِجْمَاعٌ وَحُجَّةٌ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، وَأَمَّا بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ فَقِيلَ مُمْتَنِعٌ. «مسألة» الشرح: "اتفاقُ أهل العصر" بأعيانهم "عَقيب الاختلاف" - أي: قبل استقراره - "إجماع وحجة". وإِنَّما جمع بين الإجماع والحُجَّة؛ لأن بعضهم قال: إن بعض هذه الإجماعات إجماع لا حُجَّة نحن أيضا قَدَّمنا عن الدّبوسي عن محمد بن الحَسَنِ قوله: اختلفوا في هذا الإجماع أهو حجَّة فلذلك قال: إجماع وحجة. "وليس" وقوعه "ببعيد"، فإن الزمان لم يَتَمَاد، فالعادةُ لا تبعد اطلاعهم على مُسْتَنَدٍ جَلِيّ بعد الاختلاف يجتمعون عليه. "وأما بعد استقراره، فقيل: ممتنع" - واختاره الإمام الرَّازي. وقيل: جائز - واختاره الآمدي، وإليه ميل المصنّف. وقيل: يجوز إلا أن يكون مستندهم قاطعًا. "وقال بعض المُجَوّزين: حجة". وقال بعضهم: ليس بحُجَّة. "وكل من اشترط انْقِرَاض العَصْر" في انعقاد الإجماع "قال": بأنه "إجماع". والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها: أن المُجْمعين في تلك غير المختلفين، بخلاف هذه، "وهي كالتي قبلها" انتحالًا وحجاجًا "إلا أن كونه حُجَّة" هنا "أظهر" منه، ثم؛ "لأنه" قول كل "الأمة؛ إذ "لا قول لغيرهم خلافه"، بخلاف الأول، فإنه إذا اعتبر من خالفهم من المَوْتَى كانوا بعض الأمة لا كلها.

стр. 810

وَقَالَ بَعْضُ الْمُجَوِّزِينَ: حُجَّةٌ وَكُلُّ مَنِ اشْتَرَطَ انْقِرَاضَ الْعَصْرِ قَالَ: إِجْمَاعٌ وَهِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا إِلَّا أَنَّ كَوْنَهُ حُجَّةً أَظْهَرُ؛ لأِنَّهُ لا قَوْلَ لِغَيْرِهِمْ عَلَى خِلافِهِ. ومن هذه الكلمة أخذنا ميل المصنّف إلى التجويز. وللخَصْمِ أن يقول: لا فرقَ بين موت القَائِلِ، وتغير اجتهاده؛ وهذا لأن تغير الاجتهاد لا لخرج الأول عن كونه قولًا لبعض المجتهدين، ولو رجع المجتهد عن فَتْوَاهُ في مسألة جاز للعامي تقليده في المرجوع عنه ما لم يتيقّن الخطأ؛ لأنه يتبع أقوال المجتهدين في مواطن الاجتهاد لا قائليها (١)، وهذه أقوال الشَّافعي في القديم لم تخرج بكونها مرجوعًا عنها عن أن تكون قول مجتهد للعامي انتحاله. ولذلك لا ينتقض الاجتهاد بالاجتهاد، بل يبقى حكمه ما لم يقطع بالخطأ. فإن قلت: فقد قالوا فيما إذا علم المستفتي برجوع المفتي، ولم يكن عمل لم يجز له العمل، وأنه لو نكح بِفَتْوَاهُ أو استمر على نكاح بفتواه، ثم رجع لزمه فراقها لنظيره في القبْلَةِ. قلت: هذا مذهبنا، ولكن لا نَدْرِي ماذا يقول الخصم فيه؟ ولعله يقول: لعل ذلك إمَّا أنه لو عمل به؛ لأنه قول مجتهد لم يجمع على خلافه، ولم يقم قاطعّ على فساده فلا أرى (٢) ذلك ممتنعًا. وإما؛ لأنه بتقليده؛ أو لالتزام تقليده، فلا بعد عنه بناء على أن من قلَّدَ مجتهدًا في مسألة وجب عليه الانقياد له في سائر المَسَائل. فإن قلت: فقد حكوا وجهين فيما إذا استفتى العَامّي فأجيب، ثم حدثت له تلك الحادثة ثانيًا، وعرف استناد المُفْتي إلى الرأي والقياس، أو شَك وهو هي أصحهما، يلزمه السؤال ثانيًا. قلت: قد يقال: لأنه لم يَبْقَ ببقاء المسألة من المجتهدات؛ لاحتمال طَرَيَان (٣) إجماع على خلاف ما أفتى به المفتي فيها؛ أو لأنه مقلّد للمفتي، ولعلَّه رجع. والحاصلُ: أن من يقول: المَوْتُ لا يذهب قول القائلين قد يقول ذلك في تغيَّر الاجتهاد، فإن قيل له: طرأ إجماع (٤) قاطع. يقول: إن صلح قاطعًا للاجتهاد السَّابق، فليقطع قول الميت. وقد يفرق - وهو الحق - بأن الميت يعطي حكم المصمم (٥) على مَقَالته؛ لأنه آخر الأمرين منه، بخلاف من أقرَّ على نفسه بالرُّجُوع.

стр. 811

الاِخْتِلاف فِي جَوَازِ عَدَمِ عِلْمِ الْأُمَّةِ بِخَبَرٍ أَوْ دَلِيلٍ رَاجِحٍ (١) مَسْألةٌ: اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ عَدَمِ عِلْمِ الْأُمَّةِ بِخَبَرٍ، أَوْ دَلِيل رَاجِحٍ إِذَا عُمِلَ عَلَى وَفْقِهِ. الْمُجَوِّزُ لَيْسَ إِجْمَاعًا كَمَا لَوْ لَمْ يَحْكُمُوا فِي وَاقِعَةٍ. النَّافِي: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. «مسألة» الشرح: "اختلفوا في جواز عدم علم الأمة بخبرٍ، أو دليلٍ راجحٍ" على حكم "إذا عمل وَفْقِهِ" (٢) مُصيبين في الحكم (٣). أما إذا لم يعملوا (٤) على وَفْقِهِ؛ لعارض، فلا ريب في امتناعه؛ لأنه إجماعٌ على الخطأ. واحتج "المجوز" بأنه: "ليس إجماعًا" على عدمه حتى يكون خطأ، فإن عدم العلم غير العلم بالعدم، فيكون "كما لو لم يحكموا في واقعة" بحكم، فإنه لا يكون قولًا بعدم الحكم فيها قال ولا يلزم الخطأ؛ فإن الخطأ من فعل المكلّف، وعدم العلم ليس من فعله، وهذا هو اختيار (٥) الآمدي. واحتج "النَّافي" فقال: لو اشتركوا في عدم العلم به، لكان سبيلًا لهم، فيجب اتباعهم فيه. وامتناع تحصيل العلم به مع أنه لا يمتنع إحداث دليل يحدثه اللَّاحقون، ولو أحدثوه كانوا

стр. 812

حُكْمُ ارْتِدَادِ الأُمَّةِ سَمْعًا مَسْأَلةٌ: المُخْتَارُ امْتِنَاعُ ارْتِدَادِ [كُلِّ] الْأُمَّةِ سَمْعًا. لَنا: دَلِيلُ السَّمْعِ، وَأعْتُرِضَ بِأَنَّ الاِرْتِدَادَ يُخْرِجُهُمْ. وَرُدَّ بأَنَّهُ يَصْدُقُ أَنَّ الأُمَّةَ ارْتَدَّتْ وَهُوَ أَعْظَمُ الْخَطَأِ. "﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ " - هذا تقرير كلام المصنّف فاعتمده - وعليه ينطبق كلام الآمدي، وأجاب عن الآية بأن: سبيلهم من كان من أفعالهم، وعدم العلم ليس من فعلهم. «مسألة» الشرح: "المختار: امتناع ارْتِدَادِ الأمة سمعًا (١). لنا: دليل السَّمع" - وهو عند المصنّف والآمدي وغيرهما قوله ﵇: "لا تَجْتَمِعُ أُمَّتي عَلَى خَطَأ" ونظائره مما تقدَّم. "واعترض بأن الارتداد يخرجهم" من كونهم أمة، فلا يصدق عليهم اسم الأمة، فلا يتناولهم الحديث، بخلاف غير الارتداد من خطأ لا يخرجهم عن ذلك. "ورد بأنه يصدق" - إذا ارتدوا - "أن الأمة ارتدت، وهو أعظمُ الخطأ". فإن قلت: صدق أن الأمة ارتدت لا نسلّمه بطريق الحقيقة، بل هو مجازٌ باعتبار ما كان. قلت: ذلك إذا أطلق بعد وقوع الرّدة. أما إذا أطلق في حال الرِّدة، فالظاهرُ أنه حقيقةٌ. ويؤيده: أن العبد لو قال لزوجته: إذا مات سيدي فأنت طالق طلقتين وقال السيد: إذا مت فأنت حر، واحتمله (٢) الثلث، يُعْتق. قلت: ولولا صدق أنه سيده حال العِتْقِ والموت لم توجد الصّفة المعلّق عليها، وهي موت السيد، فلم يُعْتق. والحاصل: أن البائع والمطلِّق والمُعْتق ونحوهم في حال صدور ما ذكرناه منهم مالكون،

стр. 813

الأخْذ بِأَقَلِّ مَا قِيلَ (١) فما صدر منهم صادق (٢) عليهم بالحقيقة اسم البائع، والمطلق، والمعتق، والمالك، والزوج، فكذلك الأمة حال الارْتِدَادِ، صادق عليها بالحقيقة أنها الأمة. ويمكن التفات ذلك إلى أن العلَّة مع المعلول أو سابقة، فإن الارتداد علَّة خروجهم عن كونهم أمة النبيّ ﷺ ، فإن كان سابقًا على خروجهم صدق معه لفظ الأمة عليهم، وإلَّا فلا. ولو أن المصنّف استدلّ على مَطْلُوبه بنحو قوله ﷺ : "لا تَزالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقّ … " (٣) لكان أوضح، فإنه نصٌّ في أن هذه الأمة لا تخلو عن قائم بالحق، ويستحيل معه ردة الكلِّ.

стр. 814

مَسْأَلةٌ: مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁: "إِنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ الثُّلُثُ" - لا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِالإِجْمَاعِ فِيهِ. «مسألة» الشرح: "مثل قول الشافعي: إن دية اليهودي الثلث، لا يصح التمسُّك بالإجماع فيه"، وإن ظنَّه بعضُ الفقهاءِ. "قالوا: اشتمل الكامل والنصف عليه"؛ لأن الثلث بعضها، فمن أوجب الكلِّ، أو النصف، فقد أوجبه فكان مجمعًا عليه. "قلنا": وجوب الثلث فقط اشتمل على حكمين: ثبوته، ونفي الزائد، "فأين نفي الزيادة" في القولين؟ "فإن أبدي مانع" عن إثبات الزيادة كالكفر، "أو انتفاء شرط"، كما يقال: شرط تمام الدية الإسلام، "أو اسْتِصْحَاب" الحال (١)، كما يقال: الأصل عدم الوجوب، خالفناه في الثلث للإجماع، "فليس" ذلك "من الإجماع في شيء"، بل هي أمور خارجة عنه. واعلم أن هذه المسألة هي المُلَقَّبة بـ "الأخذ بأقلّ ما قيل"، وهي مأثورة عن إمامنا الشَّافعي ﵁. ووافقه عليها القاضي أبو بكر، وخالفه قوم، فيحق لنا أن نرخي عِنَانَ الكلام فيها ليتوضّح لناظريها فنقول: قال الإمام أبو المُظَفّر السَّمعاني: أقل ما قيل: هو أن يختلف المختلفون في مقدِّرٍ بالاجتهاد على أقاويل، فيؤخذ بأقلها عند إعْوَاز الحكم، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون فيما أصله براءة الذمة، فإن كان الاختلاف في وجوب الحق، وسقوطه كان سقوطه أولى من وجوبه؛ لموافقة براءة الذِّمَّة ما لم يقم دَلِيلُ الوجوب، فإن كان الاختلاف [في وجوب الحق وسقوطه] (٢) في قدره بعد الاتفاق على وجوبه كدية الذِّمِّي إذا وجبت على قاتله.

стр. 815

قَالُوا: اشْتَمَلَ الْكَامِلُ وَالنِّصْفُ عَلَيْهِ. قيل: كدية المسلم. وقيل: نصفها. وقيل: ثلثها، وهو مذهب الشَّافعي، وهل يكون الأخذ بالأقل دليلًا؟ اختلف أصحاب الشَّافعي فيه على وجهين. والضربُ الثَّاني: أن يكون فيما هو ثَابِتٌ في الذِّمَّة، كالجمعة الثابت فرضها، اختلف العلماءُ في عدد انعقادها، فلا يكون الأخذ بالأقلّ دليلًا لارْتِهَان الذِّمة بها، فلا تَبرأ الذِّمة بالشَّك، وهل يكون الأخذ بالأكثر دليلًا؟ فيه وجهان: أحدهما: يكون دليلًا، ولا ينتقل عنه إلا بدليل؛ لأن الذمة تبرأ بالأكثر إجماعًا، وبالأقل خلافًا، ولذلك جعلها الشَّافعي منعقدةً بأربعين؛ لأن هذا العدد أكثر ما قيل. والثاني: لا يكون دليلًا؛ لأنه لا ينعقدُ من الخلاف دليلٌ في حكم، والشافعي إنما اعتبر الأربعين بدليل آخر. وذكر ابنُ السَّمْعَاني: إنَّ هذا كلَّه كلام بعض أصحابنا، وأنه ليس فيه كبير معنى قالوا: والوجوه ضعيفة، لكن تغلب (١) على ما ذكر. انتهى. وأنا أقول: الأخذ بالأقل عبارة عن الأخذ بالمتحقّق، وطرح المشكوك فيما أصله البراءة، والأخذ بما لم يخرج عن العُهْدَة يتعيَّن فيما أصله اشتغال الذّمة، هذا حقيقته فافهمه، ولذلك جعل الأخذ بالأكثر في الضرب الثَّاني - وهو ما أصله شغل الذّمة - بمنزلة الأخذ بالأقل في الأول. وقد وهم بعض الضَّعفة فأورد عدد الجمعة سؤالًا على الشَّافعيين، ولم يعلم أن الأخذ فيه بالأكثر بمنزلة الأخذ في دية اليَهُودِي بالأقلِّ. فإن قلت: حقق لي هذا الفرق، فإن شغل الذِّمّة بصلاة الجُمُعَةِ متحقق، وشغلها بِدِيَةِ اليهودي متحقّق، وبراءتها بعدد الأربعين متحققة، وبمقدار دِيَةِ المسلم متحقّقة، والخروج عن العُهْدَةِ بالأقل من دية المسلم بمنزلة الخروج بالأقل من عدد الأربعين، وحينئذ يتوجه السّؤال، ولا يتجه الانقسام إلى ضربين. قلت: هذا تشكيك معضل، فينبغي التمهُّل في استماع (٢) جوابه، فنقول: المركّب من أجزاء على قسمين:

стр. 816

قُلْنَا: فَأَيْنَ نَفْيُ الزِّيَادَةِ، فَإنْ أُبْدِيَ مَانِعٌ أَوْ نَفْيُ شَرْطٍ أَوِ اسْتِصْحَابٌ - فَلَيْسَ مِنَ الإِجْمَاعِ في شَيْءٍ. أحدهما: أن يكون بعضها مرتبطًا ببعض، فلا يعتد به إلا مع صاحبه، كصيام شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ في كَفَّارة الظِّهَار مثلًا، فكل يوم منها لا يعتد به إلا مع انضمامه إلى صواحبه على الوجه المعتبر عند الفقهاء. والثَّاني: ألا يرتبط، فمن وجبت عليه لزيد عشرون درهمًا، فهو مأمور بتأدية كل درهم بخصوصه، ولا تعلّق لدرهم منها بصوم مسمى شهرين متتابعين، وشككنا هل جاءا ناقصين أو كاملين؟ لم يخرج عن العُهْدَةِ إلا بستين يومًا، فإن وقع الشَّك بعد صومه اليوم الموفى عدد الستين وجب تدارك شهرين لا يشك فيهما. وإذا ارتهنت بإطعام عشرة مساكين، فأطعم وشكّ هل أطعم عشرة أو تسعة؟ وجب إطعام واحد فقط، إذ لا تعلّق لبعض العشرة ببعض، بخلاف الأول. ونظير هذا دية اليَهُودِيّ فإنَّ أبعاض الدِّيَةِ من حيث هي لا تعلّق لبعضها ببعض، فمن وجب عليه مائة من الإبل وجب كلّ واحد منها من غير تعلّق له بصاحبه، فإذا أخرج ثلثها برئ منه قطعًا وبقي ما وراءه، والأصل عدمه، فلم نوجبه جَرْيًا على الأصل. ونظير الأول الجمعة، فإن أبعاض عددها متعلّق ببعض، فمن صَلَّاها في ثلاثة لم يخرج عن العُهْدَةِ بيقين، ولم يأت بما أسقط عنه شيئًا، ويظهر أثر هذا إذا تبيّن الحال، فلو صح بالآخرة أن الواجب أربعون لتبين أنه لم يأت بالجمعة، أو أن الواجب دِيَةُ المسلم كاملة في اليهودي لما خرج ما تقدّم عن الاعتبار، بل وقع موقعه، وزِيد عليه الثّلثان، فنحن نأخذ ببراءة الذِّمَةِ في نَفْي الزائد إذا لم نشكّ فيما وقع الإجماع على وجوبه، هل وقع موقعه كدية اليهودي؟ أما إذا شككنا كالجمعة فإنما نشك فيمن صلَّاها في ثلاثة [هل صلاها] (١)، أو لا؟ والأصل العدم، فجرينا عليه وأوجبنا أكثر، فأخذنا بالأصل في الموضعين، وهما في الحقيقة شيء واحد. ولذلك قلنا: الأخذ بأقل ما قيل على ضربين، فموضوع المسألة الأخذ بأقلّ ما قيل، وهو قدر مشترك بين الضَّربين.

стр. 817

الْعَمَلُ بِالإجْمَاعِ بِنَقْلِ الْوَاحِدِ مَسْأَلةٌ: يَجِبُ الْعَمَلُ بِالإِجْمَاعِ الْمَنْقُولِ بِنَقْلِ الْوَاحِدِ وَأَنْكَرَهُ الْغَزَّالِيُّ. وحاصله: إيجاب الاحتياط فيما أصله الوجوب دون غيره، والورع في الموضعين لا يخفى. فإن قلت: فالصلواتُ الخمسُ لا تعلّق لواحدة منها بالأخرى، ولو نسي واحدة مجهولة العين لأوجبتم الخمس. قلت: لأنه لا يتيقّن الخروج عن المنسي إلا بالإتيان بالخمس، وهو نظير الجمعة، فافهم هذا، واعرض عليه جميع الفروع، تجدْه موافقًا، وبه تبين لك أن الأخذ بأقل ما قيل مركّب من الإجماع ومن البراءة الأصليَّة، فلا يتَّجه من القائل بهما المخالفة فيه. وما ذكره المصنّف من أنه لا يصحّ التمسُّك فيه بالإجماع - يعني: وحده - صحيح، وقد ذكره كذلك القاضي، والغَزَّاليّ، وغيرهما، وبالله التوفيق. «مسألة» الشرح: "يجب العمل بالإجماع المنقول بنقل الواحد" - عند المصنّف، والشيخ الهندي، وجماعة من أصحابنا - "وأنكره الغزالي" (١). قال الهِنْدِيُّ: وكل من قال: خبر الواحد يقبل في القطعيات، أو أن أصل الإجماع حجَّة ظنية، أو أنه ينقسم إلى قطعي وظني، وأن الظني منها مقبول حجَّة، فإنه يلزمه أن يقول بحُجية هذا الإجماع.

стр. 818

لَنا: نَقْلُ الظَّنِّيِّ مُوجِبٌ؛ فَالْقَطعِيُّ أَوْلَى، وَأَيْضًا نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ. وأما من لم يقل بشيء من ذلك، بل يقول: هو حجَّة قطعية، وليس منه شيء ظني ظنيًّا، فإنه يلزمه أن يرده ولا يقبله. انتهى. وسبقه الآمديُّ حيث قال: المسألة دائرةٌ على اشتراط كون دليل الأصل مقطوعًا به إلى آخر كلامه، وسيذكر المصنّف نحوه. ولقائلٍ أن يقول: يجوز أن يستدل بالإجماع على حادثة إذا ظن وقوعه بخبر الواحد، وإن كان الأصل حجّية الإجماع لا تثبت إلا بالقطع، فخبر الواحد فيما نحن فيه مخبر عن وقوع الإجماع لا عن حُجّيته. ولم قلتم: إنه لا يعتمد عليه حينئذٍ؟ وبهذا أسقط قولهم من قال: إن دليله قَطْعِيّ لا يقبل فيه خبر الواحد. والحق أن هنا مسألتين: إحداهما: أن الأصل الإجماع - أعني: كونه حُجَّة لا يثبت بخبر الواحد - وهذا هو الصحيح وهو ما صرح الغزالي باختياره، وثبت قوله فيه، وحكى المُخَالفة فيه عن بعض الفُقَهاء. والثانية: - وهي مسألة الكتاب - وفيها تكلّم الآمدي، والهندي أن الإجماع إذا نقل بخبر الواحد، هل ينهض دليلًا معمولًا به؟ قال الجماعة: نعم، وحكوا عن الغَزالي المُخَالفة، وهي حكاية صحيحة، فإن الغزالي قال: إنه الأظهر وإن لم يقطع بمقابله، وذكر دليلًا حسنًا، ذكره الآمدي أيضًا وأهمله المصنّف، وهو أن العمل بخبر الواحد إنما تثبت مشروعيته بإجماع الصَّحابة. وإنما أجمعوا عليه فيما روي عن رسول الله ﷺ . أما ما روي عن الأمة من اتفاق، وإجماع فلم يثبت فيه [نقل وإجماع، ولو أثبتناه لكان ذلك بالقياس، فلم يثبت لنا] (١) صحة القياس في إثبات أصول الشرع. انتهى. قوله: "لنا نقل الظَّني" بخبر الواحد "موجب" للعمل به، "فالقَطعيُّ" المنقول به "أولى" أن يكون معمولًا به.

стр. 819

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والآمدي لم يذكر هذا الدَّليل هكذا، بل قال: خبر الواحد عن الإجماع مفيد للظَّن، فكان حجة كخبره عن نصّ الرَّسول ﷺ . وهذا يدرؤه ما ذكره الغزالي: من أنه لا دليل هنا على العمل بخبر الواحد إلا القياس، ولم يثبت أنه يفيد (١) هنا كما علمت. وقد ذكره الآمدي من بعد، والآمدي لم يصرح في المسألة باختيار شيء. والمصنّف اختار العمل، فاحتاج إلى تقوية هذا الدليل، فأورده على الوجه الَّذي علمته ليجعله من باب قياس الأولى. فورد عليه ما ورد على هذا الدَّليل من أن القياس لم يثبت العمل به هنا، وزيادة وهي: أن دعوى الأولوية لا وجه لها، وقد يعكسها الخصم، فلو اقتصر على ما فعل الآمدي لكان أولى، وكان أقصى ما يرد عليه ما ذكره الغَزَالِيّ، ويمكن المُنَازعة فيه بأن يقال: العمل بالظَّن في العمليات مطلقًا واجب. قوله: "وأيضًا" قوله ﷺ : "نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ"، واللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ" (٢).

стр. 820

قَالُوا: إِثْبَاتُ أَصْلٍ بِالظَّاهِرِ. قال الآمدي: ذكر الظَّاهر بالألف واللام المستغرقة، فدخل فيه الإجماع الثَّابت بخبر الواحد لكونه ظاهرًا ظنيًّا. انتهى. فإن قلت: لا يلزم من حكمه هو ﷺ بالظاهر أنا نحن نحكم. قلت: إذا حكم ﵇ به كان هو الحق، ضرورة أنه لا يحكم إلا بالحق، ثم الأصل عدم التخصيص. ولقائل أن يقول: دلالة الحديث على الحُكْمِ لكل مظنون مظنونة، أو غايته (١): العموم، ودلالته على أفراده ظنية، ثم إنه عام مخصوص قطعًا؛ إذ من الأشياء ما لا يحكم فيه الظاهر إذا كانت مظنونة، فلم قلتم: إنه يعمل بها هنا، فذلك دور، وحديث نحن نحكم بالظَّاهر لا يعرفه المحدثون، لكنَّ معناه ممَّا لا خلاف فيه. وفي الصحيح: أن النبيّ ﷺ قال: "إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ". وروي أن العَبَّاس قال: يا رسول الله كنت مكرهًا (٢) يوم "بدر"، فقال النبيّ ﷺ :"أَمَّا ظَاهِرُكَ فَكَانَ عَلَيْنَا، وَأَمَّا سَريرَتُكَ فإِلَى الله". الشرح: والمانعون "قالوا": هذا "إثبات أصل" من أصول الشَّريعة "بالظاهر"، فلا يجوز. "قلنا: المتمسّك الأول" - وهو قياس الأولى - "قاطع"، "والثاني" - وهو حديث "نَحْنُ نَحْكمُ بِالظَّاهِرِ" - "ينبني على اشتراط القَطْعِ" في أدلَّة الأصول. ولك أن ترتب الجواب هكذا: لا نسلّم أن هذا إثبات أصل، إنما الأصل انتهاض الإجماع من حيث هو دليل، لا أنه هل وقع إجماع في المسألة الفلانية، وهذا لم يذكره في الكتاب، وهو أوجه مما بعد. سلمنا: أنه أصل ولكن لم قلتم: إن الأصل لا يثبت بالظَّواهر إذا كان يقتضي عملًا. وهذا الجواب الثَّاني في الكتاب. سلمنا ولكن معنا دليل قَطْعي، وهو قياس الأولى، وهذا الأولى فيه وقد علمت ما فيه. ثم ذكر الآمدي عبارة ناشئة عن عدم اختياره في المسألة شيئًا فقال: والظُّهور في هذه المسألة للمعترض من الجانبين دون المستدلّ فيها.

стр. 821

قُلْنَا: الْمُتَمَسَّكُ الْأَوَّلُ قَاطِعٌ، وَالثَّانِي يُبْتَنَى عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ، وَالْمُعْتَرِض مُسْتَظْهِرٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ. الْكَلامُ فِي إِنْكَارِ حُكْمِ الإجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ (١) مَسْأَلَةٌ: إِنْكَارُ حُكْمِ الإِجمَاعِ الْقَطْعِيِّ، ثَالِثُهَا: الْمُخْتَارُ أَنَّ نَحْوَ الْعِبَادَاتِ .......... أي: من انتهض مستدلًا فيها لنفي، أو إثبات ظهر عليه المعترض؛ وذلك لتجاذب أطرافها. وقد نَبَا القَلَمُ بالمصنّف فتبعه، وقال: "والمعترض مستظهر من الجانبين" (٢) فيمنع دليل المثبت، ويقول: لا أسلم أن كل دليل ظَنِّي يجب العمل به، ودليل النَّافي، ويقول: لا أسلم امتناع إثبات الأصول العملية بالظَّواهر، ونحو ذلك من المسوغ، وهذا لا ينبغي للمصنّف، فإنه اختار أحد القولين، فكيف يعترف باستظهار المعترض؟. "مسألة" الشرح: "إنكار حكم الإجماع القَطْعي.

стр. 822

الْخَمْسِ يُكَفَّرُ. ثالثها: المختار أن نحو العبادات الخمس يكفر". وأنا أقول: الكلام في التَّكفير معضل عظيم، وعبارة المصنّف هنا قلقة عاصية، وأنا أبدي ما عندي ثم أتكلم عليها وأعرضها على الحَقّ فإن وافقته، وإلا طرحتها، فالحَق: عرض الأقوال على الحَقّ، لا عرض الحق على الأقوال، والتَّمَحُّل لها بغاية التعسُّف، ونهاية الفساد (١)، فأقول: إنكار الإجماع يفرض على وجهين: أحدهما: أن [ينكر المرء أن الإجماع] (٢) حجة - ولم يتكلم المصّنف في هذا - ولا ريب في أنا لا نكفر من أنكر الإجماع السكوتي، والإجماع الذي لم ينقرض أهل عصره، ونحو ذلك من الإجماعات التي اختلف العلماء المعتبرون في انتهاضها حُجَّة، إنما الكلام فيمن أنكر أصل الإجماع، وهدم قاعدته، وزعم أن الله لم يشرع الاحتجاج به لخلقه، ولا شَكّ في بدعة هذا، والقول في تكفيره كالقول في تكفير أهل البِدَعِ والأهواء. الوجه الثَّاني: أن ننكر حكم الإجماع، وفيه تكلّم المصنّف - فيقول مثلًا: ليس لبنت الابن السّدس مع بنت الصُّلب، أو ليست الصَّلاة واجبةً، وهذا على أقسام: أحدها: منكر بَلَغَهُ الإجماع وَلَجَّ في عِنَادِهِ، واستمر على إنكاره، فالوجه عندي هنا أن يقال: إن كان ذلك المجمع عليه خفيًّا كمسألة بنت الابن، فتكفيره في موضع التردُّد، وإن كان ظاهرًا يشترك في معرفته الخَاصَّة والعامَّة، كالصَّلاة فيكفر بلا نَظَرٍ. القسم الثَّاني: أن ينكر وقوع الإجماع بعد أن يبلغه، فيقول: لم يقع، ولو وقع لقلت به، فإن كان المخبر عن وقوعه الخَاصَّة دون العَامَّة، كمسألة بنت الابن، وهنا خلاف الأظهر عدم التكفير، وإن كان المخبر الخَاصَّة والعامَّة جميعًا كالصَّلاة، كفر ولم يُعذر. والثالث: ألَّا يبلغه، فيعذر في الخَفِيّ دون الجَلِيّ إن لم يكن قريب عهد بالإسلام، وهذا في حكم الظاهر. أما في نفس الأمر، فلا كُفْرَ، حيث لا يبلغه، وهو عند الله - تعالى - معذور (٣). إذا عرف هذا فلنذكر كلام أئمَّتنا، ثم ننعطف على كلام صاحب الكتاب.

стр. 823

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قال الأستاذ أبو منصور البَغْدَادِي في كتاب "معيار الجدل" بعد أن ذكر الفرق بين المسائل الأصولية والفروعية من وجوه عَدّها: وكل ما ذكرناه من الفروق بين مسائل طفروع والأصول، فإنما اعتبرناه من فروع لا نَصّ ولا إجماعَ فيها. فأما ما أجمعت الأمة [عليه] (١)، أو ورد فيه خبر يوجب العلم، فإنه يكون بعد استقرار الشَّريعة أصلًا بنفسه يأثم المخالف فيه، وينقضي عليه حكمه، ولا يعتبر في مثله خلاف أهل الأهواء، وربما أورثهم خلافهم الكُفْر كخلاف المَيْمُونِيَّة من الخوارج في تحريم بَنَاتِ البنات وبنات أولاد الإخوة والأخوات. وخلاف الخوارج في سقوط الرّجم، وخلاف من أسقط منهم حَدّ الخمر، ونحو ذلك. قال البَغَوِيّ في أوائل "التهذيب": الإجماع نوعان: أحدهما: خاص. والثاني: عام. فالعام: إجماع الأمة على ما يعرفه الخاصُّ والعامّ، كإجماعهم على أعداد الصلوات والركعات، ووجوب الزكاة والصَّوم والحج، يكفر جَاحِدُه، وإن كان أمرًا لا يعرفه إلا الخَواصّ كإجماعهم على بطلان نكاح المُتْعة، وأن لبنت الابن السُّدس مع البنت الواحدة من الصّلب، فلا يكفر جاحده، ويُبَيَّن له الحقُّ. ومن الإجماع الخاص: أن يجمع العلماء من أهل عصر على حكم حادثة. إما قولًا، وإما فعلًا، فهو حجة لكن لا يكفر جاحده، بل يخطأ ويدعي إلى الحق ولا مساغ فيه لاجتهاد. انتهى. وما ذكره آخرًا ظاهر؛ لأن هذا الإجماع، وانتهاضه حُجَّة إذا قيل به ظني، فلا يكفر قطعًا. والمسألة مصوّرة بمنكر حكم الإجماع القطعي، ولكن حكى الإمام الأستاذ أبو إسحاق فيه خلافًا قَدَّمناه فيمن جحد مجمعًا عليه غير معلوم بالضرورة، هل يكفر؟ فقال: فيه وجهان مبنيان (٢) على أن ما أجمع عليه الخاصَّةُ والعامة، هل العامة مقصودة فيه أو تابعة؟ فيه وجهان.

стр. 824

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فعلى الأول: لا يكفر؛ لأنه لم يخالف جميع المقصودين في الإجماع، وعلى الثَّاني يكفر، وهو اختيار الأستاذ أبى إسْحاق. قلت: وفيه نظر، والظاهر أن مراده ما أجمع عليه الخاصَّة، وهو مشهور، ولكن لم ينته إلى درجة المَعْلُوم بالضرورة، وهذا بخلاف الذي سنذكر عن النَّووي حكايته، أما غير المشهور فلا وجه إلا عدم التكفير جزمًا. قال الرَّافعيُّ فيمن ترك الصَّلاة جاحدًا لوجوبها: إنه مرتد إلَّا أن يكون قَرِيبَ عهد بالإسلام يجوز أن يخفى عليه ذلك، قال: وهذا لا يختصّ بالصَّلاة، بل يجري في جحود كل حكم مجمع عليه. قال النَّوَوي: وليس على إطلاقه، بل من جحد مجمعًا عليه فيه نصُّ وهو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك في معرفتها الخَاصّ والعام، كالصلاة، والزكاة، والحج، والزِّنا (١) والخَمْر فهو كافرٌ، ومن جحد مجمعًا عليه لا يعرفه إلا الخواصّ فليس بكافر، ومن جحد مجمعًا عليه ظاهرًا لا نصّ فيه ففي الحكم بتكفيره خلاف، وصحَّح في باب الرِّدَّة من الخلاف القول بالتكفير. وقال ابن السَّمْعَاني: الإجماع على ضربين: أحدهما: يكفر مخالفه متعمدًا، وهو الإجماع على الشَّيء الذي يشترك الخَاصَّةُ والعَامَّةُ في معرفته، كأعداد الصَّلوات وركعاتها، والحج والصّيام وزمانهما، وتحريم الخَمْرِ والزِّنا (٢) والسرقة،

стр. 825

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فإن اعتقد في شيء من ذلك خلاف ما انعقد عليه الإجماع فهو كافر؛ لأنه صار بخلافه جاحدًا لما قطع به دين الرسول ﷺ وصار كالجاحد لصدق الرسول ﷺ . والضرب الثَّاني: ما يضلّ مخالفه إذا تعمّد، ولا يصير كافرًا، وهو إجماع الخاصَّة، وذلك ما ينفرد بمعرفته العلماء، كتحريم المرأة على عَمّتها وخالتها (١)، وإفساد الحَجّ بالوَطْء قبل الوقوف

стр. 826

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بـ "عرفة"، وتوريث الجدَّة السدس، وحجب بني الأم بالجد، ومنع توريث القاتل (١)، ومنع

стр. 827

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الوصية للوارث، فإذا اعتقد المعتقد في شيء من هذا خلاف ما عليه إجماع العلماء لم يكفَّر، لكن يحكم بضلاله (١) وخطئه. انتهى ملخصًا. فحصلنا من نقلهم على أن المشهور، وفيه نص كالصَّلوات، يكفر منكره، وكذا ما لا نَصّ فيه على الأصح، بخلاف الخَفِيّ فليس التكفير أبدًا لخصوص الإجماع، بل لانضمام الشُّهرة إلى الإجماع. وفي وجه: يشترط مع الشُّهرة نص. والسِّر في التكفير أن الجاحد والحالة هذه آيِلٌ إلى تكذيب الصَّادق، وقد حكى المصنِّف ثلاثة آراء: أحدها: التكفير مطلقًا. والثاني: عكسه. والثالث: أنه إن كان نحو العبادات الخمس يكفر، وإلا فلا. وقيل: أراد بالعبادات الخمس: الصلوات. وقيل: كلمة الإسلام، والصلاة، والزكاة، والصوم، والحج. واستشكل كلامه من جهة اقتضائه أن لنا قائلًا يقول: بالتكفير في الأمر الخَفِيّ، ولا يعرف هذا، وآخر يقول: بعدم التكفير مطلقًا ليدخل فيه منكر العبادات الخمس، ولا يعرف فيه إلا التكفير. وقد يتعصّب لكلامه، فيقال: أراد منكر حكم الإجماع هل يكفر بجهة الإجماع؟ فقائل يقول بالتكفير مطلقًا وإن كان خفيًّا إذا قيل له: قد أجمعت الأمة وخالف، ولا يستبعد هذا وآخر يقول بعدم التّكفير، ولا ترد العبادات الخمس؛ لأن النَّصَّ قائمٌ فيها، فمنكرها منكر للنص المعتضد بالإجماع والشُّهرة.

стр. 828

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وكلامنا إنما هو في تكفير المجمع عليه. والثالث: الفصل. والحاصل: أن المنصوصات المشهورة لا كلام فيها إنَّما الكلام فيما لا يعرف له سند إلا الإجماع، فالقائل الثَّاني لا يكفر منكره، وإن اشتهر حتى صارت شُهرته كالعِبَادَات الخمس. وإنما شبه بالعِبَادَاتِ الخمس في الشُّهرة لا في غيرها، وإلا فهي منصوصات. وهذا في الحقيقة أحد الوجهين اللَّذين حكاهما النَّوَوِيُّ كما تقدم، ويعرف من هذا أن الصَّلوات (١) الخمس لا تدخل فيما نحن فيه، وإنما يدخل نحوها، فلو اشتهر شيء شهرتها، ولا سَنَدَ له تعرفه الأمة غير الإجماع لقال هذا القائل: بأن منكره لا يكفر، وهو واضح؛ لأن منكر أصل الإجماع على أصولنا في المُبْتدعة لا يكفر، فكيف يكفر هذا؟ وبهذا يتَّضح لك أن التكفير ليس إلا (٢) للشُّهرة، فإن المنكر إذ ذاك كأنه مكذب، أو للشهرة مع النَّص، فلا يقال: كيف لا يكفرون من أنكر أن الإجماع حُجَّة، ويكفرون من أنكر المشهور؟؛ لأنا نقول: إنما كفرناه والحالة هذه؛ لأنه مكذب فهو خارج عن أهل القِبْلَةِ. وأما من نازع في حجية الإجماع فلم يكذب الشَّارع فلم يخرج عن أهل القِبْلَةِ، ونحن لا نكفر أحدا من أهل القِبْلَةِ. وبهذا تبيّن لك صحَّة قول الإمام في "المحصول" (٣): جاحد الحكم المجمع عليه لا يكفر خلافًا لبعض الفقهاء، واستدلّ بأن أدلَّة أصل الإجماع لا تفيد العِلْمَ، فما تفرع عنه أولى، ومنكر المظنون لا يكفر بالإجماع. فعلم من هذا الدليل أن مراده: ما استفيد من الإجماع دون غيره، وإلا فالمشهورُ مستفادٌ معلوم من الدين، فليس من هذا القبيل. وقوله: منكر المظنون لا يكفر بالإجماع، يعني: إذا لم يعتضد بإجماع. أما إذا اعتضد به ففيه خلاف، ثم قال: وأيضًا فتقدير أن الإجماع قَطْعي، فليس العلم به داخلًا في ماهية الإسلام فلا يكون العلم بتفاريعه داخلًا فيه.

стр. 829

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا الدَّليلُ فيه نظر لا غرض لنا هنا في ذكره. ومن هنا أخذ الآمدي التَّفصيل الذي اختاره، فقال (١): اختلفوا في تكفير جاحد الحكم المجمع عليه، فأثبته الفقهاء، وأنكره الباقون مع اتفاقهم على أن إنكار حكم الإجماع الطني غير موجب كفرًا. والمختار: إنما هو التفصيل، وهو أن اعتقاد الإجماع. إما أن يكون داخلًا في مفهوم اسم الإسلام كالعبادات الخمس ووجوب اعتقاد التوحيد والرسالة، أو لا يكون كذلك كالحكم بحِلّ البَيْعِ وصحَّة الإجارة ونحوه، فإن كان الأول فجاحده كافر؛ لمزايلة حقيقة الإسلام له، وإن كان الثَّاني فلا. انتهى. وهذا التفصيل ليس قولًا ثالثًا كما فهمه بعض شارحي "المختصر"، وإلا كأن تخرج من كلامه أن لنا قائلًا يقول: وجوب اعتقاد التَّوحيد والرِّسَالة لا يكفر منكره، وإنما الأمر على ما قررناه من أن المجمع عليه، إن اشتهر وعضد نصّ فليس من المسألة التي نحن فيها في شيء، ويكفر منكره بإجماع المسلمين، كمنكر العِبَادَاتِ الخمس، ونحوها. وإن لم يعضده نصّ، بل كان مشتهرًا، فقط ففيه خلاف، الأصح: التَّكفير. ويخرج من كلام الآمدي: أنه يختار هنا عدم التَّكفير، بل هو صريح كلامه، والحق خلافه، بل أقول: قضيَّة كلامه أنه يختار أن منكر المجمع عليه، وإن اشتهر واعتضد بنص لا يكفي ما لم يكن داخلًا في حقيقة الإسلام كحِل البيع فإنه مشتهر بنصّ. وقد فَاهَ بعدم التَّكفير فيه، وهذا لا يعرف لأحد، فالاعتراض على الآمدي أزيد من الاعتراض على ابن الحَاجِبِ، وإن اختص ابن الحاجب بتصريحه بثلاثة مَذَاهب، والآمدي لم يصرِّح بها، ولم يَفُهْ بأن مكان اختياره من مواقع الخلاف. ولو أن ابن الحاجب قال: منكر حكم [ما] (٢) علم من الإجماع القَطْعي. ثالثها: إنْ وصل في الشُّهرة إلى ما اشتهر، وهو ذو نَصّ كالعبادات الخَمْس كفر منكره، وإن لم يكن فيه نصّ، وإلا فلا، وصح كلامه. وحاصله: أن العبادات الخمس مشبه بها، وليست داخلةً في أماكن الخلاف، والمشبه دون

стр. 830

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . المشبّه به، فالمشبّه مشتهر لا نَصّ فيه، والمشبه به مشتهر ذو نَصّ، والتكفير فيه قائم بلا نظر، وليس الإجماع فيه العلَّة [في التَّكفير] (١)، بل الشُّهرة مع النَّص فهما اللَّذان صَيَّرا منكره كالمكذب للصادق فيما جاء به، فالمراتب ثلاث: منكر إجماع ذي شهرة، وفيه نص ولا ريب في كفره؛ لتكذيبه الصادق. ومنكر إجماع ذي شُهْرة لا نَصّ فيه. قيل: لا يكفر؛ لأنه لم يصرح بتكذيبه الصادق؛ إذ الغرض أن لا نَصّ، وإنما كذب المجمعين. والأصح: يكفر؛ لأنَّ تكذيبهم يتضمَّن تكذيب الصَّادق. ومنكر إجماع ليس بذي شُهْرة. والأصح: لا يكفر. وقال بعض الفقهاء: يكفر؛ لتكذيبه الأمة. وجوابه: أنه لم يكذب الأمة صريحًا؛ إذ الفرض أنه ليس مشهورًا، فهو مما يخفى على مثله. وأنت أيها الفَهِمُ إذا نظرت شروح هذا المختصر في هذا المكان، وجدتها مشتملةً على تخبيط عظيمٍ منشؤه من أمرين لا ثالث لهما: أحدهما: الجمود على كلام المختصر. والثاني: الجهل بالشريعة. فصريحُ كلام بعضهم: أن في جملة الأقوال قولًا بأن إنكار التَّوحيد والعِبَادات الخمس لا يكفر، وكفى بتخيّل ذلك سُبَّة (٢). وعلى الجملة كلام الآمدي، والمصنّف في هذه المسألة قلقٌ مدخول، والمعصوم من عصمه الله. ما أحسن افتتاح الشَّيخ الهندي المسألة في "النهاية" وهذه عبارته: جاحد الحكم المجمع عليه من حيث إنه مجمع عليه بإجماع قطعي، لا يكفر عند الجماهير، خلافًا لبعض الفقهاء، وإنما قَيَّدنا بقولنا: من حيث إنه مجمع عليه؛ لأنَّ من أنكر وجوب الصَّلوات (٣) الخمس، وما يجري

стр. 831

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . مجراها يكفر، وهو مجمع عليه؛ لكن لا لأنه مجمع عليه؛ بل لأنه معلوم بالضرورة أنه من دين محمد ﷺ ، وإنما قيدنا بالإجماع القطعي؛ لأنَّ جاحد حكم الإجماع الظني، لا يكفر وفاقًا. انتهى. وهي عبارة سديدةٌ مُنْبِئَةٌ عن الغرض (١)، ولم يحك إلا مذهبين كما هو المعروف. وعندي أن أمْتَنَ كلام في المسألة، وأقربه إلى ما مهدناه - كلام إمام الحرمين في "البرهان"، حيث قال: من اعترف بالإجماع، وأقر بصدق المجمعين في النقل، ثم أنكر ما أجمعوا عليه كان هذا التكذيب آيلًا إلى تكذيب الشَّارع. ومن كذب الشَّارع كَفَرَ، والقول الضَّابط فبه: أن من أنكر طريقًا في ثبوت الشَّرع لم يكفر، ومن اعترف بكون الشَّيء من الشرع، ثم جحده كان منكرًا للشرع، وإنكار بعضه، كإنكار كله. انتهى. وهو جامع لما اخترناه، ونختم المسألة لإشكال واحد، فنقول: قد عرف أن منكر المجمع عليه لا يكفر. من حيث إنه مجمع عليه، وأن بعضهم قال: يكفر إذا عرف أنه مجمع عليه، وكان معترفًا بأن المجمعين لا يجمعون على باطلٍ؛ لأنه آيِلٌ إلى تكذيب الشَّارع. ولقائل أن يقول: إذا أقرّ بصدق المجمعين في النَّقل، وكان ذلك عقده ومضمره، فكيف يتصوّر منه إنكار ما أجمعوا عليه، وأنى يجتمعان؟ فإن أريد لإنكاره بعد ذلك إنكار أصل أن الإجماع حجة، فذلك لا يقتضي التَّكفير كما سلف، ولعله كان يذهب إلى أنه حجة، ثم تغير رأيه، وطريان البِدْعَةِ، والضلالة لا يوجب كفرًا. وإن أريد أن قوله: ليس هذا من الشرع مع اعتقاده أنه من الشرع إساءة على الشرع توجب تكفيره، وإن لم يكن معها اعتقاد، كمن يلقي المصحف في القَاذُورَاتِ فذلك بعيد؛ إذ [لا] (٢) إساءة (٣) في هذا، بخلاف ملقي المصحف.

стр. 832

حُكْمُ الإجْمَاعِ فِيمَا لا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الإجْمَاعِ (١) مَسْأَلةٌ: التَّمَسُّكُ بِالإِجْمَاعِ فِيمَا لا تتوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَيْهِ صَحِيحٌ، كَرُؤْيَةِ الْبَارِي - تَعَالَى -، وَنَفْيِ الشَّرِيكِ، وَلعَبْدِ الْجَبَّارِ فِي الدُّنْيَوِيَّةِ قَوْلانِ. لَنا: دَلِيلُ السَّمْعِ. وإنما هذا كاذب على نفسه؛ إذ الفرض أن عقيدته حُجّية الإجماع، وأنهم أجمعوا، ومتى حَصَلت له هاتان المُقَدِّمتان، لم يرتب ضميره في أن هذا من الشرع، فإن هو كذب على نفسه، فليس كذبه على نفسه موجبًا كفرًا، والله المستعان. "مسألة" الشرح: فيما يتمسَّك فيه بالإجماع، وما لا يتمسك. "التمسك بالإجماع فيما لا يتوقّف" "عليه" صحة الإجماع من العقليات والشَّرعيات، والدّنيويات "صحيح، كرؤية البَارِي، ونفي الشَّريك" وحِلّ البيع، وتدبير الجُيُوش ونحوه، بخلاف ما يتوقف عليه صحَّة الإجماع، كإثبات الصَّانع، للزوم الدور. "ولعبد الجبار في "الأمور "الدّنيوية قولان": أحدهما: كالمختار. والثاني: أنه ليس بحجة. "لنا: دليل السّمع"، فإنه قام على التمسّك بالإجماع مطلقًا من غير تقييد. وهذا منتهى الكلام فيما يختصّ بكل واحد من الكتاب، ومن السُّنَّة، ومن الإجماع، فلنأخذ فيما اشتركت فيه.

стр. 833

مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الأَدِلَّةُ الثَّلاثَةُ - الْكِتَابُ - السُّنَّةُ - الإِجْمَاعُ (١) وَيَشْتَرِكُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْمَاعُ فِي السَّنَدِ وَالْمَتْنِ. فالسَّنَدُ الإِخْبَارُ عَنْ طَرِيقِ الْمَتْنِ. وَالْخَبر قَوْلٌ مَخْصُوصٌ لِلصِّيغَةِ وَالْمَعْنَى. الشرح: "ويشترك الكتاب، والسُّنة، والإجماع في السّنَدِ والمَتْنِ". "السَّند" "فالسَّند: الإخبار عن طريق المَتْنِ"، بأن يبيّن بماذا أثبت كل واحد من الثلاثة، أتواترًا، أو آحادًا (٢)؟. وعندي: لو قال: السّند طرِيق المَتْن كان أولى. الشرح: "والخبر (٣): قول مخصوص، موضوع "للصيغة"، نحو: زيد قائم، "والمعنى" القائم بالنَّفس الذي مدلول هذا اللَّفظ مثلًا بالاشتراك اللفظي بينهما على أحد قولي الأشعري.

стр. 834

فَقِيلَ: لا يُحَدُّ؛ لِعُسْرِهِ. والقول الآخر: أنه حقيقة في النَّفْسَاني، مجازٌ في اللِّساني، وعكسه المخالفون، وهي الأقوال في أن الكلام حقيقة في ماذا؟ وأظهر قولي شيخنا - وهو المختار عندي - الثاني، وأنه إن أطلق على العبارة فمجاز، وقد قال الله - تعالى -: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة المجادلة: الآية ٨] فأطلق القول على ما في النفس، والأصل في الإطلاق الحقيقة، وقال - تعالى -: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ [سورة تبارك: الآية ١٣] فدل على أن السّر والجَهْر صفتان للقول الكامن في النَّفس، ولسنا نقول. وكان الشَّيخ الإمام ﵀ يَتْلُو هنا قوله - تعالى - حكاية عن يوسف ﵇: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ [سورة يوسف: الآية ٧٧]، وهو لطيف. وقال عمر ﵁ يوم "السَّقيفة" (١): كنت زوَّرتُ في نفسي كلامًا.

стр. 835

وَقِيلَ: لأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ مِنْ وَجْهَيْنِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 836

أَحَدُهُمَا: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ مَوْجُودٌ ضَرُورَةً، فَالْمُطْلَقُ أَوْلَى، وَالاِسْتِدْلالُ عَلَى أَنَّ المعِلْمَ ضَرُورِيٌّ لا يُنَافِي كَوْنَهُ ضَرُورِيًّا بِخِلافِ الاِسْتِدْلالِ عَلَى حُصُولِهِ ضَرُورَةً. وقال الأخطل (١): [الكامل] إِنَّ الكَلامَ لفِي الفُؤَادِ وَإنَّمَا … جُعِلَ الكَلامُ عَلَى اللِّسَانِ دَلِيلًا (٢) وما أجهل من قال: كيف يستدلّون بقول الأَخْطَل - وهو نَصْراني - على أصلكم الممهّد في

стр. 837

وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ ضَرُورَةً وَلا نَتَصَوَّرُه، أَوْ تَقَدَّمَ تَصَوُّرُه، وَالْمَعْلوُمُ ضَرُورَةً إثبات كلام النَّفس، وأبعده عن فَهْمِ الحقائق، وإنما هنا مسألتان. الأولى: حقيقية، وهي إثبات كلام النفس للرب تعالى، وعليها البَرَاهين المقررة في علم الكلام. والثانية: أن كلام النَّفس هل يُطلق عليه أنه كلام لغة، وهي مسألة لُغوية مُنْبِئة عن مدلولات الألفاظ استدللنا عليها بالآي التي تَلَوْنَاهَا، وقول عمر ﵁، وقول الأخطل، والأخطلُ أعْرَابي، منطقه طَبْعُه، ويصح التمسُّك بمنظومه ومنثوره، ويقول: كل أعرابي وإن كان جِلْفًا بوَّالًا على عَقِبَيْهِ. ثم اختلف في الخَبَرِ "فقيل: لا يحد لعسره. وقيل": بل "لأنه ضروري" - وهو قول الإمام الرازي - وبيانه "من وجهين": "أحدهما: أن كل أحد يعلم" بالضَّرورة مَعْنَى قول القائل: "إنه موجود ضرورة"، وهذا خبر خاص، والمطلق جزء من الخاص، وإذا كان الخاص، ضروريًا، "فالمطلق أولى". "و" لا يقال: إذا كان ضروريًّا فلم يستدلون عليه؛ لأنا نقول: "الاستدلال على أن العلم" بالخبر "ضروري لا يُنَافي كونه" - أي: كون الخبر - "ضروريًا"؛ لجواز أن يكون تصور الخبر ضروريًّا؛ ويكون العلم بكونه ضروريًّا نظريًّا، لاختلاف متعلّقهما. فإن قلنا: الكلُّ أعظم من الجزء، وضروري مع أن العلم بكونه ضروريًّا نظري؛ لاستدلالنا عليه بأن تصوّر الطَّرفين كافٍ في الجَزْمِ بالنسبة بينهما، وهذا "بخلاف الاستدلال على حصوله" - أي: حصول العلم بالخَبَرِ - "ضرورة"، [فإنه ينافي] (١) كون الخبر ضروريًّا؛ لاتحاد متعلّقهما. فالحاصلُ: أنه يجوز كون الشَّيء ضروريًّا، وضروريّته نظرية، والاستدلالُ على الثَّاني لا ينافي دعوى ضروريته (٢). "ورُدَّ" هذا الوجه "بأنه يجوز أن يحصل" العلم بوجود الخَبَرِ "ضرورة، ولا يتصّور" العلم به، "أو" يجوز أن يكون قد "تقدّم تصوّره" على حصوله. والحاصلُ: أنَّا لا نسلّم أن العلم بحصول الخبر الخاصّ يستلزم تصوّره معه، أو قبله،

стр. 838

ثُبُوثُها أَوْ نَفْيُهَا، وَثُبُوتُهَا غَيْرُ تَصَوُّرِهَا. الثَّانِي: التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ ضَرُورَة، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ. "والمعلوم" من القضيَّة الخاصَّة "ضرورة": إنما [هو] (١) "ثبوتها (٢) أو نفيها" لا تصوّرها، "وثبوتها غير تصوّرها"، وغير مستلزم له. وأوضح من هذا الرَّد لفظًا مع تأدية معناه، وزيادة أن نقول: لا نسلّم بَدَاهَةً من حيث نصوص الخبريَّة، بل من حيث الحصول والانتفاء لا غير، بدليل أنه يمكننا تعقُّله مع الذهول عن خصوص ماهيَّة الخبرية، ويؤكد هذا اختلاف العُقَلاء في الوجود، هل هو عين الماهيَّة، أو أزيد؟، فلو كان تعقُّل تلك القضيَّة بديهيًّا من حيث الخَبَرِيَّة بوجب أن يعلم بالبديهة كونه غير المَاهِيَّة ضرورة أن تعقّل الخبرية يتوقّف على تعقُّل المخبر عنه، والمخبر به، والنِّسبة. سلمنا، لكن لا يلزم من بداهته من حيث خصوصيته خبريته بَدَاهَةً مطلق الخبرية؛ لأن أجزاء القضية البَدِيهِيَّة لا يجب أن تكون بديهيَّة؛ لاحتمال أن تكون بَدَاهَة تلك القضية بعد تعقل أجزاء ذلك الخبر، ولو بالكَسْبِ وهو غير قَادِحٍ في بَدَاهَتِهَا. "الثَّاني" من الوجهَيْنِ لو لم يكن ضروري التصوّر لم تحصل "التفرقة بينه وبين غيره"، كالأمر والنهي ونحوهما "ضرورة"، لكن التفرقة حاصلة، "وقد تقدم مثله" تقريرًا وجوابًا. قال القطب الشيرازي وغيره: وهذا سهو من المصنف، فإنه لم يتقدم مثله إلا في المنتهى الذي هذا المختصر مختصر منه. قلت: ويحتمل أن يشير به إلى ما تقدّم في العلم؛ إذ قيل: إنه ضروريّ من وجهين، وهو مثل هذا من هذا الوَجْهِ، وهو أنه ضروريّ لوجهين. ثم قيل في جوابه: إن التَّفرقةَ بين شيئين غير مسبوقةٍ بتصوّرهما بطريق الحقيقة، ثم التمييز بين الأمر والخبر مثلًا، إنما هو بعد معرفتها لا مطلقًا، فلا يدلّ ذلك على أن معرفته بديهيةٌ، وإلا لزم أن يكون معرفة الأمر أيضًا بديهية، ولم يقل به أحد، وقد ساعدنا الإمام ﵀ على أن الأمر يحدّ.

стр. 839

قَالَ الْقَاضِي وَالْمُعْتَزِلَةُ: الْخَبَرُ الْكَلامُ الَّذِي يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ، وَاعْتُرِضَ بِأنهُ يَسْتَلْزِمُ إِجْمَاعَهُمَا وَهُوَ مُحَالٌ لا سِيَّمَا فِي خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى - أَجَابَ الْقَاضِي بِصِحَّةِ دُخُولِهِ لُغَةً فَوَرَدَ أَنَّ الصِّدْقَ الْمُوَافِقُ لِلْخَبَرِ، وَالْكَذِبَ نَقيضُه، فتَعْرِيفُهُ بِهِ دَوْرٌ وَلا جَوَابَ عَنْهُ. الشرح: و"قال القاضي" عبد الجَبَّار، "والمعتزلة، إلا شرذمةً منهم: "الخبر: الكلام الذي يدخله الصدقُ والكذبُ" (١). "واعترض بأنه يستلزم اجتماعهما" في كل خبر؛ لأن "الواو" تقتضي الجمع، "وهو" - أي: اجتماعهما - "محال"؛ لأنهما متقابلان، ويمتنع اجتماع المتقابلين، "لا سيَّما" خصوص هذين المُتَقَابلين "في خبر الله"، فإنه صدق قطعًا أبدًا فأنَّى يجامعه الكذبُ؟ وفي مثل قول القائل: الثلاثة زوج، والاثنان فرد، فإنه كذب قطعًا، فأنى يجامع الصدق؟ وهذا الاعتراض ذكره القاضي أبو بكر ﵁ لكنه لم يقل: يستلزم، بل قال: يوهم، أي: فالتحريف وُضِع لإزالة [الإيهَام] (٢)، وبلوغ النِّهاية في الإيضاح، فينبغي أن يُصَان عما يوقع في التَّشكيك، واعترف مع ذلك بصحّته، لكن الأحسن أن يقال: ما يتَّصف بكونه صدقًا أو كذبًا. وكذا فهم عنه إمامُ الحرمين في "البرهان"، والغزاليُّ في "المستصفى" ولم يقل أحدٌ منهم: يستلزم. وعلى تقدير الاستلزام - كما ذكر المصنّف - "أجاب القاضي" عبد الجَبَّار "بصحة دخوله لغة"، أي: أن الخبر الصَّادق يصحّ دخول الكذب عليه من حيث مفهومه لغة من غير اعتبار خصوص المادة، وعلى عكسه الكاذب. "فورد" على عبد الجَبَّار أنَّ حاصل جوابه، "أنَّ" الخبر هو الذي يحتمل الصِّدق والكذب،

стр. 840

وَقِيلَ: التَّصْدِيقُ أَوِ التَّكْذِيبُ فَيَرِدُ الدَّوْرُ وَأَنَّ الْحَدَّ يَأْبَى "أَوْ". وهما لا يعرفان إلا بالخبر؛ لأنَّهما نوعان، فإن "الصِّدق المُوَافق للخبر، والكذب نقيضه، فتعريفه به دَوْر"، وهو مثل قولك في حَدّ الحيوان، المنقسم إلى إنسان وفرس، وهو مُنْقدح، "ولا جواب عنه" يصح، ولقد ذكرت أجوبة لا تُرْتضى. الشرح: "وقيل: التصديق، أو التكذيب، فيرد الدّور" أيضًا، وزيادة شيئين: أحدهما (١): أن التصديق، أو التكذيب عبارة عن الإخبار بكون الخبر صدقًا أو كذبًا، فقولنا: الخبر ما يحتمل التَّصديق والتكذيب، يجري مجرى قولنا: الخبر: هو الذي يخبر عنه بأنه صدق أو كذب. والثَّاني: "أن الحَدّ يأبى" لفظ، "أو"؛ لأنه للتَّرديد المنافي للتَّحْدِيد. "وأجيب" عن هذا الثَّاني "بأن المراد قَبُوله" الحَدّ دخول "أحدهما" لا بعينه. والقاضي أبو بكر ﵁ صرَّح بأنه إنما أتى بـ "أو" لذلك. ولكنا (٢) نقول: لا حاجة إليها، وهي أكثر إيهامًا من "الواو" التي ردها، وقد تقرر اندفاع أن "الواو" تستلزم الجمع بالجواب السَّابق الذي ذكره عبد الجَبَّار، وإليه أشار إمام الحرمين، وابن السَّمعاني وغيرهما. والحاصلُ من كلام الجماعة: الاعتراف بتوافُقِ الحَدّين، ولكن ادعوا أن لفظ "أو" أوضح، وقد يقال: عكسه، لما عرفت من إيهام التَّرديد، والإيهام لا تدفعه الإرادة. وأيضًا فـ "أو" وإن كانت للتقسيم، فمقتضاها: ألَّا يدخل الصِّدق والكذب في حالة واحدة، والمرادُ بالدخول: صلاحية الخبر للأمرين. وقوله: لهما، وهو في حالة واحدةٍ يقبل الصِّدق والكذب، وإن لم يجتمع نفس الصِّدق والكذب، فالتَّنَافي بين الصِّدْق والكذب لا بَين قَبُولهما. وبهذا يخرج الجَوَاب عن دَعْوَاهم أن "الواو" تُوهِمُ الاجتماع، فنقول: إنّما يتوهم اجتماع القبولين، ونحن به قائلون، وإياه مدعون، كقَبُولِ زيد للحركة والسّكون والقيام (٣) والقعود في

стр. 841

وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ قَبُولُ أَحَدِهِمَا. حالة واحدة؛ لاجتماع المَقْبُولين اللَّذين هما نفس الصّدق والكذب، فتعين الإتيان بـ "الواو" دون "أو"، وإلا يلزم أن يكون قابلًا لأحدهما فقط، وليس كذلك؛ لأن القَبُول بالنسبة إليهما على وَتيرةٍ واحدة. فمن قال: الجسم قابلٌ للحركة، أو السّكون على قَصْدِ التنويع، فالتقسيمُ أوهم أنه منقسم إلى ما يقبل الحركة دون السكون وعكسه، كما تقول: الحكم إما اقتضاء، أو تخيير، فإنه يقتضي انقسامه إلى أمرين كلّ منهما يُنَافي صاحبه، وليس ما نحن فيه، كذلك إذ هو في حال الحَرَكَةِ قابل للسُّكون وعكسه. وإنما الذي لا يقبل الحَرَكَة السُّكون بخصوصه لا الجسم، كما أن الواجب الحُرْمة بخصوصه، وإن قبله أصل الحكم. والقرَافيُّ قد أطْنَبَ في هذا وظنّ أنه اشتبه على إمام الحرمين تنافي القَبُولَيْنِ بتنافي المقبولين - وليس كذلك، وهذا لم يشتبه على الإمام، ولا القاضي من قبله؛ لأنهما - كما عرفت - لم يقولا: إن الحد يستلزم اجتماع الصِّدق والكذب المقبولين، وإنما قالا: يوهم ذلك، وهما لم يتحدثا إلا في المَقْبُولين، ولا حديث لهما في القَبُولين، [ولذلك] (١) قال إمام الحرمين: ورأى القاضي ذكر الصدق والكذب على التَّنويع بلفظ "أو" - أمثل من الإتيان بهما بـ "الواو". فإن من قال: ما يدخله الصّدق والكذب أوهم إمكان اتصالهما بخبر واحد، فإذا ردد ونوع وقال: ما يدخله الصِّدق والكذب فقد تحرّز. انتهى. والصّدقُ والكذبُ الذي يوهم اتِّصالهما هما المَقْبُولان، لا القَبُولان، نعم إنما اشتبه تنافي القَبُولين بتنافي المَقْبولين على مَنْ قال: "لفظ الاستلزام" كالمصنّف فاعرف ذلك. والحاصل: أن قولنا: الخَبَر محتمل الصِّدق والكذب كلام صحيح، فإن احتماله لهما موجود في حالةٍ واحدة. وبهذا يظهر لك ضعف قول بعضهم في الرَّد: المُتَقَابلان يمتنع اجتماعهما في زمان واحد، أما في زمانين فلا.

стр. 842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "والواو" لا تقتضي اجتماع المعطوف والمعطوف عليه في زمان واحد، بل يقتضي اجتماعهما مطلقًا. وبيان ضعفه أنه فهم أن المراد اجتماع المتقابلين، وقد بيَّنَّا أنه ليس المراد إلا اجتماع القبولين، وذلك هو الذي يستلزمه قولنا: الخبر ما يحتمل الصِّدق والكذب. أما المقبولان، فلا يستلزمهما كما وضح، ثم قوله: يمتنع اجتماعهما في زمان واحد، أما في زمانين فلا. قلنا: قد يقال: إذا وجد هذا في زمان، وذلك (١) في زمان غيره، فلا اجتماع أصلًا، وإنما تقرير الكلام وتحسينه وإجراؤه على أسلوب الحق الذي تقبله الفِطْرة (٢) السليمة وتَنْبُو عنه الأذهان السَّقيمة فـ "الواو" ما أحرره قائلًا: إذا قلت: قام زيد وعمرو فـ "الواو "تقتضي مطلق الجَمْعِ، لا ترتيب في ذلك ولا مَعِيَّة، ونسبة الترتيب والمعية إليها على حد سواء كما سبق في موضعه، ثم الجمع ضم شيء إلى شيء، ولا يعقل ذلك إلا حالة التركيب، وإلا فلا انضمام، ولكن الانضمام في قولك: قام زيد وعمرو يصدق إما بحصول قيامهما في الوجود من غير نظر إلى صفته ووقته كما تقول: وجد الشافعي والغزالي، فإنك تشرك بينهما في أصل الوجود مع تَبَايُنِ زمانهما. وإما بحصول قيامهما على وَجْهٍ خاص من مَعِيَّة أو غيرها؛ وأمر "الواو" أعم من ذلك كله، فقد لاح بهذا حُصُول معنى الجمع مع عدم الدّلالة على الجَمْعِ الخاصّ الذي هو المَعِيَّة بخصوصه، وبه يخرج الجواب عن قولنا: لا يصدق الجَمْع إلا في زمان واحدٍ، فإنه يقال: أي جمع؟ أصل الجمع أو الجمع الخَاصّ الذي هو المَعِيَّة؟ إن أريد الأول فمسلّم وقد حصل اجتماع الصِّدق والكذب في الحكم بقَبُولِ الخبر إياهما وأصل وجدانهما في الخارج، كما حصل اجتماع قيام زيد وعمرو في حكمك بقيامهما، وأصل وقوع قيامهما في الخارج، وحصل وجود الشَّافِعِيّ والغزالي في حكمك به وأصل وقوعه. وإن أريد الثَّاني فممنوع؛ إذ "الواو" لا تقتضي ترتيبًا ولا مَعِيَّة.

стр. 843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأنت أيها النَّاظر إذا انتهى بك التَّفهُّم فيما ألقيته إليك إلى هنا علمت أن الأكثرين حَدُّوا الخبر بما يحتمل الصِّدق والكذب، أو ما يدخله الصِّدق والكذب، ومرادهم: قبوله لهما معًا والقَبُول في حالة واحدة، وهو ملازم لكونه خبرًا، فحيث وجد احتمال الصدق والكذب من حيث هو خبر. وقد تعرض له ما يعيّن أحد محتمليه من وقوعه في كلام الصادق، أو غير ذلك، وعلمت أن القاضي قال: هذا صحيح، ولكن ربما أوهمت لفظة "الواو" اجتماع نفس الصدق والكذب، لا قَبُولهما، وذلك مجرد إيهام، ولا يصل إلى حد اللزوم. وإنما الحدود مراد بها الإيضاح، فينبغي إزالة هذا الإيهام، والإتيان بلفظ "أو". وأن إمام الحرمين قال: الأمر في هذا قريب، فإن إرادة القَبُول دون المقبول فيه ظاهرة، وكذلك ابن السَّمعاني. وأنَّا قُلْنا: بل الإتيان بلفظ "أو" قد يقال: إنها تفسد الحدّ بما أسلفناه. وأن المتأخرين فهموا أن الذي اعترض على هذا التعريف بهذا الاعتراض - وهو القاضي - ذكر أنه يستلزم اجتماع الصدق والكذب - ومنهم (١) المصنّف وليس كذلك، وإنما قُصَارى ما ذكره أنه يوهم ولا شكّ فيه، وإنما عارض إيهامه إيهام "أو" أيضًا فاستويا، وتترجّح "الواو" بما سبق. ويعلم بهذا أن جواب عبد الجَبَّار، وقوله: يصح دخولهما لُغَةً، غير محتاج إليه؛ لأن المراد قبول دخولهما إلا نفس دخولهما. ونحن في "شرح المنهاج" جرينا على كلام القَرَافِيّ وقلنا: اشتبه على إمام الحرمين تنافي القَبُولين بتنافي المَقْبُولين، وليس كذلك، والصَّوابُ ما ذكرناه هنا. ومن إمام الحرمين أخذنا أن تنافي القَبُولين غير تنافي المَقْبُولين - كما رأيت ذلك في كلامه - وبالله العصمة. واعلم أن قولنا: "المقبولين": عبارة تبعنا فيها القرافي، والصواب في التعبير أن يقال: قبول الشَّيئين، فالقبول واحد متعلّق بشيئين، والمقبول شيئان.

стр. 844

وَأَقْرَبُهَا قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ: كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ نِسْبَةً. قَالَ: "بِنَفْسِهِ" لَيَخْرُجَ نَحْوُ: "قَائِمٌ"؛ لأَنَّ الْكَلِمَةَ عِنْدَهُ: كَلَامٌ وَهِيَ تُفِيدُ نِسْبَةً مَعَ الْمَوْضُوعِ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ بَابُ "قُمْ" وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ نِسْبَةً؛ إِمَّا لِأَنَّ الْقِيَامَ مَنْسُوبٌ؛ وَإِمَّا لِأَنَّ الطَّلَبَ مَنْسُوبٌ. وَالْأَوْلَى الْكَلَامُ الْمَحْكُومُ فِيهِ بِنِسْبَةٍ خَارِجِيَّةٍ، وَنَعْنِي: الْخَارِجَ ............ "فائدة" إطلاق المصنّف هنا لفظ القاضي على عبد الجَبَّار أراه وقع سهوًا، فإن أصحابنا الأصوليين لا يطلقون هذه اللفظة إلا على ابن البَاقِلَّاني، وإنما يطلقها على عبد الجَبَّار المعتزلة، وقد عطف عليه المعتزلة، فأوهم أنه ابن البَاقِلَّاني من وجهين. عادة الأشاعرة، واقتضاء العطف المغايرة. "فائدة أخرى" الشرح: قد عرفت أنه لا يردّ على تعريف عبد الجَبَّار إلا الدور، "و" ذكرت تعاريف أخر للخبر "أقربها" إلى الصَّواب عند المصنّف "قول أبي الحسين: كلام يفيد بنفسه نسبة". "قال بنفسه، ليخرج نحو قائم"، فإنه كلام عنده؛ "لأنَّ الكلمة عنده كلام"، فإنه عرف الكلام بالمنتظم من الحروف المتميّزة المتواضع عليها، وذلك يشمل الكلمة وغيرها. "ويرد عليه باب "قم" ونحوه" من أقسام الطلب، "فإنه كلام" بلا خلاف، و"يفيد بنفسه" من غير ضَمِيمَةٍ؛ لكونه جملة "نسبة" ما بأحد اعتبارين: "إما لأن القيام منسوب" إلى المخاطب؛ لأنه المطلوب منه، فيكون هو المنسوب إليه، لا مطلق القيام. "وإما لأن الطَّلب منسوب" إلى القائل؛ لأنه يدلّ على طلب مَنْسوب إليه دون مُطْلق الطَّلب، ولأبي الحسين أن يقول: أردت نسبة علم وقوعها منه، وبنفسه - أي: يكون هو مدلوله الذي وضع له، لا أن يكون لازمًا عقلًا - وقد صرَّح بالثَّاني في "المعتمد"، فخرج نحو "قم" إما باعتبار نسبة القيام إلى زيد؛ فلأنه لم يعلم وقوعها منه. وإما باعتبار نسبة الطلب إلى القائل؛ فلأنه عقلي ومراده الطلب. الشرح: "والأولى" - عند المصنّف - في تحديده أن يقال: "الكلام المحكوم فيه بنسبة خارجية" مطابقة للواقع، أو غير مطابقة، ليشمل الصَّادق والكاذب.

стр. 845

عَنْ كَلَامِ النَّفْسِ، فَنَحْوُ طَلَبْتُ الْقِيَامَ حُكْمٌ بِنِسْبَةٍ لَهَا خَارِجِيٌّ بِخِلَافِ "قُمْ". وَيُسَمَّى غَيْرُ الْخَبَرِ إِنْشَاءً وَتَنْبِيهًا. وَمِنْهُ: الْأَمْر، وَالنَّهْي، وَالْاِسْتِفْهَام، وَالتَّمَنِّي، وَالتَّرَجِّي، وَالْقَسَم، وَالنِّدَاءُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ نَحْوَ "بِعْتُ"، "وَاشْتَرَيْتُ"، وَ"طَلَّقْتُ" الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الْوُقُوعُ - إِنْشَاءٌ، لِأَنَّهَا لَا خَارِجَ لَهَا، وَلِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ صِدْقًا وَلَا كَذِبًا، وَلَوْ كَانَ خَبَرًا لَكَانَ "ويعني" بالخارج: ما هو "خارج عن كلام النَّفس" المدلول عليه بذلك اللَّفظ، فيخرج باب الأمر، وأنه كلام محكوم فيه بِنِسْبَةٍ، ولكن ليست خارجيةً؛ إذ لا وجود له خارج نفس المتكلّم، [بل الشيء] (١) القائم بالنفس. وهذا بخلاف "طلبت القِيَامَ"؛ لأنه يدل على "الحُكْمِ بنسبة" الطَّلب إلى القائل، و"له" مطابق "خارجي" هو قيام الطلب بِذَاتِهِ. "ويسمى غير الخبر" - وهو ما لا يشعر بأن لمدلوله متعلّقًا خارجيًّا من الكلام "إنشاء" "أو [تنبيهًا] " (٢). "ومنه: الأمر" نحو: "قم"، "والنهي": لا تَقُم، "والاستفهام": هل قمت؟ "والتَّمنِّي": [الوافر]. لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ ........ … ................ "والترجي": ليت لي مالًا، "والقَسَم": والله لأفعلن، "والنداء": يا زيد، والعرض: ألا تنزل عندنا، فتصيب خيرًا، والتَّحضيض وصيغة هَلَّا. وألَّا ولو ولولا ولوما، فكل هذه ليست إخبارات - وهذه طريقة المصنّف، ولغيره طريقة أخرى الأمر فيها سهل (٣). الشرح: "والصَّحيح: أن نحو: بعت، واشتريت، وطلّقت (٤) التي يقصد بها الوقوع" واستحداث حكم "إنشاء"، لا إخبار - خلافًا للحنفيَّة - "لأنها لا خارج لها"، إذ لا يوجد البيع خارجًا عن قول القائل: بعت، فذهب عنها خاصيَّة الخبر، "ولو كان" معناها "خبرًا لكان ماضيًا" لاستحالة كونه مستقبلًا، "ولم يقبل التعليق" - لو كان ماضيًا، لاستحالة التعليقات فيه، لكنه يقبله
следующие страницы →