← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 6338

رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (2 330 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ قَبُولُ أَحَدِهِمَا. حالة واحدة؛ لاجتماع المَقْبُولين اللَّذين هما نفس الصّدق والكذب، فتعين الإتيان بـ "الواو" دون "أو"، وإلا يلزم أن يكون قابلًا لأحدهما فقط، وليس كذلك؛ لأن القَبُول بالنسبة إليهما على وَتيرةٍ واحدة. فمن قال: الجسم قابلٌ للحركة، أو السّكون على قَصْدِ التنويع، فالتقسيمُ أوهم أنه منقسم إلى ما يقبل الحركة دون السكون وعكسه، كما تقول: الحكم إما اقتضاء، أو تخيير، فإنه يقتضي انقسامه إلى أمرين كلّ منهما يُنَافي صاحبه، وليس ما نحن فيه، كذلك إذ هو في حال الحَرَكَةِ قابل للسُّكون وعكسه. وإنما الذي لا يقبل الحَرَكَة السُّكون بخصوصه لا الجسم، كما أن الواجب الحُرْمة بخصوصه، وإن قبله أصل الحكم. والقرَافيُّ قد أطْنَبَ في هذا وظنّ أنه اشتبه على إمام الحرمين تنافي القَبُولَيْنِ بتنافي المقبولين - وليس كذلك، وهذا لم يشتبه على الإمام، ولا القاضي من قبله؛ لأنهما - كما عرفت - لم يقولا: إن الحد يستلزم اجتماع الصِّدق والكذب المقبولين، وإنما قالا: يوهم ذلك، وهما لم يتحدثا إلا في المَقْبُولين، ولا حديث لهما في القَبُولين، [ولذلك] (١) قال إمام الحرمين: ورأى القاضي ذكر الصدق والكذب على التَّنويع بلفظ "أو" - أمثل من الإتيان بهما بـ "الواو". فإن من قال: ما يدخله الصّدق والكذب أوهم إمكان اتصالهما بخبر واحد، فإذا ردد ونوع وقال: ما يدخله الصِّدق والكذب فقد تحرّز. انتهى. والصّدقُ والكذبُ الذي يوهم اتِّصالهما هما المَقْبُولان، لا القَبُولان، نعم إنما اشتبه تنافي القَبُولين بتنافي المَقْبولين على مَنْ قال: "لفظ الاستلزام" كالمصنّف فاعرف ذلك. والحاصل: أن قولنا: الخَبَر محتمل الصِّدق والكذب كلام صحيح، فإن احتماله لهما موجود في حالةٍ واحدة. وبهذا يظهر لك ضعف قول بعضهم في الرَّد: المُتَقَابلان يمتنع اجتماعهما في زمان واحد، أما في زمانين فلا.

стр. 842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . "والواو" لا تقتضي اجتماع المعطوف والمعطوف عليه في زمان واحد، بل يقتضي اجتماعهما مطلقًا. وبيان ضعفه أنه فهم أن المراد اجتماع المتقابلين، وقد بيَّنَّا أنه ليس المراد إلا اجتماع القبولين، وذلك هو الذي يستلزمه قولنا: الخبر ما يحتمل الصِّدق والكذب. أما المقبولان، فلا يستلزمهما كما وضح، ثم قوله: يمتنع اجتماعهما في زمان واحد، أما في زمانين فلا. قلنا: قد يقال: إذا وجد هذا في زمان، وذلك (١) في زمان غيره، فلا اجتماع أصلًا، وإنما تقرير الكلام وتحسينه وإجراؤه على أسلوب الحق الذي تقبله الفِطْرة (٢) السليمة وتَنْبُو عنه الأذهان السَّقيمة فـ "الواو" ما أحرره قائلًا: إذا قلت: قام زيد وعمرو فـ "الواو "تقتضي مطلق الجَمْعِ، لا ترتيب في ذلك ولا مَعِيَّة، ونسبة الترتيب والمعية إليها على حد سواء كما سبق في موضعه، ثم الجمع ضم شيء إلى شيء، ولا يعقل ذلك إلا حالة التركيب، وإلا فلا انضمام، ولكن الانضمام في قولك: قام زيد وعمرو يصدق إما بحصول قيامهما في الوجود من غير نظر إلى صفته ووقته كما تقول: وجد الشافعي والغزالي، فإنك تشرك بينهما في أصل الوجود مع تَبَايُنِ زمانهما. وإما بحصول قيامهما على وَجْهٍ خاص من مَعِيَّة أو غيرها؛ وأمر "الواو" أعم من ذلك كله، فقد لاح بهذا حُصُول معنى الجمع مع عدم الدّلالة على الجَمْعِ الخاصّ الذي هو المَعِيَّة بخصوصه، وبه يخرج الجواب عن قولنا: لا يصدق الجَمْع إلا في زمان واحدٍ، فإنه يقال: أي جمع؟ أصل الجمع أو الجمع الخَاصّ الذي هو المَعِيَّة؟ إن أريد الأول فمسلّم وقد حصل اجتماع الصِّدق والكذب في الحكم بقَبُولِ الخبر إياهما وأصل وجدانهما في الخارج، كما حصل اجتماع قيام زيد وعمرو في حكمك بقيامهما، وأصل وقوع قيامهما في الخارج، وحصل وجود الشَّافِعِيّ والغزالي في حكمك به وأصل وقوعه. وإن أريد الثَّاني فممنوع؛ إذ "الواو" لا تقتضي ترتيبًا ولا مَعِيَّة.

стр. 843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وأنت أيها النَّاظر إذا انتهى بك التَّفهُّم فيما ألقيته إليك إلى هنا علمت أن الأكثرين حَدُّوا الخبر بما يحتمل الصِّدق والكذب، أو ما يدخله الصِّدق والكذب، ومرادهم: قبوله لهما معًا والقَبُول في حالة واحدة، وهو ملازم لكونه خبرًا، فحيث وجد احتمال الصدق والكذب من حيث هو خبر. وقد تعرض له ما يعيّن أحد محتمليه من وقوعه في كلام الصادق، أو غير ذلك، وعلمت أن القاضي قال: هذا صحيح، ولكن ربما أوهمت لفظة "الواو" اجتماع نفس الصدق والكذب، لا قَبُولهما، وذلك مجرد إيهام، ولا يصل إلى حد اللزوم. وإنما الحدود مراد بها الإيضاح، فينبغي إزالة هذا الإيهام، والإتيان بلفظ "أو". وأن إمام الحرمين قال: الأمر في هذا قريب، فإن إرادة القَبُول دون المقبول فيه ظاهرة، وكذلك ابن السَّمعاني. وأنَّا قُلْنا: بل الإتيان بلفظ "أو" قد يقال: إنها تفسد الحدّ بما أسلفناه. وأن المتأخرين فهموا أن الذي اعترض على هذا التعريف بهذا الاعتراض - وهو القاضي - ذكر أنه يستلزم اجتماع الصدق والكذب - ومنهم (١) المصنّف وليس كذلك، وإنما قُصَارى ما ذكره أنه يوهم ولا شكّ فيه، وإنما عارض إيهامه إيهام "أو" أيضًا فاستويا، وتترجّح "الواو" بما سبق. ويعلم بهذا أن جواب عبد الجَبَّار، وقوله: يصح دخولهما لُغَةً، غير محتاج إليه؛ لأن المراد قبول دخولهما إلا نفس دخولهما. ونحن في "شرح المنهاج" جرينا على كلام القَرَافِيّ وقلنا: اشتبه على إمام الحرمين تنافي القَبُولين بتنافي المَقْبُولين، وليس كذلك، والصَّوابُ ما ذكرناه هنا. ومن إمام الحرمين أخذنا أن تنافي القَبُولين غير تنافي المَقْبُولين - كما رأيت ذلك في كلامه - وبالله العصمة. واعلم أن قولنا: "المقبولين": عبارة تبعنا فيها القرافي، والصواب في التعبير أن يقال: قبول الشَّيئين، فالقبول واحد متعلّق بشيئين، والمقبول شيئان.

стр. 844

وَأَقْرَبُهَا قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ: كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ نِسْبَةً. قَالَ: "بِنَفْسِهِ" لَيَخْرُجَ نَحْوُ: "قَائِمٌ"؛ لأَنَّ الْكَلِمَةَ عِنْدَهُ: كَلَامٌ وَهِيَ تُفِيدُ نِسْبَةً مَعَ الْمَوْضُوعِ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ بَابُ "قُمْ" وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ كَلَامٌ يُفِيدُ بِنَفْسِهِ نِسْبَةً؛ إِمَّا لِأَنَّ الْقِيَامَ مَنْسُوبٌ؛ وَإِمَّا لِأَنَّ الطَّلَبَ مَنْسُوبٌ. وَالْأَوْلَى الْكَلَامُ الْمَحْكُومُ فِيهِ بِنِسْبَةٍ خَارِجِيَّةٍ، وَنَعْنِي: الْخَارِجَ ............ "فائدة" إطلاق المصنّف هنا لفظ القاضي على عبد الجَبَّار أراه وقع سهوًا، فإن أصحابنا الأصوليين لا يطلقون هذه اللفظة إلا على ابن البَاقِلَّاني، وإنما يطلقها على عبد الجَبَّار المعتزلة، وقد عطف عليه المعتزلة، فأوهم أنه ابن البَاقِلَّاني من وجهين. عادة الأشاعرة، واقتضاء العطف المغايرة. "فائدة أخرى" الشرح: قد عرفت أنه لا يردّ على تعريف عبد الجَبَّار إلا الدور، "و" ذكرت تعاريف أخر للخبر "أقربها" إلى الصَّواب عند المصنّف "قول أبي الحسين: كلام يفيد بنفسه نسبة". "قال بنفسه، ليخرج نحو قائم"، فإنه كلام عنده؛ "لأنَّ الكلمة عنده كلام"، فإنه عرف الكلام بالمنتظم من الحروف المتميّزة المتواضع عليها، وذلك يشمل الكلمة وغيرها. "ويرد عليه باب "قم" ونحوه" من أقسام الطلب، "فإنه كلام" بلا خلاف، و"يفيد بنفسه" من غير ضَمِيمَةٍ؛ لكونه جملة "نسبة" ما بأحد اعتبارين: "إما لأن القيام منسوب" إلى المخاطب؛ لأنه المطلوب منه، فيكون هو المنسوب إليه، لا مطلق القيام. "وإما لأن الطَّلب منسوب" إلى القائل؛ لأنه يدلّ على طلب مَنْسوب إليه دون مُطْلق الطَّلب، ولأبي الحسين أن يقول: أردت نسبة علم وقوعها منه، وبنفسه - أي: يكون هو مدلوله الذي وضع له، لا أن يكون لازمًا عقلًا - وقد صرَّح بالثَّاني في "المعتمد"، فخرج نحو "قم" إما باعتبار نسبة القيام إلى زيد؛ فلأنه لم يعلم وقوعها منه. وإما باعتبار نسبة الطلب إلى القائل؛ فلأنه عقلي ومراده الطلب. الشرح: "والأولى" - عند المصنّف - في تحديده أن يقال: "الكلام المحكوم فيه بنسبة خارجية" مطابقة للواقع، أو غير مطابقة، ليشمل الصَّادق والكاذب.

стр. 845

عَنْ كَلَامِ النَّفْسِ، فَنَحْوُ طَلَبْتُ الْقِيَامَ حُكْمٌ بِنِسْبَةٍ لَهَا خَارِجِيٌّ بِخِلَافِ "قُمْ". وَيُسَمَّى غَيْرُ الْخَبَرِ إِنْشَاءً وَتَنْبِيهًا. وَمِنْهُ: الْأَمْر، وَالنَّهْي، وَالْاِسْتِفْهَام، وَالتَّمَنِّي، وَالتَّرَجِّي، وَالْقَسَم، وَالنِّدَاءُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ نَحْوَ "بِعْتُ"، "وَاشْتَرَيْتُ"، وَ"طَلَّقْتُ" الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا الْوُقُوعُ - إِنْشَاءٌ، لِأَنَّهَا لَا خَارِجَ لَهَا، وَلِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ صِدْقًا وَلَا كَذِبًا، وَلَوْ كَانَ خَبَرًا لَكَانَ "ويعني" بالخارج: ما هو "خارج عن كلام النَّفس" المدلول عليه بذلك اللَّفظ، فيخرج باب الأمر، وأنه كلام محكوم فيه بِنِسْبَةٍ، ولكن ليست خارجيةً؛ إذ لا وجود له خارج نفس المتكلّم، [بل الشيء] (١) القائم بالنفس. وهذا بخلاف "طلبت القِيَامَ"؛ لأنه يدل على "الحُكْمِ بنسبة" الطَّلب إلى القائل، و"له" مطابق "خارجي" هو قيام الطلب بِذَاتِهِ. "ويسمى غير الخبر" - وهو ما لا يشعر بأن لمدلوله متعلّقًا خارجيًّا من الكلام "إنشاء" "أو [تنبيهًا] " (٢). "ومنه: الأمر" نحو: "قم"، "والنهي": لا تَقُم، "والاستفهام": هل قمت؟ "والتَّمنِّي": [الوافر]. لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ ........ … ................ "والترجي": ليت لي مالًا، "والقَسَم": والله لأفعلن، "والنداء": يا زيد، والعرض: ألا تنزل عندنا، فتصيب خيرًا، والتَّحضيض وصيغة هَلَّا. وألَّا ولو ولولا ولوما، فكل هذه ليست إخبارات - وهذه طريقة المصنّف، ولغيره طريقة أخرى الأمر فيها سهل (٣). الشرح: "والصَّحيح: أن نحو: بعت، واشتريت، وطلّقت (٤) التي يقصد بها الوقوع" واستحداث حكم "إنشاء"، لا إخبار - خلافًا للحنفيَّة - "لأنها لا خارج لها"، إذ لا يوجد البيع خارجًا عن قول القائل: بعت، فذهب عنها خاصيَّة الخبر، "ولو كان" معناها "خبرًا لكان ماضيًا" لاستحالة كونه مستقبلًا، "ولم يقبل التعليق" - لو كان ماضيًا، لاستحالة التعليقات فيه، لكنه يقبله

стр. 846

مَاضِيًا، وَلَمْ يَقْبَلِ التَّعْلِيقَ، وَلِأَنَّا نَقْطَعُ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَلِذلِكَ لَوْ قَالَ لِلرَّجْعِيَّة: "طَلَّقْتُكِ" - سُئِلَ. أَقْسَامُ الْخَبَرِ الْخَبَرُ صِدْقٌ وَكَذِبٌ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إِمَّا مُطَابِقٌ لِلْخَارِجِيِّ، أَوْ لَا. في العِتْقِ والطلاق، وبثبوت التَّعليق فيه ينتفي أيضًا كونه حالًا؛ إذ لا تعليق فيه،" [ولأنا نقطع] " (١) في الإنشاء والخبر "بالفَرْقِ بينهما". "وكذلك لو قال للرَّجعية: طلقتك، سئل" هل أردت الإخبار، أو الإنشاء؟ واحترزنا بالرَّجعية عن البَائِنِ إذا أوقع عليها - وإن أراد الإنشاء - لأنها ليست [محلًا له] (٢). واعلم أن الذي قال: بأنه إخبار قال: إخبار عما في الذهن، ومعنى قولك: بعت، الإخبار عن اشتمال ضميرك على التَّرَاخي الذي وضعت "بعت" للدلالة عليه، فيقدر للضرورة وجودها قبل اللَّفظ. قالوا: وغاية ذلك أن يكون مجازًا، وهو أولى من النقل. ولا يخفى عليك أن كلامنا في "بعت" و"اشتريت" المستعملة لإحداث أحكام لم يكن قبلها، وإلا فهي إخبارات بلا نَظَرٍ، وإن وضعها اللّغوي مع ذلك الخبر، ولكن الكلام في النَّقْل الشرعي. ومن الإنشاءات الشَّرعية "الظّهار". ودعوى القرافي: أنه إخبار مسبوق إليها، فإن الرَّافعي نقله عن بعض أصحابنا في الفصل الثَّاني في التعليق بالمَشِيئَةِ من "كتاب الطلاق". ولكنه شيء ضعيف، وقد تكلمنا عليه في "شرح المنهاج" (٣). الشرح: "الخبر" (٤): قسمان: "صدق وكذب، لأن الحكم إما مطابقٌ للخارج، أو لا".

стр. 847

الْجَاحِظُ: إمَّا مُطَابِقٌ مَعَ الاِعْتِقَادِ وَنفيِهِ، أَوْ لَا مُطَابِقَ مَعَ الاِعْتِقَادِ وَنَفْيهِ: فَالثانِي فِيهِمَا لَيْسَ بِصِدْقٍ وَلَا كَذِبٍ، لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨]، وَالْمُرَادُ الْحَصْر، فَلَا يَكُونُ صِدْقًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْتَقِدُونَهُ. الأول: الصدق. والثَّاني: الكذب. وادَّعى "الجاحظ" (١): أنه ثلاثة أقسام: صدق، وكذب، وما ليس بصدق ولا كذب فقال: "إما مطابق مع الاعتقاد"، [لكونه مطابقًا، "ونفيه" - أي: نفي الاعتقاد، لكونه مطابقًا، "أو لا مُطَابق مع الاعتقاد] " (٢) لعدم المُطَابقة "ونفيه، فالثاني فيهما" - هو ما لا اعتقاد معه سواء أكان (٣) مطابقًا (٤)، أم لا، "ليس بصدق ولا كذب"، محتجًّا مستندًا "لقوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨]. "والمراد: الحَصْر" في الافتراء والجنون، ضرورة عدم اعترافهم بصدقه، فعلى تقدير كونه كلام مجنون "لا يكون صدقًا؛ لأنهم لا يعتقدون" صدقه ولا كذبه؛ لأنه قسيم الكذب على ما زعموا، فثبتت الوَاسِطَةُ بين الصّدق والكذب. "وأجيب: بأن المعنى: افترى" على الله كذبًا، "أم لم يفتر فيكون مجنونًا؛ لأن المجنون لا

стр. 848

وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَعْنَى افْتَرَى أَوْ لَمْ يَفْتَرِ، فَيَكُونُ مَجْنُونًا؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا افْتِرَاءَ لَه، سَوَاءٌ أَقصَدَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ لِلْجُنُونِ. قَالُوا: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: "مَا كَذَبَ وَلكِنَّهُ وَهِمَ". وَأُجِيبَ بِتَأْوِيلِ: "مَا كَذَبَ عَمْدًا. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مُعْتَقِدًا فَصِدْقٌ، وَإِلَّا فَكَذِبٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. افتراءَ له"، فلا يكون ما ذكره إخبارًا - وإن اتَّصف بصفة الإخبار كما في كلام السَّاهي والنائم، أو يكون المعنى "أقصد" الإخبار، "أو لم يقصد، للجنون" فلا يكون ما أتى به خبرًا، لعدم القَصْد الذي هو شرط الإخبار. والحاصل: أن الافتراء أخصّ من الكذب، ومُقَابله قد يكون كذبًا، وإن سلم فقد لا يكون خبرًا. "قالوا": في "الصَّحيحين": "قالت عائشة: "ما كذب" - يعني عبد الله بن عمر - إذ روى أن الميّت ليعذّب ببكاء أهْلِهِ "ولكنه وهم"" إنما قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" (١). فالموهوم واسطة بين الصادق والكاذب. "وأجيب: بتأويل" قولها: ما كذب على أنه "ما كذب عمدًا. فلا يكون الموهم مقابلًا للكذب المطلق، بل الكذب المقيّد بالعمدية. الشرح: "وقيل": لَا وَاسِطَةَ بين الصِّدق والكذب (٢)، لكن [لا] (٣) نعني المذهب الأول، بل "إن كان" المخبر بالوَاقِعِ "معتقدًا" لصدق ما أخبر به، وقد طابق "فصدق، وإلا فكذب"، سواء كان غير مطابق مع اعْتِقَادِ المطابقة، أو اعتقاد عدمها، أو لا اعتقاد رأسًا، أو مطابقًا ولا اعتقاد لشكّ أو غيره - هذا هو معنى هذا القول على ما فهم الشُرَّاحُ.

стр. 849

وَأُجِيبَ: "لَكَاذِبُونَ فِي شَهَادَتِهِمْ"؛ وَهِيَ لَفْظِيَّةٌ. "وَيَنْقَسِمُ إِلَى مَا يُعْلَمُ صِدْقُه، [وَإلَى مَا يُعْلَمُ كَذِبُهُ]، وَإِلَى مَا لَا يُعْلَمُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا: وقيل: - وهو (١) الأظهر - معناه: الصدق، مطابقة الخبر لاعتقاد المخبر، وإن كان غير مُطَابق لما في الخارج، وكذبه عدمها، وإن طابق الواقع؛ "لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] ". سَمَّاهم كاذبين في قولهم: "إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ" مع المطابقة للواقع؛ لأنهم لم يكونوا معتقدين. "وأجيب": بأن المعنى: أن المنافقين "لكاذبون في شهادتهم"، لا في إخبارهم. ولك أن تقول: الشهادة: إنشاء فكيف يكذبون فيها؟ فليكن المعنى: لكاذبون في إخبارهم عن أنفسهم أنهم يشهدون، فإنهم لا يَشْهَدون؛ إذ الشهادة لا بد معها من الاعتقاد، وهم لا يعتقدون. وفيه بحث طويل ذكرناه في مكان آخر. "وهي" - أي: المنازعة فيما نحن فيه - "لفظية"، ولا مُشَاحَّة في الاصطلاح. وذهب الرَّاغب إلى أن الصدق: المُطَابقة مع الاعتقاد، فإن فقدا لم يتمخض صدقًا بل إما ألَّا يكون صدقًا، أو يوصف بالصدق والكذب بنظرين مختلفين إذا كان مطابقًا للخارج غير مطابق للاعتقاد؛ كقول المُنَافقين: "نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ". اعلم أن المصنّف لما ذكر أن الخلاف لَفْظِيّ هوَّن المسألة، فلذلك لم يذكر دليله على المذهب المُخْتَار. ومن الأدلة فيه قوله ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا" لدلالته على انقسام الكذب إلى العَمْدِ وغيره، وقول ابن عباس: كذب نوف - حين قال نوف البكالي - ليس صاحب الخضر موسى بني إسرائيل. وذكر أخي الإمام أبو حامد - تَغَمَّدَه الله برحمته - في "شرح التلخيص": قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا [أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ]﴾ [سورة النحل: الآية ٣٩]، وهو حسن مذكر. الشرح: "وينقسم" الخبر بالنَّظر إلى علم الصّدق، وكذبه أقسامًا ثلاثة: "إلى ما يعلم

стр. 850

فَالأَوَّلُ: ضَرُورِيٌّ بِنَفْسِهِ؛ كَالْمُتَوَاتِرِ، وَبِغَيْرِهِ؛ كَالْمُوَافِقِ لِلضَّرُورِيِّ، وَنَظَرِيٌّ؛ كَخَبَرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَرَسُولِهِ ﷺ والْإِجْمَاعِ وَالْمُوَافِقِ للنَّظَرِ. وَالثَّانِي: الْمُخَالِفُ لِمَا عُلِمَ صِدْقُهُ. وَالثَّالِثُ: قَدْ يُظَنُّ صِدْقُهُ؛ كَخَبَرِ الْعَدْلِ، وَقَدْ يُظَنُّ كَذِبُه، كَخَبَر الْكَذَّابِ، وَقَدْ يُشَكُّ؛ كَالْمَجْهُولِ، وَمَنْ قَالَ: "كُلُّ خَبَرٍ لَمْ يُعْلَمْ صِدْقُهُ فَكَذِبٌ قَطْعًا؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ صَادِقًا صدقه، وإلى ما يعلم كذبه، وإلى ما لا يعلم واحدٌ منهما" (١). "فالأول" قِسْمَانِ: "ضروري"، ونظري. والضروري؛ إما ضروري "بنفسه" - أي: بنفس الخبر، فيفيد العلم الضروري بمضمونه من [غير التفات إلى شيء آخر "كالمتواتر"، "أو "ضروري "بغيره" - أي: استفيد العلم بمضمونه] من أمر وراء الخبر - وهو الموافق للعلم الضَّروري "كالموافق" من الأخبار "للضروري" - أي: للعلم الضروري مثل: الكُلّ أعظم من الجزء. "ونظريٌّ: كخبر الله - تعالى - ورسوله ﷺ "، "و "خبر أهل "الإجماع"، "و" الخبر "الموافق للنَّظر" الصَّحيح في القَطْعِيَّات، كخبر مَنْ وافق خبره خبر الصَّادق. "والثاني": وهو ما علم كذبه، هو الخبر "المُخَالف لما علم صدقه" من الأقسام المذكورة. "والثالث": وهو ما لم يعلم صدقه ولا كذبه، ثلاثة أقسام؛ لأنه "قد يظن صدقه؛ كخبر العدل، وقد يظن كذبه؛ كخبر الكَذَّاب، وقد يشكّ؛ كالمجهول". "و" اعلم أن "من قال: كلّ خبر لم يعلم صدقه [فكذب] (٢) قطعًا؛ لأنه لو كان صدقًا لنصب عليه دليل" - يدلنا على صدقه - "كخبر مدعي الرِّسالة" - إذا كان كاذبًا في دعواه -، فإنه إذا لم يعلم صدقه يكون كاذبًا [قطعًا] (٣)، فقوله "فاسد"؛ لأنه معارض "بمثله في النقيض" - بأن يقول: كلّ خبر لم يعلم كذبه، فصادق قطعًا، وإلا لنصب على كذبه دليل قياسًا على دعوى المُتَنَبِّي، أو لجريان مثله في نقيض ما أخبر به إذا أخبر به آخر، فيلزم اجتماع النقيضين، ويعلم بالضرورة وقوع الخبر بهما. "و" فاسد أيضًا من جهة "لزوم كذب كلّ شاهد" - أي: يلزم منه العلم بكذب كلّ شاهد لم

стр. 851

لَنُصِبَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؛ كَخَبَرِ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ" - فَاسِدٌ بِمِثْلِهِ فِي النَّقِيضِ، وَلُزُومِ كَذِبِ كُلِّ شَاهِدٍ، وَكُفْرِ كُلِّ مُسْلِمٍ؛ وَإنَّمَا كُذِّبَ الْمُدَّعِي لِلْعَادَةِ. وَيَنْقَسِمُ إَلَى مُتَوَاتِرٍ وَآحَادٍ. فَالْمُتَوَاتِرُ: خَبَرُ جَمَاعَةٍ مُفِيدٌ بِنَفْسِهِ الْعِلْمَ بِصِدْقِهِ، وَقِيلَ: بِنَفْسِهِ .......... يعلم صدقه؛ لعدم الدَّليل عليه، "و" لزوم "كُفْر كلّ مسلم" في دعوى إسلامه؛ إذ لا دليل على ما في بَاطِنِهِ. "و" أمَّا القياس على مُدَّعي خبر الرسالة فلا يصحُّ؛ لأنه "إنما كذب مدعي" الرِّسالة، إذا لم تظهر (١) المُعْجِزَةُ على يديه "لِلْعَادَةِ" - أي: لم يكذب لعدم العلم بصدقه، بل للعلم بكذبه؛ لأنه بخلاف العادة؛ إذ العادة فيما خالفها أن يصدق بالمعجزة، ويكذب بفقدها. الشرح: "وينقسم" الخبرُ باعتبار آخر "إلى مُتَوَاتر، وآحاد". وذكر كثير من أئمتنا؛ كالمَاوَرْدِيّ - في "الحاوي" - والأستاذ أبي إسحاق، وغيرهما "المستفيض"، والمتأخرون على خلافه. الشرح: "فالمتواتر (٢): خبر جماعة يفيد بنفسه العِلْمَ بصدقه.

стр. 852

لِيَخْرُجَ مَا عُلِمَ صِدْقُهُمْ فِيهِ بِالْقَرَائِنِ الزَّائِدَةِ عَلَى مَا لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ عَادَةً - وَغَيْرِهَا. وَخَالَفَتِ السُّمَنِيَّةُ فِي إِفَادَةِ الْمُتَوَاتِرِ، وَهُوَ بَهْتٌ؛ فَإِنَّا نَجِدُ الْعِلْمَ ضَرُورَةً بِالْبِلَادِ النَّائِيَةِ، وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْخُلَفَاءِ، بِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ، وَمَا يُورِدُونَهُ ........ وقيل: بنفسه؛ ليخرج ما علم - أي: الخبر الذي علم - "صدقهم فيه بالقَرَائِنِ الزَّائدة على ما لا ينفكُّ عنه عادة". وقيد القَرَائِن بالزَّائدة؛ لأن من القرائن ما يلزم الخبر من أحوال الخَبَرِ، والمخبر عنه، والمخبر، والمخبر به، ولذلك يتفاوت عدد المتواتر. ومنها ما يزيد على ذلك من الأمور المنفصلة وهو المقصود. "وغيرها" أي: أو علم صدقهم فيه بغيرها كالعلم بمخبره ضرورة أو نظرًا. والحاصلُ: أنه قد يقع العلم لا بنفس الخَبَرِ، بل إما بقرائن زائدة، أو غيرهما، والمتواتر ليس ذاك. الشرح: "وخالف السُّمَنِيَّةُ في إفادة المُتَوَاتر" العلم، "وهو بهت، فإنا نجد العلم ضرورة بالبلاد النَّائية (١)، والأمم الخَالِية، والأنبياء" صلوات الله عليهم "والخلفاء بمجرد الأخبار" المتواترة (٢)؛ كما نجد العلم بالمَحْسُوسَات، لا فرق فيما يعود إلى الجَزْمِ (٣)، فلو لم يفد المتواتر [العلم] (٤)، لم نجد هذه الأشياء، والمنكر للوجدان مُبَاهِتٌ. "وما يوردونه" - أي: السُّمَنِيَّة من شُبَهِهِمْ على المتواتر "من أنه" لم يُفِدْ؛ لأن اجتماع الخلق العظيم على الإخبار بشيء معيّن "كأكل طَعَام واحد" في وقت واحد. "و" من "أن الجملة مركبة من الواحد" بعد الواحد، وكلّ واحد من المخبرين يجوز عليه

стр. 853

مِنْ "أَنَّهُ كَأَكْلِ طَعَامٍ وَاحِدٍ؛ وَأَنَّ الْجُمْلَةَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْوَاحِدِ، وَيُؤَدِّي إِلَى تَنَاقُضِ الْمَعْلُومَيْنِ، وَإِلَى تَصْدِيقِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ فِي "لَا نَبِيَّ بَعْدِي"، وَبِأَنَّا نَفْرُقُ بَيْنَ الضَّرُورِيِّ وَبَيْنَهُ ضَرُورَةً، وَبِأَنَّ الضَّرُورِيَّ يَسْتَلْزِمُ الْوِفَاقَ" - مَرْدُودٌ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ. وَالْكَعْبِيُّ وَالْبَصْرِيُّ: نَظَرِيٌّ. الكَذِبُ حالة الانفراد فليستمرّ حالة الاجتماع، وإلا انقلب الجائز ممتنعًا، ومن أنه "يؤدي" - لو أفاد العِلْم - "إلى تناقض المعلومين" بتقدير أن يجتمع من يمنع تواطؤهم على الكذب على الإخبار بحياة زيد، ومثلهم على الإخبار بموته، ومن أنه يؤدي إلى "تصديق اليهود والنَّصارى في" نقلهما عن موسى وعيسى أن كلًّا منهما قال: "لا نبيّ بعدي، وبأنا نفرق بين الضَّروري" كاعتقادنا أن الواحد نصف الاثنين - "وبينه" - كاعتقادنا البلاد النائية (١) "ضرورة" - ونجد هذا دون ذلك، والتفاوت في الضروريات باطلٌ فلم يكن ضروريًّا، "وبأن الضروري يستلزم الوفاق"، واشتراك العقلاء فيه، وهذا نحن فيه مخالفون - "مردود"، أي: جميع ما أوردوه من هذه الاعتراضات مردود. ولما كان وجه ردّه واضحًا، لم نطل (٢) بذكره. ثم اختلف القائلون بإفادة المُتَواتر العلم، هل هو ضروري، أو نظري؟ الشرح: "والجمهور على أنه ضروري" (٣). "والكعبي والبَصْري" على أنه "نظري" (٤)، واختاره إمام الحرمين، إلا أنه نزله على مجمل (٥) لا يصير في المسألة نزاعًا فقال: الذي أراه تنزيل مذهبه عند كثرة المخبرين، على النظر في ثبوت إحالة جامعة (٦)، وانتفائها، فلم يغن الرجل نظرًا عقليًّا، وفكرًا سَبْريًّا على مقدمات ونتائج.

стр. 854

وَقِيلَ: بِالْوَقْفِ. لَنا: لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا - لَافْتَقَرَ إِلَى تَوَسُّطِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَلَسَاغَ الْخِلَافُ فِيهِ عَقْلًا. وَأَبُو الْحُسَيْنِ: لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا - لَمَا افْتَقَرَ، وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بَعْدَ عِلْمِ أَنَّهُ مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ، وَأَنَّهُمْ عَدَدٌ لَا حَامِلَ لَهُمْ، وَأَنَّ مَا كَانَ كَذلِكَ لَيْسَ بِكَذِبٍ: فَيَلْزَمُ النَّقِيضُ. وقال الغزالي: إنه ضروري بمعنى أنه لا يحتاج في حصوله إلى الشعور (١) بتوسُّط واسطة مُفْضِية إليه، مع أن الواسطة حاضرةٌ في الذهن، وليس ضروريًّا، بمعنى أنه حاصل من غير واسطة (٢). وهذا هو الذي اختاره الإمام الرَّازي وأتباعه - وأراه رأى إمام الحرمين والجمهور، فلا خلاف. "وقيل بالوَقْفِ" - واختاره المرتضى والآمدي (٣). "لنا: لو كان نظريًّا لافتقر إلى توسُّط المقدّمتين"، وليس مفتقرًا؛ لأنا نعلم قطعًا علمًا بما ذكرنا من المُتَوَاتر مع انتفاء ذلك. ولك أن تقول: إن أردت بتوسطها حضورها في الذِّهْنِ فهما حاضرتان، وإن أردت توقُّف الذِّهن على العلم حتى يرتبها (٤) فلا يلزم، وهذا هو ما قدمناه عن الغَزَاليّ. "و" أيضًا: لو كان نظريًّا "لساغ (٥) الخِلَافُ فيه عقلًا"، ولم يعد الخلاف مباهتًا مكابرًا. الشرح: "و" استدلّ ["أبو الحسين" (٦) على أنه نظري فقال] (٧): "لو كان ضروريًّا لما افتقر" إلى توسط المقدمتين، "و" لكنه مفتقر؛ إذ "لا يحصل إلا بعد علم أنه من المحسوسات، وأنهم عدد لا حامل لهم، وأن ما كان كذلك، فليس بكذب فلزم النقيض" - وهو أنه صدق. "وأجيب: بالمنع" منع (٨) احتياجه إلى سبق العلم بذلك - "بل إذا حصل" العلم بمدلول

стр. 855

وَأُجِيبَ: بِالْمَنْع؛ بَلْ إِذَا حَصَلَ عُلِمَ أَنَّهُمْ لَا حَامِلَ لَهُمْ، لَا أَنَّهُ مُفْتَقِرٌ إِلَى سَبْقِ عِلْمِ ذلِكَ، فَالْعِلْمُ بِالصِّدْقِ ضَرُورِيٌّ، وَصُورةُ التَّرْتِيبِ مُمْكِنَةٌ فِي كُلِّ ضَرُورِيٍّ. قَالُوا: لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا، لَعُلِمَ أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ ضَرُورَةً. قُلْنَا: مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الشُّعُورِ بِالْعِلْمِ ضَرُورَةً الشُّعُورُ بِصِفَتِهِ. الخبر "علم" من حال المُخْبرين؛ "أنهم لا حامل لهم" على الكَذِب؛ "لأنه مفتقرٌ إلى سبق علم ذلك، فالعلم بالصدق" في المُتَواتر "ضروري"، لا نظري. وأما صورة التَّرْتيب في المقدّمتين، فإنها ممكنةٌ في كل ضروري، ولا يلزم من ذلك كونه نظريًّا. وذلك كقولنا: الاثنان نصف الأربعة؛ لانقسام الأربعة إليهما وإلى ما يساويهما، وكل عدد انقسم إلى عدد آخر وإلى ما يساويه، وكل واحد من ذينك القسمين نصف ذلك العدد، وقس عليه فلا تتخيلن أن وجدان صورة الترتيب يستلزم النَّظر؛ لأنا أريناكها حيث يتضح الضروري. والحاصل: أن العلم بالصدق ضروري يحصل بالعادة لا بالمقدمتين، فاستغنى عن الترتيب، وإلا تنافيه صورة الترتيب. والحقُّ: أن المقدمتين لا بُدَّ منهما بالمعنى الذي ذكره الغَزَالي، فإن أراد أبو الحسين بالافتقار ما ذكره فحق، وإلا فواضح البطلان. "قالوا: لو كان ضروريًّا لعلم أنه ضروري ضرورة"؛ لأن حصول العلم الضروري للعالم (١) مع عدم شعوره به محال. "قلنا": الجواب بالمعارضة وبالحل فنقول: "معارض بمثله"، وبأن يقال: لو كان نظريًّا لعلم أنه نظري ضرورة؛ لأن حصول العِلم النَّظري مع انتفاء الشعور به محال. "و" الحل: أنه "لا يلزم منه الشُّعور بالعلم" بالشَّيء "ضرورة" العلم "بصفته" - أي: بصفة العلم به، وكون العلم ضروريًّا صفة له كما أن كونه نظريًّا صفة له، فلا يلزم من العلم بالمتواتر العلم بكونه ضروريًّا؛ إذ لا يلزم من العلم بالشيء العلم بصفته.

стр. 856

شَرْطُ الْمُتَوَاتِرِ وَشَرْطُ الْمُتَوَاتِرِ: تَعَدُّدُ الْمُخْبِرِينَ، تَعَدُّدًا يَمْنَعُ الاِتِّفَاقَ وَالتَّوَاطُؤَ، مُسْتَنِدِينَ إِلَى الْحِسِّ، مُسْتَوِينَ فِي الطَّرَفَيْنِ وَالْوَاسِطَةِ، "وَعَالِمِينَ": غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ الْجَمِيعُ فَبَاطِلٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بَعْضٌ فَلَازِمٌ مِمَّا قُيِّدَ. الشرح: "وشرطُ المتواتر" أمور: الأول: "تعدُّد المخبرين تعددًا يمنع الاتفاق" على الكذب، "والتواطؤ" فيه (١). والثَّاني: أن يكون المخبرون (٢) "مستندين" في إخبارهم "إلى الحس"، لا إلى دليل عقلي، وهذا قد ذكره جماعة معتلّين بقولهم، [إن العقلي قد يثبته على الجمع الكثير كحدوث العالم على الفلاسفة]، ولم يشترط القاضي، وإمام الحرمين، وابن السّمعاني، والإمام، والمَازِرِيّ - الحس، بل اكتفوا بالعلم الضروري. ووجَّهَهُ إمام الحرمين بأنهم قد يخبرون عما علموه بالقَرَائِنِ كإخبارهم عن الخَجَلِ الذي علموه من قرائن الحال، فهذا العلم وإن استند إلى الحس على وجه ما، فمجرد المحسوس لا يكفي في وقوع العلم؛ لأن الحمرة إنما يدرك بالحس ذاتها، وحمرة الخجل كحمرة الغضب، وإنما يفرق بينهما بأمر تدقُّ عن ضبطه العبارة. ولك أن تقول: القَرَائِنُ تستند إلى المحسوس؛ ضرورة أنها لا تخرج عن كونها حالية أو مقالية، وهما محسوسان وإن كان فيها أمور دقيقة يعسر التعبير عنها. قال أبو الحسن بن الأنباري: والإنسان يحس الفرق بين حُمْرة الخَجَلِ والغضب، وإن تعذّر عليه التعبير. فإن قلت: لم يشترطون الحسّ أو العلم الضروري، ولم لا يقولون (٣) بالإفادة إذا وقع عن علم نظري؟. قلت: المسلمون والنَّصارى واليهود يبلغون من الكَثْرَةِ ما يفوت الإحصاء، ويخبرون عن حدوث (٤) العالم، ولا يقع العلم الضروري بخبرهم.

стр. 857

وَضَابِطُ الْعِلْمِ بِحُصُولِهَا حُصُولُ الْعِلْمِ لَا أَنَّ ضَابِطَ حُصُولِ الْعِلْمِ، سَبْقُ الْعِلْمِ بِهَا. وَقَطَعَ الْقَاضِي بِنَقْصِ الْأَرْبَعَةِ وَتَرَدَّدَ فِي الْخَمْسَةِ. وَقِيلَ: اثْنَا .......... والسّر فيه: أنهم أسندوا ذلك إلى دليل، فكيف يكونون هم لا يعلمون ما يخبرون عنه بالضرورة، وهم أصل في هذا الخبر، ثم يعلمه ضرورة من سمعه منهم وهو كالفرع عنه، فيصير الفرع أقوى من أصله. والثالث: أن يكونوا "مستوين في الطرفين والواسطة" تعددًا يمنع التواطؤ على الكذب، واستنادًا إلى الحس، "و" كونهم "عالمين" بما أخبروه لا ظانين أو مُجَازفين - صرح باشتراطه القاضي في "مختصر التقريب" وغيره. قال المصنّف: إنه "غير محتاجٍ إليه؛ لأنه إن أريد" علم "الجميع فباطل"؛ لجواز أن يكون بعضهم ظانًّا، ومع ذلك يحصل العلم. وعندي هنا وَقْفَة، فقد يقال: إن العلم لا يحصل إلا إذا علم الكُلّ. "وإن أريد علم بعض فلازم مما (١) قيل" في الشرط الثاني؛ لأنَّ الاستناد إلى الحس يوجب أن يكون المحسون عالمين به. "وضابط العلم بحصولها" - أي: حصول هذه الأمور المشترطة - "حصول العلم" بصدق الخبر المتواتر، وإذا حصل العلم بصدقه علم اجتماع الشَّرائط، "ألا إن ضابط حصول العلم" بصدق المتواتر، "سبق العلم بها"، فقد يحصل العلم بصدق المتواتر وإن لم يتقدمه حصول العلم بهذه الأمور. الشرح: "وقطع القاضي بنقص الأربعة" عن حد التواتر - ونصّ على ذلك في "مختصر التقريب" - وهو رأي أكثر أصحابنا؛ كما نقله ابن السَّمعاني، "وتردد في الخمسة"، هل تصلح لإفادة العلم؟ وأكثر أصحابنا لم يترددوا، بل قالوا: إنها صالحة، ثم لا يقول أصحابنا: كل خمسة تفيد، بل يقولون: باختلاف الوقائع والأحوال.

стр. 858

عَشَرَ. وَقِيلَ: عِشْرُونَ. وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ. وَقِيلَ: سَبْعُونَ. وَالصَّحِيحُ يَخْتَلِفُ. وَضَابِطُهُ مَا حَصَلَ الْعِلْمُ عِنْدَهُ لِأَنَّا نَقْطَعُ بِالْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ لَا مُتَقَدِّمًا وَلَا مُتَأَخِّرًا وهنا يفارق رأيهم رأي القاضي؛ إذ من أصله أن الكثرة الذين يقع بهم العلم - لا يصح تبدُّل حالهم حتى يقع بهم مرة دون أخرى. وقد تكلّمنا معه في "التعليقة" بما لا نطيل بإعادته. وما نقلناه عن أكثر أصحابنا من القَطْعِ بأن الأربعة لا تفيد، وأن الخمسة فصاعدًا صالحة، نقله ابن السَّمْعاني، ودليله: العادة، فإنها اطَّردت في عدم إفادة الأربعة، واختلف فيما فوقها حسب اختلاف الوقائع والأحوال. والذي صرح به القاضي في "مختصر التقريب": أن أقل عدد التواتر مما لا ينضبط. ومقتضى كلامه: أن الخمسة كالعشرة، وأنَّ الضبط بها متعذّر، فلا يصح نقل من نقل عنه أن السِّتة صالحة، بل السِّتة والخمسة عنده سواء، وتوقّفه في الخمسة كتوقفه في السِّتَّة. وقال الإصْطَخْرِي من أصحابنا: لا يجوز أن يتواتر بأقلّ من عشرة؛ لأن ما دون العشرة جمع الآحاد، فاختص بأخبار الآحاد، والعشرة فما زاد جمع الكثرة. "وقيل: اثنا عشر"؛ لأنهم عدد النقباء لبني إسرائيل. "وقيل: عشرون"، لذكر الله سبحانه هذا العدد في عدد الصابرين في القتال، قال تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ [سورة الأنفال: الآية ٦٥]. "وقيل: أربعون"؛ لأنهم عدد نصاب الجمعة. "وقيل: سبعون"؛ لقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٥٥]. وذكرت (١) أقاويل أخر مثل هذه الأقاويل في السَّخَافة والنُّكر. "والصحيح": أن العدد "يختلف" بحسب المخبرين، والوقائع، وغير ذلك. "وضابطه: ما حصل العلم عنده"، وكل خبر حصل عنده العلم - كان هو العدد المتواتر بالنِّسْبة إلى ذلك الخبر.

стр. 859

وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ قَرَائِنِ التَّعْرِيفِ وَأَحْوَالِ الْمُخْبِرِينَ وَالاِطِّلَاعِ عَلَيْهِمَا وَإِدْرَاكِ الْمُسْتَمِعِينَ وَالْوَقَائِعِ. وَشَرَطَ قَوْمٌ الْإِسْلَامَ وَالْعَدَالَةَ؛ لإِخْبَارِ النَّصَارَى بِقَتْلِ الْمَسِيحِ. ثم أكثر الشَّافعية - كما قدمنا - يقولون: لا يتصوّر حصول العلم بالأربعة، والمتأخرون سكتوا عن هذا. وقضيةُ إطلاقهم وردّهم على القاضي تجويز حصول العلم بالأربعة - والأمر هنا سهل، فإن المدار فيه على حصول العلم، وإنما جعل المتأخرون ضابطه حصول العلم من غير نظر إلى عدد مخصوص؛ "لأنّا نقطع بالعلم من غير علم بعدد مخصوص"؛ كالعلم بوجود البلاد النَّائية (١)، والأشخاص الماضية؛ إذ لا نعلم فيه عددًا مخصوصًا "لا متقدمًا" على العلم بصدق الخبر المتواتر، "ولا متأخرًا" عنه. فلو أوجب وجب عدد مخصوص العلم لم يحصل إلَّا بعد تحقق وجود ذلك العدد - وهذا واضح في الرد على من يدعي حصول العلم بعدد مخصوص، ونحن معاشر الشَّافعية لا نقول بذلك، وإنما ننفي حصول العلم بقول الأربعة، وكلما نذكر مما (٢) حصل العلم فيه، فإن الخمسةَ فيما زاد عليها موجود فيها، ولن يجد أحد سبيلًا إلى إيراد خبر كان المخبرون فيه أربعة فأقل، وحصل العلم به بمجرد ذلك. "ويختلف" عدد التَّوَاتر "باختلاف قَرَائِنِ التعريف" - أي: القرائن المقترنة بالخبر المفيدة للعلم بالمخبر عنه، "وأحوال المخبرين" صلاحًا، وصدق قول، وغير ذلك. "و" يختلف أيضًا باختلاف "الاطِّلاع عليهما" - أي: القرائن وأحوال المخبرين. "و" باختلاف "إدراك المستمعين"؛ لاختلافهم في الأفهام والقرائح. وباختلاف "الوقائع" - من عظم الواقعة وحَقَارتها؛ فإن حصول العلم مختلف باختلاف ما ذكرناه، فلو كان ضابط حصول العلم هو العدد المخصوص؛ لما اختلف عند حصوله. الشرح: "وشرط قوم الإسلام" (٣)، "و" آخرون "العدالة؛ لإخبار النَّصَارى بقتل المسيح"،

стр. 860

وَجَوَابُهُ اخْتِلَالٌ فِي الْأَصْلِ وَالْوَسَطِ. وَشَرَطَ قَوْمٌ أَلَّا يَحْوِيَهُمْ بَلَدٌ. وَقَوْمٌ: اخْتِلَافَ النَّسَبِ وَالدِّينِ وَالْوَطَنِ. وَالشِّيعَةُ: الْمَعْصُومَ دَفْعًا لِلْكَذِبِ. وَالْيَهُودُ: أَهْلَ الذِّلَّةِ فِيهِمْ دَفْعًا لِلتَّوَاطُؤِ لِخَوْفِهِمْ وَهُوَ فَاسِدٌ. فإنه (١) لم يحصل العلم، وما ذاك إلا لكفرهم؛ فإن الكفر عُرْضَةُ الكَذِبِ والتَّحريف. وكذلك إخبار الإمامية عن نصِّ علي ﵁، وما ذلك إلا لِفِسْقِهِمْ، والفسق عُرْضَة الكذب أيضًا. "وجوابه": أنه ليس لما ذكر، بل حصل "اختلال (٢) في الأصل والوسط"، لأن الطبقة الأولى فيه لم يبلغوا عدد التواتر - وكذلك بعض طبقات الوسط. وقضية "بُخْتَنَصَّر" وقتله النَّصَارى بحيث لم يَبْقَ منهم قدر عدد التَّوَاتر - معروفة. وعبارة الآمدي ربما أوهمت أن مشترط الإسلام هو مشترط العَدَالة - وعليها جرى شارحو هذا المختصر. وليس كذلك، فلنا قائلان: أحدهما: مشترط الإسلام بمفرده. والآخر: مشترط العدالة التي هي أخص منه؛ ولذلك ذكر المصنّف لفظي الإسلام والعدالة، وإلا فلو كان المشترط واحدًا وشرطهما جميعًا، لأغنى ذكر العدالة عن ذكر الإسلام؛ لأنها أخَصّ [منه] (٣). "وشرط قوم ألا يحويهم بلد"؛ لاحتمال اتِّفَاق أهل بلد، وهو باطل، فإن أهل الجامع لو أخبروا عن سقوط الخَطِيبِ، لأفاد خبرهم العلم فضلًا عن أهل بلد. "وقوم: اختلاف النسب والدِّين والوطن". "والشِّيعة: المعصوم، دفعًا للكذب". وفسادهما واضح، وتزداد الشِّيعة أن العِصْمَةَ إذا حصلت، فأي حاجة إلى شيء آخر معها؟

стр. 861

وَقَوْلُ الْقَاضِي وَأَبِي الْحُسَيْنِ: كُلُّ عَدَدٍ أَفَادَ خَبَرُهُمْ عِلْمًا بِوَاقِعَةٍ لِشَخْصٍ فَمِثْلُهُ يُفِيدُ بِغَيْرِهَا لِشَخْصٍ - صَحِيحٌ بشَرْطِ أَنْ يَتَسَاوَيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَذلِكَ بَعِيدٌ عَادَةً. اخْتِلَافُ التَّوَاتُرِ فِي الْوَقَائِعِ (١) مَسْأَلَةٌ: إِذَا اخْتَلَفَ المُتَوَاتِرُ فِي الْوَقَائِعِ، فَالْمَعْلُومُ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ بِتَضَمُّنٍ أَوِ الْتِزَامٍ؛ كَوَقَائِعِ حَاتِمٍ، وَعَلِيٍّ ﵁. "واليهود أهل الذِّلَّة فيهم، دفعًا للتواطؤ؛ لخوفهم". "وهو فاسد"؛ لأنا نريهم أن ذوي الشَّرف والعِصْمَة ينقلون ما يعلم صدقهم فيه ضرورة، وربما كان الشَّرفُ مانعًا من الكذب، ونقول لهم: لم تكونوا في أول أمر فِي ذِلَّة وصَغَار، فيجب ألَّا يقع لكم العلم بنقل أسلافكم الذين لم يكونوا في ذِلَّة وصَغَار. الشرح: "وقول القاضي وأبي الحسين (٢): كل عدد أفاد خبرهم علمًا بواقعة لشخص فمثله" من العدد "يفيد" خبرهم في "غير" تلك الواقعة علمًا لذلك الشَّخص، أو "لشخص" آخر - "صحيح"، "إن تساويا" - أعني العددين - "من كل وجه وذلك بعيد" (٣) أن يقع (٤). «مسألة» الشرح: "إذا اختلف المتواترُ في الوقائع، فالمعلوم" منه "ما اتفقوا عليه بتضمن أو التزام؛ كوقائع حاتم وعليٍّ ﵁ " في السَّخَاء والشجاعة، وهذا هو التواتر المعنوي.

стр. 862

خَبَرُ الْوَاحِدِ خَبَرُ الْوَاحِدِ مَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى التَّوَاتُرِ. وَقِيلَ: مَا أَفَادَ الظَّنَّ وَيَبْطُلُ ........... الشرح: "خبر الواحد [ما] (١) لم يَنْتَهِ إلى التواتر"؛ إما بانْحِطَاطِ مخبريه عن عدد التواتر؛ أو حصول العلم فيه من انضمام قرينة، لا من العدد، أو غير ذلك (٢). ويدخل فيه خبر يعلم صدقه غير متواتر، كالمُحْتَفّ (٣) بالقَرَائن، وكذبه، ويظن صدقه وكذبه، ويستوي فيه الأمران، ويدخل فيه المستفيض أيضًا. ولا يقال: معرفة هذا التعريف تتوقّف على معرفة التواتر؛ لأنَّ تعريف التواتر فلذلك لم يضر المصنّف أخذه قيدًا هنا. "وقيل" في تعريفه: "ما أفاد الظّن، ويبطل عكسه بخبر لا يفيد الظَّن"، فإنه خبر، وقد يقتصر (٤) صاحب هذا التَّعْرِيف لنفسه، ويقول: ليس ذلك خبر واحد في اصطلاحي. وأبطل الآمدي طَرْدَهُ بالقياس، وغيره من أمارات الشَّيء المفيدة للظَّن. وجوابه: أنها ليست بخبر، والمراد خبر يفيد الظَّن.

стр. 863

عَكْسُهُ بِخَبَرٍ لَا يُفِيدُ الظَّنَّ. وَالْمُسْتَفِيضُ مَا زَادَ نَقَلَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةٍ. "المُسْتَفِيضُ" (١) "والمُسْتفيض (٢): ما زاد نَقَلَتُهُ على ثلاثة" - أي: ولم يَنْتَهِ إلى التواتر (٣). وعبارة الآمدي: جماعة تزيد على الثَّلاثة والأربعة. وعبارة شرف شاه بن ملكداد في "الغُنْيَة" (٤): تزيد على الاثنين والثلاثة والأربع. وعبارة صاحب "التنبيه": وأقلّ ما تثبت (٥) به الاستفاضة اثنان. والمختار عندنا: أن المستفيض ما يعده الناس شائعًا، وقد صدر عن أصل، ليخرج ما شاع - لا عن أصل - وربما حصلت الاستفاضة باثنين. وإطلاق (٦) صاحب الكتاب يقتضي أن المستفيض قد يفيد العلم إلا أن يقال: إن عدد المستفيض لا ينتهي إلى التواتر، فلا يفيد العلم بمجرده أبدًا - وإن انضمت قرينة - والعلم إذًا ليس منه بمجرده، ثم المستفيض داخلٌ في خبر الواحد؛ فلذلك لم يذكر المصنّف حكمه. وجعله الأستاذ واسطةً بين التواتر والآحاد، وزعم أنه يقتضي العلم نظرًا، والتواتر يقتضيه ضرورةً، ومثّل له بما يتَّفق (٧) عليه أئمة الحديث. وردَّه إمام الحرمين؛ بأن العُرْفَ لا يقتضي القَطْعَ بالصدق فيه، وإنما قصاراه ظن غالب.

стр. 864

الْعِلْمُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (١) مَسْأَلَةٌ: قدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ بِالْقَرَائِنِ لِغَيْرِ التَّعْرِيفِ. «مسألة» الشرح: "قد يحصل العلم بخبر الواحد العدل"، وذلك "بالقرائن لغير التعريف"؛ كبُكَاءِ رجل عظيم الشَّأن معروف بالمُحَافظة (٢) على رعاية المُرُوءات، وشقّه (٣) جَيْبَه، وَمُنَاداته بالوَيْل والثُّبُور، وارتكابه من ذلك كله ما يأنف مثله منه عند استقامة حاله مع تقدم العلم بمرض ولده وإخباره إذ ذاك بموته. وذلك مطّرد في خبر كلّ واحد عدل اجتمعت فيه القَرَائن، وسيصرح المصنّف به من بعد حيث يقول: مطّرد في مثله، ولا يتَّجه غيره، وإلا يلزم التَّرْجيح من غير مرجّح، ولفظة "قد" في كلام المصنّف لا تنافي ذلك؛ فإن موضوع المسألة خبر العدل الواحد، وقد يحصله العلم بخبره، وذلك عند القَرَائن، وقد لا يحصل، وذلك عند انتفائها. وأما ما يكون للتَّعريف، فهو أن يكون مضمون الخَبَرِ معلومًا بالبديهة، أو موافقًا للدَّليل العَقْلي، أو قول الصَّادق؛ فإن هذا الخبر لا أثر له في إفادة العلم بنفسه، إنَّما المفيد البديهة، أو دليل العَقْل، أو قول الصَّادق. وكلام المصنّف صريح في أن شرط إفادة الخبر المحفوف بالقَرَائن العلم - أن يكون المخبرُ فيه عدلًا؛ حيث قال: الواحد العَدْلُ - ولم أرَ من صرح بذلك، فإطلاق الأكثرين ينفيه وهو الأوجه، فإن الاعتماد فيه على القَرِينَةِ، وهي تفيد صدق المخبر في ذلك وإن كان غير عدل؛ كما يفيد العلم.

стр. 865

وَقِيلَ: وَبِغَيْرِ قَرِينَةٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ: وَيَطَّرِدُ وَالْأَكْثَرُ: لَا بِقَرِينَةٍ وَلَا بِغَيْرِهَا. "وقيل: وبغير قرينة" - أي: قد يحصل العلم بخبر العدل، وإن لم يكن ثمَّ قرينة، ولكن هذا لا يطرد، بل يكون في وقت ما. ونقله الآمدي عن بعض أصحاب الحديث (١). وهو ساقط؛ فإن ذلك الوقت الذي يحصل فيه العلم؛ إما أن يكون (٢) فيه زيادة على الوقت الذي [لم] (٣) تحصل فيه، فالزيادة قرينة فلا وجه لقوله: بغير قرينة، أو لا يكون فيه زيادة، فيكون ترجيحًا من غير مرجّح، وأنه محالٌ. لا يقال: إذا كان العلم الحاصل عند الخبر، من الله فلا تَرْجِيحَ من غير مرجّح؛ لأنه فاعل مختار. لأنَّا نقول: عادة الله في خَلْقِهِ الاطّراد فيما يَحْصُل عند خبر الواحد، ولم تختلف عادته في ذلك حتى أفاد شخصًا العلم، وآخر الظن مع استوائهما. "وقال أحمد (٤): ويطرد"، فيحصل العلم في كل وقت بخبر (٥) كل عدل، وإن لم تكن ثمَّ قرينة، وهو رأي ابن خويز منداد، وعزاه إلى مالك، لكنه يرى الأخبار متفاوتةً. ولعلَّه يرى تفاوت العلوم، وهو الظن، فكل من ذهب إلى إفادة خبر الواحد العلم أو لا يظن بذي لُبّ أن يساويه بالمتواتر. وهذا المذهب على سقوطه أوجه من المذاهب قبله؛ إذ لا ترجيح فيه بدون مرجّح. قال: "والأكثر لا بقرينة ولا بغيرها"، وهو الحَقّ. والمصنّف تبع في اختياره إفَادَة الخبر المَحْفُوف بالقَرَائن العلم، إمام الحرمين والغزالي والإمام والآمدي (٦).

стр. 866

لَنَا: لَوْ حَصَلَ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ لَكَانَ عَادِيًّا فَيَطَّرِد، وَلأَدَّى إِلَى تَنَاقُضِ الْمَعْلُومَيْنِ، وَلَوَجَبَ تَخْطِئَةُ الْمُخَالِفِ وَأَمَّا حُصُولُهُ بِقَرِينَةٍ فَلَوْ أَخْبَرَ مَلِكٌ بِمَوْتِ وَلَدٍ مُشرِفٍ مَعَ صُرَاخٍ وَجَنَازَةٍ وَانْتِهَاكِ حَرِيمٍ وَنَحْوِهِ - لَقَطَعْنَا بِصِحَّتِهِ. الشرح: وهو رأي مأثور عن النَّظَّام، واحتج له فقال: "لنا لو حصل لكان عاديًّا، فيطّرد"، ويحصل العلم بخبر كل عدل. وفيه نظر؛ إذ لِلْخصم أن يلتزم اطّراده. قال: "ولأدَّى إلى تناقض المعلومين"؛ إذ لو أخبر عدل عن ثبوت شيء، وآخر عن نَقِيضِهِ - يلزم العلم بكلّ واحد من النقيضين. وفيه نظر، فإن القائل بأن خبر العدل يفيد العِلْم، إنما يقوله إذا لم تكن قرينةُ الكذب موجودةً؛ لأنه يحكم على خبر العدل مجردًا عن القرائن، وقد يقال: انضمام خبر عَدْلٍ آخر إليه منافٍ له قرينة كذب أحدهما، فلا يفيد والحالة هذه خبر واحد منهما علمًا. قال: "ولوجب تَخْطئة المخالف" فيه؛ لوجوب تَخْطِئَةِ مخالف اليقين. وفيه نظر؛ إذ قد يلتزم، والمُخْتار في الدليل أنا نجد من أنفسنا احتمال النقيض عند خبر الواحد، ولا نجده عند التَّوَاتُرِ، والمُعَاند في ذلك مكابر. قال: "وأمَّا حصوله بقرينة، فلو أخبر ملك بموت ولده مشرف (١) مع صُراخٍ وجنازة وانتهاك حريم ونحوه - لقطعنا بصحّته". وأنا أجيب عن هذا بأنه رُبّ غرض في ذلك، وإن كان احتمالًا ضعيفًا، فهو يمنع القطع. قال القاضي أبو الطيب: وقد وقع مثل هذا بـ "خوارزم" مع القاضي الكعبي، قال: ووقع بـ "البصرة" أيضًا. قال: "واعترض بأنه حصل به القرائن" - أي: ولم يحصل بخبر الملك. "وردّ بأنه لولا الخبر لجوّزنا موت آخر". ولك أن تقول: القرينة أفادت القَطْع بأصل الموت، لا بتعيين الميت، والخبر أفاد بعينه ظنًّا لا قطعًا.

стр. 867

وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ حَصَلَ بِالْقَرَائِنِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَوْلَا الْخَبَرُ لَجَوَّزْنَا مَوْتَ آخَرَ. ونحن لا ننكر ذلك، وهذا كما تقول في المودع - إذا ادَّعى تلف الوَدِيعَةِ (١) بسبب ظاهر جهل - أنه يطالب بالبَيِّنة على أصل السبب، ثم يحلف على التلف به؛ لأن البيّنة (٢) أفادت أصل السبب، والحلف تعين التلف به.

стр. 868

قَالُوا: أَدِلَّتُكُمْ تَأْبَاهُ. قُلْنَا: انْتَفَى الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُ مُطَّرِدٌ فِي مِثْلِهِ، وَانْتَفَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ حُصُولُ مِثْلِهِ فِي النَّقِيضِ، وَانْتَفَى الثَّالِثُ؛ لِأَنَّا نُخَطِّئُ الْمُخَالِفَ لَوْ وَقَعَ. قَالُوا: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٣٦] ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [سورة النجم: الآية ٢٣] فَنَهَى وَذَمَّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ فَلَوْ لَمْ يُفِدِ الْعِلْمَ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ لاِمْتِنَاعِ الْإِجْمَاعِ عَلَى مَا ذَمَّ الشَّارعُ. الشرح: قال: "قالوا: أدلّتكم تأباه" - يعني التي ذكرناها - على أنه لا تفيد مع عدم القرينة علمًا؛ فإن الأدلَّة بعينها قائمةٌ مع القرينة. قال: "قلنا: انتفى الأول؛ لأنه مطرد في مثله"، فإنا نقول: خبر كلّ عدل مع القرينة يوجب (١) العلم، بخلاف ما إذا لم تكن قرينة؛ إذ لا اطّراد، "وانتفى الثَّاني؛ لأنه يستحيل (٢) حصول مثله في النَّقِيض" - ولا يتصوّر تعارض خبرين مَحْفُوفين بالقرائن، بخلاف غير المحفوفين "وانتفى الثالث؛ لأنَّا نخطئ المُخَالف لو وقع"، و [لا] (٣) كذلك ثمّ. الشرح: قالوا في الاحْتِجَاج على أن خبر الواحد مطلقًا مفيدٌ للعلم: " ﴿وَلَا تَقْفُ" مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٣٦]، " ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [سورة النجم: الآية ٢٣] "نهى" في الآية الأولى عن اتباع ما لا يعلم، ومن جملته الظن، "وذَمّ" على اتباع الظَّن في الثانية، "فدلَّ على أنه ممنوع"، والإجماع منعقد على العمل بخبر الواحد؛ فدلَّ على أنه مفيد للعلم. والمُرَاد بالإجماع هنا الاتفاق بين الخَصْمَيْنِ القائل بأنه يفيد العلم، وأنه يفيد الظن، وإلا ففي الأمّة من يمنع العمل بخبر الواحد، ويقال: إن خلاف ذلك لا يعتدّ به.

стр. 869

وَأُجِيبَ بِأَنَّ المُتَّبَعَ الْإِجْمَاع، وَبِأَنَّهُ مُؤَوَّلٌ فِيمَا الْمَطْلُوبُ فِيهِ الْعِلْمُ مِنَ الدِّينِ. إِخْبَارُ الْوَاحِدِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ - مَسْأَلَةٌ: إِذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِحَضْرَتِهِ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى صِدْقِهِ قَطْعًا. "وأجيب بأن الممتنع الإجماع" القائم على جواز العَمَلِ بخبر الواحد، والإجماع قاطعٌ فأين اتباع الظن؟ "وبأنه مؤول فيما المطلوب فيه العلم من الدين"، إذ قد ثبت جواز العمل بالظَّن في الفروع. وقد اختلف حملةُ الشريعة في أنه هل الأصل العمل بالظَّن إلا ما قام الدَّليل على إهماله وإهمال الظَّن، إلا ما قام الدَّليل على إعماله؟ «مسألة» الشرح: "إذا أخبر واحدٌ بحضرته ﷺ ولم ينكر" - مع سماعه كلامه، وفهمه إياه - هو صورة المسألة - "لم يدلّ على صدقه قطعًا" (١). وقال قوم: يدلّ - وهو المختار عندي (٢).

стр. 870

لَنَا: أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَا سَمِعَهُ أَوْ مَا فَهِمَهُ أَوْ كَانَ بَيَّنَهُ أَوْ رَأَى تَأْخِيرَه، أَوْ مَا عَلِمَهُ أَوْ صَغِيرَةً. إِخْبَارُ الْوَاحِدِ بِحَضْرَةِ الْجَمْعِ مَسْأَلةٌ: إِذَا أَخْبَرَ وَاحِدٌ بِحَضْرَةِ خَلْقٍ كَثِيرٍ وَلَمْ يُكَذِّبُوهُ وَعُلِمَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذِبًا لَعَلِمُوهُ وَلَا حَامِلَ عَلَى السُّكُوتِ فَهُوَ صَادِقٌ قَطْعًا لِلْعَادَةِ. وقال آخرون بالفَرْقِ بين أن يكون أخبر عن أمر ديني فيدلّ فيه، أو دنيوي فلا. وصوَّر ابن السَّمعاني المسألة، بما إذا ادَّعَى المخبر علم النبي ﷺ بما أخبر به، واختار أنه يقطع بصدقه إذ ذاك. واحتجَّ المصنّفُ لما اختاره من عدم الدّلالة مطلقًا، فقال: "لنا يحتمل أنه ما سمعه، أو ما فهمه"، وليس هذا صورة المسألة كما عرفت. قال: "أو كان بَيَّنَه". ولك أن تقول: سبق البيان لا يتبع (١) السّكوت عند وقوع المنكر، "أو رأى تأخيره". وأنا أقول: المعصية لا بُدّ من إنكارها في وقتها، وإلَّا يلزم التقرير على الباطل، ولو تم ذلك لقيل مثله في مسألة التقرير. قال: "أو ما علمه" كذبًا. قال: "أو صغيرةً" (٢)، وهذا ضعيف؛ لأن الصَّغائر تنكر كالكَبَائر. «مسألة» الشرح: "إذا أخبر واحد بحضرة جمع [كبير] (٣)، ولم يكذبوه، وعلم" بطريق ما من الطُّرق؛ إما كثرة الجمع، أو غيرها؛ "أنه لو كان كذبًا لعلموه، ولا حامل" لهم "على السكوت"

стр. 871

انْفِرَادُ الْوَاحِدِ مَسْأَلَةٌ: إِذَا انْفَرَدَ وَاحِدٌ فِيمَا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ وَقَدْ شَارَكَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ كَمَا لَوِ انْفَرَدَ وَاحِدٌ بِقَتْلِ خَطِيبٍ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي مَدِينَةٍ فَهُوَ كَاذِبٌ قَطْعًا؛ خِلَافًا لِلشِّيعَةِ. لَنَا الْعِلْمُ عَادَةً وَلِذلِكَ نَقْطَعُ بِكَذِبِ مَنِ ادَّعَى أَنَّ الْقُرْآنَ عُورِضَ. من رَغْبَة، أو رَهْبَة أو غيرهما، "فهو صادق قطعًا؛ للعادة" (١). وخالف قوم - والمُخْتَار ما ذهب إليه ابن السَّمْعَاني من اشتراط تَمَادي الزَّمن الطويل في ذلك. «مسألة» الشرح: "إذا انفرد واحد" - والمراد بالواحد ما لم ينته إلى التواتر (٢)، فلو قال: إذا انفرد الواحد بالألف واللَّام كان أوضح - "فيما تتوفَّر الدَّوَاعي على نقله"؛ إما لتعلق الدين به كقواعد الشَّرْع، أو لقَرَابَتِهِ (٣)، "وقد شَارَكَهُ خلقٌ كثير" في مُشَاهدة ذلك الشيء؛ "كما لو انفرد واحدٌ بقَتْلِ الخطيب على المِنْبَرِ في مدينة"، أو للأمرين جميعًا - القرابة (٤) وتعلّق الدين به - كالمعجزة "فهو كاذب قطعًا - خلافًا للشِّيعة". "لنا: العلم" يكذب ذلك المخبر "عادة"؛ فإن العَادَةَ تمنع السُّكوت عن نقل ذلك لو وقع، ولا يمتري ذو لُبّ أن الطَّبَائع مع اختلافها، والرِّجَال مع تَبَايُنِ أهوائها لا يسكتون عن مثل ذلك؛ "ولذلك يقطع بكذب من ادَّعى أن القرآن عورض". فوضح بهذا: أن العادة إذا اقتضت في شيء؛ أنه إذا وقع ينقل تواترًا، ورأيناه غير مُتَوَاتر - علمنا أنه لم يكن.

стр. 872

قَالُوا: الْحَوَامِلُ المُقَدَّرَةُ كَثِيرَةٌ، وَلِذلِكَ لَمْ يَنْقُلِ النَّصَارَى كَلَامَ المَسِيحِ فِي الْمَهْدِ. وَنُقِلَ انْشِقَاقُ الْقَمَرِ، وَتَسْبِيحُ الْحَصَى، وَحَنِينُ الْجِذْعِ وَتَسْلِيمُ الْغَزَالَةِ، ........ الشرح: "قالوا: الحوامل المقدّرة" التي سببها قد لا يقع نقل مثل ذلك "كثيرة"، فَرُبّ غرض (١) يحمل على كِتْمَان ما جرى؛ "ولذلك لم ينقل النَّصَارى كلام المَسِيح في المَهْدِ" مع غَرَابَتِهِ، وتوفر الدواعي على نقل مثله، "ونقل انْشِقَاقِ (٢) القمر (٣)، وتسبيح ..........

стр. 873

وَإِفْرَادُ الْإِقَامَةِ، وَإِفْرَادُ الْحَجِّ، وَتَرْكُ الْبَسْمَلَةِ آحَادًا. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 874

وَأُجِيبَ بِأَنَّ كَلَامَ عِيسَى ﵇ إِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ خَلْقٍ فَقَدْ نُقِلَ قَطْعًا، وَكَذلِكَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 875

غَيْرُهُ مِمَّا ذُكِرَ وَاسْتُغْنِيَ عَنِ الاِسْتِمْرَارِ بِالْقُرْآنِ الَّذِي هُوَ أَشْهَرُهَا. وَأَمَّا الْفُرُوعُ فَلَيْسَ مِنْ ذلِكَ الحَصَى (١)، وَحَنِين .....................................

стр. 876

[وَإِنْ سُلِّمَ فَإِنَّمَا يُنْقَلُ مِثْلُهُ لِيَعْلَمَ مَنْ لَا يَعْلَم، وَذلِكَ فِيمَا لَا يَكُونُ مُسْتَمِرًّا مُسْتَغْنًى عَنْ نَقْلِهِ] الجِذْع (١) وتسليم الغَزَالة (٢)، وإفراد الإقَامة، وإفراد الحج، وترك البَسْمَلَة آحادًا"، مع أنها من الوقائع التي تتوفَّر الدَّواعي على نقلها.

стр. 877

وَإِنْ سُلِّمَ فَاسْتَغْنَى لِكَوْنِهِ مُسْتَمِرًّا أَوْ كَانَ الْأَمْرَانِ سَائِغَيْنِ. أما المعجزات فلغرابتها، وأما الإقامة والحَجّ [والبَسْمَلَةُ؛ فلأنه تشريع في أمر عظيم، وقد كانت الإقامة] (١) والبَسْمَلَةُ تتكرّر في اليوم واللَّيلة خمس مرات. "وأجيب بأن كلام عيسى ﵇، إن كان بحَضْرَة خلق" كثير، "فقد نقل (٢) قطعًا"، وإن لم يكن فلا [يرد نقضًا] (٣)، "وكذلك غيره مما ذكر" من المُعْجزات، "واستغنى عن الاستمرار" في نقله تواترًا "بالقرآن الذي هو أشهرها". فلما كان القُرْآن كافيًا في الإعجاز، لم تتوفّر الدواعي بعده على نقل غيره. "وأما الفروع" الَّتي هي إفراد الإقامة، وإفراد الحج، وترك البَسْمَلة "فليس من ذلك"؛ إذ الدواعي إنما تتوفّر فيما يستغرق، أو يكون قاعدة كلّية لا مسألة فروعية. "وإن سلم" توفّر الدَّوَاعي على نقلها أيضًا، "فاستغنى" عن نقلها بالتواتر؛ "لكونه مستمرًّا" في الأيام والأعوام، "أو كان الأمران [سائغين] " (٤) فلم يتواتر لذلك، وهذا أوجه، وإلا فاستمرارها في الأيام والأعوام لعلَّة السَّبب في طلب نقلها متواترًا. والصَّحيح عندي في الجواب: الالتزام أن الانشقاق والحَنِين متواتر. وأما الانشقاق فمنصوص في القرآن مرويّ في "الصحيحين"، وغيرهما من طرق من حديث

стр. 878

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . شعبة (١) عن سليمان (٢) عن إبراهيم (٣) عن أبي معمر (٤) عن أبي مسعود. ومن رواية [عراك] (٥) بن مالك (٦) عن ..................

стр. 879

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . عبيد الله (١) بن عبد الله عن ابن عَبَّاس. ومن رواية (٢) شعبة، سفيان، عن قتادة (٣) عن أنس. ورواه مسلم من رواية شعبة؛ عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر. ورواه أحمد بن حَنْبَلٍ، والترمذي، والطّبراني (٤)، وأبو حاتم بن [حبان] (٥) من حديث جُبير بن مُطْعم (٦).

стр. 880

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ورواه أبو بكر بن مَرْدويه من حديث مردويه، وله طرق أخر شتّى لا يمترى في تَوَاتُرِهِ مُحْدث. وأما "الحَنِينُ" ففي البُخَاري من طرق. منها: من رواية عبد الواحد بن أيمن (١) عن أبيه (٢). عن جابر (٣).
следующие страницы →