. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقول الزهري (١): يجوز توكيل الصَّبي في طَلاقِ زوجته، والخلافُ فيما إذا أعتق في مرض موته منجزًا.
"والرواية بعده" - أي: بعد الصّبا - "والسماع قبله - مقبولة"، كذا بخطّه - مقبولة عند الجمهور "كالشهادة"؛ إذ يقبل من تحمل قبل البلوغ، وأدّى بعده.
"ولقبول" الصَّحابة، ما رواه "ابن عَبَّاس وابن الزبير وغيرهما" - كالنعمان بن بشير (٢) والحسن بن علي (٣) "في مثله" - أي: فيما تحمّلوه في الصِّغَرِ؛ فإنهم أجمعوا على قَبُولِ
стр. 916
وَمِنْهَا: الإسْلامُ لِلإجْمَاعِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَإنْ …
روايتهم فيما حدثوا به عن النبي ﷺ ، ولما توفّي النبي ﷺ لم يكن أحد منهم بلغ إلا ابن عباس على قول؛ "ولا سماع" في "الصبيان" الحديث.
والخلاف في الراوي يتحمل صغيرًا، ويروى كبيرًا، يحكى في "التقريب"، "وشرح اللمع". وغيرهما، وهو جَارٍ في الكافر إذا تحمل في كفره وأسلم، فأدى - ذكره القاضي في "التقريب".
الشرح: "ومنها: الإسلام، للإجماع" (١).
"وأبو حنيفة ﵀ وإن قبل شهادة بعضهم على بعض لم يقبل روايتهم"، فلا يقدح في الإجماع.
"ولقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ [الحجرات: ٦]، وهو "- أي الكافر - "فاسق بالعرف المتقدم" في الزمان السابق.
وأما تخصيص الفاسق بالمسلم ذي المعاصي الزَّائلة للعدالة - فعرف متجدّد، وللنزاع هنا مجال.
"واستدلّ بأنه لا يوثق به كالفاسق".
"وضعف بأنه قد يوثق ببعضهم؛ لتدينه في ذلك".
و"المُبْتَدِع بنا يتضمّن التكفير" - كذا بخطّه، وفي بعض النسخ الكفر، وهو أحسن "كالكافر عند المكفر".
"وأما غير الكفر فكالبِدَعِ الواضحة".
стр. 917
قَبِلَ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لَمْ يَقْبَلْ رِوَايَتَهُمْ، وَلقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] وَهُوَ فَاسِق بِالْعُرْفِ المُتقَدِّمِ.
"وما لا يتضمّن التكفير، إن كان واضحًا كَفِسْقِ الخوارج ونحوه، فردّه قوم، وقبله قوم".
وهذا ترتيب لا أعرفه لغير المصنّف، والمعروف أنّ المبتدع إذا كَفَّرْنَاه، وكان يعتقد حُرْمَةَ الكذب، ففيه مذهبان:
قال الأكثرون - منهم القاضي، والغَزَالي، والآمدي، وغيرهم -: لا يقبل (١).
وقال أبو الحسين البَصْري، والإمام الرازي، وأتباعه: تقبل.
وإن لم يعتقد حرمة الكَذب، فادعى مُدَّعون الاتفاق على رده.
стр. 918
وَاسْتُدِلَّ بِأَنَّهُ لا يُوثَقُ بِهِ كَالْفَاسِقِ، وَضُعِّفَ بِأَنَّهُ قَدْ يُوثَقُ بِبَعْضِهِمْ لِتَدَيُّنِهِ فِي ذَلِكَ.
وأرى أن موضع الاتفاق فيمن اعتقد حلّه مطلقًا، وتلك رَذِيلَةٌ لا نعلم أحدًا ذهب إليها.
أمّا من اعتقد حلّه في أمر خاصّ - كالكذب في نُصْرَةِ عقيدة، ونحو ذلك - فيختصّ موضع الاتفاق بموضع اعتقاده، الخلاف في الخَوَارج هل يكفرون؟ هو نفس الخلاف في تكفير المُبْتدعة، وكلام المصنّف مصرّح بخلاف هذا، وجميع هذا في مبتدع لا يدعو إلى بِدْعَتِهِ.
أما الدَّاعية، فقال أبو حاتم بن حبان البستي: لا يجوز الاحتجاج به عند أئمّتنا قاطبة، لا أعلم بينهم فيه خلاف.
"و" احتج "الرَّاد" لخبرهم بقوله تعالى: " ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] وهو فاسق".
وجعل المبتدع فاسقًا إذا لم يكفر هو الظاهر، ولكن الأصح عند أصحابنا قَبُول روايته إذا لم يكفر، ولا رَيْبَ عندهم أن الفِسْقَ مانع من القبول، فليتطلّب جمع بين الكلامين.
واحتجّ "القائل" بقوله ﵇: "نَحْنُ نَحْكُمُ بالظَّاهر"، فإن الظاهر من حال هذا الصدق؛ لأنه يعتقد حُرْمَةَ الكذب، ولا يعتقد فِسْقَ نفسه، فله وَازِعُ يمنعه عنه، بخلاف من يعتقد [حُرْمَةَ الكذب، ولا يعتقد] (٢) فسق نفسه.
"والآية أولى لتواترها"، بخلاف هذا الحديث، فإنه غير مُتَواترٍ، [بل] (٣) ولا معروف كما سبق في "كتاب الإجماع"، "وخصوصها بالفاسق وعدم تخصيصها، وهذا" الحديث "مخصوص بالكافر والفَاسِق المظنون صدقهما"، فإن روايتهما غير مَقْبُولة "باتفاق".
"قالوا: أجمعوا على قَبُول قَتَلَةِ عثمان (٤) ﵁ ".
стр. 919
وَالْمُبْتَدِعُ بِمَا يَتَضَمَّنُ التَّكفِيرَ كَالْكَافِرِ عِنْدَ الْمُكَفِّرِ، وَأَمَّا [عِنْدَ] غَيْرِ الْمُكَفِّرِ فكَالْبِدَعِ الْوَاضِحَةِ.
وَمَا لا يَتَضَمَّنُ الْتَّكفِيرَ إِنْ كَانَ وَاضِحًا كَفِسْقِ الْخَوَارجِ وَنَحْوِهِ فَرَدَّهُ قَوْمٌ وَقَبِلَهُ قَوْمٌ.
وَالرَّادُّ ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ [بِنَبَإٍ]﴾ [الحجرات: ٦] وَهُوَ فَاسِقٌ.
"وردّ بالمنع" - أي: لا نسلم قيام الإجماع على قبول روايتهم، بل الإجماع قائم على رَدِّ روايتهم.
وهذا الوجه في غاية الوضوح، فإن قَتَلَةَ عثمان ﵁، إن كانوا مستحلّين لقتله، فلا ريبَ في كفرهم، والكافر مردود بالإجماع، وإن كانوا غير مستحلّين فلا رَيْبَ في فسقهم بفسق ظاهر، [فترد] (١) روايتهم.
وبهذا يعرف أن [ذكر] (٢) قَتَلَة عثمان ﵁ هنا لا معنى له، فإن كلامنا في الفسق بأمرٍ خفي، وقتلة عثمان إن لم يكفروا، ففسقهم بأمرٍ ظاهر أظهر من [الزّنا] (٣) والخمر، "أو بأنه مذهب بعض" - أي: وإن سلم قَبُولهم خبر قَتَلَة عثمان، فلعل من قَتَلَهُ كان يرى أن هذه بِدْعة خفية غير واضحة، فقبل خبر مرتكبها.
"وأما نحو خلاف البَسْمَلَة وبعض الأصول" - وهو ما لا يعود بالإبطال على أصل ممهد في الدّين؛ كالمَسَائل التي اختلف فيها الأشاعرة والحَنَفِيّة، فإنه لا بدعةَ فيها من الجَانِبَيْنِ، ولنا قصيدة نظمنا فيها تلك المسائل.
стр. 920
الْقَابِلُ: نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ، وَالآيَةُ أَوْلَى؛ لِتَوَاتُرِهَا، وَخُصُوصِهَا بِالْفَاسِقِ، وَعَدَمِ تَخْصِيصِهَا؛ وَهَذَا مُخَصَّصٌ بِالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ الْمَظْنُونِ صِدْقُهُمَا بِاتِّفَاقٍ.
قَالُوا: أَجْمَعُوا عَلَى قَبُول قَتَلَةِ عُثْمَانَ ﵁.
وَرُدَّ بِالْمَنع، أَوْ بِأَنَّهُ مَذْهَبُ بَعْضِ.
وَأَمَّا نَحْوُ خِلافِ الْبَسْمَلَةِ وَبَعْضِ الأُصُول وَإنِ ادُّعِيَ الْقَطْعُ فَلَيْسَ مِنْ ذَلكَ لِقُوَّةِ
"وإن ادَّعى" كل واحد من الخَصْمَيْن فيها "القطع، فليس من ذلك"، بل تقبل فيه الرواية؛ لأنه لا تبديع فيها، و"لقوّة الشُّبْهَة من الجانبين" كما تقدم.
"وأما من يشرب النَّبِيذ، ويلعب الشِّطْرَنج" - إذا قلنا بتحريم الشِّطْرنج - وهو وجه في مذهبنا - "ونحوه" - من المسائل الاجتهادية، سواء صدر "من مجتهد أو مقلّد، فالقطعُ أنه ليس بفاسق.
وإن قُلْنَا: المصيب واحد؛ لأنه يؤدي إلى تفسيق بواجب" - وذلك فيما يكون واجبًا [عند] (١) مجتهد حرامًا عند غير؛ كالقراءة خلف الإمام واجبة عندنا، حرام عند أبي حنيفة (٢).
стр. 921
الشُّبْهَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ وَأَمَّا مَنْ يَشْرَبُ النَّبِيذَ وَيَلْعَبُ بِالشَّطْرَنْجِ وَنَحْوِهِ مِنْ مُجْتَهِدٍ وَمُقَلِّدٍ فَالْقَطْعُ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَاسِقٍ وَإنْ قُلْنَا: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ لأِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى تَفْسِيقٍ بِوَاجِبٍ.
وَإيجَابُ الشَّافِعِيِّ ﵀ الْحَدَّ لِظُهُورِ أَمْرِ التَّحْرِيمِ عِنْدَهُ.
ولك أن تقول: إنما يؤدّي إلى تفسيق بواجب في ظَن فاعله.
أمّا من يفسقه فقد يقوي الظَّن عنده.
نعم التفسيق في المَظْنُونات لا وجه له.
ولنا وجه: أن الشهادة ترد به، [ولا بُدّ من جريانه في الرِّوَاية، ووجه آخر: أنه لا يرد به] (١) شهادة معتقد تحريمه لشُبهَةِ الخلاف.
"و" أما "إيجابُ الشَّافعي ﵁ الحَدّ" على شارب النَّبِيذِ حيث قال: أَحُدُّ الحنفيَّ إذا شرب النَّبِيذ؛ وأقبل شَهَادته - فإنه "لظهور أمر التحريم عنده"، فنهض عنده الدَّليل موجبًا للحَدّ متقاعدًا عن الفِسْقِ.
والأصحابُ وَجّهوه بأن الحد للزَّجر، وشرب النبيذ يحتاج إلى الزجر، وردّ الشهادة؛ لسقوط الثِّقَةِ بقول الشاهد، وإذا لم يعتقد التحريم لم تسقط الثِّقة، وأيضًا فالحَدّ إلى الإمام، فيعتبر فيه اعتقاده، وردّ الشَّهادة يعتمد عقيدة الشاهد.
واستدلّ ابن الصَّلاح لوجوب الحد بإقامة عمر ﵁ الحَدّ على قُدَامة بن مَظْعُون (٢) في شربه الخَمْرَ مع استحلاله لها؛ قبل انعقاد إجماع الخاصّة والعامة على تحريمها، والخمر إذ ذاك كالنَّبِيذِ الآن في ذلك، وانتشر ذلك بين الصَّحابة من غير نكير، فكان إجماعًا.
стр. 922
وَمِنْهَا: رُجْحَانُ ضَبْطِهِ عَلَى سَهْوِهِ لِعَدَمِ حُصُولِ الظَّنِّ.
وَمِنْهَا الْعَدَالَةُ وَهِيَ مُحَافَظَةٌ دِينيةٌ تَحْمِلُ عَلَى مُلازَمَةِ التَّقْوَى …
الشرح: "ومنها: رجحان ضبطه على سَهْو؛ لعدم حُصُول الظَّن" بصدقه، إذا لم يترجّح جانب ضبطه (١).
الشرح: "ومنها: العَدَالَة (٢)، وهي محافظة دينيّة تحمل على مُلازمة التقوى،
стр. 923
وَالْمروءَةِ لَيْسَ مَعَهَا بِدْعَةٌ وَتَتَحَقَّق بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَتَركِ الإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ وَبَعْضِ الصَّغَائِرِ وَبَعْضِ الْمبَاحِ.
والمروءة ليس معها بدعة" (١).
стр. 924
وَقَدِ اضْطُرِبَ فِي الْكَبَائِرِ؛ فَرَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵁: "الشِّرْكُ بِاللهِ، وَقَتلُ
وقوله: " [ليس] (١) معها بِدْعة" - قيد يذكره من يردُّ رواية المبتدع - وقد عرفت ما فيه، وأراد بالتقوى: ألَّا يرتكب كبيرةً.
"وتتحقّق" العدالة "باجتناب الكَبَائر، وترك الإصرار على الصَّغائر"، ولعمري إنه لداخل في الكبائر (٢)، والإصرار (٣) كبيرة.
وحكى الدبيلي (٤) من أصحابنا في "أدب القضاء" (٥) وجهًا: أنه ليس بكبيرة - وهو غريب -
وزَادَ عَلِيٌّ ﵁ "السَّرقَةَ، وَشُرْبَ الْخَمْرِ".
= الشؤون. أما في عصرنا فإن المطالب بها من هي داخلة في عمله، وقد رسموا للقاضي الخطة التي ينبغي أن يسير عليها في سماع دعاوى المتخاصمين، فقالوا: يجب عليه تقديم المسافر على الحاضر، إلا لضرورة. وتقديم ما يخشى فواته لو قدم غيره عليه. ثم يقدم السابق، وإن لم يعرف أقرع بينهم إن لم يرضوا بما يراه. وعند سماع الدعاوى يجب عليه أن يأمر المدعي بالكلام، وهو من تجرد قوله عن أصل أو معهود عرفًا يصدقه حين دعواه كطالب دين على آخر، فإن الأصل والمعهود عدم ما ذكر. فإن لم يعلم المدعي، فالجالب لصاحبه إلى القاضي هو الذي يؤمر بالكلام، فإن لم يكن جالب أقرع بينهما، فإن ادعى معلومًا محققًا من مال أو غيره، وبين في دعوى المال السبب سمع دعواه. أما إذا لم يدع معلومًا محققًا، كان ادعى بمجهول أو بمعلوم غير محقق، أو لم يبين السبب في دعوى المال لم يسمع دعواه، ثم بعد أن يسمع دعوى المدعي يأمر المدعى عليه، وهو من ترجح قوله بمعهود شرعي كالأمانة بالنسبة للوديع، أو أصل كالمدين، فإن الأصل عدم الدين بالجواب إما بالإقرار أو الإنكار، فإن أقر شهدوا عليه وثبت الحق، وإن أنكر قال للمدعي: ألك بينة؟ فإن نفاها كان له أن يحلفه، سواء ثبتت بينهما خلطة أو لا. فإن حلف برئ، ولا يقبل للمدعي بعد ذلك بينة إلا لعذر كنسيان لها عند تحليف المدعى عليه. ويحلف إن أراد القيام بها أنه نسيها. وإن أقام البينة ولم ينفها أعذر القاضي إلى المدعى عليه بأن يقول له بعد سماع بينة المدعي: أبقيت لك حجة وعذر في هذه البينة؟ فإن قال: نعم لي مطعن فيها أنظره القاضي بالاجتهاد للإتيان بذلك المطعن، فإن لم يأت به في مدة الإنظار حكم عليه بمقتضى الدعوى، كما إذا نفى أن له مطعنًا فيها، وبعد الحكم عليه يعجزه ويسجل ذلك التعجيز، فلا يقبل منه مطعن في البينة بعد ذلك. وكذا إذا طلب المدعى من القاضي أن ينظره لإحضار البينة، ولم يأت بها في مدة الإنظار؛ فإن القاضي يعجزه ويسجل ذلك. فلا تقبل منه بينة بعد ذلك إلا في دعوى القتل، والعتق، والطلاق، والوقف، والنسب؛ فإن هذه الأمور الخمسة لا تعجيز فيها؛ بل يكون باقيًا على حجته متى أقامها حكم له بمقتضى دعواه؛ لعظم أمر هذه الأشياء وإن سكت المدعى عليه ولم يجب لا بإقرار ولا إنكار حبسه وضربه ليجيب، ثم حكم عليه بلا يمين من المدعي، لأن اليمين فرع الجواب، وهو لم يجب.
هذه هي الطريقة التي تسلك في معظم الدعاوى. وهنالك طرق خاصة تسلك في بعض الوقائع لم نذكرها لضيق الوقت؛ فمن أحب الوقوف عليها. فليطلبها في مظانها.
وأما مكان جلوسه للحكم فقد اختلفوا فيه، فقيل: يندب أن يكون برحاب المسجد؛ ليسهل وصول جميع المتخاصمين إليه، ولبعده عن التكلف والإسراف ومظاهر الترف، وقيل يكره=
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وحديث ابن عمر روى موقوفًا (١) ومرفوعًا (٢). ولفظ الكتاب لم أره مجموعًا في رواية.
وإنما الذي رواه الحافظ أبو بكر البرزنجي عن ابن عمر "الكَبَائِرُ سَبْعٌ: الشِّرْكُ باللَّهِ وعُقُوقُ الوَالِدَيْن، [وَالزِّنَا] (٣)، وَالسِّحْر، وَالفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَأَكلُ الرِّبَا، وَأكْلُ مَالِ
стр. 934
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اليَتِيمِ" ورواه أبو القاسم البَغَوِي، ولم يذكر الزّنا، وزاد "وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ المُؤمِنَةِ، وَالإِلْحَادُ بِالبَيْتِ الحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحياءً وَأَمْوَاتًا"، وقال: "وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ المُسْلِمَيْنِ".
ومَدَارُ الحديث على أيوب بن عتبة (١) قاضي "اليمامة، وقد تكلّم فيه غير واحد من الأئمة منهم أحمد، وابن معين (٢)، وابن المَدِينِي (٣)، والبخاري، ومسلم، والنَّسَائي، والدَّارَقُطْني، وابن، عدي.
"وزاد أبو هريرة ﵁: أكل الربا".
وحديث أبي هريرة في الكَبَائر متّفق عليه، ولفظه "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هُنَّ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْر، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاتِ
стр. 935
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُؤْمِنَاتِ" (١)، وأنت ترى لفظ الحديث ليس فيه أنها الكبائر، بل إنها السبع الموبقات، والمُوبقات أخصُّ من الكبائر.
"وزاد عليٌّ "السَّرِقَة، وَشُرْبُ الخَمْرِ"" - والسّرقة لا يُعْرَف لها إسناد عنه - كرَّم الله وجهه - والخمر، روى عنه أن مُدمِنَهُ كَعَابِدِ وَثَنٍ (٢).
"وقيل: ما توعد عليه بخصوصه".
قال الرَّافعي: وهو أكثر ما يوجد للأصحاب.
وقيل: ما يوجب الحَدّ - قال الرَّافعي: وهم إلى ترجيحه أميل.
وقال القاضي أبو سعيد الهروي: الكبيرة كل فعل نَصَّ الكتابُ على تحريمه، وكل معصية توجب إلى جنسها حدًّا، وترك كل فريضة مأمور بها على الفَوْرِ، والكذب في الشَّهادة، والرواية، [واليمين] (٣).
والأصحُّ عندي - وبه قال إمام الحرمين - كُلّ جريمة تؤذن بقلّة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقّة الدِّيَانة؛ كالقَتْلِ، والزِّنَا، واللِّوَاط، وَشُرْب الخَمْر - قليله وكثيره - والسَّرقة،
стр. 936
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والغصب، والقَذْف، وشَهَادة الزُّور، وشرب المُسْكر وإن لم يكن خمرًا، واليمين الفَاجِرة، وقطيعة الرّحم، والعُقُوق، والفِرَار من الزَّحْفِ، وأكل مال اليتيم، والخِيَانة في الكَيْل والوَزْن، وتقديم الصَّلاة على وَقْتها، وتأخيرها عن وقتها، وضرب المسلم بغير حقّ، والكذب على النبي ﷺ ، وكان الشيخ أبو محمد يكفر فيه - وسبّ الصحابة (١) وكِتْمَان الشَّهادة بلا عُذْرٍ، وأخذ الرّشوة، والدِّيَاثة، والقِيَادة، والسّعَايَة عند السُّلطان، ومنع الزَّكاة، واليأس من رحمة الله - تعالى - والأمن من مَكْرِهِ، والظّهار، وأكل [لحم] (٢) الخِنْزِير، والميتة من غير ضرورة.
قلت: وكذلك إفطار رَمَضَان، والغُلُول (٣)، والمُحَاربة، والسِّحْر، والزِّنَا.
стр. 937
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"وأما بعض الصَّغَائر مما يدلّ على الخسّة كسرقة لُقْمَةٍ، والتطفيف بحبّة".
وكان الأستاذ أبو إسحاق يقول: لا صَغِيرَةَ في الذنوب، بل والكل كبائر.
"وبعض المباح كاللّعب بالحَمَام"، كذا قال، ومراده ما لا إِثْمَ فيه، وإلا فهو مكروه وليس مستوى الطَّرفين، ثم إنه لا يُرَدُّ به الشَّهَادة بمجرّده.
نعم، إن انضم إليه قِمَار وما في معناه، رُدّت.
"والاجتماع مع الأراذل والحِرَف الدَّنِيَّة ممن لا يَلِيقُ به ولا ضرورة"، على ما هو مفصّل في الفروع.
وتقييد المصنّف بمن لا يليق به حسن، فإن أصحابنا مختلفون في قَبُول شهَادَةِ ذي الحرف الدَّنيّة، على وجهين:
أصحهما: القَبُول.
قال الغَزَالِيّ: وموضع الوجهين ممن تليق به هذه الحِرَف، وكان ذلك من صِنْعَةِ آبائه، أما غيره فتسقط مروءته بها لا مَحَالَةَ.
وعَدَّ المصنّف الحرف الدَّنيئة التي لا تليق من المُبَاح هو المجزوم به في "النهاية" و"البسيط".
وكان القاضي ابن رزين ينقل أوجهًا في تعاطي المُبَاح الذي تُرَدُّ به الشَّهادة؛ لإخلاله بالمروءة.
ثالثها: إن [تعلّق (١) بمرتكبه شهادة حرم عليه، وإلّا فلا.
وكلام المصنّف صريح في أن المروءة أحد قيدي العَدَالَةِ، وهو صنيع بعض أصحابنا.
والأشهر عندهم عدّ المُروءة [صفة] (٢) برأسها مشترطة في قبول الشهادة - وهو الأحسن.
"وأما الحُريّة، والذكورة، وعدم القَرَابة، والعداوة فمختصّ بالشهادة".
وكذلك جرّ الإنسان إلى نفسه نفعًا لا يمنع قَبُول الرواية، بخلاف الشهادة؛ لاشتراك النّاس في الرواية، صرَّح به ابن السَّمعاني.
стр. 938
حُكْمُ خَبَرِ مَجْهُولِ الحَالِ
مَسْأَلَةٌ:
مَجْهُولُ الْحَالِ لا يُقْبَلُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَبُولُهُ.
لَنَا الأَدِلَّةُ تَمْنَعُ مِنَ الظَّنِّ فَخُولفَ فِي الْعَدْلِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ وَأَيْضًا الْفِسْقُ مَانِعٌ فَوَجَبَ تَحَقُقُ ظَنِّ عَدَمِهِ كَالصِّبَا وَالكُفْرِ.
ونقل القَرَافِي في "الفرق" عن بعض شيوخه: أنه رأى منقولًا فيما إذا روى العبد حديثًا يتضمن عتقه أن تقبل روايته؛ لأن العموم موجب لعدم التهمة في الخصوص مع وازع العدالة.
قلت: ويتجه ألا تقبل إذا تضمّنت عتقه [هو] (١) وحده، وسيأتي في هذا كلام يعضُده عند ذكرنا الفرق بين الرِّوَاية والشهادة.
«مسألة»
الشرح: "مجهول الحال لا يقبل" (٢).
وعن أبي حنيفة ﵀: قبوله".
قيّده بعض أصحابه بالمجهول في صدر الإسلام.
أما في هذه الأعصر المشحونة بالفساد، فلا يقبل.
ثم المجهول؛ إما مجهول العين، أو معروف العين، ولكنه مجهول العدالة ظاهرًا،
стр. 939
قَالُوا: الْفِسْقُ سَبَبُ التَّثبُّتِ فَإِذَا انْتَفَى انْتَفَى.
وباطنًا -[وهذان] (١) لم يقل أحد من أصحابنا بقبول روايتها - أو مجهول العدالة باطنًا، ولكن ظاهره لا ينافي العَدَالة، وهو مستور [فهذا] (٢) فيه خلاف بين أئمتنا.
قال الأستاذ أبو بكر بن فورك، وسليم بن أيّوب [الرازي] (٣): يحتج بروايته - وعزاه بعضهم إلى الشافعي [نفسه] (٤)، وهو زَلَل عليه، والمذهب خلافه.
"لنا: الأدّلة تمنع من الظَّن فخولف في العدل"، وعمل فيه بالظَّن للدليل القائم عليه، فبقى ما عداه".
وإن شئت قل: لولا السُّنة وإجماع الصحابة لما علمنا بخبر الواحد، ولسنا على يقين من إجماعهم إلا حيث كان الواحد عدلًا، والنبي ﷺ لم يجهّز في رسله إلا عدلًا، فلو قبلنا المستور لقبلناه بلا دليل، وهذا دليل معتمد.
"وأيضًا: الفسق مانعٌ، فوجب تحقّقُ ظنّ عدمه كالصّبا والكفر".
ولك أن تقول: إذا كان مانعًا فالأصل في المانع إذا شك [فيه] (٥) عدمه.
الشرح: "قالوا: الفِسْق سبب للتثبُّت، فإذا انتفى انتفى".
"قلنا: لا ينتفي إلا بالخبرة، أو التزكية".
"قالوا: نحن نَحكم بالظَّاهر".
"وردّ بمنع الظَّاهر"، فإنا لا نسلّم أن ظاهر المستور العدالة، بل الأمران فيه مستويان، "ويتحقق ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [الإسراء: ٣٦] ".
"قالوا: ظاهر الصدق كإخباره بالزكاة، وطهارة الماء، ونَجَاسته ورقّ جاريته".
ورُدَّ بأن ذلك" ليس مما نحن فيه في شيء؛ فإنه ليس محل الخلاف، كما [قدمنا] (٦)، بل هو "مَقْبول مع" تحقّق "الفسق"، "والرواية أعلى رتبة".
стр. 940
قُلْنَا: لا يَنْتَفي إِلَّا بِالْخِبْرَةِ أَوِ التَّزْكِيَةِ.
ومن آثار الخلاف في المسألة قَبُول المخالفين رواية أبي سَهْل عن مسة الأزدية - وهما مجهولان - عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: كانت النُّفَسَاءُ تقعد على عهد رسول الله ﷺ أربعين يومًا.
فإن قلت: كيف قال الشافعي بانعقاد النكاح بحضور مستورين.
قلت: هذا هو الذي به وقع الزَّلل لمن نقل عن الشَّافعي العمل بخبر المَسْتُور، واعلم أن لأصحابنا أوجهًا في ذلك:
أحدها: لا ينعقد إلَّا بعدلين.
قال إمام الحرمين في "الأساليب": وهو الوجه.
والثاني: ينعقد بهما، وهو ظاهر النص والصحيح (١) أيضًا.
والثالث: إن كانا غريبين لم ينعقد النكاح بشهادتهما أصلًا، وإن كان الظّاهر العدالة، وقد عرفناهما وظننا بهما العدالة، ولم نبحث عن البَاطِنِ، فينعقد النِّكاح حينئذ.
فعلى عدم الانعقاد لا سؤال، وعلى الانعقاد نقول: قبول الرواية.
وإنما يتنزّل منزلة القضاء بالنِّكَاح، لا منزلة انعقاد النِّكَاح، والنكاح لا يقضى فيه التَّجاحد إلَّا بِعَدْلَيْنِ، فكذا الرواية.
وأما انعقاده فلأن من أحضر المستورين لم يترك الاحتياط والحزم؛ لأنه يعدلهما عند الاحتياج إليهما، إذا آل الأمر إلى الترافع، بخلاف المنتصر على فاسقيْن، ولو بَانَ الشَّاهدان فاسقين حال العقد، فالنكاح باطل على المذهب.
وقد ذهب إمام الحَرَمين في المستور إلى مقالة: أنا أحكيها، ثم أذكر ما عندي فيها.
قال: رواية العدل مقبولة، ورواية الفاسق مردودةٌ، ورواية المستور موقوفة إلى اسْتِبَانة حالته، فلو كُنا على اعتقاد في حل شيء، فروى لنا مستور تحريمه، فالذي أراه وجوب
стр. 941
قَالُوا: نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ.
الانكفَاف عما كنا نستحلّه إلى تمام البحث عن حال الرّاوي، قال: وليس ذلك حكمًا بالحظر [المترتب] (١) على الرواية، وإنما هو توقّف في الأمر، والتوقّف في الإباحة يتضمّن الإعجاز وهو في معنى الحَظْر، فهو إذن حظر مأخوذ من قاعدة في الشَّريعة ممهّدة، وهي التوقُّف عند بدوّ ظواهر الأمور إلى استبانتها، فإذا ثبتت العَدَالة، فالحكم بالرواية إذ ذاك، انتهى.
فأما قوله بالوقف في رواية المستور، فليس في الحقيقة إلّا نفس مذهبنا؛ فإنا لا نضرب صَفْحًا إذا روى لنا المستور خبرًا، ونتركه بالوراء نبحث عنه، والوقفة قائمة إلى استتمام البَحْثِ.
وأمّا قوله: "لو كُنَّا على اعتقاد في حلّ شيء" إلخ.
فقال ابن الأنباري في "شرح البرهان": هذا مجمع عليه.
وأنا أقول: هذا في غاية من الإشكال، والوجه عندي. أنا إن كنا باقين على البراءة الأصلية وروى المستور التحريم، فلما قال الإمام: اتجاه ظاهر - وإن كان للمتعنّت أن يُنَازع فيه - وإن كان الحلّ مستندًا إلى دليل شرعي، فلا وجه للإحجام، كيف واليقين لا يرفع بالشّك؟
ويشهد لهذه التَّفرقة أنَّ أصحّ الوجهين أن من قال لامرأته: إن كنت حاملًا فأنت طالق؛ [أنه] (٢) لا يحرم عليه وطؤها إلى أن يظهر الحمل؛ لأن الأصل عدمه، ولو قال: إن كنت حائلًا فالأصح: التحريم؛ لأن الأصل الحيال.
وما ادّعاه ابن الأنباري من الإجماع لا أعرفه.
وقد يستشهد لما نحن فيه بأن الصحيح فيمن ادّعى عينًا على رجل، وشهد له بها اثنان، وطلب الحَيْلُولة بينها، وبين المدّعى عليه إلى أن يزكى الشَّاهدان أنه يجاب، وإن ادعى دينًا حبس على أحد الوجهين، وصححه البغوي.
ولو شهد اثنان لعبد بأن سيده أعتقه، وطلب العبد الحَيْلُولةَ قبل التزكية، أجابه القاضي، وكذا إن لم يطلب، ورآها الحاكم على الأصح.
стр. 942
وَرُدَّ بِمَنع الظَّاهِرِ، وَبِنَحْوِ ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٣٦].
قَالُوا: ظَاهِرُ الصِّدْقِ كَإِخْبَارِهِ بِالذَّكَاةِ وَطَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ وَرِقِّ جَارِيَتِهِ.
وَرُدَّ بِأنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ مَعَ الْفِسْقِ، وَالرِّوَايَةُ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ ذَلِكَ.
وفي الأَمَةِ يتحتم الحَيْلُولة للبضغ، وكذا لو ادّعت المرأة الطَّلاق، يفرق الحاكم قبل التَّزكية.
[وقال المَازِرِيّ (١): فيما ذكره الإمام] (٢): الأظهرُ عندي أن يناط الحكم فيه باجتهاد سامع الخبر، وما يتوسم من حال المخبر، وينقدح في نفسه من صدقه أو كذبه، وحال الفعل ومشقّة الكف عنه، أو سهولته وقوّة التحريم الذي رواه أو ضعفه، وما لاحظه من أصول الشَّرْع بخبره من قوّة أو ضعف إلى غير ذلك مما يعلمه المجتهدون.
قلت: وهذا كلام مبني على قواعد المالكية، لا على أصولنا، ولا اتجاه له أيضًا على قواعدهم، وقدمنا معناه في "التعليقة".
ثم قال الإمام: لو فرض [فارض] (٣) اليأس من حال الرَّاوي واليأس من البحث عنها، بأن يروي مجهول لم ينغمس في غِمَارِ النَّاس، ويعسر [العثور] (٤) عليه، فهذه مسألة اجتهادية عندي، قال: والظاهر أنه لا تنقلب الإباحة تحت الانكفاف وتنقلب الإباحة كراهة.
وقد وافقه المَازِرِيّ على ذلك.
ولك أن تقول: الحكم بالكَرَاهَةِ من دون دليل لا سبيل إليه، ثم إن المصير إليها مخالف لمقتضى الرواية؛ إذ مقتضاها، التحريم [و] (٥) للدَّليل السَّابق؛ إذ قضيته استواء الطرفين، فإلى أي شيء يسند الكراهة؟
стр. 943
" الجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ"
مَسْأَلَةٌ:
الْأَكْثَرُ: أَنَّ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ يَثْبُتُ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ فِي الرِّوَايَةِ دُونَ الشَّهَادَةِ وَقِيلَ: لَا فِيهِمَا. وَقِيلَ: نَعَمْ فِيهِمَا الأَوَّلُ شَرْطٌ فَلَا يَزِيدُ عَلَى مَشْرُوطِهِ كَغَيْرِهِ.
«مسألة»
الشرح: "الأكثرون أن الجرح والتعديل يثبت بالواحد في الرواية دون الشَّهَادة".
"وقيل: لا فيهما"، وهو رأي القاضي (١).
"وقيل: نعم فيهما".
احتج "الأوّل" بأن كلا من وجود التعديل، وانتفاء الجرح "شرط، فلا يزيد على [مشروطه] (٢) لغيره".
"قالوا": الجَرْحُ والتعديل "شهادة، فيتعدّد" الجارح والمعدل كما في سائر الشهادات.
"وأجيب بأنه خبر"، ولا يشترط التعدُّد في الأخبار.
стр. 944
قَالُوا: شَهَادَةٌ فَيَتَعَدَّدُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ خَبَرٌ.
قَالُوا: أَحْوَطُ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الآخَرَ أَحْوَطُ وَالثَّالِثُ ظَاهِرٌ.
وقد [يؤخذ] (١) من هذا أن الشهادة عنده ليست خبرًا، بل إنشاء - وفيه كلام لسنا له الآن.
والحق عندنا: أن الشهادة ذات شَائبتين من الخبر والإنشاء.
"قالوا": اعتبار العَدَد فيهما "أحوط".
و "أجيب: بأن الآخر" - أي: اعتبار عدم العدد - "أحوط"؛ لاحتمال تضييع الأمر والنهي عند عدم اعتبار قَوْلِ الواحد، وذلك حيث لا يكون في القضية غير راوٍ واحد.
"و" المذهب "الثَّالث" دليله "ظاهر" من المذهبين.
وهنا نذكر لك حَقِيْقَةَ الفرق بين الشَّهادة والرواية، فإنه مهم.
وقد نقل القَرَافِي في "الفروق" أن المَازِرِيّ قال في "شرح البرهان": هما خبران غير أن المخبر عنه إن كان [عامًّا] (٢) لا يختص بمعين، ولا ترافع فيه إلى الحكام فهو الرواية.
وإن كان خاصًّا بمعين، والترافع فيه ممكن فهو الشهادة - ورأيت أنا كلام المَازِرِي - وبهذا فرق، غير أنه لم يذكر أنّ الشهادة خبر.
وإذا وضح لك وجه الفَرْق بين الشَّهادة والرواية - لاح مناسبة اعتبار العدد في الشهادة استظهارًا، دون الرواية، [وثبتت] (٣) على الأصلين التَّزكية فيهما.
ويحقق المُنَاسبة وجوه ذكرها شيخ الإسلام أبو محمد بن عبد السَّلام.
أحدها: أن الغالب من المسلمين مهابة الكَذِبِ على وسول الله ﷺ بخلاف شهادة الزُّور، فاحتيج إلى الاستظهار فيها.
стр. 945
مَسْأَلَةٌ:
قَالَ الْقَاضِي: يَكْفِي الْإِطْلَاقُ فِيهِمَا.
وَقِيلَ: لَا فِيْهِمَا.
والثاني: أنه قد ينفرد بالحديث النبوي شاهد واحد، فلو لم يقبل لفات على أهل الإسلام تلك المَصْلحة العامة، بخلاف فوات حق واحد على شخص واحد في المُحَاكمات.
وبهذا يظهر لك أن العمل بِتَزْكية الواحد في الرواية أحوط كما تقدم.
والثالث: أن بين كثير من المسلمين إحَنًا وَعَداوَات قد تحملهم على شهادة الزور، بخلاف الأخبار النبوية.
وربما اضطرب النَّظر في فروع؛ لتردّدها بين الشهادة والرواية، فنشأ عنه خلاف في اشتراط العدد؛ كهلال رَمَضَان [والقَائِف] (١)، والقَاسِم، وتُرْجُمَان القاضي، ونحو ذلك.
ومن فروع الفرق ما ذكره البَغَوِيّ، أنه لو أشكلت الحادثة على القاضي رجلًا، ثم رجع الراوي وقال: تعضدت الكذب ينبغي أن يجب القصاص؛ كالشّاهد إذا رجع، والذي ذكره القَفَّال في "الفتاوى"، والإمام: أنه لا قِصَاص، بخلاف الشَّهادة، فإنها تتعلّق بالحادثة، والخبر لا يختصّ بها.
«مسألة»
الشرح: هل يكفي الإطلاق في الجرح والتعديل، أم لا بد من ذكر سببهما؟
"قال القاضي: يكفي الإطلاق فيهما" - كذا نصّ عليه في "التقريب" و "مختصره".
"وقيل: لا فيهما".
"وقال الشَّافعي ﵁": يكفي الإطلاق "في التَّعديل" دون الجَرْحِ.
"وقيل: بالعكس" - ونقله الإمام في "البرهان" عن القاضي، وقال: إنه أوقع في مأخذ الأصول - ولا أعرف مستنده في عَزْوِه إلى القاضي.
"وقال الإمام: إن كان عالمًا" بأسباب الجَرْح والتعديل، "كفى" الإطلاق "فيهما، وإلا لم يكف" - وتبعه الغَزَالي، والإمام الرازي وغيره.
стр. 946
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: فِي التَّعْدِيلِ.
وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنْ كَانَ عَالِمًا كَفَى فِيهِمَا وَإلَّا لَمْ يَكْفِ.
الْقَاضِي: وَإنْ شَهِدَ مِنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا وَفِي مَحَلِّ الْخِلَافِ مُدَلِّسٌ.
وعندي: أن هذا ليس مذهبًا خامسًا، فإنه لا يذهب محصل إلى قَبُول ذلك مطلقًا من رجل [غمر] (١) جاهل لا يعرف ما يجرح به، ولا ما يعدل به - وقد أشار إلى هذا القاضي، وإنما موضع الخلاف إذا وقع ذلك من عالم.
وإذا عرفت موضع الخلاف، فالمختار عندي في الشَّهادة، الفرق الذي ذهب إليه الشّافعي ﵁، وفي الرواية الاكتفاء بالإِطلاق في الجرح والتَّعديل جميعًا، إذا عرف هذا الجارح فيما يجرح به.
الشرح: "القاضي إن شهد من غير بَصِيرةٍ لم يكن عدلًا"، وإن شهد بالعَدَالة "و" الفِسق "في محل الخلاف" - أي: في الموضع المختلف في أنه هل هو سبب الجرح، فهو "مدلّس" فلا يكون عدلًا؟
"وأجيب: بأنه قد يبنى على اعتقاده، ولا يرف الحال"، فلا يكون مُدَلِّسًا.
فإن قلت: سيقول: إن التَّدليس (٢) لا يوجب الجرح على الأصح؛ وقضية كلامه هنا موافقة القاضي على أن التدليس جارح.
стр. 947
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ يَبْنِي عَلَى اعْتقَادِهِ أَوْ لَا يَعْرِفُ الْخِلَافَ.
قلت: المراد بالتَّدْليس ثَمَّ غير المراد به هنا، فإن التَّدليس هنا وقع في موضع الحاجة لإيضاح، وهو الأماكن المختلف فيها، ولا كذلك ثَمَّ.
стр. 948
الثَّانِي: لَوِ اكَتَفَى لأُثْبِتَ مَعَ الشَّكِّ لِلالْتِبَاسِ فِيهِمَا.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا شَكَّ مَعَ إِخْبَارِ الْعَدْلِ.
الشَّافِعِيَّةُ: لَوِ اكْتَفَى فِي الْجَرْحِ لأَدَّى إِلى التَّقْلِيدِ لِلاخْتِلَافِ فِيهِ.
الْعَكْسُ: الْعَدَالَةُ مُلْتَبِسَةٌ لِكَثْرَةِ التَّصَنُّعِ بِخِلَافِ الْجَرْحِ.
الشرح: "الثاني: لو اكتفى لا يثبت مع الشَّك؛ للالتباس فيهما".
و "أجيب: بأنه مع إخبار العدالة.
وبهذا يعرف أن الكلام في العدل [العارف] (١)، وإلا فالشَّك قائم عند الجهل.
الشرح: الشَّافعية: لو اكتفى بالجرح لأدى إلى التقليد؛ للاختلاف فيه"، فكم من صفةِ جارحة عند قوم غير جارحة عند آخرين.
وبهذا فرقت [أنا] (٢) بين مَنْ يَعْلم ماذا [يجرح] (٣) به؟ ممن لا يعلم، وأرى أنه رأى الشَّافعي، فإنه إذا عرف رأي الجارح في الجرح لم يعد إلى التقليد.
الشرح: "العكس العدالة مُلْتَبِسَة لكثرة التصنع، بخلاف الجرح" (٤).
стр. 949
الْإِمَامُ: غَيْرُ الْعَالِمِ يُوجِبُ الشَّكَّ.
مَسْأَلَةٌ:
الْجَرْحُ مُقَدَّمٌ. وَقِيلَ: التَّرْجِيحُ.
وجوابه: أن العدالة تحتاج إلى أمور يتعذر ضبطها وذكرها، أو يتعسّر، بخلاف الجرح، فاعتمد على العدل، ومَنْ يلتبس عليه، ولا يختبر فَلَيْسَ بصالح للتزكية، ولا كلام فيه.
الشرح: "الإمام: غير العالم يوجب الشَّك"، وهو صحيح، لكنه ليس في مَحَلّ الخلاف كما عرفت (١).
«مسألة»
الشرح: "الجرح مقدَّمٌ" - عند التعارض على التّعديل (٢).