(٦٩) السؤال: سألتُ أبي عن السِّنَّوْر (١)؟
الجواب: لا يُعجبني أَكْلُه، أليس هو يُشبِه السِّباع؟!
[مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (٢/ ٨٨٥)]
* * *
(٧٠) السؤال: الهرُّ الإنسيُّ كالوحشيِّ أم لا ؟
الجواب: أمَّا ابنُ القاسم قال: لا يُؤكَلُ، وأمَّا ابنُ وَهْبٍ قال: لا بأسَ بأَكْلِهِ.
[فتاوى ابن سحنون (ص ٥٠٩)]
* * *
أَكْلُ ابْنِ عِرْسٍ
(٧١) السؤال: سألتُ أبي عن ابن عِرْسٍ ؟
الجواب: كلُّ شيء يأخُذُ يَنْهَشُ بأنيابِه فهو من السِّباع، وكلُّ شيء يأخُذُ بمَخَالِبِه فهو ممَّا نُهِيَ عنه من كُلِّ ذي مِخْلَبٍ من الطير.
[مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (٣/ ٨٨٧ - ٨٨٨)]
* * *
أَكْلُ الفَأْرِ
(٧٢) السؤال: هل تُؤْكَلُ الفَأْرَةُ ؟
الجواب: الفَأْرَةُ من الأشياء التي أُمِرَ بقَتْلِها، وقد سبق في جواب السؤال الأوَّل (٢) أنَّ هذا يدلُّ على التحريم، فلا يجوز أَكْلُها، والدليل الذي سبق في جواب السؤال الأوَّل يُستدلُّ به هنا. وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم.
[فتاوى اللجنة الدائمة (رقم ٢٥٩٩)]
* * *
(٧٣) السؤال: سألتُ عن أَكْلِ الفَأْرِ ؟
стр. 142
الجواب: من يأكُل الفَأْر؟! سمَّاها رسُول الله ﷺ الفُوَيْسِقَة.
[مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (٣/ ٨٩٥ - ٨٩٦)]
* * *
أكلُ الحَيَّة
(٧٤) السؤال: ما الحُكمُ الشرعيُّ في أَكْلِ الحَيَّة ؟
الجواب: ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم الحيَّة؛ لأنَّها من الهوامِّ الخبيثة، فتدخل في قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وذهب المالكيَّة إلى إباحة أَكْلِها إذا أُمِن سُمُّها، ولا تَحِلُّ إنْ كانت مقدوراً عليها إلَّا بتذكيتها من حَلْقِها، أمَّا إذا كانت غير مقدور عليها فتَحِلُّ بقطع شيء منها يُعَجِّل بموتها كالصَّيد؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، واللجنة ترى الأخذ بهذا. والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٥٢ - ٥٣)]
* * *
(٧٥) السؤال: هل يأْكُلُ الحيَّةَ إذا لم يَخَفْ سُمَّها ؟
الجواب: (الأصلُ في الأشياء الإباحة إلَّا ما دلَّ الدليل الشرعي على تحريمه)، والتحريم كما يُستفاد من النَّهي المتجرِّد عن القرائن التي تصرفه عن دلالته الأصليَّة، كذلك يُستفاد التحريم من الأمر بالقتل، والحيَّة من الدوابِّ التي أُمِرَ بقتلها، فعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالحَرَمِ: الحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالحُدَيَّا). رواه أحمد (٦/ ٣٣،
стр. 143
(٨٧).
[فتاوى اللجنة الدائمة (رقم ٢٥٩٩)]
* * *
(٧٦) السؤال: هل يجوز أكلُ لحم الفِيلِ والضِّفْدَع والأفْعَى ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله.
يَحرُمُ تناولُ لحوم كلٍّ من الفيل، والضِّفْدع، والأفعى.
أمَّا الفيل؛ فلأنَّه من ذوات الأنياب القويَّة التي قد تَعْدُو بها على غيرها. انظر: (مغني المحتاج ٦/ ١٤٩).
وأمَّا الضِّفْدع؛ فلنَهْي النَّبيِّ ﷺ عن قَتْلِها، والأكلُ لا يكون إلَّا بالقتل؛ عن عبد الرحمن بن عثمان ﵄: (أنَّ طَبِيْباً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ؟ فَنَهَاه النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِها) رواه أبو داود (٥٢٦٩)، وصحَّحه النوويُّ في (المجموع ٩/ ٣٤).
وأمَّا الأفعى؛ فلأنَّها من الفواسق التي أَمَرَ النَّبيُّ ﷺ بقَتْلِها وإتلافها؛ لما فيها من الأذى، ولو كانت تؤكلُ لما سمَّاها ﵊ بالفواسق، ولَمَا أَمَرَ بإتلافها ومنع من اقتنائها؛ يقول الخطيب الشربيني ﵀: «لأنَّ الأمر بقتل ما ذُكِرَ إسقاطٌ لحُرمَتِه، ومَنْعٌ من اقتنائه، ولو أُكِلَ لجاز اقتناؤه» انتهى. (مغني المحتاج ٦/ ١٥١). والله أعلم.
[فتاوى دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٥٩٠)]
* * *
أَكْلُ الحَيَّةِ وَالعَقْرَبِ
(٧٧) السؤال: سألتُ أبي عن أَكْلِ الحيَّة والعَقْرَب ؟
الجواب: قال ابن سيرين: يَسْقِي ابنُ عمرَ ولده التِّرْياق. ولو عَلِمَ ما فيه ما سَقاهُ.
قال أبي: أكرهُ الحيَّة والعَقْرب؛ وذلك أنَّ العقرب لها حُمَةٌ، والحيَّات لها ناب.
[مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (٢/ ٨٩٣)]
стр. 144
(٧٨) السؤال: رجلٌ فلَّاحٌ لم يُعلَم دينُه ولا صلاتُه، وإنَّ في بَلَدِه شيخاً أعطاهُ إجازةً وبَقِيَ يَأكُلُ الثَّعابينَ والعَقارِبَ، ونَزَل عَنْ فِلاحَتِهِ ويَطْلُبُ رِزْقَهُ؛ فهل تجُوزُ الصَّدَقَةُ عليه أم لا ؟
الجواب: الحمد لله، أَكْلُ الخبائثِ وأَكْلُ الحَيَّاتِ والعَقارب حَرامٌ بإجماع المسلمين، فمن أَكَلَها مُسْتَحِلًّا لذلك فإنَّه يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلَّا قُتِلَ، ومن اعتقد التَّحريمَ وأَكَلَها فإنَّه فاسقٌ عاصٍ لله ورسوله، فكيف يكون رجلًا صالحاً؟ ولو ذَكَّى الحَيَّة لكان أَكْلُها بعد ذلك حَراماً عند جماهير العُلماء؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ وَالحَرَمِ: الحَيَّةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالحِدْأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ). فأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ بقَتْلِ ذلك في الحِلِّ والحَرَم، وسمَّاهنَّ فواسِق؛ لأنَّهنَّ يَفسُقن؛ أي يَخْرُجن على النَّاس ويَعْتَدين عليهم، فلا يمكن الاحترازُ منهنَّ كما لا يُحترز من السِّباع العاديَة، فيكون عُدْوان هذا أَعظم من عُدوان كُلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وهُنَّ أخْبَثُ وأَحْرَم ... .
[مجموع فتاوى ابن تيمية (١١/ ٦٠٩ - ٦١٠)]
* وانظر: فتوى رقم (٨٠)
* * *
أَكْلُ لَحْمِ القِرْد
(٧٩) السؤال: هل تُؤكَلُ القِرَدَةُ، ولماذا ؟
الجواب: لا يجوز أكلُ القِرْد، والأصل في ذلك ما ثبت عن رسول الله ﷺ من تحريم كُلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وكُلِّ ذي مِخْلَبٍ من الطَّير، والقِرْد من ذوات الناب، ومن الأدلَّة ما رواه ابن عبَّاس ﵄ قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْر). رواه الجماعة إلَّا البخاري والترمذي.
[فتاوى اللجنة الدائمة (رقم ٢٥٩٩)]
стр. 145
أَكْلُ الفِئْران والثَّعابين والقِرَدَة والقَواقِع
(٨٠) السؤال: هل يجوزُ أَكْلُ الفِيران، والثَّعابين، والحَنَش السَّام، والقِرَدَة، والقَواقع الحَلَزونيَّة ؟
الجواب: لا يجوزُ أَكْلُ الفِيران والثعابين والحَنَش السَّام والقِرَدة؛ لأنَّ جِنْسها ممَّا يفترس بنابه، وقد (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَكْلِ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ)، ولأنَّها مستخبثة، وقد قال الله تعالى في بيان صفة النبي ﷺ : ﴿لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
أمَّا القواقع الحلزونيَّة فيجوز أكلُها؛ لأنَّها من صيد البحر، فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦].
وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم.
[فتاوى اللجنة الدائمة (رقم ٢٥٨٦)]
* * *
أَكْلُ الغُرَيْرَاءُ (١) المُسمَّى بِالضَّربان
(٨١) السؤال: ما حُكمُ الغُرَيْرَاء الموجودة في البلاد الشاميَّة ؟
الجواب: لم نظفر بهذا الاسم في كتب الفقهاء، وإنَّما رأينا في (مختصر الحيوان) أنَّها الضَّربان؛ أخذاً من أوصافٍ ذَكَرَها موجودة في الغريراء، وأنَّها لا تَحِلُّ، والله أعلم.
[فتاوى الخليلي (٢/ ١٦٨)]
* وانظر: فتوى رقم (٤٤)
* * *
أَكْلُ لَحْمِ القُنْفُذ والثَّعْلَب والضَّبُع
(٨٢) السؤال: ما الحكم الشرعي في أكل لحم كلٍّ من: القُنْفُذ والثَّعْلَب والضَّبُع ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام
стр. 146
على سيِّدنا رسول الله.
لا حرج في مذهبنا في أَكْل كلٍّ من القُنْفُذ، والثَّعْلب، والضَّبُع؛ لأنَّها من الطيِّبات التي تستطيبها العرب، وقد قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]؛ فما استطابته العرب في عادتها كان حلالاً، وما عدُّوه خبيثاً فهو مُحرَّم؛ لأنَّ القرآن نزل بلغتهم، فكان عُرْفُهم في تفسير قوله تعالى: ﴿الطَّيِّبَاتُ﴾ هو الحكم.
وأمَّا اشتمال كلٍّ من الثَّعْلَب والضَّبُع على أنياب، فهذا ليس بسبب كاف في التحريم؛ لأنَّها -كما يقول عُلماء الحيوان- لا تصطاد بنابها، وإنَّما تقتات على فتات ما يصطاده غيرها من ذوات الأنياب المفترسة، فسبب التحريم ليس فقط الاشتمال على الناب، بل وأنْ يجتمع مع ذلك العَدْوُ والاصطيادُ به. ولذا لا يَحْرُم الضَّبُع والثَّعْلَب ونحوهما؛ لفقد هذين الشرطين.
وقد استدلَّ فقهاؤنا على جواز أَكْلِ الضَّبُع بما جاء عن ابن أبي عمَّار قال: (قُلْتُ لِجَابِرٍ: الضَّبُعُ أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: آكُلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ قُلْتُ: أَقَالَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ). قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ. وانظر: (مغني المحتاج ٦/ ١٤٨). والله أعلم.
[فتاوى دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٥)]
* * *
أَكْلُ القُنْفُذ والنَّيْص
(٨٣) السؤال: [ما حُكمُ أَكْلِ القُنْفُذ والنَّيْص ؟]
الجواب: القُنْفُذ هو ذو الشَّوْك القِصَار، وهو (الدَّعْلَج)، والدليل على تحريمه: الخبث، وأهلُ نَجْدٍ لا يأكلونه، ولا يأكُلُه إلَّا الذين يأكلون الثَّعْلَب.
والنَّيْص ذو الشَّوْك الطِّوال. واسم القُنْفُذ يشمله.
[فتاوى ورسائل الشيخ محمَّد بن إبراهيم (١٢/ ٢١٢)]
стр. 147
(٨٤) السؤال: هل يجوز أكل القُنْفُذ؟ أفتونا مأجورين .
الجواب: اختلف الفقهاء في حكم أكله، وروي عن النبيِّ ﷺ حديثٌ في تحريمه؛ فالأحوط تَرْكُ أكْلِه، والله أعلم.
[فتاوى ورسائل للشيخ محمَّد السبيل (ص ٤ ٨١ - ٤٨٢)]
* * *
(٨٥) السؤال: ما حُكمُ أَكْلِ حَيوان النَّيْصِ المعروف ؟
الجواب: قد اختلف العُلماء ﵏ في حكمه، فمنهم من أحلَّه ومنهم من حرَّمه، وأصحُّ القولين أنَّه حلال؛ لأنَّ (الأصل في الحيوانات الحلُّ)؛ فلا يَحْرُم منها إلَّا ما حرَّمه الشرع، ولم يرد في الشرع ما يدلُّ على تحريم هذا الحيوان، وهو يتغذَّى بالنبات كالأرنب والغزال، وليس من ذوات الناب المفترسة، فلم يبق وجهٌ لتحريمه.
والحيوان المذكور نوع من القنافذ، ويسمَّى الدُّلْدُل، ويعلو جلدَه شَوْكٌ طويل، وقد سُئل ابن عمر ﵄ عن القنفذ، فقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ الآية [الأنعام ١٤٥]، فقال شيخٌ عنده: إنَّ أبا هريرة روى عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (إِنَّهُ خَبِيثٌ مِنَ الخَبَائِثِ)، فقال ابن عمر: (إِنْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ ذَلِكَ، فَهُوَ كَمَا قَالَهُ).
فاتَّضح من كلامه ﵁ أنَّه لا يعلم أنَّ الرسول ﷺ قال في شأن القنفذ شيئاً، كما اتَّضح من كلامه أيضاً عدم تصديقه الشيخ المذكور، والحديث المذكور ضعَّفه البيهقي وغيره من أهل العلم؛ بجهالة الشيخ المذكور.
فعُلم ممَّا ذكرنا صحَّة القول بحِلِّه، وضعف القول بتحريمه، والله أعلم.
[مجموع فتاوى الشيخ ابن باز
стр. 148
(٢٣/ ٣٥ - ٣٦)]
* وانظر: فتوى رقم (١٣١)
* * *
أَكْلُ الصَّقَنْقُور
(٨٦) السؤال: فضيلة الشيخ: ما حُكمُ أَكْلِ ما يُسمَّى بالصَّقَنْقُور؟
الشيخ: الصَّقَنْقور إيش هو هذا ؟
السائل: دابَّة تكون في الرَّمْل.
الجواب: الظاهر أنَّها من الحشرات المُحرَّمة؛ لأنَّها مستخبثة، وهي -كما ذكر الأخ- دُوَيْبَةٌ تَنْدَسُّ في الرَّمْل، ليس لها جُحْرٌ معلومٌ، إذا لحقها الإنسان اندسَّت في الرَّمل، ولهذا يُسمِّيها بعضهم: الدِّسِّيسَة؛ لأنَّها تندسُّ في الرَّمْل، هذه من المحرَّمات؛ لكن يجب أن نعلم أنَّ فيما أحلَّ الله تعالى لنا غِنًى عنها، فلو قال قائل: ما هو الدليل على التحريم؟ لا يستطيع الإنسان أن يأتي بدليل على تحريمها بعينها، فربما يقول قائل: الأصلُ الحِلُّ، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. فيقال: من باب الورع واجتناب الشبهات وأن تتركها إلى ما أحلَّ الله لك على وجه لا شبهة فيه ولا إشكال، نقول: بدلًا من هذا اطلب ضَبًّا وكُلْهُ؛ لأنَّ الضبَّ حلال.
[لقاءات الباب المفتوح - ابن عثيمين (رقم ١٣٣)]
* * *
أَكْلُ البَغْلِ المُتَوَلِّدِ مِنْ حِمَارِ وَحْشٍ وَفَرَسٍ
(٨٧) السؤال: بَغْلٌ تولَّدَ من حِمارِ وَحْشٍ وفَرَسٍ؛ هل يُؤكَلُ أم لا ؟
الجواب: إذا تولَّد البَغْلُ بين فَرَسٍ وحِمارِ وحشٍ، أو بين أَتانٍ وحِصانٍ، جازَ أَكْلُه، وهكذا كُلُّ مُتولِّدٍ بين أصلَيْن مُباحَيْن؛ وإنِّما حَرُمَ ما تولَّد من بين حلالٍ وحرامٍ؛ كالبَغْلِ الذي أحد
стр. 149
أبوَيْه حِمارٌ أَهْلِيٌّ، وكالسِّمْعِ (١) المُتولِّد بين الضَّبُع والذِّئْبِ، والإِسْبَارُ (٢) المُتولِّد من بين الذِّئْب والضِّبْعان، والله أعلم.
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٥/ ٢٠٨)]
* وانظر: فتوى رقم (٥، ١١)
* * *
نَعْجَةٌ وَلَدَتْ خَرُوفاً نِصْفُهُ كَلْبٌ وَنِصْفُهُ خَرُوفٌ
(٨٨) السؤال: نعجةٌ وَلَدَتْ خَروفاً نِصْفُه كَلْبٌ ونِصْفُه خَروفٌ وهو نِصْفانِ بالطُّولِ؛ هل يَحِلُّ أَكْلُه؛ أو تَحِلُّ ناحِيَةُ الخَروفِ ؟
الجواب: الحمد لله، لا يُؤْكَلُ مِنْ ذلك شيءٌ؛ فإنَّهُ مُتولِّدٌ مِنْ حلالٍ وحرامٍ، وإنْ كان مُميَّزاً؛ لأنَّ الأَكْلَ لا يَكونُ إلَّا بعد التَّذْكِيَةِ، ولا يَصِحُّ تَذْكِيَةُ مثل هذا؛ لأَجْلِ الاختلاط. والله أعلم.
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٥/ ٢٠٩)]
* * *
(٨٩) السؤال: ما قولُكُم في حيوانٍ تَوَلَّد من مُباحِ [الأَكْل] ومُحرَّمِه؛ [فهل] يؤكل مطلقاً، كان أبوه من مُحَرَّمَ الأَكْلِ، وأُمُّهُ مِنْ مُباحِهِ، أو بالعكس، جاء على خِلْقَةِ المُحَرَّمِ أو على خِلْقَةِ المُباحِ، أو كيف الحال؟ أفيدوا الجواب .
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله.
يُؤكَلُ ما أُمُّه وهو على خِلْقَةِ المباح، وغيرُه لا يُؤكَلُ. قال (عج) (٣): ما تولَّد
стр. 150
من المباح وغيره من محرَّمٍ أو مكروهٍ؛ هل تكون فَضْلَتُه طاهرةً أو نجسةً؟ والظَّاهر أنَّه يُلْحَقُ بالأُمِّ؛ لقولهم: كلُّ ذاتِ رَحِمٍ فَوَلَدُها بمنزلتها. اهـ.
قال في (ضوء الشُّموع): قيَّده بعضُهم بما إذا لم يكن له صورة مُحرَّمٍ؛ كأن وَلَدَتِ البقرةُ بَغْلًا أو حِماراً فيَحرُمُ احتياطاً، كما أنَّه إن كانت صورته مباحةً وأُمُّهُ مُحرَّمةً ألحِقَ بها احتياطاً اهـ.
وقال الخرشيّ في شرح قوله: (وذكاةُ الجنين بذكاة أُمِّه): «وهذا إذا كان من جِنْس الأُمِّ، ولو من غير نوعها؛ فلو وُجِدَ خنزيرٌ ببطْنِ شاةٍ، أو بَغْلٌ ببطْنِ بقرةٍ؛ لم يؤكل، بخلاف شاةٍ ببطْنِ بقرةٍ؛ لأنَّها من جنس ذوات الأربع». اهـ.
قال محشِّيه العَدَوِيُّ: قوله: (وهذا إذا كان من جنس الأُمِّ): «أي بأنْ كان يجوز أكلُه مع الأُمِّ، ولو اختلفَ النَّوعُ؛ فلو وُجِدَ خنزيرٌ في بطْنِ شاةٍ فلا يؤكَلُ، كما إذا وُجِدَت شاةٌ ببطْنِ خنزيرةٍ، فلو أنَّ تلك الشَّاة كَبُرَتْ ووَلَدَت فتؤكَلُ أولادُها حيث حَمَلَتْ مِنْ جِنْسِ المأكول». اهـ.
[فتاوى ابن علِّيش (١/ ١٨٩ - ١٩٠)]
* وانظر: فتوى رقم (٥)
стр. 151
ثانياً: حيوان الماء:
أَكْلُ حَيوانِ البَحْرِ
(٩٠) السؤال: هل حَيوان البَحْر [كُلُّه] حلالٌ أم لا ؟
الجواب: (الأصلُ في حيوان البحر الذي لا يعيش عادة إلَّا فيه الحِلُّ)؛ لقوله : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، وقوله ﵊ في البحر: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ). سنن الترمذي (الطهارة ٦٩)، سنن النسائي (المياه ٣٣٢)، وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلِّم.
[فتاوى اللجنة الدائمة (رقم ٥٨٢٨)]
* * *
(٩١) السؤال: هل يَحْرمُ أَكْلُ شيءٍ من حيوانات البَحْر؟ وما هي هذه الحيوانات ؟
الجواب: لا يَحْرُمُ أكلُ شيءٍ مِنْ حيوانات البحر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ... ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، ولأنَّ الأصل الجواز حتَّى يثبت ما ينقل عنه، ولعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، وعموم قول النبي ﷺ : (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ). سنن الترمذي (الطهارة ٦٩)، سنن النسائي (المياه ٣٣٢)، سنن أبي داود (الطهارة ٨٣). وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم.
[فتاوى اللجنة الدائمة (رقم ١١٨٧٠)]
* * *
(٩٢) السؤال: قرأتُ في كتاب أنَّ كلَّ شيءٍ يعيش في البَحْر يمكن أَكْلُه ، ولكنِّي
стр. 152
سمعتُ أنَّ هناك بعض الحيوانات التي تعيش في البَحْر لا يجوزُ أَكْلُها؛ فهل هذا صحيح؟ وما هو الحُكمُ الشرعيُّ في أَكْل صَيْدِ البَحْر؟
الجواب: صيد البحر كُلُّه حلالٌ حتَّى للمُحْرِمِين يجوز لهم أن يصطادوا في البحر؛ لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، فصيد البحر هو ما أُكِلَ حيًّا، وطعامه ما وُجِدَ ميتاً، وظاهر الآية الكريمة أنَّه لا يُستثنى من ذلك شيءٌ؛ لأنَّ (صَيْد) اسمٌ مفردٌ مضاف، والمفردُ المضافُ يفيدُ العمومَ؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا﴾ [النحل:١٨]، فإنَّ (نعمة) مفردٌ هنا، ولكن المراد بها العموم، وهذا القول هو الصحيح الراجح؛ أنَّ صيد البحر كُلَّه حلالٌ، لا يُستثنى منه شيءٌ، واستثنى بعض أهل العِلْم من ذلك الضِّفْدَع والتِّمْساح والحيَّة وقال: إنَّه لا يَحِلُّ أَكْلُها، ولكن القول الصحيح العموم، وأنَّ جميع حيوانات البحر حلالٌ حيَّةً وميتةً.
[فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٤٢ ٩)]
* * *
(٩٣) السؤال: هل كلُّ ما في البَحْر من الحيوانات يَجوزُ أَكْلُه ؟
الجواب: قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، فصيده: ما يصاد فيه، وطعامه: ما لَفَظَهُ ميِّتاً، فكلُّه مباح بدون ذكاة، لقول النبيِّ ﷺ في البحر: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ). وظاهره: أنَّ كلَّ دوابِّ البحر صيدٌ حلالٌ حيًّا وميِّتاً.
استثنى بعضهم الضفادع؛ ففي (السُّنن) و (المُسند) (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ).
وذهب بعضهم إلى أنَّ ما حرم شبيهه في البَرِّ حرم في البحر؛ ككلب
стр. 153
الماء وحَيَّاته. وإنْ كان الأصل عموم الإباحة لصيد البحر إلَّا ما يعيش في البرِّ، والله أعلم.
[الفتاوى الشرعية في المسائل الطبيَّة، لابن جبرين (٢/ ٣٦) - (الموقع)]
* * *
(٩٤) السؤال: هل كُلُّ حيوانات البَحْر جائزٌ أَكْلُها ؟
الجواب: سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن ماء البحر فقال: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ). والحديث يدلُّ على جميع مَيْتَة البَحْر كُلِّها، ويُستثنى من هذا التِّمْساح والضِّفْدع، وكذا ما لو كان السَّمك سامًّا أو ضارًّا أو مُستخبَثاً أو نحو ذلك، فلا يجوز أَكْلُه؛ لعموم الأدلَّة الدالَّة على النهي عن مثل هذه الأطعمة، كقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وما سوى ذلك، فالأصلُ إباحتُه؛ لعموم الحديث. وبالله التوفيق.
[فتاوى ورسائل مختارة - ابن سبيل (ص ٤٨١)]
* * *
حُكْمُ مَيْتَةِ السَّمَك وَحُكْمُ البَرْمَائِيَّاتِ
(٩٥) السؤال: قول النبي ﷺ : (البَحْرُ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتهُ)، هل ميتة السَّمَك في النهر أو الحوض أو البركة طاهرة؟ وما حكم البرمائيَّات ؟
الجواب: قول الرسول ﵊ عن الوضوء بماء البحر: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ) يشمل كلَّ ميتات الماء، كلُّ شيء لا يعيش إلَّا في الماء فميتته طاهرة، هذا الظاهر، سواء كان في بِرْكَةٍ أو في نَهْرٍ أو في غَدِيرٍ أو في غير ذلك، كلُّ شيءٍ يعيش في الماء فإنَّ ميتته طاهرة.
السائل: البرمائيَّة؟
الشيخ: أمَّا الذي يعيش في البَرِّ والبحر فلا بُدَّ من ذكاته.
[لقاءات الباب المفتوح - ابن عثيمين (رقم ١٦٤)]
стр. 154
التَّسْمِيَةُ عَلَى صَيْدِ السَّمَكِ
(٩٦) السؤال: قلتُ: أرأيتَ صيد السَّمك أيحتاج فيه إلى التَّسمية كما يحتاج في صيد البرِّ إلى التَّسمية عند الإرسال ؟
الجواب: قال: لا، ولم أسمع من مالكٍ فيه شيئاً، ولكن صيد البحر مذكًّى كلُّه عند مالكٍ، فإنَّما يحتاج إلى التَّسمية ما يذكَّى، ألَا ترى أنَّ المجوسيَّ يصيده فيكون حلالًا.
[المدوّنة الكبرى (١/ ٥٣٧)]
* * *
صَيْدُ السَّمَكِ فِي الحَرَمِ المَكِّيِّ
(٩٧) السؤال: اشتريت مجموعة كبيرة من الأسماك الحيَّة من أطفال بمَكَّة، وبعد مدَّة من الزمن علمتُ أنَّ مصدر هذه الأسماك هو منطقة في مَكَّة يوجد فيها الماء الجاري دائماً، وتعيش هذه الأسماك فيها، فهل يَلْحَق بي الإثم في تربية أو أكل ما اشتريت من هذه الأسم اك؟
الجواب: لا يجوز اصطياد الصيد في الحَرَم؛ لا السَّمَك ولا غيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في (مجموع الفتاوى) (٢٦/ ١١٧): «ولا يصطاد به صيداً، وإن كان من الماء؛ كالسَّمَك على الصحيح». انتهى. وقال في (الزاد وشرحه) (٤/ ٢٦): «ولا يحرمُ صيدُ البحر إن لم يكن بالحَرَم». قال ابن قاسم في (الحاشية): «فإن كان بالحَرَم؛ حَرُمَ صيدُه، جزم به غير واحد، وصحَّحه في التصحيح وغيره، والشارح والشيخ وغيرهما؛ لأنَّ التحريم فيه للمكان» انتهى.
فعليه؛ لا يَحِلُّ للسائل صيد هذه الأسماك التي تعيش في ماء بالحَرَم، ولا أَكْلُها؛ لعموم قوله ﷺ في الحَرَم: (وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ)، والله أعلم.
[المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان (١٢٤٤، ١٢٤٥) - (الموقع)]
стр. 155
صَيْدُ السَّمَك بالشَّبَكَة
(٩٨) السؤال: [ما حُكمُ صَيدِ السَّمَك بالشَّبَكَة ؟]
الجواب: سمعتُ أبي يقُول في صيد السَّمك بالشَّبِكَة: لا بأس به، ليس فيه اختلاف، وهُو أحبُّ إليَّ من نبع الحصى.
[مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (٣/ ٨٨١)]
* * *
أَكْلُ السَّمَك المُصَادِ بواسِطَةِ دُودَةٍ
(٩٩) السؤال: ما حُكمُ الدُّودة التي تُطْعَمُ بها الشقى؛ يقصد بها: الآلة التي يُصاد بها السَّمَك، وتُسمَّى: (السِّنَّارة)، ثمَّ صاد الصيادُ سمكةً بهذه الدُّودة؛ فهل يجوز أَكْلُ السَّمَك ؟
الجواب: يجوز أكلُ تلك السَّمكة. وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم.
[فتاوى اللجنة الدائمة (رقم ٦٤٧١)]
* * *
صَيْدُ السَّمَكِ بإِلْقَاءِ الطَّعَامِ إِلَيهِ
(١٠٠) السؤال: قلتُ لأبي: السَّمكُ يُلْقَى له الطَّعامُ حتَّى يجتمِعَ؛ يُصَادُ بذلكِ .
الجواب: لا بأس؛ إلَّا أن يكون مَيْتةً؛ فإنِّي أكرهُ أن يُصادَ بالمَيْتَة.
[مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (٣/ ٨٨١)]
* * *
صيدُ الأسْمَاك بالصَّعْق الكَهْربائي
(١٠١) السؤال: ما حُكمُ صَيدِ الأَسْماك بالكَهْرُباء ؟
الجواب: الصيد هو الوسيلة الأساسية التي يتم بها الحصول على الأسماك، والأصل في صيد الأسماك هو الحِلُّ؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، والأصلُ في السَّمَك الحِلُّ؛ لحديث أبي هريرة ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الْبَحْرِ، قَالَ: (هُوَ
стр. 156
الطَّهُورُ مَاؤُهُ، وَالحَلَالُ مَيْتَتُهُ) رواه الإمام مالك في (الموطَّأ)، والإمامان الشافعي وأحمد في (المسند)، وعبدالرزَّاق وابن أبي شَيْبة في (المُصنَّف)، وأصحاب (السنن الأربعة)، وابن خُزَيمة، وابن حِبَّان، والحاكم في (صحاحهم)، وصحَّحه الإمام البخاري.
ولصيد الأسماك أنواع وطرق؛ منها ما هو مشروع، ومنها غير المشروع، والواجب أن يكون بطريقة يُقِرُّها الشرع؛ فإنَّ حِلَّ السَّمَك لا يُبرِّرُ الحصول عليه بوسيلةٍ غير مشروعةٍ؛ لأنَّه لا يجوز التوصُّل إلى الحلال بالحرام، ولا أن يُتوصَّل إلى نعم الله تعالى بمعاصيه، وقد نهى الله تعالى الإنسان أن يجعل التمتُّع برزقه سبيلًا إلى الإفساد في أرضه؛ فقال سبحانه: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠].
ونَصَّ الفقهاء على أنَّ (الغاية لا تُبرِّر الوسيلة)، فإذا كانت الغاية مشروعة فلا بُدَّ أن تكون الوسيلة إليها مشروعة أيضاً؛ (فالمقاصد المشروعة لا تسوِّغ الوسائل الممنوعة).
ومن طُرُق صيد الأسماك التي ظهرت في هذه الآونة: الصيد بالصَّعْق الكهربائي؛ ويتمُّ فيه توصيل سلكين كهربائيَّين بالماء لصنع دائرة كهربائيَّة كاملة، ويتمُّ استخدام التيَّار الناتج عنها في صعق الكائنات البحريَّة التي تدخل في حيِّز التيَّار الكهربائي من الأسماك الكبيرة والصغيرة، والعوالق البحريَّة، ومضاداتِ المناعة التي تتغذَّى عليها الأسماك، وبَيْض الأسماك، والكائنات الدقيقة، والنباتات المائيَّة.
وهذا التيَّار المستخدَم قد يكون مباشراً، فتكون قوَّته عاليةً جدًّا، ويؤدِّي حينئذٍ إلى القتل التامِّ لكلِّ الكائنات المائيَّة، وأحياناً يكون منخفضاً فلا يؤدِّي إلى الموت، بل يؤدِّي إلى إحداث خللٍ أو شللٍ في الخلايا العصبيَّة للأسماك وتخديرٍ لأعصابها لفترة معيَّنة، فيُفْقِدها القدرة
стр. 157
على السباحة ويَعُوقها عن الهرب، ممَّا يُيسِّر عمليَّة الصيد فيتمكَّن الصيَّادون من أخذها بسهولة، وهي طريقة تشتمل على مخاطر كثيرة، وتؤثِّر تأثيراً سلبيًّا على البيئة المائيَّة.
وهذه الطريقة في صيد الأسماك فيها من المضارِّ الكثيرة والآثار السيِّئة على الثروة السَّمَكيَّة والبيئة المائيَّة في الحاضر والمستقبل ما يستوجب القول بتحريمها؛ فقد نهى الإسلام عن إيقاع الضرر بالنفس والإضرار بالغير، وذلك في قول النبيِّ ﷺ : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) أخرجه الإمام مالك والشافعي وأحمد، من حديث عمرو بن يحيى المازني عن أبيه مُرسلًا، وأخرجه ابن ماجه في (السُّنن)، والحاكم في (المُستدرَك)، وصحَّحه من حديث ابن عبَّاس ﵄.
قال الإمام ابن عبد البَرِّ في (الاستذكار ٧/ ١٩١، ط. دار الكتب العلميَّة): «وهو لفظ عامٌّ متصرِّف في أكثر أمور الدُّنيا» اهـ.
ومن هذه المضارِّ التي تنتج عن طريقة صيد السَّمَك بالكهرباء:
أوَّلًا: أنَّ في هذه الطريقة إيلاماً زائداً وتعذيباً للأسماك؛ فإنَّ في الصعق الكهربائي تأثيراً شديداً على الجهاز العصبي، وهذا يذكره المختصُّون من المسلمين وغيرهم في حِكَم تحريم أكل الحيوان المقتول صعقاً، كما أنَّ الصعق ليس من الطرق المعهودة في تذكية الحيوان في الجملة، والأصل الشرعي في الحيوان تحريم قتله إلَّا لغرض صحيح، بشرط أن يكون ذلك بوسيلة تتَّفق مع مقاصد الشرع التي اختارت من طرق إزهاق الروح أسرعَها إماتةً وأقلَّها إيلاماً وأبعدَها عن التعذيب، وجعلتها سبيل تذكيته للانتفاع به، وإذا كان هذا مقصوداً شرعيًّا فيما لا يَحِلُّ إلَّا بالذّبْح، فأَوْلى أن يكون مقصوداً فيما يَحِلُّ دون ذبح؛ لأنَّ ألم الذّبْح ضرورة لا بديل عنها للانتفاع
стр. 158
بالمذبوح، أمَّا غير المذبوح كالأسماك وغيرها فلا ضرورة لإيلامه؛ لإمكان الانتفاع به دون إيلام، وهذا غير متوفِّر في القتل بالصَّعْق الكهربائي؛ فإنَّه شديد الألم والتعذيب؛ لتسلُّطه على الجهاز العصبيِّ للكائن الحيِّ مباشرة، وهو من جنس طرق القتل التي حرَّمها الشرع؛ كالتحريق، والخنق، والتقطيع، والتردية من شاهق، والضرب بالخشب، أو الحديد، أو غير ذلك ممَّا يؤذي عند القتل، والقتل بالحجارة، وفي معنى ذلك أيضاً قتلُها بالسُّمِّ البطيء المفعول الذي يتعذَّب به الحيوان قبل موته.
وصَعْق الأسماك بالكهرباء يزيد على ذلك؛ حيث إنَّه قد لا يؤدِّي إلى الوفاة في الحال، فيظلُّ ألم الصعق مصاحباً للسمكة حتَّى تموت، وبذلك تذوق الألم مرَّتين: مرَّةً بصعقها بالكهرباء، ومرَّةً عند إخراجها من الماء.
ثمَّ إنَّه إذا لم يكن الصعق الكهربائي قاتلًا للأسماك الكبيرة، فإنَّه يؤدِّي غالباً إلى قتل كثير من الأسماك الصغيرة والكائنات البحريَّة.
والإسلام عندما أحلَّ للإنسان أَكْلَ الحيوان فقد حثَّه على الإحسان في طريقة قتله، وحذَّر من تعذيبه، وراعى الرفق والشفقة والرحمة في كلِّ الوسائل المشروعة لإزهاق روحه؛ صيداً كان ذلك، أو ذبحاً، أو نحراً، أو عقراً؛ فعن شدَّاد بن أوس ﵁ قال: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) رواه الإمام مسلم في (صحيحه).
وعن أمِّ المؤمنين عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ) متَّفق عليه.
قال القاضي عِيَاض في شرحه (إكمال المُعْلِم بفوائد مُسْلِم ٦/ ٣٩٥، ط. دار
стр. 159
الوفاء): «وقوله: (إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ) عامٌّ في كلِّ شيءٍ؛ من التذكية، والقِصاص، وإقامة الحدود، وغيرها، من أنَّه لا يعذِّب خَلْقَ الله، وليُجْهِز في ذلك» اهـ.
وكان النبيُّ ﷺ أشدَّ الناس نهياً عن تعذيب الحيوان وسوء معاملته؛ فنهى عن قتل الحيوان صَبْراً؛ وذلك بمنعه عن الطعام والشراب حتَّى يموت، بل وجعل ذلك سبباً لدخول النار؛ فعن عبد الله بن عمر ﵄ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: (عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ؛ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ) متَّفق عليه.
ونهى النبيُّ ﷺ عن قتل الحيوان حَرْقاً؛ لِمَا في الحَرْق من الإيلام والتعذيب؛ فعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ رَأَى قَرْيةَ نَمْلٍ قَدْ حُرِّقَتْ، فَقَالَ: (مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ؟» قُلْنَا: نَحْنُ، قَالَ: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ) رواه أبو داود.
وقد بلغ من رحمة الشرع بالحيوان أنَّه نهى عن مجرَّد الإيلام النفسي له قبل ذَبْحِه بإظهار آلة القتل له عند إرادة ذبحه، فكيف بما كان فيه إيلامٌ له الصَّعْق قبل موته!
فعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحَدِّ الشِّفَارِ وَأَنْ تُوَارَى عَنِ البَهَائِمِ، وَقَالَ: (إِذَا ذَبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجْهِزْ) رواه ابن ماجه.
وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: (مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَجُلٍ وَاضِعٍ رِجْلَهُ عَلَى صَفْحَةِ شَاةٍ وَهُوَ يَحُدُّ شَفْرَتَهُ، وَهِيَ تَلْحَظُ إِلَيْهِ بِبَصَرِهَا؛ فَقَالَ: أَفَلَا قَبْلَ هَذَا! أَتُرِيدُ أَنْ تُمِيتَهَا مَوْتَتَينِ! هَلَّا أَحْدَدْتَ شَفْرَتَكَ قَبْلَ أَنْ تُضْجِعَهَا!) رواه الطبرانيُّ وصحَّحه الحاكم.
وعن مُعاوِيةَ بنِ قُرَّةَ عن أَبِيه ﵁ (أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ،
стр. 160
إِنِّي لَأَذبَحُ الشَّاةَ وَأَنَا أَرْحَمُهَا، أَوْ قَالَ: إِنِّي لَأَرْحَمُ الشَّاةَ أَنْ أَذْبَحَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ) رواه أحمد وصحَّحه الحاكم.
ثانياً: أنَّ الصيد بالصعق الكهربائي يؤثِّر على مخزون الأسماك في المياه وتناسلها؛ حيث إنَّه لا يُفرِّق بين السَّمَك الصغير (الزَّرِّيعة) الممنوع صيدُه في الحال؛ لأجل الحفاظ على مصادر الأسماك للسنوات والأجيال القادمة، وبين الأسماك الكبيرة المسموح بصيدها؛ فإنَّ كلَّ سمكة تكون داخل المجال الكهربائي سيتمُّ صعقُها؛ سواء كانت كبيرة أو صغيرة، بل إنَّ السَّمَك الصغير (الزَّرِّيعة) هو أكثر أنواع السَّمَك تأثُّراً بالكهرباء، حتَّى ولو كان التيَّار منخفضاً لا يؤدِّي إلى وفاة السَّمَك الكبير؛ إذ إنَّ الصغير لا يتحمَّل ما يتحمَّله الكبير، وهذا بخلاف وسائل الصيد الأخرى؛ كالشبك الذي تكون عيونه واسعة؛ بحيث لا يصطاد إلَّا السَّمَك الكبير اللَّائق بالصيد.
ولا ريب أنَّ الحفاظ على المخزون السَّمَكي في المياه الطبيعيَّة أمرٌ مهمٌّ لاستمرار دورة حياته، واستمرار صيد الأسماك سنة بعد سنة؛ ومن أجل ذلك فقد نُظِّمَت في العالم كلِّه عمليَّات صيد الأحياء المائيَّة بطريقة تحمي المخزون السَّمَكي؛ فهناك أوقات ومواسم ومناطق يُحظَر فيها الصيد؛ إذ من المفترض أن يُترَك السَّمَكُ أثناء فترات توالده وتكاثره حتَّى يستمرَّ وجودُه حفاظاً على التوازن البيئي، وحتَّى تستمرَّ عملية الصيد.
وقد راعى الشرع الشريف استمرارَ تجدُّدِ الموارد الطبيعيَّة فيما سخَّره الله للإنسان من الكائنات المنتجة المنتفع بها من حيوان أو نبات؛ فإنَّ من حكمة الله تعالى أنْ جعل لكلِّ كائن حيٍّ دورةَ نموٍّ تتناسب مع منظومة الغذاء البيئيَّة أخذاً وإعطاءً؛ بما يحافظ على بقاء سلالته مع استمرار الانتفاع
стр. 161
به، ويضمن حصول التوازن البيئي في الطبيعة، ومَنَعَ تدخُّلَ الإنسان بما يُفسِدُ هذه المنظومة أو يُحدِثُ فيها الخلل؛ فمن ذلك: أنَّه جعل للأُضحية حدًّا لا تجزئ قبله؛ مراعاةً لبقاء النَّسْل الحيواني، وعَمِلَ على حماية الزروع والثمار بالنهي عن بيعها قبل بُدُوِّ صلاحها مخافة انقطاع نتاجها؛ فـ (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وعَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ، وَعَنِ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ، وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ)؛ كما في حديث (الصحيحين) عن عبد الله بن عمر ﵄.
ولا يخفى أنَّ حظر الصيد في أوقات معيَّنة أو أماكن معيَّنة للمصلحة هو أمرٌ مشروعٌ؛ فإنَّ (المصلحة العامَّة مُقدَّمة على المصلحة الخاصَّة)، وقد أعطى الشرع للحاكم حقَّ تقييد المباح للمصلحة؛ كما هو الحال في «الحِمَى» التي يمنع الإمام فيها العامَّةَ من الانتفاع بموضع معيَّن للمصلحة العامَّة.
ومن القواعد الفقهيَّة المقرَّرة شرعاً أنَّه (يُمنَعُ الخاصُّ من بعض منافعه إذا ترتَّب عليه ضررٌ عامٌّ)، فالمصالح الشخصيَّة موقوفة إذا ما تعارضت مع المصالح العامَّة، والمصلحة العامَّة هنا تقتضي منع صيد الأسماك بالصعق؛ لِمَا يترتَّب عليه من فقدان الأجيال القادمة التمتُّع بالثروة السَّمَكيَّة؛ حيث يقضي الصعق الكهربائي على جيل الأسماك الصغيرة، وحيث يضرُّ بالبيئة المائيَّة التي تعيش فيها الأسماك، ثمَّ إنَّه إذا كان تسهيل صيد السَّمَك وتيسير الحصول عليه في نفسه حلالًا، فإنَّ الإضرار بالبيئة حرام، واجتماع الحاظر والمبيح على فعلٍ واحدٍ يجعلُه محظوراً، والقاعدة: أنَّه (إذا اجتمعَ الحلالُ والحرامُ غُلِّبَ الحرامُ)، كما هو مقرَّر في قواعد الفقه.
كما أنَّه قد تقرَّر في قواعد الشرع أنَّ (دَرْءَ المفاسِدِ مُقدَّمٌ على جَلْبِ المصالِح)، ولا يخفى أنَّ دَرْءَ مفسدة إهلاك أجيال الأسماك مُقدَّم على مصلحة زيادة كمِّيَّة
стр. 162
الصيد وسهولة الحصول عليه
ثالثاً: أنَّ الصيد بالصعق الكهربائي يؤدِّي إلى قتل ما لا منفعة في قتله مع الأسماك الماد صيدُها؛ كالأجسام المضادَّة، والعوالق المائيَّة، والكائنات الدقيقة، وغير ذلك ممَّا لا يُقصَد بالصيد والانتفاع الآدمي؛ فإنَّ الكهرباء التي تسري في الماء لا تُفرِّق بين كائن وآخر، بل إنَّ في قتل هذه الكائنات ضرراً بالغاً على البيئة البحريَّة؛ وذلك لأنَّها تُشكِّل مصدر الغذاء الأساسي للأسماك والكائنات البحريَّة؛ لِمَا فيها من المحتوى الفسفوري الغني.
وقد نهى النَّبيُّ ﷺ عن قتل الحيوانات مِن غير مبرِّرٍ أو منفعةٍ معتبرة شرعاً؛ فكيف بما كان في قتله مَضَرَّة!
فعن عبد الله بن عمرٍو ﵄ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: (مَا مِنْ إِنْسَانٍ قَتَلَ عُصْفُوراً فَمَا فَوْقَها بِغَيْرِ حَقِّهَا إِلَّا سَأَلَهُ اللهُ عَنْها، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: يَذْبَحُهَا فَيَأْكُلُهَا، وَلَا يَقْطَعُ رَأْسَهَا وَيَرْمِي بِهَا) رواه الإمام أحمد والنسائي وصحَّحه الحاكم.
وعن الشَّرِيد بنِ سُوَيدٍ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مَنْ قَتَلَ عُصْفُوراً عَبَثاً عَجَّ إِلَى الله يَوْمَ القِيَامَةِ يَقُولُ: يَا رَبِّ؛ إِنَّ فُلَاناً قَتَلَنِي عَبَثاً وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنفَعَةٍ) رواه الإمام أحمد، والنسائي، وصحَّحه ابن حبان.
ونهى النَّبيُّ ﷺ عن اتِّخاذ ذوات الرُّوح غَرَضاً؛ فعن ابن عُمرَ ﵄ (أَنَّهُ مَرَّ بفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْراً وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا ابْنَ عُمَرَ ﵄ تَفَرَّقُوا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟! لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا؛ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئاً فِيهِ الرُّوحُ غَرَضاً) رواه مسلم.
стр. 163
كما نهى النَّبيُّ ﷺ عن قَطْع الشَّجر من غير حاجة؛ فعن عبد الله بن حُبْشِيٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ اللهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ) رواه الإمام أبو داود في (سننه)، والنسائي في (السنن الكبرى)، والطبراني في (المعجم الأوسط)، والبيهقي في (السنن).
رابعاً: أنَّ السماح بمثل هذه الطريقة في الصيد سبيلٌ أكيدٌ إلى حصول الاختلال البيئي؛ فإنَّ الصعق الكهربائي قد يتسبَّب في الإفناء الجماعي للحيوانات المائيَّة، ومحو مظاهر الحياة البحريَّة، وقد راعى الإسلام مسألة بقاء الوجود الحيواني في الطبيعة، ونهى عن التصرُّفات التي قد تؤدِّي إلى إحداث الاختلال في التوازن البيئي، والتناسل الحيواني، وأَمَرَنا بالحفاظ على البيئة بكلِّ أشكالها ورعايتها وحمايتها؛ قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١].
والحفاظ على البيئة يشمل ما على وجه الأرض من جماد ونبات وحيوان وكائنات دقيقة كما نَبَّه إلى ذلك القرآن الكريم؛ فقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨].
وقد نعى القرآن الكريم على من يسعى في الأرض بالإفساد، وجعل من صور ذلك إهلاكَ الحَرْث والنَّسْل؛ فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وحذَّر النبي المصطفى ﷺ من إفناء السُّلالات الحيوانيَّة في الطبيعة، وهذا من مظاهر إعمار الكون، وحرص الإسلام على بقاء التوازن البيئي بعدم انقراض أنواع الحيوان المختلفة.
فأخرج الإمام أحمد في (مسنده)، وأصحاب (السنن الأربعة)، وابن حِبَّان في (صحيحه) من حديث عبد الله بن مُغَفَّل ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال:
стр. 164
(لَوْلَا أَنَّ الكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ)، قال الترمذي: حسن صحيح، ورواه ابن أبي عاصم في (الآحاد والمثاني) بلفظ: (لوْلَا أَنَّ الكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ أَكْرَهُ أَنْ أُفْنِيَهَا لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا)، وبنحو لفظه رواه الرُّوياني في (مسنده).
وأخرج ابن أبي شيبة في (المصنَّف)، وابن حِبَّان في (الصحيح)، والبيهقي في (السنن الكبرى) واللفظ له، -وأصله في (مسند أحمد) و (صحيح مسلم) مختصراً- من حديث جابر بن عبد الله ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ قال: (لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ أَكْرَهُ أَنْ أُفْنِيَهَا لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا).
وأخرج الضِّياء المَقْدِسيُّ في (الأحاديث المختارة) عن عبد الله بن عبَّاس ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ قال: (لَوْلا أَنَّ الكِلابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لأَمَرْتُ بِقَتْلِ كُلِّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ).
قال الإمام أبو سليمان الخطَّابي في (معالم السنن ٤/ ٢٨٩، ط. المطبعة العلميَّة): «معناه: أنَّه ﵌، كَرِهَ إفناءَ أُمَّةٍ مِن الأُمم، وإعدامَ جيلٍ مِن الخلق حتَّى يأتي عليه كلَّه فلا يُبقي منه باقية؛ لأنَّه ما مِن خلقٍ لله تعالى إلَّا وفيه نوعٌ مِن الحكمة، وضربٌ مِن المصلحة» اهـ.
خامساً: أنَّ هذا النوع من الصيد يؤذي الصيَّادين أنفسهم، ويُعرِّض حياتهم وحياة غيرهم ممَّن يكونون في تلك الأماكن لخطر الموت بالكهرباء.
وضررُ هذه الطريقة من الصيد معلوم عند كلِّ العقلاء؛ ولذلك نصَّت قوانين الدول على حظرها وتجريمها، ومنها القانون المصري؛ فقد نَصَّ في القانون الخاصِّ بصيد الأسماك والأحياء المائيَّة رقم (١٢٤) لسنة ١٩٨٣ م في مادته (١٣) على أنَّه: «لا يجوز الصيد بالموادِّ الضارَّة، أو السامَّة، أو المخدِّرة، أو المميتة للأحياء المائيَّة، أو المُفَرْقَعات، كما لا يجوز
стр. 165
الصيد بالحواجز، أو الحوض، أو اللبش، أو الزلاليق، أو أيِّ نوع من السدود والتحاويط، كما لا يجوز حيازة أو استعمال آلات رفع المياه داخل البحيرات أو على شواطئها إلَّا بتصريح من الهيئة العامَّة لتنمية الثروة السَّمَكيَّة، وتسري أحكام هذه المادَّة على الصيد في المياه التي تغطِّي الأراضي المملوكة للأفراد، وتتَّصل بالمياه المصريَّة» اهـ.
كما صدر قرارٌ من السلطات التنفيذيَّة بمحافظة الدقهليَّة -والتي تقع فيها بحيرة المنزلة- برقم (٢٤) لسنة ٢٠١٦ م نُصَّ فيه على ما يأتي: «يُحظَر صيد الأسماك ببحيرة المنزلة (بنطاق محافظة الدقهليَّة) بالأدوات والآلات والشِّباك الممنوع الصيد بها، أو المُرخَّص بها، أو بالموادِّ السامَّة أو الضارَّة أو المميتة للأحياء المائيَّة، أو المُفَرْقَعات، أو بالصَّعْق بالكهرباء.
يحظر صيدُ الزَّرِّيعة من بحيرة المنزلة، وتضبط جميع السيَّارات المحمَّلة بالزَّرِّيعة غير المعلومة المصدر، وتُسلَّم الزَّرِّيعة لمنطقة الثروة السَّمَكيَّة بالمنزلة» اهـ.
وبناء على ذلك، وفي واقعة السؤال: فإنَّ عملية صيد الأسماك والأحياء المائيَّة بطريقة الصَّعْق الكهربائي حرامٌ ولا تجوز شرعاً؛ لِمَا فيها من إيلام الأحياء المائيَّة وتعذيبها، وهذا يتنافى مع مقصود الشريعة الإسلاميَّة في إحسان عمليَّة القتل؛ ولذلك اختارت من طُرُق التذكية أسْرَعَها إماتةً وأقلَّها إيلاماً وأبعدَها عن التعذيب فيما يُذبَح من الحيوان، فلأنْ يُعتبر ذلك فيما لا يُذبَح من باب أَوْلَى، ولِمَا لهذه الطريقة من الأضرار الكثيرة والآثار السيِّئة على الثروة السَّمَكيَّة والبيئة المائيَّة في الحاضر والمستقبل؛ من تأثيرها على مخزون الأسماك وتناسلها، ومن قتل ما لا منفعة في قتله معها، ومن إحداث الاختلال في التوازن البيئي بالإفناء الجماعي لهذه الحيوانات المائيَّة، بما يتنافى
стр. 166
مع مقاصد الإسلام في الحفاظ على البيئة، وفي تقديم درء المفاسد على جلب المصالح، وتقديم المصلحة العامَّة على المصلحة الخاصَّة، هذا بالإضافة إلى المخاطر المحتملة على البشر الموجودين في نطاق عملية الصيد. والله أعلم.
[موقع دار الإفتاء المصرية (رقم ٣٦٤٠)]
* * *
صَيْدُ السَّمَكِ بِالكَهْرُباءِ أو المُتَفَجِّرَاتِ
(١٠٢) السؤال: رجلٌ صيادُ سمكٍ، وقبل أنْ يضعَ الشبكة في الماء يضعُ في الماء سَلَّة مُكَهْربَةً، فيُكَهْرِبُ الماءَ، فيتَكَهْرَبُ السَّمكُ فيموتُ فيصطادُه؛ هل هذا حرام أم حلال، وما حِلُّ أَكْلِه ؟
كذلك رجلٌ يضعُ في ماء البحر مادَّة مُفَجِّرة تنفجرُ داخل الماء، فيموتُ السَّمَكُ من شدَّة تأثير الضغط؛ ما رأي الشارع؟
الجواب: يجوز ذلك، ويجوز الأَكْلُ منه، ما لم يكن في ذلك ضررٌ على أحد. وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم.
[فتاوى اللجنة الدائمة (رقم ٩٠٦١)]
* * *
استِعْمالُ (الجِلاطِينَة) (١) في صَيْدِ الأَسْمَاكِ
(١٠٣) السؤال: ما حكم استخدام ما يسمى بالجِلاطِينَة، وخاصَّة أنَّها تشكِّل خطراً على الصيَّادين ومن حولهم، إضافة لما يكون فيها من قتل كميَّات كبيرة من السَّمَك الصغير، الذي لا يستفاد منه ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أمَّا بعد:
إن كان الصيد بهذه الطريقة ممنوعاً بحسب اللوائح المنظِّمة للصيد البحري، أو ثبت ضررها على البيئة أو الإنسان؛
стр. 167
فلا يجوز استخدامها؛ لقول النبيِّ ﷺ : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) (مسند الإمام أحمد: ٢١٧١٤)، وإذا قيدت الدولة استخدامها بقدر معيَّن، أو صفة محدَّدة، لا يحصل معها الضرر على البيئة، ويحقِّق المصلحة، فعلى الصيَّادين أن يتقيَّدوا بذلك. وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
[فتاوى دار الإفتاء الليبية، (رقم ٨٤٠)]
* * *
أَكْلُ لُحومِ سَيْفيِّات الذَّيل وبَيْضها
(١٠٤) في ٢١ من لعام ٢٠١١ م عقد مجلس الفتوى الوطني الماليزي الجلسة (٩٣) للمباحثة في حُكم أَكْلِ لُحوم سَيْفِيَّات الذَّيْل وبَيْضها . واتَّفق المجلس في قراره على ما يلي:-
(١) بعد دراسة الأدلَّة والحُجَج والآراء التي طُرِحَت على المجلس، وجد المجلسُ أنَّه لا يوجد هناك أيُّ نصٍّ قطعيٍّ يشير إلى تحريم أَكْل سيفيَّات الذيل. كما أنَّ خبراء الحيوانات المائيَّة صرَّحوا بأنَّ سيفيَّات الذيل هو حيوان مائيٌّ يعيش في قاع البحار، ولا يخرج إلى الشاطئ إلَّا ليبَيْض. وهو حيوان بحري/مائي يعيش في مياه البحار المالحة. ويعيش بقِلَّة في مياه المستنقعات العذبة. ولا يمكنه العيش في البرِّ؛ لأنَّه يتنفَّس من الخيشوم.
(٢) وعلى هذا الصعيد، أقرَّ المجلس على جواز أَكْل لُحوم سَيْفِيَّات الذَّيْل وبَيْضها وفقاً لرأي جمهور العُلماء الذين أجازوا أَكْل كُلِّ حيوان يعيش في الماء ولا يمكن البقاء بدونه.
[قرارات مذاكرة لجنة الفتوى بالمجلس الوطني للشؤون الإسلاميَّة الماليزية (ص ٩١)]
* * *
أَكْلُ السَّمَكِ الَّذِي يَعِيشُ في المِياهِ المُلَوَّثَةِ
(١٠٥) السؤال: هل أَكْلُ السَّمَك الذي يعيش في الماء المُلَوَّث حَرامٌ (السَّمَكُ الذي نصيدُه من سَيْلِ الزَّرْقاء) ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام
стр. 168
على سيِّدنا رسول الله.
السَّمَك الذي يعيش في المياه الملوَّثة له حالتان:
أوَّلًا: إذا تغيَّر ماء السَّيْل بالنجاسة، ثمَّ أثَّر في السَّمَك حتَّى غيَّر طعم لحمه أو ريحه أو لونه؛ فالأصحُّ في مذهبنا كراهة أكل هذا السَّمَك حتَّى يُنقَلَ إلى الماء الطاهر فيذهب عنه أثر النجاسة؛ فقد (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَكْلِ الجَلَّالَةِ) رواه أبوداود. والجلَّالةُ: كلُّ حيوان يأكل الجَلَّة -أي النجاسة- حتَّى يتغيَّر وصفه.
جاء في (مغني المحتاج شرح المنهاج): «إذا ظهر تغيُّر لحم جَلَّالةٍ من نَعَمٍ أو غيره -كدجاجٍ- ولو يسيراً، حَرُمَ أَكْلُه، وبه قال الإمام أحمد؛ لأنَّها صارت من الخبائث، وقد صحَّ النهي عن أَكْلِها وشُرْبِ لَبَنِها ورُكوبِها كما قاله أبو داود وغيره ... .
وقال النوويُّ: الأصحُّ يُكرَهُ؛ لأنَّ النهي إنَّما هو لتغيُّر اللَّحم، وهو لا يوجبُ التحريم، كما لو نَتِنَ اللَّحم المُذكَّى وَتَرَوَّحَ؛ فإنَّه يُكرَه أكلُه على الصحيح». (مغني المحتاج ٦/ ١٥٦).
ثانياً: أمَّا إذا لم يؤثِّر الماءُ النَّجِس في الأسماك التي تعيش فيه، فلا حرج في أَكْلِه؛ إذ الأصل فيه الإباحة، ولكن بشرط أن يُؤمَنَ ضررُه على صحَّة الإنسان؛ فالدِّراسات العلميَّة تُنذِرُ بالخطر الذي تحملُهُ الأسماك الملوَّثة بسبب ما تحمله من الطفيليَّات والبكتيريا الخطيرة على صحَّة الإنسان، والنَّبيُّ ﷺ يقول: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) رواه ابن ماجه. والله أعلم.
[فتاوى دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ١٩٠٤)]
* * *
حَالَةُ نَقَاءِ الأَسْمَاكِ التي تُطْعَمُ بالمُحَرَّمَاتِ
(١٠٦) في ٤ - ٦ من أبريل لعام ٢٠٠٦ م عقد مجلس الفتوى الوطني الماليزي الجلسة (٧٣) للمباحثة في حالة نقاء الأسماك التي تُطْعَم
стр. 169
بالمُحرَّمات.
وأصدر المجلس فتواه بتحريم أَكْل هذه الأسماك التي تُعُمِّد في تربيتها داخل أحواض مياه نَجِسَة، أو تُعُمِّد إطعامها بالنَّجاسات؛ كلَحْم الخنزير أو المَيْتَة أو غيرها.
[قرارات مذاكرة لجنة الفتوى بالمجلس الوطني للشؤون الإسلاميَّة الماليزية (ص ٩٠)]
* * *
أَكْلُ السَّمِكِ الطَّافِي عَلَى سَطْحِ المَاءِ
(١٠٧) السؤال: سألتُه عن السَّمَكِ الطَّافِي ؟
الجواب: ليس به بأسٌ. وقال: إنَّ أبا بَكْرٍ أَكَلَهُ.
[مسائل الإمام أحمد رواية صالح (١/ ٤٨٤)]
* * *
(١٠٨) السؤال: [ما حُكمُ الأَكْل مِنَ الحُوتِ الطَّافِي ؟]
الجواب: ابن الحاجِّ: رُوِيَ عن مالكٍ: لا بأسَ بأكْلِ الطَّافِي من الحُوتِ ما لم يُنْتِنْ.
[مختصر فتاوى البرزلي (ص ٩١)]
* * *
إِلْقاءُ السَّمَكِ في النَّارِ وهو حَيٌّ
(١٠٩) السؤال: السَّمَكَةُ تُلْقَى في النَّارِ وهي حَيَّةٌ ؟
الجواب: لا.
[مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٣٤٥)]
* * *
السَّمَكُ يُشْوَى ويُطْبَخُ بِرَوْثِه
في باطِنِه ولم يُغْسَل
(١١٠) السؤال: السَّمَكُ هل يُشْوَى ويُطْبَخ برَوْثِه في باطِنِه ولم يُغْسَل؟ هل يَحرُمُ أكلُه أم لا؟ وهل يجبُ غَسْلُ باطِن المُصْران ؟
الجواب: يجوزُ أَكْلُه، والسَّلَف ما زالوا يتَساهَلون في ذلك، ولا يَجِب غَسْل باطِن مُصْرانِه، وعُفِيَ عن رَوْثِه؛ لعُسْر تَتبُّعِه وإخْراجِه.
стр. 170
[فتاوى الرملي (٤/ ٧٢)]
* * *
أَكْلُ الحَيواناتِ البَحْريَّة القِشْريَّة
(١١١) السؤال: ما حُكمُ أَكْلِ الحيوانات البحريَّة القِشْريَّة كالرُّوبيان والقُبْقُب وغيرها ... ؟
الجواب: ذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّه يَحِلُّ أكْلُ كلِّ حيوان البحر؛ سَمَكاً كان أو غيره؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦]، ولعموم قوله ﷺ في شأن البحر: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ)، ولم يخالف في هذا من فقهاء المذاهب الأربعة إلَّا محمَّد بن الحسن فإنَّه استثنى «الجِرِّيث» و «المارماهي»، والجِرِّيث هو: سمكٌ مدوَّر كالتِّرْس. والمارماهي هو: ثعبان البحر، والفتوى في مذهب الحنفيَّة على خلاف ذلك، واستثنى الحنفيَّة أيضاً إنسان الماء وخنزيره، والسَّمَك الطافي وهو الذي يموت حَتْف أنفه؛ وذلك لخبث هذه الأنواع أو ضررها.
وعليه؛ فإنَّ الرُّوبْيان والقُبْقُب وغيرهما من الحيوانات البحريَّة ولو كانت ذات قِشْرٍ حلالٌ أَكْلُها باتِّفاق العُلماء؛ للأدلَّة المتقدِّمة. والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٤٦)]
* * *
أَكْلُ الجَمْبَري عِنْدَ الحَنَفيَّةِ
(١١٢) السؤال: ما حكم أكل الجَمْبَري عند الحنفيَّة؟ حيث إنَّ بعض الناس ينسبون إلى المذهب الحنفي تحريم أكل الجَمْبَري؛ حيث إنَّه لا يباح عندهم إلَّا الأسماك فقط، وانطلاقاً مِن شَبَهِه بالعَقْرب أو الدُّود؛ حيث يحرم من حيوانات البحر ما شابه المحرَّم من ح يوانات البَرِّ.
الجواب: الجَمْبَري: حيوان مائيٌّ صغير لا فقاري من القشريَّات، يتنوَّع
стр. 171
إلى حوالي ألفي نوع، وهو معروف.
وكلمة «جَمْبَري» في الأصل كلمة إيطاليَّة سَرَتْ حديثاً مع غيرها مِن الألفاظ الإيطاليَّة إلى لهجة أهل مصر كما ذكره غير واحد مِن المصنفين؛ منهم عبد الرحمن بدوي في «سيرة حياتي» (١/ ١٢ - ١٣)
ويُسَمَّى في بلاد المغرب العربي باسم «القَمرون» ... وكان «الجَمْبَري» يُسَمَّى عند أهل مصر قديماً «بالقُرَيْدِس» ... وقد يُسَمَّى «الجَمْبَري» بأسماء أخرى؛ منها: «الجراد البحري» ... ، و «برغوث البحر» ... ، و «أبو جلنبو» ...
واسم «الجَمْبَري» في اللُّغة العربيَّة الفُصْحَى -كما هو في معاجم اللُّغة العربيَّة قديماً وحديثاً-: «الإِرْبِيَانُ: بكسر الهمزة، وفتح همزته لَحْنٌ» ... ويُسَمِّيه «بالرُّوبيان» أهلُ الخليج والعراق حتَّى الآن.
فتحصَّلَ ... أنَّ «الجَمْبَري» المعروف بين الناس «بالقُرَيْدِس» و «القَمرون»، وباللُّغة الإنجليزيَّة (Shrimp) و (Prawns) هو عينُه «الإِرْبِيَانُ» و «الرُّوْبِيَانُ» المنصوصُ عليهما في كتب السابقين من أهل اللُّغة والفقه والحيوان والطبِّ وغير ذلك ...
وكما يُعْلَمُ مِن وصف «الإِربِيان» و «الرُّوبِيَان» في كتب السابقين؛ حيث يصفه الصاحب بن عَبَّاد بأنَّه: «سمكٌ أحمرُ نحو الإصبع المعقوفة» اهـ، ... ويصفه الدَّمِيري بأنَّه: «صغيرٌ جدًّا أحمر» اهـ، ويصفه داود الأنطاكي بأنَّه: «أحمر كثير الأَرْجُل نحو السرطان، لكنَّه أكثر لحماً» اهـ، إلى غير ذلك من النصوص ...
وقد نصَّ أهل اللُّغة على عَدِّ «الإِرْبِيَان» نوعاً مِن أنواع السَّمَك بلا خلاف بينهم في ذلك؛ فالجاحظ (ت ٢٥٥ هـ) في كتاب (الحيوان) (٤/ ٣١١، ط. دار الكتب العلميَّة) يسوقه في أصناف السَّمك، وقال أبو بكر بن دُرَيْد (ت ٣٢١ هـ) في
стр. 172
(جمهرة اللغة ٣/ ١٢٣٦، ط. دار العلم للملايين): «وإرْبِيان: ضَرْبٌ مِن الحِيتان أحسبه عَرَبيًّا» اهـ ...
وقال العلَّامة المجد الفيروزآبادي (ت ٨١٧ هـ) في «القاموس المحيط» في مادة (أرب): «والإِرْبِيانُ بالكسر: سَمَكٌ» اهـ، وقال في مادَّة (ربو): «سَمَكٌ كالدُّودِ» اهـ، والإمام الفيروزآبادي حنفيُّ المذهب ...
وقد نصَّ السادة الحنفيَّة على إباحة أكْلِ جميع أنواع السَّمَك، من غير تفريق بين نوعٍ ونوعٍ، قال الإمام السرخسي في (المبسوط ١١/ ٢٤٨، ط. دار المعرفة): «جَمِيعُ أَنْوَاعِ السَّمَكِ حَلَالٌ؛ الْجِرِّيثُ وَالمَارِهِيجُ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ» اهـ.
وعِلَّة القول بإباحة أنواع السَّمَك المختلفة عند الحنفيَّة: اندراجُها تحت اسم «السَّمَك» في اللغة، قال العلَّامة العَيْني الحنفي في (البناية شرح الهداية ١٠/ ٧٣٠، ط. دار الفكر): «وقال: ولا بأس بأَكْل الجِرِّيث والمارماهي وأنواع السَّمَك والجراد من غير ذكاة، ش: أي: قال القدوري ﵀: (والجِرِّيثُ بكسر الجيم وتشديد الراء بعده آخر الحروف ساكنة، وفي آخره ثاء مثلثة. قال في كتب اللغة: هو نوع من السَّمَك). قلت: (الجِرِّيث: السَّمَك السود: والمارماهي: السَّمَكة التي تكون في صورة الحيَّة، و (ماهي): هو السَّمَك، وإنَّما أُحِلَّ أنواع السَّمَك؛ لعموم قوله ﷺ : (أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ ... ) الحديث» اهـ.
بل نقل الإمام الكاساني الحنفي الإجماع على حِلِّ جميع أنواع السَّمَك من غير فرق بين نوع وآخر؛ فقال في (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ٥/ ٣٦، ط. دار الكتب العلميَّة): «ويستوي في حِلِّ الأكل جميعُ أنواع السَّمَك من الجِرِّيث والمارماهي وغيرهما؛ لأنَّ ما ذكرنا من الدلائل في إباحة السَّمَك لا يفصل بين سمكٍ وسمكٍ إلَّا ما خُصَّ
стр. 173
بدليل، وقد رُوي عن سيِّدنا عليٍّ وابن عبَّاس ﵄ إباحة الجِرِّيث والسَّمَك الذَّكَر، ولم يُنْقل عن غيرهما خلافُ ذلك، فيكون إجماعاً» اهـ.
ونقل الإجماعَ على إباحة السَّمَك بكُلِّ أنواعه كذلك غيرُ واحد من العُلماء.
قال الإمام النووي في (شرح مسلم ١٣/ ٨٦، ط. دار إحياء التراث العربي): «وقد أجمع المسلمون على إباحة السَّمَك» اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري ٩/ ٦١٩، ط. دار المعرفة): «لا خلاف بين العُلماء في حِلِّ السَّمَك على اختلاف أنواعه» اهـ.
فكُلُّ ما كان من جنس السَّمَك لغةً وعُرْفاً فهو حلالٌ عند الحنفيَّة بلا خلاف في ذلك، وجاء في نصوص عُلمائهم التصريحُ بحلِّ أَكْل الرُّوبِيَان بخصوصه مع غيره مِن أنواع السَّمَك بلا خلاف؛ لدخوله في مُسمَّى «السَّمَك» لغةً وعُرْفاً، وسبق سياق نصِّ العلَّامة الفيروزآبادي -وهو من عُلماء الحنفيَّة- على أنَّ الإِرْبِيَان مِن السَّمَك.
وهذا هو ما عليه العمل والفتوى لدى عُلماء الحنفيَّة في الدِّيار الهِنْديَّة والباكستانيَّة وغيرها. وأجمعُ مَن تكلَّم مِن متأخِّري الحنفيَّة على حكم أَكْل الإْرْبيان: هو العلَّامة الشيخ أحمد رضا خان البريلوي الحنفي (ت ١٣٤٠ هـ)؛ فإنَّه حقَّق في (فتاواه) القولَ بحِلِّه على مقتضى إطلاق المتون، غير أنَّه أفتى بأولويَّة التورُّع عنه؛ خروجاً من الخلاف فيه؛ جاء في كتابه الحافل (العطايا النبويَّة في الفتاوى الرضوية ص ٣٣٣ - ٣٣٧، ط. رضا فاؤنديشن، لاهور ١٩٩٤ م - مع الترجمة العربية): «استفتاء رقم ١٧٣: المستفتي: شوكت علي المحترم، ٢ ربيع الثاني الميمون ١٣٢٠ هـ: ماذا يقول عُلماء الدين وأهل الفتوى في الشرع المتين في حكم
стр. 174
الإِرْبِيَان؛ هل يجوز أَكْلُه أم لا؟ وهل أَكْلُه مكروهٌ أم حَرامٌ؟
الإجابة: نُقِلَ في (الحمَّاديةَّ) قولان بالجواز وعدمه؛ حيث قال: الدود الذي يُقال له جهينگه عند بعض العُلماء؛ لأنَّه لا يشبه السَّمَك، وإنَّما يباح عندنا من صيد البحر أنواع السَّمَك، وهذا لا يكون كذلك، وقال بعضهم: حلال؛ لأنَّه يُسمَّى باسم السَّمَك.
أقول: ظاهر عبارة (الحمَّاديَّة) أنَّ عدم الجواز هو المختار لديه؛ لأنَّه قدَّمه، والتقديم أمارة التقديم، وسمَّاه دُوداً، والدُّود حرامٌ، واستدلَّ للقول بالحِلِّ بأنَّه يُسَمَّى باسم السَّمَك دون أن يُسمِّيَه هو بذلك.
والتحقيق في هذا المقام: أنَّه لا يجوز من صيد البحر غيرُ السَّمَك، وغيرُه حرامٌ مطلقاً في مذهبنا، وعلى هذا: فمن ظنَّ أنَّ الجَمْبَري ليس من أنواع السَّمَك فينبغي أن يكون حراماً عنده، غير أنَّ العبد الفقير رجع إلى كتب اللغة وكتب الطبِّ وكتب عِلْم الحيوان فوجدها جميعاً تنصُّ على أنَّه نوع مِن السَّمَك صراحةً ...
وبناءً على هذا، وعلى إطلاق المتون وتصريح (معراج الدِّراية): ينبغي أن يكون مباحاً مطلقاً؛ فإنَّ المتون صرَّحت بحِلِّ جميع أنواع السَّمَك، والطافي ليس نوعاً برأسه، بل وصفٌ يعتري كُلَّ نوع. وصرَّح صاحب (المعراج) بأنَّ الأسماك الصغيرة التي لا تُشَقُّ بطنها ولا يُنَظَّف ما بداخلها من نجاسات وتُحَمَّرُ وتُقْلَى، كما هي مباحةٌ لدى جميع الأئمَّة سوى الإمام الشافعي.
وفي (ردِّ المُحتار): «وفي (معراج الدِّراية): ولو وُجِدَتْ سمكةٌ في حوصلة طائر، تُؤكَل، وعند الشافعي: لا تؤكَل؛ لأنَّه كالرَّجيع، ورجيع الطائر عنده نجس، وقلنا: إنَّما يُعتَبَرُ رجيعاً إذا تغيَّر، وفي السَّمَك الصغار التي تُقلَى من غير أن يُشَقَّ جوفه؛ فقال أصحابه:
стр. 175
لا يَحِلُّ أكْلُه؛ لأنَّ رجيعه نجس، وعند سائر الأئمَّة: يحلُّ». اهـ.
ولكن العبد الفقير رأى في (جواهر الأخلاطي) نصًّا بحُرْمَةِ أكْلِ السَّمَك الصِّغار وصحَّحه؛ حيث قال: «السَّمَك الصغار كلُّها مكروهة كراهة التحريم، هو الأصح». اهـ.
هذا وصورة الإِرْبِيَان مختلفة تماماً عن السَّمَك وقريبة إلى شكل السرطان وغيره من الديدان، والكلمة الفارسية «ماهي» (السَّمَك) تطلق على غير جنس السَّمَك أيضاً؛ كما يقال بالفارسيَّة «ماهي سَقَنْقُور» وهو من الحيوانات البَرِّيَّة التي تولد على سواحل النيل، وكذلك «ريگ ماهي» أو (سمك الرِّمال) وهو سَمَنْدَل الماء، وهو حيوان لا شكَّ في كونه من حشرات الأرض، ولا نعلم لأحدٍ مِن أئمَّتنا قولًا في حِلِّ الإِرْبِيَان بخصوصه، وعلى افتراض كونه سمكاً فإنَّ الذي يوجد عندنا منه صغير، فينطبق عليه تصحيح (جواهر الأخلاطي) السابق. ومهما يكن من أمر ففيه شُبْهةٌ، والأَوْلَى اجتناب الشُّبَه؛ خروجاً من الخلاف، والله تعالى أعلم» انتهى النقل عن (الفتاوى الرضويَّة).
وهذه النقول التي ساقها العلَّامة أحمد رضا خان رحمه الله تعالى تقتضي حِلَّ الإِرْبِيَان عند الحنفيَّة، وأمَّا ما يوهم التحريم أو نقل الخلاف فيه فلا مُعَوَّلَ عليه، ويحتاج إلى تحرير القول فيه على الوجه الآتي:
- إنَّ ذِكْرَ الخلاف في حِلِّ الإِرْبِيَان عند الحنفيَّة غيرُ معتمَد؛ فإنَّ صاحب (الفتاوى الحمَّاديَّة) -وهو أبو الفتح رُكن الدين الناكوري الحنفي- إنَّما نقل ذلك عن (كنز العُبَّاد)، ونصُّ عبارة (الحمَّاديَّة) ص: ٧٧٨، ط. در آمد) مِن (كنز العُبَّاد): «الدود الذي يقال له (جهينگه) حرامٌ عند بعض العُلماء؛ لأنَّه لا يشبه السَّمَك، وإنَّما يُباح عندنا مِن صيد البحر أنواعُ السَّمَك، وهذا
стр. 176
لا يكون مِن أنواع السَّمَك، وقال بعضهم: حلال؛ لأنَّه يُسَمَّى بأسماء السَّمَك» اهـ.
والمنقول منه هو (كنز العُبَّاد في شرح الأَوْراد) للشيخ علي بن أحمد الغوري، وهو شرحٌ فارسيٌّ لأوراد الشيخ العارف شهاب الدِّين السُّهْرَوَرْدِي؛ كما ذكر صاحب (كشف الظنون ٢/ ١٥١٧، ط. مكتبة المثنى)، وهو من الكتب غير المعتمدة عند الحنفيَّة.
قال العلَّامة المحدِّث أبو الحَسَنات اللكنوي (ت ١٣٠٤ هـ) في (النافع الكبير ص ٢٩، ط. إدارة القرآن والعلوم الإسلاميَّة): «ومِن الكتب غير المعتبرة ... (كنز العُبَّاد)؛ فإنَّه مملوءٌ من المسائل الواهية والأحاديث الموضوعة، ولا عبرة له لا عند الفقهاء ولا عند المحدِّثين، قال عليٌّ القاري في (طبقات الحنفيَّة): علي بن أحمد الغوري له كتاب جمع فيه مكروهات المذهب، سماه (مفيد المستفيد)، وله (كنز العُبَّاد في شرح الأَوْراد)؛ قال العلَّامة جمال الدِّين المرشدي: فيه أحاديث سَمِجَة موضوعة، لا يَحِلُّ سَماعها» اهـ.
وقال أيضاً في (التعليق المُمَجَّد على موطَّأ محمَّد ١/ ٦١٣، ط. دار القلم): «وذكر بعض أصحاب الكتب غير المعتبرة كصاحب (كنز العُبَّاد)». اهـ.
فإذا انضاف إلى ذلك أنَّه لم يَنقل هذا الخلافَ مِن الحنفيَّة غير صاحب (كنز العُبَّاد) هذا، مع مخالفة نقله لإطلاق المتون عند متقدِّمي الحنفيَّة ومتأخِّريهم في حِلِّ كلِّ أنواع السَّمَك مع عَدِّ الإِرْبِيَان نوعاً من السَّمَك من أن يُستَثْنَى مِن الحِلِّ: كان ذلك آكد لإطلاق القول بالإباحة كما أشارت إليه الفتوى، وأَدْعَى إلى اطِّرَاحِ هذا النقل وعدم الاعتداد به.
- وأمَّا ما يوهمه نقلُ (جواهر
стр. 177
الأخلاطي) من تصحيح الكراهة التحريميَّة للسَّمَك الصِّغار عند الحنفيَّة: فغير سديد؛ إذ هو مخالفٌ لِمَا ذُكِرَ قبلَه عن صاحب (معراج الهداية) من نسبة الحُرمة فيه إلى الشافعيَّة، ونسبة الحِلِّ إلى الحنفيَّة وسائر الأئمَّة، وقد نقله أيضاً غيرُه من الحنفيَّة؛ كالحافظ العَيْني في (البناية شرح الهداية ١٠/ ٧٣٤) وفيه تصحيف يُصَحَّح من نقل ابن عابدين، وهو على الصواب أيضاً عند العلَّامة التهانوي في (إعلاء السنن ١٧/ ١٩١، ط. إدارة القرآن والعلوم الإسلاميَّة)، وهو يوافق نقل الإمام ابن قُدامة الحنبلي في (المغني)؛ حيث لم ينقل تحريم ذلك عن غير أصحاب الشافعي؛ فقال (٩/ ٣٩٥، ط. مكتبة القاهرة): «ويباح أكل الجراد بما فيه، وكذلك السَّمَك، يجوز أنْ يُقْلَى من غير أنْ يُشَقَّ بطنُه، وقال أصحاب الشافعي في السَّمَك: لا يجوز؛ لأنَّ رجيعَه نجس». اهـ.
على أنَّ ما نقله ابنُ قَدامة وصاحب (معراج الهداية) عن أصحاب الإمام الشافعي مِن تحريم أكل السَّمَك الصغار التي تُقلَى من غير أن يُشَقَّ جوفها، إنَّما هو أحد الوجهين عند الشافعيَّة، والمُرَجَّحُ عندَهم الحِلُّ؛ إمَّا لطهارة رجيعه عند الإمام الرُّوياني، واحتج له غيرُه بأنَّه يُعْتَدُّ ببيعه، وإمَّا للمُسامحة؛ لعُسر شقه وإخراجه عند الإمام القَفَّال وصحَّحه الإمام الفوراني وغيره؛ كما في (المجموع للإمام النووي ٩/ ٧٣، ط. دار الفكر)، ورجَّحه الحافظ السيوطي في (الأشباه والنظائر، ١/ ٤٣٣، ط. دار الكتب العلميَّة)، وهو المعتمد في المذهب الشافعي كما نصَّ عليه الشيخان: العلَّامة ابن حجر الهيتمي في (تحفة المحتاج، ٩/ ٣١٧، ط. المكتبة التجاريَّة الكبرى)، والعلَّامة الرَّمْلي في (نهاية المحتاج ٨/ ١٥١، ط. دار الفكر)، والقول بالحِلِّ هو ما نقله صاحب
стр. 178
(معراج الهداية) عن سائر الأئمَّة.
ثُمَّ إنَّ التحريم عند مَن قال به متعلِّقٌ بالسَّمَك الصغار الذي يَحْوي في جوفه رجيعاً؛ لقولهم بنجاسة رجيعه، أمَّا إطلاقُ القول بتحريمه ولو أُخْرِجَ ما في جوفه، أو بتحريم السَّمَك الصغار مطلَقاً حتَّى ما لا رجيعَ فيه كالإِرْبِيَان ونحوه: فلا قائلَ به، وهو مخالفٌ لما تقرَّر عند الحنفيَّة من فروعٍ مبنيَّةٍ على حِلِّ السَّمَك الصغار؛ كجواز السَّلمِ فيه، بل هو مخالف للإجماع الذي نقله الحنفيَّة وغيرهم في حِلِّ جميع أنواع السَّمَك.
ولا يَرِدُ على ذلك أيضاً: ما ذُكِرَ مِن مشابهة الجَمْبَري للعَقْرب أو الدُّود، وهما من حيوانات البَرِّ المُحرَّمة؛ حيث نُقِل الاختلافُ بين الفقهاء في حكم ما كان من حيوان البحر على صورة غير المأكول من حيوان البر؛ وذلك لعدَّة أوجه:
أوَّلها: أنَّ هذا الخلاف مخصوص عند الحنفيَّة بالسَّمَك؛ فما كان من أنواع السَّمَك فهو عندهم حلال حتَّى لو شابه ما حَرُمَ مِن حيوانات البَرِّ؛ قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري ٩/ ٦١٩): «وإنَّما اختُلِفَ فيما كان على صورة حيوان البَرِّ؛ كالآدميِّ والكَلْب والخنزير والثُّعْبان؛ فعند الحنفيَّة، وهو قول الشافعيَّة: يَحْرُمُ ما عدا السَّمَك .. وعن الشافعيَّة الحِلُّ مطلقاً على الأصحِّ المنصوص، وهو مذهب المالكيَّة إلَّا الخنزير في رواية ... وعن الشافعيَّة ما يؤكل نظيره في البَرِّ حلال، وما لا فلا، واستثنوا على الأصحِّ ما يعيش في البحر والبَرِّ» اهـ.
ثانيها: أنَّه لا تشابه في الحقيقة بين الجَمْبَري والعَقْرَب أو الدُّود؛ فالجَمْبَري من طائفة القِشْريَّات، وهو معدود مِن طيِّبات السَّمَك عند العرب وغيرهم وفي أعراف الناس، وهو مفيد ونافع للطعام والصحَّة، ويُعَدُّ من أشهر المأكولات البحريَّة وأشهاها، وفيه
стр. 179
فوائد عدَّة؛ حيث يحتوي على كمية كبيرة من الكالسيوم، واليود، والبروتين، والكولسترول، مع انعدام نسب الدهون المشبعة؛ فهو أيضاً مفيد للدورة الدمويَّة.
أمَّا العقرب فمن طائفة العنكبوتيَّات، ومعظم أنواعه سامٌّ، وهو مستقذَرٌ طبعاً وشرعاً وعُرْفاً، بل هو من الفواسق الخمس التي صرَّح النبيُّ ﷺ بقتلها في الحِلِّ والحَرَم لِكَفِّ أذاها، فلكلٍّ منهما خصائص ومميِّزات تجعله مختلفاً تمام الاختلاف عن الآخر، وإن ادُّعِيَ التشابهُ الظاهريُّ بين بعض أنواعهما، وكذلك الحالُ في الدُّود؛ فإنَّه مُستَقْذَرٌ كذلك، وما يكون من التشابه الظاهري بينه وبين الجَمْبَري لا يُنْبِئُ عن أي مشابهة حقيقيَّة بينهما في الخصائص أو المميزات.
ثالثها: أنَّ العبرة في التحريم -عند من قال به- ليست مطلق المشابهة في الصورة، بل التوافق في الصفات والخصائص المقتضية للتحريم؛ فالمارماهي -وهو ثعبان البحر- حلال عند الحنفيَّة، ولا يخرجه عن الحِلِّ مُجرَّدُ المشابهة الصوريَّة لثعبان البَرِّ؛ قال العلَّامة شيخي زاده المعروف بداماد أفندي الحنفي في (مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر ٢/ ٥١٤، ط. دار إحياء التراث العربي): «(كالجِرِّيث) بكسر الجيم وتشديد الراء: نوع من السَّمَك غير المارماهي. (والمارماهي) وإنَّما أفردهما بالذِّكْر لمكان الخفاء في كونهما من جنس السَّمَك، ولمكان الخلاف فيهما لمحمَّد، ذكره صاحب (المغرب)، وما قيل أنَّ الجِرِّيث كان دَيُّوثاً يدعو الناس إلى حَليلَتِه فمَسَخَ الله تعالى به فممنوعٌ؛ لأنَّ الممسوخ لا نَسْلَ له ولا يقع باقياً بعد ثلاثة أيَّام، وإنَّ المارماهي متولِّدٌ من الحيَّة ليس بواقع، بل هو جنسٌ شبيهٌ بها صورةً» اهـ.
ولهذا كُلِّه كان التحقيق عند الحنفيَّة: حِلُّ الإِرْبِيَان بلا خلاف، وهو الذي
стр. 180
نصَّ عليه العلَّامة المحدِّث ظفر أحمد العثماني التهانوي الحنفي (ت ١٣٩٤ هـ) في كتابه الحافل (إعلاء السُّنن ١٧/ ١٨٨)؛ حيث قال: « ... وفي (الدر المختار - مع الشاميَّة): ولا يَحِلُّ حيوانٌ مائي إلَّا السَّمَك غير الطافي، وإلَّا الجِرِّيث: سمكٌ أسود، والمارماهي: سمكٌ في صورة الحيَّة، أفرَدَهما بالذكر؛ للخفاء، أي: لخفاء كونهما من جنس السَّمَك، وخلاف محمَّد، قال في (الدُّرر): وهو ضعيف (٥/ ٣٠٠)، وفيه ما يُشعِرُ بكون الجِرِّيث غير المارماهي، وفي (حياة الحيوان): الجِرِّيث: هو هذا السَّمَك الذي يشبه الثعبان، ويقال له أيضاً: الجري، وهو نوعٌ من السَّمَك يشبه الحيَّة، ويُسمَّى بالفارسيَّة: مارماهي، وحكمه الحِلُّ. قال البغوي: إن الجِرِّيث حلالٌ بالاتِّفاق، والمراد: هذه الثعابين التي لا تعيش إلَّا في الماء، وأمَّا الحيَّات التي تعيش في البَرِّ والبحر، فتلك من ذوات السموم، وأَكْلُها حَرام». اهـ (١/ ١٧٧).
وبالجملة؛ فكُلُّ ما كان من جنس السَّمَك لغةً وعُرْفاً فهو حلالٌ بلا خلاف؛ كالسَّقَنْقور والرُّبْيان ونحوهما، والله تعالى أعلم بالصواب» اهـ.
وأمَّا الإفتاء بأولويَّة تركه اجتناباً لشُبْهَةِ الخلاف فيه: فهو إنَّما يتفرَّع على ثبوت الخلاف، وقد ذكرنا أنَّ نقل الخلاف فيه غيرُ معتمد، كما أنَّ المفتَى به عند السادة الحنفيَّة منذ قرون متطاولة: أنَّه لا يُفْتَى بالأورع أو الأحوط؛ لأنَّ الزمانَ لم يَعُدْ زمانَ اجتناب الشبهات، قال العلَّامة برهان الدِّين محمود بن مازه الحنفي (ت ٦١٦ هـ) في (المحيط (٥/ ٤٩٩، ط. دار الكتب العلميَّة): «رُوِيَ عن علي بن إبراهيم أنَّه سُئِل عن هذه الشبهات، فقال: ليس هذا زمانَ الشبهات؛ اتِّق الحرام عياناً؛ بمعنى: إن اجتنبت عن غير الحرام كفاك» اهـ. والمحكيُّ عنه هو العلَّامة الفقيه المفتي