-بوزن عظيم-: اسم للبُسْرِ إذا شَدَخَ ونَبَذَ.
والزَّهْوُ -بفتح الزَّاي وسكون الهاء بعدهما واو-: هو البُسْرُ الذي يَحْمَرُّ أو يَصْفَرُّ قبل أنْ يترَطَّبَ.
وفي البخاري عن أنس أيضاً قال: (كُنْتُ قَائِماً عَلَى الحَيِّ أَسْقِيهِمْ -عُمُومَتِي وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ سِنًّا- الفَضِيخَ فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، فَقَالُوا: أَكْفِئْهَا، فَكَفَأْتُهَا).
وعن بكر بن عبد الله أنَّ أنسَ بن مالكٍ حدَّثهُم (أَنَّ الخَمْرَ حُرِّمَتْ، وَالخَمْرُ يَوْمَئِذٍ البُسْرُ وَالتَّمْرُ)، إلى آخر ما جاء في البخاري.
وما أحسن ما نقله الحافظ ابن حجر عن القُرطبي من قوله: «الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحَّتها وكثرتها تُبْطِلُ مذهب الكوفيِّين القائلين بأنَّ الخَمْر لا يكون إلَّا من العِنَب، وما كان مِنْ غيرِه لا يُسمَّى خَمْراً، ولا يتناوله اسم الخَمْر، وهو قولٌ مُخالِفٌ للُغَةِ العَرَب، وللسُّنَّة الصحيحة، وللصحابة؛ لأنَّهم لما نزل تحريم الخَمْر فهموا من الأمر باجتناب الخَمْر تحريم كلِّ مُسْكِرٍ، ولم يُفَرِّقوا بين ما يُتَّخَذُ من العِنَبِ وما يُتَّخَذُ من غيره، بل سَوَّوا بينهما، وحرَّموا كلَّ ما يُسْكِرُ نوعه، ولم يتوقَّفوا ولا اسْتَفْصَلوا، ولم يُشْكِلْ عليهم شيء من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العِنَب، وهم أهلُ اللِّسان، وبلُغَتِهم نزل القرآن ... فلو كان عندهم فيه تردُّدٌ لتوقَّفوا عن الإراقة حتَّى يستكشفوا ويستفصلوا ويتحقَّقوا التحريم؛ لما كان تقرَّر عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلمَّا لم يفعلوا، وبادروا إلى الإتلاف عَلِمْنا أنَّهم فهموا التحريم نصًّا، فصار القائل بالتفريق سالكاً غير سبيلهم. ثمَّ انضاف إلى ذلك خُطْبةُ عمر بما يوافق ذلك -وهو ممَّن جَعَلَ الله الحقَّ على لِسانِه وقَلْبِه-، وسمعه الصحابة وغيرهم فلم يُنقَلْ عن أحدٍ
стр. 282
منهم إنكار ذلك.
وإذا ثبت أنَّ كل ذلك يسمى خَمْراً لزم تحريم قليله وكثيره، وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في ذلك، ثمَّ ذَكَرَها.
قال: وأمَّا الأحاديث عن الصحابة التي تمسَّك بها المُخالِف فلا يصحُّ منها شيء على ما قال عبد الله بن المبارك وأحمد وغيرهم، وعلى تقدير ثبوت شيء منها فهو محمولٌ على نقيع الزَّبيب أو التمر من قبل أن يدخل حَدِّ الإسْكار؛ جمعاً بين الأحاديث» ا. هـ.
وقد قال أبو بكر بن العربي في كتابه (أحكام القرآن) عند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]: «إنَّ الخَمْر كُلُّ شراب مُلِذٍّ مُطْرِبٍ. قاله أهل المدينة وأهل مكَّة.
وتعلَّق أبو حنيفة بأحاديث ليس لها خُطُمٌ ولا أَزِمَّة ذكرناها في شرح الأحاديث ومسائل الخلاف، فلا يلتفت إليها» أ. هـ.
والصحيح ما روى الأئمَّة أنَّ أنساً قال: (حُرِّمَتِ الخَمْرُ يَوْمَ حُرِّمَتْ وَمَا بِالمَدِينَةِ خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلَّا قَلِيلٌ، وَعَامَّةُ خَمْرِها البُسْرُ وَالتَّمْرُ) خرَّجه البخاري.
واتَّفق الأئمَّة على رواية أنَّ الصحابة إذ حُرِّمَتِ الخَمْر لم يكن عندهم يومئذ خَمْر عِنَبٍ، وإنَّما كانوا يشربون خَمْر النَّبيذ، فكسروا دِنانَهُم وبادروا بالامتثال؛ لاعتقادهم بأنَّ كلَّ ذلك خَمْر. إلى آخر ما قال.
وجملةُ القول: أنَّ اسم الخَمْر المُحَرَّمة في الشريعة الإسلاميَّة يتناول كلَّ مُسْكِرٍ، إمَّا على سبيل الحقيقة اللُّغويَّة أو على سبيل الحقيقة الشرعيَّة، بأنْ يكون الشارع نَقَلَها من نوع خاصٍّ من الشَّراب المُسْكِر إلى مفهومٍ يتناول جميع أنواع الشَّراب المُسْكِر.
وعلى فَرْضِ أنَّ اسم الخَمْر لا يُطْلَقُ حقيقةً على كلِّ شَراب مُسْكِر؛ فالنصوص المستفيضة عن النبيِّ ﷺ في الصِّحاح والسُّنَن والمَسانِيد قاطعةٌ
стр. 283
بأنَّه ﷺ حَرَّم كُلَّ مُسْكِر، ولولا خشية الإطالة لذكرنا هذه النصوص.
ومن شاء الاطِّلاع عليها فليرجع إلى كتب الأحاديث، أو باب الأشربة وحَدِّ الشَّراب، الجزء الرَّابع من (فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية)؛ فقد ذكر ﵀ كثيراً من هذه الأحاديث، ثمَّ قال: «فمن اعتقد من العُلماء أنَّ النَّبيذ الذي رُخِّصَ فيه يكون مُسْكِراً -يعني من نبيذ العَسَل والقَمْح، ونحو ذلك- فقال: يُباح أنْ يتناول منه ما لم يُسْكِر فقد أخطأ.
وأمَّا جماهير العُلماء فعَرَفوا أنَّ الذي أباحه هو الذي لا يُسْكِرُ، وهذا القول هو الصحيح في النصِّ والقياس.
أمَّا النصُّ فالأحاديث كثيرة فيه.
وأمَّا القياس؛ فلأنَّ جميع الأشربة المُسْكِرَة متساوية في كونها تُسْكِر، والمفسدة الموجودة في هذا موجودةٌ في هذا، والله تعالى لا يُفَرِّق بين المتماثلين، والتَّسْوية بين هذا وهذا من العَدْل والقياس الجَلِيِّ، فتبيَّن أنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْر حَرَام. والحَشِيشة المُسْكِرَة حَرامٌ، ومن استحلَّ المُسْكِرَ منها فقد كَفَر» ا. هـ.
وجاء في (تفسير الألوسي) -عند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩] بعد كلام- ما نَصُّه: «وعندي أنَّ الحقَّ الذي لا ينبغي العُدول عنه أنَّ الشراب المتَّخَذَ ممَّا عدا العِنَب كيف كان، وبأيِّ اسمٍ سُمِّي، متى كان بحيث يُسْكِرُ مَنْ لم يتعَوَّده حَرَام، وقليلُه ككثيره، ويُحدُّ شاربُه، ويَقَعُ طلاقُه، ونجاسته غليظة.
وفي (الصحيحين): أنَّه ﷺ سُئِلَ عن النَّقيع -وهو نبيذ العَسَل- فقال: (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)، وروى أبو داود: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ ومُفتِّرٍ)، وصحَّ: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، وفي حديث آخر: (مَا أَسْكَرَ الفَرَقُ -مكيالٌ يسع ستة عشر رِطْلاً- مِنْهُ فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ)،
стр. 284
والأحاديث متضافرة على ذلك»، إلى آخر ما قال الأَلُوسِي. ...
وممَّا ذكرنا كلّه يتبيَّن جليًّا أنَّ الحقَّ أنَّ كلَّ مُسْكِرٍ حَرام، قليلُه وكثيرُه في ذلك سواء.
ومن هنا كانت الفتوى في مذهب أبي حنيفة على رأي محمَّد القائل بذلك.
عن المسألة الثانية: أنَّ حَدَّ شارب الخَمْر هو الجَلْدُ، ولكنَّ الفقهاء اختلفوا في مقداره؛ فذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنَّه ثمانون جَلْدة.
وذهب الإمامُ الشافعيُّ إلى أنَّه أربعون جَلْدَة.
وعن الإمام أحمد روايتان؛ قال ابن قُدامة في (المُغْنِي) ما نصُّه: «وبهذا قال مالك والثوريُّ وأبو حنيفة ومن تبعهم؛ لإجماع الصحابة؛ فإنَّه رُوِي أنَّ عمرَ استشار الناس في حَدِّ الخَمْر، فقال عبد الرحمن بن عَوْف: (اجْعَلْهُ كَأَخَفِّ الحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَضَرَبَ عُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكَتَبَ بِهِ إِلَى خَالِدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بِالشَّامِ).
وروي أنَّ عَلِيًّا قال في المَشُورَة: (إِنَّهُ إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى؛ فَحُدُّوا حَدَّ المُفْتَرِي) روى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما.
والرواية الثانية: أنَّ الحَدَّ أربعون، وهو اختيار أبي بَكْرٍ من الحنابلة، ومذهب الشافعي؛ لأنَّ عليًّا جَلَد الوليد بن [عقبة] أربعين، ثمَّ قال: (جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّة، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ) رواه مسلم.
وعن أنسٍ قال: (أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ فَضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ نَحْواً مِنْ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ عُمَرُ فَاسْتَشَارَ النَّاسَ فِي الحُدُودِ. فَقَالَ ابْنُ عَوْفٍ: أَقَلُّ الحُدُودِ ثَمَانُونَ؛ فَضَرَبَهُ عُمَرُ) متَّفق عليه. وفعل النَّبيِّ ﷺ حُجَّةٌ لا يجوز تَرْكُه بفعل غيره، ولا ينعقدُ الإجماع على ما خالف فعل النَّبيِّ ﷺ -
стр. 285
وأبي بكرٍ وعَلِيٍّ ﵄، فتُحْمَل الزيادة من عُمَرَ على أنَّها تعزيرٌ يجوز فِعْلُها إذا رآه الإمام». انتهت عبارة (المُغني).
والظاهر لنا وجاهة القول بأنَّ الحَدَّ أربعون، وللإمام أن يُعزِّر مع إقامة الحَدِّ بما يراه أصلح.
هذا؛ ومن يُقيمُ الحَدَّ إنَّما هو الإمام أو من ولَّاه الإمام ذلك.
عن المسألة الثالثة: لا يجوز تمكين غير المسلمين من بيع الخُمُور ظاهراً في أمصار المسلمين، لأنَّ إظهار بيع الخَمْر إظهارٌ للفِسْق، فيُمْنَعُون من ذلك.
نعم؛ لهم أن يبيعوا الخَمْر بعضهم لبعض سِرًّا.
وعلى الجملة: لا يجوز الاتِّجار بالخَمْر في أمصار المسلمين على رؤوس الأشهاد؛ كما يؤخذ هذا من (البدائع صفحة ١١٣ من الجزء السابع)، ومن (فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية في باب الأشربة من الجزء الرابع).
عن المسألة الرابعة: إنَّ من أوجب الواجبات الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وذلك ثابت بالكتاب الكريم والسُّنَّة؛ قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، ومعنى التعاون على البِرِّ والتَّقوى: الحثُّ عليهما، وتسهيل طُرُق الخير، وسدُّ سُبُل الشَّرِّ والعدوان بحسب الإمكان.
وقد روى مسلم عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ)، وروى الترمذيُّ عن حُذيفة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ
стр. 286
يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ)، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث المتضافرة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد فصَّل العُلماء شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيَّنوا حدود ذلك.
وأحسن من كتب في هذا الموضوع -على ما رأينا- هو حُجَّة الإسلام الغزالي؛ (في الجزء الثاني من كتاب إحياء علوم الدين)، فقد أطال رحمه الله تعالى القول في ذلك، وشرح هذا الموضوع شرحاً وافياً. والذي يهمُّنا في الإجابة عن هذا السؤال هو ما ذكره من أنَّه إذا كانت المعصية راهنة وصاحبها مباشر لها؛ كلبسه الحرير، وإمساكه العود والخَمْر، فإبطال هذه المعصية واجبٌ بكُلِّ ما يمكن ما لم يؤدِّ إلى معصيةٍ أفْحَشَ منها أو مثلها، وذلك يثبتُ للآحاد والرَّعيَّة. فهذا صريح في أنَّ النهي عن المنكر إنَّما يكون إذا لم يترتَّب على هذا النهي مُنْكَرٌ أعظم من هذا المُنكر ومفسدةٌ أشدُّ من مفسدة فِعْل المُنكر. وهذا هو الذي ينبغي ألَّا يكون فيه خلاف.
وقد قال المحقِّق ابن القَيِّم في (أعلام الموقِّعين من الجزء الثالث) في مبحث تغيُّر الفتوى واختلافها بحسب تغيُّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيِّات والعوائد -بعد كلام- ما نَصُّه: «فإنكار المنكر أربع درجات:
الأولى: أن يزول ويخْلُفه ضدُّه.
الثانية: أن يَقِلَّ وإن لم يَزُلْ بجُملته.
الثالثة: أن يخْلُفه ما هو مثله.
الرابعة: أن يَخْلُفه ما هو شرٌّ منه.
فالدَّرجتان الأُولَيان مشروعتان، والثالثةُ موضع اجتهاد، والرَّابعة مُحرَّمة. اهـ.
وحينئذٍ لا يجوز الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر إذا ترتَّب على ذلك مَفْسَدَةٌ أشَدُّ وشَرٌّ أعظمُ من تَرْك المعروف وفِعْل المنكر».
ومن هذا يُعْلَم أنَّه إذا كان المسلم
стр. 287
الذي ساءَه الاستهتار بالدِّين إذْ رأى الحانات تُفتَحُ أمام المساجد إلى آخره دعا المسلمين إلى العمل على إغلاق هذه الحانات بطريقة لا يترتَّب عليها شرٌّ أعظم، ولا فتنةٌ أكبر؛ بأنْ دعاهم إلى مطالبة أُولي الأمر بمنع فتح هذه الحانات والاتِّجار بالخَمْر، ومنع سائر المنكرات التي فَشَت في الأُمَّة فأماتت القُلُوبَ، وأفسدَتْ على العُقُول إدراكَها، فأصبح كثيرٌ من الناس يستحسنون القبيح ويستقبحون الحسن، وفُقِدَت منهم قوَّة التَّمييز بين الخير والشرِّ، والنافع والضارِّ، والحَسَن والقبيح، كان هذا المسلمُ ومن يقوم معه قد أدَّوا ما هو واجب على حسب استطاعتهم.
أمَّا إذا قاموا بأنفسهم بإزالة هذا المنكر، وتغييره بأيديهم، وكان هذا ممَّا يترتَّب عليه فتنةٌ وشَرٌّ للأُمَّة أعظم من الاتِّجار بالخَمْر، فذلك ممَّا لا يجوز فعله، بل هو محظورٌ؛ لما يترتَّب عليه من المَفاسِدِ والمَضارِّ، كما قدمنا.
هذا وقد ذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنَّ تغيير المنكر باليد إنَّما هو على الأُمَرَاء والحُكَّام، والتغيير باللِّسان على العُلماء، والتغيير بالقَلْب على العَوامِّ؛ ذهاباً منه إلى أنَّ التغيير باليد يعتمد القُدْرة، وأنَّه لا قُدْرة لغير الأُمراء والحكام.
ولكن حديث: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَراً فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، ... ) إلى آخره، نصٌّ -كما قال العلَّامة البركوي- في كون الوجوب على هذا الترتيب على كلِّ شخصٍ، وهو قولُ أكثر العُلماء وهو المختارُ للفتوى.
غير أنَّ الأمر مُقَيَّد -كما قلنا سابقاً- بما إذا لم يترتَّب على ذلك شرٌّ أعظم ومفسدةٌ أكبر.
وخلاصة القول: أنَّ الشريعة الإسلاميَّة -كما قال المحقِّق ابن القَيِّم-: مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي
стр. 288
عَدْل كُلُّها، ورحمةٌ كُلُّها، ومصالح كُلُّها وحكمةٌ كُلُّها.
فكلُّ مسألةٍ خرجت عن العَدْل إلى الجَوْر، وعن الرحمة إلى ضِدِّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة.
فإذا أَمَرَتْ بشيءٍ فإنَّما تأمرُ به لما فيه من المصلحة الرَّاجحة، وإذا نَهَتْ عنه فإنَّما تنهى عنه لما به من المفسدة الرَّاجحة.
فعلى المسلم حينئذٍ أنْ يتَّبع قواعد دِينه؛ فيكون حَكيماً في دعوته إلى الله، وفي أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.
هذا ما ظهر لنا والله أعلم
[الفتاوى الإسلاميَّة من دار الإفتاء المصرية (٤/ ١٥٦٧ - ١٥٧٤)]
* * *
مَناطُ تَحْريمِ الخَمْرِ
(٢٧٢) السؤال: [ما مَناطُ تَحْريم الخَمْر ؟]
الجواب: مَناطُ التحريم في مثل هذه المشروبات وعَدَمُه إذا كانت مُسْكِرةً أو مُفتِّرةً، كانت من الأشياء التي نَهَى رسول الله ﷺ [عن] تناولها، وكان حُكمُها حُكم الخَمْر في التحريم، ويَحرُم قليلها كما يَحرُم كثيرها، روى أبو داود عن أمِّ سَلَمَة ﵂ قالت: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ).
وعن ابن عمر أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) رواه الجماعة إلَّا البخاري وابن ماجه، وفي رواية: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ) وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ مِنَ الحِنْطَةِ خَمْراً، وَمِنَ الشَّعِيرِ خَمْراً، وَمِنَ العِنَبِ خَمْراً، وَمِنَ التَّمْرِ خَمْراً، وَمِنَ العَسَلِ خَمْراً) رواه الخمسة إلَّا النَّسائي، زاد أحمد وأبو داود: (وَأَنَا أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ)؛ فالبيرة والبُوظة وما شابهها من المُسْكِرات والمُخَدِّرات جميعها حَرامٌ،
стр. 289
وهي خَمْرٌ وإن اتَّخذ الناس لها أسماء أخرى غير اسم الخَمْر، وهذا رسول الله ﷺ يُحدِّثنا عن ذلك فيقول فيما يرويه عُبادَة بن الصَّامِت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَتَسْتَحِلَّنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الخَمْرَ بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا إِيَّاهُ)، رواه أحمد وابن ماجه، وعن أبي أُمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالأَيَّامُ حَتَّى تَشْرَبَ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا).
والقليل في التحريم كالكثير سواء بسواء، فعن ابن عمر ﵄ عن النبيِّ ﷺ قال: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ الفَرَقُ مِنْهُ، فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْه حَرَامٌ)، وفي رواية الإمام أحمد بلفظ: (فَالأُوقِيَّةُ مِنْهُ حَرَامٌ)، وفي رواية: (فَالحَسْوَةُ مِنْهُ حَرَامٌ). والفَرَقُ: بفتح الرَّاء وبسكونها؛ مِكْيالٌ معروفٌ بالمدينة يَسَعُ ستة عشر رِطْلاً، وقيل: هو بفتح الرَّاء ستة عشر رِطْلاً، فإذا سُكِّنت فهو مائة وعشرون رِطْلاً، وليس المراد حقيقة الفَرَق، ولا مِلْءَ الكَفِّ، والأُوقِيَّة، أو الحَسْوة، وإنَّما هو تمثيل للكثير والقليل.
قال الشوكاني في (نيل الأوطار): وذِكْرُه مِلْءَ الكَفِّ، [أو] الأُوقِيَّة في الحديث على سبيل التمثيل؛ فالحُكمُ شاملٌ للقطرة ونحوها.
قال ابن رَسْلان في (شرح السُّنن): المسلمون على وجوب الحَدِّ على شاربها، سواء شرب قليلًا أم كثيراً، ولو قَطْرَةً واحدةً.
أمَّا جزاءُ من يشرب من ذلك إذا مات ولم يَتُب عنها؛ فقد بيَّنه رسول الله ﷺ ؛ فقد روي عن جابر: (أَنَّ رَجُلًا مِنْ جَيْشَانَ - وَجَيْشَانُ مِنَ اليَمَنِ- سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنْ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ: المِزْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَمُسْكِرٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ:
стр. 290
كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللهِ عَهْداً لِمَنْ يَشْرَبُ المُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الخَبَالِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا طِينَةُ الخَبَالِ؟ قَالَ: عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ) رواه مسلم وأحمد والنَّسائي.
وعن ابن عبَّاس عن النبي ﷺ قال: (كُلُّ مُخَمِّرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ مُسْكِراً بُخِسَتْ صَلَاتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً -أي: رُدَّت عليه ولم يَقْبَلْها اللهُ أَرْبَعِينَ يَوْماً-، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ كَانَ حَقًّا عَلَى الله أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الخَبَالِ. قِيلَ: وَمَا طِينَةُ الخَبَالِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ، وَمَنْ سَقَاهُ صَغِيراً لَا يَعْرِفُ حَلَالَهُ مِنْ حَرَامِهِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الخَبَالِ) رواه أبو داود.
[فتاوى عبد الحليم محمود (٢/ ٢٢١ - ٢٢٢)]
* * *
تَحريمُ الخَمْر
(٢٧٣) السؤال: هل حَرَّم الإسلامُ الخَمْر والمَيْسِر، أو أنَّه نهى عنهما فقط ؟
الجواب: لقد حَرَّم الإسلامُ الخَمْر والمَيْسِر على المسلمين تحريماً قاطعاً واضحاً صريحاً بنصِّ القرآن الكريم والسُّنَّة النَّبويَّة المطهَّرة.
والخَمْر: كُلُّ مُسكِرٍ يَستُر العَقْل ويغطِّيه، ويُخرِج الإنسانَ عن رَشاده ووَعْيِهِ المستقيم.
والمَيْسِر: هو القِمار بأنواعه المختلفة.
وتحريم الخَمْر والمَيْسِر جاء قاطعاً في سورة المائدة؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الآية ٩٠. والرِّجْس: هو الحرام، والفِعْلُ القَبيح والقَذِر، والكُفْر واللَّعنة.
والقرآن قد وصف الأوثان بأنَّها رِجْس في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ سورة الحج، الآية ٣٠. ووصف المنافقين بأنَّهم أصحاب الرِّجْس، فقال: ﴿وَأَمَّا
стр. 291
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ التوبة ١٢٥.
وكلمة: (فاجتنبوه) طلبٌ وأمرٌ بالابتعاد عنه، والابتعادُ عن الشيء يتضمَّن عدم ملامسته أو استعماله، فهذه الكلمة تدلُّ على التَّشديد في تحريم الخَمْر والمَيْسِر.
ولقد مهَّد القرآن الكريم لتحريم الخَمْر تحريماً قاطعاً بالإشارة إلى ما فيها من شرورٍ كثيرة بجانب قليلٍ من النفع المادِّيِّ الذي لا قيمه له، ومن هذا التمهيد: أنَّ القرآن نَهَى في أوَّل الأمر عن السُّكْر في حالة الصَّلاة، أو عن الدخول فيها وهناك أثرٌ للسُّكْر في الإنسان، وأوقات الصَّلاة متقاربة، فلا يسهل على الإنسان أنْ يشرب الخَمْر ويتخلَّص مِنْ سُكْرها قبل دخول وقتٍ جديدٍ للصلاة في أغلب الأحيان.
ويُرْوَى في السُّنَّة النَّبويَّة المطهَّرة أنَّ رسول الله ﷺ قَدِمَ المدينة مهاجراً وهم يشربون الخَمْر ويأكلون مال المَيْسِر، فسألوا الرسول ﷺ عنهما، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ البقرة: ٢١٩.
فقال بعض الناس: ما حُرَّم علينا، وإنَّما قال: (إثمٌ كبيرٌ). وكانوا يشربون الخَمْر حتَّى كان يوم من الأيَّام صلَّى فيه رجلٌ من المهاجرين إماماً لأصحابه في صلاة المغرب، فخَلَط في قراءة القرآن، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ سورة النساء، الآية ٤٣.
وقال عمر بن الخطَّاب ﵁: (اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَاناً شَافِياً؛ فَإِنَّها تُذْهِبُ بِالمَالِ وَالعَقْلِ).
ثمَّ نزلت آية التحريم القاطع للخَمْر والمَيْسِر، وذلك في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ
стр. 292
وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؟ ... وهنا قال عمر ﵁: (انْتَهَيْنَا يَا رَبَّنَا انْتَهَيْنَا).
وقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ جاء استفهاماً على سبيل التهديد والوعيد، بدليل أنَّ الآيتين السابقتين وهما رقم ٩٠ و ٩١ من سورة المائدة، والآية التالية لها وهي رقم ٩٢ تقول: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾.
وكذلك حَرَّم الرسول ﷺ الخَمْر، ووَصَفَها بأنَّها أمُّ الخبائث، وبأنَّها داءٌ وليست بدواءٍ، وجاء الحديث المشهور: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ). وقال النبيُّ ﷺ : (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)، وقال: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ). وقال: (لَعَنَ اللهُ الخَمْر؛ شَارِبَهَا، وَسَاقِيهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ) ....
[يسألونك في الدين والحياة (١/ ٤٥٨ - ٤٦١)]
* * *
حُكمُ الخَمْر والمُخَدِّرات
(٢٧٤) السؤال: ما هو حكم تحريم الخَمْر؟ وما حكم تحريم المُخَدِّرات الموجودة حالياً ؟ والتي لم تكن موجودة في أيَّام الرسول ﷺ ، أمثال الحبوب وغيرها؛ لأنَّ بعض أصحاب المُخَدِّرات هؤلاء لا يُقِرُّون بذنبٍ، ولا يعترفون بأنَّ المُخَدِّرات هذه أفسدت كلَّ شيءٍ من الزَّرْع والنَّسْل، وأفسدت معظم العائلات، وجرَّت الوَيْل والدَّمار على أصحاب العائلات والمسلمين جميعاً.
الجواب: الرسول ﷺ بيَّن حكم الخَمْر، من أيِّ شيءٍ كانت؛ يقول ﵊: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمرٌ، وكُلُّ مُسكِرِ حَرامٌ)، ويقول: (مَا أَسْكَرَ
стр. 293
كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، فكلُّ شيءٍ يُسْكِرُ مأكولاً أو مشروباً أو من طريق الحبوب أو من طريق التدخين كلُّه مُحرَّم، كلُّ ما أسْكَرَ أو أضَرَّ بالعباد فإنَّه مُحرَّم بنصِّ الرسول ﷺ ، فجميع أنواع المُسْكِرات المأكولة والمشروبة كلُّها مُحرَّمة؛ لقوله ﷺ : (كُلُّ مُسْكِرِ حَرَامٌ)، وقال: (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)، وقال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ)، (مَا أَسْكَرَكَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، هذا يعمُّ كلَّ شيءٍ؛ فالحبوب الضارَّة أو المُخَدِّرة أو الشراب أو المأكول؛ كالحشيشة، كلُّ شيءٍ يحصل به هذا المعنى من الإسْكَار ومَضَرَّة على مُتعاطِيه فإنَّه مُحرَّم، حتَّى ولو لم يُسْكِر إذا كان يضرُّ صاحبه ويُسبِّب [له] أضراراً بيِّنةً، فإنَّه محرَّم؛ كالتدخين وغيره ممَّا يتعاطاه الناس ممَّا يَضرُّ ولكنَّه لا يُسْكِرُ، فإنْ أسْكَرَ فهو مُحرَّم لإسْكَارِه، وإنْ أضَرَّ فهو مُحرَّم؛ لإضراره وإفساده الأبدان وإذهابه للعقول، فما أسْكَرَ وأضَرَّ بالعقول فهو مُحرَّم منكر؛ من حُبوبٍ أو شراب أو مأكول أو غير ذلك، وهكذا ما عُرِفَ أنَّه مُضِرٌّ بشهادة الأطبَّاء العارفين به، أو بالتجارب معروفٌ أنَّه يَضُرُّ فهو مُحرَّم ومُنكرٌ لقول النبيِّ ﷺ : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)، ولقوله سبحانه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فالله حَرَّم علينا ما يَضُرُّنا ويَضُرُّ عقولنا وأبداننا، وحَرَّم علينا كُلَّ شيءٍ مُسْكِرٍ؛ لأنَّه يُغَطِّي العقول ويَضُرُّها ويُفْضِي بها إلى أنواع الفساد، فقد يقتل المَخْمورُ، وقد يَزْني، وقد يَسْرِق؛ إلى غير هذا من الفساد العظيم المترتب على الخَمْر، وقد قال الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، هذه الكلمة ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ تدلُّ على شدة التحريم، أي: ابتعدوا عنه غاية الابتعاد، مثلما قال الله سبحانه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:
стр. 294
٣٠]، وهي أبلغ من قول: (فاتركوه)، ثمَّ قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، ثبت عن عمر ﵁ أنَّه لمَّا سمع هذه الآية قال: (انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا)، فالله بيَّن لنا أن الخَمْر والمَيْسِر والقِمار رِجْسٌ من عمل الشيطان، وهذا يدلُّ على شدِّة التحريم، قال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، ثمَّ قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، فعلَّق الفلاح باجتناب هذه الأمور، وبيَّن [أنَّها] من أسباب العداوة والبغضاء، فوجب على أهل الإسلام أنْ يَحْذَروها، وأنْ يبتعدوا عنها، وأنْ يتناصحوا بتركها، وأنْ ينكروها على من فعلها، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلَّا بالله.
[الفتاوى الصوتية للشيخ ابن باز (الموقع)]
* * *
شُرْبُ المُسْكِر مِنْ غَيْر الخَمْر
(٢٧٥) السؤال: حُكمُ شارِبِ خَمْرٍ تَرَكَ الخَمْرَ والتجأ إلى شيءٍ آخر غير خَمْرٍ ولكنَّه مُسْكِرٌ .
الجواب: الخَمْر حرام، حرَّمها الله بنصِّ القرآن؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].
فمن شَرِبَها بعد هذا النصِّ الصريح مُستحِلًّا لها، كان كافراً؛ لأنَّه أنكر ما عُلِم من الدِّين بالضرورة.
أمَّا إذا شَرِبَها وهو يعتقد حُرْمتها فهو مرتكبٌ للكبيرة، وهو عاصٍ بشُرْبِها، ولا بُدَّ له من التوبة والرجوع إلى الله والإقلاع عن هذا المنكر.
وليست الخَمْر نوعاً معيَّناً محدوداً من المشروبات، وإنَّما كُلُّ مُسْكِر خَمْر، كما ورد في الحديث الشريف، ومن المعروف أنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْر، وكُلَّ
стр. 295
خَمْر حَرامٌ، ومن المعروف أنَّ الخَمْر ما خَامَرَ العَقْل؛ أي: أَخَلَّ باتِّزانه، وإنْ لم يُذهِب العَقْل كُلِّيَّة، والسُّكْر يبدأ باختلال هذا التوازن العَقْلي، وكلُّ ما أخلَّ بالتوازن العَقْلي من شُرْب أيِّ شيءٍ مُسْكِرٍ فقد ارتكب مُحرَّماً، ويجب عليه الإقلاع عنه.
[فتاوى عبد الحليم محمود (٢/ ٢٢٣ - ٢٢٢)]
* * *
عِلَّةُ تَحْريمِ الخَمْر ومَا الحُكْمُ لَو ارْتَفَعَتِ العِلَّةُ ؟
(٢٧٦) السؤال: الخَمْرُ -أكرمك الله-هل هي مُحرَّمةُ العَيْنِ، أو مُحرَّمةُ الذَّات، أو مُحرَّمةٌ بسببٍ ؟ والسببُ هو العِلَّة، وإنِ ارتفعت العِلَّةُ ارتفعَ الحُكْمُ؛ فإنَّ رجلاً وَرَدَ علينا، وشَغَبَ بَلَدَنا، وحَيَّر طَلَبَتَنا، وقد وَكَّلْنا أمرَ مسألتنا إليك، فلَكَ الفَضْل في مراجعتنا، وتبيين مسألتنا وتفصيلها، وإقامة الأدلَّة على كلِّ نوع من أنواعها ....
الجواب: تصفَّحتُ سُؤالَكَ الواقع في بطن هذا الكتاب، ووقَفْتُ عليه.
والسؤال: هل الخَمْر مُحرَّمة العَينِ، أو مُحرَّمة الذات؟ سؤالٌ فاسدٌ؛ لأنَّ عَينَ الخَمْر هو ذاتُها؛ فمن المستحيل أنْ يُحرَّم أحدُهما دون الآخر.
وكذلك السؤال: هل الخَمْر مُحرَّمة العَينِ أو مُحرَّمةٌ لسببٍ؟ سؤالٌ فاسدٌ أيضاً؛ إذ لا يستقيم أنْ يُسأَلَ عن عِلَّة تحريمها إلَّا بعد المعرفة بتحريمها.
فمسألتك ترجع إلى أسئلة:
أحدها: هل الخَمْر مُحرَّمة العَينِ أم لا؟
والثاني: هل تحريمها لعِلَّةٍ، أو عبادةٌ لغير عِلَّةٍ؟
والثالث: السؤال عن العِلَّة ما هي؟
والرابع: السؤال عن الدليل على صِحَّة تحريم عَيْنِها.
والخامس: السؤال عن الدليل على صِحَّة العِلَّة.
فنقول: إنَّ الخَمْر مُحرَّمةُ العَينِ،
стр. 296
مُحرَّمةُ الذات، والدليل على تحريم عَيْنِها وذَاتِها التي [هي] عَيْنُها: الكتابُ، والسُّنَّة، وإجماع الأُمَّة.
فأمَّا الكتاب: فقوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].
فأَمَرَ باجتناب الخَمْر، وأَمْرُه بذلك على الوجوب والفَرْض عند جميع المسلمين، وأخبر أنَّها من عمل الشيطان، وعَمَلُ الشيطان حرامٌ.
وقال : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ فتوعَّد على ذلك بقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، ولا خلاف فيما توعَّد الله على فِعْلِه أنَّه حرامٌ.
وأمَّا السُّنَّة: فإنَّ الآثار الواردة عن النَّبيِّ ﷺ بتحريمها قد نُقِلَتْ نَقْلَ التَّواتُر، فلا يُحصَى.
من ذلك: حديث ابن عبَّاس: أنَّ رجلاً أهدَى لرسول الله ﷺ راوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَهَا؟) قَالَ: لَا، فَسَارَّهُ إِنْسَانٌ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (وَبِمَ سَارَرْتَهُ؟) قَالَ: أَمَرْتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا).
وأمَّا الإجماع: فمعلومٌ من دِينِ الأُمَّة ضرورةً: أنَّ الخَمْر حرامٌ، وإطلاقُ التَّحريم في الكتاب والسُّنَّة والإجماع على الخَمْر نصٌّ في أنَّ عينَها هو المُحرَّم؛ لأنَّ الاسم هو المُسمَّى عند أهل السُّنَّة.
ومن ذهب إلى أنَّ الاسم غير المُسمَّى فقد وافَقَنا على أنَّ التحريم إنَّما وقع على المُسمَّى بالخَمْر، لا على اسم الخَمْر؛ فحصل الإجماع على تحريم عين الخَمْر. ومن المستحيل في العَقْل أن يكون تحريم شُرْب الخَمْر واقعاً على ما عدا عينها، وقد نصَّ النَّبيُّ ﷺ على تحريم
стр. 297
عينها بقوله: (حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِعَيْنِهَا، والسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ)، أَو (المُسْكِرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ) على اختلاف الرُّواة في ذلك.
فمن قال: إنَّ الخَمْر ليست بمُحرَّمةِ العين، فهو كافرٌ، حلال الدَّم يُستتاب؛ فإنْ تابَ، وإلَّا قُتِلَ.
وكذلك كُلُّ ما أسْكَرَ من جميع الأنبذة، فهو مُحرَّم العين، لا يَحِلُّ شُرْبُ القليل منه، ولا الكثير، عند مالكٍ وكافَّة أهل العِلْمِ من الصَّحابة والتَّابعين وفقهاء المسلمين؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ).
ونقول: إنَّها مُحرَّمة لعِلَّةٍ، وإنَّ العِلَّةَ في تحريمها المعنَى الموجود بها من الشِّدَّة المُطْرِبَةِ المُغَيِّرَةِ للعقول، المُوجِبَةِ لها التَّسمية بالخَمْر، وهو الإسْكَار.
والدَّليل على صحَّة هذه العِلَّة، أنَّها مُطَّردةٌ منعكسةٌ، يوجَد التحريم بوجودها، ويُعدَم بعَدَمِها، ألا ترى أنَّها إذا كانت عصيراً قبل أنْ يحدث فيها المعنى الذي يُسْكِر، حلالٌ، فإذا حدث فيها ذلك المعنى حَرُمَت به، فإذا عُدِمَ منها بالتَّخليل حلَّت بعَدَمِه منها. واطِّرادُ العِلَّة وانعكاسُها من أَدَلِّ دليلٍ على صحَّتها، وقد بينَّها الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾؛ فدلَّ بقوله هذا على أنَّه إنَّما حرَّمها لما فيها من المعنى الموجِب للعداوة والبغضاء، والصَّدِّ عن ذِكْر الله وعن الصَّلاة.
ومن الناس من ذهب إلى أنَّها مُحرَّمةٌ لاسْمِها؛ فجعل العِلَّة في تحريمها استحقاقها لاسم الخَمْر في اللِّسان العَرَبيِّ؛ لمَّا وَجَد التَّحريم فيها تابعاً لاسْمِها، متى استحقَّت أنْ تُسمَّى خمراً، حَرُمَتْ، ومتى لم تستحقَّ ذلك حَلَّت. وذلك موافقٌ لما قُلْناه من المعنى؛ لأنَّها إنَّما تُسمَّى خمراً بوجود الشِّدَّة المُطْرِبَةِ المُسْكِرَة فيها، فإذا
стр. 298
عُدِمَت منها لم تُسَمَّ خمراً.
ولا يصحُّ أن يقال: إنَّها مُحرَّمة لعَيْنِها، إذ لو كانت مُحرَّمة لعَيْنِها، لما صحَّ أنْ تَحِلَّ إذا تَخلَّلت؛ لبقاء عَيْنِها.
فالإجماع على أنَّها تَحِلُّ إذا تخلَّلت يُبطِلُ أنْ تكون عَيْنُها عِلَّةً في تحريمها، وإنَّما الذي يصِحُّ أنْ يقال فيه: إنَّه مُحرَّم لعَينِه: مسفوح الدَّم، ولحمُ الخنزير، وشبهه. وبالله التوفيق، لا شريك له.
[مسائل أبي الوليد ابن رشد (٢/ ٦٣٥ - ٦٣٩)]
* * *
تناولُ شَرابِ الذُّرَةِ إذا لم يُسْكِر
(٢٧٧) السؤال: من هَشَّ الذُّرة فأخذ يَغْلي في قِدْرِه، ثُمَّ يُنْزِلُه ويَعمل عليه قَمْحاً، ويُخلِّيه إلى بُكْرَةٍ ويُصفِّيه؛ فيكونُ ممَّا لا يُسْكِرُ في ذلك اليوم، ثُمَّ يُخلِّيه يومين أو ثَلاثةً بعد ذلك، فيَبْقَى يُسْكِرُ؛ هل يجوز أنْ يَشرَب منه في أوَّل يومٍ أم لا؟
الجواب: يجوزُ شُرْبُهُ ما لم يُسْكِر إلى ثلاثة أيَّامٍ. فأمَّا إذا أَسْكَرَ فإنَّهُ حَرامٌ بنصِّ رسول الله ﷺ ؛ سواءٌ أَسْكَرَ بعد الثَّلاثة أو قبل الثَّلاثة، ومتى أَسْكَرَ حَرُمَ؛ فإنَّه ثبت عنه في الصَّحيح أنَّه قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ).
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٤/ ٢١٩ - ٢٢٠)]
* * *
شُرْبُ قَليلِ مَا أَسْكَرَ كَثيرُهُ
(٢٧٨) السؤال: قلتُ لأحمد: ما أسْكَرَ كثيرُهُ، فقليلُهُ حرامٌ ؟
الجواب: نعم.
سمعتُهُ غير مرَّةٍ ينهى عن قليل ما أسْكَرَ كثيرُهُ.
[مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٣٤٦)]
* * *
شُرْبُ قَليلِ ما أَسْكَرَ كَثيرُهُ مِنْ غير خَمْرِ العِنَبِ
(٢٧٩) السؤال: هل يجوزُ شُربُ
стр. 299
قليل ما أسْكَر كثيرُهُ من غير خَمْر العِنَبِ؛ كالصِّرْماء (١)، والقُمْز (٢)، والمِزْر (٣)؟ أو لا يَحرُمُ إلَّا القَدَحُ الأخيرُ؟
الجواب: الحمد لله. قد ثبت في الصَّحيحين عن أبي موسى قال: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفْتِنَا في شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِاليَمَنِ؛ البِتْعُ: وَهُوَ العَسَلُ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَالمِزْرُ: وَهُوَ مِنَ الذُّرَةِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الكَلِمِ؛ فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ).
وعن عائشة قالت: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ البِتْعِ؛ وَهُوَ نَبِيذُ العَسَلِ، وَكانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَشْرَبُونَهُ، فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ).
وفي صحيح مسلمٍ عن جابرٍ (أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَمَنِ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ: المِزْرُ، فقال: أَمُسْكِرٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللهِ عَهْداً لِمَنْ يَشْرَبُ المُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الخَبَالِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَمَا طِينَةُ الخَبَالِ؟ قَالَ: عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ).
ففي هذه الأحاديث الصَّحيحة أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِل عن أشربةٍ من غير العِنَبِ؛ كالمِزْر وغيره، فأجابَهُم بكلمةٍ جامعةٍ، وقاعدةٍ عامَّةٍ: (إنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)، وهذا يُبيِّنُ أنَّه أراد كُلَّ شَرابٍ كان جِنْسُهُ مُسْكِراً حَرامٌ؛ سواءٌ سَكِرَ منه أو لم يَسْكَرْ؛ كما في خَمْر العِنَب. ولو أراد بالمُسْكِر القَدَحَ الأخير فقط لم يَكُن الشَّرابُ كُلُّهُ حَراماً، ولكان بيَّن لهم؛ فيقول: اشربوا منه ولا تَسْكَروا، ولأنَّه سألهم عن المِزْر: (أَمُسْكِرٌ هُوَ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)، فلمَّا سألهم: (أَمُسْكِرٌ هُوَ؟) إِنَّما
стр. 300
أراد يُسْكِرُ كثيرُه؛ كما يُقال: الخُبز يُشبِعُ، والماء يَرْوي، وإنَّما يَحصلُ الرِّيُّ والشِّبَعُ بالكثير منه لا بالقليل. كذلك المُسْكِرُ إنَّما يَحصلُ السُّكْرُ بالكثير منه، فلمَّا قالوا له: هو مُسْكِرٌ، قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)؛ فبيَّن أنَّه أراد بالمُسْكِر كما يُرادُ بالمُشْبِع والمُرْوِي ونحوهما، ولم يُرِد آخرَ قَدَحٍ.
وفي (صحيح مسلم) عن عبد الله بن عُمَرَ عن النَّبيِّ ﷺ قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ)، وفي لفظٍ: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)، ومن تأوَّلَهُ على القَدَحِ الأخير لا يقول: إِنَّه خَمْرٌ. والنَّبيُّ ﷺ جعل كُلَّ مُسْكِرٍ حَراماً.
وفي السُّنن عن النُّعمان بن بشيرٍ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ مِنَ الحِنْطَةِ خَمْراً، وَمِنَ الشَّعِيرِ خَمْراً، وَمِنَ الزَّبِيبِ خَمْراً، وَمِنَ العَسَلِ خَمْراً).
وفي الصَّحيح أنَّ عُمَرَ بن الخطَّاب قال على منبر النَّبيِّ ﷺ : (أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: مِنَ العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالعَسَلِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ؛ وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ).
والأحاديث في هذا الباب كثيرةٌ عن النَّبيِّ ﷺ تُبيِّنُ أنَّ الخَمْرَ التي حَرَّمها اسمٌ لكُلِّ مُسْكِرٍ؛ سواءٌ كان من العَسَل، أو التَّمْر، أو الحِنْطَة، أو الشَّعير، أو لَبَنِ الخَيْل، أو غير ذلك.
وفي السُّنن عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ الفَرَقُ مِنْهُ فَمِلءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ)، قال التِّرمذيُّ: حديثٌ حَسَنٌ.
وقد روى أهلُ السُّنن عن النَّبيِّ ﷺ : (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)؛ من حديث جابرٍ، وابن عُمرَ، وعَمْرو بن شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه، وغيره، وصحَّحهُ الدَّارقُطْنيُّ وغيرُهُ.
وهذا الذي عليه جماهير أئمَّة المسلمين؛ من الصَّحابة والتَّابعين، وأئمَّة الأمصار والآثار.
ولكن بعض عُلماء المسلمين سَمِعوا
стр. 301
أنَّ النَّبيَّ ﷺ رخَّص في النَّبيذ، وأنَّ الصَّحابة كانوا يَشربون النَّبيذَ؛ فظَنُّوا أنَّهُ المُسْكِرُ. وليس كذلك؛ بل النَّبيذُ الذي شَرِبَهُ النَّبيُّ ﷺ والصَّحابة هو أنَّهم كانوا يَنبذُون التَّمْر أو الزَّبيب أو نحو ذلك في الماء حتَّى يَحْلُو، فَيَشْرَبُهُ أوَّل يومٍ، وثاني يومٍ، وثالث يومٍ، ولا يَشْرَبُهُ بعد ثلاثٍ؛ لئلَّا تَكون الشِّدَّةُ قد بَدَتْ فيه، وإذا اشتدَّ قبل ذلك لم يُشْرَب. وقد روى أهلُ السُّنن عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: (لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا)، ورُوِيَ هذا عن النَّبيِّ ﷺ من أربعة أوجُهٍ، وهذا يتناولُ مَنْ شَرِبَ هذه الأشربَةَ التي يُسمُّونها الصَّرْماء وغير ذلك، والأمرُ في ذلك واضحٌ؛ فإنَّ خَمْرَ العِنَبِ قد أجمع المسلمون على تحريم قليلها وكثيرها، ولا فرق في الحِسِّ ولا العَقْل بين خَمْر العِنَب والتَّمْر والزَّبيب والعَسَل؛ فإنَّ هذا يَصُدُّ عن ذِكْرِ الله وعن الصَّلاة، وهذا يَصُدُّ عن ذِكْرِ الله وعن الصَّلاة، وهذا يُوقِعُ العداوةَ والبغضاءَ، وهذا يُوقِعُ العداوةَ والبغضاءَ، والله سبحانه قد أمر بالعدل والاعتبار، وهذا هو القياس الشَّرعيُّ، وهو التَّسويةُ بين المُتماثِلَيْن؛ فلا يُفرِّقُ اللهُ ورسولهُ بين شَرابٍ مُسْكِرٍ وشَرابٍ مُسْكِرٍ؛ فيُبِيحُ قليلَ هذا، ولا يُبِيحُ قليلَ هذا، بل يُسَوِّي بينهُما، وإذا كان قد حَرَّم القليل من أحدهما، حَرَّم القليل منهما؛ فإنَّ القليل يَدْعُو إلى الكثير، وأنَّه سبحانه أمرَ باجتناب الخَمْرِ؛ ولهذا يُؤمَرُ بإراقتها، ويَحرُمُ اقتناؤُها، وحُكِمَ بنجاستها، وأمَرَ بجَلْدِ شارِبِها؛ كُلُّ ذلك حَسْماً لمادَّة الفساد، فكيف يُبِيحُ القليلَ من الأشربة المُسْكِرَة. والله أعلم.
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٤/ ١٩٣ - ١٩٦)]
* * *
تَصْنيعُ النَّبيذِ الخالِي مِنَ الكُحُول
(٢٨٠) السؤال: الرجاء التكرُّم
стр. 302
بإفادتي بالحُكْم الشرعيِّ؛ حيث إنَّني أقوم بعملٍ بشركةٍ لتصنيع النَّبيذ الخالي من الكُحُول، ويتمُّ تصنيعه بطريقتين وهما: تصنيعٌ مبنيٌّ على التخمير، ولكن عندما يتخَمَّر يتمُّ سحب أو شفط الكُحُول من النَّبيذ.
والسؤال هو:
١ - ما حُكمُ هذا المنتج إذا كانت صناعته مبنيَّة على التَّخمير؟
٢ - ما حُكمُ المنتج عند ثبوته بالبحوث العلميَّة أنَّه إذا حُفِظَ بطريقة خاطئة أو انتهت صلاحيَّته يزيد من نسبة الكُحُول فيه ليصل لدرجة إذهاب العَقْل؟ أفتونا مأجورين.
الجواب: شرابُ الشعير وغيره من المشروبات الأخرى الخالية من أيٍّ من المواد المُسْكِرَة -أصلاً أو بعد انتزاع المُسْكِر منها- يجوز شُرْبُها والانتفاعُ بها مُطْلقاً، فإذا أُضيفت إليها أيَّة مادَّة مُسْكِرَة -مهما قَلَّتْ- حَرُمَتْ، أمَّا إذا لم يُضَفْ إليها شيء من المُسْكِرات ولكنَّها بدأت بالتخمُّر بسبب التخزين أو التعقيم أو النقل أو غير ذلك من الأسباب، فإنَّه بناءً على ما أفادت به الجهات المختصَّة من أنَّ الشراب المحتوي على ما نسبته (٠. ٠٥%) خمسة بالألف من المادة المُسْكِرَة لا يُسْكِر ولو شُرِبَ بكمِّيَّاتٍ كبيرةٍ؛ فإنَّ هيئة الفتوى لا ترى مانعاً من السَّماح بالشراب المحتوي على هذه النسبة من المُسْكِر فقط.
وترى الهيئة كراهة عَرْضِ شراب الشعير المباح بعبوات الأشربة المُحرَّمة، وكراهة تسميته بأسماء الأشربة المُحرَّمة.
وتوصي الهيئة بعدم شراء شراب الشعير المباح واستيراده من شركات ومصانع الخمور؛ لما في ذلك من دعم ومساعدة لها على الاستمرار في أعمالها المُحرَّمة، إلى جانب ما فيه من مظنَّة التلوُّث بالأشربة المُحرَّمة، وهو ممنوعٌ شرعاً. والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٦١)]
стр. 303
(٢٨١) السؤال: يُرجى إفتاؤنا بشرعيَّة بيع شراب الشَّعير الخالي من الكُحُول، وجزاكم الله خيراً .
الجواب: إذا خلا الشراب المذكور من الكُحول المُسْكِر جاز شُرْبُه، وجاز بيعُه وشراؤُه، فإن كان يُسْكِر كثيره دون قليله، فإنَّه يَحرُم عندئذٍ قليلُه وكثيرُه، شُرْباً أو بَيْعاً أو شِراءً؛ لحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما عند الترمذي والبيهقي وغيرهما أنَّه ﷺ قال: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ). والله تعالى أعلم.
[فتاوى شرعية - إدارة الإفتاء والبحوث بدبي (١٠/ ٩٤)]
* * *
شُرْبِ النَّبيذِ والتَّدَاوي به
(٢٨٢) السؤال: مرض رجلٌ مرضاً شديداً وتردَّدَ على كثير من الأطباء، وكان علاجه في كُلِّ مرَّة علاجاً وقتيًّا ثمَّ يعوده مرضه كما كان، وقد أشار عليه بعض إخوانه أنْ يتعاطى فنجاناً من النَّبيت (النَّبيذ)، فتعاطاه ثمَّ أَسِفَ كثيراً لحُرْمَتِه؛ فهل يجوز له تعاطيه شرعاً؟
الجواب: إنَّ النَّبيذ المُسْكِر نوعٌ من الخَمْر. وقد قال رسول الله ﷺ : (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ) رواه مسلم، (وَكُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ) متَّفق عليه. فيَحْرُم شُرْبُه على الصحيح والمريض، إلَّا أنَّ بعض الأئمَّة قد رخَّص للمريض في التداوي بالمُحرَّم إذا ثبت أنَّه دواؤه بقول طبيبٍ أمينٍ حاذِقٍ؛ تقديراً للضرورة، والأمر هنا على خلاف ذلك؛ لأنَّ الأطباء -كما يفهم من السؤال- لم يعالجوا به هذا المريض، ولو أنَّه تعيَّن دواءً له لعالجوه به، وإنَّما أشار به عليه من لا عِلْمَ له بالطبِّ والعلاج، فلا يجوز له التَّداوي به بمُجرَّد هذا القول؛ لفقد شرط الرُّخصة المذكورة، وفيما أحلَّ
стр. 304
الله تعالى من الأدوية متَّسع عظيم. والله أعلم.
[الفتاوى الإسلاميَّة من دار الإفتاء المصرية (٧/ ٢٥١٦)]
* * *
النَّبْذُ فِي الظُّرُوفِ
(٢٨٣) السؤال: قلتُ: أرأيتَ الظُّروف، هل كان مالكٌ يَكْرَه أنْ يُنْبَذ في شيءٍ منها ؟
الجواب: قال: سألتُ مالكاً عنها فقال: الذي ثبت عندنا والذي آخذ به، أنَّ الدُّبَّاء (١) والمُزَفَّت (٢) لا يصلح النَّبيذ فيهما ولا يُنبَذُ فيهما.
[المدوّنة الكبرى (٤/ ٥٢٤)]
* * *
حُكْمُ النَّبيذِ
(٢٨٤) السؤال: من قال في النَّبيذ: شَرِبَهُ قومٌ على التَّأويل، وتَرَكَه قومٌ على التَّحريم؛ كأنَّهُ وَقَفَ في قوله .
الجواب: لا يُعجبني هذا القول. التَّحريم أثبتُ عندي وأقوى، لا يثبت عندي في تحليل المُسْكِرِ شيءٌ.
[مسائل الإمام أحمد رواية صالح (١/ ٣٠٣)]
* * *
(٢٨٥) السؤال: يوجد لدينا مَشروبٌ يقال له: (نَبِيذ)، ويَشرَبُه جميع السُّكَّان هنا، وبعض العُلماء يقولون: حَرام، وبعضهم يقول: حَلال، وهو من نوع سَعْفِ الخُوصِ، أفتونا في هذا الشراب، أحلالٌ هو أم حَرامٌ ؟
الجواب: لقد حرَّم الله ﵎ الخَمْر؛ لأنَّها مُسْكِرةٌ، تَذْهَبُ بالعَقْل، وتَخْرجُ بِشارِبِها عن رَشادِهِ واستقامة تفكيره، وتجعلُه بذلك يأتي أعمالاً وأقوالاً لا تليق به، فوق ما فيها من أضرارٍ صِحِّيَّة وماليَّة، وقد نصَّ القرآن الكريم على تحريم الخَمْر حين قال:
стр. 305
﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، وقال الرسول ﷺ عن الخَمْر: (إِنَّهَا دَاءٌ وَلَيْسَتْ بِدَوَاءٍ).
والقاعدة في تحريم الخَمْر ترجع إلى الحديث الذي يقول: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ)، فكُلُّ شَرابٍ عَرَفَ الناسُ بالتَّجربة أو العِلْم أنَّه مُسْكِرٌ، وأنَّه يُخرِجُ الإنسانَ عن عَقْلِه ورَشادِه يكون خَمْراً، وعلى هذا يكون حَراماً، والقاعدة الشرعيَّة المشهورة تقول: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ).
وبناءً على هذا القول: إذا كان هذا الشَّرابُ المسؤول عنه يُسْكِر ويُخرِجُ الإنسانَ عند شُرْبِه عن عَقْلِه ورُشْدِه، فإنَّه يكون حَراماً، وإذا كان غير مُسْكِرٍ، وليس فيه من مادَّة الكُحول التي تُسْكِر، فإنَّه لا يكون حَراماً.
ويمكنُ التأكُّد من ذلك بطريق الرُّجوع إلى أهل الاختصاص؛ كالأطبَّاء، والمحلِّلين لمثل هذه المواد، وأصحاب الخِبْرة؛ فإذا قرَّروا أنَّ هذا الشَّراب من جِنْس الموادِّ المُسْكِرَة فإنَّه يُعَدُّ خمراً، ويكونُ شُرْبُه حَراماً، وإذا تَبيَّنوا أنَّه لا يوجد فيه عنصر الإسْكار، فإنَّه لا يكون حَرَاماً.
[يسألونك في الدين والحياة (١/ ٤٦١ - ٤٦٢)]
* * *
نَبِيذُ التَّمْر وَالزَّبِيب وما يُعْمَلُ من الجَزَر
(٢٨٦) السؤال: نبيذُ التَّمر، والزَّبيب، والمِزْرِ، و «السَّويقَةِ» التي تُعمَلُ من الجَزَر، والذي يُعمَلُ من العِنَب يُسمَّى «النَّصُوح»؛ هل هو حلالٌ؟ وهل يجُوزُ استعمالُ شيءٍ من هذا أم لا ؟
الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين. كُلُّ شرابٍ مُسْكرٍ فهُو خمر، فهو حرامٌ بسُنَّة رسول الله ﷺ المستفيضة عنه
стр. 306
باتِّفاق الصَّحابة، كما ثبت عنه في الصَّحيح من حديث أبي موسى: (أنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَرَابٍ يُصْنَعُ مِنَ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ المِزْرُ، وَشَرَابٍ يُصْنَعُ مِنَ العَسَلِ يُقَالُ لَهُ البِتْعُ، وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ النَّبِيُّ ﷺ جَوَامِعَ الكَلِمِ؛ فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)، وفي الصَّحيحين عن عائشة عنه أنَّه قال: (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)، وفي الصَّحيح عن ابن عُمَرَ عنه أنَّه قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)، وفي لفظ الصَّحيح: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ)، وفي السُّنن عنه أنَّه قال: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، وقد صحَّح ذلك غيرُ واحدٍ من الحُفَّاظ، والله حَرَّم عصير العِنَب النَّيء إذا غَلا واشتدَّ وقَذَف بالزَّبَد؛ لما فيه من الشِّدَّة المُطْرِبَة التي تَصدُّ عن ذِكْر الله وعن الصَّلاة، وتُوقِع العداوة والبغضاء. وكُلُّ ما كانت فيه هذه الشِّدَّةُ المُطْرِبَة فهو خمر، من أيِّ مادَّةٍ كان؛ من الحُبُوب والثِّمار وغير ذلك، وسواءٌ كان نيِّئاً أو مطبُوخاً، لكنَّه إذا طُبِخَ حتَّى ذهب ثُلُثاه وبقي ثُلُثُه لم يبقَ مُسْكِراً، اللَّهُمَّ إلَّا أن يُضاف إليه أفاويهُ (١)، أو نوعٌ آخر. والأصل في ذلك (أَنَّ كُلَّ مَا أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)، وهذا مذهب جماهير العُلماء الأئمَّة -كما قال الشَّافعيُّ وأحمدُ [وغيرهما]-.
وهذا المُسْكِر يُوجِب الحَدَّ على شاربه، وهو نَجِسٌ عند الأئمَّة.
وكذلك «الحَشيشة» المُسْكِرَة يجب فيها الحَدُّ، وهي نَجِسةٌ في أصحِّ الوجوه، وقد قيل: إِنَّها طاهرةٌ، وقيل: يُفَرَّقُ بين يابسها ومائعها. والأوَّل الصَّحيح؛ لأنَّها تُسْكِر بالاستحالة كالخَمْر النَّيِّء، بخِلاف ما لا يُسْكِر بل يُغيِّب العَقْل؛ كالبَنْج، أو يُسْكِر بعد الاستحالة؛ كجَوْزَة الطِّيب؛ فإنَّ ذلك ليس بنَجِسٍ.
ومن ظنَّ أنَّ الحَشيشة لا تُسْكِر وإنَّما
стр. 307
تُغيِّب العَقْل بلا لَذَّةٍ، فلم يعرف حقيقة أمْرِها؛ فإنَّه لولا ما فيها من اللَّذَّة لم يتناولوها، ولا أَكَلوها؛ بخلاف البَنْج ونحوه ممَّا لا لذَّة فيه.
والشَّارِع فَرَّق في المُحرَّمات بين ما تشتهيه النُّفوس وما لا تشتهيه؛ فما لا تشتهيه النُّفوس كالدَّم والمَيْتَة اكتُفِيَ فيه بالزَّاجر الشَّرعيِّ؛ فجَعَل العقوبة فيه التَّعزير. وأمَّا ما تشتهيه النُّفوس فجَعَل فيه مع الزَّاجر الشَّرعيِّ زاجراً طبيعيًّا، وهو الحَدُّ. والحشيشة من هذا الباب.
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٤/ ١٩٧ - ١٩٨)]
* * *
شُرْبُ الطِّلاء إذا ذَهَب ثُلُثَاه وبَقِيَ ثُلُثُه
(٢٨٧) السؤال: سمعتُ أحمدَ سُئل عن شُرْب الطِّلاء، إذا ذهب ثُلُثاه وبقي ثُلُثُه ؟
الجواب: لا بأس به.
قيل لأحمد: إنَّهم يقولون: إنَّه يُسْكِرُ.
قال: لا يُسْكِرُ، لو كان يُسْكِرُ ما أَحَلَّهُ عُمَرُ.
[مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٣٤٧)]
* وانظر: فتوى رقم (٣١٤)
* * *
(٢٨٨) السؤال: سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: عن «النَّصُوح» هل هو حلالٌ أم حرامٌ ؟ وهم يقولون: إنَّ عُمَرَ بن الخطَّاب ﵁ كان يعملُه؛ وصورتُه: أنْ يأخذ ثلاثين رِطْلًا من ماء عِنَبٍ ويُغْلَى حتَّى يبقى ثُلُثُه؛ فهل هذه صورتُه؟ وقد نقل من فعل بعض ذلك أنَّه يُسْكِرُ، وهو اليوم جهاراً في الإسكندريَّة ومصر، ونقول لهم: هو حَرامٌ، فيقولون: كان على زمن عُمَر؛ ولو كان حَرَاماً لنَهَى عنه؟
الجواب: الحمد لله. قد ثبت بالنُّصوص المستفيضة عن النَّبيِّ ﷺ في الصِّحاح والسُّنن والمسانيد أنَّه حَرَّم
стр. 308
كُلَّ مُسْكِرٍ وجَعَلَهُ خمراً؛ كما في صحيح مسلمٍ عن ابن عمر عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ)، وفي لفظ: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)، وفي الصحيحين عن عائشة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)، وفي الصَّحيحين عن أبي موسى عن النَّبيِّ ﷺ (أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَرَابِ العَسَلَ يُسَمَّى البِتْعَ، وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الكَلِمِ؛ فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)، وفي الصحيحين عن عمر بن الخطَّاب أنَّه قال على المنبر -منبر النَّبيِّ ﷺ : (إِنَّ اللهَ حَرَّمَ الخَمْرَ؛ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: مِنَ الحِنْطَةِ، وَالشَّعيرِ، وَالعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ. وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ)، وهو في السُّنن مُسنَدٌ عن ابن عمر عن النَّبيِّ ﷺ ، ورُوِيَ عنه من غير وجهٍ أنَّه قال: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، وقد صحَّحهُ طائفةٌ من الحُفَّاظ. والأحاديثُ في ذلك كثيرةٌ.
فمذهبُ أهل الحجاز، واليمن، ومصر، والشَّام، والبصرة، وفقهاء الحديث؛ كمالك، والشَّافعي، وأحمد ابن حنبل، وغيرهم: أنَّ كُلَّ ما أسْكَرَ كثيرُه فقليلُه حرامٌ، وهو خمر عندهم؛ من أيِّ مادَّةٍ كانت؛ مِنَ الحُبُوب والثِّمار وغيرها، سواءٌ كان من العِنَب، أو التَّمر، أو الحِنْطَة، أو الشَّعير، أو لَبَنِ الخَيْلِ، أو غير ذلك، وسواءٌ كان نَيِّئاً، أو مطبوخاً، وسواءٌ ذهب ثُلُثاه، أو ثُلُثُه، أو نِصْفُه، أو غير ذلك؛ فمتى كان كثيرُه مُسْكِراً حَرُمَ قليلُه بلا نزاع بينهم.
ومع هذا فهم يقولون بما ثبت عن عمر؛ فإنَّ عمر ﵁ لمَّا قَدِم الشَّام وأرادَ أنْ يَطبُخ للمسلمين شَراباً لا يُسْكِرُ كثيرُهُ، طبخَ العصيرَ حتَّى ذهب ثُلُثاه وبقي ثُلُثُه، وصار مثل الرُّبِّ، فأدخل فيه أُصبعه فوجده غليظاً، فقال: كأنَّه الطِّلا (١)؛ يعني
стр. 309
الطِّلا الذي يُطلَى به الإبلُ؛ فسَمُّوا ذلك «الطِّلا»، فهذا الذي أباحهُ عُمَرُ لم يَكُنْ يُسْكِرُ، وذَكَرَ ذلك أبو بكرٍ عبد العزيز ابن جعفرٍ صاحب الخَلَّال: أنَّه مُباحٌ بإجماع المسلمين. وهذا بناءً على أنَّه لا يُسْكِرُ. ولم يَقُل أحدٌ من الأئمَّة المذكورين إنَّه يُباح مع كونه مُسْكِراً، ولكن نَشَأَت شُبْهَةٌ من جهة أنَّ هذا المطبوخ قد يُسْكِرُ لأشياء؛ إمَّا لأنَّ طَبْخَهُ لم يَكُن تامًّا؛ فإنَّهم ذكروا صفة طَبْخِه أنَّه يُغْلَى عليه أوَّلًا حتَّى يذهب وَسَخُهُ، ثُمَّ يُغْلَى عليه بعد ذلك حتَّى يذهبَ ثُلُثاه، فإذا ذهب ثُلُثاه والوسخ فيه كان الذَّاهِب منه أقلَّ من الثُّلُثين؛ لأنَّ الوسخ يكون حينئذٍ من غير الذَّاهِب.
وإمَّا من جهة أنَّه قد يُضاف إلى المطبوخ من الأَفَاوِيه وغيرها ما يُقوِّيه ويشُدُّه، حتَّى يصير مُسْكِراً، فيصير بذلك من باب الخَليطَيْن، وقد استفاض عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه (نَهَى عَنِ الخَلِيطَيْنِ)؛ لتَقْوية أحدهما صاحبه، كما نَهَى عن خليط التَّمْر والزَّبيب، وعن الرُّطَب والتَّمْر، ونحو ذلك.
وللعُلماء نزاعٌ في الخَليطَيْن إذا لم يُسْكِر، كما تنازع العُلماء في نبيذ الأوعية التي لا يَشتدُّ ما فيها بالغليان، وكما تنازعوا في العصير والنَّبيذ بعد ثلاثٍ. وأمَّا إذا صار الخَليطان من المُسْكِر فإنَّه حَرَامٌ باتِّفاق هؤلاء الأئمَّة.
فالذي أباحَه عُمَر من المطبوخ كان صِرْفاً، فإذا خَلَطَه بما قوَّاه وذهب ثُلُثاه، لم يكن ذلك ما أباحَه عُمَر. ورُبَّما يكون لبعض البلاد طبيعةٌ يُسْكِر فيها ما ذهب ثُلُثاه، فيَحْرُم إذا أَسْكَر؛ فإنَّ مناط التَّحريم هو السُّكْرُ باتِّفاق الأئمَّة. ومن قال: إنَّ عُمَرَ أو غيره من الصَّحابة أباح مُسْكِراً فقد كذب عليهم.
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٤/ ١٩٨ - ٢٠١)]
стр. 310
(٢٨٩) السؤال: الخَمْر إذا غَلَى على النَّار ونَقَصَ الثُّلُثُ؛ هل يجوز استعماله أم لا؟
الجواب: الحمد لله. إذا صار مُسْكِراً فإنَّه حَرامٌ تَجِبُ إراقتُهُ، ولا يَحِلُّ بالطَّبخ. وأمَّا إذا طُبِخَ قبل أن يصير مُسْكِراً حتَّى ذهب ثُلُثاه وبقي ثُلُثُه ولم يُسْكِر، فإنَّه حلالٌ عند جماهير المسلمين.
وأمَّا إنْ طُبِخَ قبل أنْ يصيرَ مُسْكِراً حتَّى ذهب ثُلُثُه أو نِصْفُه؛ فإنْ كان مُسْكِراً، فإنَّه حَرامٌ في مذهب الأئمَّة الأربعة، وإنْ لم يكُن مُسْكِراً، فإنَّه يُستعمَلُ ما لم يُسْكِر إلى ثلاثة أيَّام.
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٤/ ٢٢٠)]
* * *
طَبْخُ الزَّبِيبِ ونَقِيعُه
(٢٩٠) السؤال: قلتُ: أرأيتَ الزَّبيب، أكانَ مالكٌ يوسِّع في أنْ يَنْبِذ نَقيعاً ولا يطبخه ؟
الجواب: قال: ما سمعتُ من مالكٍ في مطبوخ الزَّبيب ولا نقيعه شيئاً، إلَّا أنَّ نبيذ الزَّبيب وغيره حلالٌ عنده ما لم يُسْكِر.
[المدوّنة الكبرى (٤/ ٥ ٢٤)]
* * *
(٢٩١) السؤال: قلتُ: أرأيتَ الزَّبيب إذا كان نقيعاً فَغَلَى؛ أما تخافُ أنْ يكون هذا من الخَمْر ؟
الجواب: قال: قال لنا مالكٌ في عصير العنب: إنِّه يُشْرَب ما لم يُسْكِر. قال: فقلنا لمالكٍ: ما حَدُّه؟
قال: قال مالكٌ: حَدُّه إذا لم يُسْكِر. قال: فأرى الزَّبيب بهذه المنزلة أنَّه يُشْرَب ما لم يُسْكِر وإنْ غَلَى.
[المدوّنة الكبرى (٤/ ٥ ٢٤)]
* * *
(٢٩٢) السؤال: سمعتُ أحمدَ، سألهُ رجُلٌ، قال: نقعتُ زَبيباً، ثُمَّ جعلتُه في إناءٍ لأشربَه، فسمعتُ له صوتاً خَفِيًّا ؟
стр. 311
الجواب: هذا غليانٌ، لا تَشْرَبْهُ.
[مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٣٤٦)]
* * *
(٢٩٣) السؤال: سمعتُ أحمدَ سُئِلَ عن العصير ؟
الجواب: يَشْرَبُه ثلاثة أيَّام ما لم يَغْل، فإن جاز ثلاثة أيَّام ويَغْلِي، لم يَشربه، وإنْ غَلَى قبل ثلاثة أيَّام، لم يَشربه.
[مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٣٤٦)]
* * *
(٢٩٤) السؤال: سمعتُ أحمدَ سُئل عن العِنَب يَغْلي وهو عِنَبٌ ؟
الجواب: لا بأس به.
[مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٣٤٧)]
* * *
أَكْلُ الخُشَاف (١)(٢٩٥) السؤال: هل ما يُفْعَل في رمضان من ما يُسمَّى الخُشَاف يدخلُ في حُكمِ النَّهْي عن نَبْذِ شيئين معاً، مع أنَّ الفترة المُستغرَقة لذلك لا تتعدَّى أن تلين هذه المُجفَّفات من التَّمْر والمِشْمِش وخلافه للماء ؟
الجواب: لا حَرَج فيما ذكرت، ولا يدخل فيما نُهِيَ عنه ما لم يَصِل بتغيُّره إلى درجة الإسْكَار. وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم.
[فتاوى اللجنة الدائمة (رقم ٧٦٥٢)]
* * *
زِيادَةُ مَاءٍ في المُسْكِر
(٢٩٦) السؤال: سمعتُ أحمدَ سُئل: يُطيعُ الرَّجُلُ والِدَيْهِ أنْ يَتِخَّ (٢) [لهما] المُسْكِر، ويقولُ: هو عندي حلالٌ .
الجواب: لا يفعل؛ المُسْكرُ حرامٌ.
[مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٣٤٦)]
* * *
стр. 312
تَحْريرُ مَذْهَب أَبِي حَنيفَة في النَّبِيذِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُسْكِراً
(٢٩٧) السؤال: من قال: إنَّ خَمْرَ العِنَب والحشيشة يجوز بعضُه إذا لم يُسْكِر في مذهب الإمام أبي حنيفة؛ فهل هو صادقٌ في هذه الصُّورة، أم كاذبٌ في نَقْلِه ؟ ومن استحَلَّ ذلك هل يكْفُر أم لا؟ وذَكَر أنَّ قليل المِزْر يجوزُ شُربُه؛ فهل حُكمُه حُكمُ خَمْر العِنَب في مذهب الإمام أبي حنيفة، أم له حُكمٌ آخر كما ادَّعاه هذا الرَّجُل؟
الجواب: الحمد لله. أمَّا الخَمْر التي هي عصير العِنَب الذي إذا غَلَا واشتدَّ وقذف بالزَّبَد؛ فيَحرُمُ قليلُها وكثيرُها باتِّفاق المسلمين، ومن نَقَلَ عن أبي حنيفةَ إباحةَ قليل ذلك فقد كَذَبَ، بل مَنِ استحَلَّ ذلك فإنَّه يُستتابُ، فإنْ تابَ وإلَّا قُتِلَ، ولو استحَلَّ شُرْبَ الخَمْرِ بنوع شُبْهةٍ وقعت لبعض السَّلف أنَّه ظَنَّ أنَّها إنَّما تَحرُمُ على العامَّة، لا على الذين آمنوا وعملوا الصَّالحات؛ فاتَّفَقَ الصَّحابة كعُمر وعليٍّ وغيرهما على أنَّ مُستَحِلَّ ذلك يُستتابُ، فإنْ أقرَّ بالتَّحريم جُلِدَ، وإنْ أَصَرَّ على استحلالها قُتِلَ.
بل وأبو حنيفةَ يُحرِّمُ القليل والكثير مِنْ أشربةٍ أُخَر، وإن لم يُسمِّها خَمْراً؛ كنبيذ التَّمر والزَّبيب النَّيء؛ فإنَّه يَحرُمُ عندَهُ قليلُهُ وكثيرُهُ إذا كان مُسْكِراً، وكذلك المطبوخُ من عصير العِنَب الذي لم يذهب ثُلُثاه، فإنَّه يَحرُمُ عندَهُ قليلُهُ إذا كان كثيرُهُ يُسْكِرُ. فهذه الأنواعُ الأربعةُ تَحرُمُ عندَهُ قليلُها وكثيرُها وإن لم يَسْكَرْ منها.
وإنَّما وقعت الشُّبهةُ في سائر المُسْكِر؛ كالمِزْر الذي يُصنَعُ من القَمْح ونحوه؛ فالذي عليه جماهيرُ أئمَّة المسلمين؛ كما في الصحيحين عن أبي موسى الأشعريِّ (أَنَّ أَهْلَ اليَمَنِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ عِنْدَنَا شَرَاباً يُقَالُ لَهُ البِتْعُ؛ مِنَ العَسَلِ، وَشَرَاباً مِنَ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ المِزْرُ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الكَلِمِ؛ فَقَالَ:
стр. 313
كُلُّ مُسْكِرٍ فَهُوَ حَرَامٌ)، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂، عنه ﷺ أنَّه قال: (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)، وفي الصحيح أيضاً عن ابن عُمَرَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)، وفي السُّنن من غير وجهٍ عنه أنَّهُ ﷺ قال: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، واستفاضت الأحاديثُ بذلك.
فإنَّ الله لمَّا حَرَّم الخَمْر لم يكن لأهل مدينة النَّبيِّ ﷺ شرابٌ يشربونه إلَّا من التَّمْر، فكانت تلك خَمْرُهُم، وجاء عن النَّبيِّ ﷺ (أَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ النَّبِيذَ)، والمرادُ به: النَّبيذُ الحُلوُ؛ وهو أنْ يُوضَعَ التَّمْرُ أو الزَّبيبُ في الماء حتَّى يَحْلُو، ثُمَّ يشربُهُ.
(وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ نَهَاهُمْ أَنْ يَنْتَبِذُوا فِي القَرْعِ، وَالخَشَبِ، وَالحَجَرِ، وَالظَّرْفِ المُزَفَّتِ)؛ لأنَّهُم إذا انتبذوا فيها دَبَّ السُّكْرُ وهم لا يعلمون؛ فيشرب الرَّجُل مُسْكِراً.
(وَنَهَاهُمْ عَنِ الخَلِيطَيْنِ مِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ جَمِيعاً)؛ لأنَّ أحدَهُما يُقوِّي الآخر.
(وَنَهَاهُمْ عَنْ شُرْبِ النَّبِيذِ بَعْدَ ثَلَاثٍ)؛ لأنَّه قد يصير فيه السُّكْرُ والإنسانُ لا يدري. كُلُّ ذلك مُبالغةً منه ﷺ ؛ فمن اعتقد من العُلماء أنَّ النَّبيذَ الذي أُرْخِصَ فيه يكونُ مُسْكِراً -يعني من نبيذ العَسَل والقَمْح ونحو ذلك؛ فقال: يُباح أن يُتناولَ منه ما لم يُسْكِر-؛ فقد أخطأ.
وأمَّا جماهير العُلماء فعرفوا أنَّ الذي أباحهُ هو الذي لا يُسْكِر، وهذا القول هو الصحيح في النصِّ والقياس.
أمَّا النصُّ؛ فالأحاديث الكثيرة فيه.
وأمَّا القياس؛ فلأنَّ جميع الأشربة المُسْكِرَة متساويةٌ في كَوْنِها تُسْكِرُ، والمفسدة الموجودة في هذا موجودةٌ في هذا، والله تعالى لا يُفرِّقُ بين المُتماثِلَين، بل التَّسوية بين هذا وهذا من العدل والقياس الجَلِيِّ. فتبيَّن أنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ حرامٌ.
стр. 314
والحشيشة المُسْكِرة حرامٌ، ومن استحَلَّ السُّكْرَ منها فقد كفر، بل هي في أصحِّ قولي العُلماء نجسةٌ كالخَمْر؛ فالخَمْر كالبول، والحشيشةُ كالعذرة ...
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٤/ ٢٠١ - ٢٠٤)]
* * *
وضْعُ الحِيتَانِ في الخَمْرِ فتَصِيرُ مُرِّيًّا (١)(٢٩٨) السؤال: سألتُ مالكاً عن الخَمْر يُجعَلُ فيها الحِيتان فتصير مُرِّيًّا ؟
الجواب: قال: قال مالكٌ: لا أرى أكْلَه. وكَرِهَه.
[المدوّنة الكبرى (٤/ ٥ ٢٥)]
* * *
(٢٩٩) السؤال: سمعتُ أحمد سُئل عن مُرِّيِّ النِّينان (٢).
الجواب: لا يُعجبني.
النِّينان: هو الحِيتان. قاله أبو داود. قال أبو داود: قال أحمد: يعملُهُ أهلُ الشَّام من الخَمْر.
[مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٣٤٧)]
* * *
شُرْبُ الخَمْر للضَّرورَة
(٣٠٠) السؤال: قلتُ لأبي: فخَمْرٌ يضطرُّ إليها رجلٌ يشربُها ؟
الجواب: لا يكون الخَمْر اضطراراً، إنَّما الاضطرار إلى المَيتَة؛ لأنَّ الخَمْر يُعَطِّشُ.
[مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (٣/ ١٢٩٩ - ١٣٠٠)]
* * *
سَقْيُ الخَمْر للبَهائِم
(٣٠١) قرأتُ على أبي، وقال أبي: ارْوِهِ عن عَبْدَةَ بن سليمان الكِلَابيِّ، قال: حدثنا عُبيدُ الله عن نافعٍ، أنَّ ابنَ
стр. 315
عُمَرَ كان يَنْهَى أَنْ تُسْقَى البَهائِمُ الخَمْرَ.
[مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (٣/ ١٣٠٠)]
* * *
بيعُ شَرابٍ يُمكِنُ استخْدامُه مَعَ الخَمْر
(٣٠٢) السؤال: بعد التحيَّة، ورد لحساب شركة ... شراب الكاكاو الجاهز من إنتاج الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، وبتقرير المعاينة الصحِّيَّة تمَّ الكشف عليه من قِبَلِ بلديَّة الكويت، وتمَّ إرسالُه لمختبر وزارة الصحَّة العامَّة للتأكُّد من الصلاحيَّة، وعليه فُحِصَت العيِّنة، وتبيَّن أنَّها صالحة للاستهلاك الآدميِّ، إلَّا أنَّ مختبر وزارة الصحَّة العامَّة أفاد بمراجعة وزارة التِّجارة والصناعة (إدارة المواصفات المقاييس) بخصوص العبارة المذكورة على بطاقة البيانات باللُّغة الإنجليزيَّة تفيد بإمكانيَّة تقديم هذا الشراب مع نوع الكحول (براندي). وفعلاً تمَّ مخاطبة وزارة التِّجارة والصِّناعة -المواصفات والمقاييس- لإبداء الرَّأي حول هذا المنتج، إلَّا أنَّ وزارة التِّجارة والصِّناعة حوَّلت هذا الموضوع للعرض على لجنة الأغذية المُسْتورَدة، وتمَّ عرضه على اللَّجنة، حيث قرَّرت اللَّجنة تحويل هذا المنتج لوزارة الأوقاف (إدارة الفتوى).
لذا يُرجَى التكرُّم بموافاتنا عن إمكانيَّة عرض تلك السِّلع بأسواق الكويت من عدمه؟ شاكرين لكم حُسْن تعاونكم. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.
الجواب: إنَّه لا يَحْرُم شرعاً تداول هذا المُنتَج ما دام قد ثبت خُلُوُّه من الموادِّ المُسْكِرَة، وينبغي طَمْسُ العِبَارة التي تحتوي على تسمية أنواع الخَمْر المذكورة ضمن إرشادات الاستعمال؛ وذلك سدًّا للذَّريعة. والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (٥/ ١٦٨)]
стр. 316
تسميةُ الطَّعام باسْمِ شَرابٍ مُسْكِرٍ
(٣٠٣) السؤال: ورد إلينا عيِّنةٌ من شوكولاتة بنكهة الرَّمِّ، والتي قام مختبر الصحَّة بتحليلها، وثبت خُلُوُّها من الكحول، إلَّا أنَّ المُنتَجَ مُصنَّعٌ بنكهة (الرَّمِّ)، وهو اسمُ نوعٍ من المشروبات الرُّوحيَّة، ويُصنَعُ من منشأ نباتيٍّ .
وعليه يُرجَى إفادتنا حول جواز السماح بتداول هذا المُنتَج، عِلْماً بأنَّه صالحٌ لاستهلاك الآدميِّ، ومُطابقٌ للمواصفات القياسيَّة الفنِّيَّة. وذلك بأسرع وقت ممكن؛ ليتسنَّى لنا اتِّخاذ اللَّازم.
وبعد الاتِّصال هاتفيًّا بمراقبة المواصفات الفنِّيَّة بوزارة التِّجارة والاستماع إلى إفادتهم التي أكَّدت خُلُوَّ هذه الشوكولاتة من الكحول، وأنَّ النكهة التي فيها هي نفس المذاق الذي يوجد لشراب (الرَّمِّ) المُسْكِر، وبعد الاطِّلاع على الغلاف المستخدم في تعبئتها، والمشتمل على نصِّ (خالٍ من الكحول) بالعربية، ولوحظ على الغلاف المستخدم صورة برميل مكتوب عليه بالإنكليزية رم (rum)، وهو اسمٌ للشراب المُسْكِر.
الجواب: ترى اللَّجنة أنَّه لا يَحْرُم شرعاً تناول هذا المنتج ما دام قد ثبت خُلُوُّه من الموادِّ المُسْكِرة، ولكن مع ذلك ترى اللَّجنة مَنْعَه من باب السياسة الشرعيَّة ما لم تحذف من البيانات كلمة (الرَّم) من النصِّ العربيِّ والإنجليزيِّ، وحَذْف صورة البرميل، وحَذْف صورة المائدة الدالَّة على تعاطي الخَمْر؛ وذلك لينتفي التأثير الدِّعائيُّ للمشروبات المُسْكِرة. والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٦٣)]
* * *
تَوصِيةٌ بِشَأْنِ المَوَادِّ الغِذَائِيَّةِ التي تَحْتَوي عَلَى نِسْبَةٍ مِنَ الخُمُورِ
(٣٠٤) لا يجوز تناول الموادِّ الغذائيَّة التي تحتوي على نسبةٍ من الخمور مهما
стр. 317
كانت ضئيلةً، ولا سيَّما الشائعة في البلاد الغربيَّة؛ كبعض الشوكولاتة، وبعض أنواع المثلجات (الآيس كريم، الجيلاتي، البوظة)، وبعض المشروبات الغازيَّة؛ اعتباراً للأصل الشرعيِّ في أنَّ ما أسْكَرَ كثيرُه فقليلُه حَرَام، ولعدم قيام موجِبٍ شرعيٍّ استثنائيٍّ للترخيص فيها.
[توصيات الندوة الثامنة للمنظمة الإسلاميَّة للعلوم الطبية بالكويت ١٤١٥ هـ /١٩٩٥ م]
* * *
ثانياً: اللَّبن:
اللَّبَنُ إذا وَلَغَ فيه كَلْبٌ
(٣٠٥) السؤال: لَبَنٌ وَلَغَ فيه الكَلْبُ؛ أَيَحِلُّ أو يَحْرُمُ ؟
الجواب: أخبرني ابنُ القاسِم عن مالكٍ أنَّه سُئل عن لَبن وَلَغَ فيه الكَلبُ؛ هل يُشرب أو يُهرَق؟
قال: يَعمَدُ الرَّجُل إلى رزق من أرزاق الله فيُهرِقه لكَلبٍ وَلَغَ فيه! هو حلالٌ.
[فتاوى ابن سحنون (ص ٥٠٩ - ٥١٠)]
* * *
شُرْبُ اللَّبَن ما لم يَصِرْ مُسْكِراً
(٣٠٦) السؤال: رجُلٌ عنده حِجْرةٌ (١) خَلْفَها فَلُوَّةٌ؛ فهل يجوزُ الشُّربُ من لَبَنِها أم لا ؟
стр. 318
الجواب: يجوزُ الشُّربُ من لَبَنِها؛ إذا لم يَصِرْ مُسْكِراً.
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٤/ ٢١٨)]
* * *
لَبَنُ الشَّاة التي نَزَا عليها كَلْبٌ فَأَوْلَدَهَا
(٣٠٧) السؤال: الكلبُ إذا نَزا على شاةٍ مأكولةٍ فأولَدَها وَلَداً؛ هل يتنجَّسُ لَبَنُها -كما قَيَّده في الخادم، وقَطَع به ابنُ العِماد-، أم لا -كما قاله الأَذْرُعيُّ، واقتضاه كلامهُم -؟ وإذا قُلتُم بالتَّنجُّس؛ فهل يصيرُ مُؤبَّداً، أو يكون بالنِّسبة إلى الولد فقط، حتَّى لو أتت بولدٍ من طاهرٍ يكون لَبَنُها طاهراً؟ وما المُطهِّرُ له؟ وهل القائل بالتَّنجُّس عَلَّل بأنَّ اللَّبن للرَّجُل، كما عَلَّلوا به في التَّحريم بالرَّضاع، أم لا؟ وإذا قُلتُم: لا؛ فما الفَرْقُ؟
الجواب: لبنُ الشَّاة طاهرٌ ولو أَحْبَلَها كَلْبٌ -كما شمله كلامُهُم-، ويُؤيِّده تصريح البَغَويِّ وغيره بحِلِّ لَبن الفَرَس، وإنْ ولدت بَغْلًا؛ إذ لو حُكِمَ بتبعيِّة اللَّبن للوَلَدِ في هذه لحُكِمَ بتنجيسه. وما قاله الزَّركَشيُّ وابنُ العِماد من الحُكْم بتنجيسه مُخالفٌ لإطلاقهم، وعلى القول به فلا يتعدَّى إلى لَبَنِها الحاصل بولادة حيوانٍ طاهرٍ؛ إذ المُقتضي للحُكْم بتنجيسه كونُهُ حاصلًا بسبب حيوانٍ نَجِسٍ، وقد زال.
[فتاوى الرملي (١/ ٦٣ - ٦٤)]
* * *
لَبَنُ الأَتَانِ (١)(٣٠٨) السؤال: [ما حُكم شُرْب لَبَن الأَتان ؟]
الجواب: لا تُعجبُني أَلْبانُ الأُتُن.
[مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (٣/ ١٣٠١)]
* * *
(٣٠٩) السؤال: هل يجوزُ شُرْبُ لَبَنِ الأَتانِ ؟
стр. 319
الجواب: يُكره. كذا في (الكنز).
[فتاوى اللكنوي (ص ٣٧٩)]
* * *
ثالثاً: البوظة:
شراب البوظة (١)(٣١٠) السؤال: طلبت محافظة الغربيَّة -مكتب السكرتير العامِّ المساعد- بكتابها رقم ١٢٤٨ المؤرخ ٣٠/ ٦/ ١٩٧٤ المتضمِّن أنَّ وحدة الاتِّحاد الاشتراكيِّ العربيِّ لشياخة صندفا بمدينة المَحلَّة الكُبرى - قدَّمت مُذكِّرة إلى السيِّد الأمين العامِّ للاتِّحاد الاشتراكيِّ العربيِّ ببندر المَحلَّة الكُبرى يطلب فيها تغيير نشاط محلَّات بيع البُوظَة الموجودة بالمنطقة، وأنَّ هذه المحلَّات تقع وسط منطقة تضمُّ أربعة مساجد وأربع مدارس.
وطلبت المحافظة بيان حُكم الشَّرع في هذا النوع من المشروبات (البوظة)
стр. 320
المصنوع من القَمْح، وهل هذا النوع من المشروب حَرَام شُرْبُه شرعاً أو حلال؟
الجواب: نفيد بأنَّ الرسول ﷺ قال -فيما رواه النُّعمانُ بن بَشير-: (إِنَّ مِنَ الحِنْطَةِ خَمْراً، وَمِنَ الشَّعِيرِ خَمْراً، وَمِنَ الزَّبِيبِ خَمْراً، وَمِنَ التَّمْرِ خَمْراً، وَمِنَ العَسَلِ خَمْراً) رواه أحمد وأصحاب السُّنَّة إلَّا النَّسائي، وزاد أحمد وأبو داود: (وَأَنَا أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ)، ومَناطُ التحريم في مثل هذه المشروبات هو الإسكار وعدمه، فإذا كانت مُسْكِرَةً أو مُفَتِّرةً كانت من الأشياء التي نَهَى رسول الله ﷺ عن تناولها، وكان حكمها حكم الخَمْر في التحريم، ويَحْرُم قليلها كما يَحْرُم كثيرها، لأنَّ الرسول صلوات الله وسلامه عليه (نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ ومُفَتِّر)، وقال الرسول ﷺ : (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمرٌ، وكُلُّ مُسكِرِ حَرامٌ) رواه الجماعة إلَّا البخاري وابن ماجه، وفي رواية: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ)؛ فالبوظة وما شابهها من المُسْكِرات حَرَام، وإنِ اتَّخذ الناس لها اسماً غير اسم الخَمْر؛ لقوله ﷺ : (لَيَسْتَحِلَّنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الخَمْرَ بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا إِيَّاهُ) رواه أحمد وابن ماجه. هذا والقليل في التحريم كالكثير سواء؛ لقوله ﷺ : (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ).
وعن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ الفَرَقُ فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ)؛ والفَرَقُ مكيالٌ يسع ستة عشر رِطْلاً.
[فيتبيَّن] ممَّا ذُكِر أنَّ البوظة حَرَام؛ لأنَّها مُسْكِرَة، وكلُّ مُسْكِرٍ خَمْر كما ذكرنا، وقد صحَّ عن أصحاب رسول الله ﷺ وهم أعلم بخطابه -كما ذكر ابن القيِّم في (زاد المعاد) - أنَّهم قالوا: إنَّ الخَمْر ما خَامَرَ العَقْل. وهذا إذا كان الحال كما ذُكِرَ بالسؤال.