تسميةُ الطَّعام باسْمِ شَرابٍ مُسْكِرٍ
(٣٠٣) السؤال: ورد إلينا عيِّنةٌ من شوكولاتة بنكهة الرَّمِّ، والتي قام مختبر الصحَّة بتحليلها، وثبت خُلُوُّها من الكحول، إلَّا أنَّ المُنتَجَ مُصنَّعٌ بنكهة (الرَّمِّ)، وهو اسمُ نوعٍ من المشروبات الرُّوحيَّة، ويُصنَعُ من منشأ نباتيٍّ .
وعليه يُرجَى إفادتنا حول جواز السماح بتداول هذا المُنتَج، عِلْماً بأنَّه صالحٌ لاستهلاك الآدميِّ، ومُطابقٌ للمواصفات القياسيَّة الفنِّيَّة. وذلك بأسرع وقت ممكن؛ ليتسنَّى لنا اتِّخاذ اللَّازم.
وبعد الاتِّصال هاتفيًّا بمراقبة المواصفات الفنِّيَّة بوزارة التِّجارة والاستماع إلى إفادتهم التي أكَّدت خُلُوَّ هذه الشوكولاتة من الكحول، وأنَّ النكهة التي فيها هي نفس المذاق الذي يوجد لشراب (الرَّمِّ) المُسْكِر، وبعد الاطِّلاع على الغلاف المستخدم في تعبئتها، والمشتمل على نصِّ (خالٍ من الكحول) بالعربية، ولوحظ على الغلاف المستخدم صورة برميل مكتوب عليه بالإنكليزية رم (rum)، وهو اسمٌ للشراب المُسْكِر.
الجواب: ترى اللَّجنة أنَّه لا يَحْرُم شرعاً تناول هذا المنتج ما دام قد ثبت خُلُوُّه من الموادِّ المُسْكِرة، ولكن مع ذلك ترى اللَّجنة مَنْعَه من باب السياسة الشرعيَّة ما لم تحذف من البيانات كلمة (الرَّم) من النصِّ العربيِّ والإنجليزيِّ، وحَذْف صورة البرميل، وحَذْف صورة المائدة الدالَّة على تعاطي الخَمْر؛ وذلك لينتفي التأثير الدِّعائيُّ للمشروبات المُسْكِرة. والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٦٣)]
* * *
تَوصِيةٌ بِشَأْنِ المَوَادِّ الغِذَائِيَّةِ التي تَحْتَوي عَلَى نِسْبَةٍ مِنَ الخُمُورِ
(٣٠٤) لا يجوز تناول الموادِّ الغذائيَّة التي تحتوي على نسبةٍ من الخمور مهما
стр. 317
كانت ضئيلةً، ولا سيَّما الشائعة في البلاد الغربيَّة؛ كبعض الشوكولاتة، وبعض أنواع المثلجات (الآيس كريم، الجيلاتي، البوظة)، وبعض المشروبات الغازيَّة؛ اعتباراً للأصل الشرعيِّ في أنَّ ما أسْكَرَ كثيرُه فقليلُه حَرَام، ولعدم قيام موجِبٍ شرعيٍّ استثنائيٍّ للترخيص فيها.
[توصيات الندوة الثامنة للمنظمة الإسلاميَّة للعلوم الطبية بالكويت ١٤١٥ هـ /١٩٩٥ م]
* * *
ثانياً: اللَّبن:
اللَّبَنُ إذا وَلَغَ فيه كَلْبٌ
(٣٠٥) السؤال: لَبَنٌ وَلَغَ فيه الكَلْبُ؛ أَيَحِلُّ أو يَحْرُمُ ؟
الجواب: أخبرني ابنُ القاسِم عن مالكٍ أنَّه سُئل عن لَبن وَلَغَ فيه الكَلبُ؛ هل يُشرب أو يُهرَق؟
قال: يَعمَدُ الرَّجُل إلى رزق من أرزاق الله فيُهرِقه لكَلبٍ وَلَغَ فيه! هو حلالٌ.
[فتاوى ابن سحنون (ص ٥٠٩ - ٥١٠)]
* * *
شُرْبُ اللَّبَن ما لم يَصِرْ مُسْكِراً
(٣٠٦) السؤال: رجُلٌ عنده حِجْرةٌ (١) خَلْفَها فَلُوَّةٌ؛ فهل يجوزُ الشُّربُ من لَبَنِها أم لا ؟
стр. 318
الجواب: يجوزُ الشُّربُ من لَبَنِها؛ إذا لم يَصِرْ مُسْكِراً.
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٤/ ٢١٨)]
* * *
لَبَنُ الشَّاة التي نَزَا عليها كَلْبٌ فَأَوْلَدَهَا
(٣٠٧) السؤال: الكلبُ إذا نَزا على شاةٍ مأكولةٍ فأولَدَها وَلَداً؛ هل يتنجَّسُ لَبَنُها -كما قَيَّده في الخادم، وقَطَع به ابنُ العِماد-، أم لا -كما قاله الأَذْرُعيُّ، واقتضاه كلامهُم -؟ وإذا قُلتُم بالتَّنجُّس؛ فهل يصيرُ مُؤبَّداً، أو يكون بالنِّسبة إلى الولد فقط، حتَّى لو أتت بولدٍ من طاهرٍ يكون لَبَنُها طاهراً؟ وما المُطهِّرُ له؟ وهل القائل بالتَّنجُّس عَلَّل بأنَّ اللَّبن للرَّجُل، كما عَلَّلوا به في التَّحريم بالرَّضاع، أم لا؟ وإذا قُلتُم: لا؛ فما الفَرْقُ؟
الجواب: لبنُ الشَّاة طاهرٌ ولو أَحْبَلَها كَلْبٌ -كما شمله كلامُهُم-، ويُؤيِّده تصريح البَغَويِّ وغيره بحِلِّ لَبن الفَرَس، وإنْ ولدت بَغْلًا؛ إذ لو حُكِمَ بتبعيِّة اللَّبن للوَلَدِ في هذه لحُكِمَ بتنجيسه. وما قاله الزَّركَشيُّ وابنُ العِماد من الحُكْم بتنجيسه مُخالفٌ لإطلاقهم، وعلى القول به فلا يتعدَّى إلى لَبَنِها الحاصل بولادة حيوانٍ طاهرٍ؛ إذ المُقتضي للحُكْم بتنجيسه كونُهُ حاصلًا بسبب حيوانٍ نَجِسٍ، وقد زال.
[فتاوى الرملي (١/ ٦٣ - ٦٤)]
* * *
لَبَنُ الأَتَانِ (١)(٣٠٨) السؤال: [ما حُكم شُرْب لَبَن الأَتان ؟]
الجواب: لا تُعجبُني أَلْبانُ الأُتُن.
[مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (٣/ ١٣٠١)]
* * *
(٣٠٩) السؤال: هل يجوزُ شُرْبُ لَبَنِ الأَتانِ ؟
стр. 319
الجواب: يُكره. كذا في (الكنز).
[فتاوى اللكنوي (ص ٣٧٩)]
* * *
ثالثاً: البوظة:
شراب البوظة (١)(٣١٠) السؤال: طلبت محافظة الغربيَّة -مكتب السكرتير العامِّ المساعد- بكتابها رقم ١٢٤٨ المؤرخ ٣٠/ ٦/ ١٩٧٤ المتضمِّن أنَّ وحدة الاتِّحاد الاشتراكيِّ العربيِّ لشياخة صندفا بمدينة المَحلَّة الكُبرى - قدَّمت مُذكِّرة إلى السيِّد الأمين العامِّ للاتِّحاد الاشتراكيِّ العربيِّ ببندر المَحلَّة الكُبرى يطلب فيها تغيير نشاط محلَّات بيع البُوظَة الموجودة بالمنطقة، وأنَّ هذه المحلَّات تقع وسط منطقة تضمُّ أربعة مساجد وأربع مدارس.
وطلبت المحافظة بيان حُكم الشَّرع في هذا النوع من المشروبات (البوظة)
стр. 320
المصنوع من القَمْح، وهل هذا النوع من المشروب حَرَام شُرْبُه شرعاً أو حلال؟
الجواب: نفيد بأنَّ الرسول ﷺ قال -فيما رواه النُّعمانُ بن بَشير-: (إِنَّ مِنَ الحِنْطَةِ خَمْراً، وَمِنَ الشَّعِيرِ خَمْراً، وَمِنَ الزَّبِيبِ خَمْراً، وَمِنَ التَّمْرِ خَمْراً، وَمِنَ العَسَلِ خَمْراً) رواه أحمد وأصحاب السُّنَّة إلَّا النَّسائي، وزاد أحمد وأبو داود: (وَأَنَا أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ)، ومَناطُ التحريم في مثل هذه المشروبات هو الإسكار وعدمه، فإذا كانت مُسْكِرَةً أو مُفَتِّرةً كانت من الأشياء التي نَهَى رسول الله ﷺ عن تناولها، وكان حكمها حكم الخَمْر في التحريم، ويَحْرُم قليلها كما يَحْرُم كثيرها، لأنَّ الرسول صلوات الله وسلامه عليه (نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ ومُفَتِّر)، وقال الرسول ﷺ : (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمرٌ، وكُلُّ مُسكِرِ حَرامٌ) رواه الجماعة إلَّا البخاري وابن ماجه، وفي رواية: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ)؛ فالبوظة وما شابهها من المُسْكِرات حَرَام، وإنِ اتَّخذ الناس لها اسماً غير اسم الخَمْر؛ لقوله ﷺ : (لَيَسْتَحِلَّنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الخَمْرَ بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا إِيَّاهُ) رواه أحمد وابن ماجه. هذا والقليل في التحريم كالكثير سواء؛ لقوله ﷺ : (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ).
وعن عائشة ﵂ قالت قال رسول الله ﷺ : (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ الفَرَقُ فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ)؛ والفَرَقُ مكيالٌ يسع ستة عشر رِطْلاً.
[فيتبيَّن] ممَّا ذُكِر أنَّ البوظة حَرَام؛ لأنَّها مُسْكِرَة، وكلُّ مُسْكِرٍ خَمْر كما ذكرنا، وقد صحَّ عن أصحاب رسول الله ﷺ وهم أعلم بخطابه -كما ذكر ابن القيِّم في (زاد المعاد) - أنَّهم قالوا: إنَّ الخَمْر ما خَامَرَ العَقْل. وهذا إذا كان الحال كما ذُكِرَ بالسؤال.
стр. 321
والله أعلم.
[الفتاوى الإسلاميَّة من دار الإفتاء المصرية (٧/ ٢٥٧٥ - ٢٥٧٦)]
* * *
(٣١١) السؤال: ما قولكم في (البوزة) المتَّخَذة من نحو الشَّعير؛ هل شُرْبُها حَرامٌ وموجبٌ للحدِّ؟ وهل هي نَجِسةٌ؟ وهل كذلك اللَّبن الذي اشتدَّت حُموضَتُه وصار مُسْكِراً؟ أفيدونا الجواب .
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا محمَّدٍ رسول الله.
نعم البوزة المتَّخَذة من الشَّعير أو نحوه المُسْكِرة -أي المُغَيِّبة للعَقْل مع النَّشْوَة والطَّرَب- نَجِسَةٌ، وشُرْبُها حَرامٌ ومُوجِبٌ للحَدِّ، وكذلك اللَّبَنُ الذي صار مُسْكِراً، وكذا سائر المُسْكِرات من النَّبيذِ وحِجامَةِ النَّخْلِ (١)، وغيرها.
وروى أبو داود عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الفَرَقُ فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ)، وقال رسول الله ﷺ : (اجْتَنِبُوا كُلَّ مُسْكِرٍ) رواه الطَّبرانيُّ عن عبد الله بن مُغَفَّلٍ، وقال رسول الله ﷺ : (اجْتَنِبُوا مَا أَسْكَرَ) رواه الحُلْوانيُّ عن عَلِيٍّ؛ قاله في (الجامع الصَّغير)، وروى اللَّخْمِيُّ عن أنسٍ ﵁ أنَّه قال: (حُرِّمَتِ الخَمْرُ وَمَا نَجِدُ خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلَّا قَلِيلًا، وَعَامَّةُ خَمْرِنَا حِينَ ذَاكَ نَبِيذُ البُسْرِ وَالتَّمْرِ).
وفي البخاريِّ أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه خَطَبَ على المنبر فقال: (إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالعَسَلِ. وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ) أراد رضي الله عنه أنَّ الخَمْرَ ليست مقصورةً على هذه الأشياء الخمسة
стр. 322
التي كانت عندهم وقت نزول التَّحريم، وأنَّ عِلَّته مخامرة العَقْل والنَّشْوة والطَّرب؛ فكلُّ ما كان كذلك فهو مُحرَّمٌ ونَجِسٌ وموجِبٌ للحَدِّ، وقال الفقهاء: ما يُسْكِرُ كثيرُه فقَليلُه حَرامٌ، وشُرْبُه موجِبٌ للحَدِّ. والله أعلم، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وآله وسلَّم.
[فتاوى ابن عِلِّيش (٢/ ٣٦٢)]
* * *
(٣١٢) السؤال: ما يقعُ في هذه البلاد من عَجينٍ مائعٍ يمكُثُ زَمَناً طويلاً بحيثُ تَصيرُ فيه شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ؛ فما حكمه ؟
الجواب: لا يخفى أنَّ عمومَ كلامِهِم شاملٌ لمثل هذه الصُّورة، وأنَّها من المُسْكِر الحَرَام الذي يُحَدُّ شاربُه؛ لأنَّ المراد على الشِّدَّة المُطْرِبَة؛ فحيثُ وُجِدَت حَرُمَ التناولُ، وحُدَّ الشارب. ولا يَخفَى أنَّه نَجِسٌ، وأنَّه غِشٌّ يجب على الناس اجتنابه؛ لقوله ﷺ : (مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا) والله أعلم.
[فتاوى الخليلي (٢/ ١٥٥ - ١٥٦)]
стр. 323
رابعاً: البيرة
شُرْبُ البِيرَة
(٣١٣) السؤال: من السيد/ ... : بطلبه قال: إنَّه لاحظ أنَّ شراب البيرة لا يؤثِّر على شاربها إذا أخذ منها كمِّية معقولة؛ لأنَّها بعكس غيرها من المشروبات الروحيَّة، نسبة تركيز الكحول بها بسيطة جدًّا، وتقلُّ عن نسبتها في الكينا البسليري .
وسأل: هل احْتِساءُ قليلٍ من البيرة بالدَّرجة التي لا تُسْكِر حلال أم حرام؟
الجواب: إنَّ الآثار عن رسول الله ﷺ قد جاءت بتحريم كلِّ مُسْكِر؛ فقد روي عن ابن عمر ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكرٍ حَرَامٌ)، وفي رواية مسلم: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ)، وعنه أيضاً أنَّه ﷺ قال: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، رواه أحمد، وابن ماجه، والدارقطني وصحَّحه؛ فهذه الآثار تدلُّ على أنَّ كلَّ شراب أَسْكَرَ فهو خَمْر، وأنَّ ما أَسْكَرَ كثيرُه فقليلُه حَرَام.
والبيرة باعتراف السائل شرابٌ من الأشربة المُسْكِرَة فتكون مُحرَّمة، القليل منها والكثير سواء؛ لأنَّها تعتبر خَمْراً شرعاً؛ لعموم قوله ﵇: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكرٍ حَرَامٌ، ومَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، والله أعلم.
[الفتاوى الإسلاميَّة من دار الإفتاء المصرية (٧/ ٢٥٥٥)]
* * *
(٣١٤) السؤال: ما هذا الشَّرابُ المُسمَّى (بِيرَا)؟ وما حكمُه؟ وما مادة أَخْذِه؟ وهل يقال: إنَّه من الأجزاء الدوائيَّة، أو غير المُسْكِرات، أو يَحِلُّ تناوله؟ وهل هو أنواع؟ وهل في عصير الزَّبيبِ ما يجوز شُرْبُه ؟
الجواب: البيرا هي (الجِعَةُ)؛ أي: الشَّرابُ المأخوذ من ماء الشَّعير، ويقال: إنَّها تُخَمَّرُ بحشيشة الدِّينار، وهي أنواع، ولا شكَّ في كونها من
стр. 324
المُسْكِراتِ، ولكن يقال: إنَّ القليل منها لا يُسْكِرُ لا سيَّما بعد الاعتياد. والصَّحيح المختار عند جماهير المسلمين -ومنهم الشَّافعيَّةُ الذين يُقلِّدُهم أهل بلادكم- أنَّ ما أَسْكَرَ كثيرُه فقليلُه حرامٌ. وهي ليست من الأدوية، ولكنَّها تُفيد في تحليل البَوْل. وفي الحلال ما يُغْنِي عنها في ذلك؛ كالبَقْدونس. ومَنْ مَرِضَ بحَصْر البَوْل، ولم يجد مُحَلِّلاً غيرها، حَلَّ له التَّداوي بها بقَدْر الحاجة.
وعلمت أنَّه يوجد نوعٌ منها يُستعمَل للتَّحليل، لا يُسْكِر قليلُه ولا كثيرُه، ولكنَّه قليل المُكْث؛ يُشْرَب عَقِب صُنْعِه، فإذا طال عليه الأمد أيَّاماً، فَسَدَ وذهبت فائدتُه.
وأمَّا عصير الزَّبيب؛ فلا يَحرُم إلَّا إذا اخْتَمَر وصار مُسْكِراً، وقد عَجِبْتُ من هذا السؤال في غير شُبهةٍ، وما زال المسلمون مُذْ كانوا يشربون ماء الزَّبيب وغيره مَنْبوذاً ومَعْصوراً؛ ما لم يمكث زمناً يتخمَّر فيه ويصير مُسْكِراً، وله في مِصْرَ وغيرها مواضع يُباع فيها هو وماء الخَرُّوب وعِرْقُ السُّوسِ، وغير ذلك.
[فتاوى محمَّد رشيد رضا (٢/ ٥٦٠ - ٥٦١)]
* * *
(٣١٥) السؤال: كَثُرَ الجَدَلُ حول موضوع شُرْب البِيرَة والكِينا؛ هل هو حلالٌ أم حرامٌ ؟
الجواب: ورد عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ). فكلُّ ما من شأنه أنْ يُسْكِر يكون حَرَاماً، ولْيَسْتَفْتِ كُلُّ امرئ قلبَه وإن أفتاه الناس وأَفْتَوْه، وإنَّ الله أحَلَّ الطيِّبات وحَرَّم الخبائث، ومن المتَّفق عليه أنَّ كُلَّ ما من شأنه الإسْكار فهو من الخبائث التي حرَّمها الله.
[فتاوى الشيخ محمَّد أبو زهرة (ص ٦٨٣ - ٦٨٤)]
стр. 325
(٣١٦) السؤال: شاع في هذه الأيَّام تناول البيرة، ويزعم شاربوها أنَّها ليست مُسْكِرَة، بل إنَّها تفتح الشَّهيَّة وتُدِرُّ البَوْل، فما الرأي في هذا الموضوع ؟
الجواب: البيرة مُسْكِرٌ كثيرُها، وما أَسْكَرَ كثيرُه فقليلُه حَرَام.
[فتاوى الشيخ محمَّد أبو زهرة (ص ٦٨٤)]
* * *
(٣١٧) السؤال: ما حُكمُ الدِّينِ في شُرْبِ الشَّراب المُسمَّى باسم «البِيرَة» ؟
الجواب: الخَمْرُ هو كُلُّ ما يُسْكِرُ ويُخرِجُ الإنسانَ عن وَعْيِهِ الطبيعيِّ، ورُشْدِه المألوف، والخَمْرُ من الأمور التي حَرَّمها الإسلام؛ لأنَّها مُذْهِبَةٌ للعَقْل، مُفْسِدَةٌ للجسم، مُضيِّعةٌ للمال.
والدليل على تحريم الخَمْرِ: قول الله تعالى في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. والرسول ﷺ يقول: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ). ويقول أيضاً: (كُلُّ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ). ويقول: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الفَرَقُ -مكيالٌ يسع ستَّة عشر رِطْلاً- فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ).
وأخبر النَّبيُّ ﵊ بأنَّ الدَّواء المُتَّخَذ من الخَمْر داءٌ وليس بدواءٍ.
والمعروف أنَّ شراب «البِيرَة» الذي يُباع في كثير من بلادنا يحوي نسبةً من الكحول -وهي المادَّة المُسْكِرَة- قد تكون حوالي عشرة في المائة، وقد تعلو إلى خمسة عشر في المائة، وما دامت هذه النِّسبة موجودة، فإنَّ شَرابَ «البِيرَةِ» حينئذٍ يكون من الموادِّ المُسْكِرَة، وحينئذٍ يكون شُربُه حَرَاماً، والأطباء -فيما أعلم- يَعُدُّونَ شراب «البِيرَة» المعروف في بلادنا ضمن قائمة الكُحوليَّة التي يوجد فيها عنصر إِسْكارٍ، وهو عنصر «الكحول».
стр. 326
وقد سمعت أنَّ هناك نوعاً من الشَّراب يُسمَّى أيضاً «البِيرَة»، ولكنَّه خالٍ من الكحول؛ أي خالٍ من العنصر المُسْكِر، وهذا النَّوع يُباع في المملكة العربيَّة السُّعوديَّة، وقد كتبوا عليه ما يُفيدُ أنَّه لا يحوي شيئاً من الكُحول؛ فهذا النَّوع يُباح شُرْبُه ما دام لا [يوجد] فيه إسْكارٌ، وليتَ هذا النَّوعَ يُعمَّمُ في البلاد الأخرى؛ حتَّى يستفيد الناسُ بما فيه من منفعةٍ، وحتَّى يقطع الطريق على «البِيرَة» التي تحوي مادَّة الكُحول.
وقد يقولُ قائلٌ: إنَّ النصوص المُحَرِّمَةَ للخَمْرِ لم تذكر شيئاً اسمه «البِيرَة».
وهذا نوعٌ من التَّضليل وبَلْبَلَةِ العُقول؛ لأنَّه ورد في السُّنَّة النَّبويَّة المُطهَّرة أنَّه يأتي على النَّاس زمانٌ يُسمُّون فيه الخَمْرَ بغير أسمائها، وكُلُّ نوعٍ من الموادِّ المُسْكِرَة مهما كان لَوْنُه أو شكلُه أو اسمُه فهو حَرامٌ؛ لأنَّ القاعدة الشرعيَّة هي: (كلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكلُّ خَمْرٍ حَرامٌ).
وأحبُّ أنْ ألفت النَّظر هنا إلى أمرٍ له أهمِّيَّته؛ وهو أنَّ الفقيه الدِّينيَّ قد يسألُه الناسُ عن نوعٍ من الأشربة، وهو لا يدري عناصره، ولا يعرفُ طريقة تكوينه؛ ففي هذه الحالة لا يكون أساسُ الفتوى إلَّا على تقرير أهل الخِبرة والاختصاص في هذه الموادِّ؛ فإذا أثبتَ الطَّبيب المسلم الحاذِق أنَّ هذا النَّوعَ من الشَّراب يتضمَّن مادَّة مُسْكِرَةً صار تناولُه حَرَاماً، ولذلك يَحتاطُ الفقيه عند الإفتاء؛ فيقول مثلاً: إنْ كان هذا الشَّرابُ فيه مادَّة مُسْكِرَة يكون حَراماً، ولا عِبْرَةَ بقِلَّة المشروب منه أو كثرته؛ فإنَّ القاعدة الدِّينيَّة تقول: (مَا أَسكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ). والله ﵎ أعلم.
[يسألونك في الدين والحياة (٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠)]
стр. 327
(٣١٨) السؤال: نَما إلى عِلْمي أنَّ شراب البيرة الموجود حالياً في المحلَّات التجاريَّة حَرَامٌ شُرْبُه، وأنَّه هو شراب الجِعَة الذي نَهَى عنه الرسولُ ﷺ ، مع العِلْم أنَّ الموجود حالياً ليس به شيء يُسْكِر؛ لذا أرجو إفادتي مفصَّلاً عن ح كم شراب البيرة؟
الجواب: الذي أعرفه أنَّ البيرة لا تخلو من الكحول، فإذا وُجِدَ نوعٌ من الشراب المسمَّى البيرة خالٍ وسالم من الكحول فإنَّه لا بأس، ما دام أنَّه لا محظور فيه، وأنه أُخذ من ماء الشعير، دون أنْ يكون فيه أخلاط كحول، وإنَّما راجعٌ إلى معرفة حقيقة سلامته من الكحول، وأنا لا أعرف هذا الشيء تماماً، والذي أفهمه أنَّه لا يخلو من كحول، وأنَّه لا ينفكُّ عنه، فإذا وُجِدَ شرابٌ أو نوعٌ من أنواع البيرة لا كحول فيه فلا بأس به.
[ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (١٢/ ٣٤٢)]
* * *
(٣١٩) السؤال: ما حُكْمُ شُرْب البيرة؟ وكذا ما شابهها من المشروبات ؟
الجواب: إذا كانت البيرة سليمةً ممَّا يُسْكِر فلا بأس، أمَّا إذا كانت مشتملةً على شيء من مادَّة السُّكْر فلا يجوز شُرْبُها، وهكذا بقيَّة المُسْكِرات، سواء كانت مشروبة أو مأكولة يجب الحذر منها، ولا يجوز شُرْب شيءٍ منها ولا أكْلُه؛ لقول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]. ولقوله ﷺ : (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وثبت عنه ﷺ أنَّه: (لَعَنَ الخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَعَاصِرَهَا،
стр. 328
وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَبَائِعَهَا، وَمُشْتَرِيَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا)، كما صحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)، كما صحَّ عنه أيضاً أنَّه (نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ).
فالواجب على جميع المسلمين الحذر من جميع المُسْكِرات، والتحذير منها، وعلى من فعل شيئاً من ذلك أن يتركه، وأن يبادر بالتوبة إلى الله سبحانه من ذلك؛ كما قال : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].
[مجموع فتاوى ابن باز (٢ ٣/ ٥٨ - ٦٠)]
* * *
(٣٢٠) السؤال: البيرة التي تُباع بالأسواق المَحليَّة ومكتوب عليها هذه العبارة: «خالية من الكحول»، الكثير يتساءلون عن إباحة هذا المشروب، فما حكمه ؟
الجواب: حكمُه أنَّه مباح؛ وذلك أنَّ (الأصل في الأشياء الإباحة)؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] حتَّى نعلم ما يقتضي التَّحريم، وهنا لم نعلم ما يقتضي التحريم؛ إذ إنَّها قد جُرِّبت فلم تكن مُسْكِرَة، وإذا لم تكن مُسْكِرَة فإنَّها حلال لا سيَّما وأنَّه قد كتب عليها: إنَّها خالية من الكحول، وعلى هذا تكون مباحة؛ لأنَّه الأصل.
[فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٣٨٦)]
* * *
(٣٢١) السؤال: ما حُكمُ شُرْب البيرة ؟
الجواب: البيرة مادَّة تحوَّلت عن طريق التخمُّر، ووضعَتْها الجمعيَّة الدولية لمنع المُسْكِرَات من المشروبات المُسْكِرَة، وأشارت كثير من المراكز البحثيَّة أنَّها لا تخلو من الكحول، فهذه
стр. 329
كلُّها مثاراتٌ لِشُبَهٍ توجب البحث والسؤال، بل وتوجب الابتعاد عنها حتَّى نتيقَّن خُلوَّها من المُسْكِر، فقد عَلِمْنا يقيناً أنَّ البيرة مَرَّت بمرحلة التخمير، وعَلِمنا أنَّ خُلوَّها من الكُحول محلُّ شكٍّ وليس مُتَيقَّناً، فالأصل عدم الإقدام عليها، ويَحْسُنُ التنبيه ابتداءً إلى أنَّ كُلَّ ما أسْكَرَ فهو خَمْر؛ ففي (البخاري): (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) أي صالحٌ للإسْكار، ولذا كانت القطرة منه حَرام بالإجماع.
وقد نصَّ الحديث الشريف على تحريم شرب القليل ممَّا يُسْكر كثيرهُ؛ فعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (مَا أَسْكَرَ مِنْهُ الفَرَقُ فَمِلءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ)، وروى البيهقي: (مَا أَسْكَرَ مِنْهُ الفَرَقُ فَالحُسْوَةُ مِنْهُ حَرَامٌ)، والفَرَق وملءُ الكفِّ، كلاهما عبارة عن التكثير والتقليل.
والبيرة والنَّبيذ شأنهما شأن أيِّ شراب؛ إذا حصل من شُرْب الكثير منها الإسْكار فهو الخَمْر المُحرَّم؛ لحديث مسلم: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ)، ويكون شُرْب قَطْرَة منهما كبيرةً إجماعاً.
[من فتاوى العصر - قيس آل الشيخ (ص ١ ٣٠)]
* * *
(٣٢٢) السؤال: من السيد/ ... بطلبه المتضمِّن برقم ١٣٤٨ سنة ١٩٥٧ قال: إنَّه تاجر بِقالَةٍ افرنجي وحلويَّات، وأنَّ معظم الجمهور يطلب منه شراء شراب البيرة، وسأل: هل يجوز الاتِّجار في هذا الصنف أو لا ؟
الجواب: إنَّ الآثار عن الرسول ﷺ قد جاءت بتحريم كُلِّ مُسْكِرٍ؛ فقد رُوي عن ابن عُمَرَ، ﵄، أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) رواه الجماعة إلَّا البخاري وابن ماجه.
وفي رواية مسلم: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ)، وعنه أيضاً أنَّه ﷺ قال: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)
стр. 330
رواه أحمد، وابن ماجه، والدارقطني وصحَّحه.
فهذه الآثار تدلُّ على أنَّ كلَّ شرابٍ أسْكَر فهو خَمْر، وأنَّ ما أسْكَر كثيرُه فقليلُه حَرام.
فالبيرة المسؤول عنها من شأنها أن تُسْكِر متعاطيها فتكون مُحرَّمة، القليل منها والكثير سواء؛ لأنَّها تُعَدُّ خَمْراً شرعاً؛ لعموم قوله ﵇: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكرٍ حَرَامٌ، ومَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، وعلى ذلك لا يجوز شرعاً للمسلمين الاتِّجار فيها؛ لأنَّها غير مُتقوَّمة عندهم، فلا ينعقد بيعُها بينهم، لعدم توفُّر شرط من شروط البيع؛ وهو تَقوُّم المبيع، وهي وإن كانت متقوَّمة ومالاً عند غير المسلمين، فهي ليست كذلك عند المسلمين، فلا يجوز لهم التعامل أو الاتِّجار فيها. والله أعلم.
[الفتاوى الإسلاميَّة من دار الإفتاء المصرية (٧/ ٢٥٤٤ - ٢٥٤٥)]
* * *
(٣٢٣) السؤال: والدي تاجرٌ ويبيع البيرة، ويقول: إنَّها ليست مُحرَّمة؛ لأنَّها مصنوعة من ماء الشعير؛ فما رأيكم ؟
الجواب: إذا كان من شأنها أن تُسْكِر فهي حَرام، وبَيْعُها حَرام؛ لأنَّه وَرَدَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ).
[فتاوى الشيخ محمَّد أبو زهرة (ص ٦٨٣)]
* * *
تقريرُ المُؤتمَر الدَّولي لمكافحة المُسْكِرات عام ١٩٣٩ عن البِيرَة والكينا
(٣٢٤) إنَّ إنتاج هذا الشراب وغيره من أنواع الخمور لا يستفيد منه إلَّا صانعُه وبائعُه، أمَّا ضحاياه فهم أولئك الذين أَغْرَتْهُم الأهواء بإدْمانِه وتعاطيه .
لقد اعتبر هذا المؤتمر أنَّ البيرة من أنواع الخَمْر، [وهي] على كُلِّ حالٍ -حسبما تَذْكُرُ التَّقاريرُ- تحتوي على نسبة من الكحول تتفاوت كَثْرةً وقِلَّةً،
стр. 331
وإذا لم يكن قليلُها مُسْكِراً فكثيرُها مُسْكِرٌ، وقد قال صلوات الله عليه -فيما رواه الإمام أحمد وابن ماجه والدارقطني-: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)؛ فقد روى البخاري ومسلم: (أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَرَّمَ المِزْرَ)، وهو شَرابٌ كان يتَّخِذُه أهلُ اليَمَن من الذُّرة والشَّعير، يُنْبَذُ حتَّى يَشْتَدَّ، وهذا نصٌّ في البيرة؛ فيقول صلوات الله عليه فيما رواه ابن ماجه: (إِنَّ مِنَ الحِنْطَةِ خَمْراً، وَمِنْ الشَّعِيرِ خَمْراً)، وروى مسلم وغيره عن ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمرٌ، وكُلُّ مُسكِرٍ حَرامٌ). من هذا نتبيَّن أنَّ البيرة خَمْر وأنَّها حَرَام.
وكذلك الكِينا المخلوطة بالخَمْر، ولا عِبْرةَ باختلاف الأسماء، فقد قال صلوات الله عليه: (يَشْرَبُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا).
أمَّا الاتِّجار فيها فهو داخل في نطاق اللَّعنة التي صبَّها رسول الله ﷺ فيما قال: (لُعِنَتِ الخَمْرُ عَلَى عَشْرَةِ أَوْجُهٍ؛ بِعَيْنِهَا، وَعَاصِرِهَا، وَمُعْتَصِرِهَا، وَبَائِعِهَا، وَمُبْتَاعِهَا، وَحَامِلِهَا، وَالمَحْمُولَةِ إِلَيْهِ، وَآكِلِ ثَمَنِهَا، وَشَارِبِهَا، وَسَاقِيهَا).
أمَّا شُرْبُها للتداوي؛ فقد سأل طارقُ ابنُ سُوَيدٍ الرسولَ ﷺ عن الخَمْر يصنعها للدَّواء، فنهاه رسولُ الله ﷺ عن ذلك، وقال هذه الكلمة التي هي كالحِكْمَة: (إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ).
وفيما رواه ابن ماجه في [سننه] قوله صلوات الله عليه: (إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِي حَرَام).
[فتاوى الدكتور عبد الحليم محمود (٢/ ٢٢٤)]
* وانظر: فتوى رقم (١٠٣٦)
стр. 332
خامساً: أشربة أخرى:
تَنَاوُلُ شَرَابِ (الأبرتن) المُسْتَخْلَصِ مِنَ الكُحُولِ
(٣٢٥) السؤال: وُرِّد لنا كمية من مُرَكَّز شراب (الأبرتن)، ولِكَوْن هذه المادَّة تُستخلَصُ من مادَّة الكحول، والتي بعد التصنيع النهائي للاستهلاك الآدمي تكون خالية تماماً من الكحول .
لذا نرجو التكرُّم بأخذ رأي الشرع بمدى صلاحيَّة ذلك، أم لا يجوز شرعاً؟ وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.
الجواب: ليس للمسلم أن يتعامل بالخَمْر في أيِّ طورٍ من أطوارِها، ولكن لو كان عنده عصيرٌ فتخَمَّر بنفسه، ثمَّ تخلَّلت هذه الخَمْر من غير أن يعمل فيها عملاً فإنَّها تطهُر، وتكون خَلًّا جائز الاستعمال، أمَّا إن عَمِلَ فيها عَمَلاً حتَّى صارت خَلًّا فإنَّ عمله بها حَرَام، ولكن الخَلَّ الناتج منها يكون طاهراً جائز الاستعمال، وهذا التفصيل بالنسبة إلى المسلم. أمَّا إذا عمل بها غير المسلم وصارت خَلاًّ، فإنَّ الخَلَّ لا شكَّ يكون حلالاً، وعلى هذا فإنَّ هذه المادَّة وهي «الأبرتن» إذا وصلت إلى درجة ليس فيها كحول فإنَّه يُباح استعمالها. والله أعلم.
[(الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٢٤٠)]
* * *
تَنَاوُلُ المَشْرُوبَاتِ الغَازِيَّة وَأَكْلُ الجُبْن
(٣٢٦) السؤال: ما حُكمُ المشروبات الغازيَّة بجميع أنواعها؛ حيث يقال: إنَّها تحتوي على مادَّة من دُهْن الخنزير، وهذه تُستَوْرَدُ من الخارج؟ وكذلك أنواع الجُبْن هل هناك نوعٌ مُعيَّن تنصح به الإدارة بعدم أكْلِه، أم أنَّ كُلَّه صالحٌ للأكْلِ ؟
الجواب: من القواعد الفقهيَّة الكُلِّيَّة قول الفقهاء: (الأصلُ في الأشياءِ الإباحةُ)؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا
стр. 333
أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
وعليه؛ فإنَّ كُلَّ مطعوم أو مشروب يكون حلالاً للإنسان إذا لم يوجد فيه مُحرَّم، ومن المُحرَّمات في الطعام والشراب المُسْكِرات والنَّجاسات، وما فيه إضرارٌ بالصحَّة؛ كالسُّموم، فإذا ثبت قطعاً أو بظنٍّ غالِبٍ أنَّ في مطعوم أو مشروب مادَّة مُسْكِرَة أو نَجِسَة أو مُضرَّة بالصحَّة حَرُمَ وإلَّا فلا يُحرُم، ومَدار ثبوت ذلك على المختصِّين والمسؤولين عن الشؤون الصحيَّة، ويستوي في ذلك المشروبات الغازيَّة والأجبان وغيرها، والله أعلم.
[(الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٣٥)]
* * *
شُرْبُ المشروبات المثلَّجة
(٣٢٧) السؤال: ما حُكمُ الإسلام في شُرْبِ المشروبات المثلَّجة؛ مثل: البيبسي، وسبورت كولا مثلًا .
الجواب: كُلُّ ما ذكرته حلالٌ شُرْبُه ما دام لا يُسْكِر كثيرُه.
[فتاوى اللجنة الدائمة (رقم ٥٥٦٤)]
* * *
شُرْبُ الغَازوزَةِ
(٣٢٨) السؤال: الماء الذي يقال له في اللُّغة التُّركيَّة «غازوز»؛ هل يجوزُ شُرْبُه أم لا ؟
الجواب: ما كنَّا نظنُّ أنَّ هذا ممَّا يحتاج للسؤال عنه؛ فإنَّه لا يُسْكِرُ قليلُه ولا كثيرُه، وليس فيه شيء من مادَّة السُّكْرِ، وما زال العلماء يشربون الكازوزة في الآستانة ومصر، وفي كلِّ بلدٍ توجد فيه.
[فتاوى محمَّد رشيد رضا (١/ ٢٢٣)]
* * *
عَصِيرُ عِنَبٍ بدون كُحُول
(٣٢٩) السؤال: نحن شركة تجاريَّة
стр. 334
غذائيَّة نرغب بأنْ نكون وكلاء لمنتج غذائي ... وهو عبارة عن مشروب غازي مُستَخْلَص من عصير فواكه مُرَكَّز (عِنَب بدون كُحول)؛ فما هو الحُكمُ الشرعي بتناول هذا المشروب وبيعه وشرائه وتداوله؟
الجواب: إذا ثبت خُلُوُّ هذا الشراب من المُسْكِرات أو الأشياء الضارَّة فلا مانع من شربه، ولكن يُكْرَه تقديمه بآنيةٍ تُشْبِهُ آنية الأشربة المُحرَّمة، كما تُكْرَه تسميته بأسماء تُشْبِهُ أسماء المشروبات المُحرَّمة. والله تعالى أعلم.
[مجموعة الفتاوى الشرعية الكويتية (٢٥/ ٢٩٧)]
* * *
شُرْبُ مَاءِ الشَّعِير
(٣٣٠) السؤال: يُرجَى من لجنة الفتوى الردُّ الشافي على ما ورد من أسئلة في إحدى الصحف، ولكم الشكر الجزيل .
ما حُكمُ من يمنع بيعَ ماء الشعير المستورد من مكَّة المكرَّمة؟ وهل يجوز تحريم ما أحلَّه الله؟
الجواب: إذا كان في ماء الشعير وغيره ما يُسْكِرُ فهو حَرَام، وإنْ قَلَّ؛ لقوله ﷺ : (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) رواه الترمذي، والنَّسائي، وأبو داود، وابن ماجه، وأحمد. فإذا خَلَتْ هذه الأشربة عن المُسْكِر مُطْلقاً فهي حلال، إلَّا أنَّ لوليِّ الأمر أنْ يأمر بمنع بعض ما هو مباح إذا رأى في ذلك مصلحةَ الأُمَّة، وسَدًّا لذريعة منكرٍ يترتَّب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ [النساء: ٥٩]، ومن ذلك: مَنْعُ عمر ﵁ بعض كبار الصحابة؛ ومنهم طَلْحة وحُذَيْفَة ﵄، من الزَّواج بالكِتابيَّات، والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٦٠)]
стр. 335
شُرْبُ الفُقَّاع (١)(٣٣١) السؤال: سمعتُ أحمدَ سُئِلَ عن الفُقَّاع غير مرَّةٍ .
الجواب: الفُقَّاع زعموا لا يُسْكِر، وزعمُوا أنَّه يُفسِد.
سمعتُ أحمد غير مرَّةٍ يذكُر نحو هذا، ورأيتُه يميل إلى الرُّخصة في شُرْبه.
[مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود
(ص ٣٤٧ - ٣٤٨)]
* * *
ثُلَاثِيٌّ صُبَّ عَلَيهِ عَصِيرٌ
(٣٣٢) السؤال: قال نصير: سألتُ أبا سُليمان عن [ثُلَاثِيٍّ] صُبَّ [عليه] عَصير ؟
الجواب: قال: يُستأنَف [عليه] الطَّبْخ حتَّى يذهب ثُلُثاه ويبقى ثُلُثه، وهو قول محمَّد.
قلت: أَوَ يُشْرَب ما دام حُلْواً؟
قال: ما لم يَخفْ أن يتغيَّر.
فقلت: كم؟
قال: أقلُّ من ثلاثة أيَّام.
[الفتاوى من أقاويل المشايخ؛ للسمرقندي (ص ٥ ٣١)]
* * *
(٣٣٣) السؤال: سُئل أبو بكر عن العصير إذا وُضِعَ في الشمس حتَّى ذهب ثُلُثاه وبقي ثُلُثه ؟
الجواب: قال: لا بأس به، وهو بمنزلة طَبْخِه بالنَّار. قال الفقيه: ورُوي عن أبي حنيفة أنَّه سُئِل عن هذا؟ قال: لا بأس به.
سُئِل سفيان الثوري عن ذلك فكَرِهَه، والقياس ما قال أبو حنيفة.
[الفتاوى من أقاويل المشايخ؛ للسمرقندي (ص ٥٣٢)]
* * *
стр. 336
شُرْبُ الإقسما
(٣٣٤) السؤال: هل يجوزُ شُرْبُ «الإقسما» ؟
الجواب: الحمد لله. إذا كانت من زبيبٍ فقط فإنَّه يُباح شُرْبُه ثلاثة أيَّامٍ إذا لم يَشتدَّ، باتِّفاق العُلماء. أمَّا إن كان من خَليطَيْنِ يُفسِدُ أحدُهما الآخر -مثل الزَّبيب والبُسْر-، أو بقي أكثر من الثَّلاث؛ فهذا فيه نزاعٌ.
وإنْ وُضِعَ فيه ما يُحمِّضُه؛ كالخَلِّ ونحوه، وماء اللَّيمون -كما يُوضَع في الفُقَّاع المُشَذَّب-؛ فهذا يجوز شُرْبُه مُطلَقاً؛ فإنَّ حُموضَته تَمنعُه أنْ يَشتدَّ. فكُلُّ هذه الأشربة إذا حَمُضَت ولم تَصِرْ مُسْكِرَةً يجوزُ شُرْبُها.
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٥/ ٢١٠)]
* وانظر: فتوى رقم (٣١٤)
* * *
مَشْروبُ اليانْسُون لتَهْدِئَةِ الأَطْفَالِ
(٣٣٥) السؤال: كثير من الناس يستعملون اليانسون لتهدئة الأطفال ولنومهم، فهل يُعتبر هذا اليانسون من المُحرَّمات؛ لأنَّه كمُخَدِّر ومُنوِّم للأطفال ؟
الجواب: إذا كان ليس فيه إلَّا مجرَّد تخديرٍ للمَرَض وعدم الشعور بالمَرَض، فهو من جنس البَنْج ليس فيه محذورٌ إذا كان من مادَّة لا حرج فيها، أمَّا إن كان من مادَّة الخنزير، أو مادَّة أُخرى حَرَام؛ كالكلاب أو غيرها، فلا يجوز، أمَّا إذا كان من مادَّة صالحة مباحة، ولكن يحصل به تسكين الألم، وتخدير الطفل تخديراً لا يضرُّ لا يكون سُكْراً، إنَّما يكون مُخفِّفاً للألم مُريحاً للطفل أو غيره، فهو من جنس البَنْج الذي يحصل به تخدير العضو حتَّى لا يتألَّم الإنسان من العلاج من جرح ونحوه.
فالحاصل أنَّه إذا كان استعماله ممَّا ينفع المريض أو الطفل أو وقت العمليَّة فهو من جنس البَنْج، أمَّا إن كان فيه
стр. 337
سُكْرٌ؛ من مادة مُسْكِرَة، أو من مادَّة حَرَام كالخنزير، فلا يجوز.
[الفتاوى الصوتية للشيخ ابن باز (الموقع)]
* * *
وقوعُ الذُّبابِ في الشَّرابِ
(٣٣٦) السؤال: روى أبو هريرة عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: (إِذَا وَقَعَ الذُّبابُ في شَرَابِ أَحَدِكُمْ أَوْ طَعَامِهِ، فَلْيَغْمِسْهُ ثُمْ لِيَنْزَعْهُ، فَإِنَّ في أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءٌ، وَفي الآخَرِ دَوَاءٌ)؛ فما مبلغ هذا الحديث من الصحَّة أو الضَّعْف؟ وهل في الطِّبِّ الحديث ما يؤيِّد ذلك؟
الجواب: جاء في الحديث الذي رواه البخاريُّ وأبو داود وأحمد والبيهقيُّ والنَّسائيُّ عن طريق أبي هريرة، وأبي سعيد الخُدْريِّ، أنَّ رسول الله ﷺ قال: (إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَرِ شِفَاءً، وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ، فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ). وقد قال المحَدِّثون أنَّ هذا الحديث صحيح.
ولكن الاعتراض على هذا الحديث موجود منذ زمن قديم، وقد ذَكَر العلماء هذا الاعتراض وردُّوا عليه، فقال الخطَّابيُّ مثلاً: «وقد تكلَّم [على] هذا الحديث بعض من لا خَلَاقَ له، وقال: كيف يكون هذا؟ وكيف يجتمع الدَّاء والشِّفاء في جناحي الذُّبابة؟ وكيف تَعْلَمُ ذلك من نَفْسِها حتَّى تُقَدِّم جناح الدَّاء، وتُؤخِّر جناح الشِّفاء؟ وما أَرَبُها في ذلك؟
وقلتُ: هذا سؤال جاهِلٍ أو مُتجاهِلٍ، وإنَّ الذي يجد نفسه ونفوس عامَّة الحيوان قد جمع بين الحرارة والبُرودة والرُّطوبة واليُبُوسَة، وهي أشياء مُتضادَّة، إذا تلاقت تفاسدت، ثمَّ يرى أنَّ الله سبحانه قد ألَّف بينها، وقَهَرَها على الاجتماع، وجَعَلَ منها قِوَى الحيوان التي بها بقاؤها وصلاحها، لجدير أنْ لا يُنكِرَ اجتماع الدَّاء والشِّفاء في جزئين من حيوان
стр. 338
واحد، وإنَّ الذي أَلْهَم النَّحْلة أن تتَّخذ البيت العجيب الصَّنْعة، وأنْ تُعَسِّل فيه، وأَلْهَم الذرَّة (النَّمْلة) أن تكتسب قُوتَها وتدَّخِرَه لأوان حاجتها إليه، هو الذي خلق الذُّباب وجعل له الهداية إلى أن تُقدِّم جناحاً وتؤخِّر جناحاً؛ لما أراد الله من الابتلاء الذي هو مَدْرجة التعبُّد، والامتحان الذي هو مِضْمار التكليف، وفي كلِّ شيء عِبْرة وحِكْمَة، وما يذَّكر إلَّا أولو الأَلْباب».
والتفسير الطبِّيُّ لهذا الحديث موجودٌ منذ عهدٍ بعيدٍ؛ فقد قال الإمام ابن القيِّم في (زاد المعاد): «واعلم أنَّ في الذُّباب قُوَّة سُمِّيَّة، يدلُّ عليها الوَرَم والحَكَّة العارضة من لَسْعِه، وهي بمنزلة السِّلاح، فإذا سقط فيما يؤذيه اتَّقاه بسلاحه، فأَمَر النَّبيُّ ﷺ أن تُقابَل تلك السُّمِّيَّة بما أوْدَعَه الله في جناحه الآخر من الشِّفاء، فيُغْمَس كلُّه في الماء والطعام، فتُقابَل المادَّة السُّمِّيَّة بالمادَّة النافعة، فيزول [ضررُها]. وهذا طبٌّ لا يهتدي إليه كبار الأطبَّاء وأئمَّتُهم، بل هو خارج من مشكاة النبوَّة، ومع هذا فالطبيب العالم العارف الموفَّق يخضع لهذا العلاج، ويُقِرُّ لمن جاء به بأنَّه أكمل الخلق على الإطلاق، وأنَّه مؤيَّدٌ بوَحْيٍ إلهيٍّ خارج عن القوى البشريَّة».
ولقد أثبت بعض الأطبَّاء المعاصرين أنَّ في جناح الذُّبابة مَيْكروبات ضارَّة، وفي الجناح الآخر مَيْكروبات مضادَّة للمَيْكروبات الأُولى، فإذا التقت معها أفسدتها وقضت عليها.
وينبغي أنْ نلاحظ أنَّ هذا الغَمْسَ أَمْرٌ اختياريٌّ، فليس بفَرْضٍ ولا واجِبٍ؛ فمن سقط الذُّباب في إنائه واستقذره، فلَهُ أنْ لا يستعمل ما في الإناء، ومن أخرج الذُّباب دون غَمْسٍ فلا عقاب له، ومن غَمَسَهُ ثمَّ أخرجه فقد تابع الحديث.
[يسألونك في الدين والحياة (١/ ٤٥٦ - ٤٥٨)]
стр. 339
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
دار الإفتاء
موسوعة صناعة الحلال
إعداد وجمع وترتيب
وحدة البحث العلمي
بإدارة الإفتاء
الجزء الثاني
الطبعة الأولى
١٤٤١ هـ - ٢٠٢٠ م
стр. 340
أهدافنا
* بيان الحكم الشرعي لكل ما يعرض للمسلم من مسائل ونوازل وقضايا مستجدة.
* نشر الثقافة الفقهية المؤصلة بين أفراد المجتمع.
* نشر المنهج الوسطي بين أفراد المجتمع، وذلك بتناول مختلف القضايا الإسلامية بما يتفق مع روح الإسلام و سماحته.
* إحياء تراثنا الفقهي الغني القائم على أساس تنوع الاجتهاد وتعدد الآراء في المسائل المختلفة.
* تثقيف الأئمة والخطباء ثقافة فقهية متخصصة تؤهلهم للإجابة
على أسئلة الجمهور واستفساراتهم.
* مشاركة المجتمع مشاركة فقهية في المناسبات والمواسم، وذلك من خلال إصدار المطويات وغيرها التي تتناول هذه المناسبات من الوجهة الشرعية.
* إصدار المطويات في القضايا التي تطرأ على الساحة وتهم المجتمع وتشغله وتدعو الحاجة إلى معرفتها وبيان الحكم الشرعي فيها.
* الاعتناء بالمهتدين الجدد من حيث إشهار إسلامهم وإهداؤهم الكتب النافعة بلغاتهم.
إدارة الإفتاء
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٤١ هـ / ٢٠٢٠ م
إدارة الإفتاء
موقع الإدارة
www.islam.gov.kw/eftaa
رقم الإيداع في مكتبة الكويت الوطنية
٢٤٠٩ - ٢٠١٩
الرقم الدولي المعياري
٣ - ٥٤ - ٧٠٦ - ٩٩٢١ - ٩٧٨: ISBN
للمراسلة: دولة الكويت - وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - ص. ب: ١٣ الصفاة ١٣٠١١
فاكس: ٢٢٢٦٢٨٨٨ - البريد الإلكتروني: ifta@awqaf.gov.kw- المراسلات باسم/ مدير إدارة الإفتاء
стр. 341
الباب الثالث الفتاوى في الذَّكاة
الفصل الأول: الذَّبائح
الفصل الثاني: الصَّيْد
الفصل الثالث: العَقْر والنَّحْر
стр. 342
الفصل الأول
الذبائح
أولاً: ضوابط في الذَّبح وشروطه:
فَتْوَى مُوَسَّعَةٌ في الذَّبْح الشَّرْعِيِّ
(٣٣٧) السؤال: يُرجَى التكرُّم بالردِّ على الاستفسارات التي تمَّ طرحها خلال اجتماع لجنة وضع قواعد وإجراءات ضمان شرعيَّة ذَبْح اللُّحوم المُستورَدة وسلامتها بالبلديَّة التي تمَّ تزويد مُمثِّل وزارتكم الموقَّرة في اللَّجنة بها، وتكليفه بعرضها على لجنة ال إفتاء التابعة لوزارتكم .. حتَّى يتسنَّى للجنة المختصَّة بالبلديَّة اتِّخاذ اللَّازم على ضوء ذلك، شاكرين لكم حُسن تعاونكم؛ لما فيه المصلحة العامَّة.
ثمَّ اطَّلعت الهيئة على المُذكِّرة المرفقة والمعنونة ب (الأحكام والاشتراطات المطلوبة للذَّبْح على الطريقة الإسلاميَّة) وهي مكوَّنة من ثلاث صفحات، وقد تمَّ استخراجها من (مشروع المواصفات القياسيَّة الخليجيَّة) المعدِّ من قِبَلِ المملكة العربيَّة السعوديَّة، والمتضمِّن (اشتراطات ذَبْح الحيوان طبقاً لأحكام الشريعة الإسلاميَّة).
وقد قام مدير الإفتاء ... بإعداد المُذكِّرة السابقة مُستخلِصاً مادَّتها من الفتوى رقم ٦ ع/٩٤ ومن فتاوى سابقة متعلِّقة بأحكام التَّذْكية الشرعيَّة.
ثمَّ اطَّلعت اللَّجنة على الاستفسارات المُقدَّمة من اللَّجنة المُشكَّلة لوضع (القواعد والإجراءات الخاصَّة بضمان شرعيَّة ذَبْح اللُّحوم المستورَدة وسلامتها) والمشكَّلة بقرار من رئيس بلديَّة الكويت، والذي يُمثِّل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميَّة فيها مدير الإفتاء ...
وبعد أن ناقشت الهيئة المُذكِّرة المعنونة بـ (الأحكام والاشتراطات المطلوبة للذَّبْح على الطريقة الإسلاميَّة).
стр. 343
الجواب: الأحكام والاشتراطات المطلوبة للذَّبْح على الطريقة الإسلاميَّة:
أوَّلًا: التعاريف:
(١) الذَّكاة: الذَّبْح أو النَّحْر أو العَقْر بالشروط الشرعيَّة على النحو التالي:
أ - الذَّبْح: قطع الحُلْقوم والمَريء والوَدَجَين، ويستعمل في الغنم والبقر والطيور.
ب- النَّحْر: الطَّعْن في اللَّبَّة، ثمَّ قَطْعها إلى مبدأ الصَّدْر مع قطع الحُلْقوم والمَريء والوَدَجَين، ويغلب استعماله في الإبل.
ج- العَقْر: جرح الحيوان غير المقدور عليه في أيِّ موضع منه بآلةٍ حادَّة جرحاً يُفضي إلى الزهوق، سواء الوحشي المباح صيده، أو المتوحِّش من الحيوانات المستأنسة.
(٢) المَيْتة: الحيوان الذي مات حَتْف أنفه بغير ذكاة، ويعتبر في حُكم المَيْتة ما قُطِعَ من البهيمة قبل ذَبْحِها.
(٣) المُنْخَنِقة: الحيوان الذي مات بالخَنْق، والخَنْق: حبس النَّفَس حتَّى الموت.
(٤) المَوْقوذَة: الحيوان الذي مات نتيجة الضرب بالعصا، أو غير ذلك ممَّا يقتل بثِقَلِه.
(٥) المُتَرَدِّية: الحيوان الذي مات نتيجة سقوطه من مكان عالٍ، أو وقوعه في حفرةٍ ونحوها.
(٦) النَّطيحَة: الحيوان الذي مات بسبب النَّطْح.
(٧) ما أَكَل السَّبُع: الحيوان الذي مات بسبب افتراس سَبُع أو طير جارح (غير الصيد).
(٨) ما أُهِلَّ لغير الله به: الحيوان الذي ذُكِرَ عليه عند ذَبْحِه اسمُ غير الله ﵎.
ثانياً: ما يشترط في الحيوان المراد تذكيته:
(١) يشترط في الحيوان المذكَّى أن يكون حيًّا؛ بألَّا يكون مَيْتَة، أو مُنْخَنِقة
стр. 344
أو مَوْقوذة، أو مُتَرَدِّية، أو نَطيحَة.
(٢) ألَّا يكون من الحيوانات التي حَرَّم الله أَكْل لحمها؛ كالخنازير، والكلاب، والحُمُر الأهليَّة، وكُلِّ ذي نابٍ من السِّباع، ومِخْلَب من الطير.
ثالثاً: ما يشترط في المُذَكِّي:
(١) يشترط في المُذَكِّي أن يكون مسلماً أو كتابيًّا (يهوديًّا أو نصرانيًّا).
(٢) أن يكون عاقلاً.
رابعاً: ما يشترط في أداة التَّذْكِية:
(١) أن تكون أداة التَّذْكية المستخدَمة من أيَّ مادَّةٍ عدا السِّنَّ والظُّفُر.
(٢) أن تكون أداة التَّذْكية المستخدمة حادَّة، تقطع بحَدِّها لا بثِقَلِها.
(٣) عند استعمال الوسائل الحديثة لتدويخ الحيوان المراد ذَبْحه؛ كالصَّعْق الكهربائي، أو الطَّلْقة المُسترجَعَة، أو غير ذلك، يجب أن يبقى الحيوان حيًّا، حياةً يؤثِّر فيها الذَّبْح، وألَّا يكون فيه مزيد تعذيب للحيوان، وألَّا يكون فيه تقليل من نَزْف الدَّمِ عند الذَّبْح.
خامساً: طريقة التَّذْكية الشرعيَّة:
(١) ألَّا يذكر المُذكِّي اسماً غير الله تعالى عند التَّذْكية، وألَّا يتعمَّد ترك ذكر اسم الله تعالى إذا كان المُذكِّي مسلماً، وتكفي التَّسمية مرَّةً واحدةً ما لم ينصرف المُذكِّي إلى عمل آخر يطول الفصل فيه، فإن طال الفصل يُسمِّي مرَّةً ثانيةً. والتَّسمية أن يقول: (بسم الله)، والأفضل أن يقول: (بسم الله والله أكبر).
(٢) ألَّا يتمَّ قَطْع أيِّ جزءٍ من الحيوانات قبل تذكيتها وزهوق رُوحها، فإن قُطِع جزءٌ من الحيوان قبل تذكيته ولم يمت حَلَّ أَكْل الحيوان بالتَّذْكية دون الجزء المقطوع، فإن مات الحيوان لم يَحِلَّ.
سادساً: التوصيات:
هذه التوصيات متمِّمة لشروط التَّذْكية الشرعيَّة، ويُترَك أمر تقديرها لأولياء الأمور.
стр. 345
(١) أن يكون الحيوان المراد تذكيته سليماً، وخالياً من الأمراض المُعْدِيَة وصالحاً للاستهلاك الآدمي.
(٢) أن تتمَّ التَّذْكية تحت إشراف مسلم عاقل عارف بأحكام الذَّكاة الشرعيَّة.
(٣) أن يكون المُذكِّي حاصلاً على شهادة صحِّيَّة تثبت خُلوَّه من الأمراض.
(٤) ألَّا تتمَّ التَّذْكية بأدوات تستخدم لذَبْح حيوانات يَحْرُم على المسلمين أَكْل لحومها، ما لم يتمَّ تطهيرها.
(٥) أن يكون المجزر (المسلخ) الذي تمَّ فيه الذَّبْح مطابقاً للمواصفات والاشتراطات الصحِّيَّة المعتمدة، وإن كان قد استخدم في ذَبْح حيوانات يَحْرُم أَكْلُها فيجب التأكُّد من إزالة جميع أجزاء وعوالق الحيوانات المُحرَّمة قبل استخدامه في الذَّبْح الحلال.
(٦) ألَّا يتمَّ التخزين أو النقل في أماكن تستخدم لحيوانات يَحْرُم على المسلمين أَكْلُ لحومها.
(٧) يُكرَه قَطْع الرَّقَبة أو كسرها أو القيام بأيِّ فعل مشابهٍ حتَّى تزهق روح الحيوان، وينتهي نزيف الدَّم، والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٥)]
* * *
مَا يَنْبَغِي مُرَاعَاتُه في اللُّحُوم المُسْتَورَدَة
(٣٣٨) السؤال: بخصوص اللُّحوم المُستورَدَةِ؛ سواء المعلَّبة والمجمَّدة والطَّازجة؛ ماذا ينبغي أن يُراعَى فيها حتَّى يكون استيرادها واستهلاكها مشروعاً في البلاد الإسلاميَّة ؟
الجواب: إنَّ لحوم الحيوانات المائيَّة تُباح دون ذكاة، وأمَّا الحيوانات البرِّيَّة فهناك حيوانات لا تنفع فيها الذَّكاة؛ كالخنزير والسِّباع المفترِسة والكِلاب والحُمُر الأهليَّة، وأمَّا ما عداها فإنَّ لحومها تكون مباحة إذا ذَبَحَها مسلمٌ أو كتابيٌّ (يهوديٌّ أو نصرانيٌّ)، ولا تباح
стр. 346
ذبائحُ المَجُوس ومُنْكِري الأَدْيان؛ كالشُّيوعيِّين.
ويكون الذَّبْح الشرعيُّ الصحيح بقَطْع المَريء والحُلْقوم والوَدَجَين، أو ثلاثة من هذه الأربعة على الأقل، إذا قُطِعَ ذلك من الحيوان، وفيه حياةٌ مستقرَّة، وهذا إن كان الحيوان مقدوراً عليه.
أمَّا الصيد وغير المقدور عليه من الحيوانات؛ فإن كان الصائد مسلماً أو كتابيًّا وأرسلَ السَّهْم أو نحوه ممَّا يَخْرِقُ، بعد تسمية الله عليه، فقتله السَّهْم بحَدِّه، جاز أكْلُه، وإنْ أدركه الصَّائد حيًّا لم يَحِلَّ إلَّا بتذكيته، وإنْ وجده غريقاً في الماء فلا يُؤكَلُ.
واللُّحوم المستورَدَة من بلاد أهل الكتاب يَحِلُّ أكْلُها، إلَّا إذا تيقَّن أنَّ ذابحها من غير المسلمين وأهل الكتاب، أو أنَّها قُتِلَت خَنْقاً، أو بصورة غير جائزةٍ شرعاً.
وأمَّا اللُّحوم المستورَدَة من البلاد المجوسيَّة والشيوعيَّة؛ فيَحِلُّ أكْلُها إنْ كان معها شهادة من جهةٍ إسلاميَّة موثوقة تُثْبِت أنَّها ذُبِحَت على الطريقة الإسلاميَّة، ولا يَحِلُّ أَكْلُها إنْ لم يكن معها مثل تلك الشهادة. والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ١٤)]
* * *
طَرِيقَةُ الذَّبْح شَرْعاً
(٣٣٩) السؤال: اطَّلَعنا على السؤال المُقدَّم ... المتضمِّن موافاته ببيانٍ حول الشروط الواجب اتِّباعها عند ذَبْح الماشية لتكون مُطابقةً لأحكام الشريعة الإسلاميَّة الغرَّاء .
الجواب: إنَّ الله قال في كتابه الكريم: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا
стр. 347
الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والذَّكاة في كلام العرب: الذَّبْح؛ فمعنى (ذكَّيتم) في الآية الكريمة: أدركتم ذكاته على التمام، إذ يقال: ذَكَّيتُ الذبيحة أُذَكِّيها، مشتقَّة من التطيُّب؛ فالحيوان إذا أُسِيلَ دَمُه فقد طُيِّب.
هذا؛ وقد قال أهل اللُّغة: إنِّ كُلَّ ذَبْحٍ ذكاة، وإنَّ معنى التَّذْكية في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ أي ما أدركتم، وفيها بقيةٌ تَشْخُب (١) معها الأوداج، وتضطرب اضطراب المذبوح الذي أُدْرِكت ذكاته.
والذَّبْح معروف بالفطرة والعادة لكُلِّ الناس، وقد أقرَّ الإسلام بيُسْرِه وسماحته وبساطته ما جرت به عادة الناس وأعرافهم، وأقرَّته سُنَّة رسول الله ﷺ الفِعْليَّة في ذَبْح الأُضْحِية.
وقد اتَّفق عُلماء الإسلام على أنَّه لا يَحِلٌّ شيءٌ من الحيوان المأكول البرِّيِّ المقدور عليه من دون ذكاة (أي ذَبْح)؛ لقوله سبحانه في آية المُحرَّمات السابقة ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾؛ فقد استثنى الله الحيوان المذكَّى من المُحرَّم، و (الاستثناء من التحريم إباحة).
والذَّكاة الشرعيَّة التي يَحِلُّ بها الحيوان البرِّيُّ المقدور عليه هي أن يُذْبَح الحيوان أو يُنْحَر بآلةٍ حادَّة ممَّا يُنْهِرُ الدَّم ويَفْري الأوداج؛ أي يُفجِّر دم الحيوان، ويقطع عُروقه من الرَّقبة بين الرأس والصَّدْر، فيموت الحيوان على أثرها. وأكمل الذَّبْح أن يُقطع الحُلْقوم والمَريء -وهما مجرى الطعام والشراب والنَّفَس-، وأن يُقْطَع معهما الوَدَجان -وهما عِرْقان غليظان بجانبي الحُلْقوم والمَريء-.
هذا؛ وقد اشترط الفقهاء لحِلِّ الذبيحة عدَّة شروط؛ منها ما يتعلَّق بآلة الذَّبْح، ومنها ما يتعلَّق بمن يتولَّى
стр. 348
الذَّبْح، ومنها ما يتعلَّق بموضع الذَّبْح.
أمَّا الآلة التي تذبح فقد اشترط الفقهاء فيها شرطين:
الأوَّل: أن تكون محدَّدة تقطع أو تخرق بحَدِّها لا بثِقَلِها.
الثاني: ألَّا تكون سِنًّا ولا ظُفْراً، فإذا اجتمع هذان الشرطان في شيء حَلَّ الذَّبْح به، سواء أكان حديداً، أو حجراً، أو خشباً؛ لقول الرسول ﷺ : (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا، مَا لَمْ يَكُنْ سِنًّا أَوْ ظُفُراً)، وإن كان يُسَنُّ الذَّبْح بسكِّين حادٍّ.
أمَّا من يتولَّى الذَّبْح؛ فقد نصَّ الفقهاء على أنَّ ذبيحة من أطاق الذَّبْح من المسلمين وأهل الكتاب حلالٌ إذا سَمُّوا أو نسوا التَّسمية، فكلُّ من أمكنه الذَّبْح من المسلمين وأهل الكتاب إذا ذبح حَلَّ أَكْل ذبيحته، رجلاً كان أو امرأة، بالغاً أو صبيًّا. ولا فرق بين العدل والفاسق من المسلمين وأهل الكتاب.
واختلف الفقهاء في اشتراط التَّسمية باسم الله على الذبيحة عند ذبحها؛ فعن الإمام أحمد: أنَّها غير واجبةٍ في عمدٍ ولا سهوٍ. وبه قال الإمام الشافعي.
والمشهور من مذهب الإمام أحمد وغيره من أئمَّة المذاهب أنَّها شرطٌ مع التذكُّر، وتسقط بالسهو.
وإذا لم تُعلَم حال الذابح إن كان سمَّى باسم الله أو لم يسمِّ، أو ذكر اسم غير الله أو لا؛ فذبيحته حلال؛ لأنَّ الله تعالى أباح لنا أَكْل الذبيحة التي يذبحها المسلم والكتابي، وقد عَلِمَ أنَّنا لا نقف على كُلِّ ذابح، وقد رُوِيَ عن عائشة رضي الله تعالى عنها (أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ القَوْمَ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ يَأْتُونَنَا بِلَحْمٍ لَا نَدْرِي أذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَذْكُرُوا؟ فَقَالَ: سَمُّوا أَنْتُمْ، وَكُلُوا) أخرجه البخاري.
أمَّا ما ذُكِرَ عليه اسمٌ غير اسم الله،
стр. 349
فقد روي عن بعض الفقهاء حِلُّ أَكْلِه إذا كان الذابح كتابيًّا؛ لأنَّه ذَبَح لدينه، وكانت هذه ديانتهم قبل نزول القرآن.
وذهب جمهور العُلماء إلى حُرْمة ما ذُبِحَ على غير اسم الله إذا شوهد ذلك أو عُلِمَ به؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] سواء كان الذابح مسلماً أو كتابيًّا.
أمَّا موضع الذَّبْح فقد اشترط الفقهاء في الإتيان به أن يكون بين الحُلْقوم والصدر مع قطع الحُلْقوم والمَريء وأحد الوَدَجَين عند الحنفيَّة، وقال المالكيَّة: لا بُدَّ من قطع الحُلْقوم والوَدَجَين ولا يشترط قطع المَريء. وقال الشافعيَّة والحنابلة: لا بُدَّ من قطع الحُلْقوم والمَريء.
ونضيف إلى أن الذَّبْح إن كان بآلةٍ كهربائيَّةٍ فإنَّه إذا توافرت الشروط المذكورة في الذابح وهو يدير الآلة، وكانت الآلة سكِّيناً تقطع العروق الواجب قطعها في موضع الذَّبْح المبيَّن، اعتبرت الآلة كالسكِّين في يد الذابح، وحَلَّ أَكْلُ ذبيحتها، وإذا لم تتوافر تلك الشروط بأن كانت الآلة تصعق أو تخنق أو تميت بأيِّ طريقةٍ أخرى غير مستوفية للشروط السابق ذكرها، فلا تَحِلُّ ذبيحتها.
والذي ينبغي مراعاته عند ذَبْح الماشية لتكون مطابقة لأحكام الشريعة الإسلاميَّة الغرَّاء هو إنْهار دم الحيوان من موضع الذَّبْح المذكور؛ بقَطْع تلك العروق كُلِّها أو أكثرها؛ للحديث الصحيح الشريف: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلْوه)، وقول الرسول ﷺ : (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْح، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)، وما رواه ابن عمر عن رسول الله ﷺ : (إِذَا ذَبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجْهِزْ). والله سبحانه
стр. 350
وتعالى أعلم.
[فتاوى دار الإفتاء المصرية (٢٣/ ٨٨٠٢ - ٨٨٠٥)]
* * *
أَكْلُ اللُّحُوم وَالطُّيُور والدَّوَاجِن المُسْتَورَدَة
(٣٤٠) السؤال: بناء على ما نشرته مجلَّة الاعتصام - العدد الأوَّل - السَّنة الرابعة والأربعون - المحرَّم ١٤٠١ هجريَّة - ديسمبر ١٩٨٠ بعنوان: (حُكم الإسلام في الطُّيور واللُّحوم المستورَدة)، وقد جاء في المقال الذي حرَّره فضيلة الشيخ عبد اللَّطيف مشتهري - أنَّ المجلَّة أحالت إليه الاستفسارات الواردة إليها في هذا الشأن، وأنَّه رأى إثارته ليكون موضع بحث السادة العُلماء وبخاصَّة لجنة الفتوى بالأزهر، والمفتي. وقد ساق فضيلته في مستهلِّ المقال القواعد الشرعيَّة التالية المستقرَّة على السَّنَد الصحيح من القرآن والسُّنَّة:
١ - الأصل في كلِّ الأشياء الإباحة؛ قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، فلا يمكن رفع هذا الأصل إلَّا بيقين مثله حتَّى نُحَرِّم المباح، أي أنَّ اليقين لا يُرْفَع بالشكِّ، ويترتَّب على هذه القاعدة أنَّ:
أ- مجهول الأصل في المطعومات المباحة حلال، وفي السوائل المباحة طاهر.
ب - الضروراتُ تُبيحُ المحظورات أو إذا ضاقَ الأمرُ اتَّسع.
ج - ما خُيِّر ﷺ بين أمرين إلَّا اختار أيسرَهما، ما لم يكن إثماً أو قطيعة رحم.
د- حِلُّ ذبائح أهل الكتاب ومصاهرتهم بنصِّ القرآن، إذا ذُبِحت على الطريقة الشرعيَّة؛ لأنَّ تحريم الميتة والدَّم وأخواتهما ثابت بالنصِّ الذي لم يُخصَّص.
هـ- ما روي أنَّ قوماً سألوه ﷺ عن
стр. 351
لحمٍ يأتيهم من ناسٍ لا يَدْرون أَسَمُّوا عليه أم لا؟ فقال ﷺ : (سَمُّوا اللهَ أَنْتُمْ وَكُلُوا)، وإنْ قال القُرْطبيُّ: إنَّ هذا الحديث مُرْسلٌ عن هشام عن عُرْوَة عن أبيه، لم يختلف عليه في إرساله. أخرجه الدارقطني وغيره.
ثمَّ استطرد المقال إلى أنه إذا أَخْبَرَنا عُدولٌ ثقاتٌ ليس لهم هدفٌ إلَّا ما يُصلِح الناس، وتواطؤهم على الكذب بعيدٌ، فهم من العُلماء الحريصين على خير الأُمَّة، إذا أخبرونا عن شيء يُحرِّمه الإسلام شاهدوه بأعينهم على الطبيعة في موطنه، وصدَّقهم في هذا أفراد وجماعات وجمعيَّات دينيَّة، ومراكز ثقافيَّة إسلاميَّة في نفس الموطن، أعتقد أنَّ تحريم هذا الشيء يجب أن يكون محلَّ نظر واعتبار، يفيدُ الشُّبهة إنْ لم يُفِدِ الحرام.
ثمَّ ساق نُبَذاً من كتاب (الذَّكاة في الإسلام وذبائح أهل الكتاب والأوروبِّيِّين حديثاً) لمؤلِّفه الأستاذ صالح على العود التونسي، المقيم في فرنسا؛ وممَّا نقل عنه:
١ - إنَّ إزهاق روح الحيوان تجري هناك كالآتي: تُضْرَبُ جبهةُ الحيوان بمحتوى مُسدَّسٍ، فيَهْوي إلى الأرض، ثُمَّ يُسلَخُ.
٢ - إنَّ المؤلِّف زار مَسْلَخَيْنِ بضواحي باريس، ورأى بعينيه ما يعملون؛ لم يكن هناك ذَبْحٌ أو نَحْرٌ، ولا إعمالُ سِكِّينٍ في حُلُقومٍ ولا غيره، وإنَّما تُخْذَف جبهة الحيوان بحديدة قَدْر الأنْمُلَة من مُسدَّسٍ فيموت ويتمُّ سَلْخُه.
أمَّا الدَّجاج فيصعقونه بالتيَّار الكهربائيِّ بمَسِّه في أعلى لسانه، فتزهق أرواحه، ثمَّ يَمُرُّ على آلةٍ تقوم بنَزْع رِيشِهِ. وآخر ما اخترعوه سنة ١٩٧٠ تدويخ الدَّجاج والطُّيور بمُدَوِّخٍ كهربائيٍّ أوتوماتيكيٍّ.
٣ - جمعيَّة الشباب المسلم في الدَّانمرك وجَّهت نداءً قالت فيه: إنَّ
стр. 352
الدَّجاج في الدَّانمرك لا يُذبَحُ على الطريقة الإسلاميَّة المشروعة.
٤ - أصدر المجلس الأعلى العالمي للمساجد بمكَّة المكرَّمة في دورته الرابعة توصيةً بمنع استيراد اللُّحوم المذبوحة في الخارج، وإبلاغ الشركات المُصدِّرة بذلك، وطالب أيضاً بمنع استيراد المأكولات والمُعلَّبات والحلويَّات والمشروبات التي عُلِمَ أنَّ فيها شيئاً من دُهن الخنزير والخمور.
٥ - نقل عن مجلَّة النهضة الإسلاميَّة العدد (١١٧) مثل ذلك. وأضاف أنَّ الدَّجاج والطُّيور التي تُقتَل بطريق التدويخ الكهربائيِّ توضع في مَغْطَسٍ ضخمٍ حارٍّ جدًّا مُحْرِقٍ يعمل بالبخار؛ حتَّى يلفظ الدَّجاج فيه آخر أنفاسه، ثُمَّ تُشْطَف بآلةٍ أخرى، وتُصَدَّرُ إلى دول الشرق الأوسط، يُكتَب على العبوات: (ذبح على الطريقة الإسلاميَّة).
وأضاف أنَّ بعض المسلمين الذين يدرسون أو يعملون في ألمانيا الغربيَّة والبرازيل أخبروا أنَّهم زاروا المصانع والمسالخ، وشاهدوا كيف تموت الأبقار والطُّيور، وأنَّها كلَّها تموت بالضرب على رؤوسها بقُضْبان من الحديد أو بالمُسدَّسات، وقد قُيِّدَ هذا الموضوع برقم ٣٦٤ سنة ١٩٨٠ بدار الإفتاء.
الجواب: إنَّه يَخْلُص من هذا المقال -على نحو ما جاء به- أنَّ اللُّحومَ والدَّواجن والطُّيور المستوردة لم تُذْبح بالطريقة المقرَّرة في الشريعة الإسلاميَّة، وإنَّما تُضْرَب على رأسها، أو يُفْرَغ في الرأس حَشْو مُسدَّسٍ مُميتٍ، أو تُصْعَق بالكهرباء، ثُمَّ تُلْقَى في ماءٍ يغلي، وأنَّها على هذا الوجه تكون ميتةً.
وإذ كانت الميتةُ المُحرَّمة بنصِّ القرآن الكريم هي: ما فارقته الروح من غير ذكاة ممَّا يُذبَح، أو ما مات حُكْماً من الحيوان حَتْفَ أنفه من غير قتلٍ بذكاةٍ، أو مقتولًا بغير ذكاة.
وإذ كانت المَوْقوذَة -وهي التي
стр. 353
تُرْمَى أو تُضْرَبُ بالخشب أو بالحديد أو بالحَجَر حتَّى تموت- محرَّمة بنصِّ القرآن الكريم في آية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]؛ حيث جاءت المَوْقوذَة من المُحرَّمات فيها، والوَقْذُ شِدَّةُ الضرب؛ قال قتادة: كان أهل الجاهليَّة يفعلون ذلك ويأكلونه.
وقال الضحَّاك: كانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتَّى يقتلوها فيأكلوها.
وفي (صحيح مسلم) عن عَديِّ بن حاتم قال: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَإِنِّي أَرْمِي بِالمِعْرَاضِ الصَّيْدَ فَأُصِيبُ؛ فقال: إِذَا رَمَيْتَ بِالمِعْرَاضِ فَخَزَقَه فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ)، وفي رواية: (فَإِنَّهُ وَقِيذٌ). (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦ ص ٤٨).
وإذ كان الفقهاء قد اتَّفقوا على أنَّه تَصِحُّ تذكيةُ الحيوان الحيِّ غير الميؤوس من بقائه، فإنْ كان الحيوان قد أصابه ما يُوئِسَ من بقائه؛ مثل أنْ يكون مَوْقُوذاً أو مُنْخَنِقاً، فقد اختلفوا في استباحته بالذَّكاة.
ففي فقه الإمام أبي حنيفة: وإنْ عُلِمَتْ حياتُها، وإنْ قَلَّتْ وَقتَ الذَّبْح، أُكِلَتْ مُطلقاً بكلِّ حال.
وفي إحدى روايتين عن الإمام مالك، وأظهر الروايتين عن الإمام أحمد: متى عُلِمَ بمُستمِرِّ العادة أنه لا يعيش، حَرُمَ أَكْلُه ولا تصحُّ تذكيته. وفي الرواية الأخرى عن الإمام مالك: أنَّ الذَّكاة تُبيحُ منه ما وُجِدَ فيه حياةٌ مُستقرِّةٌ، وينافي الحياة عنده أنْ يندقَّ عُنُقُه أو دماغُه.
وفي فقه الإمام الشافعيِّ: أنه متى كانت فيه حياة مستقرِّة تصحُّ تذكيتُه، وبها يَحِلُّ أَكْلُه باتِّفاق فقهاء المذهب.
والذَّكاة في كلام العرب: الذَّبْح؛ فمعنى ﴿ذَكَّيْتُمْ﴾ في الآية الكريمة: أدركتم ذكاته على التَّمام، إذ يقال: ذَكَّيتُ الذَّبيحةَ أُذَكِّيها؛ مشتقَّة من التَّطَيُّب؛ فالحيوانُ إذا أُسيلَ دمُه فقد
стр. 354
طُيِّب.
والذَّكاة في الشرع: عبارة عن إِنْهارِ الدَّم، وفَرْي الأوْداجِ في المذبوح، والنَّحْر في المنحور، والعَقْر في غير المقدور عليه.
واختلف العُلماء فيما يقع به الذَّكاة، والذي جَرَى عليه جمهور العُلماء أنَّ كُلَّ ما أَنْهَرَ الدَّمَ وأَفْرَى الأوْداجَ فهو آلةٌ للذَّبْح، ما عدا الظُّفْر والسِّن إذا كانا غير منزوعين؛ لأنَّ الذَّبْح بهما قائمين في الجسد من باب الخَنْق.
كما اختلفوا في العُروق التي يتمُّ الذَّبْح بقَطْعِها، بعد الاتِّفاق على أنَّ كماله بقطع أربعة؛ هي: الحُلْقوم، والمَريء، والوَدَجان.
واتَّفقوا كذلك على أنَّ موضع الذَّبْح الاختياري: بين مبدأ الحَلْقِ إلى مبدأ الصَّدْر.
وإذ كان ذلك؛ كان الذَّبْح الاختياريُّ الذي يَحِلُّ به لحمُ الحيوان المباح أَكْلُه في شريعة الإسلام هو ما كان في رَقَبَةِ الحيوان فيما بين الحَلْق والصَّدْر، وأنْ يكون بآلةٍ ذات حَدٍّ تقطع أو تَخْزِق بحَدِّها لا بثِقَلِها، سواء كانت هذه الآلة من الحديد، أو الحَجَر على هيئة سِكِّين، أو سَيْفٍ، أو بَلْطَةٍ، أو كانت من الخشب بهذه الهيئة أيضاً؛ لقول النَّبيِّ ﵊: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا، مَا لَمْ يَكُنْ سِنًّا أَوْ ظُفْراً) متَّفق عليه.
لمَّا كان ذلك: فإذا ثبت قطعاً أنَّ اللُّحوم والدَّواجن والطُّيور المُستَوْرَدة لا تُذبح بهذه الطريقة التي قرَّرها الإسلام، وإنَّما تُضرَب على رأسها بحديدةٍ ثقيلةٍ، أو يُفرغ في رأسها محتوى مُسدَّس مُميتٍ، أو تُصْعَق بتيَّار الكهرباء ثمَّ تُلقَى في ماءٍ مغليٍّ تَلْفِظ فيه أنفاسها؛ -إذا ثبت هذا - دخلت في نطاق المُنْخَنِقة والمَوْقوذَة المُحرَّمة بنصِّ الآية الكريمة (الآية ٣ من سورة المائدة). وما ساقه المقال نقلًا عن بعض
стр. 355
الكتب والنشرات عن طريقة الذَّبْح، لا يكفي بذاته لرفع الحِلِّ الثابت أصلًا بعموم نصِّ الآية الكريمة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فَضْلًا عن أنه ليس في المقال ما يدلُّ حتماً على أنَّ المطروح في أسواقنا من اللُّحوم والدَّواجن والطُّيور مستورداً من تلك البلاد التي وَصَف طُرُق الذَّبْح فيها من نَقَل عنهم، ولا بُدَّ أنْ يَثْبُت أنَّ الاستيراد من هذه البلاد التي لا تستعمل سوى هذه الطُّرُق. ومع هذا فإنَّ الطِّبَّ -فيما أعلم- يستطيع استجلاء هذا الأمر، وبيان ما إذا كانت هذه اللُّحوم والطُّيور والدَّواجن المستورَدة قد أُزهِقَت أرواحُها بالصَّعْق الكهربائيِّ والإلقاء في الماء المغلي أو البخار، أو بالضرب على رأسها حتَّى تهوي ميِّتةً، أو بإفراغ محتوى المُسدَّس المميت في رأسها كذلك.
فإذا كان الطبُّ البيطريُّ أو الشرعيُّ يستطيع عِلْمِيًّا بيان هذا على وجه الثبوت، كان على القائمين بأمر هذه السِّلَع استظهار حالها بهذا الطريق أو بغيرها من الطُّرق المُجْدِيَةِ؛ لأنَّ الحلال والحرام من أمور الإسلام التي قُطِعَ فيها بالنصوص الواضحة، فكما قال الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، قال سبحانه قبل هذا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، وقد جاء في (أحكام القرآن ج ٢ ص ٥٥٥) لابن عربي -في تفسيره للآية الأُولى-: فإنْ قيل: فما أكلوه على غير وجه الذَّكاة؛ كالخَنْق، وحَطْم الرَّأس، فالجواب: أنَّ هذه مَيْتَةٌ، وهى حرامٌ بالنصِّ.
وهذا يدلُّ على أنه متى تأكَّدنا أنَّ الحيوان قد أُزهِقَت روحُه بالخَنْق، أو حَطْمُ الرأس، أو الوَقْذ، كان مَيْتَةً