لحمٍ يأتيهم من ناسٍ لا يَدْرون أَسَمُّوا عليه أم لا؟ فقال ﷺ : (سَمُّوا اللهَ أَنْتُمْ وَكُلُوا)، وإنْ قال القُرْطبيُّ: إنَّ هذا الحديث مُرْسلٌ عن هشام عن عُرْوَة عن أبيه، لم يختلف عليه في إرساله. أخرجه الدارقطني وغيره.
ثمَّ استطرد المقال إلى أنه إذا أَخْبَرَنا عُدولٌ ثقاتٌ ليس لهم هدفٌ إلَّا ما يُصلِح الناس، وتواطؤهم على الكذب بعيدٌ، فهم من العُلماء الحريصين على خير الأُمَّة، إذا أخبرونا عن شيء يُحرِّمه الإسلام شاهدوه بأعينهم على الطبيعة في موطنه، وصدَّقهم في هذا أفراد وجماعات وجمعيَّات دينيَّة، ومراكز ثقافيَّة إسلاميَّة في نفس الموطن، أعتقد أنَّ تحريم هذا الشيء يجب أن يكون محلَّ نظر واعتبار، يفيدُ الشُّبهة إنْ لم يُفِدِ الحرام.
ثمَّ ساق نُبَذاً من كتاب (الذَّكاة في الإسلام وذبائح أهل الكتاب والأوروبِّيِّين حديثاً) لمؤلِّفه الأستاذ صالح على العود التونسي، المقيم في فرنسا؛ وممَّا نقل عنه:
١ - إنَّ إزهاق روح الحيوان تجري هناك كالآتي: تُضْرَبُ جبهةُ الحيوان بمحتوى مُسدَّسٍ، فيَهْوي إلى الأرض، ثُمَّ يُسلَخُ.
٢ - إنَّ المؤلِّف زار مَسْلَخَيْنِ بضواحي باريس، ورأى بعينيه ما يعملون؛ لم يكن هناك ذَبْحٌ أو نَحْرٌ، ولا إعمالُ سِكِّينٍ في حُلُقومٍ ولا غيره، وإنَّما تُخْذَف جبهة الحيوان بحديدة قَدْر الأنْمُلَة من مُسدَّسٍ فيموت ويتمُّ سَلْخُه.
أمَّا الدَّجاج فيصعقونه بالتيَّار الكهربائيِّ بمَسِّه في أعلى لسانه، فتزهق أرواحه، ثمَّ يَمُرُّ على آلةٍ تقوم بنَزْع رِيشِهِ. وآخر ما اخترعوه سنة ١٩٧٠ تدويخ الدَّجاج والطُّيور بمُدَوِّخٍ كهربائيٍّ أوتوماتيكيٍّ.
٣ - جمعيَّة الشباب المسلم في الدَّانمرك وجَّهت نداءً قالت فيه: إنَّ
стр. 352
الدَّجاج في الدَّانمرك لا يُذبَحُ على الطريقة الإسلاميَّة المشروعة.
٤ - أصدر المجلس الأعلى العالمي للمساجد بمكَّة المكرَّمة في دورته الرابعة توصيةً بمنع استيراد اللُّحوم المذبوحة في الخارج، وإبلاغ الشركات المُصدِّرة بذلك، وطالب أيضاً بمنع استيراد المأكولات والمُعلَّبات والحلويَّات والمشروبات التي عُلِمَ أنَّ فيها شيئاً من دُهن الخنزير والخمور.
٥ - نقل عن مجلَّة النهضة الإسلاميَّة العدد (١١٧) مثل ذلك. وأضاف أنَّ الدَّجاج والطُّيور التي تُقتَل بطريق التدويخ الكهربائيِّ توضع في مَغْطَسٍ ضخمٍ حارٍّ جدًّا مُحْرِقٍ يعمل بالبخار؛ حتَّى يلفظ الدَّجاج فيه آخر أنفاسه، ثُمَّ تُشْطَف بآلةٍ أخرى، وتُصَدَّرُ إلى دول الشرق الأوسط، يُكتَب على العبوات: (ذبح على الطريقة الإسلاميَّة).
وأضاف أنَّ بعض المسلمين الذين يدرسون أو يعملون في ألمانيا الغربيَّة والبرازيل أخبروا أنَّهم زاروا المصانع والمسالخ، وشاهدوا كيف تموت الأبقار والطُّيور، وأنَّها كلَّها تموت بالضرب على رؤوسها بقُضْبان من الحديد أو بالمُسدَّسات، وقد قُيِّدَ هذا الموضوع برقم ٣٦٤ سنة ١٩٨٠ بدار الإفتاء.
الجواب: إنَّه يَخْلُص من هذا المقال -على نحو ما جاء به- أنَّ اللُّحومَ والدَّواجن والطُّيور المستوردة لم تُذْبح بالطريقة المقرَّرة في الشريعة الإسلاميَّة، وإنَّما تُضْرَب على رأسها، أو يُفْرَغ في الرأس حَشْو مُسدَّسٍ مُميتٍ، أو تُصْعَق بالكهرباء، ثُمَّ تُلْقَى في ماءٍ يغلي، وأنَّها على هذا الوجه تكون ميتةً.
وإذ كانت الميتةُ المُحرَّمة بنصِّ القرآن الكريم هي: ما فارقته الروح من غير ذكاة ممَّا يُذبَح، أو ما مات حُكْماً من الحيوان حَتْفَ أنفه من غير قتلٍ بذكاةٍ، أو مقتولًا بغير ذكاة.
وإذ كانت المَوْقوذَة -وهي التي
стр. 353
تُرْمَى أو تُضْرَبُ بالخشب أو بالحديد أو بالحَجَر حتَّى تموت- محرَّمة بنصِّ القرآن الكريم في آية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]؛ حيث جاءت المَوْقوذَة من المُحرَّمات فيها، والوَقْذُ شِدَّةُ الضرب؛ قال قتادة: كان أهل الجاهليَّة يفعلون ذلك ويأكلونه.
وقال الضحَّاك: كانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتَّى يقتلوها فيأكلوها.
وفي (صحيح مسلم) عن عَديِّ بن حاتم قال: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَإِنِّي أَرْمِي بِالمِعْرَاضِ الصَّيْدَ فَأُصِيبُ؛ فقال: إِذَا رَمَيْتَ بِالمِعْرَاضِ فَخَزَقَه فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ)، وفي رواية: (فَإِنَّهُ وَقِيذٌ). (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦ ص ٤٨).
وإذ كان الفقهاء قد اتَّفقوا على أنَّه تَصِحُّ تذكيةُ الحيوان الحيِّ غير الميؤوس من بقائه، فإنْ كان الحيوان قد أصابه ما يُوئِسَ من بقائه؛ مثل أنْ يكون مَوْقُوذاً أو مُنْخَنِقاً، فقد اختلفوا في استباحته بالذَّكاة.
ففي فقه الإمام أبي حنيفة: وإنْ عُلِمَتْ حياتُها، وإنْ قَلَّتْ وَقتَ الذَّبْح، أُكِلَتْ مُطلقاً بكلِّ حال.
وفي إحدى روايتين عن الإمام مالك، وأظهر الروايتين عن الإمام أحمد: متى عُلِمَ بمُستمِرِّ العادة أنه لا يعيش، حَرُمَ أَكْلُه ولا تصحُّ تذكيته. وفي الرواية الأخرى عن الإمام مالك: أنَّ الذَّكاة تُبيحُ منه ما وُجِدَ فيه حياةٌ مُستقرِّةٌ، وينافي الحياة عنده أنْ يندقَّ عُنُقُه أو دماغُه.
وفي فقه الإمام الشافعيِّ: أنه متى كانت فيه حياة مستقرِّة تصحُّ تذكيتُه، وبها يَحِلُّ أَكْلُه باتِّفاق فقهاء المذهب.
والذَّكاة في كلام العرب: الذَّبْح؛ فمعنى ﴿ذَكَّيْتُمْ﴾ في الآية الكريمة: أدركتم ذكاته على التَّمام، إذ يقال: ذَكَّيتُ الذَّبيحةَ أُذَكِّيها؛ مشتقَّة من التَّطَيُّب؛ فالحيوانُ إذا أُسيلَ دمُه فقد
стр. 354
طُيِّب.
والذَّكاة في الشرع: عبارة عن إِنْهارِ الدَّم، وفَرْي الأوْداجِ في المذبوح، والنَّحْر في المنحور، والعَقْر في غير المقدور عليه.
واختلف العُلماء فيما يقع به الذَّكاة، والذي جَرَى عليه جمهور العُلماء أنَّ كُلَّ ما أَنْهَرَ الدَّمَ وأَفْرَى الأوْداجَ فهو آلةٌ للذَّبْح، ما عدا الظُّفْر والسِّن إذا كانا غير منزوعين؛ لأنَّ الذَّبْح بهما قائمين في الجسد من باب الخَنْق.
كما اختلفوا في العُروق التي يتمُّ الذَّبْح بقَطْعِها، بعد الاتِّفاق على أنَّ كماله بقطع أربعة؛ هي: الحُلْقوم، والمَريء، والوَدَجان.
واتَّفقوا كذلك على أنَّ موضع الذَّبْح الاختياري: بين مبدأ الحَلْقِ إلى مبدأ الصَّدْر.
وإذ كان ذلك؛ كان الذَّبْح الاختياريُّ الذي يَحِلُّ به لحمُ الحيوان المباح أَكْلُه في شريعة الإسلام هو ما كان في رَقَبَةِ الحيوان فيما بين الحَلْق والصَّدْر، وأنْ يكون بآلةٍ ذات حَدٍّ تقطع أو تَخْزِق بحَدِّها لا بثِقَلِها، سواء كانت هذه الآلة من الحديد، أو الحَجَر على هيئة سِكِّين، أو سَيْفٍ، أو بَلْطَةٍ، أو كانت من الخشب بهذه الهيئة أيضاً؛ لقول النَّبيِّ ﵊: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا، مَا لَمْ يَكُنْ سِنًّا أَوْ ظُفْراً) متَّفق عليه.
لمَّا كان ذلك: فإذا ثبت قطعاً أنَّ اللُّحوم والدَّواجن والطُّيور المُستَوْرَدة لا تُذبح بهذه الطريقة التي قرَّرها الإسلام، وإنَّما تُضرَب على رأسها بحديدةٍ ثقيلةٍ، أو يُفرغ في رأسها محتوى مُسدَّس مُميتٍ، أو تُصْعَق بتيَّار الكهرباء ثمَّ تُلقَى في ماءٍ مغليٍّ تَلْفِظ فيه أنفاسها؛ -إذا ثبت هذا - دخلت في نطاق المُنْخَنِقة والمَوْقوذَة المُحرَّمة بنصِّ الآية الكريمة (الآية ٣ من سورة المائدة). وما ساقه المقال نقلًا عن بعض
стр. 355
الكتب والنشرات عن طريقة الذَّبْح، لا يكفي بذاته لرفع الحِلِّ الثابت أصلًا بعموم نصِّ الآية الكريمة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فَضْلًا عن أنه ليس في المقال ما يدلُّ حتماً على أنَّ المطروح في أسواقنا من اللُّحوم والدَّواجن والطُّيور مستورداً من تلك البلاد التي وَصَف طُرُق الذَّبْح فيها من نَقَل عنهم، ولا بُدَّ أنْ يَثْبُت أنَّ الاستيراد من هذه البلاد التي لا تستعمل سوى هذه الطُّرُق. ومع هذا فإنَّ الطِّبَّ -فيما أعلم- يستطيع استجلاء هذا الأمر، وبيان ما إذا كانت هذه اللُّحوم والطُّيور والدَّواجن المستورَدة قد أُزهِقَت أرواحُها بالصَّعْق الكهربائيِّ والإلقاء في الماء المغلي أو البخار، أو بالضرب على رأسها حتَّى تهوي ميِّتةً، أو بإفراغ محتوى المُسدَّس المميت في رأسها كذلك.
فإذا كان الطبُّ البيطريُّ أو الشرعيُّ يستطيع عِلْمِيًّا بيان هذا على وجه الثبوت، كان على القائمين بأمر هذه السِّلَع استظهار حالها بهذا الطريق أو بغيرها من الطُّرق المُجْدِيَةِ؛ لأنَّ الحلال والحرام من أمور الإسلام التي قُطِعَ فيها بالنصوص الواضحة، فكما قال الله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، قال سبحانه قبل هذا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، وقد جاء في (أحكام القرآن ج ٢ ص ٥٥٥) لابن عربي -في تفسيره للآية الأُولى-: فإنْ قيل: فما أكلوه على غير وجه الذَّكاة؛ كالخَنْق، وحَطْم الرَّأس، فالجواب: أنَّ هذه مَيْتَةٌ، وهى حرامٌ بالنصِّ.
وهذا يدلُّ على أنه متى تأكَّدنا أنَّ الحيوان قد أُزهِقَت روحُه بالخَنْق، أو حَطْمُ الرأس، أو الوَقْذ، كان مَيْتَةً
стр. 356
ومحرَّماً بالنصِّ.
والصَّعْق بالكهرباء حتَّى الموت من باب الخَنْق، فلا يحِلُّ ما انتهت حياته بهذا الطريق.
أمَّا إذا كانت كَهْرَبَةُ الحيوان لا تؤثِّر على حياته؛ بمعنى أنه يبقى فيه حياةٌ مستقرَّةٌ ثمَّ يُذبَحُ، كان لَحمُه حلالًا في رأى جمهور الفقهاء، أو أيِّ حياةٍ -وإنْ قلَّت- في مذهب الإمام أبي حنيفة.
وعمليَّة الكهرباء في ذاتها إذا كان الغَرَضُ منها فقط إضعاف مقاومة الحيوان، والوصول إلى التغلُّب عليه وإمكان ذَبْحِه، جائزة ولا بأس بها، وإنْ لم يكن الغَرَض منها هذا، أصبحت نوعاً من تعذيب الحيوان قبل ذَبْحِه، وهو مكروهٌ، دون تأثير في حِلِّه إذا ذُبِح بالطريقة الشرعيَّة حال وجوده في حياة مستقرِّة، أمَّا إذا مات صَعْقاً بالكهرباء فهو ميتة غير مباحة، ومُحرَّمةٌ قطعاً.
وإذ كان ذلك؛ كان الفَيْصَل في هذا الأمر المُثار هو أنْ يَثْبُت على وجهٍ قاطعٍ أنَّ اللُّحوم والدَّواجن والطُّيور المُستورَدة المُتداوَلة في أسواقنا قد ذُبِحَت بواحدٍ من الطرق التي تُصَيِّرُها من المحرَّمات المعدودات في آية المائدة، لا سيَّما والمقال لم يقطع بأنَّ الاستيراد لهذه اللُّحوم من تلك البلاد التي نَقَل عن الكتب والنشرات اتِّباعها هذه الطُّرُق غير المشروعة في الإسلام لتذكية الحيوان، ومِنْ ثَمَّ كان على الجهات المَعْنِيَّة أنْ تتثبَّت فِعْلًا، بمعرفة الطبِّ الشرعيِّ أو البيطريِّ إذا كان هذا مُجْدِياً في استظهار الطريقة التي يتمُّ بها إنهاء حياة الحيوان في البلاد المورِّدة، وهل يتمُّ بطريق الذَّبْح بالشروط الإسلاميَّة، أو بطريقةٍ مُمِيتَةٍ تُخالِف أحكام الإسلام، أو التحقُّق من هذا بمعرفة بُعُوثٍ مَوثوقٍ بها إلى الجهات التي تُستورَد منها اللُّحوم والطُّيور والدَّجاج المعروضة في الأسواق، تتحرَّى هذه البُعُوثُ الأمرَ وتَسْتَوْثِقُ
стр. 357
منه.
أو بتكليف البعثات التجاريَّة المصريَّة في البلاد المُوَرِّدة لاستكشاف الأمر والتحقُّق من واقع الذَّبْح؛ إذ لا يكفي للفصل في هذا بالتحريم مُجرَّد الخبر.
وإلى أنْ يثبت الأمر قطعاً يكون الإعمال للقواعد الشرعيَّة؛ ومنها ما سبق في افتتاح المقال من أنَّ (الأصلَ في الأشياء الإباحة)، وأنَّ (اليقين لا يزول بالشَّكِّ)؛ امتثالًا لقول الرسول ﷺ الذي أخرجه البزَّار والطبرانيُّ من حديث أبي الدَّرداء بسندٍ حَسَنٍ: (مَا أَحَلَّ اللهُ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ؛ فَاقْبَلُوا مِنَ اللهِ عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ لِيَنْسَى شَيْئاً).
وحديث أبي ثَعْلَبَة الذي رواه الطبرانيُّ: (إِنْ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُوداً فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ من غيرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا)، وفي لفظ: (وَسَكَتَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَتَكَلَّفُوهَا رَحْمَةً لَكُمْ، فَاقْبَلُوهَا).
وروى الترمذيُّ وابن ماجه من حديث سَلْمان: (أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَنِ الجُبْنِ وَالسَّمْنِ وَالْفِرَاءِ الَّتِي يَصْنَعُهَا غَيْرُ المُسْلِمِينَ؛ فَقَالَ: الحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللهُ في كِتَابِهِ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ في كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ).
وثبت في الصحيحين: أنه ﷺ (تَوَضَّأ مِنْ مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ)، ولم يسألها عن دِباغِها، ولا عن غَسْلِها. (الأشباه والنظائر للسيوطي - تحقيق المرحوم فضيلة الشيخ محمَّد حامد الفِقِي سنة ١٣٥٦ هجرية- ١٩٣٨ م- ص ٦٠، في باب الأصل في الأشباه الإباحة حتَّى يدلُّ الدليل على التحريم)، والله أعلم بالموضوع.
[فتاوى دار الإفتاء المصرية
стр. 358
(١٠/ ٣٥٩٩ - ٣٦٠٦)]
* * *
شُرُوطُ حِلِّ الذَّبَائِحِ
(٣٤١) السؤال: ذبحتُ دجاجتين وتركتهما، وبعد دقائق لاحظت أنَّه ما زال فيهما حياة، رغم أنَّ الدَّم ينزف، فأمررت السكِّين عليهما مرَّة أخرى ظانًّا أنَّ بعض الأوردة لم تُقْطَع، وبعدها ماتت الدجاجتان، فما حكم أَكْلِهما ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله.
يشترط لحِلِّ الذبيحة شروط لا بُدَّ منها؛ من ذلك: قطع الحُلْقوم (مجرى الهواء) والمَريء (مجرى الطعام والشراب) بشكل كامل، بحيث لو تبقَّى منهما شيء ومات الحيوان لم يَحِلَّ، وأيضاً لو انتهى الحيوان إلى حركة المذبوح فقطع بعد ذلك المتروك من الحُلْقوم والمَريء فهو ميتة.
كما يشترط أن تكون حياة الحيوان مستقرَّة عند ابتداء الذَّبْح، وهذا يعرف بالعلامات، كالحركة الشديدة، وانفجار الدَّم بعد قَطْع الحُلْقوم والمَريء.
جاء في (المجموع) للنووي ﵀ (٩/ ٨٦) «يشترط لحصول الذَّكاة قطع الحُلْقوم والمَريء، هذا هو المذهب الصحيح المنصوص ... قال أصحابنا: ولو ترك من الحُلْقوم والمَريء شيئاً ومات الحيوان فهو ميتة، وكذا لو انتهى إلى حركة المذبوح فقطع بعد ذلك المتروك، فهو ميتة» انتهى باختصار.
وبناءً على هذا؛ فإذا كنت متحقِّقاً من قَطْعك الحُلْقوم والمَريء أول مرَّة؛ فالذَّبْح صحيح، واللَّحم حلال، وبقاء بعض العروق غير مقطوعة لا يُحرِّم الذبيحة.
أمَّا إذا تبيَّن لك أنَّك لم تقطع الحُلْقوم والمَريء كاملين أوَّل مرَّة؛ فالغالب أنَّ حركتها حركة الحيوان المذبوح؛ فهي ميتة، لا يجوز أَكْلُها، ولا يُجزئك ذَبْحُها
стр. 359
بعد ذلك، والله أعلم.
[فتاوى دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٢٧٣٨)]
* * *
اللُّحُومُ المُسْتَورَدَةُ وذَبيحَةُ غَيرِ المُسلِمِين
(٣٤٢) السؤال: ما حُكمُ اللُّحوم المُسْتَوْرَدَة، وإنْ عُرِفَ مصدرُها؟ وهل تكفي عبارة «مذبوح على الطريقة الإسلاميَّة»، أو «حلال» ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أمَّا بعد:
فإنَّ ما يُذْبَحُ في أوروبَّا وغيرها من البلاد غير الإسلاميَّة، في مجازر غير خاصَّة بالمسلمين، لا يجري في أغلبه على الطريقة الشرعيَّة، ومعظمه من قبيل المُنْخَنِقة والمَوْقوذَة، فهو مَيْتَةٌ لا يجوز أكْلُه، وذلك للأسباب الآتية:
١ - شرطُ ذبيحة أهل الكتاب أنْ يكون الذَّابح فعلًا من أهل الكتاب؛ نصرانيّ أو يهوديّ على دين النصارى أو اليهود، والنصارى في أوروبَّا وفي غيرها شاع بينهم الإلحاد، وعدم الاعتراف بالأديان، وصارت نسبة كبيرة منهم وإنْ عُدُّوا في الإحصائيات من النصارى، فهم في واقع الأمر لا يدينون ولا يعترفون بالخالق، ولا بشيءٍ ممَّا جاءت به الأديان السماويَّة، فذبيحة هؤلاء -وإن سُمُّوا نصارى- مثل ذبيحة المَجُوس والدَّهْرِيِّين والشُّيوعِيِّين، لا يَحِلُّ أَكْلُها، ولا تستطيع في المجازر أنْ تُميِّز ما إذا كان الذَّابح على دين النصارى، أو ممَّن لا دين له؛ لذا كانت ذبيحته مشكوكاً فيها، فلا يَحِلُّ أكْلُها.
٢ - النصارى اليوم في أوروبَّا وفي غيرها لا يذبحون، وإنَّما يقتلون الحيوان كيفما اتَّفق، بدليل أنه ليست لهم طريقة واحدة في جميع مذابحهم، فلو كانوا يذبحون وفقاً لشريعتهم ومعتقدهم لاتَّفقت طريقتُهم في الذَّبْح، كما هو الحال عند المسلمين وعند اليهود؛
стр. 360
لأنَّ دين النصارى واحد، فيُفترَضُ في الذَّبْح -إنْ كان جارياً على دينهم- أنْ تكون صورتُه واحدة، لكن الذَّبْح عندهم اليوم معدودٌ من المسائل المَدَنيَّة، وليس من المسائل الدِّينيَّة العِباديَّة؛ لذا هم مختلفون فيما بينهم في طريقته اختلافاً كبيراً؛ منهم من يَخْنِق، فيَطْعَنُ الحيوان في صَدْرِه بين أضلاعه، وينْفُخُه بمِنْفاخ، فتمتلئ رِئَتاهُ بالهواء ويموت مَخْنُوقاً، ومنهم من يضرب الحيوان بمُسدَّس في رأسه تخرج منه إِبرةٌ تَخْرِق دماغه، فيقع مصروعاً، ثمَّ يُعلِّقه الذَّابح ويَشْرطه في رَقَبته شرطةً خفيفةً قد تقطع عُروقه أو بعضها، وقد لا تقطعها وتكون جِلْدِيَّة، وقد يُدْرِك السكِّين الحيوان حيًّا قبل أن يموت، وقد لا يُدركه إلَّا بعد موته، ومن المجازر من يُخَدِّرُ الحيوان بغازٍ سامٍّ، مثل غاز أكسيد الكربون، وبعد تخديره يشْرُطه بالسِّكِّين على نحو ما سبق، ومنهم من يُدخِل حديدةً مدبَّبةً في رأس البقر، فيُصرَع ويكتفي بذلك، ومنهم من يَصْعقه على جَنْبَي رأسه صَعْقَةً كهربائيَّةً يقع منها على الأرض، ثمَّ يُعْمَلُ به ما سبق من التَّدمية في رقبته بالسِّكِّين، دون التحقُّق من قطع عُروقه، ودون التحقُّق ما إذا كانت هذه التَّدمية في رقبته وقعت قبل موت الحيوان أو بعد موته بالصَّعْقة، ومعلوم أنَّها إذا وقعت بعد موته، فلا تفيد تذكيته، حتَّى لو ذُكِّي وقُطِعَت عُروقُه.
ولمَّا وقع الشكُّ في الذَّكاة على هذه الصُّور المتعدِّدة، فلا تَحِلُّ الذبيحة؛ لأنَّ الذبيحة لا تَحِلُّ مع الشَّكِّ؛ فقد حَرَّمَ النَّبيُّ ﷺ الصَّيدَ إذا وقع في الماء بعد إصابته بالسَّهْم، وقال للصَّائد: (فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي المَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ) (مسلم: ١٩٢٩)، وقال للذي وجد مع كلبه كلباً آخر: ( ... فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ) (البخاري: ١٧٥)، وهذا يدلُّ على أنَّ الحيوان المذبوح لا يؤكل بالشكِّ،
стр. 361
وأنَّ الأصل فيه المنع حتَّى تثبت فيه الذَّكاة الشرعيَّة بيقين، حتَّى إنَّه لو اختلطت المَيْتَة بشاةٍ مُذكَّاة، يجب اجتناب الجميع احتياطاً للتحريم. انظر (الفروق: ١/ ١٥٥، ٢/ ١٨)، و (إيضاح المسالك: ٨٢/ق ٢٧).
٣ - هذه الطُّرُق في الذَّبْح على النحو السابق من الخَنْقِ والصَّعْق والوَقْذِ، لو فعلها مسلمٌ بذبيحةٍ لا تُؤكَل، فكيف إذا كان من يقوم بها غير مسلم؛ نصراني أو مُتَفَسِّخٌ لا دِينَ له؟
أمَّا عبارة «حلال مذبوح على الطريقة الإسلاميَّة» المُلْصَقَة على الذَّبائح المُستورَدة، فقد لا تعني شيئاً، وهي في معظمها مُجرَّد دعاية تجاريَّة لتسويق السِّلْعَةِ، يمكن لكلِّ شركة، بل لكلِّ صاحب دُكَّانٍ إلصاقها؛ لمُجرَّد الكسب ونفاق السِّلْعَة، فلا يُوثَق بها، ولا يجوز أكْلُ الذَّبيحة اعتماداً عليها، إلَّا إذا كانت هذه الشهادة صادرة من جهة مَوْثُوقٍ بها، راقبت الذَّبائح بنفسها، ذبيحةً ذبيحةً، وأسندت الأمر فيها إلى أُناس مَوْثُوقٍ بدِينِهِم وأَمانَتِهِم، وتَوَلَّوا ذلك بأنفسهم، والله أعلم. وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم
[دار الإفتاء الليبية (رقم ٢٨١٣)]
* * *
الصِّفَةُ المَشْرُوعَةُ في الذَّبْح وَالنَّحْر
(٣٤٣) السؤال: ... يَرِدُ إلى هذه الدار أسئلة عن الصِّفة المشروعة في الذَّبْح والنَّحْر، ويذكرُ من سأل عن ذلك أنَّه شاهد وعَلِمَ ما لا يتَّفق مع كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ . ونظراً إلى أن هذا يشترك فيه الخاصُّ والعامُّ رأينا أن تكون ال إجابة خارجةً مخرج التبليغ للعموم؛ أداءً للأمانة، ونُصحاً للأمَّة؛ فنقول:
الجواب: اعلم -وفَّقنا الله وإيَّاك- أنَّ الذَّكاة الشرعيَّة لها شروط وسُنن، ونُقدِّم لذلك حديثاً عامًّا، ثمَّ نذكر بعده
стр. 362
الشروط، ثمَّ السُّنن.
أمَّا الحديث: فروى مسلم وأصحاب السُّنن عن شدَّاد بن أوس ﵁، [قال] رسول الله ﷺ : (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ).
وأمَّا الشروط الأربعة:
الأوَّل: أهليَّة المُذكِّي بأن يكون عاقلاً -ولو مميِّزاً-، مسلماً، أو أبواه كتابيَّان، والأصل في هذا ما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) الحديث، وما ثبت في (مسند الإمام أحمد) و (سنن أبي داود) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ)؛ فكُلٌّ من البالغ والمميِّز يوصف بالعَقْل؛ ولهذا يصحُّ من المميِّز قصد العبادة، وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وقد ثبت في (صحيح البخاري) عن ابن عبَّاس ﵁: أنَّه فسَّر طعامهم بذبائحهم.
الثاني: الآلة؛ فتباح بكُلِّ ما أنْهَر الدَّم بحَدِّه إلَّا السِّنَّ والظُّفْر، والأصل في هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ).
الثالث: قَطْع الحُلْقوم -وهو مجرى النَّفَس-، والمَريء -وهو مجرى الطعام-، والوَدَجَين؛ والأصل في هذا ما ثبت في (سنن أبي داود) عن أبي هريرة ﵁، قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ)؛ وهي التي تذبح فيقطع الجلد ولا تفري الأوداج. ومعلوم أنَّ (النهي في الأصل يقتضي التحريم)، وفي (سنن
стр. 363
سعيد بن منصور)، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: (إِذَا أُهْرِيقَ الدَّمُ وَقُطِعَ الوَدَجُ فَكُلْ) إسناده حسن.
ومحلُّ قطع ما ذُكِر: الحَلْقُ واللَّبَّة؛ وهي الوهَدة التي بين أصل العنق والصدر، ولا يجوز في غير ذلك بالإجماع، قال عمر: «النَّحْر في اللَّبَّة والحلق». وثبت في (سنن الدارقطني) عن أبي هريرة ﵁ قال: (بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مِنًى: أَلَا إِنَّ الذَّكاة فِي الحَلْقِ وَاللَّبَّة).
الرابع: التَّسمية؛ فيقول الذابح عند حركة يده بالذَّبْح: «بسم الله»، والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨].
فالله جلَّ وعَلا غاير بين الحالتين وفرَّق بين الحُكْمين؛ لكن إن ترك التَّسمية نسياناً حَلَّت ذبيحته؛ لما رواه سعيد بن منصور في (سُننه) عن النبيِّ ﷺ قال: (ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلَالٌ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدْ). فإن اختلَّ شرط من هذه الشروط فإنَّ الذبيحة لا تَحِلُّ.
وأمَّا السُّنن فهي ما يلي:
٢، ١) أن تكون الآلة حادَّة، وأن يحمل عليها بقوَّة؛ لقوله ﷺ : (وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ).
٤، ٣) حَدُّ الآلة والحيوان الذي يُراد ذَبْحه لا يراه، ومواراة الذبيحة عن البهائم وقت الذَّبْح؛ لما ثبت في (مسند الإمام أحمد)، عن عبد الله بن عمر ﵄: (أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُحَدَّ الشِّفَارُ، وَأَنْ تُوَارَى عَنِ البَهَائِمِ)، وما ثبت في (معجمي الطبراني الكبير والأوسط) ورجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن عبَّاس ﵁ قال: (مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَجُلٍ وَاضِعٍ رِجْلَهُ عَلَى صَفْحَةِ شَاةٍ، وَهُوَ يُحِدُّ شَفْرَتَهُ وهِيَ تَلْحَظُ إِلَيْهِ بِبَصَرِهَا، قَالَ: أَفَلا قَبْلَ هَذَا، أَتُرِيدُ أَنْ تُمِيتَهَا
стр. 364
مَرَّتَيْنِ؟)
(٥) توجيهها إلى القِبْلة؛ لأنَّ رسول الله ﷺ ما ذبح ذبيحةً أو نحر هَدْياً إلا وجهه إلى القبلة، وتكون الإبل قائمة معقولة يدها اليسرى، والغنم والبقر على جنبها الأيسر.
(٦) تأخير كسر عُنُقه وسَلْخه حتَّى يبرد، أي بعد خروج روحه؛ لحديث أبي هريرة ﵁ (بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ الخُزَاعِيَّ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقٍ يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مِنًى بِكَلِمَاتٍ مِنْهَا: لَا تُعَجِّلُوا الأَنْفُسَ قَبْلَ أَنْ تُزْهَقَ) رواه الدارقطني.
هذا ونسأل الله أن يرزق المسلمين التمسُّك بدينهم على الوجه الذي يرضاه حتَّى يلقوه، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه.
[فتاوى ورسائل الشيخ محمَّد بن إبراهيم (١٢/ ٢١٤ - ٢١٦)]
* * *
شُرُوطُ الذَّبْح الصَّحيحِ
(٣٤٤) السؤال: ما شروط الذَّبْح الصحيح ؟
الجواب: المطلوب في الذابح: أن يسمِّي الله أوَّلًا؛ يقول: «بسم الله»، ثمَّ يقطع البُلْعوم والعُروق التي على يمين المَريء ويساره، أربعة عُروق، وهو الأكمل أن يقطعها كُلَّها، يعني: الجِران (١) الذي هو مجرى التنفُّس، والبُلْعوم الذي هو مجرى الطعام ومجرى الأَكْل، والعِرْقان المجاوران لهما، عن يمين وعن يسار [يتركهما] مع الرأس، فلا يكون الذَّبْح بألَّا يُبقي شيئاً من الحَلْق مع الرأس، فلا يجوز، ويكون الذابح مسلماً، وعاقلاً، ويجوز ذكاة الكتابيِّ اليهوديِّ أو النصرانيِّ. وما سوى ذلك مثل الصَّعْق الكهربائي فإنَّه من الخَنْق، وهو داخل في المُنْخَنِقة،
стр. 365
وكذلك ضَرْب الحيوان بدبُّوس، أو بمِطرَقة كبيرة يُضرَب على رأسه ثمَّ يموت؛ فهو من الوَقْذ، وهو مُحرَّم، وتُسمَّى هذه الذَّبيحة مَوْقوذَة.
والحاصل أنَّه لا بُدَّ أن تكون هناك ذكاة، وسواء اشتراط التَّذْكية الصحيحة بالنسبة للمسلم وللذِّمِّي الكتابيِّ، يعني الاشتراط واجب بأن يكون هناك ذكاة مشروعة، والذَّكاة [من] الحَلْق، ولا بُدَّ أن يكون عاقلاً وغير سكران.
وذكاة المرأة لا بأس بها حلال، حتَّى ولو كانت عليها الدورة الشهريَّة، فذكاتها صحيحة ليس فيها شيء.
[ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (١٢/ ٣٠٩)]
* * *
مَا يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهُ في الذَّكَاةِ
(٣٤٥) السؤال: هل هناك شيءٌ يُفعَل أو يُقال عند الذَّبْح ؟
الجواب: عند الذَّبْح ينبغي أن يوجِّه الذبيحة إلى القِبْلَة، وهو سُنَّة ومطلوب والأَوْلى، وأن يجعل الذبيحة على جَنْبها الأيسر إذا كانت بقراً أو غنماً، وأن تكون الآلة التي يذبح بها حادَّة؛ لقول النبيِّ ﷺ : (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْح، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ). ولا يذبح الحيوان وحيوان آخر ينظر إليه، فإنَّه لا ينبغي، ولا يَشْرَع في سَلْخِها، أو في كَسْر شيءٍ من عظامها، أو رَقَبَتها قبل أن تموت تماماً.
ومن الأمور المعتبرة: أن يُسمِّي الله، وأن يستوفي قَطْع البُلْعوم والوَريدَين الموجودة في العُنُق، وأن يرفق بالحيوان، ولا يضايق الحيوان بأن يدوس عليه بقوَّة، مثل ما يفعله بعض الناس من وضعه في الأرض بقوَّة، كلُّ ذلك لا ينبغي.
[ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (١٢/ ٣٠٨)]
стр. 366
التَّذْكِيَةُ الشَّرْعِيَّةُ
(٣٤٦) السؤال: ما هي التَّذكية الشرعيَّة؟ وطريقة ذَبْحِ الإبل خاصَّة ؟
الجواب: التَّذكية الشرعيَّة للإبل والغنم والبقر، أن يَقْطَع الذَّابح الحُلْقوم والمَريء والوَدَجَين «وهما العرقان المحيطان بالعنق».
وهذا هو أكمل الذَّبْح وأحسنه؛ فالحُلْقوم مجرى النَّفَس، والمَريء مجرى الطعام والشراب، والوَدَجان عِرْقان يحيطان بالعُنُق، إذا قطعهما الذَّابح صار الدَّم أكثر خروجاً، فإذا قُطِعَت هذه الأربعة، فالذَّبْح حلال عند جميع العُلماء.
الحالة الثانية: أن يَقْطَع الحُلْقوم والمَريء وأحد الوَدَجَين، وهذا أيضاً حلال صحيح، وطيِّب، وإن كان دون الأوَّل.
والحالة الثالثة: أن يَقْطَع الحُلْقوم والمَريء فقط دون الوَدَجَين، وهو أيضاً صحيح، وقال به جَمْعٌ من أهل العِلْم، ودليلهم قوله ﵊: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوا، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ)، وهذا هو المختار في هذه المسألة.
والسُّنَّة: نَحْر الإبل قائمة على ثلاث، معقولة يدها اليسرى، وذلك بطَعْنِها في اللَّبَّة التي بين العُنُق والصَّدْر.
أمَّا البقر والغنم، فالسُّنَّة أن تُذْبَح وهي على جنبها الأيسر، كما أنَّ السُّنَّة عند الذَّبْح والنَّحْر توجيه الحيوان إلى القِبْلَة، وليس ذلك واجباً، بل هو سُنَّة فقط؛ فلو ذَبَح أو نَحَر لغير القِبْلَة حَلَّت الذَّبيحة، وهكذا لو نَحَر ما يُذْبَح، أو ذَبَحَ ما يُنْحَر، حَلَّت، لكنَّ ذلك خلاف السُّنَّة، وبالله التوفيق.
[مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (١٨/ ٢٦ - ٢٧)]
* * *
شُرُوطُ الذَّكَاةِ
(٣٤٧) السؤال: ما هي شروط
стр. 367
الذَّكاة يا فضيلة الشيخ؟
الجواب: الذَّكاة لها شروط:
الأوَّل: أن يكون المُذكِّي أهلاً للذَّكاة وهو المسلم أو الكتابي؛ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، قال ابن عبَّاس ﵄: «طعامهم: ذبائحهم».
والشرط الثاني: أن يُنْهِر الدَّم، وذلك بقطع الوَدَجَين، وهما العِرْقان الغليظان المحيطان بالحُلْقوم، كما يُسمِّيه بعض الناس الأوراد، وهي جمع وريد.
والشرط الثالث: أن يُسمِّي الله على الذبيحة؛ لقول النبيِّ ﷺ (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ)، وفي لفظ: (فَكُلْ إِلَّا السِّنَّ وَالظُّفُرَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ)، ولا شكَّ أنَّ إنْهار الدَّم يكون بقَطْع الوَدَجَين، وأمَّا قَطْع الحُلْقوم والمَريء فهو من كمال الذَّبْح، ويرى بعض أهل العِلْم أن قَطْع الحُلْقوم والمَريء شرطٌ لصحَّة الذَّكاة، وعلى هذا فينبغي للإنسان ألَّا يُخلَّ بقطعهما، وفي محلَّ الذَّبْح وَدْجان وحُلْقوم ومَريء، فالأَوْلَى بالإنسان بلا شكٍّ والأكمل أن يقطع هذه الأربعة كُلَّها، فإن قطع بعضها ففيه خلاف بين أهل العِلْم وتفصيل منهم؛ لأنَّ ذلك يحصل به نَهْر الدَّم، ولكن كُلَّما كانت الذبيحة أطيب وأحلَّ كان أَوْلَى، ولهذا ننصح بأن يقطع الذابح جميع هذه الأربعة.
[فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٣٩٧ - ٣٩٨]
* * *
ذَبْحُ الطَّيْرِ دُونَ قَطْعِ وَرِيدِهِ
(٣٤٨) السؤال: ما حُكمُ ذَبْح الطَّيْر دون قَطْع وَريدِه؟ وهل هو حَلالٌ أم حَرامٌ ؟
الجواب: لا بُدَّ من إنْهار الدَّم إذا كان الطير مقدوراً عليه، فلا بُدَّ من
стр. 368
إنْهار الدَّم من الرَّقَبة؛ لقول النبي ﷺ : (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ فَكُلْ). أمَّا إذا كان غير مقدورٍ عليه فإنَّه يكفي إصابته في أيِّ موضعٍ كان من بدنه؛ سواءٌ كان في صدره أو بطنه أو في أيِّ مكان، لكن إذا سقط بعد رميه وفيه حياةٌ مستقرَّةٌ فإنَّ الواجب تذكيته؛ لأنَّه مقدورٌ عليه، فإن مات فإنَّه لا يحلُّ؛ لأنَّه قَدِرَ على تذكيته ولم يفعل، أمَّا إذا سقط وقد أعياه الجرح، وليس فيه إلَّا حركةٌ كحركة المذبوح، فهذا حلالٌ ويُؤكَل.
[فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٤١٩)]
* * *
قَرَارُ مَجْمَعِ الفِقْهِ الإِسْلامِيِّ بِشَأْنِ الذَّبْحِ بِأَنْوَاعِهِ وَصُوَرِهِ الحَدِيثَةِ
(٣٤٩) الذَّبْح في اللُّغة: الشَّقُّ، وفي الشرع: قَطْع الحُلْقوم والمَريء والوَدَجَين، أو أكثر هذه العروق ، في الحيوان المقدور عليه، والجرح في أيِّ موضع من جسده في الحيوان غير المقدور عليه.
للذَّبْح قسمان: الذَّبْح الاختياري والذَّبْح الاضطراري.
والذَّبْح الاختياري يكون بقطع أربعة عروق: الحُلْقوم، والمَريء، والوَدَجَين، أو أكثرها، وذلك في الحيوان الذي يكون وقت الذَّبْح تحت قدرة الذابح، ويطبق في الحيوانات الإنسية الذَّبْح الاختياري عامَّة، إلا إذا ندَّ الحيوان.
والذَّبْح الاضطراري يكون بإصابة الحيوان في أيِّ موضع من جسده، وذلك في الحيوانات التي لا تكون وقت الذَّبْح تحت قدرة الذابح، فيُطبَّق في الحيوانات الوحشية (الصيود) الذَّبْح الاضطراري، إلَّا أن يصبح حيوانٌ وحشيٌّ إنسيًّا، أو جاء تحت قدرة الذابح حيًّا.
- الشروط المشتركة للذَّبْح
стр. 369
الاختياري والاضطراري:
١ - كون الذابح مسلماً أو كتابيًّا.
٢ - كون الذابح عاقلاً.
٣ - ذكر اسم الله وقت الذَّبْح.
٤ - عدم ذِكْر اسم غير الله مع اسم الله.
٥ - كون الحيوان حيًّا وقت الذَّبْح.
٦ - كون زهوق روح الحيوان بمحض الذَّبْح.
٧ - كون آلة الذَّبْح حادّة وقاطعة.
- شرائط خاصَّة للذَّبْح الاختياري:
١ - التَّسمية على المذبوح المعين.
٢ - قطع العروق المعينة.
٣ - عدم الفصل الطويل بين التَّسمية وعمل الذَّبْح.
- شرائط خاصَّة للذَّبْح الاضطراري:
١ - ألَّا يكون الصائد مُحْرِماً.
٢ - ألَّا يكون الحيوان من صيد الحَرَم.
٣ - أن يكون الحيوان أو الطير الصائد مُعَلَّماً.
٤ - التَّسمية عند إرسال الحيوان على الصيد أو إرسال الرمي.
٥ - مواضع الذَّبْح الاختياري هي غير مواضع الذَّبْح الاضطراري، ولا يجوز اللجوء إلى الذَّبْح الاضطراري إلَّا عند استحالة الذَّبْح الاختياري، فلا يجوز الذَّبْح الاضطراري في مواضع الذَّبْح الاختياري.
- وينبغي ذِكْر اسم الله تعالى عند الذَّبْح وفقاً للشريعة، وإذا ذُكِر اسم غير الله على المذبوح فلا يَحِلُّ.
وإذا ذُبِحَ حيوانٌ ولم يسمِّ عليه، فذلك إمَّا أن يكون سهواً أو عمداً، فإذا تُرِكَت التَّسمية عليه سهواً حلَّت تلك الذبيحة، وإذا تُرِكَت عمداً، ففي مذهب الجمهور لا تَحِلُّ تلك الذبيحة.
وعند الإمام الشافعي ﵀ إذا تُرِكَت التَّسمية استخفافاً لم تَحِلَّ الذبيحة، أمَّا إذا لم يكن قصد الاستخفاف، ولكن ترك التَّسمية عمداً،
стр. 370
فلأنَّ التَّسمية سُنَّة عنده، وتَحِلُّ مثل هذه الذبيحة.
وليعلم أنَّ التَّسمية واجبةٌ عند جمهور الفقهاء، وسُنَّة عند الإمام الشافعي ﵀، وفي كلا الحالين؛ سواء أكانت التَّسمية واجبةً أم مسنونةً، فالظنُّ بكُلِّ مسلم أنَّه لا يذبح تاركاً التَّسمية عمداً، فما دامت الذبيحة لمسلم كائناً من كان، فإنَّنا لم نُكَلَّف بالتثبُّت والتحقيق من أنَّه هل ترك التَّسمية عمداً أم لا؟ لذا فإنَّه ينبغي اعتبار ذبيحة كُلِّ مسلم حلالاً.
- والتَّسمية واجبةٌ على عملية الذَّبْح، فإذا تعدَّد العمل تعدَّدت التَّسمية، وإذا كان العمل واحداً كَفَتْ تسمية واحدة؛ مثال ذلك: أنَّه لو بدأ أحدٌ بذَبْح حيوان بالتَّسمية، ولكنَّه هرب قبل تمام الذَّبْح، ففي ذَبْحِه مرَّةً ثانيةً تجب إعادة التَّسمية، ولو أمرَّ السكِّين مرَّة واحدة، وتمَّ ذَبْح عديد من الحيوانات في وقت واحد بعمل الذَّبْح الواحد، كَفَتْ تسميةٌ واحدةٌ.
ويجب في الذَّبْح الاختياري كون المذبوح معلوماً ومعيَّناً عند الذَّبْح والتَّسمية، فلو سمَّى بنيَّة حيوان معلوم، أو بعض الحيوانات المعلومة، وذُبِحَت مكانها حيوانات أُخرى، فلا تَحِلُّ هذه الذبائح.
-يشارك أحياناً في عملٍ الذَّبْح أكثر من شخص واحد؛ مثلاً: لو أمسك شخصان بقبضة السكِّين أو كانت هناك فوق يد شخصٍ ضعيفٍ يدُ شخصٍ آخر، ففي هذه الصورة تجب التَّسمية على الشخصين: الذابح ومُعينه، وليس القابض على أيدي وأرجل ورؤوس الحيوانات مُعِيناً في الذَّبْح.
[فتاوى فقهية معاصرة (ص ١٠٣) قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي بالهند (رقم ٣٢) (٢/ ٧)]
стр. 371
قَرارُ المَجْلِسِ الأُورُوبِّي عَنِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ في لُحُومِ الأَنْعَامِ وَالدَّجَاجِ في الأَسْواقِ وَالمَطَاعِمِ الأُورُوبِّيَّةِ
(٣٥٠) ناقش المجلس باستفاضة تامَّة هذا الموضوع الهامَّ الذي أثار كثيراً من الجدل والخلاف حول مدى شرعيَّته، وتوصَّل إلى ضرورة حرص المسلمين على الالتزام بشروط التَّذْكية كما جاءت بها الشريعة الإسلاميَّة، إرضاءً للربِّ سبحانه ، ومحافظة على شخصيَّتهم الدِّينيَّة ممَّا تتعرَّض له من أخطار، وصوناً لأنفسهم من تناول المُحرَّمات.
وبعد استعراض طرائق الذَّبْح المتَّبعة وما يتضمَّنه الكثير منها من مخالفات شرعيَّة تؤدِّي إلى موت عدد غير قليل من الحيوانات، لا سيَّما الدَّجاج، فقد قرَّر المجلس عدم جواز تناول لحوم الدَّجاج والأبقار. بخلاف الأغنام والعجول الصغيرة؛ فإنَّ طريقة ذَبْحِها لا تتنافى مع شروط الذَّكاة الشرعيَّة في بعض البلدان.
هذا؛ ويوصي المجلس أن يتَّخذ المسلمون في ديار الغرب مذابح خاصَّة بهم؛ حتَّى ترتاح ضمائرهم، ويحافظوا على شخصيَّتهم الدِّينيَّة والحضاريَّة.
ويدعو المجلس الدول الغربيَّة إلى الاعتراف بالخصوصيَّات الدِّينيَّة للمسلمين، ومنها: تمكينهم من الذَّبْح حسب الشريعة الإسلاميَّة أسوةً بغيرهم من الجماعات الدِّينيَّة الأُخرى كاليهود، كما يدعو الدول الإسلاميَّة إلى استيراد اللُّحوم الحلال التي تخضع لمراقبة شرعيَّة من قبل المراكز الإسلاميَّة الموثوق بها في ديار الغرب.
[موقع المجلس الأوروبي (رقم ٢/ ٣)]
* * *
التَّسْمِيةُ على الذَّبِيحَةِ
(٣٥١) السؤال: [ما حُكمُ التَّسمية على الذبيحة؛ هل هي واجبةٌ ، أو
стр. 372
مستحبَّةٌ؟]
الجواب: التَّسمية على الذَّبيحة مشروعةٌ، لكنْ قيل: هي مُستحبَّةٌ؛ كقول الشَّافعيِّ.
وقيل: واجبةٌ مع العَمْد، وتسقط مع السَّهْو؛ كقول أبي حنيفة، ومالك، وأحمد في المشهور عنه.
وقيل: تجب مُطْلقاً؛ فلا تُؤكل الذَّبيحة من دونها، سواءٌ تَرَكها عَمْداً أو سَهْواً؛ كالرِّواية الأُخرى عن أحمد -اختارها أبو الخَطَّاب وغيره-، وهو قول غير واحدٍ من السَّلَف، وهذا أظهر الأقوال؛ فإنَّ الكتاب والسُّنَّة قد عَلَّقا الحِلَّ بذكر اسم الله في غير موضعٍ كقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]، ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
وفي الصحيحين أنَّه قال: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا)، وفي الصَّحيح أنَّه قال لعَدِيٍّ: (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِنْ خَالَطَ كَلْبَكَ كِلَابُ آخَرٍ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّكَ إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ).
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٥/ ٢٣٩)]
* * *
التَّسْمِيةُ على الأُضْحِيةِ
(٣٥٢) السؤال: قلتُ: أرأيتَ الضَّحايا هل يَذكُرُ عليها اسمَ الله، ويقول بعد التَّسمية: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ من فُلانٍ .
الجواب: قال: قال مالك: يقول على الضَّحايا: «باسم الله، والله أكبر». فإنْ أحبَّ قال: «اللَّهمَّ تقبَّل منِّي». وإلَّا فإنَّ التَّسمية تكفيه.
قال: فقلت لمالك: فهذا الذي يقول النَّاس: «اللَّهمَّ منك وإليك»؟ فأنكره،
стр. 373
وقال: هذا بدعةٌ.
[المدوّنة الكبرى (١/ ٥٤٤)]
* * *
التَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ
(٣٥٣) السؤال: هل يشترط في حِلِّ الذبيحة عند الجمهور أن تكون التَّسمية عليها باللُّغة العربيَّة، وكذا لفظ «الله أكبر» ؟
الجواب: يشترط في حِلِّ الذبيحة عند الجمهور ذِكْرُ الله تعالى بأيِّ لُغةٍ، وبأيِّ صيغةٍ من تسميةٍ، أو تهليلٍ، أو تسبيحٍ، أو تكبيرٍ، وذلك إذا ذَكَرَ عند الذَّبْح، وقدر على ذلك، لا إن نَسِيَ، أو عَجزَ -كالأخرس مثلًا-؛ فلا تجب حينئذٍ، وهذا في حقُّ المسلم.
أمَّا الكتابي؛ فالشرط فيه أن لا يُهِلَّ به لغير الله تعالى، فإن قال: «باسم المسيح»، أو «باسم الصنم»، أو «العذراء»، لم يُؤكَلْ كالمَيتَة، ولا تشترط تسميته، بخلاف المسلم فتشترط تسميته عند المالكيَّة.
وقال الأحناف: الكتابيُّ كالمسلم في اشتراط التَّسمية، وكُلُّ ذلك خلافًا للشافعيَّة؛ فإنَّ التَّسمية عندهم من المسلم مستحبَّة؛ لأنَّه أهلٌ للتسمية، وسواء تركها عمداً أو سهواً. والله تعالى أعلم.
[فتاوى شرعية - إدارة الإفتاء والبحوث بدبي (٣/ ١٢٣)]
* وانظر: فتوى رقم (٥٤٣، ٥٦٨)
* * *
النِّيَّةُ والتَّسْمِيَةُ في الذَّكاة
(٣٥٤) السؤال: هل النِّيَّة في الذَّكاة واجبةٌ أم لا؟ وهل كذلك التَّسْميَةُ ؟
الجواب: النِّيَّة في الذَّكاة واجبةٌ من غير قيدٍ ممَّا قُيِّدت به التَّسمية، ومعناه: أنَّه ينوي بهذا الفعل من ذَبْحٍ ونَحْرٍ وعَقْرٍ تذكيتها لا قَتْلها؛ أي: ينوي أنَّه يُحِلُّها ويُبيحها، لا يقتلها، فلو تركها عمداً تهاوناً أم لا، أو جهلاً بالحكم،
стр. 374
أو نسياناً، أو تأويلاً، لم تؤكل.
والتَّسمية واجبةٌ مع [الذِّكْر]، فإن نَسِيها فإنَّ ذكاته تُؤكَل، وإنْ تَرَكها معه لم تُؤكَل، سواء كان جاهلاً أو متعمِّداً.
وواجبةٌ مع القُدْرة؛ فالأخرس لا تجب عليه تسميةٌ؛ لعدم قُدْرته.
[فتاوى الكفوري (ص ١٠٤)]
* وانظر: فتوى رقم (٣٧٢)
* * *
تَكْرَارُ التَّسْمِيَةِ بِوَاسِطَةِ آلَةِ تَسْجِيلٍ
(٣٥٥) السؤال: هل يجوزُ استعمالُ جهاز تسجيلٍ لتكرار التَّسمية في حالة الذَّبْح الآليِّ ؟
الجواب: العبرة بالتَّسمية من الذابح، والتَّسمية من الجهاز لا عبرة بها، ولا تفيد في حِلِّ الذبيحة شيئاً، والتَّسمية عند تشغيل الآلة في الذَّبْح الآلي تجزئ مهما ذبحت الآلة، مع مراعاة ما سبقت الإشارة إليه في شأن التَّسمية من المسلم والكتابي، والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٣٠)]
* * *
التَّسْمِيَةُ مَرَّةً وَاحِدَةً عِنْدَ تَشْغِيلِ مَاكِينَةِ الذَّبْح
(٣٥٦) السؤال: هل تُجزئ التَّسمية عند تشغيل الماكينة والتي تتحرَّك بحركةٍ واحدةٍ؟ عِلماً بأنَّ التَّسمية تكون عند تحريك الماكينة للذَّبْح، ولمرَّةٍ واحدةٍ ؟
الجواب: تجزئ التَّسمية مرَّة واحدةً ممَّن يحرِّك الماكينة حين تحريكه إيَّاها على عدَّة ذبائح بنيَّة ذَبْحِها، على أن يكون مَنْ يحرِّكها مسلماً، أو كتابيًّا يهوديًّا، أو نصرانيًّا.
[فتاوى اللجنة الدائمة (رقم ٩٦٧٧)]
* * *
(٣٥٧) السؤال: ما حُكمُ الذَّبْح الآلي؟ وهو أن تَذْبَح الآلاتُ في وقتٍ
стр. 375
واحدٍ عشرات الدَّجاج بتسميةٍ واحدةٍ طبعاً، وإذا كان شخصٌ واحدٌ يَذْبَح بيده كمِّيَّةً كبيرةً من الدَّجاج؛ فهل يكفيه تسميةٌ واحدةٌ، أم يجب أن يُسمِّي على كُلِّ واحدةٍ بعَيْنِها؟
الجواب:
أوَّلًا: يجوز الذَّبْح بالآلات الحديثة بشرط كونها حادَّة، وأن تقطع الحُلْقوم والمَريء.
ثانياً: إذا كانت الآلة تذبح عدداً من الدَّجاج في وقتٍ واحدٍ متَّصل فتُجزئ التَّسمية مرَّةً واحدةً ممَّن يُحرِّك الآلة حين تحريكه إيَّاها بنِيَّة الذَّبْح، بشرط كون الذابح المُحرِّك مسلماً أو كتابيًّا.
ثالثاً: إذا كان الشخص يَذْبَح بيده، فيجب أن يُسمِّي تسميةً مستقلَّة على كُلِّ دجاجة يذْبَحها؛ لاستقلال كُلِّ دجاجة بنفسها.
رابعا: يجب أن تكون التَّذْكية في محلِّ الذَّبْح، وأن يُقطَع المَريء والَودَجان، أو أحدهما.
[فتاوى اللجنة الدائمة (رقم ٢١١٦٥)]
* * *
(٣٥٨) السؤال: قمتُ بزيارةٍ إلى مزارع الدَّواجن الوطنيَّة، فرأيتُ كيف يذبحون الدَّجاج؛ ففي البداية يُعلِّقون الدَّجاج؛ يعني حتَّى ما يستطيع أن يتحرَّك، ثمَّ يمرُّ على الذابح فيذبح مِنْ دون تسميةٍ، فسألت: لماذا لا تُسمِّي ؟ قال: لأنِّي أنا أُسمِّي في البداية، ولا أستطيع أن أُسمِّي على خمسمائة ألف دجاجة، فأقول عندما أدخل: «بسم الله، الله أكبر» ويكفي هذا. فقلت: من سألت؟ قال: أهل العِلْم أفتوا بذلك وأجازوها، فما أدري يا فضيلة الشيخ! جواز هذا الفعل؟
الجواب: لا بُدَّ أن يُسمِّي على شيءٍ معيَّن، سواء كانت واحدة أم أكثر؛ فمثلاً: إذا صفَّ ألف دجاجة، ثمَّ عند تحريك الماكينة قال: «باسم الله» كفى،
стр. 376
فإذا صفَّ له ألف دجاجة -مثلاً-، ثمَّ تحرَّكت الماكينة وتحركت الأمواس، يكفي إذا قال: «باسم الله» على هذه المصفوفة، فإذا صفَّ له مجموعة أخرى سَمَّى عليها.
[لقاءات الباب المفتوح - ابن عثيمين (رقم ٣٥)]
* * *
(٣٥٩) السؤال: بعض مزارع الدَّواجن التي تُنتج الدَّجاج وتُصدِّره مذبوحاً إلى الأسواق تقوم بذَبْح الدَّجاج بطريقةٍ آليَّةٍ، بأن يُمِرَّها على سكاكين الذَّبْح التي تتحرَّك آليًّا فيتمُّ ذَبْحها بهذه الطريقة، فكيف العمل بالنسبة للتَّسمية عليها في هذا؟ وهل ذَبْحُها بهذه الطريقة جائزٌ أم لا؟
الجواب: الذي يظهر أنَّ هذه التَّذْكية شرعيَّة حسب ما أفهمه الآن؛ لأنَّ التَّذْكية تتمُّ بواسطة سكاكين تُدار آليًّا، ومعناه أنَّ السكاكين تأتي على جِران الدَّجاجة فتَقْطَعه وتُنْهيه، أو ربَّما تَقْطَع الرأس كَكُلٍّ، فيبقى موضوع التَّسمية، ممكن أن يُسمِّي تسميةً واحدةً ينويها للجميع، يقول مثلاً: «بسم الله، والله وأكبر» ينوي بها للجميع مع أوَّل دفعة، وكُلَّ ما تأتي دفعة أخرى أيضاً يُسمِّي الذي يُدِير الآلة ويُشغِّلها، وليس في التَّسمية شيء يحتاج إلى مجهود، فكُلُّ ما جاءت دفعة يقول: «بسم الله»، ولو كرَّرها عشرين مرَّة بقَدْر ما تتكرَّر التَّذْكية.
المهمُّ أنَّ مثل هذه التَّذْكية شرعيَّة؛ لأنَّ الوفاة تتمُّ بواسطة السكاكين التي تمرُّ على حَلْق أو على جِران المذبوح فتقطعه، فهذه تذكية شرعيَّة، ويبقى موضوع التَّسمية والحُكمُ فيها كما ذُكِرَ ربَّما تكفي تسميةٌ واحدةٌ إذا كان الجهاز يشتغل بسرعة.
[ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (١٢/ ٣١١)]
стр. 377
(٣٦٠) السؤال: ما حُكمُ ما تقوم به بعض المسالخ؟ حيث إنَّهم يجمعون أكثر من ١٠٠ دجاجة، ثمَّ يضعونها تحت الآلة الإلكترونيَّة ويُسَمُّونَ الله، ثمَّ يضغطون زِرَّ الذَّبْح فتُذبَحُ هذه الذبائح في وقتٍ واحدٍ؛ فهل تكفي تسميةٌ واحدةٌ عن جميع الدَّجاج، أم أنَّه يُشترَط لكُلِّ دجاجةٍ تسميةٌ مُستقلَّة؟
الجواب: اقتضت إرادة الشَّارع الحكيم أن يفرض علينا الذَّكاة، وأن يجعلها سبباً لحِلِّ أَكْل الحيوان، وحقيقة الذَّكاة: أن يُقْطَع من الحيوان الحُلْقوم والوَدَجان؛ فالحُلْقوم هو القَصَبة التي يجري فيها النَفَس، والوَدَجان: هما عِرْقان في صَفْحَتَي العُنُق، يتَّصل بها أكثر عُروق البَدَن، ويكون الذَّبْح مِن المُقَدَّم، فلا يصحُّ من القَفا، ولا من أحد جانبي العُنُق؛ لأنَّ ذلك قَطْعٌ للنُّخاع، فذَبْحُها من الخَلْف قَتْلٌ لها بقَطْع نُخاعها قبل الذَّبْح، فتكون مَيْتةً غير مذكَّاة.
ويُشترَط أن ينوي تَذْكِيَتها؛ قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]؛ أي: كُلوا ممَّا قُصِدَت ذكاته، فإذا ذَكَرَ الله وذَبَح دجاجة أو أكثر، فقد حَلَّ له الأَكْل منها إن شاء الله تعالى، ولا يُشترَط أن يُسمِّي لكُلِّ ذبيحة.
[من فتاوى العصر في نوازله ومستجداته (ص ١٢٩)]
* * *
التَّسْمِيَةُ على الأُضْحِيَةِ مِنْ صاحِبِها دونَ الذَّابِحِ
(٣٦١) السؤال: مَنْ أمَرَ غيرَه أنْ يذبَحَ أُضحيتَه، وسَمَّى صاحبُها ولم [يسمِّ] الذَّابِحُ؛ هل يكتفي بتَسْمية صاحبها وتَحِلُّ، أم لا ؟
الجواب: لا تَحِلُّ، ولا بُدَّ من التَّسمية من الذَّابح.
[الفتاوى الزينية؛ لابن نجيم (ص ٤٦١)]
стр. 378
نِسْيانُ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ
(٣٦٢) السؤال: ما حُكمُ الذَّبيحة إذا نَسِيَ المسلمُ أن يَذْكُر اسم الله عليها ؟
الجواب: يجوز أَكْل الذَّبيحة في هذه الحال؛ لأنَّ ذِكْر اسم الله عند الذَّبْح سُنَّة، فإذا نسيه لم يؤثِّر ذلك في صحَّة الذَّبْح.
[فتاوى الشيخ نوح علي سلمان - دائرة الإفتاء الأردنية (رقم الفتوى ٢٤٩٦)]
* * *
(٣٦٣) السؤال: من نَسِيَ التَّسمية عند الذَّبْح ؟
الجواب: لا بأس به.
قال إسحاق [بن راهويه]: كما قال.
[مسائل الإمام أحمد رواية الكوسج (٥/ ٢٢٤٧)]
* * *
(٣٦٤) السؤال: سألتُ أبي عمَّن ذَبَحَ ولم يُسَمِّ ناسياً أو عامِداً ؟
الجواب: أمَّا ناسياً فلا بأس إن شاء الله، وأمَّا عامِداً فلا يُعجبني.
[مسائل الإمام أحمد برواية عبد الله (ص ٢٦ ٣)]
* * *
(٣٦٥) السؤال: حدثني محمَّد بن أبي بكر المُقَدَّمِي، قال: ثنا حَمَّاد بن زَيْد، عن أَيُّوب، عن محمَّد: في رَجُل ذَبَح وَنَسِيَ أن يُسَمِّي؛ فَكَرِه ذلك، وتلا هذه الآية: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]. سألت أبي عن هذا الحديث وحدثتُه به.
الجواب: لا بأس وإن لم يُسَمِّ.
[مسائل الإمام أحمد برواية عبد الله (ص ٢٦ ٣)]
* * *
(٣٦٦) السؤال: سألتُ محمَّد بن سُحْنون رضي الله تعالى عنه عمَّن رَمَى صيداً، أو أراد أن يذبح، ونَسِيَ التَّسمية؛ أتُؤكَل الذَّبيحةُ والصَّيدُ، أم لا ؟
الجواب: قد اختُلِف في ذلك؛ فقال
стр. 379
ابنُ القاسم: لا بأس بذلك ما لم يتعمَّد ترك التَّسمية، فلا تُؤكَل.
وقال غيره: لا تُؤكَل إذا تَرَكَ التَّسمية؛ سواء تركها عمداً أو ناسياً؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١].
والقول الثالث: مكروهٌ في النِّسيان، حَرامٌ في العَمْد.
وقولُ ابن القاسم أثبتُ وأصحُّ.
[فتاوى ابن سُحْنون (ص ٣٥١)]
* * *
(٣٦٧) السؤال: هل يجوزُ أَكْل الذبيحة إذا لم يُذْكَر اسمُ الله عليها؟
الجواب: قال بعض الفقهاء: لا يؤكل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقال آخرون: إنَّه ما لم يذكر اسم غير الله فإنَّه يكون حلالاً؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فكان هذا النصُّ مُعَيِّناً وضع التحريم، أو مخصِّصاً لعموم النصِّ الأوَّل، وهذا الذي نختاره؛ لكيلا يكون الناس في حرج.
[فتاوى الشيخ محمَّد أبو زهرة (ص ٧٠٥)]
* * *
(٣٦٨) السؤال: ما حُكمُ من تَرَك البَسْمَلة عند ذَبْح الذَّبيحة؟ وهل يجبُ أن تكون كاملةً ؟
الجواب: لا يخلو تارك التَّسمية عند الذَّبيحة من حالين؛ إمَّا أن يتركها لعذرٍ من جهلٍ أو نسيانٍ، وإمَّا أن يتركها لغير عذرٍ، فإن تركها لغير عذرٍ فإنَّ الذبيحة لا تَحِلُّ؛ وذلك لأنَّه تَرَك شرطاً من شروط حِلِّ الذبيحة؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ -
стр. 380
قال: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ)، فجعل النبيُّ ﷺ ذِكْر اسم الله شرطاً لحِلِّ الذَّبيحة، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وأمَّا إذا تَرَكها معذوراً بجهلٍ أو نسيانٍ فإنَّ جمهور أهل العِلْم على حِلِّ هذه الذبيحة؛ لأنَّه معذورٌ، وقد قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقال الله تعالى: (قَدْ فَعَلْتُ)، وذهب بعض أهل العِلْم من السلف والخلف إلى أنَّ الذبيحة لا تَحِلُّ ولو كان معذوراً بجهلٍ أو نسيانٍ، فإذا ذَبَح الذَّبيحة ونَسِيَ أن يُسمِّيَ الله فإنَّ الذَّبيحة لا تَحِلُّ، وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو الراجح؛ أنَّ ما لم يُذْكَر اسم الله عليه حَرامٌ أَكْلُه؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فنهى الله تعالى أن نأكل من شيءٍ لم يُذْكَر اسمُ الله عليه، ولم يُقَيِّد ذلك بالعمد، لم يقل: ممَّا لم يُذْكَر اسمُ الله عليه عمداً، وهاهنا جهتان: جهة الذَّبْح، وجهة الأَكْل؛ فالذَّابح الذي نَسِيَ أن يُسمِّيَ الله على الذَّبيحة لا إثم عليه؛ لأنَّه معذور، وأمَّا بالنسبة للآكل فإنَّه لا يَحِلُّ له أن يأْكُل ممَّا لم يُذْكَر اسمُ الله عليه، ولو نَسِيَ فأَكَل فلا إثم عليه؛ لأنَّه معذور، فيجب علينا أن نعرف الفرق بين هاتين الجهتين، وأن نقول: نحن نُسلِّم بأنَّ الله تعالى لا يؤاخِذُ بالجهل والنسيان، ولكن هاهنا فِعْلان؛ فعل الذَّابح لا يؤاخذ به بالجهل والنسيان، ولا يعاقب على ذلك، وفعل الآكل إذا تعمَّد أن يأْكُل من شيءٍ لم يُذْكَر اسمُ الله عليه وقد نهى الله عنه، فقد وقع في الإثم، ثمَّ إنَّ قول النبيِّ ﵊: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ) دليل على أنَّ ذِكْر اسم الله على الذبيحة كإنْهار الدَّم منها، وكلاهما شرط، والشرط لا يسقط بالجهل ولا بالنسيان، ولو أنَّ أحداً من الناس كان جاهلاً فذبح
стр. 381
الذَّبيحة على وجه لا ينهر به الدَّم فإنَّه من المعلوم أنَّ ذبيحته هذه لا تُؤكَل؛ لأنَّها داخلةٌ في المُنْخَنِقة ونحوها التي حَرَّمها الله في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣] إلخ، ولو أنَّه نسي أن يُذَكِّي بما يُنْهِر الدَّم فقتلها بشيءٍ لا ينهر به الدَّم فإنَّها لا تَحِلُّ، ولو كان هذا الرجل ناسياً، لكن هذا القاتل لا يأثم بنسيانه؛ لأنَّه معفوٌّ عنه، فكذلك إذا نَسِيَ أن يُسمِّي الله، أو جهل أن يسمِّي الله؛ لأنَّ الجميع في حديث واحدٍ ومخرجهما واحدٌ، فلا يَحِلُّ لأحدٍ أن يأكل ذبيحةً لم يُذْكَر اسمُ الله عليها، وإن تَرَك التَّسمية نسياناً، ولهذا لو أنَّ الإنسان صلَّى بغير وضوءٍ ناسياً لكانت صلاته هذه باطلةً، ووجب عليه إعادتها، مع أنَّه لا يؤاخذ بصلاته بغير وضوء؛ لأنَّه ناسٍ، لكن عدم مؤاخذته بصلاته بغير وضوء ناسياً لا يعني أنَّه لا تلزمه الإعادة.
وقد يقول قائل: إنَّ في تحريمها -أي تحريم الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها نسياناً- إضاعة للمال.
فنقول: ليس في ذلك إضاعة للمال، بل في ذلك حماية للإنسان أن يأكل من غير ما ذُكِرَ اسمُ الله عليه؛ لأنَّنا إذا قلنا لهذا الرَّجُل الذي نَسِيَ أن يُسمِّي: إنَّ ذبيحتك الآن حَرامٌ، فإنَّ ذلك يؤدِّي إلى أن يذكر التَّسمية في المستقبل ولا ينساها أبداً، بخلاف ما لو قلنا: إنَّ ذلك معفوٌّ عنه، وأنَّه يَحِلُّ أَكْلُ هذه الذَّبيحة، فإنَّه إذا عَلِمَ أنَّ الأمر سهلٌ ربَّما يتهاون بذِكْر التَّسمية، وقد بُسط هذا الكلام في غير هذا الموضع.
وأمَّا قول السائل: هل تكمل التَّسمية أم لا؟ فإنَّ ظاهر النصوص أنَّها لا تكمل، وأنَّه يكفي أن نقول: «بسم الله» فقط.
[فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٤١٠ - ٤١٢)]
стр. 382
تَرْكُ التَّسْمِيَةِ عَمْداً عِنْدَ ذَبْحِ الأُضْحِيَةِ
(٣٦٩) السؤال: سُئِلَ عمَّن اشترى شاةً للأُضحية، فأمَرَ رجلاً فذَبَحَها وترك التَّسْمية عَمْداً ؟
الجواب: يضمن الذَّابح قيمة الشاة، ويشتري بقيمتها أخرى وإن كانت مضت أيَّام النَّحْر، يتصدَّق بها على المساكين. قال الفقيه: هذا إذا أقرَّ الذَّابح أنَّه تَرَك التَّسْمية عمداً فهو ضامن لقيمتها.
وقال أبو القاسم: إذا تَرَك التَّسْمية عند الذَّبْح ناسياً يُؤْكَل، وإن تَرَك عامِداً لا يُؤكَل عند أصحابنا. وقال بِشْرٌ: لا يُؤكَل، تَرَك عمداً أو ناسياً. وقال الشافعيُّ: يُؤكَل.
[الفتاوى من أقاويل المشايخ، للسمرقندي (ص ٤٦٥)]
* * *
قَوْلُ: «بِسْمِ اللهِ وَبِسْمِ فُلانٍ» عند الذَّبْح
(٣٧٠) السؤال: سُئِل أبو نصر بن سلام عن رَجُلٍ ذَبَح وقال: «بسم الله وبسم فلان» ؟
الجواب: سمعت محمَّد بن سَلَمَة قال: كان إبراهيم بن يوسف يقول: يصير ميتةً.
وقال محمَّد بن سَلَمَة: لا يصير ميتةً؛ لأنَّه لو صار ميتةً صار الرَّجُل كافراً.
[الفتاوى من أقاويل المشايخ؛ للسمرقندي (ص ٤٦٥)]
* * *
(٣٧١) السؤال: سُئِل أبو بكر عن رَجُلٍ ذَبَح أُضحيةً وقال: «بسم الله، بسم فلان»، وأراد بذلك أنَّه من فلان، أو لم يكن له؛ هل تصير ميتةً ؟
الجواب: أرجو ألَّا يصير ميتةً.
[الفتاوى من أقاويل المشايخ؛ للسمرقندي (ص ٤٦٦)]
стр. 383
قَوْلُ «بِسْمِ اللهِ» عِنْدَ الذَّبْحِ دُونَ إِظْهَارِ الهَاءِ
(٣٧٢) السؤال: سُئِل أبو القاسم عن رَجُلٍ ذَبَح وقال: «بسم الله» ولم يُظْهِر الهاء في قوله: «الله»؛ أَتَحِلُّ هذه الذبيحة ؟
الجواب: لم يكن هذا ذابحاً بسم الله. قال الفقيه: إن قصد ذِكْرَ اسم الله ولم يُظهِر الهاء جاز، وإن قصد ترك الهاء لا يجوز.
[الفتاوى من أقاويل المشايخ؛ للسمرقندي (ص ٤٦٦)]
* * *
التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الذَّبْحِ دُونَ قَصْدِ التَّسْمِيةِ للذَّبِيحَةِ
(٣٧٣) السؤال: سئل محمَّد بن مقاتل عن رَجُلٍ سَمَّى عند ذبيحته ولم يُرِد به التَّسمية للذبيحة ؟
الجواب: لا يُجزئه، ألا ترى أنَّه لو سمع المؤذِّن يقول: «الله أكبر»، فقال الرجل: «الله أكبر»، ولم يُرد به الافتتاح للصلاة ولم [يجزئه] للصلاة إذا شرع فيها بتلك التكبيرة ما لم يرد به الافتتاح.
ولو أنَّه سمَّى عند الذبيحة ولم تحضره النيَّة فإنَّه يجزئه.
[الفتاوى من أقاويل المشايخ؛ للسمرقندي (ص ٤٦٦)]
* * *
التَّسْمِيَةُ بِاسْمِ المَسِيحِ
(٣٧٤) السؤال: قلتُ: أرأيتَ النّصرانيَّ إذا ذَبَح وسَمَّى باسم المسيح، أو أرسل كَلْبَه أو بَازَه أو سَهْمه وسَمَّى باسم المسيح؛ أيُؤكَلُ أم لا ؟
الجواب: قال: سمعت مالكاً يكره كلَّ ما ذبحوا لأعيادهم وكنائسهم، إذا ذبحوا لكنائسهم قال مالكٌ: أكره أَكْلَها. قال: وبلغني عنه أنَّه تلا هذه الآية ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وكان يكرهها كراهيةً شديدةً، قال:
стр. 384
وما سمعت من مالكٍ في مسألتك إذا سَمُّوا المسيح شيئاً. قال: وأراهم إذا سَمُّوا المسيح بمنزلة ذَبْحِهم لكنائسهم، فلا أرى أن تُؤكَل.
[المدوّنة الكبرى (١/ ٥٣٦)]
* * *
قَرَارُ مَجْمَعِ الفِقْهِ الإِسْلامِيِّ لِمُنَظَّمَةِ المُؤْتَمَرِ الإِسْلامِيِّ بِشَأنِ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ التَّذْكِيَةِ
(٣٧٥) يشترط لصحَّة التَّذْكية: أن يذكر المذكِّي اسم الله تعالى عند التَّذْكية، ولا يكتفي باستعمال آلة تسجيل لذِكْر التَّسمية، إلا أنَّ من ترك التَّسمية ناسياً فذبيحته حلال .
[مجلة المجمع (١٠/ ١٨٠) (رقم ٩٥)]
* * *
شُرُوطُ المُذكِّي
(٣٧٦) السؤال: ما شروط الذَّكاة ؟
الجواب: الذَّكاة يُشترَط لها الإسلام؛ فلا يكون كافراً، ولا مرتدًّا ولا شيئاً من هذا القبيل. أو يكون كتابيًّا؛ يعني يهوديًّا أو نصرانيًّا، وأن يكون عاقلاً أيضاً؛ يعني لا يكون مجنوناً ولا سكراناً، فإذا حصل ذلك فليُذَكِّ.
[ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (١٢/ ٣١٠)]
* * *
ذَبْحُ المُسْلِم إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ
(٣٧٧) السؤال: ما حُكمُ المُسلم الذي يَذْبَح وهو غير مُتطهِّر ؟
الجواب: يجوز للجُنُب والحائض أن يَذْبَحَا، ولا بأس بذلك؛ لأنَّ الطهارة لا تُشترَط لصحَّة الذَّبْح، وكذا تَحِلُّ ذبيحة المسلم غير المختون.
[فتاوى دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ١٣٠٢)]
* * *
ذَبْحُ الكِتابِيِّ ذَبِيحَةَ المُسْلِمِ للنُّسُكِ وغَيرِهِ
(٣٧٨) السؤال: قلتُ: يَذْبحُ أهلُ
стр. 385
الكتاب للمُسلمين؟
الجواب: أمَّا النُّسُك فلا، وأمَّا ما سوى ذلك فلا بأس.
قال إسحاق [بن راهويه]: لا يَذْبح أُضحيةً ولا غيرها للمسلمين، فإذا ذَبَحَها لنفسه وسَمَّى غير الله أَكَلْتُه، إذا لم أسمع منه ذلك.
[مسائل الإمام أحمد رواية الكوسج (٥/ ٢٢٠٠ - ٢٢٠١)]
* * *
(٣٧٩) السؤال: أريد أن أذبحَ ضَحِيَّةَ العيد، ولكنِّي لا أُتقِنُ الذَّبْح، وبجواري شخصٌ مَسيحِيٌّ؛ فهل يجوزُ لي شرعاً أن أُوَكِّلَه في ذَبْح هذه الضَّحِيَّة ؟
الجواب: الأصل في ذَبْح الضَّحيَّة أن يذبَحَها المسلمُ بيده إذا كان يُحسِن الذَّبْح، يقول: «باسم الله والله أكبر، اللَّهُمَّ هذا عن فُلان» -ويَذْكُرُ اسمه-؛ لأنَّه قد رُوِيَ عن جابرٍ قال: (شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الأَضْحَى بِالمُصَلَّى -أي صلاة عيد الأضحى-، فَلَمَّا قَضَى خُطْبَتَهُ نَزَلَ عَنْ مِنْبَرِهِ، وَأُتِيَ بِكَبْشٍ فَذَبَحَهُ بِيَدِهِ، وَقَالَ: بِاسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا عَنِّي وَعَنْ مَنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي).
وإذا كان الشخص المُضحِّي لا يُحسن الذَّبْح؛ فإِنَّه يُنْدب له أن يأمُر غيره بالذَّبْح، ويشهد عملية الذَّبْح؛ فقد رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لابنته: (يَا فَاطِمَةُ، قُومِي فَاشْهَدِي أُضْحِيَتَكِ؛ فَإِنَّهُ يُغْفرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ، وَقُولِي: إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي -أي عِبادتي- وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لله رَبِّ العَالَمِينَ، لَا شَريكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المسلمين). فقال عِمْران بن حُصَين -وقد سمع ذلك-: (يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا لَكَ وَلِأَهْلِ بَيْتِكَ خَاصَّةً -فَأَهْلُ ذَلِكَ أَنْتُمْ- أَمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً).
стр. 386
والأصل أن يُوَكِّل المُسلم مُسلماً مثلَه في ذَبْحِ الضَّحيَّةِ، ولكنَّه إذا وَكَّلَ شخصاً مَسيحيًّا، أو شخصاً من أهل الكتاب في عمليَّة الذَّبْح، جازَ ذلك شرعاً، ولا كراهة في ذلك، ما دام هذا الشخصُ يُحسِن الذَّبْح، ويستطيع القيام به، وقد ذَكَر الإمام النوويُّ في كتابه (المجموع) أنَّ العُلماء قد أجمعوا على أنَّ المُضحِّي يجوز له أن يَستنيب في ذَبْح أُضحيته شخصاً مُسلماً، وأنَّ مذهب الشافعيَّة يرى أنَّه يصحُّ توكيل المُسلم شخصاً آخر غير مُسلمٍ من أهل الكتاب في ذَبْح الضَّحيَّة، وإن كان ذلك خلاف الأَوْلَى.
ومن هذا نفهم أنَّ المُسلم الذي يريد ذَبْح الضَّحيَّة، ولكنَّه لا يُحسن الذَّبْح، ولم يتيسَّر له شخصٌ مُسلم يُوكِّله في الذَّبْح، يجوز له أن يأمر شخصاً مسيحيًّا بأن يَذْبح له أُضحيته، ما دام يُتْقن الذَّبْح، وتكون الأُضحية حلالاً مشروعةً.
[يسألونك في الدين والحياة (١/ ٤٥٥ - ٤٥٦)]
* * *
تَوْكِيلُ مُسْلِمٍ بالذَّبْح وَآخرُ بِنِيَّةِ الذَّبْح
(٣٨٠) السؤال: هل يُؤخذ من قولهم: «يُوَكِّلُ مُسلِماً في الذَّبْح والنِّيَّة» أنَّه لا يُوَكِّلُ مُسلِماً في النِّيَّة وآخرُ في الذَّبْح؛ كما قاله بعض شُرَّاح (الإرشاد)، أم لا ؟
الجواب: يجوز أن يُوَكِّل في النِّيَّة مسلماً مُميِّزاً، ويُوَكِّل في الذَّبْح غيره، كما لو وَكَّل في الذَّبْح ونوى هو؛ فقولهم المذكور تمثيلٌ لا تقييدٌ؛ إذ لا يظهر فرقٌ بين تفويضهما وتفويض النِّيَّة فقط؛ فإنَّ القاعدة أنَّ: (ما تمكَّن الشَّخص من فِعْله جاز أن يُوَكِّل فيه من يتمكَّن من مباشرته لنَفْسه).
[فتاوى الرملي (٥/ ٢١٣)]
стр. 387
تَعَاقُبُ شَخْصَيْنِ عَلَى تَذْكِيَةِ شَاةٍ بسِكِّينٍ كَالَّةٍ
(٣٨١) السؤال: من ذَبَح شاةً بسِكِّينٍ كالَّةٍ فقَطَعَت بعضَ الواجب قَطْعُه، ثُمَّ أدْركه ذابحٌ آخرُ بسِكِّينٍ أخرى فأتمَّ بها الذَّبْح قبل أن يرفع الأوَّلُ يده؛ هل تَحِلُّ؛ كما ذَكَرَهُ عبد العزيز الدَّيرينيُّ في كتابه (الدُّرَر)، وسواءٌ أكان فيها حيا ةٌ مُستقرَّةٌ قبل ذَبْح الثَّاني أم لا؟
الجواب: تَحِلُّ الذَّبيحة وإن لم يكن فيها عند شروع الثَّاني في القَطْع حياةٌ مُستقرَّةٌ.
[فتاوى الرملي (٥/ ٢٠٢)]
* * *
ذَبِيحَةُ المَرْأَةِ
(٣٨٢) السؤال: قلتُ: أرأيتَ المرأةَ تَذْبَح من غير ضرورةٍ، أتُؤكَل ذبيحتُها في قول مالكٍ ؟
الجواب: قال: نعم تُؤكَلُ.
[المدوّنة الكبرى (١/ ٥٤٤)]
* * *
(٣٨٣) السؤال: [هل تجوزُ ذكاةُ المرأةِ ؟]
الجواب: تجوزُ ذكاة المرأة والرَّجُل، وتَذْبح المَرأةُ وإن كانت حائِضاً؛ فإنَّ حيضتها ليست في يَدِها. وذكاة المَرأة جائزةٌ باتِّفاق المسلمين، وقد ذَبَحَت امرأةٌ شاةً، فأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ بأَكْلِها.
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٥/ ٢٣٤)]
* * *
(٣٨٤) السؤال: ما حُكمُ الشَّرْع في ذكاة المرأة ؟
الجواب: ذكاةُ المرأة صحيحة، فإذا ذكَّت المرأةُ الحيوانَ؛ سواء أكان من الضَّأْن أم الماعز أم من البقر، وكذلك من الطيور، ومن الصيد؛ كالضِّباء، وغيرها، فإذا ذَكَّت المرأة ما يحتاج إلى ذكاةٍ من الحيوانات، فإنَّ ذكاتها
стр. 388
صحيحة ما دامت أنَّها استكملت شروط الذَّكاة، بأن قطعت الحُلْقوم والوَرِيدَيْن اللَّذَيْن حوله، حتَّى ولو كانت المرأة حائضاً؛ فإن ذكاتها صحيحة، ولا شيء فيها، وليس من شرط صحَّة الذَّكاة أن تكون من ذَكَرٍ، بل أن تكون من مُسلمٍ أو من كتابيٍّ، وأن يقطع الحُلْقوم، والمَريء، وكذلك العِرْقَيْن المُحيطَيْن بالحُلْقوم، هذا هو المطلوب، سواء حصل من رَجُلٍ أو امرأةٍ، و لا بُدَّ أن يكون بآلةٍ حادَّةٍ، وألَّا يكون بنَابٍ أو ظُفْرٍ، وهذا معروف.
[ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (١٢/ ٣١٦)]
* * *
(٣٨٥) السؤال: هل يجوزُ للمرأة أن تَذْبح الذَّبيحة؟ وهل يجوزُ الأَكْل منها ؟
الجواب: يجوزُ للمرأة أن تَذْبح الذَّبيحة كالرَّجُل، كما صحَّت بذلك السُنَّة عن رسول الله ﷺ ، ويجوز الأَكْل من ذبيحتها إذا كانت مسلمةً أو كتابيَّةً، وذَبَحَت الذَّبْح الشرعيَّ، ولو وُجِدَ رَجُلٌ يقوم مقامها في ذلك، فليس من شرط حِلِّ ذبيحتها عدم وجود الرَّجُل.
[مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (٢ ٣/ ٨٢)]
* * *
(٣٨٦) السؤال: هل ذَبْحُ المرأة حلالٌ أم حَرامٌ؟ وهل يُؤْكَل من الذَّبيحة التي تقوم بذَبْحها ؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً، علماً بأنَّه لا يوجد أحدٌ سواها في البيت، ولا من الجيران، جزاكم الله خيراً.
الجواب: ذكاةُ المرأة حلالٌ؛ يعني أنَّ المرأة إذا ذَكَّت بهيمةً تَحِلُّ بالذَّكاة، فهي حلالٌ، لو ذَكَّت شاةً أو بقرةً، أو نَحَرَت بعيراً فهي حلالٌ، ودليل ذلك: (أَنَّ جَارِيَةً كَانَتْ تَرْعَى غَنَماً لَهَا حَوْلَ سَلْعٍ، -وسَلْعُ: جبلٌ بالمَدينَةِ-، فَأَصَابَ الذِّئْبُ شَاةً مِنْهَا، فَأَخَذَتْ حَجَراً مُحَدَّداً فَذَبَحَتْهَا قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ، فَأَحَلَّ النَّبِيُّ ﷺ -
стр. 389
ذَبِيحَتَهَا)، وهذا دليلٌ على حِلِّ ما ذَكَّته المرأة، ولا فَرْق بين أن تكون المرأة بالغةً أو صغيرةً، لكنَّها مميِّزة، ولا بين أن تكون طاهراً أو حائضاً؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم لم يستفصل.
وأمَّا ظنُّ بعض الناس أنَّ المرأة لا تَحِلُّ ذكاتُها، أو أنَّ المرأة الحائض لا تَحِلُّ ذَكاتُها، فهذا لا أصل له، ولهذا نقول: تَحِلُّ ذَكاةُ الحائض، وذَكاةُ الجُنُب، وذَكاةُ من عليه وضوء، وذَكاةُ الصَّغير إذا كان مميِّزاً.
[فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٤٢٢)]
* * *
(٣٨٧) السؤال: هل ذَبْح المرأة للبهائم حلالٌ؟ لأنَّ المعروف عندنا أنَّه لا يجوزُ لها أن تَذْبَح ذبيحةً، وذَبيحَتُها حَرامٌ .
الجواب: ذَبْح المرأة للبهيمة حلالٌ لا كراهة فيه إذا كانت مُسلمةً أو كتابيَّةً، بشروط الذَّبْح المعروفة شرعاً، وكذلك ذَبْح كُلِّ من أمكنه الذَّبْح من المسلمين وأهل الكتاب؛ رجلاً كان أو امرأة.
وقد جاء في الحديث الصحيح (أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمَهَا بِسَلْعٍ -جبلٌ معروفٌ بالمدينة-، فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا فَأَدْرَكَتْهَا فَذَكَّتْهَا -أي ذبحتها- بِحَجَرٍ، [فَسُئِلَ] النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: كُلُوهَا).
وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ المرأة الذابحة -وإن كانت حائضاً أو نُفَساء- فذَبْحُها مباحٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يستفصل، ولم يستثن الحائض والنُّفساء. والله أعلم.
[فتاوى ورسائل مختارة للشيخ محمَّد السبيل (ص ٤٨٢ - ٤٨ ٣)]
* * *
(٣٨٨) السؤال: هل يجوزُ للمرأة أن تقوم بعمليَّة الذَّبْح للبهائم أم أنَّ هذا الفعل خاصٌّ بالرِّجال ؟
стр. 390
الجواب: لا حرج في ذَبْح المرأة، ولا فَرْق بينها وبين الرَّجُل، وهما في الأمر سواء، فإنَّ امرأةً كانت تَرْعَى غنماً في زمن النبيِّ ﷺ ، اعتدى الذئب على واحدةٍ منها، فأدركت الشاة وهي حيَّة فذَكَّتها، فسُئِلَ النبيُّ ﷺ عن أَكْلِها، فأذن في ذلك، ممَّا يدلُّ على أنَّ ذَبْح المرأة لا حرج فيه وأنَّه مثل ذَبْح الرَّجُل، والله تعالى يقول: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وهذا يشمل؛ المسلم سواء كان ذكراً أو أُنثى، أو كتابيًّا أو كتابيَّةً من أهل الكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، سواء ذكَّاها رَجُلٌ منهم أو امرأة، وكذلك من المسلمين، والله أعلم.
[المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان (١٢٣٨ - ١٢٣٩) - (الموقع)]
* * *
تَذْكِيَةُ المَرْأَةِ الحَائِضِ
(٣٨٩) السؤال: هل يجوزُ للمرأة أن تَذْبَح شاةً وهي حائضٌ مع وجود الرِّجال ؟
الجواب: نعم يجوز، والذَّبيحة مُذكَّاة تُؤكَل، لكنَّ الرِّجال أَوْلَى بذَبْح الذَّبائح على كُلِّ حالٍ، لأنَّهم أجرأ على هذا، والمرأة قد تكون ضعيفةً فتُطيل عمليَّة الذَّبْح، فيتعذَّب الحيوان، لكن لو ذَبَحَت فإنَّ ذَبيحَتَها تُؤكَل.
[فتاوى الشيخ نوح علي سلمان - دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٢٤٩٠)]
* * *
ذَبِيحَةُ المَرْأَةِ والصَّبِيِّ
(٣٩٠) السؤال: قلتُ: ذبيحةُ المرأة والصَّبيِّ ؟
الجواب: لا بأس به إذا كان الصبيُّ يُطيقُ الذَّبْح.
قال إسحاق [بن راهويه]: كما قال، ولا أقلَّ مِنْ سَبْعِ سنين.
[مسائل الإمام أحمد رواية الكوسج (٥/ ٢٢٤٧ - ٢٢٤٨)]