Полный текст (1 187 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
الجواب: من المعروف شرعاً أنَّه لا يَحِلُّ أَكْل لحم الحيوان مأكول اللحم -كالإبل، والبقر، والغنم، والأرانب، وداجن الطيور؛ كالدَّجاج، والبَطِّ، والأوزِّ، وغير ذلك- إلَّا إذا تمَّت تذكيته الشرعيَّة، والذَّكاة الشرعيَّة هي السبب الموصل لحِلِّ أَكْل الحيوان البرِّيِّ -مأكول اللحم- المقدور عليه، وتحصل تذكيته بالذَّبْح أو النَّحْر، وأمَّا غير المقدور عليه فتذكيته بعَقْره عن طريق الجرح أو الصيد، أو إغراء الحيوان أو الطير المُعَلَّمَيْن به، وكُلُّ ذلك لا بُدَّ أن يكون ممَّن يَحِلُّ منه ذلك، وهو المسلم أو الكتابي.
فأمَّا الذَّبْح فهو قَطْع الحَلْق -أعلى العُنُق- من الحيوان، ويحصل ذلك بقَطْع الحُلْقوم -وهو مجرى النَّفَس-، والمَريء -وهو مجرى الطعام-، والعِرْقَين اللَّذَين يُحيطان بهما -ويُسمَّيان [الوَدَجَان]، فإنَّه بقَطْع الأربعة يحصل الذَّبْح الشرعيُّ. وإذا استوعب الذَّابِح بالقَطْع الحُلْقوم والمَريء فقط صحَّ الذَّبْح على الراجح؛ لأنَّ الحياة لا تبقى بعد قَطْعِهما عادةً.
وأمَّا النَّحْر فهو قَطْع لَبَّة الحيوان -وهي الثُّغرة بين التَّرقُوَتَين أسفل العُنُق-، بأن يحصل قَطْعُ الأربعة السابقة، أو الحُلْقوم والمَريء منها من جهة اللَّبَّة كالذَّبْح، وذهب المالكيَّة إلى أنَّ النَّحْر يكون بالطَّعْن في اللَّبَّة طَعناً مُفضِياً للموت دون اشتراط قَطْع شيءٍ من المجاري الأربعة على المشهور من مذهبهم، والأفضل أن يختص النَّحْر بالإبل وكُلِّ ما طال عُنُقُه من الحيوانات مأكولة اللحم، بينما يختصُّ الذَّبْح بما قصر عُنُقُه منها، كالبقر والغنم وما شابه، وكلاهما -الذَّبْح والنَّحْر- تذكيةٌ مسنونةٌ، فيقوم أحدهما مقام الآخر؛ ودليل ذلك قوله صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلم: (أَلَا إِنَّ الذَّكاة فِي الحَلْقِ وَاللَّبَّة) رواه الدارقطني في سننه (٤/ ٢٨٣) من حديث أبي هريرة ﵁، وذكره البخاري تعليقاً في
стр. 457
كتاب (الذبائح والصيد) (باب النَّحْر والذبائح) من (صحيحه) من حديث ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما.
وأمَّا العَقْر؛ وهو ما يُسمَّى بذكاة الضرورة، فيكون بجرح الحيوان جرحاً مُزهقاً للروح في أيِّ جهةٍ من جسمه، وتكون هذه هي تذكية الحيوان إذا نَدَّ -أي نَفَر- ولم يقدر صاحبُه عليه، كما أنَّها تذكية الحيوان الذي يُراد اصطياده، أمَّا المقدور عليه فلا يباح إلَّا بالذَّبْح أو النَّحْر إجماعاً.
ويُشترَط في هذا كُلِّه أن يكون الذَّابح أو النَّاحِر أو العَاقِر مُسلماً أو من أهل الكتاب -أي من اليهود أو النصارى-. أمَّا إن كان غير مُسلمٍ وغير كتابيٍّ فإنَّ ما يذبحه مَيْتةٌ ولا يجوز أَكْلُه.
وعلى ما سبق من بيان؛ فإنَّ وَضْعَ الدَّجاج وغيره من الطيور في ذلك الشيء المصنوع من البلاستيك، أو أيِّ مادَّة أخرى، وإبراز عُنُق الطائر منه بغير خَنْق له، ثمَّ ذَبْحه بالشروط المذكورة، لا شيء فيه، بل يجب على الناس فِعْلُ ذلك إن كانت هذه هي الطريقة المُتعَيِّنة للوقاية من ذلك المرض الفتَّاك؛ وذلك لحُرْمة قَتْل النَّفْس والإضرار [بها]. والله أعلم.
[موقع دار الإفتاء المصرية (رقم ٦٣٤)]
* * *
الذَّبْحُ بِطَرِيقَةٍ آلِيَّةٍ
(٤٩٦) السؤال: رجاء التكرُّم بالإحاطة بأنَّ شركتنا قد قامت بإنشاء عدد ٢ مَجْزَر آلي للدَّواجن لصالح إحدى الجهات، وطريقة الذَّبْح في هذين المَجْزَرين هي الذَّبْح اليدوي، وتطلب هذه الجهة من شركتنا أن تكون طريقة الذَّبْح أوتوماتيكية في هذين المَجْزَرين بد لاً من الذَّبْح اليدوي.
وبناءً على ما تقدَّم قامت شركتنا بالاتِّصال بمعظم الشركات الأجنبيَّة المتخصِّصة في إنشاء المجازر الآليَّة
стр. 458
وأفادت جميعها بالآتي:
١ - أنَّه من المعروف في جميع المجازر الآليَّة أنَّ الدَّجاجة عند تعليقها في السَّيْر العلوي تمهيداً لذَبْحها، فإنَّها تُعَلَّق من رِجْلَيها، ورأسها إلى أسفل، وبالتالي فإنَّها تتحرَّك بصفةٍ مُستمرَّةٍ، خاصَّة أجنحتها ورأسها.
٢ - أنَّ نظام الذَّبْح الأوتوماتيكي عبارة عن عدد ٢ ماكينة؛ الأولى تقوم بتهدئة الدَّجاجة قبل دخولها إلى الماكينة الثانية؛ وهي الذَّبْح الآلي، وهذه التهدئة تتمُّ عن طريق مرور تيَّار كهربائي في حوض به ماء، ثمَّ دخول الدَّجاجة أتوماتيكيًّا إلى هذا الحوض لمدَّة ثوانٍ، ممَّا يؤدِّي إلى شلِّ حركتها تماماً الرأس والأجنحة-، وليس خَنْقها أو موتها؛ وذلك تمهيداً لدخولها إلى ماكينة الذَّبْح الآلي المُرَكَّب عليها سكاكين حادَّة للغاية تقوم بذَبْح الدواجن آليًّا دون فصل الرأس.
٣ - سيتمُّ تركيب جهاز تسجيل على ماكينة الذَّبْح الآلي مُسجَّل عليه (بسم الله، الله أكبر) عِدَّة مرَّات.
والمرجو من سيادتكم التكرُّم بالإفادة عن حكم الشريعة الإسلاميَّة فيما سبق ذِكْرُه، وهل هذا الذَّبْح بهذه الطريقة مطابق للشريعة؟
الجواب: الذي جرى عليه جمهور الفقهاء أنَّ كُلَّ ما أَنْهَر الدَّمَ وأَفْرَى الأوداج فهو آلةٌ للذَّبْح -ما عدا الظُّفْر والسِّنَّ-؛ لقوله ﵌: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا، مَا لَمْ يَكُنْ سِنًّا أَوْ ظُفْرًا) رواه البيهقي وأبو داود ﵄؛ لأنَّ الذَّبْح بهما قائمان في الجسد مقام الخَنْق.
وعليه؛ وفي واقعة السؤال: فإذا كان الحال كما ورد بالسؤال، وأنَّ الدَّجاج سوف يُذْبح بطريقةٍ آليَّةٍ في مرحلتين:
الأُولَى: الغرض منها إضعاف مقاومة الحيوان؛ ليَسْهُل التحكُّم فيه
стр. 459
والسيطرة عليه، ولا تؤدِّي إلى موته؛ بمعنى أنَّه لو تُرِكَ بعد مروره بالتيَّار الكهربائي دون ذَبْح عاد إلى حياته الطبيعية، جاز استخدام هذه الطريقة وحَلَّ أَكْلُ هذا الحيوان بعد ذَبْحِه ذَبْحاً شرعيًّا.
أمَّا إذا كان مرور الدَّجاج بالتيَّار الكهربائي يؤثِّر على حياة الحيوان بحيث لو تُرِكَ بعد التخدير دون ذَبْح فإنَّه يفقد حياته، فإنَّ الذَّبْح حينئذٍ يكون قد ورد على مَيْتةٍ، فلا يَحِلُّ أَكْلُها في الإسلام.
وبناءً عليه: إذا تأكَّد أهل الاختصاص أنَّ مرور الحيوان بماءٍ به تيَّار كهربائي -كما وُصِفَ بالسؤال- لا يؤثِّر على حياة الحيوان أو خروج الدَّم منه، ثمَّ إنَّه يُذْبَح بالمرحلة الثانية الموصوفة بالسؤال، فيكون الذَّبْح حلالًا ولا غبار عليه، والله أعلم.
[موقع دار الإفتاء المصرية (رقم ٨٥٦)]
* * *
تَوصِياتٌ فِي إنْتَاجِ الأَغْذِيَةِ الحَلالِ وَإِعْدَادِهَا وَتَحْضِيرِهَا وَتَخْزِينِهَا
(٤٩٧) في ٣ من إبريل لعام ٢٠٠٠ م عقد مجلس الفتوى الوطني الماليزي الجلسة (٤٨) للمباحثة فيما يتعلَّق ببعض الإرشادات والتوصيات في إنتاج الأغذية الحلال وإعدادها وتحضيرها وتخزينها ، وأشار المجلس في قراره إلى النقاط الآتية: -
١ - يجب أن يكون مُشَغِّل السكِّين الميكانيكي مسلماً. ويجب عليه أن يقرأ البسملة قبل التشغيل، ويُراقب الحيوان أثناء عملية الذَّبْح.
٢ - يجب على مُشَغِّل السكِّين الميكانيكي ألَّا يترك مكان الذَّبْح أثناء العمليَّة، ولا تَشْغَله أعمالٌ أخرى تُلْهيه وتُشتِّت تركيزه عن عمليَّة الذَّبْح.
[قرارات مذاكرة لجنة الفتوى بالمجلس الوطني للشؤون الإسلاميَّة الماليزية (ص ٨٩)]
стр. 460
تَذْكِيَةُ الحَيوَانِ المُشْرِفِ عَلَى المَوْتِ بِالمُسَدَّسِ
(٤٩٨) السؤال: هل يجوزُ تَذْكِية الحيوانِ المُشْرفِ على الموت بالمُسدَّس بسبب عدم وجود السكِّين ؟
الجواب:
أوَّلًا: الحيوان المقدور عليه -أي الذي يستطيع الإنسان أن يمسكه وأن يذبحه بالسكِّين- لا تصحُّ تذكيته إلَّا بالذَّبْح، وهو قَطْع البُلْعوم والمَريء، أي طريق التنفُّس وطريق الطعام والشراب، ويُسنُّ أيضاً قَطْع الأوداج، وهي عُروق الدَّم التي في الرَّقَبَة، سواء كان الحيوان داجناً؛ كالشاة والخروف، أو كان برِّيًّا ممسوكاً؛ كالغزال والحَمَام.
ثانياً: الحيوان غير المقدور عليه -أي الذي لا يقدر الإنسان على إمساكه وذَبْحِه كما في الحالة الأولى-؛ فهذا يكفي في ذَبْحه أن يُضْرَب ضَرْبةً جارحةً قاتلةً في أيِّ جزءٍ من جسمه، وذلك كالصَّيد غير الممسوك، والشاة إذا وقعت في بئر ولم يمكن إخراجها قبل الغرق، والبعير إذا هرب ولم يقدر على إمساكه، ففي هذه الحالات لو أطلق عليه الرصاص فقُتِل يعتبر مُذَكًى؛ إذ لا يمكن تَذْكيته بغير ذلك.
من هذا يتبيَّن أنَّ عدم وجود السكِّين لا يعتبر عذراً يُبيح التَّذْكية بالمسدَّس.
[فتاوى الشيخ نوح علي سلمان - دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٢٥٠١)]
* * *
قَرَارُ مَجْمَعِ الفِقْهِ الإسْلامِيِّ لمُنَظَّمَةِ المُؤْتَمَرِ الإسْلامِيِّ بجِدَّةَ بِشَأْنِ الذَّبَائِح
(٤٩٩) جاء فيه ما يلي:
يُشترَط لصحَّة التَّذْكية: أن يكون الذَّبْح بآلةٍ حادَّة تقطع وتَفْري بحَدِّها، سواء كانت من الحديد أم من غيره ممَّا يُنْهِر الدَّم، ما عدا السِّنَّ والظُّفْر، فلا تَحِلُّ المُنْخَنِقة بفعلها أو بفعل غيرها،
стр. 461
ولا المَوْقوذَة: وهي التي أُزهِقَت روحها بضَرْبها بمُثقَّل (حجر أو هراوة أو نحوهما)، ولا المُتَرَدِّية: وهي التي تموت بسُقوطها من مكانٍ عالٍ، أو بوقوعها في حفرةٍ، ولا النَّطيحَة: وهي التي تموت بالنَّطْح، ولا ما أَكَلَ السَّبُع: وهو ما افترسه شيءٌ من السِّباع أو الطيور الجارحة غير المعلَّمة المرُسَلَة على الصيد.
على أنَّه إذا أُدرك شيءٌ ممَّا سبق حيًّا حياةً مستقرَّةً فذُكِّيَ؛ جاز أَكْلُه.
وجاء في البند الثامن: أنَّ الأصل في تذكية الدَّواجن وغيرها أن تتمَّ بيد المُذكِّي، ولا بأس باستخدام الآلات الميكانيكيِّة في تذكية الدَّواجن ما دامت شروط التَّذْكية الشرعيَّة المذكورة في الفقرة (الثانية من هذا القرار) قد توافرت، وتُجزئ التَّسمية على كُلِّ مجموعةٍ يتواصل ذَبْحُها، فإن انقطعت أعيدت التَّسمية.
[مجلة المجمع (١٠/ ٥٩٤) القرار (رقم ٩٥) (٣/ ١٠)]
* * *
قَرَارُ مَجْمَعِ الفِقْهِ الإسْلامِيِّ بِالهِنْدِ بِشَأْنِ الذَّبْحِ بِاسْتِخْدَامِ الآلاتِ المِيكَانِيكِيَّةِ
(٥٠٠) جاء فيه ما يلي:
أوَّلًا: إذا وصل الحيوان المُعَلَّق بالحزام أو السلسلة المتحرِّكة بالكهرباء إلى الذَّابح بعد مرور مرحلة التخدير، وذَبَحَه الذَّابح بيده مع التَّسمية، وتيقَّن أنَّ الحيوان كان عند الذَّبْح حيًّا ، فهذا جائز بالاتِّفاق؛ لأنَّه لا يتمُّ في هذه الصورة بالماكينة إلَّا نَقْل الحيوان وحَمْله، وفِعْل الذَّبْح يتمُّ باليد.
ويناشد المَجْمَع أصحاب المسالخ المسلمين ترويج هذه الصورة، وإذا مسَّت الحاجة إلى إسراع عمل الذَّبْح فيمكن تعيين أكثر من ذابح واحد.
ثانياً: صورة الذَّبْح باستخدام الآلات الميكانيكيَّة التي يتمُّ فيها نَقْل الحيوان وحَمْله وذَبْحه كذلك بالماكينة،
стр. 462
بحيث تتحرَّك الماكينة بضغط الزِّرِّ، وتأتي الحيوانات على الماكينة بالتَّعاقب، فهناك ثلاثة آراء حول هذه الصورة:
الأوَّل: يَحِلُّ الحيوان الأوَّل فقط، والحيوانات المُذكَّاة بعده لا تَحِلُّ، وهذا رأي أغلبيَّة العُلماء المشاركين في النَّدْوة.
الثاني: لا يَحِلُّ الحيوان الأوَّل أيضاً، وهو رأي بعض العُلماء، وهم:
الشيخ المفتي شبير أحمد، مراد آباد.
الشيخ مجيب الغفَّار أسعد، بنارس.
الشيخ بدر أحمد الندوي، بتنه.
الشيخ أبو الحسن علي، غواجرت.
الثالث: يَحِلُّ الحيوان الأوَّل والحيوانات المُذَكَّاة بعده قبل انقطاع فِعْل الذَّبْح، وهذا رأي من تلي أسماؤهم:
الشيخ رئيس الأحرار الندوي
الشيخ صباح الدين ملك الفلاحي.
الشيخ سلطان أحمد الإصلاحي.
الشيخ جلال الدين أنصر العمري.
الشيخ يعقوب إسماعيل المنشي.
الشيخ القاضي مجاهد الإسلام القاسمي.
الشيخ خالد سيف الله الرحماني.
الشيخ المفتي نسيم أحمد القاسمي.
الشيخ إعجاز أحمد القاسمي.
ثالثاً: إنَّ القائلين بحِلِّ الحيوان الأوَّل فقط في الذَّبْح باستخدام الآلات الميكانيكيَّة يرون أنَّه إذا تمَّ اختراع ماكينات ترتبط بها سكاكين كثيرة، وجميع السكاكين تفعل فِعْلها مع ضغط الزِّرِّ، وتقوم بذَبْح جميع الحيوانات مرَّةً واحدةً، حَلَّت جميع هذه الحيوانات المُذَكَّاة.
رابعاً: أنَّ القرارات السالفة الذِّكْر حول الذَّبْح باستخدام الآلات الميكانيكيَّة تمَّ اتِّخاذها نظراً إلى ماكينة مخصوصة، فلا تُطَبَّق على كُلِّ نوعٍ من الماكينة، والحكمُ الشرعيُّ لكُلِّ نوعٍ من الماكينة يكون حسب ذلك النوع.
[قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي
стр. 463
بالهند (ص ١٢٦)، رقم (٤٠/ ٤/٩)]
* * *
مَوْضِعُ الذَّبْحِ في الرَّقَبَةِ
(٥٠١) السؤل: هل هناك مكان مُحدَّد في الرَّقَبَة ؟
الجواب: نعم؛ فالرَّقَبَة كُلُّها محلٌّ للذَّبْح والنَّحْر، أعلاها وأسفلها، لكن في الإبل السُّنَّة نَحْرُها في اللَّبَّة، أمَّا البقر والغنم، فالسُّنَّة ذَبْحُها في أعلى العُنُق؛ حتَّى يقطع بذلك الحُلْقوم والمَريء والوَدَجَين، كما تقدَّم.
[مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (١٨/ ٢٧)]
* * *
قَطْعُ الجَوْزَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ
(٥٠٢) السؤال: هل يُشترَط في الذَّبْح أن يكون أسفل الخَرَزة (الجَوْزة في العُنُق)، أم يكفي قَطْع الحُلْقوم والمَريء والوَدَجَين ؟
الجواب: الأفضل أن يكون القَطْع أسفل الخَرَزة -الجَوْزة في العُنُق-، ويكفي قَطْع الحُلْقوم والمَريء والوَدَجَين. والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٣١)]
* * *
أَكْلُ الذَّبِيحَةِ إِذَا تُرِكَتِ الجَوْزَةُ بالرَّقَبَةِ
(٥٠٣) السؤال: رَجُلٌ ذَبَح ذَبيحَةً وترك الجَوْزَة بالرَّقَبَة المتَّصلة بالجسم؛ فهل الذَّبيحة حلالٌ أم حرامٌ؟ وما حُكمُ من أَكَلَها؟ وهل عليه كفَّارة ؟
الجواب: اختلفت الروايات عند الحنفيَّة في محلِّ الذَّبْح: فرواية القُدوري ومن تابعه أنَّ محلَّ الذَّبْح بين الحَلْق واللَّبَّة؛ أي من العُقْدة إلى مبدأ الصَّدْر؛ لأنَّ الحَلْق هو الحُلْقوم -كما في (القاموس) - ومقتضى هذه الرواية عدم الحِلِّ إذا وقع الذَّبْح قبل العُقْدة؛ لأنَّه وقع في غير محلِّ الذَّبْح، وقد صرَّح بذلك في (الذخيرة). ورواية (المبسوط) ومن نحا نحوه أنَّه
стр. 464
يحِلُّ الذَّبْح بين اللَّبَّة واللَّحْيَين، ومقتضى هذه الرواية الحِلُّ فيما إذا وقع الذَّبْح قبل العُقْدة؛ لأنَّه بين اللَّبَّة واللَّحْيَين، وقد صرح بذلك الإمام الرُّسْتُغْفَنِي فقال بالحِلِّ، سواء بقيت العُقْدة ممَّا يلي الرأس أو الصَّدْر، وقد رجَّح هذه الرواية صاحب (العناية) شارح (الهداية)؛ حيث قال: «والأصل فيه قوله ﵌: (الذَّكاة مَا بَيْنَ اللّبَّة وَاللَّحْيَيْنِ)». وهو يقتضي جواز الذَّبْح فوق الحَلْق قبل العُقْدة؛ لأنَّه وإن كان قَبْل العُقْدة فهو بين اللَّبَّة واللَّحْيَيْن، وهو دليلٌ ظاهرٌ للإمام الرُّسْتُغْفَنِيِّ ﵀ في حِلِّ ما بقي عقدة الحُلْقوم ممَّا يلي الصَّدر، ورواية (المبسوط) أيضاً تساعده، ولكن صرَّح في ذبائح (الذخيرة) أنَّ الذَّبْح إذا وقع أعلى الحُلْقوم لا يحِلُّ، وكذلك في (فتاوى أهل سَمَرْقَنْد)؛ لأنَّه ذَبْحٌ في غير المَذْبَح، وهو مخالفٌ لظاهر الحديث كما ترى، ولأنَّ ما بين اللَّبَّة واللَّحْيَين مَجْمَعُ العُروق والمَجْرَى، فيحصل بالفعل فيه إنْهار الدَّم على أبلغ الوجوه، وكان حكم الكُلِّ سواء، ولا معتبر بالعُقْدة» انتهى.
ونحن نميل للرواية الثانية؛ لقوَّة دليلها، ولموافقتها للحديث، وخصوصاً أنَّ كلام (التُّحفة) و (الكافي) وغيرهما يدلُّ على أنَّ الحَلْق؛ أي أصل العُنُق كما في (القهستاني).
وبهذا عُلِم الجواب على السؤال، وأنَّه يحِلُّ أَكْلُ الذَّبيحة إذا تُرِكت الجَوْزة بالرَّقَبَة المتَّصلَة بالجسم، إذا كان قد رُوعِيَ في الذَّبْح قَطْعُ باقي العُروق الواجب قَطْعُها شرعاً، والله أعلم.
[موقع دار الإفتاء المصرية (رقم ١٩٨١)]
* * *
الذَّبيحَةُ المُغَلْصَمَةُ
(٥٠٤) السؤال: من ذَبَح ذَبيحةً فردَّ
стр. 465
الغَلْصَمة إلى البدن؟
الجواب: قال ابن القاسم: مكروهةٌ. وقال غيره: لا تُؤكَل. وقال أشهب وابن نافع وجماعةٌ من أصحاب مالكٍ: لا بأس بأَكْلِها.
[فتاوى ابن سُحْنون (ص ٣ ٥٥)]
* * *
(٥٠٥) السؤال: [ما حُكمُ الذَّبيحَةِ المُغَلْصَمَة ؟]
الجواب: أجاب أبو الطيِّب في مسألة المُغَلْصَمة: لا أُجيزُ أَكْلَها ولا أُحَرِّمه، ومن باع لم يَجُز له حتَّى يُبيِّن، ويُكره البيع، وإن أُطْعِمَت فهو أخفُّ.
وأجاب عنها ابن مُحَرِّز: الأظهر في المذهب أَكْلُها، ومن تورَّع لم يأْكُلها.
[مختصر فتاوى البرزلي (ص ٨٨)]
* * *
(٥٠٦) السؤال: الغَلْصَمة تكون لجهة الصَّدْر، ولم يبق منها شيءٌ لجهة الرَّأس ؟
الجواب: فيها اختلافٌ كثيرٌ في المذهب؛ فذهب جماعةٌ كثيرةٌ من أصحاب مالك إلى منع أَكْلِها.
وذهب جماعةٌ كثيرةٌ منهم أيضاً إلى الجواز.
ورُوِيَ عن مالكٍ المنع، وطعن بعضهم في صحَّة هذه الرواية.
والصحيح من جهة النظر: الجواز.
[فتاوى قاضي الجماعة (ص ١٣٠ - ١٣١)]
* * *
(٥٠٧) السؤال: من ذَبَح فَرُّوجاً وقَطَع الوَدَجَين وكُلَّ ما يتعلَّق بهما، إلَّا الحُلْقوم الذي فيه الغَلْصَمة لم يُقطَع منه شيءٌ، قال اللَّخمي على هذا: لا يكون شَرْطاً في الذَّكاة على من أجاز الأَكْل، وإن كانت الغَلْصَمة للأسفل .
الجواب: إن قَطَع الذَّابح فوق الجَوْزة، وكانت الجَوْزَة أسفَ من القَطْع فهي مُغَلْصَمة، وتُؤكَل الذَّبيحة
стр. 466
على القول الصحيح.
وأمَّا إن لم يَقْطَع شيئاً من فوق الجَوْزَة ولا تحتها؛ فلا تُؤكَل.
[فتاوى قاضي الجماعة (ص ١٣١)]
* * *
(٥٠٨) السؤال: سُئِلَ [عبد الحميد الصائغ] عن الشاة تُذْبَح فتصير الغَلْصَمة -وهي الجَوْزَة، وتُسمَّى العُقْدَة- والحُلْقوم إلى البدن؛ فما اختيارك من الخلاف فيها؟ وعن أجوبةٍ من شيوخنا الموتى: فيما أجابني به أبو القاسم بن مُحَرِّز: الأظهر في المذهب أَكْلُ ها، ومن تورَّع لم يأْكُلْها.
وممَّا أجابني به أبو الطيِّب الكِنْدي: لا أختار أَكْلَها ولا أُحَرِّمها، ومن تصدَّق بها على الفقراء كان أخفُّ. وأجابني السيورى: أمَّا الغَلْصَمة فما فيها حديث يُرجَع إليه، والحيوان كُلُّ ما يُؤكَل منه لا يُؤكَل إلَّا بذَكاةٍ بإجماعٍ، والغَلْصَمة مُختَلَفٌ فيها؛ فلا يَحِلُّ أَكْل ما أُجْمِعَ على تحريمه إلَّا بذكاةٍ اجتمع الناس فيها.
وما ذكرته عن ابن أبي زَيْدٍ لا أعرفه، وكذا أبو حفص والداودي، وكنت كتبت لهما ألَّا يُفتيا في الغَلْصَمة بشيءٍ لشدَّة الخلاف فيها، وكان عندي أنَّ أبا مصعب أخبر عن أهل المدينة أنَّهم لا يُراعون الغَلْصَمة ولا يلتفتون إليها.
ابن حارث: إنَّها تُؤكَل مطلقاً، وكثير من يسأل عنها؛ هل يُذْكَر له الخلاف ويتحرَّى لنفسه ما أحبَّ واشتهى؟
ولو نزلت بجَزَّار فأراد بيعها؛ فهل يُمنَع من ذلك إذا كَثُر من يشتري منه؟ أو يُباع له مع التَّعيين؟ وإن لم يُوثَق به في التَّعيين؛ فهل يتصدَّق به عليه أحبّ أم كره؟ أو يؤمر من غير قضاء ولا يحال بينه وبينها، ويُتْرَك يأْكُلُها أو يدَّخِرُها أو يصنع بها ما شاء؟
وكيف لو غُلِب على الصدقة بها، هل يغرمها من [أجبره] عليها كالغصب للحلال؟
стр. 467
وبلغني عن السيوري أنَّه قال: تُدْفَن الذَّبيحة التي حيزت الغَلْصَمة فيها إلى البدن، تُدْفَن بموضعٍ لا يُوصَل فيها، فما تراه في هذه، وفي الصدقة على ربِّها؟
الجواب: الصواب عندي أَكْلُها. وما ذكرته عن شيخنا أبي القاسم فيه إنَّما تعلَّق به من (الإشراف) لابن المنذر، وإذا حُكَّ مع الأصول لم يثبت، والصواب أَكْلُها. ومن احتاط بتَرْك أَكْلِها، إن كان له من النظر ما يؤدَّيه إلى ذلك، فلا يبيعها أو يتصدَّق بها حتَّى يبيِّن، فإن لم يُوثَق به في البيان فيجعل معه من يُوثَق به فيبيِّن، وإن لم يوجد إلَّا بأجرة، وتكون من عند البائع.
وما ذكرته من الدَّفْن فيه صعوبة؛ مسألة اجتهادية مختلف فيه؛ فيُفتَى بدفنها إلَّا أن يكون ظهر له من اجتهاده التحريم فيعمل في نفسه، وحاله ما هو مطلوب باجتهاده، وإلَّا بغيره ممَّن هو بصفة التقليد يخبره بما ظهر له، ومن سألك عنها فبيِّنْ له خلاف المتقدِّمين والمتأخِّرين فيها.
[المعيار المعرب للونشريسي (٢/ ٢٧ - ٢٨)]
* * *
(٥٠٩) السؤال: لو انحازَتِ الجَوْزَةُ كُلُّها للبَدَن، هل تُؤكَلُ أم لا ؟
الجواب: لا، بل لا بُدَّ أن ينحاز بعض الجَوْزَة -ولو دائرة- إلى الرأس، فإن انحازت كُلُّها للبدن لم تُؤْكَل، ويقال لها: المُغَلْصَمَة. وعدم أَكْلِها هو المذهب، وهو قول مالكٍ، وابن القاسم.
وقال ابن وَهْب: تُؤْكَل، وهو مذهب الشافعيَّة.
ولو بقي من الجَوْزَة مع الرأس قَدْرُ حَلَقَة الخاتَم أُكِلَت، ولو بقي قَدْرُ نصف الدائرة جُزِئَ على قول ابن القاسم وسُحْنون في اعتبار نصف الحُلْقوم.
[فتاوى الكفوري (ص ١٠٢ - ١٠٣)]
стр. 468
(٥١٠) السؤال: رَجُلٌ من عامَّة الناس عنده خروف، دخل ذات يوم عليه وجده طلب الحلال وتكاد روحه أن تزهق، صرخ ونادى على أحدٍ من الناس يغيثه فلم يحضر إليه أحد، وخشي موت الخروف، أمسك السكِّين وحَزَّ رَقَبَة الخروف فأنْهر الدَّم، ثمَّ أحضر جَزَّاراً ليقوم بعم ليَّة سَلْخِه. قال له: إن هذه الذَّكاة «أي الذَّبْح» ليست شرعيَّة؛ لأنَّ الخَرَزة «الحُنْجَرة» في هذا الذَّبْح إلى جهة جسم الخروف، والمفروض أنَّها تُتْرَك إلى جهة رأسه سليمة غير منقوصة.
عُرِض عليَّ وعلمتُ أنَّ أحد العُلماء أجازه بأن قال بشرعيَّة هذا الذَّبْح للاضطرار، فتوقَّفْت حتَّى أستنير برأيك، مع العِلْم بأنَّها تتكرَّر كثيراً في الرِّيف، وأغلب الفلَّاحين لا يعرفون أصول الذَّبْح الشرعيِّ.
الجواب: إنَّ هذا الذَّبْح حلالٌ في ذاته ما دام قد أراق الدَّم، وإن لم يكن هو أحسن؛ لأنَّه ليس من إحسان الذِّبْحة، والنبيُّ ﷺ يقول: (إِنْ قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ).
[فتاوى الشيخ محمَّد أبو زهرة (ص ٧٠ ٥ - ٧٠٦)]
* * *
(٥١١) السؤال: عندنا في السودان يشترطون في الذَّبْح أن يكون خَلْف الخَرَزة -وهي النتوء البارز في حُلْقوم الذَّبيحة-، وإذا ذَبَح أحدٌ بهيمةً وفصل بين هذه الخَرَزة والرأس فالناس لا يأكلون ذبيحته؛ فما مدى صحَّة هذا الكلام ؟
الجواب: إذا قَطَع الحُلْقوم والمَريء، ولو فَصَل الخَرَزَة فلا بأس، وذبيحته صحيحةٌ، وإن قَطَع الأربعة؛ الحُلْقوم، والمَريء، والوَدَجَين، فهذا أكمل وأفضل.
стр. 469
[مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (٢٣/ ٨١)]
* * *
(٥١٢) السؤال: جرت العادة عند بعض القبائل أنَّهم إذا ذَبَحوا الذَّبيحة ثُمَّ ذُكِرَ اسم الله وكُلُّ ما يلزم، يقولون: إذا لم تكن الحُنْجَرة في الرأس فإنَّ هذه الذَّبيحة تعتبر حراماً أَكْلُها، وإذا كانت الحُنْجَرة رَجَعَتْ -يعني فُصِلَت [مع] الرأس- حَلَّ أَكْلُها رغم أنَّه ذُكِرَ اسم الله كما في الكتاب والسُّنَّة؛ فهل هذا صحيحٌ أم خطأٌ؟ أفيدونا وجزاكم الله عنَّا خيراً.
الجواب: هذا قال به بعض أهل العِلْم؛ أنَّ الذبيحة لا تصحُّ حتَّى تكون من دون الخَرَزة التي في أعلى الرَّقَبة، ولكن هذا ليس بصحيح، والصواب أنَّها تَحِلُّ وإن لم يَلْحَق الرأس شيءٌ من الحُلْقوم؛ لقول النبيِّ ﷺ : (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ)، والمهمُّ هو إنْهار الدَّم، وذلك بقَطْع الوَدَجَين، وهما العِرْقان الغليظان المحيطان بالحُلْقوم، هذا هو أهمُّ ما يجب في الذَّبْح بالنسبة لما يُقْطَع من الرَّقَبة، والكمال أن يُقْطَع الوَدَجان، وهما العِرقان اللَّذان ذكرنا، والمَريء وهو مجرى الطعام، والحُلْقوم وهو مجرى النَّفَس.
[فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٤١٨ - ٤١٩]
* * *
الذَّبِيحَةُ التي لَمْ يُقْطَعْ حُلْقُومُهَا
(٥١٣) السؤال: حَدَثَ أنْ ذَبَحْت شاةً، وليست هذه أوَّل مرَّة أَذْبَح فيها، فقد ذَبَحْت من قَبْل، ولكن هذه المرَّة حدث قضاءٌ وقدرٌ من الله ؛ فقد أهويت بالسكِّين على رَقَبَة الشاة، فارتفعت السكِّين لجهة الرأس، فقطعت الأوردة والوَدَجَين، ولكن لم تقطع الحُلْقوم، فلمَّا أدركت ذلك أعدت السكِّين في الحال، وقطعت جزءًا من الحُلْقوم ورميته قبل
стр. 470
موت الشاة، وقد أَكَلَ من هذه الشاة أهلي وضيوفٌ عندي، ولم يَعْلَم أحدٌ، وأنا صِرْتُ مُتحيِّراً، أرجو الإفادة.
الجواب: مثل هذه الذَّبيحة لا تَحِلُّ؛ لأنَّه في الحالة الأولى قَطَعَ ما لا تبقى معه حياةٌ، فحينئذٍ عودته وقَطْعُه الحُلْقوم أو المَريء معناه أنَّه عَمِلَه بعد أن أجهز على الذَّبيحة، فالحياة التي بقيت مع الذَّبيحة ليست مستمرَّة، وحينئذٍ فمثل هذه الذَّبيحة ليست حلالاً، كما يظهر لي، والله أعلم.
فالذَّبيحة يجب فيها قَطْع الحُلْقوم والمَريء، وفي قَطْع الوَدَجَين كلام لأهل العِلْم في كونه لازماً أو غير لازم، أمَّا الحُلْقوم والمَريء فلا بُدَّ من قطعهما، وهو أعاد قَطْعَهما بعد أن عمل عملاً لا تبقى معه حياةٌ، فهذا العمل الثاني لا أثر له في ذكاة الذَّبيحة، فالذَّبيحة ذُكِّيت وانتهت بالعمل الأوَّل، فلا يظهر لي أنَّه فعل ما يُحِلُّها أو يُبيحُها، وهي لا تَحِلُّ إلَّا بقَطْع الحُلْقوم والمَريء والوَدَجَين أيضاً على القول الراجح لأهل العلم.
[ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (١٢/ ٣١٢]
* * *
الذَّبيحَةُ إذا أُبِينَ رأسُها
(٥١٤) السؤال: سألتُ أبي عن الرَّجُلِ يَذْبَح فيُبِين الرَّأس ؟
الجواب: لا بأس به إذا سَمَّى وأراد التَّذْكِية.
[مسائل الإمام أحمد برواية صالح (١/ ١ ٥٨)]
* * *
(٥١٥) السؤال: سألتُ أبي عن الرَّجُلِ إذا ذَبَح فقَطَع رأس الذَّبيحة عامداً ؟
الجواب: إذا سَبَقَتْه السِّكِّين فلا بأس، وأمَّا عامداً فلا يُعجبني.
[مسائل الإمام أحمد برواية عبد الله (ص ٢٦٥)]
стр. 471
(٥١٦) السؤال: من ذَبَحَ ذَبيحةً فأَزال رأسها؛ هل تَحِلُّ أو لا ؟
الجواب: تحلُّ.
[فتاوى الرملي (٥/ ٢٠٨)]
* * *
(٥١٧) السؤال: لو تَعمَّد الذَّابحُ إبانَةَ الرأس؛ فهل تُؤكَل ذبيحته أم لا ؟
الجواب: تُؤكَل عند ابن القاسم، وهو الرَّاجح، أو جهلاً أُكِلَت اتِّفاقاً.
[فتاوى الكفوري (ص ١٠٥)]
* * *
قَطْعُ النُّخَاعِ الشَّوْكِيِّ بَعْدَ التَّذْكِيَةِ مُبَاشَرَةً
(٥١٨) السؤال: نحن في بلدٍ غربيٍّ، وممَّا لاحظتُه أنَّه من المتعارف عليه في هذه البلاد أثناء ذَبْح الحيوانات في عيد الأضحى حتَّى من قِبَلِ المسلمين ، أنَّ الذَّابح بعد أن يَذْبَح الأضحية بقليل، يُدْخِل السكِّين ويقَطْع النُّخاع الشَّوْكيَّ لكي لا تُعذِّبه الأضحية بحركتها بعد ذَبْحِها، وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الحيوان تُشَلُّ حركته تماماً بعد قَطْع النُّخاع الشَّوْكي الرَّقَبي منه، وهذه العمليَّة تمنع من خروج الدَّم بأكبر كمِّيَّة من جسم الأضحية، فمن الطبيعي أنَّ حركة الحيوان بعد ذَبْحِه تساعد على إخراج الدَّم من جسمه بأكبر كَمٍّ ممكن؛ فما الحُكمُ في ذلك؟
الجواب: إذا تمَّ الذَّبْح مع مراعاة الشروط المطلوبة شرعاً، فلا حرج من أن يقوم الذَّابح بوَخْز الحيوان وقَطْع النُّخاع الشَّوْكي لتخفيف أو إيقاف حركة المذبوح.
أمَّا خروج الدَّم من الذبيحة فلا علاقة له بالنُّخاع الشَّوْكي، وإنَّما يخرج بتأثير ضربات القَلْب الذي يستمرُّ في نَبْضِه بعد الذَّبْح بتأثير الجُمْلة العَصبيَّة الخاصَّة بالقَلْب، وهذه الصِّفَة المميَّزة هي التي سمحت بنَقْل القَلْب من ميِّت إلى حيٍّ.
стр. 472
[موقع المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، (رقم ٤/ ١٦)]
* * *
اتِّصَالُ النُّخَاع الشَّوْكِيِّ بَعْدَ التَّذْكِيَةِ
(٥١٩) السؤال: فضيلة الشيخ: ذَكَرتُم قَطْع الوَدَجَين في الذَّبيحة، لكنْ كثيرٌ من المسلمين يتحرَّجون من النظر إلى الذبائح وهي معلَّقة في دكاكين الجَزَّارين، حيث يرون أنَّ اتِّصال النُّخاع الشَّوكيِّ بالرأس لم يُقْطَع؛ فما حُكمُ ذلك ؟
الجواب: هذا لا يضرُّ، وهذه المسألة لم يَرِدْ عن النبيِّ ﵊ تفصيلٌ بالنسبة لما يُقْطَع، وفي الرَّقَبَة أربعة أشياء: الوَدَجان اثنان، والحُلْقوم، والمَريء. والحُلْقوم مجرى النَّفَس، وهو العِظام اللَّيِّنة المُدَوَّرة، والمَريء مجرى الطعام والشراب، وهو تحت الحُلْقوم ممَّا يلي عَظْم الرَّقَبة. هذه الأمور الأربعة تمام الذَّكاة بقَطْعِها جميعاً بلا شَكٍّ، إذا قُطِعَت جميعاً فهذا تمام الذَّكاة، فإذا قُطِعَ بعضها فإنَّ من العُلماء من يرى بأنَّ الشَّرْط قَطْع الحُلْقوم والمَريء، وأنَّ قَطْع الوَدَجَين ليس بشرط، ومنهم من يرى أنَّ قَطْع الوَدَجَين هو الشرط، وأنَّ قَطْع الحُلْقوم والمَريء على سبيل الاستحباب فقط، ومنهم من يرى أنَّ الشرط قَطْع ثلاثةٍ من الأربعة؛ إمَّا على التَّعْيين أو على عدم التَّعْيين، وهذه الاضطرابات في أقوال أهل العِلْم سببها أنَّه ليس في المسألة سُنَّةٌ قاطعةٌ تُبيِّن ما يُقْطَع في الذَّكاة، ولكنَّنا إذا نظرنا إلى المعنى الذي يدلُّ عليه قوله ﷺ : (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ فَكُلْ)، ولم يذكر اشتراط شيءٍ آخر أبداً، ثمَّ تأمَّلنا في قَطْع هذه الأمور الأربعة؛ ما الذي يحصل به إنْهار الدَّم، فإنَّه يتبيَّن أنَّ إنْهار الدَّم إنَّما يحصل بقَطْع الوَدَجَين كما هو معلوم، ثمَّ إنَّ أهل العِلْم علَّلوا تحريم المَيْتَة التي لم تُذَكَّ كالمُنْخَنِقة والمَوْقوذَة وما أشبهها
стр. 473
بأنَّه قد احتقن بها الدَّم فصارت خبيثةً به، ومعلومٌ أنَّ الوَدَجَين يحصل بهما إفراغ الدَّم تماماً؛ لهذا نرى أنَّ المعتبر في الذَّكاة إنَّما هو قَطْع الوَدَجَين فقط؛ وذلك لإشارة الحديث: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) إلى وجوب قَطْعِهما، وعدم وجود ما يوجب قَطْع الحُلْقوم والمَريء.
[فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٤١٤)]
* * *
رَفْعُ الذَّابِحِ يَدَهُ قبلَ أنْ يُكْمِلَ قَطْعَ بعضِ الحُلْقوم والوَدَج
(٥٢٠) السؤال: رَجُلٌ يَذْبَح بهيمة الأنعام، فرَفَعَ يَدَهُ ظَنًّا منه أنَّه أكْمَل الذَّبْح، فإذا بعض الحُلْقوم والوَدَج لم يُقْطَع، ثمَّ أعاد يَدَه فاسْتَكْمَل الذَّبْح لما بقي؛ أتُؤْكَل هذه الذَّبيحِة أم لا ؟
الجواب اخْتَلف في ذلك أصحاب مالكٍ؛ فقال ابن القاسم: لا تُؤْكَل، حَرامٌ.
وقال ابن وَهْب: لا بأَس بأَكْلِها. وبه أخذ سُحْنون، وبه أقول أنا.
[فتاوى ابن سُحْنون (ص ٣ ٥١ - ٣٥٢)]
* * *
(٥٢١) السؤال: رَجُلٌ رَدَّ يَدَهُ في الذَّبْح مَرَّتينِ أو ثَلاثاً ؟
الجواب: لا يَغْرَمُ ذلك إذا لم يرفع يده. وتفسير ابن عبَّاس: إذا رَدَّ يده لم تُؤكَل؛ ذلك عنده إذا رفع يده وهو يظنُّ أنَّ الذَّكاة قد ماتت، ثمَّ تَبيَّن له أنَّه بقي شيءٌ من ذلك، فردَّ يده فأتمَّ الذَّكاة؛ قال: لا تُؤكَل، وإن رفع، ثمَّ رَدَّه ليُتِمَّ ما بقي من الذَّكاة في رَفْعٍ واحدٍ؛ فإنَّها تُؤكَل.
وروى ابن وَهْب أنَّه قال: تُؤْكَلُ على كُلِّ حالٍ.
[فتاوى ابن أبي زيد القيرواني (ص ١٣٣)]
* * *
(٥٢٢) السؤال: [ما حُكمُ الذَّبيحَة
стр. 474
إذا رَفَعَ الذَّابح يده عنها للاختبار؟]
الجواب: [قال] ابن وضَّاح: رأيت سُحْنون يكْرَهُ الذَّبيحة إذا رَفَع يدهُ للخِبْرَة، بل على الجَزْم، ولو كان على الخِبْرَة لا بأس.
وعن عبد الملك: يجوزُ كيف كان إذا كان بالفَوْر.
قلت: ومنهم من عَكَس الأوَّل، ومنهم من مَنَعَ مُطلَقاً، وهو ظاهرُ (المدوَّنة). وعن [عيسى]: الكَراهة، فهي خمسة أقوال.
وأجاب ابنُ مُحَرِّز: الذي يَغلِبُ على ظَنِّه التَّمام، ثمَّ تَبيَّن عدم التَّمام، فأتمَّ فوراً؛ أُكِلَتْ.
وأجاب أيضاً: إذا رفع يده ليَخْتَبر، ثمَّ ردَّها بالقُرْب قائماً تُؤْكَل.
[مختصر فتاوى البرزلي (ص ٨٦)]
* * *
(٥٢٣) السؤال: من ارْتفَعَت يدُهُ عن الذَّبْح مغلوباً وقد قَطَع بعض الأوْداج، ثُمَّ أَعاد يَدَهُ في الفَوْر فأجْهَزها ؟
الجواب: اختُلِفَ فيها، والصَّحيح جَوازُ أَكْلِها.
[فتاوى قاضي الجماعة (ص ١٣٠)]
* * *
(٥٢٤) السؤال: سُئِلَ عبد الحميد الصائغ عمَّن إذا أَمَرَّ السكِّين على جِلْد الشاة فتضطرب، فيصبر ساعةً من غير إتمام الذَّكاة ولا رفع يده، ثمَّ يتمادى على ذكاتها، فهل يُكْرَه ويُؤثِّر فيها شيئاً أم لا؟ وما مذهبك في جواز الغَلْصَمَة إلى البدن ؟
الجواب: الصواب إمرار اليد من غير تَرَاخٍ، ويُؤكَلُ ما قُطِعَ أَوْداجُه؛ لأنَّه لا يعيش في العادة من قُطِعَت أَوْداجُه، أعني لا تطول حياته.
وأجاب ابن مُحَرِّز: الذي يُذَكَّي فيغلب على تمام التَّذْكية أو يَرَى أنَّه قد تمَّ، ثمَّ تبيَّن أنَّه لم يُتمَّ؛ فإنْ رجع بالفَوْر فأتمَّ ذكاته أُكِلَت، وإن تباعد لم تُؤكَلْ.
стр. 475
فإن قَطَع من الحُلْقوم والأَوْداج الأقلَّ والذي بقي الأكثر، فلا خلاف أنَّه لا يُؤكَل إذا تباعد. وإن كان الباقي هو الأقل ففيها اختلاف العُلماء. وعندنا لا يُؤكَل إلَّا بتمام الذَّبْح؛ وهو قَطْع الأَوْداج والحُلْقوم.
وأجاب أيضاً: إذا رفع يده ليختبر ثمَّ رَدَّها بالقُرْب أو للوَقْت، فإنَّها تُؤكَل، وإنَّما يعتبر الطُّول والقُرْب لا قَطْع الأَوْداج والحُلْقوم. وأمَّا الذي مَرَّ في القَطْع ثمَّ استردَّ قَبْل رَفْع يده فأتمَّ، فلا يضرُّه، وتُؤكَل الذَّبيحة.
[المعيار المعرب للونشريسي (٢/ ٢٤ - ٢ ٥)]
* * *
(٥٢٥) السؤال: سُئِلَ القَابِسِيُّ عن طائرٍ يذبحه رَجُلٌ فيضطرب في يده، فيرفع السكِّين ثمَّ يُعيدُها فيُتمَّ الذَّبْحَ، أتُوْكَل ؟
الجواب: فيها اضطرابٌ بين أصحابنا؛ فمنهم من قال: هي بمنزلة من شكَّ في صلاته؛ فيخرج ثمَّ يرجع بالفور فيُتمُّ صلاته وتجزئه، فكذلك هذه تُوْكَلُ. ومنهم من قال: هي بمنزلة من سَلَّم على شكٍّ ثمَّ رجع للإصلاح، فلا تجزئه، فكذلك هذه إذا رفع يده متيقِّن التَّمام، ثمَّ رجع فأتمَّ فلا تُوْكَل.
قال القابِسيُّ: وسُئِلَ عنها أبو محمَّد، فأجاب عنها مرَّة بالأَكْل ومرَّة بعدمه، فقيل له: فما تقول أنت؟ فذكر جواب السيوري المتقدِّم، إمَّا أن يحصل فيها ما تعيش معه أم لا.
[المعيار المعرب للونشريسي (٢/ ٢٩ - ٣٠)]
* * *
(٥٢٦) السؤال: هل إذا رُفِعَت يد الذَّابح قبل تمام الذَّبْح بغير اختياره -كاضْطراب الدَّابَّة، أو انْحلال وثائقها- فعاد فوراً وأتمَّ الذَّبْح؛ تَحِلُّ الذَّبيحَة أم لا ؟
الجواب: نعم تَحِلُّ.
[فتاوى الرملي (٥/ ٢٠٣)]
стр. 476
(٥٢٧) السؤال: لو رَفَع الذَّابح يَدَهُ قبل تَمام الحُلْقوم والوَدَجَين؛ فهل تُؤكَل أم لا ؟
الجواب: إن لم يُنْفِذ شيئاً من مَقاتِلها أُكِلَت بلا خلاف، وإن كان أَنْفَذَ شيئاً منها؛ فإمَّا أنْ يرجع عن قُرْب فإنَّها تُؤكَل أيضاً، ولا تحتاج إلى تَسْميةٍ ونيَّةٍ إن كان الرَّاجح هو الأوَّل، وإمَّا أن يرجع عن بُعْدٍ فإنَّها لا تُؤكَل حيث أنْفَذَ شيئاً من مَقاتِلها.
والقُرْب: ثلثمائة ذراع كما أفتى به ابن قَدَّاحٍ وابن العَطَّار في ثَوْرٍ ذهب قبل إتمام ذكاته، ثُمَّ أُضْجِع وأُتْمِمَت ذكاته، وكانت مسافة هروبه نحو ثلثمائة باع؛ فالبُعْد ما زاد عليها.
ولا بُدَّ من النِّيَّة والتَّسْمِية إن كان عَنْ بُعْدٍ مُطلَقاً، أو قُرْب، وكان الثاني غير الأوَّل، وإلَّا لم يحتج لذلك، كما هو ظاهر الطُّخَيْخِي.
واستُفيد من هذا أنَّه لا يُشترَط في الذَّابح الاتِّحادُ؛ فيجوز وَضْعُ شَخْصَيْن يَدَيْهما على محلِّ الذَّبْح بآلةٍ مع كلٍّ منهما، وذَبْحُهُما معاً مع النَّيَّة والتَّسمِية من كُلٍّ منهما، وكذا فيما يظهر إذا وضع شخصٌ الآلَة على وَدَج، وآخر الآلةَ على الآخَرِ وقَطَعَا جميعاً الوَدَجَين والحُلْقوم.
[فتاوى الكفوري (ص ١٠١ - ١٠٢)]
стр. 477
ثانياً: ذبائح أهل الكتاب
(٥٢٨) السؤال: هل يجوزُ أَكْلُ دجاج الثلَّاجة القادم من دُوَلٍ إنجليزيَّة ؟
الجواب: إنَّ الشريعة الإسلاميَّة أباحت لنا طعام أهل الكتاب؛ فكُلُّ الذَّبائح التي تأتي من اليهود والنصارى جائزة، ما لم يُعْلَم أنَّها ذُبِحَت على غير الطريقة الإسلاميَّة، أمَّا الذَّبائح المُستورَدة من البلاد الشيوعيَّة أو بلاد غير أهل الكتاب؛ فإنَّها مُحرَّمة قطعاً، إلَّا إذا ثبت أنَّ ذَبْحَها تمَّ على الطريقة الإسلاميَّة، والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ١١)]
* * *
(٥٢٩) السؤال: ما حُكمُ أَكْل اللُّحوم والدَّجاج المذبوح في بلاد اليهود والنَّصارى ؟ وكذلك غيرها من المطبوخات؛ مثل البطاط والبيتزا بالخضار؟ لأنَّ بعض الناس يقول: إنَّها مطبوخة بزيوتٍ لا نعلم عنها.
الجواب: إنَّ الشريعة الإسلاميَّة أباحت لنا طعام أهل الكتاب، فكُلُّ الذَّبائح التي تأتي من اليهود والنصارى جائزةٌ، ما لم يغلب على الظنِّ أنَّها ذُبِحَت على غير الطريقة الإسلاميَّة، والله تعالى أعلم.
[مجموعة الفتاوى الشرعيَّة الكويتية (٢٨/ ٣٤٠)]
* * *
(٥٣٠) السؤال: اطَّلَعنا على السؤال المقدَّم ... المتضمِّن بيان الحُكْم الشرعي فيما إذا دُعِيَ المسلمُ لوليمةٍ عند نصرانيٍّ وقدَّم له فيها طيراً ذُبِح على غير الطريقة الإسلاميَّة ؟
الجواب: يقول جمهور المفسِّرين للقرآن والفقهاء: إنَّ المراد من قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] الذَّبائح أو اللحوم؛ لأنَّها هي التي كانت موضع الشكِّ، أمَّا باقي
стр. 478
أنواع المأكولات فقد كانت حلالاً بحكم الأصل؛ وهو الإباحة والحلُّ؛ فقد نقل ابنُ جرير وابنُ المنذر والبيهقي وغيرهم عن ابن عبَّاس ﵄ تفسير قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ أي ذبائحهم. وما جاء بالسؤال من أنَّ السائل يقول: إذا دُعِيَ المسلمُ لوليمةٍ عند نصرانيٍّ وقُدِّم له فيها طيرٌ ذُبِح على غير الطريقة الإسلاميَّة، فقد سُئِل رسول الله ﷺ عن هذا حسبما رواه الدارقطني، قال: (إِنَّ قَوْماً سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ لَحْمٍ يَأْتِيهِمْ مِنْ أُنَاسٍ لَا يُدْرَى أَسَمُّوا اللهَ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ ﵊: سَمُّوا اللهَ عَلَيْهِ، وَكُلُوا)، وقد روي عن عائشة ﵂ أنَّهم قالوا: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ الْقَوْمَ حَدِيثُو عَهْدٍ بِشِرْكٍ يَأْتُونَا بِلحْمٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَمْ يَذْكُرُوا. فَقَالَ: سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا) أخرجه البخاري.
كما حفلت كتب السُّنَّة والسِّيرة بأنَّ رسول الله ﷺ كان يأْكُل من ذبائح اليهود دون أن يسأل هل سَمُّوا الله عند الذَّبْح أم لا؟ وكذلك الصحابة رضوان الله عليهم.
وعلى ذلك؛ فذبيحة كُلِّ من أطاق الذَّبْح من مسلم أو كتابيٍّ حلالٌ بتلك النصوص إذا لم يُعلَم حال الذَّابح إن كان سَمَّى باسم الله أو لم يُسَمِّ، أو ذَكَر اسمَ غير الله أو لا، وذلك ما لم يتبيَّن أنَّها لم تُذْبح وإنَّما أُميتت بالصَّعْق بالكهرباء، أو بالقذف في الماء المغليِّ، أو بالضَّرْب على الرأس، أو ما شابه ذلك، أو ذُكِر عليها اسمُ غير الله، فإذا شوهد ذلك أو عُلِم به عِلْماً يقيناً، فإنَّها في هذه الحالة تعتبر مَيْتةً مُحرَّمة؛ لأنَّها بهذا تدخل في آية المُحرَّمات. وبهذا يُعلَم الجواب. والله أعلم.
[الفتاوى الإسلاميَّة من دار الإفتاء المصرية (٢٣/ ٨٨١٣ - ٨٨١٤)]
* * *
(٥٣١) السؤال: ما هو الرأي في طعام
стр. 479
أهل الكتاب؟ مع العِلْم بأنَّ الذَّبْح عندهم غير شرعيٍّ.
الجواب: طعام أهل الكتاب إن كان لا يحتاج إلى ذكاة -أي ذَبْح- فلا خلاف بين العُلماء في حِلِّ أَكْلِه.
أمَّا ذبائح أهل الكتاب؛ وهم النصارى واليهود؛ فقد قال الشوكاني في تفسيره لآية: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] قال: الطعام اسمٌ لما يُؤْكَل، ومنه الذبائح.
وذهب أكثر العُلماء إلى تخصيصه هنا بالذبائح.
وفي هذه الآية دليلٌ على أنَّ جميع طعام أهل الكتاب من غير فَرْق بين اللَّحم وغيره حلالٌ للمسلمين، وإن كانوا لا يذكرون على ذبائحهم اسمَ الله، وتكون هذه الآية مخصِّصة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وظاهر هذا أنَّ ذبائح أهل الكتاب حلالٌ وإن ذَكَر اليهوديُّ اسمَ عُزَيْرٍ على ذبيحته، وذَكَر النَّصرانيُّ على ذبيحته اسمَ المسيح.
وإليه ذهب أبو الدَّرْداء، وعُبادة بن الصامت، وابن عبَّاس، والزُّهْري، ورَبيعة، والشَّعْبي، ومَكْحول.
وقال عليٌّ، وعائشة، وابن عمر: إذا سَمِعْتَ الكتابيَّ يُسمِّي غير الله فلا تأكل.
وهذا هو قول طاووس، والحسن.
وتمسَّكوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]، وقال مالك: إنَّه يُكْرَه ولا يَحرُم.
ثمَّ قال: وهذا الخلاف ينصبُّ على ما إذا عَلِمْنا أنَّ أهل الكتاب ذكروا اسم غير الله على ذبائحهم، أمَّا مع عدم العِلْم فقد حكى [الكيا] الطَّبَري وابن كثير الإجماع على حِلِّها؛ لهذه الآية، ولما ورد في السُّنَن من أَكْلِه ﷺ من الشاة المَصْلِيَّة التي أهدتها إليه اليهوديَّة، وهو
стр. 480
في الصحيح وغير ذلك.
وعلى هذا؛ فطعام أهل الكتاب غير الذبائح حلال ولا شيء فيه. أمَّا ذبائحهم فما تأكَّد أنَّه ذُكِر عليها اسم غير الله لا يَحِلُّ أَكْلُه، وعند عدم العِلْم بذلك فيَحِلُّ أَكْلُه؛ لحديث (سَمِّ وكُلْ)، والله أعلم.
[فتاوى دار الإفتاء المصرية (١٠/ ٣ ٥٥٨ - ٣٥٦٠)]
* * *
(٥٣٢) السؤال: بكتاب الهيئة العامَّة للرقابة على الصادرات والواردات ، وقد جاء به أنَّ الهيئة تلقت استفساراً من فرعها بالعريش عن مدى الاعتداد بشهادات الذَّبْح المرافقة لرسائل الدَّواجن المُجمَّدة الواردة من إسرائيل، والتي تفيد أنَّ الذَّبْح قد تمَّ حسب الشريعة اليهوديَّة والمقبولة في الشريعة الإسلاميَّة.
وأنَّ الهيئة ترجو الإفادة عن الرأي الشرعيِّ في الذَّبْح بصفة عامَّة على الشريعة اليهوديَّة، ومدى موافقتها للشريعة الإسلاميَّة، حتَّى يتسنَّى إذاعة هذا الرأي على فروع الهيئة.
الجواب: إنَّ الله قال في كتابه الكريم: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وقد اتَّفق عُلماء الإسلام على أنَّه لا يَحِلُّ شيءٌ من الحيوان المأكول البرِّي المقدور عليه بدون ذكاةٍ (أي ذَبْح)؛ لقوله سبحانه في آية المُحرَّمات السابقة: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]؛ فقد استثنى الله الحيوان المذكَّى من المُحرَّم و (الاستثناء من التحريم إباحة)، والذَّكاة الشرعيَّة التي يَحِلُّ بها الحيوان البرِّي المقدور عليه هي: أن يُذْبَح الحيوان أو يُنْحَر
стр. 481
بآلةٍ حادَّة ممَّا يُنْهِر الدَّم ويَفْري الأوداج، أي: يُفجِّر دَمَ الحيوان ويقْطَع عُروقه من الرَّقبة بين الرأس والصَّدْر، فيموت الحيوان إثْرِها، وأكمل الذَّبْح أن يُقْطَع الحُلْقوم والمَريء -وهما مجرى الطعام والشراب والنَّفَس-، وأن يُقْطَع معهما الوَدَجان -وهما عِرْقان غَليظان بجانبي الحُلْقوم والمَريء-.
والذَّبْح معروف بالفِطْرة والعادة لكُلِّ الناس، وقد أقرَّ الإسلام بيُسْره وسماحته وبساطته ما جرت به عادة الناس وأعرافهم، وأقرَّته سُنَّة رسول الله ﷺ الفعليَّة في ذَبْح الأُضحية.
ومِنْ ثَمَّ فما أثاره بعض الفقهاء من أنَّه هل من الواجب في الذَّبْح قَطْع الأربعة (الحُلْقوم والمَريء والوَدَجَين)؟ وهل يجب في المقطوع قَطْع الكُلِّ أو الأكثر؟ وهل يُشترط في القَطْع ألَّا تُقْطَع الجَوْزَة إلى جهة البدن، بل إنَّما تُقْطَع إلى جهة الرأس؟ وهل إن قُطِعَت من جهة العُنُق حَلَّ أَكْلُها أم لا؟ وهل من شَرْط الذَّكاة ألَّا يرفع الذَّابح يده عن الذَّبيحة حتَّى تتمَّ الذَّكاة أم لا؟ كُلُّ هذه التساؤلات خاض فيها الفقهاء دون اعتماد على نصٍّ صريح باشتراطها، والذى ينبغي مراعاته، هو إنْهار دم الحيوان من موضع الذَّبْح المعروف عادةً وعُرْفاً بقَطْع تلك العُروق كُلِّها أو أكثرها؛ للحديث الشريف الصحيح: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْوا) رواه البخاري وغيره، وقول الرسول ﷺ : (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) رواه مسلم عن شداد بن أوس، وما رواه ابن عمر عن رسول الله ﷺ : (إِذَا ذَبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجْهِزْ) رواه ابن ماجه.
هذا وقد قال أهل اللُّغة: إنَّ كُلَّ ذَبْح ذكاةٌ، وإنَّ معنى التَّذْكية في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] أي:
стр. 482
ما أدركتم وفيها بقيَّة تَشْخُب معها الأَوْداج، وتضطرب اضطراب المذبوح الذي أُدْرِكَت ذكاتُه.
ذَبائِحُ أَهْل الكِتَاب
اليهود والنصارى هم أهل الكتاب، لأنَّهم في الأصل أهل توحيد، وقد جاء حكم الله في الآية بإباحة طعامهم للمسلمين، وإباحة طعام المسلمين لهم في قوله سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ومعنى هذه الآية على وجه الإجمال -والله أعلم-: أنَّ طعام الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى حِلٌّ لكم بمقتضى الأصل، لم يُحرِّمه الله، وطعامكم كذلك حِلٌّ لهم؛ فلا بأس أن تأكلوا من اللحوم التي ذَكُّوا حيواناتها، أو التي صادوها، ولكم أن تُطعموهم ممَّا تُذكُّون وممَّا تصطادون.
وكلمة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] عامَّة تشمل كُلَّ طعام لهم، فتَصْدُق على الذبائح والأطعمة المصنوعة من موادَّ مباحة، فكُلُّ ذلك حلالٌ لنا، ما لم يكن مُحرَّماً لذاته، كالمَيْتَة، والدَّم المسفوح، ولحم الخنزير؛ فهذه لا يجوز أَكْلُها بالإجماع، سواء كانت طعام مسلم أو كتابيٍّ.
هل يُشْترَطُ أن تكون ذَبائِحُهُم مُذَكَّاةً بآلَةٍ حَادَّةٍ، وفي الحَلْق؟
لقد اشترط أكثر فقهاء المسلمين لحِلِّ ذبائح أهل الكتاب أن يكون الذَّبْح على الوجه الذي ورد به الإسلام، وقال بعض فقهاء المالكيَّة: إن كانت ذبائحهم وسائر أطعمتهم، ممَّا يعتبرونه مُذَكًّى عندهم حَلَّ لنا أَكْلُه، وإن لم تكن ذكاته عندنا ذكاة صحيحة، وما لا يرونه مُذكًّى عندهم لا يَحِلُّ لنا، ثمَّ استدرك هذا الفريق فقال: فإن قيل: فما أَكَلوه على غير وجه الذَّكاة؛ كالخَنْق وحَطْم الرأس؟ فالجواب أنَّ هذه مَيْتَة وحَرامٌ بالنصِّ، فلا نأْكُلُها
стр. 483
نحن كالخنزير؛ فإنَّه حلالٌ ومن طعامهم، وهو حَرامٌ علينا. فهذه أمثلة، والله أعلم (أحكام القرآن لابن العربي - المجلد الثاني ص ٥٥٣ - ٥٥٦، طبعة دار المعرفة).
وفي فقه الإمام أبي حنيفة: إنَّما تُؤكَل ذبيحة الكتابيِّ إذا لم يُشهَد ذبحه، ولم يُسمَع منه شيء، أو سُمِع وشُهِد منه تسمية الله تعالى وحده، وقد رُوي عن الإمام علي بن أبي طالب حين سُئِلَ عن ذبائح أهل الكتاب قوله: «قَدْ أحلَّ اللهُ ذبائحَهم وهو يَعلمُ ما يقولون» (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني ج - ٥ ص ٤٥ و ٤٦).
وفي فقه الإمام الشافعي (نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي ج ٨ ص ١٠٧، والإقناع بحاشية البيجرمي ج ٤ ص ٥٦): أنَّه لو أخبر فاسق أو كتابيٌّ أنَّه ذَكَّى هذه الشاة قَبِلْناه؛ لأنَّه من أهل الذَّكاة.
وما تشير إليه هذه النصوص الفقهيَّة يمكن تجميعه في القاعدة التي قرَّرها الفقهاء؛ وهي: أنَّ (ما غاب عنَّا لا نسأل عنه).
إذ أنَّه ليس على المسلم أن يسأل عمَّا غاب عنه، كيف كانت ذكاته؟ وهل استوفت شروطها أم لا؟ وهل ذُكِر اسمُ الله على الذَّبيحة أم لم يُذْكَر؟ بل إنَّ كُلَّ ما غاب عنَّا ممَّا ذَبَحَه مسلمٌ [-أيًّا كان جاهلاً أو فاسقاً-] أو كتابيٌّ، حَلَّ أَكْلُه.
والأصل في هذا الحديث الذي رواه البخاري، (أَنَّ قَوْماً سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّ قَوْماً يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ، لَا نَدْرِي أَذَكَروا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ ﷺ : سَمُّوا اللهَ عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوا).
فقد قال الفقهاء: إنَّ في هذا الحديث دليلاً على أنَّ التصرُّفات والأفعال تُحمَل على حال الصحَّة والسَّلامة حتَّى يقوم دليل على الفساد والبُطلان.
لمَّا كان ذلك؛ كان الأصل العامُّ المقرَّر من الله في القرآن الكريم في
стр. 484
آيتي (٣ و ٥) سورة المائدة أنَّ هناك مُحرَّمات استُثْني فيها المُذكَّى، وأنَّ هناك إباحة لطعام أهل الكتاب، اليهود والنَّصارى، ومِنْ طعامهم الذَّبائح، والارتباط بين حكمي الآيتين قائم، فلا بُدَّ أن نُحرِّم من ذبائحهم ما يُعتبَر بحُكم القرآن مَيْتةً أو مُنْخَنِقةً، أو مَوْقوذَةً، أو مُتَردِّيةً، أو نَطيحَةً، أو انتهت حياتها بأحد هذه الأسباب ولم تُدْرَك بالذَّكاة، وكان مع هذا علينا أن نرعى وصايا الرسول ﷺ في هذا الشأن ونعمل بها؛ فقد أخرج البزَّار والطَّبراني من حديث أبي الدرداء بسند حسن: (مَا أَحَلَّ اللهُ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ اللهِ عَافِيَتَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ لِيَنْسَى شَيْئاً)، وما أخرجه الطَّبراني من حديث أبي ثَعْلَبة: (إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ، فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ، فَلَا تَنْتَهِكُوهَا وَحَّدَ حُدُودًا، فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا)، وفي لفظ: (وَسَكَتَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَتَكَلَّفُوهَا رَحْمَةً لَكُمْ، فَاقْبَلُوهَا).
وقد روى الترمذي وابن ماجه من حديث سَلْمان أنَّ رسول الله ﷺ سُئِلَ عَنِ الجُبْنِ وَالسَّمْنِ وَالفِرَاءِ الَّتي يصنَعُها غيرُ المسلمينَ، فقال: (الحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ) (الأشباه والنظائر للسيوطي تحقيق المرحوم الشيخ حامد الفقي سنة ١٣٥٦ هجريَّة - ١٩٣٨ م ص ٦٠ في باب الأصل في الأشياء الإباحة حتَّى يدلَّ الدليل على التحريم)؛ إذ أنَّ هذه الأحاديث تدلُّ صراحةً على أنَّه لا ينبغي أن نُسارع إلى تحريم شيء لم يُحرِّمه الله صراحةً، ولا بُدَّ أن نتثبَّت قبل التحريم، وأن نُرجع الأمر إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ .
وإذا كان الله ورسوله قد بيَّنا
стр. 485
للمسلمين الحلال والحرام على هذا النحو الذي لا شُبْهة فيه؛ كان الحكم الشرعيُّ العامُّ أنَّ ذبائح اليهود والنصارى حِلٌّ للمسلمين بنصِّ القرآن الكريم وبسُنَّة رسول الله ﷺ قولاً وفعلاً؛ فقد ثبت في الصحيحين (أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأ مِنْ مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ)، ولم يسألْها عن دِباغِها، ولا عن غسلِها. (المزادةُ وعاءٌ من جِلْدٍ من طبقةٍ أو طبقتين أو ثلاث يحمل فيه الماء. المصباح وتاج العروس في مادة زود).
وللخبر المشهور من حديث أنس ﵁: (أَنَّ يَهُودِيَّةً أَهْدَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَاةً مَسْمُومَةً فَأَكَلَ مِنْهَا) أي: دون أن يسأل عن طريق ذَبْحِها، أو يتحقَّق من آلة الذَّبْح. (الروض النضير ج ٣ ص ١٦٧ وما بعدها).
لمَّا كان ذلك، ونزولاً على ما صرَّح به الفقهاء من قبول خبر المسلم الفاسق أو الجاهل وخبر الكتابيِّ في حِلِّ الذَّبيحة، باعتبار أنَّ كُلًّا منهم أهلٌ للذَّكاة بنصِّ القرآن والسُّنَّة، على ما سلف بيان سنده؛ يجوز الاعتداد بشهادات الذَّبْح المرافقة لرسائل الدَّواجن واللحوم التي تُستورَد من بلادٍ يقوم بالذَّبْح فيها كتابيُّون (اليهود والنصارى).
وذلك ما لم يظهر من فحص رسائل الدَّواجن واللحوم المستوردة أنَّها لم تُذْبح، وإنَّما أُمِيتَت بالصَّعْق بالكهرباء، أو بالقَذْف بالماء المَغْلي، أو في البُخار، أو بالضرب على الرأس، أو بإفراغ محتوى المسدَّس المُميت في رأسها، أو متى ظهر أنَّها قد أُزهِقَت أرواحها بطريق من هذه الطُّرُق وأمثالها، أصبحت مَيْتةً مُحرَّمة؛ لأنَّها بهذا تدخل في نطاق آية المُحرَّمات (الآية الثالثة) في سورة المائدة.
ولمَّا كان الحلال والحرام من أمور الإسلام التي قَطَع فيها كُلُّ من القرآن
стр. 486
والسُّنَّة بالنصوص الواضحة التي يجب العمل بها جميعاً، كان على المسؤولين عن الرَّقابة على الواردات من اللحوم والدَّواجن المذبوحة، بل والمعلَّبة، التثبُّت ممَّا إذا كانت قد ذُبِحَت، أو أُزهِقَت روحها بطريق جَعَلَها من تلك المُحرَّمات، وأن تطالب الجهة المُورِّدة بوضوح الشهادة؛ وذلك بتحديد طريق الذَّبْح ومكانه؛ بأن يكون بآلةٍ حادَّةٍ، وفيما بين الرأس والصَّدْر، وليس بالصَّعْق أو الخَنْق وأمثالهما، على ما سبق بيانه؛ ذلك لأنَّ اليهود بوصفٍ عامٍّ أصحاب كتابٍ سماويٍّ شرع الذَّبْح تحليلاً لأكل الحيوانات المسخَّرة للإنسان، ومثلهم النَّصارى باعتبارهم من أهل الكتاب أيضاً، غير أنَّه يُشترط أن تكون اللحوم ممَّا أباح الإسلام تناولها.
وإذا كان ما تقدَّم وترتيباً عليه، ومراعاةً تلك القيود، يجوز الاعتداد بشهادات الذَّبْح المرافقة لرسائل الدَّواجن المُجمَّدة المسؤول عنها، ما لم يظهر من الفحص أنَّها لم تُذْبح وإنَّما أُزْهِقت روحها بطريق آخر؛ كالصَّعْق أو الخَنْق، وأنَّه من باب الاحتياط للحلال والحرام؛ أقترح أن تُطالَب الجهة المُوِّردة ببيان طريق الذَّبْح، وألَّا يُكتفى في الشهادة بأنَّ الذَّبْح تمَّ حسب الشريعة اليهوديَّة.
هذا، وإنَّ الله سائلٌ كُلَّ راعٍ عمَّا استرعاه، حفظ أم ضيَّع، والعمل أمانة، والرقابة على أقوات الناس وأطعمتهم أمانة؛ قال تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، والله أعلم.
[الفتاوى الإسلاميَّة من دار الإفتاء المصرية (١٠/ ٣٦٠٩ - ٣٦١ ٥)]
* * *
(٥٣٣) السؤال: السائل قرأ تفسيراً لقول الله سبحانه في القرآن الكريم في سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ
стр. 487
حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة:٥] إلى آخر الآية الكريمة، وهذا التفسير باللُّغة الإنجليزيَّة لمؤلِّفه المفسِّر محمَّد أحمد، والمنشور في ١٩٧٩ م بلندن بإنجلترا، وقد قال في (صحيفة ١١٠) تفسيراً لهذه الآية ما ترجمته: «اليوم أُحِلَّ لكم الطيِّبات من الرزق، كما يَحِلُّ لكم أن تأكلوا من طعام أهل الكتاب، كما أنَّ ذبيحة اليهود والمسيحيِّين مسموحٌ لكم بها، وطعامكم مسموحٌ حِلٌّ لهم، ويجوز لكم الزواج بالحرائر المؤمنات، وكذا من حرائر اليهود والمسيحيَّات، على أن تعطوهنَّ المُهور».
والسؤال هو: هل يجوزُ للمسلم أن يأْكُل من ذبيحة اليهود والنصارى كما فسَّرها الأخ محمَّد أحمد في تفسيره هذا باللُّغة الإنجليزيَّة؟ مع العِلْم بأنَّ ذبيحتهم لم يُذْكَر اسمُ الله عليها، كما أنَّ المسيحيِّين لا يذبحون البهيمة إلَّا بعد خَنْقِها أو كَتْم أنفاسها نتيجة ضربةٍ بما يُشبه المسدَّس.
الجواب: إنَّ جمهور المفسِّرين للقرآن والفقهاء قد قالوا بمثل ما جاء في هذا التفسير المترجَم؛ إذ قالوا: إنَّ المراد من كلمة: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] في هذه الآية الذبائح أو اللحوم؛ لأنَّها هي التي كانت موضع الشكِّ، أمَّا باقي أنواع المأكولات فقد كانت حلالًا بحكم الأصل، وهي الإباحة والحِلُّ، فقد نقل ابن جرير وابن المنذر والبيهقي وغيرهم عن ابن عبَّاس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]؛ أي: ذبائحهم.
وأمَّا ما جاء بالسؤال من أنَّ اليهود والنصارى لا يُسَمُّون على الذبائح وقت الذَّبْح باسم الله تعالى، فقد سُئِلَ رسول الله ﵌ عن هذا حسبما رواه الدارقطني قال: (إِنَّ قَوْماً سَأَلُوا النَّبِيَّ ﵌ عَنْ لَحْمٍ يَأْتِيهِمْ مِنْ نَاسٍ لَا يُدْرَى أَسَمُّوا اللهَ عَلَيْهِ، أَمْ لَا؟ فَقَالَ
стр. 488
عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: سَمُّوا اللهَ أنتُمْ وكُلُوا).
كما حفلت كتب السُّنَّة والسِّيرة بأنَّ رسول الله ﵌ كان يأْكُل من ذبائح اليهود دون أن يسأل هل سَمُّوا الله عند الذَّبْح، أم لا. وكذلك الصحابة رضوان الله عليهم.
وأمَّا ما جاء بالسؤال من أنَّ النصارى لا يذبحون، وإنَّما يُمِيتُون الحيوان بالخَنْق أو بضَرْب الرأس بنحو المُسدَّس؛ فإنَّه إذا تبيَّن أنَّ الحيوان مخْنوقٌ، وأنَّه لم يُذبَح من المحلِّ المعروف بقَطْع الأربعة العُروق؛ الوَدَجَين، والمَريء، والحُلْقوم، أو أكثرها، كان على المسلم الامتناع عن أَكْل لحمه؛ لأنَّه يدخل بهذا الاعتبار في الآية الأخرى في سورة المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [المائدة: ٢].
لمَّا كان هذا هو ما نقله المفسِّرون والفقهاء وأصحاب كتب السنة تفسيراً لهذه الآية، وهو موافق للترجمة الواردة في السؤال، كان ما قال به ذلك المفسِّر في ترجمته على هذا الوجه الوارد بالسؤال صواباً لا خروج فيه على حكم الإسلام. والله أعلم.
[موقع دار الإفتاء المصرية (رقم ١٩٨٤)]
* * *
(٥٣٤) السؤال: لي ابنٌ يَدْرُس في بلدٍ أجنبيٍّ (أوكرانيا)، ويسألني: هل يجوزُ له أَكْل لحم الدَّجاج واللُّحوم؟ حيث إنَّه منذ ثلاث سنوات لم يأْكُل لحماً ولا دجاجاً، مع العلم بأنَّه يوجد هناك دجاج ولحم، والدولة نصرانيَّة، ويقوم بعمليَّة الذَّبْح نصارى. أف توني جزاكم الله خيراً.
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله.
стр. 489
لقد أحلَّ الله لنا ذبائح اليهود والنَّصارى إذا ذُبِحَت بطريقةٍ توافق الشريعة الإسلاميَّة، وذلك بقَطْع المَريء والبلعوم، أي الذَّبْح في الرَّقَبَة بآلةٍ حادَّة، ولو لم يُسَمُّوا عليها الله . والبُلدان النَّصرانيَّة منهم من يذْبَح بهذه الطريقة، ومنهم من يقتل بالصَّعْق الكهربائي، ولذا ينبغي لولدك أن يسأل عن طريقة الذَّبْح، فإذا لم يظهر له ما يخالف الشريعة الإسلاميَّة فله أن يأْكُل ذبائحهم. وأودُّ التذكير بأنَّ السَّمَك يُؤْكَل بغضِّ النَّظر عمَّن اصطاده، وأنَّ البَيْض يُباح أَكْلُه بغضِّ النظر عن أصحاب الدَّجاج، وبإمكان ولدك أن يكتفي بالسَّمَك والبَيْض ويستغني عن أَكْل ما فيه شكٌّ.
والله تعالى يحفظه ويحفظ جميع المسلمين من الوقوع في المُحرَّمات، إنَّه سميعٌ مجيبٌ، والله تعالى أعلم.
[فتاوى دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٦١٩)]
* * *
(٥٣٥) في ١١ - ١٢ من أبريل لعام ١٩٨٤ م عقد مجلس الفتوى الوطني الماليزي الجلسة (٧) للمباحثة في قضيَّة أَكْل ذبيحة أهل الكتاب . وأصدر المجلس قراره بجواز أَكْل ذبيحة أهل الكتاب الأصليِّين، بشَرْط أن يكون الذَّبْح وفقاً لقواعد الذَّبْح في الشريعة الإسلاميَّة
[قرارات مذاكرة لجنة الفتوى بالمجلس الوطني للشؤون الإسلاميَّة الماليزية (ص ٩٧)]
* * *
(٥٣٦) السؤال: قلتُ: هل كان مالكٌ يكره ذبائح اليهود والنَّصارى من أهل الحَرْب ؟
الجواب: قال: أهلُ الحَرْب والذين عندنا من النَّصارى واليهود عند مالكٍ سواءٌ في ذبائحهم، وهو يكره ذبائحهم كلَّهم من غير أنْ يُحرِّمَها، ويكره شراء اللَّحم من مجازرهم ولا يراه حَراماً.
стр. 490
قال مالكٌ: وبلغني أنَّ عمر بن الخطَّاب كتب إلى البلدان ينهاهم أن يكون النَّصارى واليهود في أسواقهم صيارِفَةً أو جَزَّارين، وأن يُقاموا من الأسواق، فإنَّ الله ﵎ قد أغنانا بالمسلمين.
[المدوّنة الكبرى (١/ ٥٤٥)]
* * *
(٥٣٧) السؤال: ذبيحةُ الذِّمِّيِّ الكِتابيِّ هل تَحِلُّ مُطلقاً أو لا ؟
الجواب: تَحِلُّ ذبيحة الكتابيِّ؛ لأنَّ من شَرْطها كون الذَّابح صاحب مِلَّة التَّوحيد حقيقةً كالمُسلم، أو دَعوًى كالكتابيِّ، ولأنَّه مُؤمنٌ بكتابٍ من كُتُب الله تعالى، وتَحِلُّ مُناكحتُهُ، فصار كالمسلم في ذلك، ولا فَرْقَ في الكِتابيِّ بين أن يكون ذِمِّيًّا يهوديًّا أو نصرانيًّا، حربيًّا، أو عربيًّا، أو تَغْلِبيًّا؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والمراد بطعامهم مُذكَّاهُم؛ قال البخاري رحمه الله تعالى في (صحيحه): قال ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما: «طَعَامُهُمْ ذَبَائِحُهُمْ»، ولأنَّ مُطلَق الطَّعام غير المُذكَّى يَحِلُّ من أيِّ كافر كان بالإجماع، فوجب تخصيصه بالمُذكَّى، وهذا إذا لم يُسمَع من الكتابيِّ أنَّه سَمَّى غير الله تعالى؛ كالمسيح والعُزَيْر، وأمَّا لو سُمِعَ فلا تَحِلُّ ذبيحتُهُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]، وهو كالمُسلم في ذلك.
وهل يُشترط في اليهوديِّ أن يكون إسرائيليًّا، وفي النَّصرانيِّ ألَّا يعتقد أنَّ المسيح إلهٌ؟ مقتضى إطلاق (الهداية) وغيرها عدم الاشتراط، وبه أفتى الجَدُّ في الإسرائيليِّ، وشَرَط في (المُستصفى) لحِلِّ مُناكحتهم عدم اعتقاد النَّصرانيِّ ذلك، وكذلك في (المبسوط)؛ فإنَّه قال: ويجب ألَّا يأكُلُوا ذبائح أهل الكتاب إن اعتقدوا أنَّ المسيح إلهٌ، وأنَّ عُزَيراً إلهٌ، ولا يتزوَّجوا نساءَهُم.
стр. 491
لكن في (مبسوط) شمس الأئمَّة: وتَحِلُّ ذبيحة النَّصرانيِّ مُطلَقاً؛ سواءٌ قال: ثالثُ ثلاثةٍ أو لا.
مقتضى الدَّلائل وإطلاق الآية الجوازُ كما ذكره التُّمُرتاشيُّ في (فتاواه).
والأَوْلَى ألَّا يأْكُل ذبيحتهم، ولا يتزوَّج منهم إلَّا لضرورةٍ؛ كما حقَّقه الكَمال ابن الهُمام. والله وليُّ الإنعام، والحمد لله على دين الإسلام، والصَّلاة والسَّلام على محمَّد سيِّد الأنام.
قال العلَّامة قاسم في (رسائله): قال الإمام: ومن دان دين اليهود والنَّصارى من الصَّابئة والسَّامرة أُكِلَ ذبيحتُه، وحَلَّ نساؤُه. وقد حُكي عن عُمرَ رضي الله تعالى عنه أنَّه كُتِبَ إليه فيهم أو في أحدهم، فكتب مثل ما قلنا؛ فإذا كانوا يعترفون باليهوديَّة والنَّصرانيَّة فقد عَلِمْنا أنَّ النَّصارى فِرَقٌ، فلا يجوز إذا جَمَعَتِ النَّصرانيَّة بينهم أن نزعم أنَّ بعضهم تَحِلُّ ذبيحتُه ونساؤُه، وبعضهم يَحرُم، إلَّا بخَبَرٍ مُلْزمٍ، ولا نعلم في هذا خَبَراً، فمن جَمَعَتْه اليهوديَّة والنَّصرانيَّة فحُكمُه حُكمٌ واحدٌ. ا هـ. بحروفه.
[تنقيح الفتاوى الحامدية (٦/ ٣٦٤ - ٣٦ ٥)]
* * *
(٥٣٨) السؤال: تُوزَّع في الأسواق عُلَبٌ من اللَّحم المحفوظ، تَرِدُ من خارج العالم العربيِّ، ولكنَّا لا نعرف: هل ذُبِحَت الماشيةُ التي حُفِظَ لحمُها في هذه العُلَبِ بطريقةٍ شرعيَّةٍ أو لا؟ فهل للمسلم أن يتناول من هذا اللَّحم المحفوظ ؟
كما نسمع أنَّ الأغنام والماشية تُذبَح في العالم الغربيِّ بطريقةٍ ميكانيكيَّةٍ؛ فهل هذا الذَّبْح شرعيٌّ؟
الجواب: يَحِلُّ للمُسلم أن يأْكُل من طعام أهل الكتاب -كالنَّصارى- وذبائحهم، سواء أكانوا في الشرق أو في الغرب؛ لأنَّ الله ﵎ يقول في سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ
стр. 492
حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]. والمراد هنا بالطعام الذبائح واللحوم، كما رُوي ذلك عن عبد الله بن عبَّاس وغيره. وقال ابنُ زيدٍ: «أَحَلَّ اللهُ طَعَامَهُمْ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ شَيْئاً». وقال أبو الدَّرداء: «إِنَّمَا هُمْ أَهْلُ الكِتَابِ، طَعَامُهُمْ حِلٌّ لَنَا، وَطَعَامُنَا حِلٌّ لَهُمْ». ولقد أَكَل رسول الله ﷺ من شاةٍ قدَّمتها إليه امرأةٌ يهوديَّةٌ. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يأْكُلون من طعام النَّصارى في الشام بلا نكير عليهم.
وقد قرَّر الفقهاء أنَّ ذبيحة الكتابيِّ تحِلُّ للمسلم إذا كان المسلم لم يحضر حين ذَبْحِها، أو لم يعلم عن طريقة الذَّبْح شيئاً، وسواء أَذَكَرَ الذَّابحُ اسمَ الله على الذَّبيحة أو لم يَذْكُرْه؛ لأنَّ الله تعالى أباح لنا ذبيحة الكتابيِّ، وقد عَلِمَ الله أنَّنا لا نَطَّلِعُ على ذَبْح كُلِّ ذابح، ولكن لا تَحِلُّ للمسلم ذبيحة الوثنيِّ الذي يعبدُ الصَّنم، ولا ذبيحة المجوسيِّ الذي يعبدُ النَّار، ولا ذبيحة من لا يدين بدينٍ. كما يَحرُم أَكْل الذَّبيحة التي يَعْلَم المسلم أنَّ ذابحها قد ذَكَر عليها اسمَ معبودٍ غير الله، سواء أكان هذا الاسمُ اسمَ إنسانٍ أو حيوانٍ أو جمادٍ أو كواكب، وهذا النوع المُحرَّم من الذَّبائح هو الذي أشار إليه القرآن الكريم بقوله في سورة المائدة: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣].
وكذلك تَحرُم الذَّبيحة التي يرى المسلمُ أنَّ غيرَ المسلم يذبحُها بطريقةٍ غير شرعيَّة، أو يذْكُر عليها اسماً غير اسمِ الله .
والذَّبْح: هو قَطْعُ العُروق المعروفة في رقبة الحيوان، بين مبدأ الحَلْقِ ومبدأ الصَّدْر، ويكون القَطْع بآلةٍ حادَّةٍ قاطعةٍ، وهذه العُروق التي تُقْطَع هي: الوَدَجان -وهما عِرْقان كبيران في جانبي العُنُق من الأمام-، والحُلْقوم -وهو مجرى النَّفَس-، والمَريء -وهو مجرى الطعام والشراب-، ولو قَطَع ثلاثةً من هذه الأربعة لكفى. وفي بعض
стр. 493
المذاهب: لو قَطَع الحُلْقوم والمَريء صحَّ الذَّبْح؛ أي: لا يُشترَطُ قَطْعُ الوَدَجَين.
والذَّبْح يجوز بأيَّة آلةٍ حادَّةٍ، ميكانيكيَّةٍ أو غير ميكانيكيَّةٍ، ولو حدث في الذَّبْح أنَّ آلة القَطْع قَطَعَت الرَّقَبة كُلَّها، وفَصَلَت العُنُق عن الجسم، ولو من القَفا، صحَّ الذَّبْح؛ سواء أكان الذَّبْح بطريقة فرديَّةٍ أو جماعيَّةٍ.
ونفهم من هذا أنَّ اللُّحوم الواردة إلينا من أيِّ قُطْرٍ من الأقطار الغربيَّة أو الشرقيَّة التي يدين أهلُها بدينٍ سماويٍّ غير الإسلام، يجوز أَكْلُها، ولا يُشترَط السؤال عنها، أو التدقيق في البحث عن طريقة ذبحها؛ لأنَّ الله ﵎ أحلَّ لنا طعامهم، ومن الطعام الذَّبائح.
ويجوز كذلك أَكْلُ هذه اللُّحوم ولو كانت الماشية التي أُخِذَت منها قد ذُبِحَت بطريقةٍ ميكانيكيَّة، ما دام يتوافر فيها قَطْع العُروق المذكورة، أو قَطْع الرَّقبة كُلِّها.
والأَوْلَى بحكومات المسلمين أن تُشْرِف على هذه العمليَّة، وأن تُكلِّف بعض رجالها المسؤولين في البلاد التي تستورد منها اللُّحوم بأن يُشرِفوا على ذَبْح ما يُورَّد إلى بلادهم من ذبائح، لكي تزول الشُّبهة وتطمئنَّ النفوس.
[يسألونك في الدين والحياة (١/ ٤ ٥٣ - ٤٥٥)]
* * *
(٥٣٩) السؤال: نرجو بيان الحُكم الشرعيِّ في ذبائح أهل الكتاب؛ لأنَّ بعض العُلماء يُحرِّمها، والبعض يرى جواز أَكْلِها .
الجواب: إنَّ ذبائح أهل الكتاب حلالٌ ما لم يتبيَّن أنَّها ذُبِحَت باسم غير الله، فمن يتبيَّن له بالمشاهدة أو ما يساوي المشاهدة أنَّها ذُكِرَ عليها اسمُ غير الله، فلا تكون حلالاً بمقتضى النصَّ القرآنيِّ: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾
стр. 494
[المائدة: ٣].
وأما إذا جُهِلَت الحال ولم يُعْلَم أَذُكِر عليها ذلك أم لم يُذْكَر، فإنَّنا نقول: إنَّها حلالٌ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
[فتاوى الشيخ محمَّد أبو زهرة (ص ٧٠٦ - ٧٠٧)]
* * *
(٥٤٠) السؤال: ما حُكمُ الأَكْل من ذبيحة الكتابيِّ الذي لم نَرَ ذَبْحَه ؟
الجواب: يجوز ذبيحة الكتابي؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
[فتاوى الشيخ محمَّد أبو زهرة (ص ٧٠٧)]
* * *
(٥٤١) السؤال: كنتُ أستمع إلى إذاعتكم المباركة، وفي ذلك اليوم تكلَّم أحد المشايخ الأفاضل في موضوع اللُّحوم حلالها وحرامها ، وتطرَّق إلى ذبائح أهل الكتاب؛ حيث عرض الأدلَّة الشرعيَّة من القرآن والسُّنَّة، وقد كنت قبل مدَّة في فرنسا أتابع تخصُّصي الطبِّي فيها، وكنت لا آكُل من ذبائح أهل الكتاب؛ استناداً لآراء معظم الشباب المسلم في فرنسا؛ إذ أنَّهم قالوا: إنَّ طعام أهل الكتاب كان حلالًا لنا عندما كانوا يذبحونه على الطريقة الشرعيَّة، أمَّا الآن فإنَّ الذَّبْح على الطريقة الشرعيَّة غير موجود، فهم في هذه البلاد يتَّبعون إحدى طريقتين؛ إحداهما أحدث من الأُخرى، وهم يقولون: إنَّ الهدف منهما هو إضعاف إحساس الحيوان بالألم أثناء الذَّبْح وحضور الموت، فطريقة الذَّبْح القديمة منهما ترتكز على حَقْن الحيوان بمادَّة مُخدِّرة للأعصاب والجُمْلة العصبيَّة المركزيَّة، ثمَّ يُمرَّر الحيوان إلى الآلات القاطعة التي لا ندري هل تبدأ بالعُنُق أم غيره.
والطريقة الثانية الأحدث ترتكز على تعريض الحيوان إلى صَدْمة
стр. 495
كهربائيَّة تُفقِده الإحساس بالألم وتُشِلُّ دماغه، ثمَّ تأتي الآلات القاطعة لتفعل به ما فعلته الأُولَى، ناهيك عن عدم التَّسمية عليها أو التكبير. والمسألة الهامَّة هنا هي أنَّ البعض يقول: إنَّ الحيوان يموت قبل بدء الآلات القاطعة بتقطيعه؛ إذ أنَّ المادَّة المُخدِّرة المحقونة أو الصَّدْمة الكهربائيَّة كافيتان لإزهاق روح هذا الحيوان، ثمَّ إنَّهم يذكرون نسبة ما يموت بعد الحَقْن أو الصَّعْق بمقدار تسعين أو خمس وتسعين بالمائة (٩٠ - ٩٥%)، أو حتَّى مئة بالمئة (١٠٠%)، ولا أدري والله من أين أتوا بهذه الأرقام، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّهم يقولون: حتَّى ولو لم نكن متأكِّدين من موت الحيوان قبل تقطيعه، فإنَّ في أَكْل ذلك اللَّحم شُبْهةٌ، ورسول الله ﷺ أَمَرَنا باتِّقاء الشُّبَه والأمور المتشابهات، ثمَّ إنَّهم يضيفون أنَّ هناك جَزَّارين مسلمين معظمهم جَزائريُّون وتونسيُّون وأتراك يذبحون على الطريقة الإسلاميَّة، إلَّا أنَّ هؤلاء مُوَزَّعون في المُدُن الكبرى، أمَّا المُدُن الصغيرة، فتفتقر إلى مثلهم، إضافةً إلى أنَّ المُدُن الكبرى تحتوي أمثال هؤلاء في مراكزها دون ضواحيها، ثمَّ إنَّ بعض الجماعات الإسلاميَّة تؤكِّد قائلةً: إنَّه لا يجوزُ شراء اللَّحم من المسلمين إلَّا إذا كان هذا اللَّحم أو الدَّجاج مدموغاً بخاتم الجمعية الإسلاميَّة في فرنسا، وفي الحقيقة إذا أردنا أن نلتزم بهذا الخاتم فإنَّ علينا أن نمتنع عن شراء اللَّحم من تسعين إلى خمسة وتسعين في المئة (٩٥ - ٩٠ %) من هؤلاء الجزَّارين المسلمين؛ لأنَّهم لا يضعون على ذبائحهم مثل هذا الخاتم. وحُجَّة أصحاب الجمعيَّة أنَّ هؤلاء الجزَّارين يشترون الذَّبائح من المسالخ الفرنسيَّة ويبيعونها للمسلمين كذباً وخداعاً وغِشًّا، ثمَّ إنَّ البعض من هؤلاء لا يُصلِّي ويبيع الخُمور واللُّحوم، فكيف نُصَدِّق شهادتهم؟ فماذا تقولون
следующие страницы →