← Фатава

Фатава · id 635

موسوعة صناعة الحلال

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 187 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

لكن في (مبسوط) شمس الأئمَّة: وتَحِلُّ ذبيحة النَّصرانيِّ مُطلَقاً؛ سواءٌ قال: ثالثُ ثلاثةٍ أو لا. مقتضى الدَّلائل وإطلاق الآية الجوازُ كما ذكره التُّمُرتاشيُّ في (فتاواه). والأَوْلَى ألَّا يأْكُل ذبيحتهم، ولا يتزوَّج منهم إلَّا لضرورةٍ؛ كما حقَّقه الكَمال ابن الهُمام. والله وليُّ الإنعام، والحمد لله على دين الإسلام، والصَّلاة والسَّلام على محمَّد سيِّد الأنام. قال العلَّامة قاسم في (رسائله): قال الإمام: ومن دان دين اليهود والنَّصارى من الصَّابئة والسَّامرة أُكِلَ ذبيحتُه، وحَلَّ نساؤُه. وقد حُكي عن عُمرَ رضي الله تعالى عنه أنَّه كُتِبَ إليه فيهم أو في أحدهم، فكتب مثل ما قلنا؛ فإذا كانوا يعترفون باليهوديَّة والنَّصرانيَّة فقد عَلِمْنا أنَّ النَّصارى فِرَقٌ، فلا يجوز إذا جَمَعَتِ النَّصرانيَّة بينهم أن نزعم أنَّ بعضهم تَحِلُّ ذبيحتُه ونساؤُه، وبعضهم يَحرُم، إلَّا بخَبَرٍ مُلْزمٍ، ولا نعلم في هذا خَبَراً، فمن جَمَعَتْه اليهوديَّة والنَّصرانيَّة فحُكمُه حُكمٌ واحدٌ. ا هـ. بحروفه. [تنقيح الفتاوى الحامدية (٦/ ٣٦٤ - ٣٦ ٥)] * * * (٥٣٨) السؤال: تُوزَّع في الأسواق عُلَبٌ من اللَّحم المحفوظ، تَرِدُ من خارج العالم العربيِّ، ولكنَّا لا نعرف: هل ذُبِحَت الماشيةُ التي حُفِظَ لحمُها في هذه العُلَبِ بطريقةٍ شرعيَّةٍ أو لا؟ فهل للمسلم أن يتناول من هذا اللَّحم المحفوظ ؟ كما نسمع أنَّ الأغنام والماشية تُذبَح في العالم الغربيِّ بطريقةٍ ميكانيكيَّةٍ؛ فهل هذا الذَّبْح شرعيٌّ؟ الجواب: يَحِلُّ للمُسلم أن يأْكُل من طعام أهل الكتاب -كالنَّصارى- وذبائحهم، سواء أكانوا في الشرق أو في الغرب؛ لأنَّ الله ﵎ يقول في سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ

стр. 492

حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]. والمراد هنا بالطعام الذبائح واللحوم، كما رُوي ذلك عن عبد الله بن عبَّاس وغيره. وقال ابنُ زيدٍ: «أَحَلَّ اللهُ طَعَامَهُمْ وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْهُ شَيْئاً». وقال أبو الدَّرداء: «إِنَّمَا هُمْ أَهْلُ الكِتَابِ، طَعَامُهُمْ حِلٌّ لَنَا، وَطَعَامُنَا حِلٌّ لَهُمْ». ولقد أَكَل رسول الله ﷺ من شاةٍ قدَّمتها إليه امرأةٌ يهوديَّةٌ. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يأْكُلون من طعام النَّصارى في الشام بلا نكير عليهم. وقد قرَّر الفقهاء أنَّ ذبيحة الكتابيِّ تحِلُّ للمسلم إذا كان المسلم لم يحضر حين ذَبْحِها، أو لم يعلم عن طريقة الذَّبْح شيئاً، وسواء أَذَكَرَ الذَّابحُ اسمَ الله على الذَّبيحة أو لم يَذْكُرْه؛ لأنَّ الله تعالى أباح لنا ذبيحة الكتابيِّ، وقد عَلِمَ الله أنَّنا لا نَطَّلِعُ على ذَبْح كُلِّ ذابح، ولكن لا تَحِلُّ للمسلم ذبيحة الوثنيِّ الذي يعبدُ الصَّنم، ولا ذبيحة المجوسيِّ الذي يعبدُ النَّار، ولا ذبيحة من لا يدين بدينٍ. كما يَحرُم أَكْل الذَّبيحة التي يَعْلَم المسلم أنَّ ذابحها قد ذَكَر عليها اسمَ معبودٍ غير الله، سواء أكان هذا الاسمُ اسمَ إنسانٍ أو حيوانٍ أو جمادٍ أو كواكب، وهذا النوع المُحرَّم من الذَّبائح هو الذي أشار إليه القرآن الكريم بقوله في سورة المائدة: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]. وكذلك تَحرُم الذَّبيحة التي يرى المسلمُ أنَّ غيرَ المسلم يذبحُها بطريقةٍ غير شرعيَّة، أو يذْكُر عليها اسماً غير اسمِ الله . والذَّبْح: هو قَطْعُ العُروق المعروفة في رقبة الحيوان، بين مبدأ الحَلْقِ ومبدأ الصَّدْر، ويكون القَطْع بآلةٍ حادَّةٍ قاطعةٍ، وهذه العُروق التي تُقْطَع هي: الوَدَجان -وهما عِرْقان كبيران في جانبي العُنُق من الأمام-، والحُلْقوم -وهو مجرى النَّفَس-، والمَريء -وهو مجرى الطعام والشراب-، ولو قَطَع ثلاثةً من هذه الأربعة لكفى. وفي بعض

стр. 493

المذاهب: لو قَطَع الحُلْقوم والمَريء صحَّ الذَّبْح؛ أي: لا يُشترَطُ قَطْعُ الوَدَجَين. والذَّبْح يجوز بأيَّة آلةٍ حادَّةٍ، ميكانيكيَّةٍ أو غير ميكانيكيَّةٍ، ولو حدث في الذَّبْح أنَّ آلة القَطْع قَطَعَت الرَّقَبة كُلَّها، وفَصَلَت العُنُق عن الجسم، ولو من القَفا، صحَّ الذَّبْح؛ سواء أكان الذَّبْح بطريقة فرديَّةٍ أو جماعيَّةٍ. ونفهم من هذا أنَّ اللُّحوم الواردة إلينا من أيِّ قُطْرٍ من الأقطار الغربيَّة أو الشرقيَّة التي يدين أهلُها بدينٍ سماويٍّ غير الإسلام، يجوز أَكْلُها، ولا يُشترَط السؤال عنها، أو التدقيق في البحث عن طريقة ذبحها؛ لأنَّ الله ﵎ أحلَّ لنا طعامهم، ومن الطعام الذَّبائح. ويجوز كذلك أَكْلُ هذه اللُّحوم ولو كانت الماشية التي أُخِذَت منها قد ذُبِحَت بطريقةٍ ميكانيكيَّة، ما دام يتوافر فيها قَطْع العُروق المذكورة، أو قَطْع الرَّقبة كُلِّها. والأَوْلَى بحكومات المسلمين أن تُشْرِف على هذه العمليَّة، وأن تُكلِّف بعض رجالها المسؤولين في البلاد التي تستورد منها اللُّحوم بأن يُشرِفوا على ذَبْح ما يُورَّد إلى بلادهم من ذبائح، لكي تزول الشُّبهة وتطمئنَّ النفوس. [يسألونك في الدين والحياة (١/ ٤ ٥٣ - ٤٥٥)] * * * (٥٣٩) السؤال: نرجو بيان الحُكم الشرعيِّ في ذبائح أهل الكتاب؛ لأنَّ بعض العُلماء يُحرِّمها، والبعض يرى جواز أَكْلِها . الجواب: إنَّ ذبائح أهل الكتاب حلالٌ ما لم يتبيَّن أنَّها ذُبِحَت باسم غير الله، فمن يتبيَّن له بالمشاهدة أو ما يساوي المشاهدة أنَّها ذُكِرَ عليها اسمُ غير الله، فلا تكون حلالاً بمقتضى النصَّ القرآنيِّ: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾

стр. 494

[المائدة: ٣]. وأما إذا جُهِلَت الحال ولم يُعْلَم أَذُكِر عليها ذلك أم لم يُذْكَر، فإنَّنا نقول: إنَّها حلالٌ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. [فتاوى الشيخ محمَّد أبو زهرة (ص ٧٠٦ - ٧٠٧)] * * * (٥٤٠) السؤال: ما حُكمُ الأَكْل من ذبيحة الكتابيِّ الذي لم نَرَ ذَبْحَه ؟ الجواب: يجوز ذبيحة الكتابي؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. [فتاوى الشيخ محمَّد أبو زهرة (ص ٧٠٧)] * * * (٥٤١) السؤال: كنتُ أستمع إلى إذاعتكم المباركة، وفي ذلك اليوم تكلَّم أحد المشايخ الأفاضل في موضوع اللُّحوم حلالها وحرامها ، وتطرَّق إلى ذبائح أهل الكتاب؛ حيث عرض الأدلَّة الشرعيَّة من القرآن والسُّنَّة، وقد كنت قبل مدَّة في فرنسا أتابع تخصُّصي الطبِّي فيها، وكنت لا آكُل من ذبائح أهل الكتاب؛ استناداً لآراء معظم الشباب المسلم في فرنسا؛ إذ أنَّهم قالوا: إنَّ طعام أهل الكتاب كان حلالًا لنا عندما كانوا يذبحونه على الطريقة الشرعيَّة، أمَّا الآن فإنَّ الذَّبْح على الطريقة الشرعيَّة غير موجود، فهم في هذه البلاد يتَّبعون إحدى طريقتين؛ إحداهما أحدث من الأُخرى، وهم يقولون: إنَّ الهدف منهما هو إضعاف إحساس الحيوان بالألم أثناء الذَّبْح وحضور الموت، فطريقة الذَّبْح القديمة منهما ترتكز على حَقْن الحيوان بمادَّة مُخدِّرة للأعصاب والجُمْلة العصبيَّة المركزيَّة، ثمَّ يُمرَّر الحيوان إلى الآلات القاطعة التي لا ندري هل تبدأ بالعُنُق أم غيره. والطريقة الثانية الأحدث ترتكز على تعريض الحيوان إلى صَدْمة

стр. 495

كهربائيَّة تُفقِده الإحساس بالألم وتُشِلُّ دماغه، ثمَّ تأتي الآلات القاطعة لتفعل به ما فعلته الأُولَى، ناهيك عن عدم التَّسمية عليها أو التكبير. والمسألة الهامَّة هنا هي أنَّ البعض يقول: إنَّ الحيوان يموت قبل بدء الآلات القاطعة بتقطيعه؛ إذ أنَّ المادَّة المُخدِّرة المحقونة أو الصَّدْمة الكهربائيَّة كافيتان لإزهاق روح هذا الحيوان، ثمَّ إنَّهم يذكرون نسبة ما يموت بعد الحَقْن أو الصَّعْق بمقدار تسعين أو خمس وتسعين بالمائة (٩٠ - ٩٥%)، أو حتَّى مئة بالمئة (١٠٠%)، ولا أدري والله من أين أتوا بهذه الأرقام، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّهم يقولون: حتَّى ولو لم نكن متأكِّدين من موت الحيوان قبل تقطيعه، فإنَّ في أَكْل ذلك اللَّحم شُبْهةٌ، ورسول الله ﷺ أَمَرَنا باتِّقاء الشُّبَه والأمور المتشابهات، ثمَّ إنَّهم يضيفون أنَّ هناك جَزَّارين مسلمين معظمهم جَزائريُّون وتونسيُّون وأتراك يذبحون على الطريقة الإسلاميَّة، إلَّا أنَّ هؤلاء مُوَزَّعون في المُدُن الكبرى، أمَّا المُدُن الصغيرة، فتفتقر إلى مثلهم، إضافةً إلى أنَّ المُدُن الكبرى تحتوي أمثال هؤلاء في مراكزها دون ضواحيها، ثمَّ إنَّ بعض الجماعات الإسلاميَّة تؤكِّد قائلةً: إنَّه لا يجوزُ شراء اللَّحم من المسلمين إلَّا إذا كان هذا اللَّحم أو الدَّجاج مدموغاً بخاتم الجمعية الإسلاميَّة في فرنسا، وفي الحقيقة إذا أردنا أن نلتزم بهذا الخاتم فإنَّ علينا أن نمتنع عن شراء اللَّحم من تسعين إلى خمسة وتسعين في المئة (٩٥ - ٩٠ %) من هؤلاء الجزَّارين المسلمين؛ لأنَّهم لا يضعون على ذبائحهم مثل هذا الخاتم. وحُجَّة أصحاب الجمعيَّة أنَّ هؤلاء الجزَّارين يشترون الذَّبائح من المسالخ الفرنسيَّة ويبيعونها للمسلمين كذباً وخداعاً وغِشًّا، ثمَّ إنَّ البعض من هؤلاء لا يُصلِّي ويبيع الخُمور واللُّحوم، فكيف نُصَدِّق شهادتهم؟ فماذا تقولون

стр. 496

في هذا؟ الجواب: أوَّلًا: هذا ممَّا لا شكَّ فيه أنَّه من مشاكل السفر إلى بلاد الكفَّار والسُّكْنَى في بلادهم، ومخاطر السفر إلى بلاد الكفَّار والسَّكَن فيها كثيرة؛ منها: مسألة الأطعمة واللحوم وما يتَّصل بذلك؛ ولهذا حَرَّم العُلماء السفر إلى بلاد الكفَّار إلَّا بشرطين؛ الشرط الأوَّل: أن يكون هذا السفر لحاجة مُلِحَّة، والشرط الثاني: أن يقدر المسلم على إظهار دينه؛ بأن يُنْكِرَ ما عليه الكفَّار، وأن يدعو إلى الدِّين الصحيح وهو دين الإسلام. أمَّا ما ذَكَرَه السائل من مشكلة اللحوم والذَّبائح؛ فلا شكَّ أنَّ ذبائح الكفَّار غير أهل الكتاب مُحرَّمة بالإجماع؛ فذبائح الوثنيِّين، والشيوعيِّين، والدَّهْريِّين، والمُرْتدِّين من المسلمين، ومن كان لا يعتنق دِيناً سماويًّا؛ فذبيحته حَرامٌ مُطْلقاً. أمَّا بالنسبة لذبائح أهل الكتاب ففيها التفصيل التالي: أوَّلًا: ما عُلِم أنَّهم ذبحوها على الطريقة الشرعيَّة؛ فهو حلال بالإجماع لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. والمراد بطعامهم: ذبائحهم؛ فأباح الله لنا ذبائح أهل الكتاب -اليهود أو النصارى- إذا ذبحوه على الطريقة الشرعيَّة؛ بأن يكون في محلِّ الذَّبْح وبقَطْع ما يجب قَطْعه في الذَّكاة. النوع الثاني: ما عُلِم أنَّهم ذبحوه على غير الطريقة الشرعيَّة؛ كالقتل بالخَنْق، أو الصَّعْق الكهربائي، أو الضرب بالرصاص على رأسه، أو بالتدويخ حتَّى يموت، ولا يدرك وفيه حياة؛ فهذا حرامٌ بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وهذه

стр. 497

حيوانات ماتت بغير الذَّكاة الشرعيَّة ماتت بإصابتها بالخَنْق، أو الصَّعْق، أو الضرب بالرصاص، أو غير ذلك من وسائل الإماتة، ولم تُدْرك وتُذَكَّ وفيها حياةٌ مُستقرَّة على الوجه المشروع، هذه حَرامٌ بإجماع أهل العِلْم. النوع الثالث: ما حصل فيه الشكُّ من ذبائح أهل الكتاب؛ هل ذبحوه على الطريقة الشرعيَّة أو على غير الطريقة الشرعيَّة؟ فهذا محلُّ خلاف بين العُلماء المعاصرين على قولين: القول الأوَّل: حِلُّ أَكْلِها؛ لأنَّ الأصل في ذبائح أهل الكتاب الحلُّ حتَّى يثبت ما يقتضي تحريمها من كونها ذُبِحَت على غير الطريقة الشرعيَّة؛ بأن يَعْلَم أنَّهم ذبحوها على غير الطريقة الشرعيَّة، فإذا لم يَعْلَم فالأصل في ذبائح أهل الكتاب الحلُّ؛ استناداً إلى قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. القول الثاني: أنَّها لا تَحِلُّ في هذه الحالة؛ لأنَّ الأصل في ذبائح أهل الكتاب وغيرهم التحريم حتَّى يُعْلَم أنَّها ذُبِحَت على الطريقة الشرعيَّة. ولقوَّة هذا الخلاف في المسألة؛ فالذي يَحسُن بالمسلم تَرْك هذه اللحوم؛ لأنَّها مُشْتَبِهَة، وقد قال الرسول ﷺ : (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكُ)، وقال ﷺ : (فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اِسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ). وعلى المسلمين الموجودين في بلاد الكفَّار من الجاليات أو الطلَّاب أن يوجدوا حَلّاً لهذه المشكلة بأنفسهم؛ بأن يتعاونوا على إيجاد مسلخ خاصٍّ بهم، أو يتَّفقوا مع مسلخ يلتزم بالذَّبْح على الطريقة الشرعيَّة، وبهذا تنحلُّ المشكلة. [المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان (١٢٢٩ - ١٢٣٢) - (الموقع)]

стр. 498

(٥٤٢) السؤال: ما حُكمُ اللُّحوم في فرنسا ؟ الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أمَّا بعد: فإنَّ لديك من أهل العِلْم المقيمين في فرنسا من تستفتيهم في ذلك، فهم أخبر بواقع الحال وأقدر على الإفتاء فيه؛ فإنَّ الفتوى يا بنيَّ كما تحتاج إلى عِلْم بالشرع تحتاج إلى دراية بواقع المسألة المستفتى فيها، فالفتوى هي معرفة الواجب في الواقع، ولا بُدَّ للفقيه من العمل بكلا الأمرين: الشرع والواقع. ولكنَّنا نقول بصفة عامَّة: إنَّه يُشترَط لحِلِّ الذَّبيحة شروط؛ منها ما يتعلَّق بالذَّابح، وهو أن يكون مُسلماً أو كتابيًّا، ومنها ما يتعلَّق بالذَّبيحة، أن تكون ممَّا أحَلَّ الله أَكْلَه؛ فلا يُؤكَل لحمُ الخنزير مثلاً، ومنها ما يتعلَّق بالتَّسمية؛ فلا تكون ممَّا أُهِلَّ بها لغير الله. وعلى هذا؛ فإذا كان قانون هذه البلاد يُوجِب الذَّبْح، فلا حرج في أَكْل اللحوم المتوفَّرة في الأسواق العامَّة؛ لأنَّ فرنسا من الدول الكتابيَّة في الجُمْلة، والله تعالى أعلى وأعلم. [موسوعة فتاوى المغتربين - صلاح الصاوي (٨/ ٤٠ ٥ - ٤٠٦)] * * * (٥٤٣) السؤال: الإخوة الأكارم في مَجْمَع فقهاء الشريعة بأمريكا، حفظهم الله ورعاهم ونفعنا بعِلْمِهم: هل يجوزُ للمسلم المقيم في البرازيل أن يأْكُل من اللُّحوم التي تُباع في الأسواق البرازيليَّة ، والتي يجهل طريقة ذَبْحها، وتوجد جهالة في معرفة هل ذُكِرَ اسمُ الله عليها أم لا؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً. الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛

стр. 499

أما بعد: فإذا كانت قوانين هذه البلاد تُوجِب الذَّبْح وإنْهار الدَّم، فسَمِّ الله وكُلْ، ولا حَرَج عليك في جَهْلِك بالتَّسمية؛ لما ثبت في (صحيح البخاري) عن عائشة ﵂: (أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا. فَقَالَ: سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ). قَالَتْ: وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ. ويمكنك السؤال عن طريقة الذَّبْح الرسميَّة المُعتمَدة في هذه البلاد، بل يلزمك ذلك بحُكْم قيادتك للمسلمين في هذه المنطقة من العالم، ثمَّ تَبْني موقفك في الفتوى بناءً عليها، بارك الله فيك، وزادك حرصاً وتوفيقاً، وألهمك الرُّشْد في القول والعمل، والله تعالى أعلى وأعلم. [موسوعة فتاوى المغتربين - صلاح الصاوي (٨/ ٤٠٧ - ٤٠٨)] * وانظر: فتوى رقم (٣ ٥٣) * * * (٥٤٤) السؤال: ذبيحة أهل الكتاب من اليهود والنَّصارى هل تَحِلُّ أو لا؟ وهل يُشترَط كون الذَّابح من اليهود إسرائيليًّا أم يكفي كونه كتابيًّا ؟ الجواب: نعم؛ تَحِلُّ ذبيحة أهل الكتاب من اليهود والنصارى وغيرهم. ولم أرَ مَن شرط كون اليهودي إسرائيليًّا من مشايخنا، بل إطلاق (الهداية) وغيرها يدلُّ على عدم الاشتراط المذكور. وذكر في (المستصفى): تَحِلُّ مناكحتهم بشرط عدم اعتقاد كون المسيح إلهاً. قال: أمَّا إذا اعتقدوه فلا. وفي (مبسوط شيخ الإسلام): ويجب أن لا يأكلوا ما ذَبَح أهل الكتاب إن اعتقدوا أنَّ المسيح إلَهٌ، وأنَّ عُزَيْراً إلَهٌ، ولا يتزوَّجوا نساءهم، وقيل: عليه الفتوى.

стр. 500

لكن بالنظر إلى الدلائل ينبغي أن يجوز الأَكْل والتزوُّج، وهو موافق لما في رضاع (مبسوط شمس الأئمَّة) في الذَّبيحة قال: وتَحِلُّ ذبيحة النَّصارى مُطْلقاً، سواء قالوا ثالث ثلاثة أو لا، وموافق لما قدَّمناه من الإطلاق الواقع في (الهداية) وغيرها من المعتبرات، هذا؛ والأَوْلَى ألَّا تُؤكَل ذبيحتهم، ولا يُتزوَّج منهم إلَّا لضرورة، كما حقَّقه الكمال في (فتح القدير)، والله أعلم. [فتاوى التُّمُرتاشي (ص ٦٤٩)] * * * (٥٤٥) السؤال: هل يجوزُ شراءُ اللُّحوم وأَكْلُها من الجَزَّار، مع العِلْم بأنَّ الذَّابحَ لم يظهر أمرُه: أهو من المسلمين، أم من المسيحيِّين ؟ الجواب: يجوز أَكْل ذبيحة الجَزَّار، أكان مُسلماً أم كان مسيحيًّا، وعلى هذا؛ يجوز شراء اللُّحوم وأَكْلُها إذا كانت مُشتراةً من جَزَّار مُسلمٍ أم من جزَّار مسيحيٍّ كما جاء في السؤال. وإنَّما يجوز ذلك استناداً إلى قول الله ﵎ في سورة المائدة: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]. وقد جاء في (تفسير القُرطبيِّ) ما خلاصته: الطعام اسمٌ لما يُؤكَل، والذبائح من الطعام، والمراد من الآية أنَّ ذبائح أهل الكتاب -وهم اليهود والنَّصارى- حلالٌ لنا، وهذا مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ ﵁. وقال عَطاء: «كُلْ من ذبيحة النَّصرانيِّ وإن قال: باسم المسيح؛ لأنَّ الله جلَّ وعزَّ قد أباح ذبائحهم، وقد عَلِمَ ما يقولون». وقالت طائفة: إذا سمعت الكتابيَّ يُسمِّي غير اسم الله فلا تأكل. وسُئِلَ أبو الدَّرداء عن كبشٍ ذُبِحَ لكنيسةٍ أهدوه إليها، أتأْكُل منه؟ فقال أبو الدَّرداء للسَّائل: اللَّهُمَّ عَفْواً، إنَّما

стр. 501

هم أهل كتاب، طعامهم حِلٌّ لنا، وطعامُنا حِلٌّ لهم، وأَمَرَهُ بأَكْلِه. ويلاحظ أنَّه ليس واجباً على المسلم في مثل هذه الحالة أن يسأل عن الذَّبيحة التي لم يَشْهَد ذَبْحَها: كيف كان الذَّبْح؟ وهل استوفى الشروط؟ وهكذا. فما دام الذَّابح مُسلماً -حتَّى ولو كان فاسقاً-، أو من أهل الكتاب، فأَكْلُ ذبيحته حلالٌ. وقد صحَّ أنَّ قوماً سألوا النَّبيَّ ﷺ فقالوا: (إنَّ قَوْماً يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : سَمُّوا اللهَ عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوا)، والله ﵎ أعلم. [يسألونك في الدين والحياة (٤/ ٢٢٦ - ٢٢٧)] * * * (٥٤٦) السؤال: سُئِل أبو مُطيع عن نصرانيٍّ دعا رجلاً إلى طعامه، وقال اشتريتُ اللَّحم من السوق؛ أيأْكُلُه ؟ الجواب: قال أبو مطيع: سألت ابن أبي عروة عن ذلك، فقال: كُلْهُ. وكذلك قال مقاتل بن حيَّان. وأمَّا أصحابنا يقولون: لا يأْكُل حتَّى يرى أنَّه يَذْبح. قال أبو مُطيع: وأنا لا آكُلُه. قال الفقيه: ولو كان هذا يهوديًّا وقال: هذا من ذبيحة اليهودي يأْكُل؛ لأنَّهم لا يأْكُلون بغير ذبيحة، وأمَّا النصارى فلا ذبيحة لهم، وإنَّما يأْكُلون ذبيحة المسلمين أو يخنقون، فينبغي أن يأخذ بالاحتياط ولا يأْكُل. [الفتاوى من أقاويل المشايخ؛ للسمرقندي (ص ٤٧٢)] * * * أَكْلُ اللُّحُومِ المَصْعُوقَةِ وَالمَضْرُوبَةِ في بِلادٍ غَيْرِ إسْلامِيَّةٍ (٥٤٧) السؤال: أرجو من سيادتكم إفادتي بالفتوى الشرعيَّة فيما يلي: أوَّلًا: شرعيَّة أكل اللُّحوم المذبوحة

стр. 502

في بلادٍ غير إسلاميَّة مع الأخذ في الاعتبار ما يلي: (١) المواشي يتمُّ ضَرْبها على رأسها بمِطْرَقةٍ ضخمةٍ لتغييبها عن الوعي قبل أن تُذْبَح، ولا يتمُّ ذِكْر اسم الله عليها عند ذَبْحها. (٢) الدَّواجن تُصْعَق بالكهرباء لتغييبها عن الوعي، ولا أدري إن كانت تُذْبَح بعد ذلك أم لا، ولا يتمُّ ذِكْر اسمِ الله عليها. (٣) هذه المعلومات من بعض المسلمين المقيمين في البلدة التي أعيش فيها. (٤) المسلمون هنا يعاملون هذه اللُّحوم بناءً على رأيين: أ - أنَّها مُحرَّمة مُطْلقاً؛ لأنَّه لم يُذْكَر اسمُ الله عليها. ب- أنَّه يَحِلُّ أَكْلُها مع عدم ذِكْر الله عند ذَبْحِها، إلَّا أنَّها تَحرُم لشُبْهة أنَّها مَيْتة. (بفرض أنَّ البعض منها قد يموت قبل أن يُذْبَح من الصَّعْق الكهربائي أو الإصابة في الرأس). ج- بعض المسلمين يقول: إنَّها تُذْبَح، ولكن يتمُّ تقطيعها فوراً، ولا يُنتظر حتَّى يخرج كُلُّ الدَّم. ولا أعلم مدى أهمية ذلك في حِلِّ أو حُرْمَة اللُّحوم. (٥) يوجد على حسب عِلْمي ثلاثة محلَّات تبيع اللُّحوم محفوظةً مُجمَّدةً مطبوعاً عليها (مذبوحة حسب الشريعة الإسلاميَّة) كثير من المسلمين يشترون منها، والبعض لا يثق فيها، ويذهب إلى بلدةٍ مجاورةٍ لشراء لحوم تُذبَح بأيدي العاملين في المسجد هناك. (٦) اللُّحوم التي تباع في هذه المحلَّات مُجمَّدة من مُدَّةٍ طويلةٍ، وأقلُّ في الجَوْدة من مثيلاتها الطازجة يوميًّا في المحالِّ الأخرى، كما أنَّها أعلى سِعْراً. عِلْماً بأنَّ عدد (٢) من هذه المحالِّ الثلاثة الجَوْدةُ فيها مُتدنِّية. (٧) إذا لم يَحِلَّ أَكْل هذه اللُّحوم بصفة عامَّة؛ فهل لي رخصة في أَكْلِها

стр. 503

للأسباب التالية: أ - أنَّني أدرس للحصول على درجة عِلْميَّة، ودراستي تتطلَّب العمل لمدَّة قد تصل إلى ١٢ حتى ١٦ ساعة يوميًّا، وكثيراً ما أضطر للعمل في العطلات الأسبوعيَّة. ب- الذهاب إلى المحلِّ الذي يبيع اللُّحوم المذبوحة حسب الشريعة الإسلاميَّة يتطلَّب حوالي ٤٥ دقيقة في الذهاب، ومثلها في العودة، وهو ليس في طريق الكُلِّية أو المنزل. ج- اللُّحوم المُجمَّدة يتطلَّب إعدادها [وقتاً] أطول بكثير جدًّا من اللُّحوم الطازجة، كما أنَّني غير متزوِّج وأقوم بذلك بنفسي. د - توقَّفت فترةً طويلةً عن تناول أيَّة لحوم؛ لعدم توافر الوقت؛ إمَّا لشرائها أو لإعدادها، ممَّا أثَّر سلباً على دراستي ومجهودي وقدرتي على التحصيل، وزاد من إحساسي بالإرهاق، وأطال الفترات اللَّازمة لي للراحة لتجديد النشاط. الجواب: (١) المواشي التي يتمُّ ضَرْبُها على رأسها بمِطْرَقةٍ ضخمة لتغييبها عن الوعي قبل أن تُذْبَح؛ إن ماتت بالضَّرْبة قبل أن تُذْبح فهي مَيتْةٌ لا تُؤكَل، وإن ذُبِحَت قبل أن تموت أُكِلَت، سُمِّي عليها أم لم يُسمَّ عليها، ما دام ذابحها مسلماً، أو كتابيًّا (نصرانيًّا أو يهوديًّا)؛ لأنَّ التَّسمية سُنَّة عند بعض الفقهاء، وهو ما تُرجِّحه اللَّجنة (١). (٢) الدَّواجن التي تُصْعَق بالكهرباء قبل ذَبْحِها؛ إن ماتت قبل الذَّبْح، أو أنَّها لم تُذْبَح أصلاً، فلا تُؤكَل، وإن ذُبِحَت قبل موتها فلا مانع من أَكْلِها، سُمِّي عليها أم لم يُسمَّ عليها، ما دام الذابح مسلماً أو كتابيًّا. (٣) هذه المعلومات مدار الوثوق بها يقوم على عدالة قائليها ومدى تصديق المستمع إليهم لهم بحسب

стр. 504

قرائن الأحوال المحيطة بهم، فإن كانوا عُدولاً، أو رأى المستمع إليهم في نفسه صدقهم لقرائن أحوال تُرشِّح صدقهم، التزم بأخبارهم، وإلَّا فلا يلزمه الأخذ بأخبارهم. (٤) العبرة في أَكْل هذه اللحوم وعدمه منوط بما تقدَّم من القواعد والمبادئ، ولا يرتبط بما يشاع بين العوامِّ من الناس. (٥) يعود أمر الوثوق في صحَّة ما كُتِبَ على علب اللحم من أنَّه مذبوح حسب الشريعة الإسلاميَّة إلى غلبة ظنِّ المشتري لها صدقها بحسب قرائن الحال؛ فإن غلب على ظنِّه أنَّها ذُبِحَت حسب الشريعة الإسلاميَّة حَلَّت، وإلَّا لم تَحِلَّ، ولا يسأل الإنسان عن أكثر ممَّا ترجَّح لديه من الظنِّ عند تعذُّر العِلْم اليقينيِّ في الشيء. (٦) للمستفتي أن يختار اللحم الطازج والأكثر جَوْدَة عندما يكون مذبوحاً حسب الشريعة الإسلاميَّة، ولو كانت هذه أقلَّ جَوْدَة؛ لأنَّه لا مقارنة بين النَّجِس والطاهر. (٧) لا يجوز للمسلم تناول اللحوم المُحرَّمة إلَّا في حالات الضرورة؛ وهي خشية الهلاك على نفسه، إذا لم يجد غيرها يَسُدُّ به رَمَقَه، ويدفع به عن نفسه الهلاك؛ وعليه فلا تكون متابعة الدراسة، وتحسين الصحَّة العامَّة، واختصار بُعْد الطريق، وأمثال ذلك من المصالح، مبرِّرات لتناول اللحم المُحرَّم. [الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ١٩ - ٢٢)] * وانظر: فتوى رقم (٦١٧) * * * الضَّرْبُ عَلَى رَأْسِ الحَيْوانِ قَبْلَ الذَّبْح (٥٤٨) السؤال: ما حُكمُ الإسلام في اللُّحوم المُستورَدة من الدُّول الأجنبيَّة التي تُباع في الدُّول الإسلاميَّة، عِلْماً بأنَّ من وسائلهم في ذَبْح الحيوانات

стр. 505

الضَّرْب على رأس الحيوان؟ الجواب: شُرعت التَّذْكية لِحِلِّ أَكْل الحيوان المباح، وهي تحصل بقَطْع الحُلْقوم والمَريء، ويُستحبُّ قَطْع الوَدَجَين، فإذا توفَّرت هذه الشروط وكان الذَّابح مُسلماً أو كتابيًّا (يهوديًّا أو نصرانيًّا) جاز أَكْلُ الذبيحة بلا خلاف؛ لأنَّ المسلم هو الأصل، أمَّا الكتابيُّ فتجوز أَكْل ذبيحته؛ لقول الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وقد فُسِّرَ الطعام بالذبائح، فاللحوم المستورَدة إذا كانت من بلاد إسلاميَّة أو كتابيَّة فأَكْلُها جائز؛ لأنَّ الأصل أنَّهم يذبحون حسب الطريقة الشرعيَّة. لكن إذا ثبت لدينا أنَّ الذبائح ذُبِحَت بوسيلةٍ مُحرَّمة؛ كأن ماتت بفِعْل ضربةٍ قويَّة على الرأس، أو صَعْقَةٍ أَوْدَت بحياته قبل ذَبْحِه فهي مَوْقوذَة، ولا يجوز الأَكْل منها. وإذا كانت الصَّعْقة الكهربائيَّة لا تُميت الحيوان، بل تجعله لا يقاوم الذَّبْح، فتَسْهُل السيطرة عليه، ولو تُرِكَ ذَبْحُه لعاد إليه إحساسه ونشاطه؛ فهذا يجوز أَكْلُه إذا ذُبِحَ وهو مُغْمًى عليه؛ لأنَّه لم يمت، والأطبَّاء لا ينصحون بهذا التخدير؛ لأنَّه لا يجعل الدَّم ينزف كُلّه بعد الذَّبْح، وبقاء الدَّم في الذبيحة يُسْرع بفساد لحمها. أمَّا الذبائح المستورَدة من بلاد شيوعيَّة أو وثنيَّة؛ فالأصل فيها التحريم، إلَّا إذا ثبت أنَّ هناك هيئة إسلاميَّة تُشْرف على الذبائح؛ بحيث يكون الذَّابح مُسلماً أو كتابيًّا، وحصل الذَّبْح على الطريقة الإسلاميَّة. وعليه؛ فإنَّ حكم ما يُستورَد من الدُّول الشيوعيَّة والوثنيَّة التحريم، لكن أفادت مصادر وزارة التموين، والوفود التي كُلِّفت بالاطِّلاع على كيفيَّة الذَّبْح: أنَّ الذَّبْح كان بطريقةٍ جائزةٍ موافقةٍ للشريعة الإسلاميَّة،

стр. 506

ونحن نُحْسِنُ الظنَّ بهم. والله أعلم. ولا بأس بتقليد من اطَّلع على الأمر. والوَرَع تَرْك هذه اللحوم. أمَّا التَّسمية على لحوم هذه الذَّبائح عند أَكْلِها فلا يكفي؛ لأنَّ الحديث الوارد في ذلك نصَّ على أنَّ اللحوم كان يأتي بها أقوامٌ أسلموا حديثاً؛ فهم مسلمون، لكنَّهم لا يعرفون تفصيلات الأحكام الشرعيَّة التي من جملتها التَّسمية على الذبائح، فتحسيناً للظنِّ بهم - لأنَّهم مسلمون - أجاز الرسول ﷺ للسائلين أن يُسمُّوا الله على تلك الذَّبائح ويأكلوا منها، فالفَرْق شاسع بين شيوعيٍّ أصيل وبين مسلم دَخَل في دين الله حديثاً. والحديث المشار إليه هو ما جاء في (موطَّأ الإمام مالك): (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ، وَلَا نَدْرِي هَلْ سَمَّوُا اللهَ عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : سَمُّوا اللهَ عَلَيْهَا ثُمَّ كُلُوهَا). قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ الإِسْلَامِ. [فتاوى الشيخ نوح علي سلمان - دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٢٤٨١)] * * * اللُّحُومُ المُعلَّبَةُ المُسْتَوْرَدَةُ مِنَ الخَارِجِ (٥٤٩) [ما حُكمُ اللُّحوم التي تَرِدُ في عُلَبٍ ونحوها من الخارج ؟]: الجواب: الحمد لله وحده والصَّلاة والسَّلام على من لا نبيَّ بعده، وآله وصحبه ... أمَّا بعد، فقد وردت عدَّة أسئلة عن اللحوم التي تَرِدُ في علب ونحوها من الخارج، فأقدمت على الإجابة، وإن كنت لست أهلاً لذلك؛ لقِصَر باعي، وقلَّة اطِّلاعي، فأقول وبالله التوفيق: قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، وهذه الآية العظيمة من آخر ما نزل، وهي تدلُّ على إحاطة الشريعة وكمالها؛ فلم تحدث حادثة ولن تحدث إلَّا والشريعة المحمَّديَّة

стр. 507

قد أوضحت حكمها وبيَّنته، ولم يمت رسول الله ﷺ حتَّى بيَّن البيان المُبين، وورد عنه ﷺ أنَّه قال: (تَرَكْتُكُمْ عَلَى المَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ) ... (سنن ابن ماجه، المقدِّمة، ٤٤)، (مسند أحمد ابن حنبل، ٤/ ١٢٦)، (سنن الدارمي، المقدِّمة، ٩٥). وقال أبو ذر: «مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وطَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي الهَوَاءِ، إِلَّا ذَكَرَ لَنا مِنْهُ عِلْمًا ... » وقال العبَّاس: «مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى ترَكَ السَّبِيلَ نَهْجاً»، فهذه اللُّحوم المُستورَدة من الخارج، والمحفوظة في علب أو نحوها قد بيَّنت الشريعة الإسلاميَّة حكمها غاية البيان، فإنَّ اللُّحوم تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأوَّل: أن يتحقَّق أنَّها من ذبائح أهل الكتاب، فهذه حلالٌ بنصِّ الكتاب والسُّنَّة والإجماع، ولم يقل بتحريمها أحدٌ يُعتدُّ بخلافه، قال سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ قال ابن عبَّاس وغيره: طعامهم ذبائحهم، وهذا دون باقي الكفَّار فإنَّ ذبائحهم لا تَحِلُّ للمسلمين؛ لأنَّ أهل الكتاب يتديَّنون بتحريم الذَّبْح لغير الله، فلذلك أبيحت ذبائحهم دون غيرهم، وروى سعيد عن ابن مسعود ﵁ قال: «لَا تَأْكُلُوا مِنَ الذَّبَائِحِ إِلَّا مَا ذَبَحَ المُسْلِمُونَ وَأهْلُ الْكِتَابِ»، وفي حديث أنس: (أَنَّ يَهُودِيًّا دَعَا رَسُولَ اللهِ ﷺ إِلَى خُبْزِ شَعِيرٍ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ). (مسند أحمد بن حنبل، ٣/ ٢١١)، والإهالة: الودك (١)، والسَنِخة: المتغيِّرة، وحديث اليهوديَّة التي أهدت للنبيِّ ﷺ الشاة المَصْليَّة، وثبت في الصحيح عن عبد الله بن مغفل قال: (لمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ دُلِّيَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ فَاحْتَضَنْتُهُ، فَقُلْتُ: لَا أُعْطِي أَحَدًا

стр. 508

مِنْهُ شَيْئًا، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ يَتَبَسَّمُ) (صحيح البخاري، فرض الخمس، ٣١٥٣)، (صحيح مسلم، الجهاد والسير، ١٧٧٢)، (سنن النسائي، الضحايا، ٤٤٣٥)، (سنن أبي داود، الجهاد، ٢٧٠٢)، (مسند أحمد بن حنبل، ٤/ ٨٦)، (سنن الدارمي، السير، ٢٥٠٠). وقد صحَّ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأ مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ)، وَتَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ. القسم الثاني: أن تكون هذه اللحوم من ذبائح غير أهل الكتاب؛ كالمجوس، والهندوس، وعبدة الأوثان، ونحوهم فهذه اللحوم حرام، ولم يقل بإباحتها أحدٌ يُعتدُّ به، ولمَّا اشتهر قول أبي ثور بإباحتها أنكره عليه العُلماء، فقال الإمام أحمد: أبو ثور كاسمه، وقال إبراهيم الحربي: خرق أبو ثور الإجماع، وكُلُّ قول لا يؤيِّده الدليل لا يعتبر، وليس كُلُّ خلاف جاء معتبراً حتَّى يكون له حظٌّ من النظر. قال الله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، مفهومه: أنَّ غير أهل الكتاب لا تباح ذبائحهم، وروى أحمد بإسناده عن قيس بن السَّكَن الأسدي قال: قال رسول الله ﷺ : (إنَّكُمْ نَزَلْتُمْ بِفَارِسَ مِن النَّبَطِ، فَإِذَا اشْتَرَيْتُمْ لَحْمًا، فَإِنْ كَانَ مِنْ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ فَكُلُوا، وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَبِيحَةِ مَجُوسِيٍّ فَلَا تَأْكُلُوا)، ولأنَّ أهل الكتاب يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم، كما ذكره ابن كثير وغيره بخلاف غيرهم، والمجوس وإن أُخِذَت منهم الجِزْيَة تبعاً لأهل الكتاب وإلحاقاً بهم، فإنَّهم لا تُنكَح نساؤهم، ولا تُؤكَل ذبائحهم، وأمَّا ما يُروَى (سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ) (موطأ مالك، الزكاة، ٦١٧) فلم يثبت بهذا اللفظ، على أنَّه لا دليل فيه، إذ المراد: سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب فيما ذُكِرَ من أَخْذ الجِزْيَة منهم. ولو سُلِّم بصحَّة هذا الحديث فعمومه

стр. 509

مخصوص بمفهوم هذه الآية: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:٥]. القسم الثالث: ألَّا يُعلَم هل هي من ذبائح أهل الكتاب أو غيرهم: فالقواعد الشرعيَّة تقضي بالتحريم؛ فإنَّ القاعدة الشرعيَّة: أنَّه (إذا اشتبه مُباح بمُحرَّم حُرِّم أحدُهما بالأصالة والآخرُ بالاشتباه)، والقاعدة الأخرى: (إذا اجتمع مُبيحٌ وحاظِرٌ قُدِّم الحاظِرُ)؛ لأنَّه أحوط وأبعد من الشُّبهة، والأدلَّة دلَّت على البُعْد عن مواضع الشُّبهة؛ كما في الحديث: (الحَلَالُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُتَشَابهاتٌ لَا يَعْرِفُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقعَ فِيهِ) (صحيح البخاري، الإيمان، ٥٢)، (صحيح مسلم، المساقاة، ١٥٩٩). وفي حديث الحسن بن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ) رواه النسائي والترمذي وصحَّحه. وممَّا استدلُّوا به على التحريم في موضع الاشتباه: حديث عَدِيٍّ ﵁: (وإِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ فَوَجَدْتَ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ) (صحيح البخاري، الذبائح والصيد، ٥٤٧٦)، (صحيح مسلم، الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، ١٩٢٩)، وفي رواية: (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمعَلَّمَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ، فَلَا تَأْكُلْ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ) متَّفق عليه. أمَّا هذه اللحوم فإنَّها وإن كانت تُستورَد من بلاد تدَّعي أنَّها كتابيَّة فإنَّها حرامُ وميتةٌ ونَجِسَةٌ، فلا يجوز بيعها ولا شراؤها، وتحرُم قيمتها، كما في الحديث (إِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ) (سنن أبي داود، البيوع، ٣٤٨٨)،

стр. 510

(مسند أحمد بن حنبل، ١/ ٢٤٧). وذلك لوجوه عديدة: أوَّلًا: أنَّ هذه الدول في الوقت الحاضر قد نبذت الأديان وخرجت عليها، وكون الشخص يهوديًّا أو نصرانيًّا هو بتمسُّكه بأحكام ذلك الدِّين، أمَّا إذا تركه ونبذه وراء ظهره فلا يُعدُّ كتابيًّا، والانتساب فقط دون العمل لا ينفع، كما أنَّ المسلمَ مسلمٌ بتمسُّكه بدين الإسلام، فإذا تركه فليس بمسلم، ولو كان أبواه مسلمين، فإنَّ مجرَّد الانتساب لا يفيد، وقد روي عن عليٍّ ﵁ أنَّه قال في نصارى بني تغلب: «إِنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا مِنْ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ سِوَى شُرْبِ الخَمْرِ». قال الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀ بعد كلام: «وكون الرَّجُل كتابيًّا أو غير كتابيٍّ هو حُكمٌ يستفيده بنَفْسه لا بِنَسَبِه، فكُلُّ من تَدَيَّن بدين أهل الكتاب فهو منهم، سواء كان أبوه أو جدُّه دخل في دينهم أو لم يدخل، وسواء كان دخوله بعد النَّسْخ والتبديل أو قبل ذلك، وهو المنصوص الصريح عن أحمد، وإن كان بين أصحابه خلاف، وهو الثابت عن الصحابة بلا نزاع بينهم، وذكر الطحاوي أنَّ هذا إجماع قديم». الثاني: أنَّ ذبائح المذكورين الآن إمَّا مَوْقوذَة أو مُخْتَنِقَة، والمُخْتَنِقَة التي تُخْنَق فتموت، والمَوْقوذَة التي تُضْرَب فتموت، وقد قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ [المائدة: ٣]. وقد تحقَّق أنَّ هذه الدول الآن تقتل البهيمة إمَّا بواسطة تسليط الكهرباء فتموت خَنْقاً، وإمَّا بضربها بمَطْرقة في مكان معروف لديهم فتموت حالًا، وهذا محقَّق عنهم لا يمتري فيه أحد؛ فقد كُتِبَت عنَّهم عدَّة كتابات في هذا الصدد. فتحقَّق أنَّ ذبائحهم ما بين مُنْخَنِقة

стр. 511

ومَوْقوذَة، وهذه لا يمتري أحد بتحريمها؛ فقد حرَّمها الله في كتابه، وقرن تحريمها بتحريم الميتة والخنزير وما أُهِلَّ به لغير الله، وهذا غاية في التنفير والتحريم، فلا يبيحها كون خانقها أو واقذها منتسباً لدين أهل الكتاب. وقد صرح العُلماء: أنَّ من شروط صحَّة الذَّبْح الآلة، وللآلة شرطان: أحدهما: أن تكون محدَّدةً تقطع، أو تخرق بحَدِّها، لا بثِقَلِها، وفي حديث عَدِيٍّ قال: (سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَيْدِ المِعْرَاضِ فَقَالَ: مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَهُوَ وَقِيذٌ) (صحيح البخاري، الذبائح والصيد، ٥٤٧٥)، (صحيح مسلم، الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان، ١٩٢٩). والثاني: ألَّا تكون سِنًّا ولا ظُفُراً، فإذا اجتمع هذان الشرطان في شيءٍ حَلَّ الذَّبْح به؛ لقوله ﷺ : (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ، وَالظُّفُرَ) متَّفق عليه. وقال في (المغني): وأما المحلُّ -محل الذَّبْح -فالحَلْق واللَّبَّة، وهي الوَهْدَة التي بين أصل العُنُق والصَّدْر، ولا يجوز الذَّبْح في غير هذا المحلِّ بالإجماع. الثالث: أنَّ الله أباح ذبائح أهل الكتاب؛ لأنَّهم يذكرون اسم الله عليها، كما ذكره ابن كثير وغيره، أمَّا الآن فقد تغيَّرت الحال، فهم ما بين مهمل لذِكْر الله، فلا يذكرون اسم الله ولا اسم غيره، أو ذاكرٍ لاسم غيره؛ كاسم المسيح، أو العُزَير، أو مريم، ولا يخفى حكم ما أُهلَّ لغير الله به في سياق المحرَّمات ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وفي حديث عليٍّ: (لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ) الحديث رواه مسلم والنسائي، أو ذاكرٍ عليه اسم الله واسم غيره، أو ذابحٍ لغير الله كالذي يذبح للمسيح أو عُزَير أو باسمهما، فهذا لا يشكُّ مسلمٌ

стр. 512

بتحريمه، وأنَّه ممَّا أُهِلَّ به لغير الله. وذكر إبراهيم المرُّوذِي: أنَّ ما ذُبِح عند استقبال السلطان تقرُّباً إليه أفتى أهل بُخارَى بتحريمه؛ لأنَّه ممَّا أُهِلَّ لغير الله. اهـ. فمن ذبح للصنم، أو لموسى، أو لعيسى، أو غيرهما، فكُلُّ هذا حَرامٌ، ولا تَحِلُّ الذبيحة، سواء كان الذابح مسلماً أو كافراً، وبعضهم أباح هذه الذبائح مستدلًّا بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وهذه ذبائحهم. والصحيح: ما ذكرنا؛ لما أشرنا إليه من الأدلَّة، ولا مخالفة حتَّى يطلب الجمع، إذ ذبيحة الكتابيِّ مباحة، فلا تباح المُنْخَنِقة والمَوْقوذَة وما أُهِلَّ به لغير الله؛ لأنَّ خانقها وواقِذَها وذابحها من أهل الكتاب. قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية بعد كلام في الجمع بين قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] قال: والأشبه بالكتاب والسنة ما دلَّ عليه كلام أحمد من الحَظْر، وإن كان من متأخِّري أصحابنا من لا يذكر هذه الرواية بحال؛ وذلك لأنَّ قوله: ﴿أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] عمومٌ محفوظٌ لم تخصَّ منه صورة، بخلاف طعام الذين أوتوا الكتاب، فإنَّه يُشرَط له الذَّكاة المبيحة، فلو ذَكَّى الكتابيُّ في غير المَحلِّ المشروع لم تبحْ ذكاتُه، ولأنَّ غاية الكتابيِّ أن تكون ذكاته كالمسلم، والمسلم لو ذبح لغير الله وذبح باسم غير الله لم يبح، وإن كان يكفر بذلك، فكذلك الذمِّي؛ لأنَّ قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] سواء، وهم وإن كانوا يستحلُّون هذا، ونحن لا نستحلُّه، فليس كُلُّ ما استحلُّوه يحلُّ لنا، ولأنَّه قد تعارض دليلان حاظِرٌ

стр. 513

ومبيحٌ، فالحاظِرُ أَوْلَى أن يُقدَّم، ولأنَّ الذَّبْح لغير الله أو باسم غيره قد علمنا يقيناً أنَّه ليس من دين الأنبياء ﵈، فهو من الشرك الذي قد أحدثوه، فالمعنى الذي لأجله حَلَّت ذبائحهم مُنتفٍ في هذا، والله أعلم. اهـ. وأمَّا حكم متروك التَّسمية فقط عمداً أو سهواً، فهذه المسألة الخلاف فيها شهير، والحكم ولله الحمد واضح. الرابع: أنَّ موضوع الذَّبْح الاختياري معروف، وهو في الحَلْق واللَّبَّة، ولا يجوز في غير ذلك إجماعاً، وروى سعيد والأثرم عن أبي هريرة قال: (بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ يَصِيحُ فِي فِجَاجِ مَكَّةَ: أَلَا إِنَّ الذَّكاة فِي الحَلْقِ وَاللَّبَّة) رواه الدارقطني بإسناد جيِّد، وروي عن أبي هريرة قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ، وَهِيَ الَّتِي تُذْبَحُ فَتَقْطَعُ الْجِلْدَ وَلَا تَفْرِي الْأَوْدَاجَ) رواه أبو داود. وروى سعيد في (سننه) عن ابن عبَّاس ﵄: (إذَا أُهْرِيقَ الدَّمُ وَقُطِعَ الْوَدَجُ فَكُلْ). إسناده حسن، والوَدَجان: عِرْقان بالحُلْقوم، وهذا معدوم في ذبائح المذكورين كما ذكرناه سابقاً، فلا تحلُّ، قال في (مغني ذوي الأفهام): الثالث: أن يقطع الحُلْقوم والمَريء بالآلة، فإن خنقها، أو عصر رأسها بيده، أو ضربها بحجر أو عصا على محلِّ الذَّبْح لم يَحِلَّ أَكْلُها. الخامس: لو فرضنا أنَّه يوجد في تلك البلدان من يذبح ذبحاً شرعيًّا، ويوجد من يذبح ذبحاً آخر؛ كالخَنْق والوَقْذ، فلا تَحِلُّ؛ للاشتباه، كما هي قاعدة الشرع المعروفة، ولحديث عَدِيٍّ المتقدِّم. قال ابن رَجَب -بعد كلام-: وما أصلُه الحَظْر؛ كالأَبْضاع، ولحوم الحيوان فلا تَحِلُّ إلَّا بيقين حِلِّه من التَّذْكية والعَقْد، فإن تردَّد في شيء من ذلك لسبب آخر، رجع إلى الأصل فبنَى عليه، فما أصله الحُرْمَة بُني على

стр. 514

التحريم؛ ولهذا نهى النبيُّ ﷺ عن أَكْل الصيد الذي يجد فيه الصائد أثر سهمٍ أو كلب غير كلبه. اهـ. أما حديث عائشة: أَنَّ أُنَاساً يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ وَلَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (سَمُّوا اللهَ وَكُلُوا) أخرجه البخاري. فالجواب: أنَّ هؤلاء مسلمون، ولكنَّهم في الحديث حديثٌ عهدُهم بالإسلام، وإنَّما أشكل هل يُسَمُّون أم لا؟ والتَّسمية سهلة بالنسبة إلى غيرها؛ فإنَّ المذكورين في حديث عائشة مسلمون، والأصل في ذبحهم الإباحة، وكذلك فيما جُلِبَ من بلاد المسلمين كان هو معروفاً ومصرَّحاً به في كلام أهل العِلْم. وهذا آخر ما أردنا إيراده في هذه العجالة. وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد، وآله وصحبه أجمعين. [أبحاث هيئة كبار العلماء (٢/ ٥٥٤ - ٥٦٠)] * * * أَكْلُ اللُّحومِ المُعلَّبة المُستَوردة من دُولٍ غير مُسلِمَةٍ (٥٥٠) السؤال: هل يجوزُ أكلُ ما في المُعلَّبات من لحوم الدَّجاج والضَّأن والبَقَر وغيرها ممَّا يُستورَدُ من الدُّول غير الإسلاميَّة، مع ملاحظة أنَّنا لا نعرف حقيقة ذَبْحِها ؟ الجواب: يقول الله ﵎ في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. ومسفوحاً: أي مُرَاقاً. ورجسٌ: أي نَجِسٌ وحرامٌ. وأُهِلَّ لغير الله به: أي ذُكِرَ عند ذَبْحه غيرُ اسمِ الله تعالى. وغير باغٍ: أي غير طالبٍ للمُحرَّم للذَّة. ولا عادٍ: أي غير متجاوزٍ ما يَسُدُّ الرَّمَق. ويقول الله تعالى في سورة المائدة:

стр. 515

﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والذين أوتوا الكتاب: هم النَّصارى واليهود، ويقول الإمام أبو بكرٍ ابنُ العَرَبيِّ عن هذه الآية الكريمة: «هذا نصٌّ قاطعٌ على أنَّ الصَّيد وطعامَ الذين أوتوا الكتاب من الطيِّباتِ التي أباحها الله، وهو الحلال المُطْلَق». وقد ثبت في الحديث الصحيح أنَّ رسول الله ﷺ أَكَلَ من شَاةٍ قَدَّمَتها إليه امرأةٌ يَهوديَّةٌ، كما روى البخاريُّ والنَّسائيُّ من حديث عائشة (أَنَّ قَوْماً قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ قَوْماً يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ، لَا نَدْرِي ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا). وقد ذكر الإمامُ القرطبيُّ أنَّ جمهور الأئمَّة يُقرِّر أنَّ ذبيحة كُلِّ نَصرانيٍّ حلالٌ، وكذلك اليهود. وقرَّرَ غيرُه أنَّ المسلم الآكل لذبيحة غير المسلم إذا لم يعلم أنَّ الذَّابح قد ترك التَّسميةَ، ولم يعلم أنَّه قد ذكر عليها اسماً غير اسم الله، فالأَكْل منها حلال. وذكر الفقيه الحنفي محمَّد ابن عابدين أنَّ ذبيحة الكتابيِّ حلالٌ؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وطعامهم هنا هو ذبائحهم. كما جاء في (الفتاوى الهنديَّة) أنَّ ذبيحة الكتابيِّ تُؤكَل إلَّا إذا شهد المسلم ذَبْح الكتابيِّ للذَّبيحَةِ، ووجد أنَّه قد ذَكَرَ عليها غير اسمِ الله سبحانه. وقال الإمام عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁ وكَرَّم الله وجهه، كما قال معه غيره: «إِذَا سَمِعْتَ الكِتابيَّ يُسَمِّي غَيْرَ الله فَلَا تَأْكُلْ»؛ وذلك لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]. ويَحرُم الأَكْل من ذبيحة الوثنيِّ؛ وهو عابدُ الوَثَنِ أو الصَّنَم، وكذلك يَحرُم الأَكْل من ذبيحة من لا يَدينُ بدِينٍ إطلاقاً. ونفهم من البيان السابق أنَّه يجوزُ

стр. 516

أَكْل ما في المُعلَّبات المذكورة، ما دامت واردةً من بلادٍ أهلُها من أهل الكتاب، وبشَرْط أن يكون نوع اللَّحم الموجود فيها مباحاً، وألَّا يكون قد تطرَّق إليها الفساد، ولا يجوزُ أَكْل ذبيحةٍ رأى صاحبُها أو عَلِمَ عِلْمَ اليقين أنَّ ذابحها قد ذَكَرَ عليها شيئاً غيرَ اسمِ الله تعالى، والله ﵎ أعلم. [يسألونك في الدين والحياة (٢/ ٣٠١ - ٣٠٢)] * وانظر: فتوى رقم (٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣١) * * * طَعَامُ النَّصَارَى وَاليَهُودِ وَالبَهَائِيِّينَ وَالقَادْيَانِيِّينَ (٥٥١) السؤال: ما حُكمُ طعام كُلٍّ من: النَّصارى، اليهود، البهائيِّين، القاديانيِّين ؟ الجواب: أباح الله تعالى لنا طعام أهل الكتاب؛ وهم اليهود والنصارى، بالإضافة إلى طعام المسلمين، والمقصود بالطعام هنا: الذَّبائح، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. وبناءً على هذا نستخلص الأحكام التالية: ١ - يَحِلُّ لنا أَكْل الذَّبائح التي ذَبَحَها مسلمٌ أو نصرانيٌّ أو يهوديٌّ فقط، ولا يَحِلُّ لنا أَكْلُ ما ذَبَحَه سواهم من أصحاب العقائد الأُخرى؛ كالبهائيَّة والقاديانيَّة. ٢ - تَحِلُّ لنا كُلُّ الأطعمة التي ليس فيها اللحم ومشتقَّاته مهما كانت ديانة صانعها ما لم تتضمَّن مادَّة أخرى مُحرَّمة؛ فالخبز -مثلاً- يجوز أَكْلُه مهما كانت ديانة الخبَّاز، ومثله كُلُّ أنواع الطبخ التي ليس فيها لحم، فإن كان فيها لحمٌ نظرنا إلى من ذَبَح الحيوان الذي استُعمِلَ لحمُه في الطعام؛ فإن كان مُسلماً أو يهوديًّا أو نصرانيًّا أَكَلْناه، وإلَّا فلا. [فتاوى الشيخ نوح علي سلمان - دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٢٤٨٩)

стр. 517

ذَبِيحَةِ غَيْرِ المُسْلِم (٥٥٢) السؤال: لا يخفى على فضيلتكم أنَّ دول أهل الكتاب في هذه الأيَّام خليط من أجناس وديانات مختلفة، وشُبْهة الذَّبْح على غير الطريقة الشرعيَّة قويَّة، فما الحُكمُ في أَكْل ذبائحهم ؟ وهل هناك تفصيل في هذه المسألة؟ نرجو منكم توضيح هذا الأمر فإنَّه مُحيِّر لنا. الجواب: يُشترَط في الذَّبْح أن يُعْلَم أو يغلب على الظنِّ أنَّ الذَّابح ممَّن تَحِلُّ ذبيحته؛ وهم المسلمون وأهل الكتاب -اليهود والنَّصارى-، فإذا شَكَكْنا هل الذَّابح من اليهود أو النَّصارى؛ فإنْ غلب على الظنِّ أنَّ الذابح يهوديٌّ أو نصرانيٌّ فالذبيحة حلال، وإذا كان غالب الظنِّ أنَّ الذين يتولَّون الذَّبْح ليسوا من أهل الكتاب، فالذبيحة حَرامٌ، وإذا شَكَكْنا؛ فالذَّبيحة حَرامٌ فصارت المراتب الآن خمس حالات: ١ - إذا عَلِمْنا أنَّ الذَّابح من أهل الكتاب فالذَّبيحة حلالٌ. ٢ - إذا غلب الظنُّ أنَّ الذَّابح من أهل الكتاب فالذبيحة حلالٌ. ٣ - إذا شَكَكْنا فالذَّبيحة حرامٌ. ٤ - إذا غلب على الظنِّ أنَّ الذَّابح من غير أهل الكتاب فالذَّبيحة حرامٌ. ٥ - إذا عَلِمْنا أنَّ الذَّابح من غير أهل الكتاب فالذَّبيحة حرامٌ. فهي خمسة أحوال تَحْرُم بثلاثة أحوال منها، وتَحِلُّ في حالتين. [مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (١ ٥/ ٤٤٢ - ٤٤٣)] * * * (٥٥٣) السؤال: هل تُؤكَل ذبيحة غير المسلم؟ وما دليل ذلك بالإجمال ؟ الجواب: تَحِلُّ ذبيحة غير المسلم إذا كان هذا الشخص كتابيًّا، أي من أهل دينٍ له كتابٌ سماويٌّ؛ وذلك كالمسيحيَّة

стр. 518

واليهوديَّة، بشرط أن يكون المذبوح ممَّا يَحِلُّ أَكْلُه في شريعتنا، والدليل على ذلك أنَّ الله تعالى يقول في القرآن الكريم: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] والمراد بالطعام هنا هو الذَّبائح؛ كما جاء في رأي ابن عبَّاس وجمهور المفسِّرين، وذلك مع عِلْم الله ﵎ أنَّهم قد يذكرون عند الذَّبْح أسماءً غير اسمِ الله سبحانه. واشترط فريقٌ من الفقهاء أن يذكر الكتابيُّ عند الذَّبْح اسمَ الله على الذَّبيحة وهو يذْبَحها، وإلَّا حَرُمَت، فإذا لم يَعْلَم المسلمُ هل ذَكَرَ الكتابيُّ اسمَ الله أو غيرَه حَلَّت الذَّبيحة أيضاً. وقد جاء في (صحيح البخاري) عن الزُّهريِّ أنَّه قال: «لا بأسَ بذَبِيحَةِ نَصَارَى العَرَبِ، وَإِنْ سَمِعْتَهُ يُسمِّي غَيْرَ اللهِ فَلا تَأكُلْ، وَإِنْ لَمْ تَسْمَعْهُ فَقَدْ أَحَلَّهُ اللهُ وَعَلِمَ كُفْرَهُمْ». وأمَّا ذبيحة غير الكتابيِّ؛ كالمجوس الذين يعبدون النَّار، فلا تجوز للمسلم؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ يقول عن المجوس: (سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ، غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ، وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ)؛ فيدلُّ ذلك على أنَّ ذبائح أهل الكتاب حلالٌ، ولكن ذبائحَ المجوس وأشباههم حرامٌ على المسلمين. والله ﵎ أعلم. [يسألونك في الدين والحياة (٢/ ٢٩٢)] * * * شِراءُ اللُّحُومِ دُونَ مَعْرفَةِ دِيَانَةِ الذَّابِحِ وطَرِيقَةِ الذَّبْحِ (٥٥٤) السؤال: السَّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته. هل يجوزُ لنا شراء اللُّحوم من السوبر ماركت دون أن نعرف ديانة الذَّابح وطريقة الذَّبْح ؟ الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله أما بعد: فيما يتعلَّق باللحوم التي تُباع في المحلَّات التجاريَّة والأسواق في بلاد أوربَّا وأمريكا نقول:

стр. 519

- إنَّ كون الأصل فيها أنَّها ذبائح أهل كتاب صحيح في الجملة، لو سَلِمَ من المعارض، وما يعارضه هو أنَّه قد استفاض أنَّ نسبةً معتبرةً من اللحوم المعروضة في الأسواق هناك تخرج عن حدِّ النُّدْرة، قد لا تكون ذُكِّيت ذكاةً شرعيَّة، وإذا تخلَّفت الذَّكاة الشرعيَّة صار حكم ما ذُبِحَ حُكمَ المَيْتَة، وإن كانت صورته صورة المُذَكَّى؛ لأنَّ قَطْع الحُلْقوم والمَريء والوَدَجَين لم يحصل إلَّا بعد إزهاق الرُّوح. وهذا قد عُرِفَ بالاستفاضة، وهو في البقر والغنم أكثر منه في الدَّجاج، لأنَّ الدَّجاج لا يُصْعَق ولا يُضْرَب بمسدَّس في رأسه، كما يُفعَل بالبقر والغنم، لكنَّه يمُرُّ بمنطقة فيها ماءٌ ساخنٌ، ثمَّ يمُرُّ بعدها مباشرة بالموس الذي يقطع الرأس، ويقال: إنَّ الذي يموت بالاختناق جرَّاء هذه العمليَّة نسبةٌ ضئيلةٌ جدًّا، والباقي تدركه الذَّكاة. هذا ما بلغنا عن كيفيَّة الذَّبْح في بعض المصانع، وهي صورةٌ من الصور المتَّبَعة فيه، عِلْماً بأنَّ الأساليب المتَّبَعة في الذَّبْح في أمريكا أفضل منها في أوربَّا. وعليه؛ فإنَّ الاحتياط في لحوم البقر والغنم ينبغي أن يكون أشدَّ منه في الدَّجاج، لأنَّ احتمال موت البقر والغنم قبل ذَبْحِها أكبر من احتمال موتها بالذَّبْح، كما أفاد ذلك من له بعض اطِّلاع على مصانع ذَبْح الأبقار. فعلى الإخوة الذين يعيشون في تلك البلاد مراعاة ما يلي: أوَّلًا: إذا أمكن معرفة المصانع التي تَذْبَح بطريقةٍ غير شرعيَّةٍ، فإنَّ منتجاتها من اللحوم تُجتَنَب. ثانياً: هناك نوعان من الذَّبائح تنطبق عليها أحكام ذبائح أهل الكتاب، وهما موجودان عادةً في الأسواق الأمريكيَّة والأوربيَّة، وهما: - ذبائح النَّصارى المتديِّنين الذين قد عُرِف عنهم أنَّهم يلتزمون الذَّبْح؛ كطائفة الآمِش ونحوهم.

стр. 520

- ذبائح اليهود؛ فإنَّهم لا يستجيزون أَكْل المَيْتات، واللحوم الخاصَّة باليهود عليها علامةٌ معروفةٌ، وهذه وتلك يجوز شراؤها وأَكْلُها. - هذا غير اللحوم المذبوحة من المسلمين، وهي مع الأسف قليلةٌ وغير منافسة. فإذا لم توجد هذه البدائل -وهذا قليلٌ-، ووجدت اللحوم معروضةً، وأنتم لا تعرفون عن الشركة المُورِّدة لها أنَّها تَذْبَح بطريقةٍ غير شرعيَّةٍ، فلكم أن تشتروها وتأكلوها استصحاباً لحكم الأصل؛ وهو أنَّها من ذبائح أهل الكتاب، وقد قال الله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] أي: ذبائحهم، وقد قال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. لكن إذا استفاض الخبر بكون اللحوم المعروضة في الأسواق لا تذكَّى الذَّكاة الشرعيَّة، استفاضة تُكَدِّر صَفْوَ الاطمئنان إلى استصحاب حكم الأصل، أو كَثُرَ من يتولَّى الذَّبْح من غير أهل الكتاب، وهذا قد يتصوَّر في الولايات الغربيَّة مثل كاليفورنيا، فإنَّ بها جاليات صِينيَّة ويابانيَّة وكوريَّة كبيرة وليسوا من أهل الكتاب، فإذا كانوا يعملون عمالاً في مصانع إنتاج اللحوم؛ فإنَّه يجب التثبُّت من مصدر اللحم وديانة الذَّابح حينئذٍ؛ لأنَّ الاستبراء للدِّين واجبٌ، كما أنَّ حكم الأصل؛ وهو حِلُّ ذبائح أهل الكتاب قد نوزع فيه وتطرَّق إليه الاحتمال، والدليل إذا تطرَّق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. وليُعْلَم أنَّه ليس هناك حكمٌ واحدٌ عامٌّ يمكن تطبيقه في كُلِّ مكان، بل لكُلِّ منطقةٍ ظروفها، لكنَّ الضوابط التي أسلفنا ذِكْرَها سوف تساعد في اختيار الأسلم بإذن الله. [فتاوى الشبكة الإسلاميَّة (رقم ٢٤٣٧)]

стр. 521

أَثَرُ تَعَدُّدِ الدِّياناتِ في أمريكا عَلَى حُكْمِ ذَبائِحِهِمْ (٥٥٥) السؤال: هل تعتبر أمريكا بلدَ أهل كتابٍ أم لا؟ لاختلاف الدِّيانات، ممَّا يجعلُنا نشكُّ في ديانة الذَّابح بأن يكون مُلْحِداً ؟ الجواب: أمريكا تُعدُّ من بلاد أهل الكتاب، لأنَّ النصارى غالبيَّة سكَّانها، وهم أهل الشَّوكة والسُّلطة فيها، والله تعالى أعلم. [فتاوى الشبكة الإسلاميَّة (رقم ٢٤٣٧)] * * * أَكْلُ اللُّحُومِ في بِلادٍ غَيْرِ إسْلامِيَّةٍ (٥٥٦) السؤال: هل يجوزُ أَكْلُ اللَّحْم المُقدَّم في المطاعم الأمريكيَّة ؟ الجواب: يجوز أَكْل اللَّحم المقدَّم في المطاعم الأمريكيَّة وغيرها من بلاد أهل الكتاب، إذا لم يكن لحم خنزير أو غيره من الحيوانات المُحرَّمة، ولم يُعْلَم أنَّه مذبوحٌ بطريقةٍ غير شرعيَّة، والله أعلم. [الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ١٢)] * * * اسْتِيرَادُ الذَّبائِحِ دُونَ إِشْرَافِ مَرْكَزٍ إِسْلامِيٍّ (٥٥٧) السؤال: إذا لم توجد مؤسَّسةٌ أو مركزٌ إسلاميٌّ مُعتَرَفٌ به من قَبَلِ الجهات الرسميَّة في البلد المُستورِد؛ فما حُكمُ الذَّبائح في هذه الحال؟ وهل يجوزُ استيرادها ؟ ثمَّ ما حُكمُ استيراد اللُّحوم من الدُّوَل الوثنيَّة أو المُلْحِدَة الشيوعيَّة في حال وجود المراكز أو الجاليات الإسلاميَّة فيها؟ الجواب: إذا كان أهل هذه الدُّول مسلمين أو أهل كتاب، ولم يُعْلَم أنَّهم يخالفون شروط الذَّبْح الإسلامي، فيَحِلُّ أَكْل ذبائحهم، فإن كانوا ليسوا مسلمين ولا من أهل الكتاب، لم يَحِلَّ حتَّى يُعْلَم أنَّ الذَّابح مسلمٌ أو من

стр. 522

أهل الكتاب، ولم يخالف أحكام الذَّبْح الإسلامي، ولا أثر لوجود مركز إسلامي أو عدم وجوده من الناحية الشرعيَّة، ولوليِّ أمر المسلمين اشتراط الإشراف على الذَّبْح عن طريق المركز الإسلامي أو غيره، إن رآه ضروريًّا لتحقيق الشروط المتقدِّمة، والله أعلم. [الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ١٣)] * * * اسْتِيرَادُ اللُّحُومِ مَصْحُوبَةً بِشَهَادَةِ ذَبْحٍ إِسْلامِيٍّ (٥٥٨) السؤال: ترغب لجنة الشؤون الماليَّة والاقتصاديَّة في معرفة وجهة نظركم حول الاقتراح بقانون بشأن استيراد اللُّحوم ما لم تكن مصحوبةً بشهادة ذَبْح إسلاميٍّ ، ونصُّه: «يحظر استيراد اللُّحوم والذَّبائح بجميع أنواعها ما لم تكن مصحوبةً بشهادة ذَبْح إسلاميٍّ صادرةٍ من أحد المراكز الإسلاميَّة المُعتمَدَة بالخارج ومُصَدَّقة من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلاميَّة بدولة الكويت». الجواب: يجبُ إرْفاق شهادة الذَّبْح الإسلامي مع اللحوم ومنتجاتها إذا كانت مُستورَدةً من بلاد غير إسلاميَّة، مصدَّقة من جهةٍ رسميَّةٍ مختصَّةٍ في الدولة. أمَّا إذا كانت مُستورَدةً من بلادٍ إسلاميَّةٍ فلا يُشترَط فيها ذلك، بشَرْط أن تكون مُطَبِّقة للاشتراطات اللَّازمة للذَّبْح الإسلاميِّ، والله تعالى أعلم. [مجموعة الفتاوى الشرعيَّة الكويتية (٢ ٥/ ٢٩٩)] * * * (٥٥٩) السؤال: نتيجةً لاستخدام الوسائل التكنولوجيَّة في الدُّوَل الغربيَّة؛ كأمريكا، وأوروبَّا، وأستراليا، ونيوزيلاندا، وغيرها من الدُّول النصرانيَّة ، ودخول تلك الوسائل في شتَّى المجالات، ومن بينها المسالخ

стр. 523

التي تقوم بذَبْح المواشي أو الدَّواجن؛ لكي يتمَّ تصديرها للدُّول المُستهلِكَة، ومن بينها الدُّول الإسلاميَّة. لذا أصبح استهلاك تلك الذَّبائح ومنتجاتها من اللُّحوم بالنسبة للمسلمين في موضع شُبْهة؛ وذلك لشَكِّهم فيما إذا كانت هذه المواشي أو الدَّواجن قد ماتت باستخدام الوسائل التكنولوجيَّة من غير أن تُذْبَح ذَبْحاً شرعيًّا، ممَّا دفع الدُّول الإسلاميَّة إلى اعتماد الاتِّحادات والمراكز الإسلاميَّة المُوثَّقة في الخارج؛ لكي تقوم بدور المشرف على عمليَّة الذَّبْح؛ كي تضمن أنَّ تلك الذَّبائح ذُبِحَت ذَبْحاً شرعيًّا دون خَنْق، أو صَعْق بالكهرباء، أو ضَرْب بالمِطْرَقة، أو نحو ذلك. وفي حال عدم وجود مفرٍّ من استخدام الصَّعْق أو الضرب بالمطرقة يضمن الاتِّحاد أو المركز الإسلامي عدم موت تلك المواشي أو الدَّواجن باستخدام تلك الوسائل، ويرفض كُلَّ حيوان أو طير يكون قد مات قبل عمليَّة الذَّبْح الفِعْليِّة بواسطة السكِّين الحادَّة، ومن ثمَّ متابعة تلك الشحنة من اللُّحوم داخل المسلخ، وخَتْمها إمَّا على الذَّبائح أو على الكراتين بخاتم (حلال)، هذا الخاتم هو الذي يميِّز الذبائح أو منتجاتها من اللُّحوم عن غيرها، وتقوم تلك الاتِّحادات والمراكز الإسلاميَّة بإصدار شهادة ذَبْح حلال رسميَّة خاصَّة بتلك الشحنة التي تمَّ الإشراف عليها ليتمَّ تصديرها للمستهلكين المسلمين. ولا يقتصر دور الاتِّحاد أو المركز على الإشراف على عمليَّة الذَّبْح فقط، وإنَّما يمتدُّ ذلك إلى أن يكون الجزَّار مسلماً مع عِلْم الاتِّحاد بجواز ذَبْح أهل الكتاب، ومع العِلْم أيضاً أنَّه يتواجد هناك أناسٌ ممَّن يدَّعون الإسلام كالقاديانيِّين فلا يُقْبل ذَبْحُهم. والسؤال هو: إذا تدخَّلت حكومة دولةٍ من تلك الدُّول النصرانيَّة،

стр. 524

وفرضت نفسها أثناء عمليَّة الإشراف بحيث يكون ختم الذَّبْح الحلال بحوزتها، وليس بحوزة الاتِّحاد الإسلامي فيها، وتُخْتَم تلك الذَّبائح من قِبَلِ الحكومة، وأنَّ شهادة الذَّبْح النهائيَّة تصدر من قِبَلِ الحكومة، مدَّعيةً بأنَّ شهادة الذَّبْح النهائيَّة قد أُصدِرَت بناء على شهادة ذَبْح ذلك الاتِّحاد الإسلامي، وأنَّ الدُّول الإسلاميَّة سوف تستلم تلك الشهادة النهائيَّة والتي صدرت من الحكومة وليست من الاتِّحاد الإسلامي؛ فهل تُقْبَل شهادة ذَبْح الحكومة والاطمئنان إلى شرعيَّة تلك اللُّحوم المُصدَّرة للدُّول الإسلاميَّة؟ عِلْماً بوجود اتِّحاد إسلامي مُوَثَّق ومُعتمَد من كثير من الدُّول الإسلاميَّة كالمملكة العربيَّة السعوديَّة، ودولة الإمارات العربيَّة المتحدَّة، والكويت، والأردن، ومصر، وماليزيا، وأندونيسيا، وغيرها من الدُّول الإسلاميَّة؛ حيث لا يُسمَح بدخول أيِّ شحنة لحوم إلى هذه الدُّول إلَّا بشهادة ذَبْح حلال رسميَّةٍ صادرة من هذا الاتِّحاد، وما يدرينا لعلَّ الحكومة تستخدم جزَّارين قاديانيِّين، وقد ثبت دخولهم في مجال الذَّبْح، ووصلت شحنات من الذَّبائح واللحوم إلى الدُّول الإسلاميَّة من ذَبْح هؤلاء. الجواب: الأصل أنَّ الذَّبائح التي تأتي من الدُّول الشيوعيَّة والبوذيَّة مُحرَّمة قطعاً، ما لم يثبت أنَّها ذُبِحَت على الطريقة الإسلاميَّة، وأنَّ الذَّبائح التي تأتي من دول أهل الكتاب الأصل فيها الأَكْل، ما لم يثبت أنَّها ذُبِحَت على غير الطريقة الإسلاميَّة. أمَّا بالنسبة للشهادة فهي للاستيثاق من حِلِّ الذَّبائح وليست شَرْطاً لحِلِّها، فالاستيثاق والطمأنينة لا يصلح فيهما الاعتماد على شهادة غير المسلم في هذا الأمر؛ لأنَّه خبرٌ عن أمرٍ دِينيٍّ كالقِبْلة؛ فلا يصحُّ الاعتماد فيها إلَّا على خبر

стр. 525

المسلم العَدْل، ولا سيَّما مع وجود هذه الجهات الإسلاميَّة الحريصة على أداء هذه المهمَّة كالاتِّحاد الإسلامي؛ فينبغي الاقتصار عليها دون الجهات غير الإسلاميَّة، والله أعلم وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم. [الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ١٥)] * * * أَكْلُ اللُّحُومِ المُسْتَوْرَدَةِ المَذْبُوحَةِ فِي الخَارِجِ (٥٦٠) السؤال: ما حُكمُ اللَّحم الذي يوجد في الأسواق وقد ذُبِحَ في الخارج، هل يجوز الأَكْل منه أو لا ؟ الجواب: إن كان مُذَكِّي الأنعام أو الطيور غير كتابيٍّ؛ فلا تُؤكَل ذبيحتُه، سواء ذَكَرَ اسمَ الله عليها أم لا؛ لأنَّ الأصل حِلُّ ذبائح المسلمين فقط واستُثْني ذبائح أهل الكتاب بالنصِّ. وإن كان من ذَكَّاها من أهل الكتاب اليهود أو النصارى؛ فإن كانت تذكيته إيَّاها بذَبْح في رَقَبَتها، أو نَحْر في لَبَّتِها، وهي حيَّة، وذَكَر اسمَ الله عليها، أُكِلَت اتِّفاقاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وإن لم يَذْكُر اسم الله عليها عَمْداً ولا اسم غيره، ففي جواز أَكْلِها خلافٌ. وإن ذَكَرَ اسمَ غير الله عليها لم تُؤكَل وهي مَيْتَة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. وإن ضَرَبها في رأسها بمسدَّس، أو سلَّط عليها تيَّاراً كهربائيًّا -مثلاً- فماتت من ذلك فهي مَوْقوذَة ولو قَطَع رَقَبَتَها بعد ذلك، وقد حرَّمها الله في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣]، إلَّا إذا أُدْرِكَت حيَّةً بعد ضَرْب رأسها -مثلاً- وذكيت فتُؤكَل؛ لقوله تعالى في آخر هذه الآية: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فاستثنى

стр. 526

سبحانه من المُحرَّمات ما ذُكِّي منها إذا أُدرك حيًّا؛ لأنَّ التَّذْكية لا تأثير لها في المَيْتَة، أمَّا ما خُنِقَ منها حتَّى مات، أو سُلِّط عليه تيَّار كهربائي حتَّى مات، فلا يُؤكَل بالاتِّفاق وإن ذُكِرَ اسمُ الله عليه حين خَنْقِه، أو تسليط الكهرباء عليه، أو عند أَكْلِه. أمَّا قول رسول الله ﷺ : (سَمُّوا اللهَ وَكُلُوا) فإنَّه كان في ذبائح ذَبَحَها قومٌ أسلموا، لكنَّهم حديثو عهدٍ بجاهليَّة، ولم يُعْلَم أَذَكَروا اسمَ الله عليها أم لا، فأَمَر المسلمين الذين شَكُّوا في تسمية هؤلاء الذَّابحين على ما عُهِدَ في المسلمين من التَّسمية عند الذَّبْح، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم. [فتاوى اللجنة الدائمة (رقم ١٢١٦)] * * * (٥٦١) السؤال: هل الدَّجاج المُجَمَّد مذبوحٌ على الطريقة الإسلاميَّة ؟ الجواب: سألنا عن الدَّجاج الذي تستورده القوَّات المسلَّحة الأردنيَّة، فأفادني المسؤولون بأنَّ من شروط المناقصة التي تُطرَح لشرائه أن يكون مذبوحاً على الطريقة الإسلاميَّة، وعند تسلُّم البضاعة تكون مصحوبةً بشهادات خطيَّة من مفتي المسلمين في بلد المنشأ أنَّ هذا الدَّجاج قد ذُبِحَ بإشرافهم على الطريقة الإسلاميَّة، وبمثل هذا أفادونا عن اللحوم المُستورَدة، وبمثله أيضاً أفادتنا وزارة الصناعة والتجارة عندما سألناهم بكتاب رسميٍّ عن اللحوم المُستورَدة، وهذا يكفي من أجل أن يستبيح المسلم أَكْل هذا الدَّجاج، وكذلك اللحوم. [فتاوى الشيخ نوح علي سلمان - دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٢٤٨٨)] * * * (٥٦٢) [السؤال: ما حُكمُ استيراد لحوم ضأنٍ طازجةٍ مُجمَّدة من أستراليا، مُرْفَق بها شهاداتٌ رسميَّةٌ أنَّها مذبوحةٌ

стр. 527

بأيدي مسلمين حسب الشريعة الإسلاميَّة؟] الجواب: من محمَّد بن إبراهيم إلى فضيلة رئيس محكمة الدمَّام المحترم. السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد اطَّلعنا على الأوراق الواردة إلينا منكم برقم ٦٣١ وتاريخ ١٣/ ٢/ ١٣٨٤ المحالة إليكم من إمارة المنطقة الشرقيَّة حول طلب خليفة عبد الرحمن القُصَيْبي السماح له بتوريد لحوم الضَّأْن طازجةً مجمَّدةً من أستراليا، ومعها شهادات رسميَّة تُثبِتُ أنَّها مذبوحة بأيدي مسلمين حسب الشريعة الإسلاميَّة. وعليه، ونظراً لأهميَّة هذا الموضوع، وخشية تساهل المُورِّدين، ولأنَّ الذَّكاة لها شروطٌ أربعةٌ معروفة، لو اختلَّ منها شَرْطٌ لم تَحِلَّ الذَّبيحة؛ لأنَّها تكون في حكم المَيْتَة، وهذه الشروط منها: ما يتعلَّق بالمُذكِّي؛ وهو أهليَّة المُذكِّي؛ بأن يكون عاقلاً، سواء كان كتابيًّا أو مسلماً موحِّداً لم يقم به شيء من موجبات الرِّدَّة عن الإسلام، كالتعلُّق على القبور ونحوها، والخُرافات الشركيَّة، وأمور الوثنيَّة. ومنها: ما يتعلَّق بصفة التَّذْكية؛ وهو أن تُذكَّى الذَّبيحة ذكاةً شرعيَّة بقَطْع الحُلْقوم والمَريء كما ذكره الفقهاء، والاحتياط قَطْع أحد الوَدَجَين. ومنها: ما يتعلَّق بآلة التَّذْكية؛ وهو أن تُذكَّى الذَّبيحة بمُحَدَّدٍ يَنهرُ الدَّم، ليس بسِنٍّ ولا ظُفْر. ومنها: أن يَذْكُرَ اسمَ الله عليها عند الذَّبْح. وأمَّا استقبالُ القِبْلة فليس بشرط ولا واجب، وإنَّما هو سُنَّة. إذا تقرَّر هذا؛ فما دام خليفة القُصَيبي قد التزم بألَّا يُورِّد من اللحوم إلَّا ما توفَّرت فيه الشروط المطلوبة، فينبغي إفهامه بذلك، وأَخْذ التعهُّد اللَّازم

стр. 528

عليه بما ذُكِرَ على صُوَرٍ ليتأمَّلها بنفسه، ويُعطي منها وكلاءه، ومن سيتولَّى هذه المهمَّة في تلك البلدان، وعليه أن يُبرْهِن على تطبيق ما ذُكِر بالإثباتات الكافية من طريق المفتي الشرعي في تلك البلاد إن وُجِدَ، وإلَّا فبواسطة السَّفارة السعوديَّة، فإذا تحقَّق ما ذُكِر فلا بأس بالسماح له بتوريد اللحوم المذكورة، وإلَّا فلا نسمح لأحدٍ يتَّخذ فتوانا وسيلةً لمقاصده ثمَّ يتهاون بشيء ممَّا ذُكِر، وهذا من باب الأمانة يتعيَّن عليه مراعاتها وتقوى الله في ذلك، وعلى الجميع مراقبة ما ذُكِر بصورةٍ مُستمرِّةٍ، والله الموفِّق، والسَّلام. [فتاوى ورسائل الشيخ محمَّد بن إبراهيم (١٢/ ٢١٢ - ٢١٣)] * * * (٥٦٣) السؤال: نجد لُحوماً كثيرةً مذبوحةً ومُستورَدةً من بلاد غير إسلاميَّة، هل نأْكُل منها، ولا نفكِّر في عمليَّة الذَّكاة ؟ الجواب: إذا كانت اللحوم من بلاد أهل الكتاب -وهم اليهود والنصارى- فلا بأس؛ لأنَّ الله تعالى أباح لنا طعامَهم، وطعامُهم: ذبائحهم، فلا مانع أن نأْكُل منها إذا لم نَعْلَم ما يمنع من ذلك. فأمَّا إذا عَلِمْنا أنَّها ذُبِحَت خَنْقاً أو ضَرْباً في الرؤوس بالمَطارِق ونحوها، أو المسدَّسات، أو صَرْعاً بالكهرباء، فلا نأْكُل منها. وقد بلغني عن كثير من الدُّعاة أنَّ كثيراً من المجازر تَذْبَح على غير الطريقة الشرعيَّة في أمريكا وفي أوروبَّا. فإذا احتاط المؤمن ولم يأَكُل من هذه اللحوم، كان ذلك أحسن وأسلم؛ لقول النبيِّ ﵊: (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ)، وقوله ﷺ : (مَنِ اتَّقَى اَلشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ). فالمؤمن عليه أن يحتاط في شرابه وطعامه؛ فإذا اشترى الحيوان حيًّا من

стр. 529

الدجاج أو من الغنم وذبحها بنفسه، يكون ذلك أولى وأحسن، أو اشتراه من جزارين معروفين بالذَّبْح على الطريقة الشرعيَّة، يكون هذا خيراً له، وأحوط له. [مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (٢٣/ ١٦)] * * * (٥٦٤) السؤال: ما حُكمُ لَحْم الدَّجاج الذي يأتي من الخارج مذْبوحاً ومُصَبَّراً ؟ الجواب: إذا كان الدَّجاج الذي يُذْبح في الخارج وغيره من اللحوم التي تَرِد مُصَبَّرة، يَرِد من بلاد أهل الكتاب -وهم اليهود والنصارى- فهو حلال؛ لأنَّ طعام أهل الكتاب حِلٌّ لنا بنصِّ القرآن الكريم، ما لم يُعْلَم سببٌ يُحرِّمه؛ مثل: كونه ممَّا أُهلَّ لغير الله، أو ذُبح بغير قَطْع الرأس، أمَّا إذا كان ذلك يَرِد من بلاد المجوس أو الشيوعيِّين أو الاشتراكيِّين أو غيرهم من الوثنيِّين، فهو حَرامٌ لا يجوز أَكْلُه. [مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (٢٣/ ١٧ - ١٨)] * * * (٥٦٥) السؤال: ما حُكمُ أَكْل الدَّجاج والأبقار والأغنام المُثلَّجة المُستورَدة من بلاد الكفار ؟ الجواب: هذه اللحوم المثلَّجة من أبقار وأغنام وغيرها لا بأس أن تُؤكَل إذا كانت مُستورَدة من بلاد أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى؛ لأنَّ الله أحلَّ لنا ذبائحهم، فلا بأس أن نأْكُل ما استُورِدَ منهم، إلَّا إذا علمنا أنَّه ذُبِح على غير الشريعة، فإذا علمنا أنَّ هذه الذَّبيحة ذُبِحَت على غير الشريعة، أو أنَّها مُستورَدة من الشركة الفلانيَّة التي تَذْبَح على غير الشريعة بالصَّعْق أو غيره من أنواع الخَنْق أو غير ذلك، فلا نأْكُل، أمَّا ما دُمْنا لا نعلم، وقد استُورِد من بلاد فرنسا، أو أمريكا، أو انجلترا، أو غيرها من دول النَّصارى،

стр. 530

فلا حرج علينا، وهكذا ما يكون من بلاد اليهود لو كان بيننا وبينهم اتِّصال فإنَّهم من أهل الكتاب. [الفتاوى الصوتية للشيخ ابن باز (الموقع)] * * * (٥٦٦) السؤال: [ما] حُكمُ أَكْل اللَّحم الوارد من الخارج ؟ الجواب: هذا سؤال كثر التساؤل فيه وعمَّت البَلْوى به، وحكمه يتبيَّن بتحرير ثلاثة مقامات: المقام الأوَّل: حِلُّ ذبيحة أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى. المقام الثاني: إجراء ما ذَبَحَه من تَحِلُّ ذبيحته على أصل الحِلِّ. المقام الثالث: الحكم على هذا اللحم الوارد بأنَّه مِنْ ذَبْح مَنْ تَحِلُّ ذبيحته. فأمَّا المقام الأول: فإنَّ ذبيحة أهل الكتاب (اليهود والنصارى) حلالٌ دلَّ على حِلِّها الكتاب والسُّنَّة والإجماع؛ أمَّا الكتاب فقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]. قال ابن عبَّاس ﵄: طعامهم ذبائحهم. وكذلك قال مجاهد وسعيد ابن جُبَير والحسن وإبراهيم النخعي. ولا يمكن أن يكون المراد بطعامهم التَّمْر والحَبُّ ونحوهما فقط؛ لأنَّ قوله: (طعام الذين أوتوا الكتاب) لفظ عامٌّ، فتخصيصه بالتَّمْر والحَبِّ ونحوهما خروجٌ عن الظاهر بلا دليل، ولأنَّ التَّمْر ونحوه من الطعام حلالٌ لنا من أهل الكتاب وغيرهم، فلو حُمِلَت الآية عليه لم يكن لتخصيصه بأهل الكتاب فائدة. وأمَّا السُّنَّة؛ فقد ثبت في صحيح مسلم (ص ١٤ ج ٧، ط صبيح) عن أنس بن مالك ﵁ (أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، وَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَرَدْتُ قَتْلَكَ. فَقَالَ: مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى
следующие страницы →