← Фатава

Фатава · id 635

موسوعة صناعة الحلال

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 187 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

لا يُسيءَ إلى الحيوان، لا حاجة إلى أن يكْسِرَ العُنُق أو الرَّقَبة، ولا حاجة إلى أن يقطع شيئاً من الحيوان قبل أن يموت الحيوان تماماً، ولا حاجة أيضاً إلى أن يبدأ في السَّلْخ، وتلك الأمور كُلُّها لا تجوز، لأنَّ فيها إساءة، وليست هي من الذَّكاة المطلوبة التي لا بُدَّ منها في الحيوان ولا يُؤكَل الحيوان إلَّا بها، وهي المسموح بها، وما زاد على ذلك من الإساءة؛ سواء بكَسْر رَقَبةٍ، أو بأن يَسْلَخ الحيوان قبل أن يموت، أو أن يَقْطَع منه شيئاً كذلك، أو أن يُسِيءَ للحيوان قبل ذَبْحِه، هذا كُلُّه لا يجوز، وعلى الإنسان أن يستشعر أنَّه حيوان ضعيف، وأنَّ الله سَخَّره لنفع الإنسان، فعلى الإنسان أن يشكر الله على نعمه، وأن يتعامل مع الحيوان برِفْق وبهدوء، ويذكر أنَّه إذا كان هو أقوى من الحيوان، فيَذْكُر أنَّ هناك من أقوى منه. [ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (١٢/ ٣٠ ٥)] * * * (٥٩١) السؤال: أنا أعملُ في ذَبْح البهائم؛ فهل يجوز كَسْر الرَّقَبَة بعد الذَّبْح مباشرة وقبل أن تموت البهيمة أم لا؟ وبعض أصحاب الذَّبائح يطلبُ منِّي أن أسْلَخ الجِلْدَ قبل أن تموت وهي لا زالت حيَّة؛ لاستعجاله؛ فهل يجوز لي ذلك ؟ الجواب: يقول النبيُّ ﷺ : (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحةَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) (رواه الإمام مسلم في صحيحه، ج ٣ ص ١٥٤٨، من حديث شدَّاد بن أوس ﵁. فيجب الإحسان في تذكية البهيمة بالرِّفْق بها وعدم إيلامها من غير حاجةٍ، ومن ذلك أنَّه لا ينبغي له أن يكْسِر عُنُقَها قبل أن تموت؛ لأنَّ في هذا مزيد إيلام للبهيمة، وكذلك

стр. 562

سَلْخ جِلْدِها قبل أن تموت، كُلُّ هذا لا ينبغي؛ لأنَّ هذا فيه إساءة إلى البهيمة، ومزيد إيلام لها، حتَّى لو أمرك صاحبها بهذا، فإنَّك لا تطيعه، وذلك بأن تذْبَحها الذَّبْح الشرعي وتتركها حتَّى تموت، فإذا ماتت شرعت في قَطْع رَقَبَتِها، وفَصْل رأسها إن شئت، وسَلْخ جِلْدها، وغير ذلك، هذا من الإحسان في ذبح البهائم. [المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان (١٢٣٩ - ١٢٤٠) (الموقع)] * * * ذَبْحُ الشَّاةِ المَرِيضَةِ وَرَمْيُها (٥٩٢) السؤال: ما حُكمُ ذَبْح البَهائِم وهي مَريضَة ورَمْيُها ؟ الجواب: إذا مَرِضَت البهيمة ويئس صاحبها منها، وأراد أن يُذَكِّيها فلا مانع من ذلك؛ لأنَّها تُذَكَّى وهي صحيحة، فإذا كانت مريضة فمن باب أَوْلَى، فلا مانع من هذا، إنَّما الذي لا يجوز أن يتركها صاحبها من دون ماءٍ ولا أَكْل ويُهملها إهمالاً حتَّى تموت حَتْف أَنْفها، وهو حَرامٌ، ولا يجوز، وهو شبيهٌ بقول النبيِّ ﷺ : (دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ). فهذه البهيمة كان يستعملها ويستفيد منها، فلما مرضت تركها دون ماءٍ ودون طعامٍ، وهي عاجزةٌ عن البحث عن أَكْل، ثمَّ يتركها حتَّى تموت، فلا يجوز، وهو قسوةٌ من بعض الناس، والرحمة يجب أن تكون شاملة لبني الإنسان وللحيوانات أيضاً، فـ (الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ)، وفي الحديث: (فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ). [ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (١٢/ ٣١٤)] * * * نَتْفُ رِيشِ الطَّائِرِ قَبْلَ ذَبْحِهِ (٥٩٣) السؤال: نرى قوماً من

стр. 563

صادة السُّمَان في شواطئ البحر الأبيض المتوسِّط يَنتِفون رِيشَه قبل ذَبْحه؛ لأنَّه لا جِلْد له، بل الرِّيشُ مَغْروس في اللحم، وفي هذا من تعذيب الحيوان ما لا يخفى، ولو نُتِفَ ريشُه بعد ذَبْحِه خرج ما فيه من الدَّسَم مع ريشِه؛ لانتفاء حرارته بالذَّبْح، وقد عمَّت هذه البَلْوى كُلَّ أهالي بلادنا؛ فهل يجوز أَكْلُه؟ وهل يسوغ استعمال هذه الطريقة في تنظيفه؟ الجواب: لا خلاف في أنَّ تعذيب الحيوان مُحرَّمٌ، ولكن تحريم نَتْف الطائر حيًّا لا يقتضي تحريم أَكْل المنتوف المُذَكَّى تَذْكية شرعيَّة، ولعلَّهم لو نتفوا السُّمَانيَّ عقب الذَّبْح قبل أن تَبْرُد حرارته لتيسَّر لهم، وإلَّا فلهم أن يَصُبُّوا على ريشِه ماءً سُخْناً من غير مبالغةٍ تؤثِّر في بطنه، وما يفعلونه من وضع الطيور في الماء المغليِّ زمناً يؤثِّر تأثيراً تمازج به رطوبةُ النَّجاسة اللَّحمَ = غير ضروريٍّ لتسهيل النَّتف، وهو جهلٌ؛ فينبغي تنبيههم له. [فتاوى محمَّد رشيد رضا (١/ ٣١١)] * * * تَخْلِيلُ الجَرَادِ المُتَعَدِّدِ بِعُودٍ وَنَحْوِهِ (٥٩٤) السؤال: هل يجوز تخليل الجَرَاد المُتعدِّد بعودٍ ونحوه ؟ الجواب: هذا من أشنع المُحرَّمات، فإنَّه لا يَحِلُّ تعذيب شيءٍ من الحيوانات، وفي (صحيح مسلم) مرفوعاً: (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحةَ، وَلْيَحُدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)، فإن كان لا يَحِلُّ الذَّبْح بآلةٍ كالَّةٍ، ولا على وجه يكون فيه تعذيب للحيوان، فكيف بجَعْل الجَراد يُخَلُّ مع صدورها في عُودٍ، ويبقى مدَّة طويلة يلعبُ به الصِّبيان؟! هذا يُخشى على صاحبه العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، وقد لعن رسولُ الله ﷺ من جعل ما فيه الروح غَرَضاً. وفي (مسند الإمام

стр. 564

أحمد) مرفوعاً: (مَنْ مَثَّلَ بِذِي رُوحٍ ثُمَّ لَمْ يَتُبْ، مُثِّلَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ)؛ فيجب النهي الشديد عن هذه الحالة التي هي شنيعة في الدِّين والعَقْل، نسأل الله العافية. [الفتاوى السعدية (ص ٦٠٠)] * * * اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ (٥٩٥) السؤال: هل يجبُ استقبالُ القِبْلَةِ والتَّسميةُ عند الذَّبْح ؟ الجواب: لا يجب استقبال القِبْلة من الذَّابح، ولا توجيه الذَّبيحة إلى القِبْلة، ولكن يستحبُّ توجيهها. أمَّا التَّسمية على الذَّبيحة فتجب (١) إذا كان الذَّابح مُسلماً مع القدرة والتذكُّر، فإن تعمَّد المسلم تَرْكها لم تُؤكَل، أمَّا إن نَسِيَها، أو كان غير قادر على النطق فيجوز أَكْلها، وإذا كان الذَّابح كتابيًّا فقد تقدَّم حُكُمه في جواب السؤال السابق بعنوان (التَّسمية عند الذَّبْح)، والله أعلم. [الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٣٢)] * * * (٥٩٦) السؤال: بكتاب مديريَّة الشؤون البيطريَّة بمحافظة القاهرة المتضمَّن أنَّه بمناسبة إنشاء المَجْزَر الآلي لمحافظة القاهرة بمنطقة البساتين ، وإعداد الرسومات التنفيذيَّة لهذا المشروع، وحرص المسؤولين على أن تتمَّ عمليَّة الذَّبْح طبقاً لأحكام الشريعة الإسلاميَّة. وأنَّ المديريَّة لذلك تطلب بيان الحُكْم الشرعيَّ فيما إذا كان يجب أن يكون الذَّابح والحيوان عند ذَبْحه موجَّهاً نحو القِبْلة الشريفة، أو عدم وجوب هذا الشرط؛ حتَّى تتمكَّن الإدارة من العمل بما يطابق الشريعة

стр. 565

الإسلاميَّة عند إعداد الرسومات التنفيذيَّة لهذا المشروع. الجواب: إنَّ ابن قدامة (المغني ج ١٤١ - ص ٤٦ مع الشرح الكبير) نقل عن ابن عمر، وابن سيرين، وعطاء، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي أنَّه يُستحبُّ أن يستقبل الذَّابح بذبيحته القِبْلة، وأنَّ ابن عمر وابن سيرين قالا بكراهة أَكْل ما ذُبِح إلى غير جهة القِبْلة. ونقل النووي في المجموع (ج ٩ - ص ٨٣) استحباب توجيه الذَّبيحة إلى القِبْلة؛ لأنَّه لا بُدَّ لها من جهة، فكانت جهة القِبْلة أَوْلَى. ونقل ابن رُشْد في بداية المجتهد (ج ١ - ص ٣٥٩) اختلاف الفقهاء في هذا؛ فقال: إنَّ قوماً استحبُّوا ذلك، وقوماً أجازوا ذلك، وقوماً أوجبوه، وقوماً كرهوا ألَّا يُستقبَل بها القِبْلة. وإذ كان ذلك، فإذا كان توجُّه الذَّابح بالذَّبيحة وقت ذَبْحها نحو القِبلة أمراً ميسوراً، ويمكن العمل عليه في الرسومات المقترحة كان أَوْلَى؛ خروجاً من اختلاف الفقهاء المُنَوَّه عنه، وبُعداً بالمسلمين عن تناول ذبيحة مكروهة؛ امتثالاً لقول الله ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، وقول الرسول ﷺ فيما رواه الترمذي عن الحسن بن علي رضى الله عنهما قال: (حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ)، والله أعلم. [الفتاوى الإسلاميَّة من دار الإفتاء المصرية (٧/ ٣٦٠٧ - ٣٦٠٨)] * * * (٥٩٧) السؤال: قلتُ: أرأيتَ مالكاً هل كان يأمر أن تُوَجّهَ الذَّبيحَة إلى القِبْلَة ؟ الجواب: قال: قال مالكٌ: نعم تُوجَّهُ الذَّبيحة إلى القِبْلَةِ.

стр. 566

قال مالكٌ: وبلغني أنَّ الجزَّارين يجتمعون على الحُفْرَةِ يدورون بها فيذبحون الغنم حولها. قال: فبعثت في ذلك ليُنهى عن ذلك، وأَمَرْت أن يأمروهم أن يُوجِّهوا بها إلى القِبْلة. [المدوّنة الكبرى (١/ ٥٤٣)] * * * (٥٩٨) السؤال: قلتُ: أرأيتَ إن وَجَّه ذبيحَتَه لغير القِبْلَة أيأْكُل ؟ الجواب: قال: نعم يأكْل، وبِئْس ما صَنَع. [المدوّنة الكبرى (١/ ٥٤٤)] * * * (٥٩٩) السؤال: يُوجَّه بالذَّبيحة إلى القِبْلَة ؟ الجواب: نعم. قال إسحاق [بن راهويه]: كما قال. [مسائل الإمام أحمد رواية الكوسج (٥/ ٢٢٠٠)] * * * (٦٠٠) السؤال: جماعةٌ من المسلمين في بلاد الرُّوم، و [القصَّابون] نصارى ويذبحون على غير القِبْلَةِ؛ فهل يجوزُ للمسلمين الأَكْلُ من ذبيحتهم أم لا ؟ الجواب: يجوزُ أَكْلُ ذبيحة النَّصارى حيث قطعوا الحُلْقوم والوَدَجَين من المُقَدَّمِ، وإنْ لم يوجِّهوها القِبْلة، ولم يُسمُّوا الله تعالى؛ حيث لم يذبحوها للصَّنم، والله أعلم [الفتاوى الأجهورية (ص ١ ٦٧ - ١٦٨)] * * * (٦٠١) السؤال: هل استقبالُ القِبْلَة في الذَّبْح واجبٌ أم سُنَّةٌ ؟ الجواب: هذا مستحبٌّ وليس بواجبٍ، وينبغي على من ذَبَح الحيوان أن يوجِّهه إلى القِبْلة، وأن يستعمل الرِّفق، وأن تكون السكِّين حادَّة، وأن يَجُزَّها بسرعة، وأن لا يؤذي الحيوان قبل ذَبْحِه بشيءٍ؛ كأن يَلْوي عُنُقَه، أو كأن يَلْوي يَدَي الحيوان، أو يضع رِجْلَه

стр. 567

على رَقَبَة الحيوان بشِدَّة، أو شيء من هذا القبيل، كُلُّ ذلك لا ينبغي؛ (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ)، ومهما كان الرِّفق في شيءٍ فهو أطيب وأفضل، والحيوان وإن كان -مثلاً- بهيمةً إلا أنَّه حيوانٌ حيٌّ يتألَّم بما يؤلِمُ، ويخاف ممَّا يخاف منه. [ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (١٢/ ٣٠٧)] * * * (٦٠٢) السؤال: في مَسْلَخ الأغنام؛ الذين يذبحون لا يضعون الذَّبيحة بكاملها تِّجاه القِبْلة، بل يكتفون بثَنْي الرَّقَبَة تِّجاه القِبْلة فقط؛ فهل هذا يكفي يا فضيلة الشيخ ؟ الجواب: استقبال القِبْلة عند الذَّبْح ليس بواجب، بل لو ذَبَح الإنسان لأيَّ جهةٍ كانت فالذَّبيحة حلالٌ، وعلى هذا لا يحتاج إلى لَيِّ الرَّقَبة عند الذَّبْح، بل إن أمكن أن يوجِّه الذِّبيحة كُلَّها إلى القِبْلة، وإلَّا ذَبَحَها حيث كانت. [فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٤٢١)] * * * إضْجَاعُ الذَّبيحَةِ عَلَى جَنْبِهَا الأَيْمَنِ (٦٠٣) السؤال: هل يجبُ عند ذَبْح الذَّبيحة وضعها على جانبها الأيمن ؟ الجواب: كُلُّ ذلك سُنَّة، وإن قيل سُنَّة فليس معنى ذلك أنَّ الإنسان لا يهتمُّ بالسُّنَّة ولا يبالي بها، إنَّه سُنَّةٌ ومُستحبٌّ، والإنسان إذا تهاون بالسُّنَّة فحَرِيٌّ أن يتهاون بالواجبات والمفروضات. ولو الإنسان وجَّهها للشرق وذَبَحَها فهذا حَلالٌ، ولكنَّ الأَوْلَى للإنسان أن يحاول في أيِّ شيءٍ يفعله أن يكون عمله موافقاً سُنَّة المصطفى ﷺ ، وإذا خالف بغير قصد فإن شاء الله تعالى ليس عليه شيء. [ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون

стр. 568

(١٢/ ٣٠٨)] * * * الذَّبْحُ باليَدِ اليُسْرَى (٦٠٤) السؤال: كثير من الناس يذبحون ذبائحهم باليد الشمال، مع العِلْم أنَّهم يذكرون اسم الله عليها؛ فهل يؤثِّر ذلك في حِلِّها أم لا يؤثِّر ؟ الجواب: لا يُشترَط في الذَّبْح أن يكون باليد اليُمْنى، بل هو جائزٌ باليد اليُمنى وباليد اليُسْرى؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ يقول: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ)، ولم يقيِّد ذلك بكونه في اليد اليُمْنى، لكن لا ريب أنَّه في اليد اليُمْنى أَوْلَى؛ لأنَّها أقوى، وإذا كانت أقوى فإنَّها تكون أكثر راحة للذَّبيحة، والنبيُّ ﷺ أمر بإراحة الذَّبيحة؛ حيث قال ﷺ : (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ)، وعلى هذا؛ فقد يكون الذَّبْح في اليُسْرى أَوْلى من الذَّبْح في اليُمْنى، كما لو كان الإنسان أعسر؛ يعني يعمل بيده اليُسْرى ولا يعمل بيده اليُمْنى، ويُسمَّى في اللُّغة العامِّيَّة عندنا (الأَشْتَف)؛ فإنَّه في هذه الحال الأَوْلَى يذْبَح باليُسْرى؛ لأنَّها أقوى، فتكون أريح للحيوان. وعليه؛ فيُضْجِع الحيوان في هذه الحال على الجنب الأيمن ثمَّ يذْبَحه، والأفضل أن يذْبَح الحيوان ويضع رِجْلَه على عُنُقِه ليتمكَّن من الذَّبْح. وأمَّا الإمساك بيديه ورِجْلَيه فليس هذا من السُّنَّة، بل إنَّ العُلماء يقولون: الأَوْلى أن تُطْلَق يداه ورِجْلاه؛ لأنَّ ذلك أريح له، ولأنَّه أبلغ في إخراج الدَّم؛ إذ إنَّه مع الحركة يسيل الدَّم ويندفع ويخرج، وكلَّما كان أبلغ في إنْهار الدَّم فإنَّه أَوْلَى، عكس ما يفعله العامَّة الآن؛ حيث يَرْبِضُون عليه إذا أرادوا ذَبْحَه، ويُمسكون بيديه ورِجْلَيه، فربَّما يؤلمونه قبل أن يذبحوه.

стр. 569

كذلك بعض العامَّة يأخذ بيد الحيوان ويَلْويها على عنقه من الخَلْف، وهذا أيضاً أقلُّ ما نقول فيه: إنَّه مكروهٌ؛ لأنَّه بلا شكٍّ إذا لَوَى يده على عُنُقه من الخَلْف فإنَّ ذلك يُؤلمه ويؤذيه، وهو خلاف ما أمر به النبيُّ ﷺ في قوله: (وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ). وخلاصة الجواب أن نقول: لا بأس أن يذْبَح الإنسان بيده اليُسْرى؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يشترط أن يكون ذَبْحه باليُمْنى. [فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٤٢٤ - ٤٢٥)] * * * خامساً: متفرِّقات: مَا يُقَالُ عِنْدَ ذَبْحِ العَقِيقَةِ (٦٠٥) السؤال: ماذا يقالُ عند ذَبْح العَقيقَة ؟ الجواب: يستحبُّ أن يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله، اللَّهمَّ منك وإليك، هذه عقيقة فلان». [فتاوى دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ١١٤٧)] * * * الذَّبْحُ عَلَى رِجْلِ العَرُوسِ (٦٠٦) السؤال: من عادة بعض الناس ذَبْحُ الأغنام على أساس الدَّار الجديدة، وعلى رِجْلِ العَروس حينما تصل إلى بيت زوجها؛ فهل هذا من الدِّين ؟ الجواب: إذا كان الذَّبْح شكراً لله على النعمة في بناء البيت لا أكثر، فهذا لا بأس به، وإن كان الذَّبْح عند زفاف

стр. 570

العروس شكراً لله على النعمة؛ لإطعام الفقراء، فهو كالوليمة المسنونة في الزواج، وقد ثبت أنَّ النبيَّ ﷺ أَوْلَمَ على بعض نسائه، وأمر الصحابة بهذه السُّنَّة، فينبغي إذا قُدِّمت هذه الأشياء أن تكون بنيَّة طيِّبة، وألَّا تلتزم فيها عادة قديمة لا أصل لها في الدِّين؛ كالذَّبْح على رِجْل العروس، فإن كانت بنيَّةٍ غير هذه فلا يوافق عليها الدِّين. (انظر: الوليمة في الجزء الأول من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام). [موسوعة الفتاوى دار الإفتاء المصرية وفتاوى لجنة الفتوى بالأزهر (رقم ٣٨)] * * * الذَّبْح لقُدُومِ شَخْصٍ تَعْظِيماً لَهُ (٦٠٧) السؤال: مَنْ ذَبَح شاةً أو بقرةً لقُدوم شخصٍ من الأكابر؛ هل يَحِلُّ أَكْلُها أم لا ؟ الجواب: لا يَحِلُّ أَكْلُها وإن ذَكَرَ اسمَ الله عليها؛ لأنَّه ذَبَح لتعظيم غير الله، بخلاف ما إذا كان وضيعاً. [الفتاوى الزينية لابن نجيم (ص ٤٦٢)] * * * الذَّبْحُ لغَيْرِ اللهِ (٦٠٨) السؤال: يوجد في بعض [بلادنا] ... أُناسٌ إذا مرض المريض يحسبون له، ويقولون: فيه ضرٌّ من محلِّ كذا، ويبغي ذبيحةً، أَو دجاجةً يذبحونها للجِنَّ، ولا يذكرون اسم الله عليها ؟ الجواب: الحمد لله، أَمَّا الذَّبْح لغير الله فهو شِرْك أَكبر والعياذ بالله؛ لأَن الذَّبْح لله عبادة؛ قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]، فمن صرف شيئاً من هذه العبادة لغير الله فهو مشركٌ كافرٌ، وفي الحديث: (لَعَنَ اللهُ

стр. 571

مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ)، فيتعيَّن الإنكار على هؤلاء وتعزيرهم التعزير البليغ الذي يردعهم وأَمثالهم عن فعل هذه الأَشياء. [فتاوى ورسائل الشيخ محمَّد بن إبراهيم (١/ ١٠٥ - ١٠ ٦)] * * * (٦٠٩) السؤال: الذَّبْح لغير الله، وهل يجوزُ الأَكْلُ من تلك الذَّبيحة ؟ الجواب: الذَّبْح لغير الله شِرْكٌ أكبر؛ لأنَّ الذَّبْح عبادة كما أمر الله به في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، فمن ذَبَح لغير الله فهو مُشركٌ شِركاً مُخْرجاً عن المِلَّة -والعياذ بالله-، سواءٌ ذَبَح ذلك لمَلَكٍ من الملائكة، أو لرسولٍ من الرُّسل، أو لنبيٍّ من الأنبياء، أو لخليفةٍ من الخُلفاء، أو لوليٍّ من الأولياء، أو لعالِمٍ من العُلماء، فكُلُّ ذلك شِرْك بالله ومُخْرِجٌ عن المِلَّة، والواجب على المرء أن يتَّقِيَ الله في نفسه، وألَّا يوقع نفسه في ذلك الشِّرْك الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]. وأمَّا الأَكْل من لحوم هذه الذَّبائح فإنَّه مُحرَّم؛ لأنَّها أُهلَّ لغير الله بها، وكُلُّ شيءٍ أُهلَّ لغير الله به، أو ذُبِح على النُّصُب فإنَّه مُحرَّم، كما ذكر الله ذلك في سورة المائدة في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، فهذه الذَّبائح التي ذُبِحَت لغير الله من قِسْم المُحرَّمات، لا يَحِلُّ أَكْلُها. [مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمَّد ابن عثيمين (٢/ ١٤٨ - ١٤٩)] * وانظر: فتوى رقم (٢١٥)

стр. 572

التَّأَكُّدُ مِنْ طَريقَةِ الذَّبْحِ في الوَلائِمِ أو المَطَاعِم (٦١٠) السؤال: هل يُستحبُّ للمسلم أن يسأل عن طريقة ذَبْح اللَّحم في الولائم، أو في حالة الشراء من المحلَّات أو المطاعم ؟ الجواب: ليس على المسلم أن يسأل عن طريقة ذَبْح اللحم المُقدَّم في الولائم أو المُشترَى من المحلَّات أو المطاعم، إلَّا إذا وُجِدَت قرائن قويَّة تُثير الشُّبْهة، أو كان في بلاد غالب أهلها ليسوا مسلمين ولا أهل كتاب؛ فيجب عليه حينئذٍ التحقُّق، والله أعلم. [الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٣٣)] * * * ذَبِيحَةُ السَّارِقِ (٦١١) السؤال: ذبيحةُ السَّارِقِ ؟ الجواب: لا بأسَ بها. قال إسحاق [بن راهويه]: مكروه. [مسائل الإمام أحمد رواية الكوسج (٥/ ٢٢٤ ٦)] * * * (٦١٢) السؤال: لو أنَّ رجلاً سَرَقَ شاةً ثُمَّ ذَبَحَهَا ؟ الجواب: لا يَحِلُّ أَكْلُها -يعني لهُ-. قلتُ لأبي: فإنْ ردَّها على صاحبها؟ قال: لا تُؤكل. [مسائل الإمام أحمد برواية عبد الله (٣/ ٨ ٦٦)] * * * (٦١٣) السؤال: السَّارقُ إذا ذَبَح شاةً مسروقةً، ثم أُطلِقَت من يده؛ هل تُؤكلُ أم لا ؟ الجواب: السارق تُؤكَل ذبيحتُه إذا كان قد قَطَع الوَدَجَين والحُلْقوم. وأجاب على مثل السؤال: إن وافق السارقُ وجه الصواب في الذَّبيحة أُكِلَت ذبيحتُه، وإلَّا فلا. [فتاوى قاضي الجماعة (ص ١٣٤)]

стр. 573

الفصل الثاني الصيد صَيْدُ حَمامِ الأَبْراجِ (٦١٤) السؤال: ما قولكم في حَمَام الأبراج؛ هل يَعمَلُ فيه الصَّيدُ أم لا؟ وهل إذا لم يكن من حَمَام الأبراج ماذا يَصنَعُ إذا وَجَدَ حَماماً كثيراً لا يمكن صَيدُه؛ هل ينوي الجميع، وما وقع يُؤكَلُ، أو لا ينوي، ويُؤكَلُ ما وقع، أو ينوي شيئاً مُعيَّناً، ولا يُؤكَلُ غيره؟ أفيدوا الجواب. الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا محمَّدٍ رسول الله؛ يَعمَلُ فيه الاصطياد؛ لأنَّه وحشيٌّ معجوزٌ عنه إلَّا بعُسْرٍ، ولكن لا يجوز اصطياده لغير صاحب البرج الذي يأوي إليه، وإن اصطاده غيره وجب عليه ردُّه إليه، فإن لم يعلم عَيْنَه تصدَّق به عنه، ولم يجز له أَكْلُه، هذا مذهب (المدوَّنة). وإن تعدَّد الصَّيد؛ فإمَّا أن ينوي الجميع أو ما يقع منه، ويُؤكَلُ ما صيد فيهما، اتَّحد أو تعدَّد، فإن نوى واحداً معيَّناً أَكَلَ بشَرْط أن يُمسِكَه الجارح أوَّلًا، ولا يُؤكَل غيره مُطْلقاً؛ لعدم نيَّة ذكاته. أصبغ: من أرسل على وَكْر طيرٍ في شاهق جَبَلٍ أو شجرةٍ، وكان لا يصل إليه إلَّا بأمرٍ يخاف منه العَطَب، يجوز أَكْلُه بالصَّيد اهـ. وفيها لابن القاسم: من أرسل كَلْبه على جماعة صيدٍ، ولم يُرِدْ واحداً منها دون الآخر، فأخَذَها كُلَّها أو بعضها، أَكَلَ ما أخذ منها اهـ. قال العدويُّ: أي بأنْ نوى الجميعَ، أو نوى كُلَّ ما يصيده ويأخذه هذا الجارح، سواء كان واحداً أو أكثر، كما أفاده بعض الأشياخ اهـ. وفي (الخَرَشيِّ): وأمَّا لو نوى معيَّناً فلا يُؤكَل إلَّا ذلك المعيَّن إذا قتله أوَّلًا، وعَلِمَ أنَّه الأوَّل، فإن لم يعلم أنَّه الأوَّل، أو قتل غيره قَبْلَه، فلا يُؤكَل هو ولا غيره. وأمَّا لو نوى واحداً لا

стр. 574

بعَيْنِه فلا يُؤكَلُ شيءٌ اهـ. والله أعلم. [فتاوى ابن عِلّيش (١/ ١٨٤)] * * * قَصْدُ صَيْدٍ فأُصِيبَ آخَرُ (٦١٥) السؤال: ما الحُكمُ إذا قَصَد المسلمُ صيداً فأصابَ آخر ؟ الجواب: حينما ينطلق المسلم إلى أماكن الصيد فإنَّه يكون: أوَّلًا: قاصدًا الصيد على وجه العموم من جميع الأنواع التي يَحِلُّ أَكْلُها. ثانياً: يكون مستشعراً للتسمية، ومنطوياً عليها، سواء انطلق بها لسانه قائلا: «بسم الله الرحمن الرحيم»، أو أسرَّ بها في قَلْبِه، والمسلم مفروض فيه دائماً ذِكْر الله وتسميته، وإن لم ينطق بذلك لسانه. ومن أجل هذين المبدأين فإنَّه حينها يرسل كَلْب الصيد لطائرٍ ما أصابه السَّهْم أو الرصاصة، فإنَّ الصيد الذي ينتج عن ذلك يَحِلُّ أَكْلُه. يقول شيخ الإسلام برهان الدِّين عليُّ بن أبي بكر المتوفَّى سنة (٥٩٣)، في كتاب (الهداية): ولو أَخَذَ الكَلْبُ صيداً فقتله، ثمَّ أَخَذَ آخرَ فقتله، وقد أرسله صاحبه، أُكِلَا جميعاً؛ لأنَّ الإرسال قائم لم ينقطع، وهو بمنزلة ما لو رَمَى سَهْماً إلى صيدٍ فأصابه وأصاب آخر» اهـ. أي: أنَّ من رمى سَهْماً قاصداً صيداً مُعيَّناً فأصاب الصَّيدَ، وأصاب صيداً آخر، أُكِلَ الصيدُ المقصودُ والصيدُ الذي لم يُقْصَد. وعلى هذا؛ فمن رمى صيداً وكان بالمصادفة صيدُه مختبئاً وراء آخر، وأصابت الرصاصة هذا الأخير؛ فإنَّه يُؤكَل، سواء أصابته الرصاصة الأُولَى أو لم تُصِبْه. [فتاوى عبد الحليم محمود (٢/ ٢٣٥)]

стр. 575

صَيْدُ الطَّيْرِ دُونَ رُؤْيَتِهِ (٦١٦) السؤال: إذا أطلق الرَّجُل رصاصةً بقصد الطير، وهو لم يشاهد طائراً، ولكنَّها أصابت طيراً؛ فهل يجوز له ذلك ؟ الجواب: يعني: فهل يَحِلُّ الطَّيْر؟ والجواب: الطير هنا لا يَحِلُّ؛ لأنَّه هنا لم يقصده، ولا بُدَّ من النيَّة والقصد، فإذا رمى الإنسان سَهْمه وهو لا يرى طيراً، ثمَّ أصابت طائراً فمات بهذا السهم، فإنَّه لا يَحِلُّ؛ لأنَّ من شرط التَّذْكية والصيد القصد، ولهذا لو رمى بالسكِّين فأصابت مَذْبَح شاةٍ وأنْهرَ الدَّم، فإنَّ هذه الشاة لا تَحِلُّ؛ لعدم القصد. ومن ثَمَّ نقول: إنَّ ذَبْح المجنون لا تَحِلُّ به الذَّبيحة؛ لعدم القصد. واختلف العُلماء ﵏: هل يُشترط قصد الأَكْل أو لا يشترط؟ فمنهم من قال: إنَّه يشترط قصد الأَكْل، وإنَّه لو ذَبَح لعبثٍ، أو لتجربة السكِّين، أو لتمرينٍ على الذَّبْح، وما أشبه ذلك؛ فإنَّ الذَّبيحة لا تَحِلُّ، ولكنَّ الصحيح أنَّها تَحِلُّ ما دام قد قصد التَّذْكية، فإنَّها تكون مُذَكَّاة ويَحِلُّ أَكْلُها، أمَّا ما كان بغير قصدٍ، فإنَّ الذَّبيحة لا تَحِلُّ به، وكذلك الصيد لا يَحِلُّ به. [فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٤٢٨ - ٤٢٩)] * * * نِيَّةُ ذَكَاةِ الخِنْزِيرِ لأَكْلِهِ عِنْدَ صَيْدِهِ للضَّرُورَةِ (٦١٧) السؤال: سُئِلَ [سيدي أبو عبد الله بن مرزوق] عمَّا وقع لابن عَرَفَة في (مختصره)، ونصُّه: قال اللَّخْمي: صيدُ الخنزير ليأكله اختياراً حَرامٌ وإن كان مضطرًّا . قال الوَقَارُ: يُستحبُّ له نيَّة ذكاته. الجواب: قلتُ: فيه نظر؛ لأنَّ الرُّخصة تعلَّقت به من حيث كونه مَيْتةً، لا من حيث ذاته، وتذكيةُ المَيْتَة

стр. 576

لَغْوٌ. لقائلٍ أن يقول: يَرِدُ عليه سؤالان: الأوَّل: قبوله لنقل اللَّخْمي عن الوَقَارِ، وفيه خلل، لأنَّ نصَّ ما في (مختصر الوَقَارِ): وإذا أصاب المضطرُّ مَيْتةً وخنزيراً أَكَلَ ما أحبَّ، فإن أحبَّ أَكْل الخنزير لم يأْكُلْه إلَّا ذَكِيًّا. فظاهرُ قوله: «لم يأْكُلْه إلَّا ذَكِيًّا» تُحتِّم الذَّكاة، خلاف نَقْل اللَّخْمي عنه، وأظنُّ المازِرِيَّ اعتمد على نقل شيخه اللَّخْمي؛ فإنَّه قال: ولو اضطر في مَخْمَصةٍ لأَكْل خنزير استُحِبَّ له أن ينوي ذكاته. [المعيار المعرب للونشريسي (٢/ ٢٠)] * * * الصَّيدُ حِرْفَةً واكْتِسَاباً (٦١٨) السؤال: هل يجوزُ الاصطيادُ حَرْفةً واكتساباً ؟ الجواب: نعم؛ قد تجاسر فيه ابن نُجَيم في (الأشباه) فقال: الصيد مباحٌ إلَّا للتلهِّي، أو حِرْفةً. كذا في (البزَّازيَّة)، وعلى هذا؛ فاتِّخاذه حِرْفةً كصيَّاد السَّمَك حَرامٌ. انتهى. ومثلُه تبعد عن أشباه هذا المحقِّق، فضلاً عنه، ولقد صَدَق الحَمَويُّ حيث قال: قوله: (فعلى هذا) من قبيل زيادة نغمةٍ في الطَّنْبور صادرة من غير شعور، لما قدَّمناه من عدم صحَّة حَمْل عبارة (البزَّازيَّة) -على ما هو المذهب الصحيح عند جمهور العُلماء- على كراهة التنزيه، فكيف يتفرَّع عليه التحريم، وما بعد الحقِّ إلَّا الضلال. انتهى. وتحقيقه: أنَّ البعض قد كرهوا بعض أنواع الكسب. والمذهب عند جمهور العلماء أن جميع أنواع الكسب في الإباحة على السواء. وبعضهم قالوا: الزراعة مذمومةٌ. والصحيح ما قاله الجمهور. كذا في (مطالب المؤمنين) عن (الذخيرة)، وهو مصرَّح في غيره من كتب الفتوى أيضاً. إذا علمت هذا؛ عرفت أنَّ ما في

стр. 577

(البزَّازيَّة) من أنَّ الاصطياد حِرفَةً ليس بمباح خلافُ ما عليه التصحيح، ومع قَطْع النظر عنه، نقول: لا يُستفاد من (البزَّازيَّة) حُرمَةُ حِرْفَة الاصطياد؛ لأنَّ الاستثناء في قوله: (إلَّا من مباح)، فانتفى فيه الإباحة، وانتفاء الإباحة لا يستلزم الحُرْمَة؛ لجواز أن يكون مكروهاً تنزيهاً، فالتفريع عليه بالحكم بكونه حَراماً -كما وقع من المُصنِّف-، عجيب. وبالجملة؛ لا محمل بعبارة (البزَّازيَّة) إلَّا على كراهة التنزيه، وهو أيضاً خلاف التصحيح، والتفريع بالحُرْمة قبيح. [فتاوى اللكنوي (ص ٤٧٣ - ٤٧٥)] * * * نِسْيَانُ التَّسمِيَةِ فِي الصَّيْدِ (٦١٩) السؤال: قلتُ: أرأيتَ إذا أرسل كَلْبَه ونَسِيَ التَّسْمية ؟ الجواب: قال: قال مالكٌ: كُلْهُ وسَمِّ الله. قلت: وكذلك في الباز والسَّهْم؟ قال: نعم كذلك هذا عند مالكٍ. [المدوّنة الكبرى (١/ ٥٣٢)] * * * (٦٢٠) السؤال: مَا حُكمُ من نَسِيَ التَّسْمية عند الصيد ؟ الجواب: الصحيح أيضاً أنَّها تسقط في الصيد؛ كما هو اختيار ابن جرير، وشيخ الإسلام، وابن القيِّم، وهي رواية عن أحمد، وهو الأَوْلَى؛ لعموم الأدلة، ولأنَّ من الناس من يعاني [في] الصيد [شيئاً] كثيراً، وهو مثل ما يعاني بالذبائح أكثر من بعض الناس. وأيضاً الذابح في اطمئنان من ذبيحته، أمَّا الصائد فهو [يحرص] على الركود (١) ومراعاة الصيد ونحو ذلك، فهو قد يذهل من أجل ما هو مهتمٌّ به [ومعانٍ] به.

стр. 578

[فتاوى ورسائل الشيخ محمَّد بن إبراهيم (١٢/ ٢٢٣)] * * * (٦٢١) السؤال: نحن نعيشُ في الصَّحْراء، ونقوم باصطياد الطيور المُهاجِرَة بالبَنادِق، ولكنَّنا في بعض الأحيان نَنْسَى أن نُسَمِّي على الطَّائِر فيسقطُ مَيِّتاً؛ فهل نَأْكُلُه ؟ الجواب: إذا نَسِيَ المسلمُ التَّسمية عند الذَّبْح، أو عند رَمْي الصيد، أو إرسال الكَلْب المُعلَّم للصيد، فإنَّ الذَّبيحة حلالٌ، وهكذا الصيد إذا أدركه مَيِّتاً؛ لقول الله : ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: (قَالَ اللهُ: قَدْ فَعَلْتُ) أخرجه مسلم في صحيحه، ولما روي عنه ﷺ أنَّه قال: (إِنَّ اللهَ عَفَا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنِ الخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ)، ولأدلَّة أخرى، والله ولي التوفيق. [مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (٢٣/ ٩٢)] * وانظر: فتوى رقم (٣٦٦) * * * تَرْكُ التَّسْمِيةِ عَمْدًا عِنْدَ الصَّيْدِ (٦٢٢) السؤال: قال ابنُ القاسِم: ومن تَرَك التَّسْمية عَمْداً على الذَّبيحة ؟ الجواب: لم أر أن تُؤكَل الذَّبيحة، وهو قول مالكٍ. قال: والصَّيد عندي مثله. [المدوّنة الكبرى (١/ ٥٣٢)] * * * (٦٢٣) السؤال: لو ترك التَّسمية عند إرسال السَّهْم أو الجَوارح على الصَّيْد، ما حُكْمُه ؟ الجواب: إن كان نسياناً أُكِلَ، وإن كان عَمْداً لم يُؤكَل. [فتاوى الكفوري (ص ١٠٥)]

стр. 579

التَّسْمِيَةُ عَلَى الصَّيْدِ مِنْ غَيْرِ الصَّائِدِ (٦٢٤) السؤال: ما الحُكمُ إذا وقعت التَّسْمية على الصَّيد من رفيق الصَّائد ؟ الجواب: لا يَحِلُّ. [فتاوى ورسائل الشيخ محمَّد بن إبراهيم (١٢/ ٢٢٣)] * * * التَّسْمِيَةُ عِنْدَ إِدْخَالِ الطَّلْقَةِ فِي البُنْدُقِيَّةِ (٦٢٥) السؤال: هل يكفي أن أقول «باسم الله والله أكبر» عندما أُدْخِلُ الطَّلْقة في البُنْدُقيَّة عند الصَّيْد، أم يجبُ ذِكْرُ اسمِ الله عند إطلاق زِنادِ البُنْدقيَّة ؟ الجواب: الواجب ذِكْرُ اسمِ الله عند الرَّمْي، ولا يكفي ذِكْر ذلك عند إدخال الطَّلْقة في البُندقيَّة؛ لقول النبي ﷺ : (وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ). متَّفق على صحَّته من حديث عَدِيِّ بن حاتم ﵁، واللفظ لمسلم. [مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (٢٣/ ٩١)] * * * وَقْتُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الصَّيْدِ بِالكِلابِ وَالصُّقُورِ وَنَحْوِهَا (٦٢٦) السؤال: الصَّيْد بوسيلةٍ من الوسائل غير المباشرة؛ كالكلاب مثلاً، أو الصُّقور ونحوها، كيف تكون التَّسمية عليها ؟ الجواب: تكون التَّسمية عليها عند إرسال الكَلْب أو الصَّقْر، فإذا أرسلته فقل: «بسم الله»، ومتى صادها فإنَّها تَحِلُّ. [فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٤٢٨)] * * * صَيْدُ الصَّبِيِّ غُيرِ البَالِغِ (٦٢٧) السؤال: قلتُ: أرأيتَ صيدَ الصَّبيِّ إذا لم يَحْتَلِم، أيُؤكَلُ إذا قَتَلَتِ الكِلابُ صَيدَهُ ؟ الجواب: قال: قال مالكٌ: ذبيحة

стр. 580

الصَّبيِّ تُؤكَلُ إذا أَطاقَ الذَّبْح وعَرَفَه، فكذلك صَيدُه عندي بمنزلة الذَّبْح. [المدوّنة الكبرى (١/ ٥٣٥)] * * * صَيْدُ أَهْلِ الكِتَابِ (٦٢٨) السؤال: قلتُ: أرأيتَ النَّصرانيَّ واليهوديَّ أيُؤكَلُ صَيْدُهما في قول مالكٍ إذا قَتَلَت الكِلابُ الصَّيْد ؟ الجواب: قال: قال مالكٌ: تُؤكَلُ ذبائحهما، وأمَّا صَيْدُهما فلا يُؤكَل، وتلا هذه الآية: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، ولم يذكر الله بهذا اليهود ولا النَّصارى، ولا يُؤكَل صَيدُهما. [المدوّنة الكبرى (١/ ٥٣ ٦)] * * * (٦٢٩) السؤال: في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤]؛ هل هذه الآية خطابٌ للمؤمنين فيما نُهِيَ المُحْرِم عنه من الصَّيْد، أو هي خطابٌ لهم في غير مناسك الحجِّ؟ وما الدليل على أنَّها في الحجِّ، أو غيره؟ فإنَّ عندنا رَجُلاً يقول: إنَّما يقول إنَّ هذه الآية في الحجِّ من لا يعرف القرآن ولا يفهمه. قال: وإنَّما في المُحْرِم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. قال: وليس للمُحْرِم عذابٌ أليمٌ، وإنَّما عليه الجزاء، وإنَّما العذابُ الأليمُ لمن تعدَّى فأَكَلَ المَيْتَة، أو وَجَدَ الصَّيدَ مَيِّتاً فأَكَلَه أو باعَهُ، وقال للناس: إنِّي صِدْتُه، فهذا معنى قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ عنده. وذهب في هذا كُلِّه إلى أنَّ صيدَ أهل الكتاب حَرامٌ دون كراهته، كتحريم الخنزير والمَيْتَة. واحتج في ذلك بهذه الآية، وقال: لا فَرْق بينه وبين لحم الخنزير، والمَيْتَة، والدَّم. فالرغبة إلى فضلك في بيان الحقِّ

стр. 581

والصواب إن شاء الله، ومن أجازه من العُلماء دون كراهته؟ وما الوجه الذي أجازوه من أجله؟ ومن كَرِهَه منهم؟ وما الوجه الذي كرهوه من أجله، ولم يُلْحِقوه بالحلال ولا بالحرام المَحْض؟ وهل قال أحدٌ من العُلماء: إنَّه حَرامٌ كالمَيْتَة، كما قال هذا الرَّجُل، أم لا؟ فإنِّي ما رأيت هذا الوجه قطُّ. وهل يجوزُ صيد أهل الكتاب، إذا عُلِمَ أنَّهم لم يذكروا اسمَ الله عليه، عند من يقول بتحليل صيد أهل الكتاب مع قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، كما يجوز أَكْلُ طعامهم، وهم يَتَّجِرون بالرِّبا، مع قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] أم لا؟ وكذلك ما ذَكُّوه وذَبَحُوه من غير الصَّيد، وما الحُجَّة عند من أجازه، وعند من لم يُجِزْه منهم؟ مأجوراً مشكوراً، إن شاء الله تعالى. الجواب: تصفَّحتُ السؤال ووقفتُ عليه، والصحيح في الآية أنَّ المراد بها المُحْرمون؛ لأنَّها نزلت فيهم، كذلك قال جماعة من العُلماء من أهل التفسير وغيرهم، وممَّن نصَّ على ذلك ابنُ حبيب في (الواضحة)، وروي عن ابن عبَّاس أنَّه قال: نزلت هذه الآية بالحُدَيبية؛ ابتلاهم الله بالوحش، فكانت تغشى رِحَالَهم كَثْرةً. ومعنى الابتلاء: الاختبار، فأراد الله أن يختبرهم ليعلم من يخافه بالغيب منهم في ترك الصيد المُحرَّم عليهم، مع تمكُّنه لهم. ومعنى ﴿لِيَعْلَمَ﴾: أي ليعلم وقوع الطاعة والمعصية منهم؛ فيجازي الطائع بطاعته، ويعاقب العاصي على معصيته، أو يتجاوز له عنها، إذ قد تقدَّم عِلْمُه في الأزل بمن يُطيعه ممَّن يَعْصيه، لا إله إلَّا هو. ومعنى قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: من تجاوز فقتل الصيد، بعد عِلْمِه بالنَّهي. وقوله:

стр. 582

﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ معناه عند من أوجب الجزاء على من قتل الصَّيد متعمِّداً: ضَرْبٌ وَجيعٌ. وعند من لم ير الجزاء إلَّا على المخطئ، أو الناسي لإحرامه المتعمِّد للصَّيد: عذابٌ أليمٌ في الآخرة. وقيل: الاعتداء المعاودة، ومن عاد فقتل الصَّيد ثانيةً، لم يكن عليه جزاءٌ، واستوجب النقمة بقوله : ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] وهو العذاب في هذه الآية، ذهب إلى هذا جماعةٌ من العُلماء. وأمَّا صيد أهل الكتاب فهو على مذهب مالك ﵀ حَرامٌ لا يُؤكَلُ منه إلَّا ما أدركوا ذكاته، فذَكَّوه بما يُذَكَّى به الإنسي. ودليله على ذلك: توجُّه الخِطاب في إباحة الصِّيد إلى المسلمين دون الكُفَّار، في جميع آي القرآن. وذهب جماعة من أهل العِلْم إلى إباحة الصِّيد؛ لقول الله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهو قول أَشْهَب وابن وَهْب وعلي بن زياد من أصحاب مالك، وإيَّاه اختار سُحْنون. وكَرِهَه جماعةٌ من أهل العِلْم؛ منهم: ابن حَبيب. والكراهة من ذلك على مذهب من أجازه، بيِّنةٌ؛ لوجهين: أحدهما: مراعاة الخلاف لقول النبيِّ ﷺ : (الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ؛ فَمَنِ اتَّقَى المُشْتَبِهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ ... ) الحديث. والثاني: أنَّ الصَّيد له حدودٌ تَلْزَم معرفتُها، فإذا كان صيدُ الجاهل بها الذي لا يَرِعُ عن توقِّي ما يلزمه أنْ يتوقَّاه في صيده مكروهاً؛ فالذمِّيُّ أحرى أنْ يُكرَهَ صَيدُه. ومن يُجيزُ صيدَ أهل الكتاب لا يَشترِط في جواز ذلك التَّسْمية؛ إذ لا تصحُّ التَّسْمية منهم. وقول الله : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]؛ قيل: المراد بذلك التَّذْكية لا التَّسْمية،

стр. 583

وقيل: المراد بذلك التَّسْمية، إلَّا أنَّ الآية منسوخةٌ بقول الله : ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ لأنَّ الله أباح بقوله هذا أَكْلَ ذبائحهم، وهم لا يُسَمُّون الله عليها. وقيل: إنَّها ليست بناسخة لها، وإنَّما هي مُخصِّصة لها؛ فالتَّسْمية لها على هذا شرطٌ في صحَّة ذكاة المسلم؛ قيل: على كُلِّ حال، وقيل: مع الذِّكْر والقُدْرة، وهو مذهب مالك ﵀، وبالله التوفيق لا شريك له. [مسائل أبي الوليد ابن رشد (١/ ٥ ٦١ - ٥٦٧)] * * * (٦٣٠) السؤال: سُئِلَ سيدي أبو عبد الله بن عقاب عن اتِّفاق عامَّتهم على إعمال ذكاة الكتابيِّ فيما يُذكِّيه لنفسه بشروطه المذكورة ، وقالوا في المعروف من المذهب: لا يُوكَلُ ما صاده لنفسه. مع أنَّ الاصطياد أحد نوعي الذَّكاة، والشروط المذكورة في الذَّكاة يمكن حصولها في الصَّيد؛ كالقَصْد للاصطياد الذي هو مقابل القَصْد للذَّكاة، وكون المَصِيدِ به مُحرَّماً كذلك أيضاً. الجواب: أمَّا مسألة صيد الكتابيِّ وكون المشهور فيها مُعارِضاً لأصل المذهب في أَكْل ذبيحته، فقد اعترض هذا التعارض كثيرٌ من الشيوخ؛ كاللَّخْمي، والباجِيِّ، وابن رُشْدٍ، وابن العَرَبيِّ، واختاروا قول ابن وَهْبٍ وأَشْهَب بإباحة صَيدِه. وأقول: إنَّ الجواب عن هذا التعارض يَنْبَني على أربع قواعد: الأُولَى: القولُ بالعُموم. الثانية: القولُ بالمفهوم. الثالثة: تخصيصُ العُموم بالمفهوم. الرابعة: امتناعُ القياس على الرُّخَص. وبيان القاعدة الأُولَى: أنَّ قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] عمومٌ؛ فيتناول ما ذبحوه

стр. 584

وما صادوه بناءً على القاعدة الأُولى، وهي القول بالعموم. وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] خطابٌ للمسلمين، دليله: أنَّه لا يُؤكَل ما صاده غير المسلم. وكذا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤] الآية خطابٌ للمؤمنين على أحد التأويلين فيها؛ وهو أنَّها دالَّة على الإباحة، وأنَّها في الحلال لا في المُحْرِم، ودليله: أنَّ غير المسلم بخلاف ذلك؛ بناء على القاعدة الثانية، وهذا مفهوم مُخصِّص للآية الأُولَى بناء على القاعدة الثانية. ولا يقال: المفهوم لا يُخصَّص به؛ لأنَّ دلالة العامِّ منطوق، والمنطوق لا يعارض المفهوم؛ لأنَّا نقول: لو لم يُخصِّصه به لَلَزِمَ إبطالُ أحد الدَّليلين، وإعمالهما معاً ما أمكن الجمع بينهما أَوْلَى. فإذا تقرَّر هذا؛ فنقول: الفَرْق بين ذبيحة الكتابيِّ وصَيدِه في كون العُموم خُصِّص بالمفهوم في آية الصَّيد، ولم يُخصَّ المفهوم في آية التَّذْكية، وهي قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] هو أنَّ الأصل التخصيص في الجميع، لكن وردت السُّنَّة بالرُّخْصة في ذبيحة الكتابيِّ؛ لما ثبت في كونه ﷺ أَكَلَ من الشَّاة التي أَتَتْ بها اليهوديَّة مَسْمومةً من غير أن يسأل؛ هل ذَبَحَها يهوديٌّ أو مسلمٌ، مع أنَّ الغالب فيما تأتي به اليهوديَّة أنَّه من ذبيحة أهل دِينِها، فثبت بهذا الرُّخْصة في ذبيحة الكتابيِّ، وإذا كان ذلك رُخْصَةً لم يصحَّ قياس صَيد الكتابيِّ عليه؛ عملاً بالقاعدة الرابعة، وهي امتناعُ القياس على الرُّخَص. فإن قيل: حقيقة الرُّخْصة أنَّه المشروعُ لعُذْرٍ، مع قيام المُحَرِّم لولا العُذْر، وقد ظهر من تقريرك قيام

стр. 585

المُحَرِّم، فأين العُذْر ها هنا؟ قلت: العُذْر هو الحاجة إلى مخالطة أهل الكتاب بسبب الجِزْية وغير ذلك. وهي داعيةٌ لأَكْل طعامهم، والغالب الذَّبيحة، والصَّيدُ قليلٌ بالنسبة إليها، والضرورة داعيةٌ إلى الأوَّل لغَلَبَتِه دون الثاني؛ لنُدورِه، والله تعالى أعلم. [المعيار المعرب للونشريسي (٢/ ١٨ - ١٩)] * وانظر: فتوى رقم (٣٧٤) * * * صَيْدُ كَلْبِ المَجُوسِ (٦٣١) قال: قلتُ لأبي: فلا يُؤكَل صَيْدُ كَلْب المجُوسِ ؟ الجواب: إذا أرسلهُ المجُوسيُّ فلا يُؤكل، ولكن إن أرسله مُسلمٌ فسَمَّى، فأخذ، فقتل؛ فلا [بأس]؛ يكون ذلك له [تعليماً]. قلت: فإنْ كان [حيًّا]؟ قال: يُذكِّيه المُسلم. [مسائل الإمام أحمد برواية عبد الله (٣/ ٨٧٠ - ٨٧١)] * * * صَيْدُ الكَافِرِ (٦٣٢) السؤال: ما حُكمُ الصَّيد الذي ضربه الكافرُ ببندقيَّته، أو طَعَنَه برُمْحِه، أو قَبَضَ عليه بطريقته وأحضره للمسلم قبل خُروج الرُّوح وذَكَّاه ؟ الجواب: إذا كان الكافرُ هذا كتابيًّا -كاليهوديِّ والنصرانيِّ- فلا بأس بذلك؛ لأنَّه هو الذي جَرَحَهُ. ثمَّ إنَّ المسلمَ ذكَّاه وأَجْهَز عليه، ولو أنَّه قَتَلَه بوسيلةٍ من وسائل الصَّيد لكان حَلالاً. وإن كان الكافرُ وَثَنِيًّا ممَّن لا تَحِلُّ ذكاتُه، وقد جَرَحَه، وأصابهُ إصابةً قاتلةً لا تبقى معها حياةٌ، فمسابقة المسلم [لتذكيته] لا أثر له؛ لأنَّه في حُكْم المَيْتَة قبل أن تُذَكَّى، فإذا كان الأمر كذلك فهو لا يَحِلُّ. [ثمر الغصون من فتاوى الشيخ ابن غصون (١٢/ ٣٢٣)]

стр. 586

الصَّيْدُ بِالطَّلْقَاتِ النَّارِيَّةِ (٦٣٣) السؤال: الموضوع: بخصوص إرساليَّة ذبائح غزال مُجمَّد واردة للبلاد . بالإشارة إلى الموضوع أعلاه والخاصِّ بإرساليَّة عدد ٧٥ ذبيحة غزال مُجمَّد واردة من رومانيا إلى البلاد لحساب إحدى الشركات، وبالكشف عليها تبيَّن أنَّ هذه الذبائح غير مذبوحة ذَبْحاً شرعيًّا، ويوجد عليها آثار الطَّلْقات الناريِّة من جرَّاء عمليَّة الصَّيْد، كما يوجد دَمٌ مُتجَلِّطٌ في التجويف الصَّدْري والبَطْني، وهي غير مسلوخة الجِلْد. يرجى التفضُّل بإفادتنا بالرأي الشرعيِّ في مثل هذه الحالات. الجواب: ترى الهيئة إباحة هذه اللُّحوم الواردة في السؤال إذا استجمعت شروط الصَّيد الإسلاميَّة، وهي: (١) أن تكون الطَّلْقات التي صِيدَت بها ذات حَدٍّ جارحٍ يقتلُ بحَدِّه لا بقوَّة اندفاعه. (٢) أن يكون الصَّائد مسلماً أو كتابيًّا. (٣) أن تكون الرَّصاصَة قد قَتَلَت الصَّيْد بحَدِّها، وليس بعَرْضِها. (٤) ألَّا يكون الصائد قد أدرك الصَّيد حيًّا حياةً مستقرَّةً بعد وقوعه في يده ولم يُذَكِّه، وإلَّا لم يُؤكَل إلَّا بالذَّبْح الشرعيَّ العاديِّ. ولهذا فعلى الجهة المستفتية التحقُّق من استيفاء الذَّبائِح المسؤول عنها الشروط المتقدِّمة، وإلَّا لم يَجُزْ أَكْلُها. والله أعلم. [الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٢ ٦ - ٢٧)] * * * (٦٣٤) السؤال: ما حُكمُ البُنْدُق الذي يُصَادُ به الحيوان؛ هل يَحِلُّ أم لا ؟

стр. 587

الجواب: ... أمَّا الصَّيد بالبُنْدُق؛ فقد أفاد حُكْمَه العلَّامة ابن عابدين في (ردِّ المحتار) بقوله: «وفي التَّبيين: والأصل أنَّ الموتَ إذا حصل بالجرح بيقين حَلَّ. وإن بالثقل أو شُكَّ فيه فلا يَحِلُّ حتماً أو احتياطاً». انتهى. ولا يخفى أنَّ الجرح بالرَّصاص إنَّما هو بالإحِراق والثقل بواسطة اندفاعه العنيف؛ إذ ليس له حَدٌّ، وبه أفتى ابن نجيم». انتهى. [الفتاوى الإسلاميَّة من دار الإفتاء المصرية (٣/ ٨٢ ٦)] * * * (٦٣٥) السؤال: ما رأي الدِّين في صَيْد الطُّيور المأكولة؛ كاليَمَام والعصافير؟ وهل يَحِلُّ أَكْلُها إذا ماتت قبل أن تُذْبَح ؟ الجواب: (أ) روى البخاري ومسلم عن عَدِيِّ بن حاتم أنَّه سأل النَّبيَّ ﷺ وقال: (فإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْدَ فَأصِيدُ. قَالَ: إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْ، وَما أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ). المِعْراض قيل: هو السهم الذي لا ريش له ولا نَصْل، [قيل]: هو خشبةٌ ثقيلةٌ آخرها عَصَا مُحدَّدٌ رأسُها، [وقد] لا يُحدَّد، واختاره النووي تبعاً لعِياض. وقال ابن التِّين: المِعْراض عَصَا في طرفها حديدةٌ يَرمِي بها الصَّائد، فما أصاب بحَدِّه فهو ذَكِيٌّ فيُؤكَل، وما أصاب بغير حَدِّه فهو وَقِيذٌ. وخَزَقَ: أي نَفَذَ، وجاء بلفظ (وَخَسَق) أي [خدش]. (ب) وروى البخاري ومسلم أيضاً عن عبد الله بن المُغَفَّل: (أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ الخَذْفِ، وَقَالَ: إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ). الخذف: أي الرَّمْي بحَصَاةٍ أو نَواةٍ بواسطة المَخْذَفَة، وهي كالمِقْلاع. (ج) وروى أحمد عن عَديٍّ أيضاً أنَّه قال: (يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا قَوْمٌ نَرْمِي،

стр. 588

فَمَا يَحِلُّ لَنَا؟ قَالَ: يَحِلُّ لَكُمْ مَا ذَكَّيْتُمْ، وَمَا ذَكَرْتُمُ [اسْمَ] اللهِ عَلَيْهِ وَخَزَقْتُمْ، فَكُلُوا مِنْهُ) (د) وروى أحمد مرسلًا عن عَدِيٍّ عن النبيِّ ﷺ : (وَلَا تَأْكُلْ مِنْ الْبُنْدُقَةِ إِلَّا مَا ذَكَّيْتَ) والبُنْدُقة تُتَّخذُ من طِينٍ وتَيْبَسُ. نستنتج من هذه الأحاديث ما يأتي: ١ - إذا أُدْرِك المَصيدُ حيًّا حياةً مستقرَّةً وذُبِحَ فهو حلال بالاتِّفاق. [واشتراط] التَّسْمية أو عدم اشتراطها عند الذَّبْح فيه خلاف بين الفقهاء، وهو يكون في الصَّيد المذبوح وفي غير الصَّيد. ٢ - إذا مات الصَّيد قبل أن يُذْبَح، وكان موتُه بشيءٍ مُحدَّدٍ؛ كالسَّهْم الذي يجرح أو يخترق، فهو حلالٌ، واشترط بعضُهم التَّسْمية -ولم يشترطها بعضُهم- عند إطلاق السَّهْم. ٣ - إذا مات الصَّيد قبل أن يُذْبَح وكان موتُه بشيء [غير] مُحدَّدٍ؛ أي لم يجرح ولم يُنْفِذ؛ كالحَجَر والبُنْدُقَة، فإنَّ الجمهور يقول بحُرْمَته، وعن الأوزاعي وغيره من فقهاء الشام أنَّه يَحِلُّ مُطْلقاً كُلُّ صَيدٍ، سواء أكان بمُحدَّد أم بغير مُحدَّد، ولكن النصوص تشهد لقول الجمهور. والرَّصاص الذي يُطلَق من البَنَادِق والمُسَدَّسات هل يُعدُّ كالسَّهْم فيَحِلُّ صيدُه؟ رأى جماعةٌ أنَّه كالسَّهْم؛ لأنَّه يخترق جِسْم الصَّيْد وينفذُ منه، بل هو أشدُّ منه. وعلى هذا؛ فيَحِلُّ الصَّيد به. ورأى آخرون أنَّ الرَّصاص ليس مُحدَّداً جارِحاً كالسكِّين والسَّهْم، بل يقتلُ الصَّيدَ بثقله الشديد، وعلى هذا؛ فلا يَحِلُّ أَكْلُه. وأختار أنَّ الصَّيد بالرَّصاص يَحِلُّ أَكْلُ ما صِيدَ به، والأحوطُ أن يذكر اسمَ الله عند إطلاق الرَّصاص، خروجاً من خلاف من أَوْجَبَه. [موسوعة فتاوى دار الإفتاء المصرية وفتاوى لجنة الفتوى بالأزهر (رقم ١١)]

стр. 589

(٦٣٦) السؤال: قلتُ: البُنْدُقة والحَجَر ؟ الجواب: لا -أي لا يُؤكَلُ-. قال إسحاق [بن راهويه]: كما قال، إلَّا ما أُدْرِكَت ذكاتُه. [مسائل الإمام أحمد رواية الكوسج (٥/ ٢٢٤٥ - ٢٢٤ ٦)] * * * (٦٣٧) السؤال: الرَّمْيُ بالبُنْدُق في الفَلَوَات على الطُّيور هل يجوزُ أو لا؟ مع أنَّه لا يحصل لأحدٍ به ضررٌ . الجواب: مذهبُنا ومذهبُ أكثر العُلماء أنَّ الصَّيد المقتول بالبُنْدُق لا يَحِلُّ أَكْلُه، وأنَّه داخلٌ في المَوْقوذَة إلَّا أنْ يُدركه وفيه حياةٌ مُستقرِّةٌ. وأمَّا الرَّميُ بالبُنْدُق؛ فالأصل فيه حديث الصحيح: أنَّه ﷺ (نَهَى عَنِ الخذْفِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ، وَلَا يُنْكَى بِهِ عَدُوٌّ، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقأُ العَيْنَ)، فذهب أكثر العُلماء إلى أنَّ هذا النَّهي للتحريم، وهو المعروف من مذهبنا، صرَّح به مُجَلِّي في (الذَّخائر)، وأفتى به الشيخ عِزُّ الدِّين ابن عبد السَّلام، وجزم به ابنُ الرِّفْعَةِ في (الكفاية)، وعبارته: القَتْل بالبُنْدُق لا يُحِلُّ المقتول؛ لأنَّه يقتل الَّصيد لقوَّة راميه لا بحَدِّه، ولا يَحِلُّ الرَّميُ به؛ لأنَّ فيه تعريض الحيوان للهلاك. انتهى. وقيل: إنَّه يجوز؛ لأنَّه طريق إلى الاصطياد. وقال شيخ الإسلام ابن حَجَر: التحقيق التفصيل؛ فإنْ كان الغالب من حال الرَّامي أنَّه يقتله به امتنع، وإلَّا جاز، لا سيَّما إنْ كان الرامي لا يصل إليه إلَّا بذلك ثمَّ لا يقتله غالباً. وقال الحسن البَصْريُّ: يُكْرَه رَمْي البُنْدُق في القُرَى والأمصار. ومفهومه أنَّه لا يُكره في الفَلَاة؛ فجعل مدار النَّهي على خشية إدخال الضَّرر على أحد من المسلمين، والله أعلم.

стр. 590

[الحاوي في الفتاوي للسيوطي (ص ٣ ٦٢ - ٣٦٣)] * * * (٦٣٨) السؤال: من اصْطَاد طُيوراً بالبُنْدُق الرَّصاص والطِّين، هل يَحِلُّ أَكْلُها أم لا ؟ الجواب: لا يَحِلُّ أَكْلُها. [الفتاوى الزينية لابن نجيم (ص ٤ ٦٣)] * * * (٦٣٩) السؤال: هل يجوزُ الصَّيدُ بالبُنْدُق، وعَرْض المِعْراض، والعَصَا التي لا حَدَّ لها يجرح، والحَجَر الكبير ولو جَرَح ؟ الجواب: لا يجوز الصيد بما ذُكِرَ؛ لما تقرَّر من الأصل في جنس هذه المسائل: أنَّ الموت إذا حصل بالجرح بيقين حَلَّ، وإن حصل بالثقل أو شُكَّ فيه فلا يَحِلُّ حَتْما واحتياطاً. [فتاوى التمرتاشي (ص ٦٧١)] * * * (٦٤٠) السؤال: هل رَمْيُ الصَّيدِ بالبُندُقِ حَرامٌ أم لا؟ وهل ما صِيدَ به يجوزُ أَكْلُها أم لا ؟ الجواب: قال ح (١): عن القَرافي: ظاهرُ مذهبنا ومذهب الشافعي تحريم الرَّمْي بالبُنْدق وكُلِّ ما شأنه ألَّا يجرح. وهو ظاهر؛ لأنَّه كاصطياد مأكول لا بنِيَّة الذَّكاة، وما صِيدَ بالبُنْدق المذكور فيه تفصيل؛ إن أُنْفِذَت مَقاتلُه لا يُؤكَل، وإن أصابت رِجْلَه -مثلاً- فكَسَرَتها، وجناحَه وأُدْرِك حَيًّا فذُكِّي، جائزٌ أَكْلُه. وعند الحنفيَّة: ما أُدْرِك حَيًّا ولو منفوذ جميع المَقاتِل وذُكِّيَ أُكِلَ، ولا خلاف بيننا وبينهم في أنَّ ما مات به لا يُؤكَل، وفي أنَّ ما لم ينفذ بسبب مَقْتَلٍ من مَقاتِله وأُدرِكَ حيًّا وذُكِّيَ يُؤكَلُ. [فتاوى الكفوري (ص ١٠٣)] * * *

стр. 591

(٦٤١) السؤال: سألتُ سيدي الشيخ الأكمل الأفضل محمَّد بن عبد السَّلام البناني بمكَّة المشرَّفة عن المَصيدِ بالبُنْدُق، هل هو من الوَقيذ، فيَحْرُم أَكْلُه إذا [أنفذ] البُنْدُق أحد مَقاتِلِه ؟ أم هو من المَصيدِ بمُحدَّدٍ، فيُباح أَكْل ما أُنْفِذَت مَقاتِله منه؟ الجواب: أفتى جماعةٌ من أعيان متأخِّري أئمَّتنا المالكيَّة بحِلِّ أَكْل المصيد المنفوذ مقاتله، وعَدُّوا البُنْدُق من المُحدَّد، وسَرَد لي أسماءهم، ولم يحضرني الآن منهم سوى الإمام ابن غازي، وله أقوال بالإباحة نَظْماً ونَثْراً، والإمام الحَطَّاب رحمهما الله تعالى، فليُعْلَم ذلك. [فتاوى علماء الأحساء (٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣)] * * * (٦٤٢) السؤال: هل يَحِلُّ أَكْلُ الحيوان أو الطَّير الذي يصطاده صاحبه بالبُنْدُقيَّة ويموت بسببها، ولا تبقى فيه عقب الصَّيدِ حياةٌ أو رُوحٌ لذَبْحِه بالسكِّين ؟ الجواب: يرى فريقٌ من الفقهاء أنَّ الصَّيد بالبُنْدُقيَّة لا يَحِلُّ أَكْلُه إلَّا إذا مات مِنْ ضَرْب البُندقيَّة وحده، ولم تبق فيه عقب الضرب حياةٌ فيذبحه صاحبه بالسكِّين. وفي مذهب الحنفيَّة أنَّ الصَّيد الذي يَحِلُّ أَكْلُه هو الصَّيد المقتول بآلةٍ حادَّةٍ جرت العادة بأن يُقطَع بها، كالسكِّين، والخِنْجَر، والسَّهْم، والنَّصْل، وما أشبه ذلك، ولكن المقتول بالآلة المثقَّلة؛ كالحَجَر، والصَّخْر، والخَشَبَة الغليظة وما أشبهها لا يَحِلُّ أَكْلُه. وعلى هذا الأساس؛ يرون أنَّ الرَّصاصة التي تخرج من البُندقيَّة وتُصَوَّب إلى الصَّيد ليست آلةً حادَّةً، وليست ممَّا يُستعمَل للقَطْع والذَّبْح في العادة، وإنَّما يحدثُ القَتْل في هذه الحالة عن طريق الضغط الشديد الناشئ عن

стр. 592

قوَّة قَذْف الرَّصاصة، فيكون المقتول بها من قبيل المَوْقوذَة المُحرَّمة بنصٍّ قرآني. ولكنَّ فريقاً من محقِّقي الفقهاء في مذهب الحنفيَّة يرون أنَّ الرَّصاصة لا تضغط على جسم الصَّيد فقط، بل هي في الواقع تقطع الجِلْد، وتُمزِّق الجسم، وتُسيلُ الدَّمَ، وبهذا لا يكون القَتْل ناشئاً عن الضغط كما في حالة استخدام الحَجَر أو الصَّخْر أو العَصَا الغليظة، بل ينشأ في الحقيقة عن الجرح الذي أحدثته الرَّصاصة فمَزَّق الجسم وأسالَ الدَّمَ، فلا يكون الصَّيد المقتول بالبُندقيَّة من قبيل المَوْقوذَة المشار إليها في القرآن، بل يكون كالمذبوح بالآلة التي تُسيلُ الدَّم وتقضي على الحياة. وعلى ذلك؛ يكون الحيوان أو الطير المقتول بالبُندقيَّة حلالاً، ولا يَحرُم أَكْلُه. وهذا كُلُّه إذا قضت عليه الرَّصاصة وأفقدته الحياة كُلِّيَّة، وأمَّا إذا أدركه الصَّائد وفيه بقيَّة حياةٍ، كان عليه أن يذبحه بالسكِّين؛ ليُجهز على ما فيه من حياةٍ بطريقة الذَّبْح المشروعة المعروفة، والله ﵎ أعلم. [يسألونك في الدين والحياة (٢/ ٢٩٠ - ٢٩١)] * * * (٦٤٣) السؤال: هل الصَّيدُ بالبُنْدُقيَّة يُعتبر حَراماً؟ لأنَّ البعض يحرِّمون ذلك . الجواب: الصَّيد لا يُعتبر حَراماً، لكن على الصائد أن يُسَمِّي إذا أراد أن يرمي أو يُطلق السَّهْم فيقول: «بسم الله». [ثمر الغصون من فتاوى الشيخ ابن غصون (١٢/ ٣٢٣)] * * * (٦٤٤) السؤال: هل الطُّيور التي نرميها بالبُنْدُقيَّة وتموت حَلالٌ أم لا ؟ حيث إنَّ بعض الطُّيور التي نرميها نجدها قد ماتت قبل أن نُسَمِّي عليها. الجواب: نعم إذا رَمَيْتَ بالبُندقيَّة

стр. 593

صُيوداً من طُيور أو زواحف كالأرانب والظباء، وسَمَّيت الله على ذلك حين إطلاق السَّهْم، فإنَّها تكون حلالًا، ولو وجدتها مَيِّتةً؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ)، وقال: (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ)، لكن إن كانت حيَّةً حياةً مُستقرَّةً تزيد على حركة المذبوح، وَجَبَ عليك أن تَذْبَحها وتُسَمِّي الله عند ذَبْحِها، فإن لم تفعل وماتت، صارت حَراماً عليك، ولكن يجب التنبُّه إلى التَّسمية عند إطلاق السَّهْم؛ لأنَّك إذا لم تُسَمِّ الله حَرُمَ عليك الأَكْلُ ولو كنت ناسياً؛ لقول النبيِّ ﵊: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ)، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]. [فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٤٢٩ - ٤٣٠)] * وانظر: فتوى رقم (٤٦٧) * * * الصَّيْدُ بِالنَّبَّاطَةِ (٦٤٥) السؤال: ما رأي المشايخ الكرام في هذه الفتوى التي تَعرَّض لها إمام المسجد، ونحن نودُّ معرفة حُكْمَها الصحيح: النبَّاطَة. قال الإمام: لا يجوز استعمالها؛ لأنَّها تقتُل ولا تُخرِجُ الدَّم؛ فهي تؤذي. استخدم مكانها الرُّمْح أو السَّهْم . والنبَّاطة تُصنَع من السِّيم على شكل رقم (٧)، وتُربَط بسَيْرٍ وجِلْدَةٍ، ويستخدمها الأطفال لصيد الطُّيور. نرجو من إدارة الفتوى إفادتنا بخصوص هذه الأمور؛ حيث إنَّها مثار تساؤل بين الناس، وجزاكم الله خيراً. الجواب: لا يجوز الصَّيد بأداة غير جارحة، ومنها النبَّاطة؛ لما فيها من تعذيب الحيوان، إلَّا أن يُحذَفَ بها شيءٌ جارحٌ، ويُصيب الحيوان المصيد بحَدِّه فيجوز، ثمِّ إذا صاد إنسانٌ حيواناً برِّيًّا

стр. 594

بأداةٍ جارحةٍ أُكِلَ؛ سواء مات بالصَّيد أو بالذَّكاة الاختياريَّة بعد ذلك، وإن صادَه بأداةٍ غير جارحة لم يُؤكَل إلَّا أن يَذْبَحه ذَبْحاً عاديًّا بعد صيده وفيه حياةٌ؛ لحديث النبيِّ ﷺ : (إِذَا رَمَيْتَ فَسَمَّيْتَ فَخَزَقْتَ فَكُلْ، وإِنْ لَمْ يَخزِقْ فَلَا تَأْكُلْ مِنَ الْمِعْرَاضِ إِلَّا مَا ذَكَّيْتَ، وَلَا تَأْكُلْ مِنَ الْبُنْدُقَةِ إِلَّا مَا ذَكَّيْتَ) رواه أحمد. والله أعلم. [الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٢٧ - ٢٨)] * * * (٦٤٦) السؤال: بعضُ الصِّغَار يرمون الطُّيور بما يُسَمَّى بالنبَّاطة؛ هل يصحُّ صَيْدُهم ؟ الجواب: لا يصحُّ صَيدُهم إلَّا إذا أدركوا العُصْفُور حيًّا وذَكَّوه ذكاةً شرعيَّة، أمَّا إن سقط مَيِّتاً أو في حُكْم المَيِّت؛ بأن كان يضطرب ومات على [الفور]؛ فإنَّه لا يَحِلُّ. لكنَّ النبَّاطة منهيٌّ عنها؛ لأنَّها كما جاء في الحديث: (لَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَا تَصِيدُ صَيْدًا)؛ يعني لا يَحِلُّ الصَّيد بها، (وإِنَّما تَفْقَأُ الْعَيْنَ، وَتَكْسِرُ السِّنَّ)؛ فيُنْهَى عنها، وينبغي للإنسان ألَّا يمكِّن صبيانه منها، بل يمنعهم ويُبيِّن لهم أنَّها خطيرة، وربَّما تفقأُ العَيْن، وتكْسِر السِّنَّ، أو تُدْمِي الخَدَّ أو الرأس أو ما أشبه هذا. [فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٤٣٢ - ٤٣٣)] * * * الصَّيدُ بالمِعْرَاضِ (٦٤٧) السؤال: قلتُ: أرأيتَ ما كان من مِعْراضٍ أصاب به فخَرَق ولم يُنْفِذ المَقاتِلَ فمات، أيُؤكَلُ أم لا في قول مالكٍ ؟ الجواب: قال: نعم، وهو بمنزلة السَّهْم إذا لم يُصِبْه به عَرَضاً. قال: وقال مالكٌ: إذا خَرَق المِعْراض آكُلُ.

стр. 595

[المدوّنة الكبرى (١/ ٥٣٩)] * * * (٦٤٨) السؤال: قلتُ لأبي: صيدُ المِعْراض ؟ الجواب: شبيه السَّهْم؛ فرُبَّما خَرَمَه، ورُبَّما جَرَحَه؛ فيُؤكَل. وإذا أصاب بعَرْضِه فهو بمنزلة الوَقيذ لا يُؤكَل. [مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (٣/ ٨٩٧)] * * * (٦٤٩) السؤال: قلتُ: المِعْراض ؟ الجواب: أكرهُ صَيد المِعْراض حتَّى يَخْزِق. قال إسحاق [بن راهويه]: كما قال؛ فما أصابه بعَرْضِه فلا يَأْكُل. [مسائل الإمام أحمد رواية الكوسج (٥/ ٢٢٥٠)] * * * الصَّيْدُ بِالمَصْيَدَةِ الحَدِيدِيَّةِ (٦٥٠) السؤال: هل صيدُ البَرِّ المُصطاد من خلال المَصْيَدَة الحديديَّة حرامٌ أم حلالٌ ؟ الجواب: الصَّيدُ حلالٌ سواء صاد عن طريق فخٍّ، أو زُبْية (١)، أو سلاح، أو غيره، حلالٌ سواء كان الصَّيدُ ظَبْياً، أو أرانب، أو طيوراً، فكُلُّه حلالٌ. [ثمر الغصون من فتاوى الشيخ ابن غصون (١٢/ ٣٢٣)] * * * وَضْعُ مَنَاجِلِ الصَّيْدِ وَذِكْرُ اسْمِ اللهِ عَلَيْهَا (٦٥١) السؤال: ذَكَرَ الأصحابُ أنَّه إذا وَضَعَ مَناجِلَ الصَّيدِ وذَكَرَ اسمَ الله عليها أنَّها تَحِلُّ؛ فهل هو وَجيهٌ ؟ الجواب: ليست بوجيهةٍ، ويَعْسُر تطبيقها على الأسباب التي تَحِلُّ بها الذَّبيحة، فإنَّ الأسباب التي ورد بها الحِلُّ، إمَّا مباشرةُ الذَّبْح من آدميٍّ عاقلٍ

стр. 596

لمقدورٍ عليه بذَبْحٍ في مَحلِّه، وغير مقدورٍ عليه بإصابته بمُحدَّدٍ من الآدميِّ العاقل، أو بجَرْح الجوارح المُكَلَّبة، ومع هذا فاشترطوا لذلك شروطاً متعدِّدة معروفة، وهذه الصورة المذكورة ليس منها ولا شبيهة بها، فإنَّه لا بُدَّ من مقارنة مباشرة الذَّابح وفِعْلِه للذَّبْح، أو تقدُّمه يسيراً، وهذه ذكروا ولو طال الزمن بين الوضع والإصابة أنَّها تَحِلُّ، مع أنَّ (الأصلَ في الذَّبْح الحَظْر حتَّى نتيقَّن سبب الحِلِّ). [الفتاوى السعدية (ص ٥٩٨)] * * * الصَّيْدُ بالعُودِ وَالعَصَا (٦٥٢) السؤال: قلتُ: أرأيتَ إنْ رَميتُ صَيْداً بعُودٍ أو بعَصاً فخَرَقَتْهُ أَيُؤكَلُ أم لا ؟ الجواب: فقال: هو مثل المعراض أنَّه يُؤكَل. [المدوّنة الكبرى (١/ ٥٣٩)] * * * صَيْدُ الطُّيورِ بِالحَصَا وَالعَصَا (٦٥٣) السؤال: هل يجوزُ أَكْلُ الطُّيور التي تُصْطاد بالحَصَا أو العَصَا ؟ الجواب: لا يجوز الاصطيادُ بالحَصَا أو العَصَا؛ لأنَّه في الغالب لا يَخْزِق الطَّيْر خَزْقاً، أي لا يجرحه جرحاً واضحاً، إنَّما تقع عليه هذه الحَصاة أو العصا بثقلها فيموت، فهذا وَقيذٌ، يَحرُم أَكْلُه؛ وذلك لقول الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. أمَّا مثل الرَّصاصة؛ فلو ضَرَبَها بها فإنَّها تَخْرِقُه خَرْقاً فتدخل في اللَّحم، وهذا حلالٌ أَكْلُه. وبالله التوفيق. [فتاوى ورسائل مختارة للشيخ محمَّد السبيل (ص ٤٨٢)]

стр. 597

صِفَةُ الحَيوانِ المُعَلَّمِ (٦٥٤) السؤال: قلتُ لابن القاسِم: صِفْ لي البَازَ المُعَلَّم والكَلْبَ المُعَلَّم في قول مالكٍ . الجواب: قال: قال مالكٌ: هو الذي يَفْقَهُ؛ إذا زُجِرَ ازْدَجَرَ، وإذا أُشْلِيَ (١) أَطاعَ. [المدوّنة الكبرى (١/ ٥٣٢)] * * * مَعْنَى كَوْنِ الجَوَارِحِ مُعَلَّمَةً (٦٥٥) السؤال: قول (المنهاج): ويَحِلُّ الاصطيادُ بجوارح السِّباع والطَّير؛ ككَلْبٍ، وفَهْدٍ ، وبازٍ، وشاهينٍ؛ بشَرْط كونها مُعلَّمةً؛ بأن تنزجر جارحةُ السِّباع بزَجْر صاحبها، وتسترسل بإرساله، وتُمسك الصَّيد ولا تَأكُل منه، شرطان أو شرطٌ واحدٌ، ويكون الشَّرطُ الرَّابعُ هو قول (المنهاج) بعدُ: ويُشترطُ تكرُّرُ هذه الأُمُور. فإن قُلتُم بأنَّ مَسْك الصَّيد شَرْطٌ، وعدم الأَكْل منه شَرْطٌ آخر؛ فكيف يأتي قول المُصحِّح: إنَّ الإمام اشترط أمراً خامساً؛ وهو انطلاقُها بإطلاق صاحبها. إنَّما يكون هذا على ذلك سادساً لا خامساً. وأيًّا ما كان فهذا نقله المُصحِّحُ عن الإمام، ما الفَرْق بينه وبين ما في (المنهاج)؟ فإنَّ حقيقة الإرسال الإذهاب، والاسترسال الرَّواح والذَّهاب، وذلك بعينه هو حقيقة الإطلاق والانطلاق؛ يدُلُّ على ذلك أنَّ المُصحِّح قال: فلو انطلقت بنَفْسِها لم تكن مُتعلِّمةً. قال الزَّركشيُّ: وهو ظاهر قول (المنهاج): ولو استرسل كَلْبٌ بنفسه فقتل لم يَحِلَّ. فاستدلَّ الزَّركشيُّ على حُكْم مسألة الانطلاق بقول (المنهاج): استرسل كَلْبٌ بنَفْسِه؛ فاقتضى أنَّ الانطلاق غيرُ الاسترسال؛ فالمسألة مُكرَّرةٌ على ذلك، والقصد شفاء الغليل من ذلك. الجواب: قول (المنهاج): ويُمسِك

стр. 598

المَصِيد ولا يَأْكُل منه؛ أفاد به شرطين: أوَّلُهما: أنَّه يُمسك الصَّيد ولا يُخلِّيه يذهب به. وثانيهما: ألَّا يَأْكُل منه. وأمَّا قوله بعد ذلك: ويُشترطُ تكرُّرُ هذه الأُمور بحيث يظُنُّ تأدُّب الجارحة؛ فبيَّن به وقت اعتبار هذه الأُمور، وقد عُلِم أنَّ ما ذكره الإمام خامسٌ لا سادسٌ. والشُّروط الأربعة المذكورة في (المنهاج) شُروطٌ لصيرورة الجارحة مُعلَّمةً، ويُشترطُ أمرٌ خامسٌ في حِلِّ ما اصطادته المُعلَّمةُ: ألَّا تنطلق بنَفْسِها، فلو انطلقت بنَفْسِها فقتلت صيداً لم يَحِلَّ ذلك الصَّيدُ؛ فالخامسُ شرطٌ لحِلِّه لا لتَعَلُّمها. وقوله: لم تكن مُعلَّمةً؛ يعني لم يَحِلَّ ذلك الصَّيدُ، لا أنَّها خرجت عن كونها مُعلَّمةً؛ بدليل قول (المنهاج): ولو استرسل كَلْبٌ بنَفْسِه فقتل لم يَحِلَّ. [فتاوى الرملي (٥/ ٢٠٥ - ٢٠٦)] * * * اسْتِخْدَامُ الكِلابِ وَغَيْرِهَا مِنَ الحَيْوَانَاتِ فِي الصَّيْدِ (٦٥٦) السؤال: البعضُ من النَّاس يصْطَحِب معه الكِلابَ عندما يكون ذاهباً للصَّيْد ليصْطاد الأرانب، وما يشبه ذلك، فهل يجوزُ أَكْل ما تصطاده هذه الحيوانات، أو هذا الكَلْب ؟ الجواب: الكَلْب المُعلَّم صيدُه حلالٌ؛ لقوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، وهذا أمره معروف، مثلاً إذا أُرسِلَ طارَدَ، وإذا زُجِرَ انْزَجَر، وإذا طُلِبَ منه أن يَكُفَّ كَفَّ، هذا هو الكَلْب المُعلَّم، وإذا أمسك لا يَأْكُل ما أمسكه لنَفْسِه، بل يأتي به لمالكه أو لصاحبه وهكذا، فذلك الصَّيد حلالٌ، ولا شيء فيه. [ثمر الغصون من فتاوى الشيخ ابن غصون

стр. 599

(١٢/ ٣٢٢)] * * * (٦٥٧) السؤال: ما حُكمُ اقتناء الكَلْبِ في حِرَاسَةِ البُيوت؟ وإذا بِيعَتْ فما حُكمُ ثَمَنِها ؟ الجواب: اقتناء الكَلْب لا يجوز إلَّا لحاجةٍ ماسَّةٍ؛ مثل كَلْب الماشية، ومثل كَلْب الحِراسَة، ومثل كَلْب الصَّيد، وفي غير هذا لا يجوز اقتناء الكَلْب. [ثمر الغصون من فتاوى الشيخ ابن غصون (١٢/ ٣٢٢)] * * * أَكْلُ الطُّيُورِ الَّتِي تُصَادُ بِالبُنْدُقِيَّةِ وَتَقَعُ فِي المَاءِ (٦٥٨) السؤال: يوجدُ لدى أهالي الصحراء الغربيَّة موسمٌ لصيد الطيور في شَهْرَي أغسطس وسبتمبر من كُلِّ عام ، والصيَّادون يكونون بجوار البَحْر الأبيض المتوسِّط، فأحياناً يضربون الطيور بالبندقيَّة فتقعُ في البَحْر، فينزل أحدُهم لإخراجها من البَحْر، فأحياناً يجدونها لا تزال بها حياةٌ فيذبحونها، فيكون أَكْلُها حَلالًا، وأحيانًا يجدونها ميِّتةً وليس بها حياةٌ، وقد اختلفت الآراء في ذلك؛ فبعض العُلماء يقول: أَكْلُها حلالٌ، والبعض يُحرِّمون أَكْلَها بعد إخراجها من البَحْر مَيِّتةً، وطلبَ السائلُ الإفادة عن حُكْم الدِّينِ فيما أُخرِج من البَحْر مَيِّتاً. الجواب: إنَّ الصيد من الحلال الطيِّب الذي أباح الله أَكْلَه والانتفاع به، وهو مباحٌ إذا لم يترتَّب عليه إضرارٌ للناس بإتلاف مزارعهم، أو إزعاجهم في منازلهم، أو كان الغرض منه مجرَّد اللهو، أو اللعب، أو القمار، وتعذيب الحيوان، وإلَّا فيَحْرُم، وقد ثبت حِلُّ الصيد وأَكْلُه بالكتاب والسُّنَّة والإجماع. أَمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا

стр. 600

عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. وأَمَّا السُّنَّة: فما رواه البخاري ومسلم (أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي أَوْ بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، أَوْ بِكَلْبِي المُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ فَقَالَ الرَّسُولُ ﵌: مَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ المُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ)، وروى مسلم عن عديِّ ابن حاتم ﵁ أنَّ رسول الله ﵌ قال: (إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ، إِلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي المَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ). ولو رمى صيداً فوقع في الماء أو على سطح أو جبل ثمَّ تردَّى منه على الأرض فمات حَرُم؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة: ٣]، ولهذا أجمع فقهاء المسلمين على أنَّ الصيد إن وُجِدَ في الماء مَيِّتاً أو تَرَدَّى من فوق سطح أو جبل ميِّتاً لا يَحِلُّ أَكْلُه؛ لجواز أن يكون موته اختناقاً بالماء أو قُتِلَ مُتَردِّياً من السطح أو الجبل، فيدخل في هذه المُحرَّمات المنصوص عليها في [هذه] الآية الكريمة. لما كان ذلك؛ فإنَّ الصَّيد الذي وقع في الماء لا يَحِلُّ أَكْلُه أو الانتفاع به إذا أُخرِج مَيِّتاً فاقداً كُلَّ مظاهر الحياة، وكذلك ما تردَّى من فوق جبل أو سطح فمات قبل إدراكه، والله أعلم. [موقع دار الإفتاء المصرية (رقم ١٩٩٧)]
следующие страницы →