لمقدورٍ عليه بذَبْحٍ في مَحلِّه، وغير مقدورٍ عليه بإصابته بمُحدَّدٍ من الآدميِّ العاقل، أو بجَرْح الجوارح المُكَلَّبة، ومع هذا فاشترطوا لذلك شروطاً متعدِّدة معروفة، وهذه الصورة المذكورة ليس منها ولا شبيهة بها، فإنَّه لا بُدَّ من مقارنة مباشرة الذَّابح وفِعْلِه للذَّبْح، أو تقدُّمه يسيراً، وهذه ذكروا ولو طال الزمن بين الوضع والإصابة أنَّها تَحِلُّ، مع أنَّ (الأصلَ في الذَّبْح الحَظْر حتَّى نتيقَّن سبب الحِلِّ).
[الفتاوى السعدية (ص ٥٩٨)]
* * *
الصَّيْدُ بالعُودِ وَالعَصَا
(٦٥٢) السؤال: قلتُ: أرأيتَ إنْ رَميتُ صَيْداً بعُودٍ أو بعَصاً فخَرَقَتْهُ أَيُؤكَلُ أم لا ؟
الجواب: فقال: هو مثل المعراض أنَّه يُؤكَل.
[المدوّنة الكبرى (١/ ٥٣٩)]
* * *
صَيْدُ الطُّيورِ بِالحَصَا وَالعَصَا
(٦٥٣) السؤال: هل يجوزُ أَكْلُ الطُّيور التي تُصْطاد بالحَصَا أو العَصَا ؟
الجواب: لا يجوز الاصطيادُ بالحَصَا أو العَصَا؛ لأنَّه في الغالب لا يَخْزِق الطَّيْر خَزْقاً، أي لا يجرحه جرحاً واضحاً، إنَّما تقع عليه هذه الحَصاة أو العصا بثقلها فيموت، فهذا وَقيذٌ، يَحرُم أَكْلُه؛ وذلك لقول الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣].
أمَّا مثل الرَّصاصة؛ فلو ضَرَبَها بها فإنَّها تَخْرِقُه خَرْقاً فتدخل في اللَّحم، وهذا حلالٌ أَكْلُه. وبالله التوفيق.
[فتاوى ورسائل مختارة للشيخ محمَّد السبيل (ص ٤٨٢)]
стр. 597
صِفَةُ الحَيوانِ المُعَلَّمِ
(٦٥٤) السؤال: قلتُ لابن القاسِم: صِفْ لي البَازَ المُعَلَّم والكَلْبَ المُعَلَّم في قول مالكٍ .
الجواب: قال: قال مالكٌ: هو الذي يَفْقَهُ؛ إذا زُجِرَ ازْدَجَرَ، وإذا أُشْلِيَ (١) أَطاعَ.
[المدوّنة الكبرى (١/ ٥٣٢)]
* * *
مَعْنَى كَوْنِ الجَوَارِحِ مُعَلَّمَةً
(٦٥٥) السؤال: قول (المنهاج): ويَحِلُّ الاصطيادُ بجوارح السِّباع والطَّير؛ ككَلْبٍ، وفَهْدٍ ، وبازٍ، وشاهينٍ؛ بشَرْط كونها مُعلَّمةً؛ بأن تنزجر جارحةُ السِّباع بزَجْر صاحبها، وتسترسل بإرساله، وتُمسك الصَّيد ولا تَأكُل منه، شرطان أو شرطٌ واحدٌ، ويكون الشَّرطُ الرَّابعُ هو قول (المنهاج) بعدُ: ويُشترطُ تكرُّرُ هذه الأُمُور. فإن قُلتُم بأنَّ مَسْك الصَّيد شَرْطٌ، وعدم الأَكْل منه شَرْطٌ آخر؛ فكيف يأتي قول المُصحِّح: إنَّ الإمام اشترط أمراً خامساً؛ وهو انطلاقُها بإطلاق صاحبها. إنَّما يكون هذا على ذلك سادساً لا خامساً. وأيًّا ما كان فهذا نقله المُصحِّحُ عن الإمام، ما الفَرْق بينه وبين ما في (المنهاج)؟ فإنَّ حقيقة الإرسال الإذهاب، والاسترسال الرَّواح والذَّهاب، وذلك بعينه هو حقيقة الإطلاق والانطلاق؛ يدُلُّ على ذلك أنَّ المُصحِّح قال: فلو انطلقت بنَفْسِها لم تكن مُتعلِّمةً. قال الزَّركشيُّ: وهو ظاهر قول (المنهاج): ولو استرسل كَلْبٌ بنفسه فقتل لم يَحِلَّ. فاستدلَّ الزَّركشيُّ على حُكْم مسألة الانطلاق بقول (المنهاج): استرسل كَلْبٌ بنَفْسِه؛ فاقتضى أنَّ الانطلاق غيرُ الاسترسال؛ فالمسألة مُكرَّرةٌ على ذلك، والقصد شفاء الغليل من ذلك.
الجواب: قول (المنهاج): ويُمسِك
стр. 598
المَصِيد ولا يَأْكُل منه؛ أفاد به شرطين:
أوَّلُهما: أنَّه يُمسك الصَّيد ولا يُخلِّيه يذهب به.
وثانيهما: ألَّا يَأْكُل منه.
وأمَّا قوله بعد ذلك: ويُشترطُ تكرُّرُ هذه الأُمور بحيث يظُنُّ تأدُّب الجارحة؛ فبيَّن به وقت اعتبار هذه الأُمور، وقد عُلِم أنَّ ما ذكره الإمام خامسٌ لا سادسٌ.
والشُّروط الأربعة المذكورة في (المنهاج) شُروطٌ لصيرورة الجارحة مُعلَّمةً، ويُشترطُ أمرٌ خامسٌ في حِلِّ ما اصطادته المُعلَّمةُ: ألَّا تنطلق بنَفْسِها، فلو انطلقت بنَفْسِها فقتلت صيداً لم يَحِلَّ ذلك الصَّيدُ؛ فالخامسُ شرطٌ لحِلِّه لا لتَعَلُّمها.
وقوله: لم تكن مُعلَّمةً؛ يعني لم يَحِلَّ ذلك الصَّيدُ، لا أنَّها خرجت عن كونها مُعلَّمةً؛ بدليل قول (المنهاج): ولو استرسل كَلْبٌ بنَفْسِه فقتل لم يَحِلَّ.
[فتاوى الرملي (٥/ ٢٠٥ - ٢٠٦)]
* * *
اسْتِخْدَامُ الكِلابِ وَغَيْرِهَا مِنَ الحَيْوَانَاتِ فِي الصَّيْدِ
(٦٥٦) السؤال: البعضُ من النَّاس يصْطَحِب معه الكِلابَ عندما يكون ذاهباً للصَّيْد ليصْطاد الأرانب، وما يشبه ذلك، فهل يجوزُ أَكْل ما تصطاده هذه الحيوانات، أو هذا الكَلْب ؟
الجواب: الكَلْب المُعلَّم صيدُه حلالٌ؛ لقوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، وهذا أمره معروف، مثلاً إذا أُرسِلَ طارَدَ، وإذا زُجِرَ انْزَجَر، وإذا طُلِبَ منه أن يَكُفَّ كَفَّ، هذا هو الكَلْب المُعلَّم، وإذا أمسك لا يَأْكُل ما أمسكه لنَفْسِه، بل يأتي به لمالكه أو لصاحبه وهكذا، فذلك الصَّيد حلالٌ، ولا شيء فيه.
[ثمر الغصون من فتاوى الشيخ ابن غصون
стр. 599
(١٢/ ٣٢٢)]
* * *
(٦٥٧) السؤال: ما حُكمُ اقتناء الكَلْبِ في حِرَاسَةِ البُيوت؟ وإذا بِيعَتْ فما حُكمُ ثَمَنِها ؟
الجواب: اقتناء الكَلْب لا يجوز إلَّا لحاجةٍ ماسَّةٍ؛ مثل كَلْب الماشية، ومثل كَلْب الحِراسَة، ومثل كَلْب الصَّيد، وفي غير هذا لا يجوز اقتناء الكَلْب.
[ثمر الغصون من فتاوى الشيخ ابن غصون (١٢/ ٣٢٢)]
* * *
أَكْلُ الطُّيُورِ الَّتِي تُصَادُ بِالبُنْدُقِيَّةِ وَتَقَعُ فِي المَاءِ
(٦٥٨) السؤال: يوجدُ لدى أهالي الصحراء الغربيَّة موسمٌ لصيد الطيور في شَهْرَي أغسطس وسبتمبر من كُلِّ عام ، والصيَّادون يكونون بجوار البَحْر الأبيض المتوسِّط، فأحياناً يضربون الطيور بالبندقيَّة فتقعُ في البَحْر، فينزل أحدُهم لإخراجها من البَحْر، فأحياناً يجدونها لا تزال بها حياةٌ فيذبحونها، فيكون أَكْلُها حَلالًا، وأحيانًا يجدونها ميِّتةً وليس بها حياةٌ، وقد اختلفت الآراء في ذلك؛ فبعض العُلماء يقول: أَكْلُها حلالٌ، والبعض يُحرِّمون أَكْلَها بعد إخراجها من البَحْر مَيِّتةً، وطلبَ السائلُ الإفادة عن حُكْم الدِّينِ فيما أُخرِج من البَحْر مَيِّتاً.
الجواب: إنَّ الصيد من الحلال الطيِّب الذي أباح الله أَكْلَه والانتفاع به، وهو مباحٌ إذا لم يترتَّب عليه إضرارٌ للناس بإتلاف مزارعهم، أو إزعاجهم في منازلهم، أو كان الغرض منه مجرَّد اللهو، أو اللعب، أو القمار، وتعذيب الحيوان، وإلَّا فيَحْرُم، وقد ثبت حِلُّ الصيد وأَكْلُه بالكتاب والسُّنَّة والإجماع.
أَمَّا الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا
стр. 600
عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢].
وأَمَّا السُّنَّة: فما رواه البخاري ومسلم (أَنَّ أَبَا ثَعْلَبَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا بِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي أَوْ بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ، أَوْ بِكَلْبِي المُعَلَّمِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ فَقَالَ الرَّسُولُ ﵌: مَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ المُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ)، وروى مسلم عن عديِّ ابن حاتم ﵁ أنَّ رسول الله ﵌ قال: (إِذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ، فَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قَتَلَ فَكُلْ، إِلَّا أَنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ فِي مَاءٍ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي المَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُكَ).
ولو رمى صيداً فوقع في الماء أو على سطح أو جبل ثمَّ تردَّى منه على الأرض فمات حَرُم؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة: ٣]، ولهذا أجمع فقهاء المسلمين على أنَّ الصيد إن وُجِدَ في الماء مَيِّتاً أو تَرَدَّى من فوق سطح أو جبل ميِّتاً لا يَحِلُّ أَكْلُه؛ لجواز أن يكون موته اختناقاً بالماء أو قُتِلَ مُتَردِّياً من السطح أو الجبل، فيدخل في هذه المُحرَّمات المنصوص عليها في [هذه] الآية الكريمة.
لما كان ذلك؛ فإنَّ الصَّيد الذي وقع في الماء لا يَحِلُّ أَكْلُه أو الانتفاع به إذا أُخرِج مَيِّتاً فاقداً كُلَّ مظاهر الحياة، وكذلك ما تردَّى من فوق جبل أو سطح فمات قبل إدراكه، والله أعلم.
[موقع دار الإفتاء المصرية (رقم ١٩٩٧)]
стр. 601
تَذْكِيةُ الصَّيْدِ
(٦٥٩) السؤال: الوحشُ يُنصَبُ لها شيءٌ، فيُمنَعُ من الماء، فيُصادُ؛ يُؤكلُ -يعني: إذا ذُكِّيَ -؟
الجواب: نعم.
[مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٣٤٣)]
* * *
أَكْلُ ما قَتَلَتِ الحِبَالاتُ
(٦٦٠) السؤال: قلتُ: أرأيتَ ما قَتَلَتِ الحِبَالات من الصَّيد أيُؤكَل أم لا ؟
الجواب: قال: قال مالكٌ: لا يُؤكَلُ إلَّا ما أُدْرِكَت ذكاتُه من ذلك.
قال: فقيل لمالكٍ: فإن كانت في الحِبَالات حديدةٌ فأَنْفَذَت الحديدةُ مقاتل الصَّيد؟
قال: قال مالكٌ: لا يُؤكَلُ منه إلَّا ما أُدْرِكَتْ ذَكاتُه.
[المدوّنة الكبرى (١/ ٥٣٦ - ٥٣٧)]
* * *
مَوْتُ الصَّيْدِ بَعْدَ الوُقُوعِ في شَبَكَةٍ فِيهَا مُحَدَّدٌ
(٦٦١) السؤال: نَصَبَ شَبَكةً فيها مِنْجَلٌ أو مُحدَّدٌ، فتعلَّق بها صَيدٌ، ورأسُ الحَبْلِ بيده، فجَرَّهُ وجَرَح الصَّيْدَ به فمات .
الجواب: لا يَحِلُّ؛ لأنَّه لمَّا تعلَّق بالشَّبَكة صار مقدوراً على ذَبْحِه، إلَّا أن يُصيب المُحدَّد حَلْقَهُ حالة الذَّبْح فقَطَعَه، حَلَّ. ولو لم يَجُرَّ الحَبْل فأصاب المِنْجَل حَلْقَه ومات، لم يَحِلَّ؛ لأنَّه لا صُنْع من جهته في الذَّبْح، ولو لم يتعلَّق به الصَّيد بل كان في العَدْوِ؛ فجَرَّ الحَبْلَ، أصاب المِنْجَلُ المتعلِّقُ بالشَّبَكة، لم يَحِلَّ.
[فتاوى ابن الصلاح (ص ٧٠٧)]
* * *
إِصابَةُ الصَّيدِ في الهَواءِ بسَهْمَيْنِ
(٦٦٢) السؤال: إذا رَمَى سَهْماً إلى
стр. 602
الصَّيدِ في الهواء فأصابه وأزال امتناعه، ففيما بين الهواء إلى الأرض رَمَى إليه بسَهْم آخر فمات منهما.
الجواب: لا يَحِلُّ؛ لأنَّه في الهواء، وإن كان لا يصل إليه فهو في طريقه، كما لو رَمَى سهماً إلى صيدٍ فأزال امتناعه، ثمَّ رَمَى إليه آخر، وإن كانت يدُه لا تصل إليه ما لم يَمْشِ إليه، فأمَّا إذا أزال امتناعه، ولكن وقع على قِمَّة جَبَلٍ لا يصل المالك إليه ليقْطَع مَذْبَحَهُ فرَمَى إليه؛ قال: وجب أن تَحِلَّ، كما لو سقط بعيرٌ في بئرٍ فطُعِن فيه.
[فتاوى ابن الصلاح (ص ٧٠٨)]
* * *
اشْتِرَاكُ حَيْوانٍ مُعَلَّمٍ وَغَيْرِ مُعَلَّمٍ في الصَّيْدِ
(٦٦٣) السؤال: قلتُ: أرأيتَ إن أرسلتُ بَازِيَ على صَيدٍ فأعانه عليه بازٌ غير مُعَلَّمٍ ؟
الجواب: قال: قال مالكٌ: لا يُؤكَلُ.
[المدوّنة الكبرى (١/ ٥٣٣)]
* * *
الرَّجُلُ يُرْسِلُ كَلْبَهُ فَيَجِدُ مَعَهُ غَيْرَهُ
(٦٦٤) السؤال: إذا رَمَى المُسلم كَلْبَهُ فوجدَ معه غيرَه -كَلْباً آخرَ-، وقد قتلا الصَّيد ؟
الجواب: لا يأكُلهُ.
[مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (٣/ ٨٩٧)]
* * *
الأَكْلُ مِنَ العُضْوِ المَقْطُوعِ مِنَ الصَّيْدِ
(٦٦٥) السؤال: قلتُ: أرأيتَ الكَلْبَ إذا أرسلتُه على الصَّيدِ فأَدْرَكَه فَقَطَعَ يَدَه أو رِجْلَه فمات من ذلك، أو قتله الكَلْبُ بعد ذلك؛ أيُؤكَلُ اليدُ والرِّجْل وجميع الصَّيْد أم لا ؟
الجواب: قال: سُئِلَ مالكٌ عن الرَّجُل يُدْرك الصَّيد فيَضْربُ عُنُقَه فيخزله، أو يضرب وسطه فيخزله
стр. 603
نصفين؟
قال مالكٌ: يُؤكَل هذا كُلُّه.
فقيل لمالكٍ: فإن قَطَع يداً أو رِجْلًا؟
قال: لا يَأْكُل اليَدَ ولا الرِّجْل، وليُذَكِّ ما بقي منه وليَأْكُلْه، فإن مات بنَفْسِه قبل أن يُذَكِّيه من غير تفريطٍ فليَأْكُلْه، ولا يَأْكُل اليَدَ ولا الرِّجْل، فكذلك مسألتك في الكلاب إذا قَطَعَت، والبُزَاة مثل هذا.
[المدوّنة الكبرى (١/ ٥٣٣)]
* * *
(٦٦٦) السؤال: سُئِلَ بعضُهم عن قولهم: إذا قُطِع من الصَّيدِ يدُه أو رِجْلُه أو فَخِذُه أو جَناحُه أو خَطْمُه لم يُوكَل ما بان منه، وقد يقال: فِعْل الصَّائد أو الجارح يلزم منه أَكْلُ المُبان .
الجواب: تُمنَعُ الصُّغْرى، بل فِعْلُ الصائد سببُ الذَّكاة، والأصل في المسبَّبات الشرعيَّة أن تكون متأخِّرة عن أسبابها لا مقارنةً، والمُبانُ مُقارِنٌ، فيجب طَرْحُه.
وإن رُدَّ بمَنْع أنَّ المُسبَّبات الأصل تأخيرها؛ بدليل مسألة إن بِعْتُك فأنت حُرُّ.
أُجيب بالاحتياط للعِتْق، ولذا نقل عبد الحق عن بعض شيوخه أنَّه قال: إن قال: إن بعتُك فأنت صدقة. لم ينقض البيع وارتضاه.
فإن قيل: يلزم فيما إذا جزَّأه نصفين ألَّا يُوكَلَ؛ لما ذكرتم.
أُجيبَ: بمنع تصوُّر التبعيَّة.
فإن قيل: يلزم في الرأس.
أُجيب: بأنَّه لا تقع الإبانة إلَّا بعد إنفاذ المَقاتِل، والله أعلم.
[المعيار المعرب للونشريسي (٢/ ٨)]
* * *
الكَلْبُ إذا أَكَلَ مِنَ الصَّيدِ
(٦٦٧) السؤال: الكَلْبُ إذا أَكَلَ من الصَّيدِ ؟
الجواب: لا يُؤكَل.
стр. 604
قال إسحاق [بن راهويه]: كما قال، لا يتبع حينئذ.
[مسائل الإمام أحمد رواية الكوسج (٥/ ٢٢٤٤ - ٢٢٤٥)]
* * *
(٦٦٨) السؤال: الكَلْبُ إذا أَكَلَ من الصَّيدِ ؟
الجواب: لا يُؤكلُ -يعني: لا يُؤكَلُ صَيدُهُ.
[مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٣٤٣)]
* * *
الفَرْقُ بينَ صَيْدِ السَّهْمِ وَصَيْدِ الكَلْبِ إِذَا أَصَابَ المَذْبَحَ
(٦٦٩) السؤال: [ما الفَرْق بين صَيْدِ السَّهْم وصَيْدِ الكَلْب إذا أصابَ المَذْبَح ؟]
الجواب: إذا أرسلَ سَهْماً إلى مقدور فأصاب مَذْبَحَه حَلَّ، ولو أرسل كَلْباً إلى مقدور فقَطَع مَذْبَحَه لم يَحِلَّ؛ لأنَّ فِعْل السَّهْم أشدُّ اختصاصاً من فِعْل الكَلْب، ولأنَّه لو أتاه بنَفْسِه وذَبَحَه بسَهْمٍ حَلَّ، ولو ذَبَحَه بسِنِّ كَلْبِه لا يَحِلُّ؛ فجرح الكَلْب لا يُبيح إلَّا في غير المقدور، [فوجب] أن يكون كُلُّ البَدَن [مَذْبَحاً]، وكذلك لو وقع بعيرٌ في بئرٍ منكوساً فطَعَنَه برُمْحٍ حَلَّ، ولو أرسل عليه كَلْبَه فجَرَحه لم يحِلَّ، ولو أرسل سَهْمَين معاً فأصابا معاً حَلَّ، ولو أصابه أحدهما ثمَّ الثاني؛ نظر؛ إن أَزْمَنَه الأوَّل ولم [يُصِب] الثاني مَذْبَحَه لم يَحِلَّ، وإن أصاب مَذْبَحَه حَلَّ، وإن لم يُزْمِنْه الأوَّل فقتَلَه الثاني حَلَّ، أمَّا إذا أرسل كَلْبَيْن فأَزْمَنَه الأوَّل وقَطَع الثاني مَذْبَحَه لم يَحِلَّ، وكذلك لو أرسل كَلْباً وسَهْماً؛ فأَزْمَنَه الكُلْب، ثمَّ أصاب السَّهْمُ مَذْبَحَه حَلَّ، ولو أَزْمَنَه السَّهْم، ثمَّ أصاب الكَلْبُ مَذْبَحَه لم يَحِلَّ.
[فتاوى ابن الصلاح (ص ٧٠٩)]
стр. 605
الأَكْلُ مِمَّا صَادَهُ الكَلْبُ
(٦٧٠) السؤال: ما حُكمُ الأَكْل من صَيدِ الكَلْب ؟
الجواب: يجوزُ للإنسان شرعاً أن يَأْكُل ممَّا صادته الكِلَاب بشروط ذكرها العُلماء في كتب الفقه، وقد استند الفقهاء في ذلك إلى قول الله ﵎ في سورة المائدة: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤].
وقد روى المفسِّرون أنَّ الآية نزلت بسبب عَدِيِّ بن حاتم وزيدِ بن مُهَلْهَل، قالا: (يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِالكِلَابِ وَالبُزَاةِ، وَإِنَّ الكِلابَ تَأْخُذُ البَقَرَ وَالحُمُرَ وَالظِّبَاءَ؛ فَمِنْهُ مَا نُدْرِكُ [ذَكَاتَهُ]، وَمِنْهُ مَا تَقْتُلُهُ فَلَا نُدْرِكَ [ذَكَاتَهُ]، وَقَدْ حَرَّمَ اللهُ المَيْتَةَ؛ فَمَاذَا يَحِلُّ لَنَا؟) فنزلت الآية السابقة.
ويُشترَط في الصَّيد المباح بالكِلاب: أن يكون الكَلْب مُعلَّماً -أي مُتعلِّماً مُتدرِّباً- يخضع لتوجيه صاحبه، ويطيع أمرَه وتوجيهه؛ وهذا مأخوذٌ من قول الله تعالى في الآية السابقة: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾.
وأن يكون إمساكُ الكَلْب للصَّيد من أجل صاحبه؛ فالكَلْب لا يَأْكُل منه، فإذا أمسك الكَلْبُ الصَّيدَ وأَكَلَ منه لم يَجُزْ؛ يقول رسول الله ﷺ في ذلك: (إِذَا أَرْسَلْتَ الكَلْبَ فَأَكَلَ مِنَ الصَّيْدِ، فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا أَرْسَلْتَهُ فَقَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ، فَكُلْ؛ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى صَاحِبِهِ).
ويجبُ أن يذكر مُرْسِلُ الكَلْب اسمَ الله تعالى عند إرساله؛ لأنَّ الآية السالفة قد جاء فيها قوله عزَّ شأنه: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، واللّه ﵎ أعلم.
[يسألونك في الدين والحياة (٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨)]
стр. 606
أَكْلُ الطُّيورِ الَّتِي تُقْتَلُ بِالصَّيْدِ
(٦٧١) السؤال: هل الطُّيور التي تُقْتَل بالصَّيد حلالُ أَكْل لُحومِها ؟
الجواب: إذا ذُكِرَ اسمُ الله عند إرسال السَّهْم أو عند إطلاق الرَّصاصة، ونوى بالصَّيد الأَكْل فإنَّها تَحِلُّ، ويُعدُّ قَتْلُها مع ذِكْر اسمِ الله تذكيةً شرعيَّةً.
[فتاوى الشيخ محمَّد أبو زهرة (ص ٧٠٦)]
* * *
فَرِيسَةُ كَلْبِ الصَّيْدِ أو الصَّقْرِ المُدَرَّبِ
(٦٧٢) السؤال: أرجو من سماحة الشيخ أن تفتوني في فريسة كَلْب الصَّيْد، أو الصَّقْر المُدَرَّب، إن كانت حيَّةً أو مَيِّتةً بعد صَيْدِها .
الجواب: إذا قتله كَلْبٌ مُعَلَّم حَلَّ، قال النبيُّ ﷺ : (إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ، فَأَمْسَكَ وَقَتَلَ، فَكُلْ). المقصود أنَّه إذا قتله كَلْبٌ أو قتله الصَّقْر بأن أرسل الصَّقْر أو الكَلْب فقتل الصَّيْد حَلَّ، الحمد لله، إلَّا أن يكون أَكَلَ منه، إذا أَكَلَ منه لا تَأْكُل؛ يقول النبيُّ: (إِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ)؛ لأنَّه إنَّما صاد لنفسه. أمَّا إذا قتله ولم يَأْكُله فهو حِلٌّ للمصيد له.
[الفتاوى الصوتية للشيخ ابن باز (الموقع)]
* * *
إِدْرَاكُ الصَّيْدِ حَيًّا
(٦٧٣) السؤال: سُئِلَ مالكٌ عن الرَّجُل يُرسِلُ كَلْبَه أو بَازَه على الصَّيد فيُدركه وبه من الحياة ما لو شاء أن يُذكِّيه ذكَّاه، ولم يُنْفِذ الكَلْب أو البَازُ مَقاتِلَه ، فيشتغل بإخراج سِكِّينه من خُرْجِه، أو لعلَّها أن تكون مع رَجُلٍ خَلْفَه فينتظره حتَّى يأتيه، أو مع غلامه فلا يُخرِج السِّكِّين ولا يُدركُه من كان معه السِّكِّين حتَّى يقتل الكَلْبُ الصَّيدَ أو البازُ أو يموت، وإن عَزَلَ الكَلْبَ أو البازَ عنه؟
стр. 607
الجواب: قال مالكٌ: لا يَأْكُلُه؛ لأنَّه قد أدركه حيًّا، ولو شاء أن يُذكِّيه ذكّاه، إلَّا أن يكون أدركه وقد أَنْفَذَت الكِلاب أو البُزَاة مَقاتِلَه، فلا بأس بأن يَأْكُلَه؛ لأنَّ ذكاته ههنا ليست بذكاةٍ.
[المدوّنة الكبرى (١/ ٥٣٢)]
* * *
التَّفْرِيطُ في ذَكَاةِ الصَّيْدِ حَتَّى يَمُوتَ
(٦٧٤) السؤال: سألتُ مالكاً عن الصَّيد يُدْرِكُه الرَّجُلُ وقد أَنْفَذَتِ الكِلابُ مقاتِلَه أو البَازُ، فيُفَرَّط في ذكاته ويتركه حتَّى يموت؛ أيَأْكُلُه ؟
الجواب: قال مالكٌ: نعم لا بأس بذلك وليَأْكُله.
[المدوّنة الكبرى (١/ ٥٣٢)]
* * *
تَذْكِيَةُ الصَّيْدِ إِذَا أُدْرِكَ وَفِيهِ حَيَاةٌ
(٦٧٥) السؤال: أسألُ عن قَتْل الصَّيْد -مثل الطيور والأرانب ونحوها- بالسِّلاح، أو بكِلَاب الصَّيد، ورَمْيها في السيَّارة وهي لم تَمُت بعد، وبعد ذلك تموت؛ فهل يَحِلُّ أَكْلُها بهذه الطريقة أم لا ؟
الجواب: ما رَمَيْتَه بالبُنْدق من الصَّيد طيراً كان أو غير ذلك، أو أرسلتَ عليه الكَلْب المُعَلَّم فصاده؛ فإن مات على إثر صيد الجارحة له، أو إصابة رصاص البُنْدُق له، فإنَّه يَحِلُّ، بشرط أن تكون ذَكَرْت اسمَ الله تعالى عند إرسال الكَلْب أو إطلاق النار من البُنْدُق؛ قال : ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]، وقال النبيُّ ﷺ : (إِذَا أَرْسَلْتَ كِلَابَكَ المُعَلَّمَةَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا، فَكُلْ) رواه الإمام البخاري في صحيحه (٦/ ٢٢٠) من حديث عَدِيِّ بن حاتم ﵁. فما أدركته مَيِّتاً من إثر إصابة الرُّصاص أو الجارحة له، وقد ذَكَرْت اسمَ الله عند إرسالها فإنَّه يَحِلُّ، وهذه
стр. 608
هي ذكاته الشرعيَّة، وأمَّا ما أدركته وفيه حياةٌ مُستقرِّةٌ فهذا لا بُدَّ أن تذكِّيه؛ فلا يَحِلُّ إلَّا إذا ذكَّيتَه، وإن أدركته وفيه حياةٌ غيرٌ مُستقرَّةٍ، بل حياةٌ على سبيل الزَّوال أو حركات الموت، ولم يتَّسع الوقت لتذكيته، ثمَّ مات فهذا أيضاً حلالٌ؛ لأنَّه في حكم ما مات بالإصابة، فالحالات ثلاث:
الأُولَى: ما أدركته مَيِّتاً بالاصطياد فهو حلالٌ، بشَرْط ذِكْر اسمِ الله عند الإرسال.
والثانية: ما أدركته حيًّا حياةً غير مُستقرَّة، ثمَّ مات في الحال، فهو حلالٌ بشَرْط ذِكْر اسمِ الله عند الإرسال.
والثالثة: ما أدركته حيًّا حياةً مُستقرَّة، فلا يَحِلُّ إلَّا بتذكيته مع ذِكْر اسمِ الله عليه عند الذَّكاة.
[المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان (١٢٤٢ - ١٢٤٣) (الموقع)]
* * *
صَيْدُ الطُّيُورِ المُهَاجِرَةِ بِغَيْرِ قَصْدِ الأَكْلِ
(٦٧٦) السؤال: ما حُكمُ صَيْد الطُّيور المُهاجِرَة، والتي لا يُعْرَف أنَّها يُستَفاد منها في الأَكْل ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمَّا بعد: فلا يجوز قَتْل الطيور التي لا يُستفاد منها بدون سبب؛ لنهي النبيِّ ﷺ عن اتِّخاذ شيءٍ فيه الرُّوح غَرَضاً. (مسلم: ٣/ ١٥٥٠).
[فتاوى دار الإفتاء الليبية (رقم ١٨٣٦)]
* * *
الصَّيْدُ في مَوَاسِمِ التَّكاثُرِ وَالحَضَانَةِ
(٦٧٧) السؤال: ما حُكمُ الصَّيْد في مواسم التَّكاثر، وعندما تَحضُنُ الطُّيور البَيْض؟ وما حُكمُ صَيْد الأُمَّهات والحُبْلَيَات ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام
стр. 609
على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمَّا بعد: فينبغي ألَّا تُصاد الأُمَّهات ولا أفراخهنَّ؛ لحديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، قال: (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرُشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا). (أبوداود: ٢/ ٦١).
[فتاوى دار الإفتاء الليبية (رقم ١٨٣٦)]
* * *
الإِسْرَافُ فِي الصَّيْدِ
(٦٧٨) السؤال: ما حُكمُ الإسراف في الصَّيْد؛ كأن تجد النَّفَرَ القليل وقد اصطادوا عشرين غزالًا ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمَّا بعد: فينبغي أن يصطاد الإنسان بقَدْر الانتفاع والأَكْل؛ كي لا يدخل في الإسراف المنهيِّ عنه شرعاً؛ قال الله ﵎: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]، قال الخَرَشي ﵀: «الحيوان المأكول اللَّحم لا يجوز اصطياده بغير نِيَّة الذَّكاة، أي ولا نِيَّة تعليم، بل بلا نِيَّةٍ أصلًا، أو بنِيَّة قَتْلِه أو حَبْسِه أو الفُرْجَة عليه؛ لأنَّه من العبث المنهيِّ عنه، ومن تعذيب الحيوان» (شرح الخَرَشي: ٣/ ١٧).
[فتاوى دار الإفتاء الليبية (رقم ١٨٣٦)]
* * *
صَيْدُ الحَيَوانَاتِ المُفْتَرِسَةِ لِلْمُتْعَةِ
(٦٧٩) السؤال: ما حُكمُ صَيْدِ الحيوانات ذواتِ المَخالِب والأَنْياب؛ مثل الثَّعالِب والذِّئاب، فقط للمُتْعَة، مع عدم الاستفادة بشيءٍ منها ؟
стр. 610
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمَّا بعد: فلا يجوز الصيد لمجرَّد المتعة؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا) (مسلم: ٣/ ١٥٥٠).
[فتاوى دار الإفتاء الليبية (رقم ١٨٣٦)]
* * *
الصَّيْدُ خِلافَ قَوَانِينِ البَلَدِ
(٦٨٠) السؤال: ما حُكمُ استعمال أسلحةٍ ناريَّةٍ عسكريَّة مثل الرشاشات، وهو ما يخالف قوانين الصَّيد، وتنظيم رحلات صَيْدٍ للزُّوار والسُّيَّاح من خارج البلاد، مع العِلْم أن قوانين الصَّيْد في البلاد تحدِّد مواسم محدَّدة الأيام والتواريخ ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمَّا بعد: فيجوز للدولة أن تضع قوانين تقيِّد بها المباح لمقصدٍ معتبرٍ، إن كانت فيها مصلحة ظاهرة، ويكون التقيُّد بهذه الأنظمة لتنظيم المصالح وتحصيلها واجبٌ، ويكون ذلك من باب تقييد وليِّ الأمر للمباح، وقد نصَّ العُلماء على أنَّ لوليِّ الأمر تقييد المباح غير المنصوص عليه، وهو ما سكت عنه الشارع، وكان داخلًا في العفو العامِّ الذي دلَّ عليه أثر ابن عبَّاس ﵄: «فَبَعَثَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ ، وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ، وَأَحَلَّ حَلَالَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ». (أبوداود: ٣٨٠٠).
وعليه؛ فلا يجوز مخالفة أنظمة الدولة المتعلِّقة بالصَّيد البرِّيِّ؛ لأنَّه مخالف للمصلحة العامَّة للبلاد، ويأثم المخالِفُ لذلك، والله أعلم، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى
стр. 611
آله وصحبه وسلم
[فتاوى دار الإفتاء الليبية (رقم ١٨٣٦)]
стр. 612
الفصل الثالث
العَقْر والنَّحْر
أوَّلًا: العَقْر
ذَكَاةُ المَاشِيَةِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَبْحُها في مَوضِعِ الذَّبْح
(٦٨١) السؤال: ماشيةٌ وقعت في بئرٍ، هل يُشترَط لحِلِّها ذَبْحُها، أو تَحِلُّ بضَرْبِها بفَأْسٍ ونحوها في أيِّ مكان؟ وهل يُشترط أن يُعلَمَ مَوْتُها من الضَّرْبة التي جَرَحَتْها ؟
الجواب: هذه المسألة محلُّ خلاف بين الفقهاء:
قال الحنفيَّة: إذا وقع الحيوان في البئر ولم يمكن ذَبْحُه فإنَّه يُجْرَح ويُؤْكَل إذا عَلِمَ بموته من الجُرْح، وإلَّا فلا يُؤْكَل، وإن أَشْكَل ذلك أُكِلَ؛ لأنَّ الظاهر أنَّ الموت منه.
وقال الشافعيَّة: ذكاة الحيوان الذي [لا] يمكن الوصول إلى ذَبْحِه -ومثله ما وقع في البئر- عَقْرُه في أيِّ موضع من بدنه بشيءٍ يجرح يُنْسَبُ إليه زهوق الرُّوح، فلا ينفع العَقْر بحافرٍ أو خُفٍّ، ولا بخَدْش الحيوان خَدْشَةً لطيفة.
وقال الحنابلة: إذا تعذَّر ذَبْح الحيوان عُقِرَ في أيِّ موضع من جسمه، وحَلَّ أَكْلُه بشَرْط أن يموت بالجُرْح الذي قُصِدَ به عَقْرُه، فإن مات بغيره فلا يَحِلُّ أَكْلُه ولو كان الجرح موجباً لقتله.
وقال المالكيَّة: لو سقط الحيوان في البئر ولم يقدر على ذَبْحِه إلَّا بالعَقْر فعُقِر فإنَّه لا يُؤكَل. والله أعلم.
[موقع دار الإفتاء المصرية (رقم ١٣٧٨)]
* * *
(٦٨٢) السؤال: ما الحُكمُ فيما وقع من الأنعام في بئر، أو في موضعٍ لا يمكن ذَبْحُه في موضع الذَّبْح، ما الحُكمُ فيه ؟
الجواب: اختلف في ذلك أصحابنا،
стр. 613
قال ابن القاسم: ما بين اللَّبَّة والمنْحَر مَنْحَرٌ ومَذْبَحٌ.
وقال ابن حبيب: لا بأس أن يُطْعَن في جَنْبٍ أو كَتِفٍ حيث أمكنه حتَّى يموت كالصَّيد.
وقال محمَّد: وقول ابن حبيب هو قول العراق، وقول ابن القاسم أحبُّ إليَّ في ذلك، وبه أخذ أكابر أصحاب مالك ﵃.
[فتاوى ابن سُحْنون (ص ٣٥٢ - ٣٥٣)]
* * *
(٦٨٣) السؤال: [ما حُكمُ رَمْي البعير إذا لم يُمْكِن تذكِيَتُه ؟]
الجواب: إذا رمى إنسانٌ بعيراً، ولم يمكنه تَذْكيَتُه، فهذا إذا شَرَدَ البعيرُ، أو سقط في بئرٍ، ولم يمكن نَحْرُه؛ فهذا حُكمه حُكمُ الصَّيدِ إذا رَماه إنسانٌ؛ فإنْ أدركه حيًّا حياةً مُستقرِّةً، فلا بُدَّ من ذَبْحِه، فإنْ لم يكن فيه حياةٌ إلَّا مثل حياة المذبوح، فلا يحتاج إلى تَذْكية، وإن أصابه وغاب عنه، ثمَّ وجده مَيِّتاً ولا أثر به غير رَمْيِه؛ فإنَّه يباحُ.
ويُشترَطُ التَّسمية عند رَمْيِه قاصداً قَتْلَ المرْمِيِّ. وهذا حُكمُ البعير الشَّارد أو المُتَردِّي في بئر ونحوها، والله أعلم والسَّلام.
[رسائل وفتاوى أبا بطين (ص ١٣٥ - ١٣٦)]
* * *
طَعْنُ بَعِيرَيْنِ وَقَعَا في بِئْرٍ أَحَدُهُما فوقَ الآخَرِ
(٦٨٤) السؤال: لو وَقَع بَعِيرَان في بئرٍ أَحَدُهما فوق الآخر، فطُعِنَ الأوَّل، وبَعْدُ إلى الثاني؛ حَلَّ الكُلُّ، فإن أصابت الطَّعْنة البعير السُّفْليَّ ، وعُلِمَ أنَّ الطَّعْنة أصابته قبل مفارقة الرُّوح، قيل بعد: إنَّه مات بثقل الأوَّل أو بالطَّعْن.
الجواب: يَحِلُّ كالصَّيد يقع في الهواء على الأرض.
وإنْ شكَّ أنَّ الطَّعنة أصابته بعد مفارقة الرُّوح أو قبله؛ هل يَحِلُّ؟
стр. 614
قال: يحتمل وجهين؛ بناء على ما لو غاب عبدُه فلم يَدْرِ حياته، هل يجوز إعتاقه عن كفَّارته؟ وهل تجب فِطْرَتُه؟
قولان؛ أحدُهما: يَحِلُّ؛ لأنَّ الأصل حياته.
الثاني: لا؛ لأنَّ المُغَلَّب فيه التحريم، وقد شُكَّ في وجوب سبب التحليل.
[فتاوى ابن الصلاح (ص ٧٠٧)]
* * *
رَمْيُ الحَيْوانِ المَقْدُورِ عَلَيْهِ إِذَا امْتَنَعَ وَصَارَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ
(٦٨٥) السؤال: إذا رَمَى إلى حيوانٍ مَقدورٍ عليه، فامتنع وصار غير مقدورٍ عليه، فأصاب غير مَذْبَحِه ؟
الجواب: يَحِلُّ؛ لأنَّ الرَّمْيَ إلى المقدور عليه جائزٌ ليصيب مَذْبَحَه، والإصابة صواباً؛ لكونه ممتنعاً حالة الإصابة، وعلى عكسه لو رَمَى إلى غير المقدور عليه فصار مقدوراً عليه، ثمَّ أصاب غير مَذْبَحِه، لا يَحِلُّ؛ لأنَّ الإصابة لم تقع صواباً.
[فتاوى ابن الصلاح (ص ٧٠٧ - ٧٠٨)]
* * *
عَقْرُ البَهِيمَةِ إذا تَعَذَّرَ ذَبْحُها ونَحْرُها
(٦٨٦) السؤال: هل تؤكل البهيمة إذا تعذَّر ذَبْحُها ونَحْرُها بالعَقْر أم لا؟ وإذا ذُبِحَتْ أو نُحِرَتْ ورأسُها في الماء، هل تؤكل أم لا ؟
الجواب: لا تؤكل البهيمة بالعَقْر بحال، وإذا ذُبِحَت أو نُحِرَت ورأسُها بالماء -ولو مع القُدْرَةِ على رَفْعِها- فإنَّها تؤكل، خلافاً لما يوهمه كلام التَّتائيِّ، والله أعلم.
[الفتاوى الأجهورية (ص ١٦٧)]
* * *
أكلُ جَمَلٍ ماتَ بعدَ وُقوعِهِ في بئرٍ ورَمْيِه بآلةٍ قَطَعَتْ ذَنَبَهُ
(٦٨٧) السؤال: ما قولُكُم في جَمَلٍ وقع في بئرٍ، ولم يُمْكِن نَحْرُه، ولا ذَبْحُه ،
стр. 615
ورُمِيَ بآلةٍ قَطَعَت ذَنَبَه، وتحرَّك ومات؛ فهل لا يُؤكَل؟
الجواب: إنَّه مَيْتةٌ لا يُؤكَل، وفي (شرح المجموع) -وشبَّه في عدم الأَكْل فقال-: كالحيوان المُتردِّي إنسيًّا كان أو وحشيًّا؛ أي السَّاقط بحُفْرةٍ فلا يُؤكَل بالعَقْر؛ لأنَّه ليس صيداً حينئذٍ اهـ.
[فتاوى ابن عِلّيش (١/ ١٨٥)]
* وانظر: فتوى رقم (٤٢٤)
* * *
ثانياً: النَّحْر:
النَّحْرُ والذَّبْحُ في بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ
(٦٨٨) السؤال: هل ينبغي النَّحْر في الإبل، والذَّبْح في غيره، أم لا ؟
الجواب: الإبل تُنْحَر وجوباً، وتُذْبَح لضرورةٍ، فإن ذُكَّت لغير ضرورةٍ لم تُؤكَل. والغنم والطَّير -ولو نَعامةٌ- تُذْبَح وجوباً، فإن نُحِرَ شيءٌ من ذلك اختياراً -ولو ساهياً- لم يُؤكَل، ووقوع الذَّبْح محلَّ النَّحْر، ووقوع النَّحْر محلَّ الذَّبْح لضرورةٍ من وقوع في مَهْواةٍ مثلاً، أو عدم ما يُنْحَر به، جائزٌ.
والبقر يجوز فيه الأمران من غير ضرورةٍ؛ لأنَّه رُوِي أنَّه ﵊ نَحَرَ عن أزواجه البقر. ومن البَقَرِ الجاموس، وبقر الوَحْش حيث قُدِرَ عليه، والخَيْل على القول بحِلِّ أَكْلِه كالبقر؛ أي: فيجوز فيها الأمران، ويُنْدَب الذَّبْح. والبِغال والحَمير
стр. 616
الإِنْسِيَّةُ على القول بكراهتها كذلك.
[فتاوى الكفوري (ص ١٠٤)]
* * *
النَّحْرُ فَوْقَ اللَّبَّةِ بأَرْبعَةِ أَصَابِعَ جَهْلاً بِمَحَلِّ النَّحْرِ
(٦٨٩) السؤال: ما قولُكُم -دام النَّفع بكم- في رَجُلٍ نَحَرَ بعيراً فوق اللَّبَّة بأربعة أصابع جاهلاً مَحَلَّ النَّحْر فقط؛ فهل يُعْذَر بجَهْلِه، ويُؤْكَل البعير أم لا؟ وهل إذا كان فوق الأربعة أصابع يُؤْكَل؟ وما الحُكمُ إذا فعل ذلك عَمْداً أو نسياناً ؟ أفيدوا الجواب.
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا محمَّدٍ رسول الله.
في المسألة طريقتان للَّخميِّ وابن رُشْدٍ؛ فطريقة اللَّخْمِيِّ: إجزاء الطَّعن في الوَدَج بين اللَّبَّة والمذْبَح. وطريقة ابنِ رُشْدٍ: عَدَم إجزاء ذلك، وتَعَيُّن الطَّعْن في اللَّبَّة.
والظَّاهر ما لابن رُشْدٍ.
ونصُّ ابنِ عَرَفَة: اللَّبَّة هي المنْحَر. والباجيُّ: محلُّ النَّحْر اللَّبَّة. الجَوْهريُّ: هي محلُّ القِلادة من الصَّدْر. اللَّخْمِيُّ: ظاهر المذهب مُطْلَق الطَّعْن في الوَدَج بين اللَّبَّة والمذْبَح يُجزئ.
وفي (المبسوط) عن عُمَرَ؛ أَمَرَ مَنْ نادَى: النَّحْرُ في الحَلْقِ واللَّبَّة.
وقال مالكٌ: ما بين اللَّبَّة والمذْبَحِ مَنْحَرٌ ومَذْبَحٌ؛ فإنْ ذَبَح أو نَحَر أجزأ، ولا يُجزئ الطَّعْن في الحُلْقوم دون وَدَجٍ؛ لأنَّه لا يُسْرِعُ به الموتُ.
ابن رُشْدٍ: عبَّر عُمَرُ بالنَّحْر عن الذَّكاة؛ لأنَّه جُلُّ فِعْلِهم يومئذٍ، ولذا سُمِّي يوم النَّحْر، وليس مرادُه التَّخيير في أنَّ النَّحْر في الحَلْق أو اللَّبَّة؛ لأنَّها محلُّ النَّحْر، والحَلْقُ محلُّ الذَّبْح، ولا يكون أحدهما محلَّ الآخر؛ فلو نَحَرَ شاةً في مَذْبَحِها فلا تُؤْكَل اتِّفاقاً.
وحَمَلَ بعض المتأخِّرين قوله على التَّخيير؛ قال: ظاهر المذهب مُطْلَق الطَّعن، إلى آخر كلام اللَّخميِّ المتقدِّم.
стр. 617
وهذا لا يصحُّ، بل معنى قول عُمَرَ ما ذكرناه، وما ذَكَرَه عن مالكٍ إنِّما قاله في الضَّرورة، كما لو سقط بمَهْواةٍ. انتهى، والله تعالى أعلم، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وآلِهِ وصحبه وسلَّم.
[فتاوى ابن عِلِّيش (١/ ١٨٧)]
* * *
قَطْعُ الحُلْقوم والوَدَجَين في النَّحْر
(٦٩٠) السؤال: هل يُشترَطُ في النَّحْر -وهو الطَّعْنُ باللَّبَّة؛ وهي مَحَلُّ القِلَادَةِ مِنَ الصَّدْرِ- قَطْعُ الحُلْقوم والوَدَجَين كالذَّبْح، أم لا ؟
الجواب: لا يُشترَطُ فيه ذلك؛ لأنَّه مَحَلٌّ تَصِلُ منه الآلَةُ للقَلْبِ فيموتُ سريعاً.
[فتاوى الكفوري (ص ١٠١)]
стр. 618
الباب الرابع الفتاوى في الآنية
стр. 619
أولاً: آنية الذَّهَب والفِضَّة:
اسْتِعْمَالُ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ
(٦٩١) السؤال: عندي بعضُ هدايا من الفِضَّة، وبعضٌ من الذَّهَبِ أو مُموَّهٍ به (١)؛ فهل يَحرُمُ استعمالُها ؟
الجواب: يَحرُم الأَكْل والشُّرْب في الأواني المُتَّخَذَة من الذَّهَب والفِضَّة؛ وذلك لوجود النصِّ فيها؛ فقد روى البخاري ومسلم عن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لَا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا في صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ في الدُّنْيَا وَلَكُمْ في الآخِرَةِ)، ورَوَيَا أيضاً عن أمِّ سَلَمَة ﵂ قوله ﷺ : (إِنَّ الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنيةِ الفِضَّةِ، إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ)، ومعنى يُجرْجِرُ: يَصُبُّ. وفي رواية مسلم: (إِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ في إِنَاءِ الذَّهَبِ أَوِ الفِضَّةِ ... )، وهذا التحريم شاملٌ للرِّجال والنِّساء، والمباح للنِّساء هو التحلِّي والتزيُّن، وهو نصٌّ في تحريم الأَكْل والشُّرْب. ورأى بعضُ الفقهاء كراهة ذلك دون التحريم، وأنَّ الأحاديث الواردة في النهي هي لِمُجرَّد التزهيد، لكنَّ الحقَّ هو التحريم؛ فالوعيد شديدٌ في رواية أمِّ سَلَمَة.
أمَّا الاستعمالات الأُخرى؛ كأدوات التطيُّب والتكحُّل، فهي مُلْحَقَةٌ في التحريم بالأَكْل والشُّرْب عند جماعة من الفقهاء، أمَّا المُحقِّقون فلم يُحرِّموها، بل قالوا بالكراهة، مستدلِّين بحديثٍ رواه أحمد وأبو داود: (عَلَيْكُمْ بِالفِضَّةِ فَالْعَبُوا بِهَا لَعِبًا).
وجاء في (فتح العلَّام) أنَّ الحقَّ هو عدم تحريم غير الأَكْل والشُّرْب، ودعوى الإجماع غير صحيحة، وهذا
стр. 620
من شؤم تبديل اللَّفظ النَّبويِّ بغيره؛ لأنَّه ورد بتحريم الأَكْل والشُّرْب، فعَدَلَوا عنه إلى الاستعمال، وهَجَروا العبارة النبويَّة، وجاءوا بلفظٍ عامٍّ من تلقاء أنفسهم.
هذا في الاستعمال، أمَّا الاقتناء دون استعمال؛ فالجمهور على منعه أيضاً، ورَخَّصت فيه طائفة.
أمَّا الأواني والتُّحَف والحُلِيُّ من غير الذَّهَب والفِضَّة، سواء من الأحجار والمعادن مهما غَلَتْ قيمتُها، فلا حُرْمَة في اقتنائها واستعمالها؛ لأنَّ (الأصلَ في الأشياء هو الحِلُّ)، ولم يَرِد دليل بالتحريم.
[موسوعة فتاوى دار الإفتاء المصرية وفتاوى لجنة الفتوى بالأزهر (رقم ١٣ ٦)]
* * *
(٦٩٢) السؤال: ما حُكمُ استعمال آنية الذَّهَب والفِضَّة في الأَكْل والشُّرْب وسائر وجوه الاستعمال ؟
الجواب: هذه الأشياء ممنوعٌ استعمالها؛ وقد جاء في الحديث: (مَنْ شَرِبَ فِيِ إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، فإنَّمَا يُجرْجِرُ في بطنِهِ نَارًا من جَهَنَّمَ)، وقال ﷺ : (لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ)، فالمسلم ممنوعٌ من الأَكْل والشُّرْب في آنية الذَّهَب والفِضَّة، وما أشبه ذلك؛ لأنَّ هذا مَعْدِنٌ ثمينٌ، وفي استعماله على هذا النحو أكثر من مفسدة؛ فلا يجوز استعمالهما على الإطلاق، ولا عبرة فيمن بَطَرَ (١) النِّعمة، ولم يمتثل أمر الله وأمر رسوله ﷺ ، ولم يتقيَّد بالمشروع.
[ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (٣/ ٣٢٣)]
* * *
اسْتِعْمَالُ الآنِيَةِ المَطْلِيَّةِ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ
(٦٩٣) السؤال: هل يجوزُ استعمالُ
стр. 621
الأواني المَطْلِيَّة بالذَّهَب أو الفِضَّة؛ كالصُّحون، والكُؤوس والمَلاعق، أو الساعة؟
الجواب: اختلف العُلماء في حكم استعمال الآنية المَطْليَّة بالذَّهَب أو الفِضَّة، كالملاعق والصحون والكُؤوس وما إليها، والأكثرون على إباحتها إذا كانت الفِضَّة أو الذَّهَب قليلاً بحيث لا يُمكن تخليصه، وعلى المَنْع منها إذا كانت الفِضَّة أو الذَّهَب كثيراً يمكن تخليصه.
وعلى ذلك؛ فإنَّ استعمال الأدوات المَطْليَّة بالذَّهَب أو الفِضَّة القليلة التي لا تُسْتَخلَص جائز، والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٥٥)]
* * *
(٦٩٤) السؤال: ما حُكمُ الأَكْل أو تقديم الطعام في أواني مَطْليَّة بالذَّهَبِ أو الفِضَّة، وليست ذَهَباً أو فِضَّة خالِصَيْن ؟
الجواب: يجوز ذلك شرعاً إذا كان الذَّهَب والفِضَّة في الطِّلاء شيئاً يسيراً، أمَّا إذا كَثُر بحيث إذا عُرِضَ على النار انصهر واجتمع منه شيءٌ ذو حجمٍ من الذَّهَب والفِضَّة فلا يجوز؛ قال الإمام النووي في (منهاج الطَّالبين وعُمْدة المُفْتين في الفقه ص ١٠): «ويَحِلُّ استعمال كُلِّ إناءٍ طاهرٍ إلَّا ذَهَباً وفِضَّةً فيَحرُمُ، وكذا اتِّخاذُه في الأصحِّ، ويَحِلُّ المُمَوَّهُ في الأصحِّ» اهـ.
وقال العلَّامة المَحَلِّيُّ في شرحه على المنهاج (١/ ٣١ - ٣٢، مع حاشية الشيخين القليوبي وعميرة، ط. دار إحياء الكتب العربية): «(وَيَحِلُّ) الإناء (المُمَوَّهُ) أي المَطْليُّ بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، أي يَحِلُّ استعماله (في الأَصَحِّ) لقِلَّة المُموَّه به، فكأنَّه معدومٌ ... ولو كَثُر المُموَّه به بحيث يحصل منه شيءٌ بالعَرْضِ على النار حَرُمَ جَزْماً» اهـ. والله سبحانه
стр. 622
وتعالى أعلم.
[موقع دار الإفتاء المصرية (رقم ٣٠٤١)]
* * *
(٦٩٥) السؤال: هل يجوزُ استخدامُ آنية النُّحاس المَطْليَّة بالذَّهَب والفِضَّة، وقد طُلِيَت بطَبَقةٍ رقيقةٍ بقصد حمايتها من التَّلَف أو الفساد الذي يطرأ على النُّحاس مثلًا؟ وهل يجوزُ استخدامُ آنية الفِضَّة للزِّينة فقط، كوَضْعِها على الطاولات أو الحائط ؟
الجواب: ليس لأحدٍ أن يستعمل أواني الذَّهَب والفِضَّة مُطْلَقاً؛ لا للاستعمال ولا للزِّينة، والمَطْليَّة كذلك، سواء بذَهَب أو فِضَّة؛ لقوله ﷺ : (لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ)؛ يعني الكفَّار.
وقال ﷺ : (الَّذِي يَشْرَبُ فِي إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ)، ووجودها على الطاولات أو في أيِّ مكان وسيلة إلى استعمالها، فالواجب الحذر من ذلك، سواء كانت من ذَهَبٍ مَحْضٍ، أو فِضَّة مَحْضَةٍ، أو كانت مَطْليَّة بذلك.
[فتاوى نور على الدرب - ابن باز (٥/ ١٣ - ١٤)]
* * *
الشُّرْبُ مِنَ الأَقْدَاحِ المُلَوَّحَةِ بالذَّهَبِ
(٦٩٦) السؤال: هل يجوزُ الشُّرْب من الأقْداح الحَلَبيَّة المُلَوَّحَة بالذَّهَب المُنْقوشَة، أم لا بأس به؛ لكَونه لا يحصل منه شيء ؟
الجواب: يُكْرَه استعمال الأقَدَاح المذكورة، إذا لم يتحَصَّل من ذَهَبِها شيءٌ، وقد اختُلِف في المُمَوَّهات.
[فتاوى العز ابن عبد السلام (ص ٨٤ - ٨٥)]
* * *
استعمالُ مِرْوَدٍ (١) أو إِناءٍ مِنْ فِضَّة
стр. 623
أو مِشْطٍ مُضَبَّبٍ بِهَا
(٦٩٧) السؤال: المرأةُ تكْتَحِلُ بمِرْوَد فِضَّةٍ، أو تَدَّهِن من إناء فِضَّةٍ، وكذلك المِشْط المُضَبَّب بالفِضَّة؛ هل لها ذلك أم لا؟ وما الذي يُباح لها من ذلك ؟
الجواب: أمَّا استعمال الفِضَّة، فلا تَدَّهِن المرأة من إناء فِضَّةٍ ولا تَكْتَحِل، ولا يَحِلُّ للنِّساء من الذَّهَب والفِضَّة إلَّا ما كان من اللُّبْس والتَّزيُّن للرِّجال، فلا يَحِلُّ [لها] الأَكْل ولا الشُّرب من أواني الذَّهَب والفِضَّة.
وأمَّا المِشْط المُضَبَّب فحكمه حكم الإناء المُضَبَّب ... ، والله أعلم.
[فتاوى العز ابن عبد السلام (١٥٧، ١٥٨)]
* * *
(٦٩٨) السؤال: أواني النُّحاس المُطعَّمة بالفِضَّة -كالطَّاسات وغيرها- هل حُكمُها حُكمُ آنيةِ الذَّهَب والفِضَّة أم لا ؟
الجواب: الحمد لله، أمَّا المُضَبَّب بالفِضَّة من الآنية وما يجري مجراها من الآلات -سواءٌ سُمِّي الواحدُ من ذلك إناءً أو لم يُسِمَّ-، وما يجري مجرى المُضَبَّب -كالمَباخِرِ، والمَجامِرِ، والطُّشُوت، والشَّمْعَدانات، وأمثال ذلك-؛ فإن كانت الضَّبَّة يسيرةً لحاجةٍ؛ مثل تَشْعيب القَدَح، وشُعَيرة السِّكِّين، ونحو ذلك ممَّا لا يُباشَر بالاستعمال؛ فلا بأس بذلك.
ومراد الفُقهاء بالحاجة هنا: أن يحتاج إلى تلك الصُّورة كما يحتاج إلى التَّشعيب والشُّعَيرة، سواءٌ كان من فِضَّةٍ، أو نُحاسٍ، أو حديدٍ، أو غير ذلك، وليس مُرادهم أن يحتاج إلى كونها من فِضَّةٍ، بل هذا يُسمُّونه في مثل هذا ضرورةً، والضَّرورة تُبيح الذَّهَب والفِضَّة مفرداً وتبعاً، حتَّى لو احتاج إلى شَدِّ أسنانه بالذَّهب، أو اتَّخَذ أَنْفاً من ذَهَبٍ، ونحو ذلك، جاز كما جاءت به السُّنَّةُ، مع أنَّه ذَهَبٌ،
стр. 624
ومع أنَّه مُفْرَدٌ.
وكذلك لو لم يجد ما يشربُه إلَّا في إناء ذَهَبٍ أو فضَّةٍ جاز له شُربُه، ولو لم يجد ثوباً يقيه البَرْد، أو يَقيه السِّلاح، أو يَستُر به عَوْرَته إلَّا ثوباً من حريرٍ مَنْسوج بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، جاز له لُبسُه؛ فإنَّ الضَّرورة تُبيح أَكْل المَيتَة والدَّم ولحم الخنزير بنصِّ القرآن والسُّنَّة وإجماع الأُمَّة، مع أنَّ تحريم المطاعم أشدُّ من تحريم الملابس؛ لأنَّ تأثير الخبائث بالمُمازَجَة والمُخالَطة للبَدَن أعظم من تأثيرها بالمُلابسة والمباشرة للظَّاهر، ولهذا كانت النَّجاسات التي تَحرُم مُلابستها يَحرُم أَكْلُها، ويَحرُم من أَكْل السُّموم ونحوها من المُضِرَّات ما ليس بنَجِسٍ، ولا يحرُم مُباشرتها.
ثُمَّ ما حُرِّم لخُبْث جِنْسه أشدُّ ممَّا حُرِّم لما فيه من السَّرَف والفَخْر والخُيلاء؛ فإنَّ هذا يُحرَّم القَدْر الذي يقتضي ذلك منه، ويُباح للحاجة، كما أُبيح للنِّساء لُبْس الذَّهب والحرير لحاجتهنَّ إلى التَّزيُّن، وحُرِّم ذلك على الرَّجُل، وأُبيح للرَّجُل من ذلك اليسير؛ كالعَلَم ونحو ذلك ممَّا ثبت في السُّنَّة؛ ولهذا كان الصَّحيح من القولين في مذهب أحمد وغيره جواز التَّداوي بهذا الضَّرب دون الأوَّل، كما (رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ فِي لُبْسِ الحَرِيرِ مِنْ حَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا)، ونَهَى عن التَّداوي بالخَمْر وقال: (إِنَّهَا دَاءٌ وَلَيْسَتْ بِدَوَاءٍ)، ونَهَى عن الدَّواء الخبيث، ونَهَى عن قتل الضُّفْدَع لأجل التَّداوي بها، وقال: (إِنَّ نَقْنَقَتَهَا تَسْبِيحٌ)، وقال: (إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهَا)، ولهذا استُدِلَّ بإذْنِه للعُرَنِيِّين في التَّداوي بأبوال الإبل وأَلْبانها على أنَّ ذلك ليس من الخبائث المُحرَّمة النَّجِسَة؛ لنهيه عن التَّداوي بمثل ذلك؛ ولكونه لم يأمُر بغَسْل ما يُصيب الأبدان والثِّياب والآنية من ذلك.
وإذا كان القائلون بطهارة أبوال
стр. 625
الإبل تنازعوا في جواز شُرْبِها لغير الضَّرورة، وفيه عن أحمد روايتان منصوصتان؛ فذاك لما فيها من القَذارة المُلْحِق لها بالمُخاط والبُصاق والمَنِيِّ، ونحو ذلك من المُستقذَرات التي ليست بنجسةٍ، التي يُشرَع النَّظافة منها كما يُشرَع نَتْف الإِبِط، وحَلْق العانَة، وتقليم الأظفار، وإحفاء الشَّارب.
ولهذا أيضاً كان هذا الضَّرْب مُحرَّماً في باب الآنية والمنقولات على الرِّجال والنِّساء؛ فآنية الذَّهَب والفِضَّة حَرامٌ على الصِّنْفين، بخلاف التَّحلِّي بالذَّهَب ولباس الحرير؛ فإنَّه مُباحٌ للنِّساء، وباب الخبائث بالعكس؛ فإنَّه يُرخَّص في استعمال ذلك فيما ينفصل عن بدن الإنسان ما لا يُباح إذا كان مُتَّصلًا به؛ كما يُباح إطفاء الحريق بالخَمْر، وإطعام المَيتَة للبُزاة والصُّقور، وإلْباس الدَّابَّة الثَّوب النَّجِس، وكذلك الاستصباح بالدُّهن النَّجِس في أشهر قولي العُلماء، وهو أشهر الرِّوايتين عن أحمد؛ وهذا لأنَّ استعمال الخبائث فيها يجري مجرى الإتلاف، ليس فيه ضررٌ، وكذلك في الأُمور المُنفصِلَة، بخلاف استعمال الحرير والذَّهَب؛ فإنَّ هذا غاية السَّرَف والفَخْر والخُيلاء.
وبهذا يظهر غَلَط من رخَّص من الفُقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم في إلْباس دابَّته الثَّوب الحرير؛ قياساً على إلْباس الثَّوب النَّجس؛ فإنَّ هذا بمنزلة من يُجوِّز افتراش الحرير ووَطْأهُ قياساً على المُصَوَّرات، أومن يُبيح تَحلِيَة دابَّته بالذَّهَب والفِضَّة قياساً على من يُبيح إلْباسها الثَّوب النَّجِس؛ فقد ثبت بالنَّصِّ تحريم افتراش الحرير، كما ثبت تحريم لباسه.
وبهذا يظهر أنَّ قول من حَرَّم افتراشه على النَّساء -كما هو قول المَراوِزَة من أصحاب الشَّافعيِّ- أقربُ إلى القياس من قول من أباحه للرِّجال -كما قاله أبو حنيفة-، وإن كان الجُمهور على أنَّ الافتراش كاللِّباس يَحرُمُ على الرِّجال
стр. 626
دون النِّساء؛ لأنَّ الافتراش لِباسٌ كما قال أنسٌ: (فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ)؛ إذ لا يلزم من إباحة التَّزيُّن على البدن إباحة المُنْفصل؛ كما في آنية الذَّهَب والفِضَّة، فإنَّهم اتَّفقوا على أنَّ استعمال ذلك حَرامٌ على الزَّوجين الذَّكر والأُنثى.
وإذا تبيَّن الفَرْق بين ما يُسمِّيه الفُقهاء في هذا الباب حاجةً، وما يُسمُّونه ضرورةً؛ فيَسِيرُ الفِضَّة التَّابع يُباح عندهم للحاجة؛ كما في حديث أنسٍ: (إِنَّ قَدَحَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لمَّا انْكَسَرِ شُعِّبَ بِالفِضَّةِ)، سواءٌ كان الشَّاعبُ له رسولَ الله ﷺ ، أو كان هو أنَساً.
وأمَّا إن كان اليسير للزِّينة؛ ففيه أقوالٌ في مذهب أحمد وغيره: التَّحريم، والإباحة، والكراهة. قيل: والرَّابع: أنَّه يُباح من ذلك ما لا يُباشَر بالاستعمال، وهذا هو المنصوص عنه؛ فيُنْهَى عن الضَّبَّة في موضع الشُّرْب دون غيره؛ ولهذا كُرِهَ حَلَقَةُ الذَّهب في الإناء اتِّباعاً؛ لعبد الله بن عمر في ذلك؛ فإنَّه كَرِهَ ذلك، وهو أَوْلَى ما اتُّبِعَ في ذلك.
وأمَّا ما يُروَى عنه -مرفوعاً- من شُرْبٍ في إناء ذَهبٍ أو فِضِّةٍ، أو إناءٍ فيه شيءٌ من ذلك، فإسنادُه ضعيفٌ؛ ولهذا كان المُباح من الضَّبَّة إنَّما يُباح لنا استعمالُه عند الحاجة، فأمَّا بدون ذلك؛ قيل: يُكرَه، وقيل: يَحرُم؛ ولذلك كَرِهَ أحمد الحَلَقَة في الإناء اتِّباعاً لعبد الله بن عمر.
والكراهة منه هل تُحمَل على التَّنزيه أو التَّحريم؟ على قولين لأصحابه. وهذا المنعُ هو مُقتضَى النَّصِّ والقياس؛ فإنَّ تحريم الشَّيء مُطلَقاً يقتضي تحريم كُلِّ جُزءٍ منه، كما أنَّ تحريم الخنزير والمَيتَة والدَّم اقتضى ذلك، وكذلك تحريمُ الأَكْل والشُّرْب في آنية الذَّهَب والفِضَّة يقتضي المنع من أبعاض ذلك، وكذلك النَّهي عن لُبْس الحرير اقتضى
стр. 627
النَّهيَ عن أبعاض ذلك، لولا ما ورد من استثناء موضع إصبعين أو ثلاثٍ أو أربعٍ في الحديث الصَّحيح، ولهذا وقع الفَرْق في كلام الله ورسوله ﷺ وكلام سائر النَّاس بين باب النَّهي والتَّحريم، وباب الأمر والإيجاب؛ فإذا نَهَى عن شيءٍ نَهَى عن بعضه، وإذا أَمَرَ بشيءٍ كان أمراً بجميعه.
ولهذا كان النِّكاح حيث أُمِرَ به كان أمراً بمجموعه؛ وهو العَقْدُ والوَطْءُ، وكذلك إذا أُبيح؛ كما في قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ).
وحيث حُرِّم النِّكاح كان تحريماً لأبعاضه، حتَّى يَحرُم العَقد مُفْرداً، والوطء مُفرداً؛ كما في قوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، وكما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية، إلى آخرها [النساء: ٢٣]، وكما في قوله ﷺ : (لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ)، ونحو ذلك.
ولهذا فَرَّق مالك وأحمد -في المشهور عنه- بين من حَلَفَ ليفعلنَّ شيئاً ففَعَلَ بعضَهُ؛ أنَّه لا يَبَرُّ، ومن حَلَفَ لا يفعلُ شيئاً ففعل بعضَهُ؛ أنَّه يَحنَثُ.
وإذا كان تحريم الذَّهب والحرير على الرِّجال، وآنية الذَّهَب والفِضَّة على الزَّوجين يقتضي شمول التَّحريم لأبعاض ذلك.
بقي اتِّخاذ اليسير لحاجة أو مُطلَقاً؛ فالاتِّخاذ اليسير فيه تفصيلٌ؛ ولهذا تنازع العُلماء في جواز اتِّخاذ الآنية بدون استعمالها؛ فرخَّص فيه أبو حنيفة، والشَّافعيُّ، وأحمدُ في قولٍ، وإن كان المشهور عنهما تحريمه؛ إذ الأصل أنَّ (ما حَرُمَ استعمالُه حَرُمَ اتِّخاذُه)؛ كآلات الملاهي.
стр. 628
وأمَّا إنْ كانت الفِضَّة التَّابعة كثيرةً؛ ففيها أيضاً قولان في مذهب الشَّافعيِّ وأحمد. وفي تحديد الفَرْق بين الكثير واليسير، والتَّرخيص في لُبْس خاتم الفضَّة، أو تَحْلِيَة السِّلاح من الفضَّة، وهذا فيه إباحة يسير الفِضَّة مُفرداً، لكن في اللِّباس والتَّحلِّي، وذلك يُباح فيه ما لا يُباح في باب الآنية، كما تقدَّم التَّنبيه على ذلك؛ ولهذا غلط بعض الفُقهاء من أصحاب أحمد؛ حيث حَكَى قولًا بإباحة يسير الذَّهب تبعاً في الآنية عن أبي بكرٍ عبد العزيز، وأبو بكرٍ إنَّما قال ذلك في باب اللِّباس والتَّحلِّي؛ كعَلَم الذَّهَب ونحوه. وفي يسير الذَّهب في باب اللِّباس عن أحمد أقوالٌ:
أحدُها: الرُّخصة مُطلَقاً؛ لحديث معاوية: (نَهَى عَنِ الذَّهَبِ إلَّا مُقَطَّعاً)، ولعلَّ هذا القول أقوى من غيره، وهو قول أبي بكرٍ.
والثَّاني: الرُّخصة في السِّلاح فقط.
والثَّالث: في السَّيف خاصَّةً، وفيه وجهٌ بتحريمه مُطلَقاً؛ لحديث أسماء: (لَا يُبَاحُ الذَّهَبُ وَلَا خَرِيصَةٌ)، والخَريصَة: عَيْنُ الجَرادة، لكن هذا قد يُحمَل على الذَّهَب المُفرَد دون التَّابع، ولا ريب أنَّ هذا مُحرَّمٌ عند الأئمَّة الأربعة؛ لأنَّه قد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه نَهَى عن خاتم الذَّهَب، وإن كان قد لَبِسَه من الصَّحابة من لم يَبْلُغه النَّهي؛ ولهذا فَرَّق أحمد وغيره بين يسير الحرير مُفْرداً -كالتَّكَّة (١) -؛ فنَهَى عنه، وبين يسيره تَبَعاً -كالعَلَم-؛ إذ الاستثناء وقع في هذا النَّوع فقط. فكما يُفرَّق في الرُّخصة بين اليسير والكثير، فيُفرَّق بين التَّابع والمُفرَد، ويُحمَلُ حديث معاوية (إِلَّا مُقَطَّعاً) على التَّابع لغيره. وإذا كانت الفِضَّة قد رُخِّص منها في باب اللِّباس والتَّحلِّي في اليسير وإن كان مُفْرداً، فالذين رخَّصوا في اليسير
стр. 629
أو الكثير التَّابع في الآنية أَلحقوها بالحرير الذي أُبيح يَسيرُه تبعاً للرِّجال في الفِضِّة التي أُبيحَ يَسيرُها مُفرداً أو لا؛ ولهذا أُبيح -في أحد قولي العُلماء، وهو إحدى الرِّوايتين عن أحمد- حِلْيةُ المِنْطَقَة من الفضَّة وما يُشبه ذلك من لباس الحرب؛ كالخُوذَة، والجَوْشَنِ (١)، والرَّانِ (٢)، وحمائل السَّيف.
وأمَّا تحلية السَّيف بالفِضَّة فليس فيه هذا الخلاف، والذين منعوا قالوا: الرُّخصة وقعت في باب اللِّباس دون باب الآنية، وباب اللِّباس أوسع؛ كما تقدَّم.
وقد يُقال: إنَّ هذا أقوى؛ إذ لا أثر في هذه الرُّخصة، والقياس كما ترى.
وأمَّا المُضبَّب بالذَّهَب فهذا داخلٌ في النَّهي؛ سواءٌ كان قليلًا أو كثيراً، والخلاف المذكور في الفضَّة مُنتفٍ هاهنا، لكن في يسير الذَّهَب في الآنية وجهٌ للرُّخصة فيه.
وأمَّا التَّوضُّؤ والاغتسال من آنية الذَّهَب والفِضَّة؛ فهذا فيه نزاعٌ معروفٌ في مذهب أحمد، لكنَّه مُركَّبٌ على إحدى الرِّوايتين، بل أشهرهما عنه في الصَّلاة في الدَّار المغصوبة، واللِّباس المُحرَّم؛ كالحرير، والمغصوب، والحجِّ بالمال الحَرام، وذَبْح الشَّاة بالسِّكِّين المُحرَّمة، ونحو ذلك ممَّا فيه أداء واجبٍ واستحلال محظور.
فأمَّا على الرِّواية الأُخرى التي يُصحِّح فيها الصَّلاة والحجَّ، ويُبيح الذَّبْح؛ فإنَّه يُصحِّح الطَّهارة من آنية الذَّهَب والفِضِّة.
وأمَّا على المنع؛ فلأصحابه قولان:
أحدُهما: الصحَّة؛ كما هو قول الخِرَقِيِّ وغيره.
والثَّاني: البُطلان؛ كما هو قول أبي بكرٍ؛ طَرْداً لقياس الباب.
والذين نَصَروا قول الخِرَقِيِّ أكثر
стр. 630
أصحاب أحمد؛ فرَّقُوا بفَرْقَيْن:
أحدُهُما: أنَّ المُحرَّم هنا مُنفصِلٌ عن العبادة؛ فإنَّ الإناء مُنفصلٌ عن المُتطهِّر، بخلاف لابِس المُحرَّم، وآكِلِه، والجالِس عليه؛ فإنَّه مُباشِرٌ له. قالوا: فأشَبْه ما لو ذهب إلى الجُمعة بدابَّةٍ مغصوبةٍ.
وضعَّف آخرون هذا الفَرْق بأنَّه لا فَرْق بين أن يَغْمِس يَدَهُ في الإناء المُحرَّم، وبين أن يغْتَرِف منه، وبأنَّ النَّبيَّ ﷺ جعل الشَّارب من آنية الذَّهَب والفِضَّة إنَّما يُجرْجِر في بطنِه نار جَهَنَّم، وهو حين انصباب الماء في بطنه يكون قد انفصل عن الإناء.
والفرق الثَّاني -وهو أفقه-: قالوا: التَّحريم إذا كان في رُكْن العبادة وشَرْطها أثَّر فيها؛ كما إذا كان في الصَّلاة في اللِّباس أو البُقْعَة. وأمَّا إذا كان في أجنبيٍّ عنها لم يُؤثِّر، والإناء في الطَّهارة أجنبيٌّ عنها؛ فلهذا لم يُؤثِّر فيها. والله أعلم.
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٨١ - ٩٠)]
* * *
اتِّخَاذُ رَأْسٍ للإِنَاءِ مِنَ الذَّهَبِ أو الفِضَّةِ
(٦٩٩) السؤال: قولُهم: «يجوزُ أنْ يَتَّخِذَ للإناء رأساً من فِضَّةٍ»؛ هل هو جارٍ على إطلاقه فيما إذا صَلُحَ للاستعمال في الأَكْل والشُّرب ونحو ذلك؛ لأنَّه وإنْ صَلُح لذلك لم يُعدَّ للاستعمال المُحرَّم ، كما يجوزُ أنْ يتَّخِذَ الرَّجُلُ الحُلِيَّ بقَصْدِ إجارتِه لمن يَحِلُّ له استعمالُه، أم لا؛ لأنَّه يُعدُّ مُتَّخِذاً لما الأصلُ أنْ يُوضَعَ للاستعمال المُحرَّم؟ وهل إذا جاز ذلك مُطلَقًا يجوزُ استعمالُه في الاستعمال المُحرَّم، كما يجوزُ أنْ يَستَنْجِيَ بقطعة ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، حيث لم يُعدَّ للاستنجاء، أم لا؛ كما يَحرُمُ على الرَّجُل استعمالُ الحُلِيِّ حيث جاز له اتِّخاذُه؟
الجواب: ليس قولُهم: «يجوزُ أنْ يَتَّخِذَ للإناء رأساً من فِضَّةٍ» شاملًا
стр. 631
لما يَصْلُح استعمالُه في أَكْلٍ أو شُرْبٍ؛ لأنَّه حينئذٍ يُسمَّى إناءً، ولا يجوز اتِّخاذ الإناء مُطلَقًا. وقد علَّلوا جواز اتِّخاذه بأنَّه مُنفصِلٌ عن الإناء لا يستعملُه، وقد رُدَّ ما بحَثَه الرَّافعيُّ ﵁ من جريان خلاف اتِّخاذ الأواني فيه بأنَّ اسم الآنية لا يَقَع عليه، فمتى أُطلِقَ عليه اسم الإناء حَرُم اتِّخاذُه، وإن لم يُقصَدِ استعمالُه. وقياسُه على اتِّخاذ الرَّجُل حُلِيَّ المرأة بقصد إجارته لها غير صحيحٍ؛ لأنَّ حُرْمَةَ الإناء لذاته، وحُرْمَة الحُلِيِّ بالقَصْدِ، وحيث جاز اتِّخاذ الرَّأس بأنْ لم يُسَمَّ إناء حَرُمَ استعمالُه في غير تغطية الإناء بما يُعَدُّ استعمالُه مُحرَّماً.
[فتاوى الرملي (١/ ٢٠)]
* * *
اسْتِعْمَالُ قَعْرِ آنِيَةِ الفِضَّةِ
(٧٠٠) السؤال: هل يجوزُ استعمالُ إناء الفضَّة مثلًا على قَعْرِه؛ لأنَّه لم يَستعمِلْه بحسب استعمالِه، أم لا؛ لأنَّ استعمالَها في مُطلَق ذلك ؟
الجواب: يَحرُم كُلُّ ما يُعدُّ استعمالًا لإناء الفِضَّة، ولو على قَعْرِه.
[فتاوى الرملي (١/ ٢١)]
* * *
الشُّرْبُ في أَكْوَابٍ بِهَا خَطُّ ذَهَبٍ
(٧٠١) السؤال: هل يجوزُ الشُّرْب في الأَكْواب التي بها خَطُّ ذَهَب؟
الجواب: يبدو أنَّ هذا ليس ذَهَباً وأنَّه يُسمَّى ماء الذَّهَب، أو صبغة تشابه الذَّهَب ، ولو ثبت أنَّه ذَهَب ما جاز الشُّرْب فيه، ولا يَحِلُّ أن تُستَعمَل أوانٍ من الذَّهَب أو الفِضَّة، سواء للشُّرْب أو الأَكْل، والذَّهَب والفِضَّة ليست لهذا العمل، وإنَّما هي للنقود، والنقود على كُلِّ حالٍ غاليةٌ وعزيزةُ المنال، فهي قِيَمُ السِّلَع والمشتريات التي يحتاجها الناس، إلَّا أنَّ الإنسان بَطَرَتْه النِّعْمة. فهناك أوانٍ نظيفة دون
стр. 632
أن تكون مُذَهَّبة ومُفَضَّضة، وقد قال النبيُّ ﷺ : (مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ)، فإنَّ هذا لا يجوز بحالٍ من الأحوال، الذَّهَب لا يجوز للرِّجال مُطْلَقاً، ولا في أوانٍ ولا في قَلَمٍ، ولا ساعةٍ، ولا سكِّينٍ، ولا شَوْكةٍ، ولا كوبٍ، ولا صحونٍ، ولا مِكْحَلةٍ، ولا شيءٍ من هذا القبيل كُلِّه. كُلُّ ما كان فيه ذَهَبٌ أو فِضَّةٌ فهذا كُلُّه ممنوع، إلَّا لأقصى ضرورة؛ مثل سِنٍّ لا يَصلُح فيها إلَّا ذَهَبٌ، أو أَنْفٌ ما يَصلُح فيها إلَّا الذَّهَب للضرورة القصوى، والفِضَّة أسهل بكثير، وأمَّا النِّساء فلهُنَّ حُكمٌ آخر.
[ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (٣/ ٣٢٣ - ٣٢٤)]
* * *
اسْتِعْمَالُ الأَوَانِي وَالأَدَوَاتِ الصِّحِّيَّةِ المَصْنُوعَةِ مِنَ الذَّهَب وَالفِضَّةِ
(٧٠٢) السؤال: انتشر في هذه الأيَّام استعمال آنية الذَّهَب والفِضَّة، وخاصَّة بين المُوسِرين من الناس، بل وصل الأمر عند بعضهم إلى أن يشتري أَطْقُماً من الموادِّ الصحِّيَّة ؛ كخلَّاطات الحمَّامات، أو المسابح، أو مواسير المياه، أو مَسَّاكاتها كُلّها من الذَّهَب الخالص، ولا يُزكُّون هذا الذَّهَب ولا ينظرون إلى قيمته، والمعلوم أنَّ هذا ممنوعٌ. ما رأي سماحتكم في ذلك؟ وهل يمكن التوجيه بمَنْع بيع مثل هذه الأجهزة للمسلمين الذين يجهلون حُكْمَها، بارك الله فيكم؟
الجواب: الأواني من الذَّهَب والفِضَّة مُحرَّمة بالنصِّ والإجماع، وقد ثبت عن رسول الله ﵊ أنَّه قال: (لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّها لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ) متَّفق على صحَّته من حديث حذيفة ﵁، وثبت أيضاً عنه
стр. 633
- ﷺ أنَّه قال: (الَّذِى يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ) متَّفق على صحَّته من حديث أُمِّ سَلَمَة ﵂، وهذا لفظ مسلم.
فالذَّهَب والفِضَّة لا يجوز اتِّخاذهما أوانٍ، ولا الأَكْل ولا الشُّرْب فيها، وهكذا الوضوء والغسل، هذا كُلُّه مُحرَّم بنصِّ الحديث عن رسول الله ﵊.
والواجب منعُ بيعها؛ حتَّى لا يستعملها المسلم، وقد حَرَّم الله عليه استعمالها فلا تُسْتعَمل في الشراب، ولا في الأَكْل، ولا في غيرهما، ولا يجوز أن يتَّخذ منها ملاعق، ولا أكواباً للقهوة أو الشاي، كُلُّ هذا ممنوعٌ؛ لأنَّها نوعٌ من الأواني.
فالواجب على المسلم الحذر ممَّا حَرَّم الله عليه، وأن يبتعد عن الإسراف والتبذير والتلاعب بالأموال، وإذا كان عنده سعة من الأموال، فعنده الفقراء يتصدَّق عليهم، عنده المجاهدون في سبيل الله يعطيهم في سبيل الله، يتصدَّق، لا يلعب بالمال، المال له حاجة، وله من هو محتاج، فالواجب على المؤمن أن يصرف المال في جهته الخيريَّة؛ كمواساة الفقراء والمحاويج، وفي تعمير المساجد والمدارس، وفي إصلاح الطُرُقات، وفي إصلاح القناطر، وفي مساعدة المجاهدين والمهاجرين الفقراء، وفي غير ذلك من وجوه الخير؛ كقضاء دين المَدِينين العاجزين، وتزويج من لا يستطيع الزواج، كُلُّ هذه طرق خيريَّة يُشرَع الإنفاق فيها.
أمَّا التلاعب بها في أواني الذَّهَب والفِضَّة، أو ملاعق، أو أكواب منها، أو مواسير، وأشباه ذلك، كُلُّ هذا مُنكرٌ يجب تَرْكه والحذر منه، ويجب على من له شأنٌ في البلاد التي فيها هذا العمل من العُلماء والأُمراء إنكار
стр. 634
ذلك، وأن يَحولُوا بين المسرفين وبين هذا التلاعب، والله المستعان.
[مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (٦/ ٣٧٨ - ٣٧٩)]
* وانظر: فتوى رقم (١١٦٧)
* * *
ثانياً: آنية أهل الكتاب:
الطَّبْخُ في قُدُورِ بِلادِ الرُّومِ
(٧٠٣) السؤال: نَجِدُ في بلادِ الرُّوم قُدُورَ الخَزَفِ، أيُطبَخُ فيها ؟
الجواب: إنَّها تُنَشَّفُ، ويُطْبخُ فيها لحمُ الخنزير!!
[مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٣٤٤)]
* * *
(٧٠٤) السؤال: سألتُ أحمد عن جُبنٍ وجدناه في بلاد الرُّوم، وهو رَطْبٌ، قد عُقِدَ في قِدْرٍ من قُدُورهم .
الجواب: أخافُ -وكأنَّه كَرِهَهُ-.
[مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٣٤٤)]
* * *
اسْتِعْمَالُ آنِيَةِ المُسْلِمِ التِي يَشْرَبُ فِيهَا الخَمْرَ
(٧٠٥) السؤال: جاء في الحديث أنَّ المصطفى ﷺ نَهَى عن الأَكْل في آنية أهْلِ
стр. 635
الكِتاب إلَّا في حالة الضرورة؛ وذلك لأنَّهم قد يأْكُلون فيها لحم الخنزير، ويشربون فيها الخَمْر.
سؤالي هو: هل يَدْخلُ في الحُكْم آنيةُ المُسلِم الذي يَشْرَبُ الخَمْر فيها؟ وهل يجوزُ فيها الوضوء؟ جزاكم الله خيراً.
الجواب: بسم الله، والحمد لله، إذا كان يَخْشَى أن يكون في هذه الأواني خَمْرٌ، أو آثار خنزير، فعليه أن يغسلها إذا احتاج إليها، ثمَّ يأْكُل فيها، وإذا لم يحتج إليها فالحمد لله، وكُلُّ إناءٍ يُخشَى أن يكون فيه نجاسةٌ، سواء كان للكَفَرَة أو غير الكَفَرة، يغسله ويأْكُل فيه، مثلما قال ﷺ : (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا)، وهكذا الوضوء فيها لا حرج فيه بعد أن يغسلها.
[مجموع فتاوى عبد العزيز ابن باز (١٠/ ٢٣)]
* وانظر: فتوى رقم (٢٨٣)
* * *
اسْتِخْدَامُ الأَدَوَاتِ الَّتِي تُسْتَخْدَمُ فِي تَجْهِيزِ لَحْمِ الخِنْزِيرِ
(٧٠٦) السؤال: بعضُ المطاعِم تَشْوي لحمَ البَقَر على نَفْسِ الصَّفِيحَة التي يُشْوَى عليها لحمُ الخنزير؛ فهل يجوزُ أَكْلُ ذلك اللَّحم؟ وكذلك تُسْتَخْدَمُ نَفْسُ السكِّين في القَطْع ؟
الجواب: إن كانت الصفيحة التي يُشْوَى عليها لحم الخنزير قد جَفَّت تماماً بفعل النار، فيجوز أَكْل اللَّحم الحلال المشويِّ عليها، وأمَّا السِّكِّين ونحوها من الأدوات؛ فإن كانت صَقيلَةُ لا تتشرَّب النجاسة فإنَّها تَطْهر بالمَسْح الذي يُزيل جميع أثر النجاسة، ولو لم تُغْسل، وإن غُسِلت فهو أفضل. والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٣٧)]
* * *
(٧٠٧) السؤال: كيف نتعاملُ مع الأواني والسَّكاكين التي تكون في