← Фатава

Фатава · id 635

موسوعة صناعة الحلال

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 187 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

لما يَصْلُح استعمالُه في أَكْلٍ أو شُرْبٍ؛ لأنَّه حينئذٍ يُسمَّى إناءً، ولا يجوز اتِّخاذ الإناء مُطلَقًا. وقد علَّلوا جواز اتِّخاذه بأنَّه مُنفصِلٌ عن الإناء لا يستعملُه، وقد رُدَّ ما بحَثَه الرَّافعيُّ ﵁ من جريان خلاف اتِّخاذ الأواني فيه بأنَّ اسم الآنية لا يَقَع عليه، فمتى أُطلِقَ عليه اسم الإناء حَرُم اتِّخاذُه، وإن لم يُقصَدِ استعمالُه. وقياسُه على اتِّخاذ الرَّجُل حُلِيَّ المرأة بقصد إجارته لها غير صحيحٍ؛ لأنَّ حُرْمَةَ الإناء لذاته، وحُرْمَة الحُلِيِّ بالقَصْدِ، وحيث جاز اتِّخاذ الرَّأس بأنْ لم يُسَمَّ إناء حَرُمَ استعمالُه في غير تغطية الإناء بما يُعَدُّ استعمالُه مُحرَّماً. [فتاوى الرملي (١/ ٢٠)] * * * اسْتِعْمَالُ قَعْرِ آنِيَةِ الفِضَّةِ (٧٠٠) السؤال: هل يجوزُ استعمالُ إناء الفضَّة مثلًا على قَعْرِه؛ لأنَّه لم يَستعمِلْه بحسب استعمالِه، أم لا؛ لأنَّ استعمالَها في مُطلَق ذلك ؟ الجواب: يَحرُم كُلُّ ما يُعدُّ استعمالًا لإناء الفِضَّة، ولو على قَعْرِه. [فتاوى الرملي (١/ ٢١)] * * * الشُّرْبُ في أَكْوَابٍ بِهَا خَطُّ ذَهَبٍ (٧٠١) السؤال: هل يجوزُ الشُّرْب في الأَكْواب التي بها خَطُّ ذَهَب؟ الجواب: يبدو أنَّ هذا ليس ذَهَباً وأنَّه يُسمَّى ماء الذَّهَب، أو صبغة تشابه الذَّهَب ، ولو ثبت أنَّه ذَهَب ما جاز الشُّرْب فيه، ولا يَحِلُّ أن تُستَعمَل أوانٍ من الذَّهَب أو الفِضَّة، سواء للشُّرْب أو الأَكْل، والذَّهَب والفِضَّة ليست لهذا العمل، وإنَّما هي للنقود، والنقود على كُلِّ حالٍ غاليةٌ وعزيزةُ المنال، فهي قِيَمُ السِّلَع والمشتريات التي يحتاجها الناس، إلَّا أنَّ الإنسان بَطَرَتْه النِّعْمة. فهناك أوانٍ نظيفة دون

стр. 632

أن تكون مُذَهَّبة ومُفَضَّضة، وقد قال النبيُّ ﷺ : (مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ)، فإنَّ هذا لا يجوز بحالٍ من الأحوال، الذَّهَب لا يجوز للرِّجال مُطْلَقاً، ولا في أوانٍ ولا في قَلَمٍ، ولا ساعةٍ، ولا سكِّينٍ، ولا شَوْكةٍ، ولا كوبٍ، ولا صحونٍ، ولا مِكْحَلةٍ، ولا شيءٍ من هذا القبيل كُلِّه. كُلُّ ما كان فيه ذَهَبٌ أو فِضَّةٌ فهذا كُلُّه ممنوع، إلَّا لأقصى ضرورة؛ مثل سِنٍّ لا يَصلُح فيها إلَّا ذَهَبٌ، أو أَنْفٌ ما يَصلُح فيها إلَّا الذَّهَب للضرورة القصوى، والفِضَّة أسهل بكثير، وأمَّا النِّساء فلهُنَّ حُكمٌ آخر. [ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (٣/ ٣٢٣ - ٣٢٤)] * * * اسْتِعْمَالُ الأَوَانِي وَالأَدَوَاتِ الصِّحِّيَّةِ المَصْنُوعَةِ مِنَ الذَّهَب وَالفِضَّةِ (٧٠٢) السؤال: انتشر في هذه الأيَّام استعمال آنية الذَّهَب والفِضَّة، وخاصَّة بين المُوسِرين من الناس، بل وصل الأمر عند بعضهم إلى أن يشتري أَطْقُماً من الموادِّ الصحِّيَّة ؛ كخلَّاطات الحمَّامات، أو المسابح، أو مواسير المياه، أو مَسَّاكاتها كُلّها من الذَّهَب الخالص، ولا يُزكُّون هذا الذَّهَب ولا ينظرون إلى قيمته، والمعلوم أنَّ هذا ممنوعٌ. ما رأي سماحتكم في ذلك؟ وهل يمكن التوجيه بمَنْع بيع مثل هذه الأجهزة للمسلمين الذين يجهلون حُكْمَها، بارك الله فيكم؟ الجواب: الأواني من الذَّهَب والفِضَّة مُحرَّمة بالنصِّ والإجماع، وقد ثبت عن رسول الله ﵊ أنَّه قال: (لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّها لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ) متَّفق على صحَّته من حديث حذيفة ﵁، وثبت أيضاً عنه

стр. 633

- ﷺ أنَّه قال: (الَّذِى يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ) متَّفق على صحَّته من حديث أُمِّ سَلَمَة ﵂، وهذا لفظ مسلم. فالذَّهَب والفِضَّة لا يجوز اتِّخاذهما أوانٍ، ولا الأَكْل ولا الشُّرْب فيها، وهكذا الوضوء والغسل، هذا كُلُّه مُحرَّم بنصِّ الحديث عن رسول الله ﵊. والواجب منعُ بيعها؛ حتَّى لا يستعملها المسلم، وقد حَرَّم الله عليه استعمالها فلا تُسْتعَمل في الشراب، ولا في الأَكْل، ولا في غيرهما، ولا يجوز أن يتَّخذ منها ملاعق، ولا أكواباً للقهوة أو الشاي، كُلُّ هذا ممنوعٌ؛ لأنَّها نوعٌ من الأواني. فالواجب على المسلم الحذر ممَّا حَرَّم الله عليه، وأن يبتعد عن الإسراف والتبذير والتلاعب بالأموال، وإذا كان عنده سعة من الأموال، فعنده الفقراء يتصدَّق عليهم، عنده المجاهدون في سبيل الله يعطيهم في سبيل الله، يتصدَّق، لا يلعب بالمال، المال له حاجة، وله من هو محتاج، فالواجب على المؤمن أن يصرف المال في جهته الخيريَّة؛ كمواساة الفقراء والمحاويج، وفي تعمير المساجد والمدارس، وفي إصلاح الطُرُقات، وفي إصلاح القناطر، وفي مساعدة المجاهدين والمهاجرين الفقراء، وفي غير ذلك من وجوه الخير؛ كقضاء دين المَدِينين العاجزين، وتزويج من لا يستطيع الزواج، كُلُّ هذه طرق خيريَّة يُشرَع الإنفاق فيها. أمَّا التلاعب بها في أواني الذَّهَب والفِضَّة، أو ملاعق، أو أكواب منها، أو مواسير، وأشباه ذلك، كُلُّ هذا مُنكرٌ يجب تَرْكه والحذر منه، ويجب على من له شأنٌ في البلاد التي فيها هذا العمل من العُلماء والأُمراء إنكار

стр. 634

ذلك، وأن يَحولُوا بين المسرفين وبين هذا التلاعب، والله المستعان. [مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (٦/ ٣٧٨ - ٣٧٩)] * وانظر: فتوى رقم (١١٦٧) * * * ثانياً: آنية أهل الكتاب: الطَّبْخُ في قُدُورِ بِلادِ الرُّومِ (٧٠٣) السؤال: نَجِدُ في بلادِ الرُّوم قُدُورَ الخَزَفِ، أيُطبَخُ فيها ؟ الجواب: إنَّها تُنَشَّفُ، ويُطْبخُ فيها لحمُ الخنزير!! [مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٣٤٤)] * * * (٧٠٤) السؤال: سألتُ أحمد عن جُبنٍ وجدناه في بلاد الرُّوم، وهو رَطْبٌ، قد عُقِدَ في قِدْرٍ من قُدُورهم . الجواب: أخافُ -وكأنَّه كَرِهَهُ-. [مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٣٤٤)] * * * اسْتِعْمَالُ آنِيَةِ المُسْلِمِ التِي يَشْرَبُ فِيهَا الخَمْرَ (٧٠٥) السؤال: جاء في الحديث أنَّ المصطفى ﷺ نَهَى عن الأَكْل في آنية أهْلِ

стр. 635

الكِتاب إلَّا في حالة الضرورة؛ وذلك لأنَّهم قد يأْكُلون فيها لحم الخنزير، ويشربون فيها الخَمْر. سؤالي هو: هل يَدْخلُ في الحُكْم آنيةُ المُسلِم الذي يَشْرَبُ الخَمْر فيها؟ وهل يجوزُ فيها الوضوء؟ جزاكم الله خيراً. الجواب: بسم الله، والحمد لله، إذا كان يَخْشَى أن يكون في هذه الأواني خَمْرٌ، أو آثار خنزير، فعليه أن يغسلها إذا احتاج إليها، ثمَّ يأْكُل فيها، وإذا لم يحتج إليها فالحمد لله، وكُلُّ إناءٍ يُخشَى أن يكون فيه نجاسةٌ، سواء كان للكَفَرَة أو غير الكَفَرة، يغسله ويأْكُل فيه، مثلما قال ﷺ : (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا)، وهكذا الوضوء فيها لا حرج فيه بعد أن يغسلها. [مجموع فتاوى عبد العزيز ابن باز (١٠/ ٢٣)] * وانظر: فتوى رقم (٢٨٣) * * * اسْتِخْدَامُ الأَدَوَاتِ الَّتِي تُسْتَخْدَمُ فِي تَجْهِيزِ لَحْمِ الخِنْزِيرِ (٧٠٦) السؤال: بعضُ المطاعِم تَشْوي لحمَ البَقَر على نَفْسِ الصَّفِيحَة التي يُشْوَى عليها لحمُ الخنزير؛ فهل يجوزُ أَكْلُ ذلك اللَّحم؟ وكذلك تُسْتَخْدَمُ نَفْسُ السكِّين في القَطْع ؟ الجواب: إن كانت الصفيحة التي يُشْوَى عليها لحم الخنزير قد جَفَّت تماماً بفعل النار، فيجوز أَكْل اللَّحم الحلال المشويِّ عليها، وأمَّا السِّكِّين ونحوها من الأدوات؛ فإن كانت صَقيلَةُ لا تتشرَّب النجاسة فإنَّها تَطْهر بالمَسْح الذي يُزيل جميع أثر النجاسة، ولو لم تُغْسل، وإن غُسِلت فهو أفضل. والله أعلم. [الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٣٧)] * * * (٧٠٧) السؤال: كيف نتعاملُ مع الأواني والسَّكاكين التي تكون في

стр. 636

محلَّات البيتزا وغيرها، والتي استُخدِمَت في تقطيع لحم الخنزير؟ الجواب: أمَّا كيف نتعامل مع الأواني والسكاكين التي قد يكون فيها بقايا من لحم الخنزير؛ فإنَّه ينبغي أن نطلب من صاحب محل البيتزا أو غيره، كالجزَّار مثلًا أن يستعمل سكِّيناً نظيفة، فإذا لم يمكن، فلا أقلَّ من أن يطلب إليه أن يُطهِّر السكِّين التي يقطع بها، أو الإناء الذي يَزِنُ أو يُقدِّم به الطعام إذا كان يُلامِس اللَّحم أو البيتزا مباشرةً، وهذا يكون فقط في المحلَّات التي تبيع لحم الخنزير أو تُقدِّمه مع البيتزا عند الطلب. وبهذا أجاب النَّبيُّ ﷺ أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ عندما سأله: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ؛ أَفَنَأْكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ فَقَالَ ﵊: إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا) متَّفق على صحَّته. ويكفي في التطهير أن يُمْسَحَ مِنْشارُ اللحم أو السكِّين بمنديلٍ أو نحوه مَسْحاً مُنْقِياً لا يبقى بعده شيءٌ من آثار اللحم أو الشحم السابق. [فتاوى الشبكة الإسلامية (رقم ٢٤٣٧)]

стр. 637

ثالثاً: آنية غير أهل الكتاب: الطَّبْخُ في قُدُورِ المُشْرِكِينَ (٧٠٨) السؤال: القِدْرُ للمُشرِكينَ؛ يُطْبَخُ فيها ؟ الجواب: إن أُصيب غيرُها فلا يُطْبَخُ فيها، وإن لم يُصِبْ فَلْتُغْسَل بالماء. [مسائل الإمام أحمد برواية صالح (٢/ ٤٧٢)] * * * الأَكْلُ مِنْ قُدُورِ المَجُوسِ (٧٠٩) السؤال: أَيَأْكُل من قِدْرِ المَجُوسِيِّ ؟ الجواب: لا؛ هم يَستَحِلُّون المَيتَةَ. [مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٣٤٤)] * * * اسْتِعْمَالُ أَوَانِي الكُفَّارِ (٧١٠) السؤال: هل أَوانِي الكُفَّار طاهِرةٌ ؟ الجواب: الأصل في الأواني والأشياء، لاسيَّما الأشياء التي تُستَعمَل؛ كالأواني والملابس وما إلى ذلك من الأمور، الأصل أنَّها طاهرةٌ، والأصل أنَّها مباحة، فإذا بقيت على أصلها فهي طاهرةٌ، وإذا لم تُعْلَم نجاستها فهي طاهرةٌ، وإذا جُهِلَت حالها فهي طاهرةٌ، وإذا عُلِمَت حالها بأنَّها نَجِسَة وَجَبَ غَسْلُها، وهذا لا يَخُصُّها دون غيرها، بل إذا عُلِمَ أنَّ آنية المسلم، أو فِراشه، أو ثوبه، أو لِحافه أنَّه نَجِسٌ، فيجبُ غَسْلُه. فأواني الكُفَّار إذا جُهِلَ حالُها فهي طاهرةٌ؛ لأنَّ الأصل الطهارة، وإذا عَلِمَ الطهارة فمن باب أَوْلَى، والواقع يؤكِّد هذا؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ توضَّأ من مَزادَةِ امرأةٍ مُشركةٍ غير كتابيَّةٍ، والحديث صحيحٌ عن عِمْران بن حُصَين ﵁ قال: (وَجَعَلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي رَكُوبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدْ عَطِشْنَا عَطَشًا شَدِيدًا، فَبَيْنَمَا نَحْنُ

стр. 638

نَسِيرُ إِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ، فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ المَاءُ؟ فَقَالَتْ إِنَّهُ لَا مَاءَ. فَقُلْنَا: كَمْ بَيْنَ أَهْلِكِ وَبَيْنَ المَاءِ؟ قَالَتْ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. فَقُلْنَا: انْطَلِقِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . قَالَتْ: وَمَا رَسُولُ اللهِ؟ فَلَمْ نُمَلِّكْهَا مِنْ أَمْرِهَا حَتَّى اسْتَقْبَلْنَا بِهَا النَّبِيَّ ﷺ ، فَحَدَّثَتْهُ بِمِثْلِ الَّذِي حَدَّثَتْنَا، غَيْرَ أَنَّهَا حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا مُؤْتِمَةٌ (١)، فَأَمَرَ بِمَزَادَتَيْهَا فَمَسَحَ فِي الْعَزْلَاوَيْنِ (٢)، فَشَرِبْنَا عِطَاشًا أَرْبَعِينَ رَجُلًا حَتَّى رَوِينَا، فَمَلَأْنَا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنَا وَإِدَاوَةٍ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ نَسْقِ بَعِيرًا، وَهِيَ تَكَادُ تَنِضُّ مِنَ الْمِلْءِ، ثُمَّ قَالَ: هَاتُوا مَا عِنْدَكُمْ، فَجُمِعَ لَهَا مِنَ الْكِسَرِ وَالتَّمْرِ حَتَّى أَتَتْ أَهْلَهَا)، صلوات الله وسلامه عليه. [ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (٣/ ٣٢٤ - ٣٢٥)] * * * (٧١١) السؤال: هل يجوزُ للمُسلِم أنْ يَستَعْمِلَ أَوانِي الكُفَّار ؟ الجواب: معلومٌ أنَّ الصحابة ﵃ كانوا يستعملون أواني الكُفَّار وأواني المَجُوس، ويستعملون أطعمتهم، وهذا أمرٌ معروف وثابتُ، وإذا كان هناك أحاديث فيها الأمر بالغَسْل، فهذا محمولٌ على ما إذا غلب الظنُّ على أنَّها نَجِسَة؛ لكونهم يستعملون الخنزير بكثرةٍ، أو يستعملون بها الخمور، أو ما أشبه ذلك، فإذا غلب على الظنِّ أنَّها نَجِسَة، [أو] تأكَّد أنَّها نَجِسَة تَعيَّنَ غَسْلُها، فجميع الوقائع التي حصلت للنبيِّ ﷺ وحصلت مع أصحابه ﵃ في جميع البلدان التي ذهبوا إليها وفتحوها، وما وجدوه من أوانٍ، ومن أطعمةٍ، ومن جُلودٍ، ومن فُرُشٍ، ومن أجبانٍ، وما إلى ذلك من الأمور، كُلُها

стр. 639

أخذوها واستعملوها، وفي القرآن الكريم: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهذا أبلغ من مُجرَّد الآنية؛ لأنَّ طعام الذين أوتوا الكتاب هو الذَّبْح، والذَّبْح هو الذي يحتاج إلى ذكاة، وإلى شروطٍ، وله مُتطلَّبات، أمَّا مُجرَّد الأواني فالأصل فيها الإباحة، فهي طاهرةٌ لكونها نظيفة [ولم يظهر] عليها شيءٌ، وإذا جُهِلَت حالها فكذلك يُباح استعمالها، وإذا عُلِمَت نجاستها فيجب أن تُغْسَل، وكما تقدَّم هذا ليس خاصًّا بأواني الكُفَّار، أو أواني أهل الكتاب، بل هذا أيضاً مُتعيِّنٌ في أواني المسلمين إذا عُلِمَ أنَّها نَجِسَةٌ. [ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (٣/ ٣٢٥ - ٣٢٦)] * وانظر: فتوى رقم (٥٧٧)

стр. 640

الباب الخامس الطَّهارَة والنَّجاسَة

стр. 641

أولاً: النجاسة: عَلاقَةُ الجَرَاثِيمِ وَالطَّحَالِبِ وَبَقَايَا الطَّعَامِ بِنَجَاسَةِ المَاءِ (٧١٢) السؤال: هل هناك علاقةٌ لوجود البَكْتِيريا أو الفَيْرُوسات أو الطَّحالِب أو بقايا الطَّعام في المياه بالنَّجاسَة أو الطَّهارة؟ أم أنَّ أساس ومصدر وجودها في الماء (إذا كانت من فَضَلات الإنسان وليس الحيوان) هو الذي يُحدِّد نجاسة الماء من طهارته ؟ الجواب: ليس هناك من علاقة مباشرة شرعاً بين وجود (البكتيريا) وبين الحُكم بنجاسة الماء، أو أيِّ مادَّةٍ أخرى دخلتها (البكتيريا). والله أعلم. [الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (٢/ ٨)] * * * وُقُوعُ النَّجَاسَةِ اليَسِيرَةِ فِي المِيَاهِ (٧١٣) السؤال: قلتُ: بئرٌ وَقَع فيها نُقْطَة خَمْر ؟ الجواب: ما لم يُغيَّر طعم أو ريح. قلت: فنُقْطَةُ بَوْلٍ؟ قال: أتوقَّاهُ؛ لقول النَّبيِّ ﷺ : (لَا يَبُولُ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ). [مسائل الإمام أحمد برواية صالح (٢/ ١١٦)] * * * وُقُوعُ الطَّاهِرِ أو النَّجِسِ فِي المَاءِ (٧١٤) السؤال: سُئل [شيخ الإسلام ابن تيمية] عن مسائل كثيرٍ وُقُوعُها؛ ويحصُل الابتلاء بها؛ ويحصُل الضِّيق والحَرَج والعَمَل بها على رأي إمامٍ بعَيْنِه؛ منها مسألة المياه اليسيرة ووقوع النَّجاسة فيها من غير تغيُّرٍ، وتغييرُها بالطَّاهرات . الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين. أمَّا مسألة تغيُّر الماء اليسير أو الكثير بالطَّاهرات؛ كالأُشْنانِ (١)، والصَّابون،

стр. 642

والسِّدْر، والخِطْمِيِّ (١)، والتُّراب، والعَجين، وغير ذلك ممَّا قد يُغيِّرُ الماء؛ مثل الإناء إذا كان فيه أثرُ سِدْرٍ أو خِطْمِيٍّ، ووُضِعَ فيه ماءٌ فتغيَّر به مع بقاء اسم الماء؛ فهذا فيه قولان معروفان للعُلماء: أحدُهما: أنَّه لا يجوز التَّطهير به؛ كما هو مذهب مالك، والشَّافعيِّ، وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه التي اختارها الخِرَقِيُّ، والقاضي، وأكثر مُتأخِّري أصحابه؛ لأنَّ هذا ليس بماء مُطلَقٍ، فلا يَدْخُل في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣]. ثُمَّ إنَّ أصحاب هذا القول استثنوا من هذا أنواعاً بعضها مُتَّفقٌ عليه بينهم، وبعضها مُختَلَفٌ فيه، فما كان من التَّغيُّر حاصلاً بأصل الخِلْقَة، أو بما يَشُقُّ صَوْنُ الماء عنه، فهو طَهور باتِّفاقهم، وما تغيَّر بالأَدْهان والكافور ونحو ذلك؛ ففيه قولان معروفان في مذهب الشَّافعيِّ وأحمد وغيرهما، وما كان تَغيُّرُه يسيراً؛ فهل يُعفَى عنه، أو لا يُعفَى عنه، أو يُفرَّق بين الرَّائحة وغيرها؟ على ثلاثة أوْجُهٍ، إلى غير ذلك من المسائل. والقول الثَّاني: أنَّه لا فَرْقَ بين المُتغيِّر بأصل الخِلْقَة وغيره، ولا بما يَشُقُّ الاحتراز عنه، ولا بما لا يَشُقُّ الاحتراز عنه، فما دام يُسمَّى ماءً، ولم يَغْلِب عليه أجزاء غيره، كان طهوراً؛ كما هو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في الرِّواية الأُخرى عنه، وهي التي نصَّ عليها في أكثر أجوبته. وهذا القول هو الصَّواب؛ لأنَّ الله قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ نكرةٌ في سياق النَّفي؛ فيَعمُّ كُلَّ ما هو

стр. 643

ماءٌ، لا فَرْقَ في ذلك بين نوع ونوع. فإن قيل: إنَّ المُتغيِّر لا يدخل في اسم الماء. قيل: تناول الاسم لمُسمَّاه لا فَرْق فيه بين التَّغيُّر الأصليِّ والطَّارئ، ولا بين التَّغيُّر الذي يُمكن الاحتراز منه، والذي لا يُمكن الاحتراز منه؛ فإنَّ الفَرْق بين هذا وهذا إنَّما هو من جهة القياس؛ لحاجة النَّاس إلى استعمال هذا المُتغيِّر دون هذا. فأمَّا من جهة اللُّغة وعموم الاسم وخصوصه؛ فلا فَرْق بين هذا وهذا، ولهذا لو وَكَّلَهُ في شراء ماءٍ، أو حَلَفَ لا يشربُ ماءً، أو غير ذلك، لم يُفرَّق بين هذا وهذا، بل إنْ دَخَل هذا، دَخَل هذا، وإنْ خرج هذا، خرج هذا؛ فلمَّا حصل الاتِّفاق على دخول المُتغيِّر تغيُّراً أصليًّا أو حادثاً بما يَشُقُّ صَوْنه عنه، عُلِمَ أنَّ هذا النَّوع داخلٌ في عموم الآية. وقد ثبت بسُنَّة رسول الله ﷺ أنَّه قال في البَحْر: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ)، والبحر مُتغيِّر الطَّعم تَغيُّراً شديداً؛ لشِدَّة مُلوحَته؛ فإذا كان النَّبيُّ ﷺ قد أخبر أنَّ ماءَه طَهورٌ مع هذا التَّغيُّر، كان ما هو أخَفُّ مُلوحةً منه أَوْلَى أن يكون طَهوراً، وإن كان المِلْح وُضِعَ فيه قصداً؛ إذْ لا فَرْق بينهما في الاسم من جهة اللُّغة. وبهذا يَظهَرُ ضَعْفُ حُجَّة المانعين؛ فإنَّه لو استقى ماءً، أو وَكَّلَه في شراء ماءٍ؛ لم يتناول ذلك ماء البحر، ومع هذا فهو داخلٌ في عموم الآية؛ فكذلك ما كان مثله في الصِّفة. وأيضاً؛ فقد ثبت أنَّ النَّبيَّ ﷺ (أَمَرَ بِغَسْلِ المُحْرِمِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ)، (وَأَمَرَ بِغَسْلِ ابْنَتِهِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ)، (وَأَمَرَ الَّذِي أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ)، ومن المعلوم أنَّ السِّدْر لا بُدَّ أنْ يُغيِّر الماء؛ فلو كان التَّغيُّر يُفسِد الماء لم يأمر به. وقول القائل: إنَّ هذا تغيُّرٌ في مَحلِّ الاستعمال فلا يُؤثِّر. تفريقٌ بوصْفٍ

стр. 644

غير مُؤثِّر لا في اللُّغة، ولا في الشَّرع؛ فإنَّ المُتغيِّر إن كان يُسمَّى ماءً مُطلَقاً وهو على البدن، فيُسمَّى ماءً مُطلَقاً وهو في الإناء، وإن لم يُسَمَّ ماءً مُطلَقاً في أحدهما لم يُسَمَّ مُطلَقاً في الموضع الآخر؛ فإنَّه من المعلوم أنَّ أهل اللُّغة لا يُفرِّقون في التَّسمية بين مَحلٍّ ومَحلٍّ. وأمَّا الشَّرع: فإنَّ هذا فَرْقٌ لم يَدُلَّ عليه دليلٌ شرعيٌّ، فلا يُلْتَفت إليه، والقياس عليه إذا جُمِع أو فُرِّق: أن يُبيِّن أنَّ ما جَعَلَه مناط الحكم جَمْعاً أو فَرْقاً ممَّا دلَّ عليه الشَّرع، وإلَّا فمَنْ عَلَّق الأحكام بأوصافٍ جَمْعاً وفَرْقاً بغير دليلٍ شرعيٍّ، كان واضعاً لشرعٍ مِنْ تلقاءِ نفْسِه، شارعاً في الدِّين ما لم يأْذَن به الله؛ ولهذا كان على القائِسِ أنْ يُبيِّن تأثير الوصف المُشتَرَك الذي جَعَلَه مناط الحكم بطريقٍ من الطُّرُق الدَّالَّة على كون الوصف المُشتَرَك هو عِلَّة الحكم، وكذلك في الوصف الذي فُرِّق فيه بين الصُّورتين؛ عليه أن يُبيِّن تأثيرَه بطريقٍ من الطُّرُق الشَّرعيَّة. وأيضاً؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ (تَوَضَّأَ مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ العَجِينِ)، ومن المعلوم أنَّه لا بُدَّ في العادة من تغيُّر الماء بذلك، لا سيَّما في آخر الأمر إذا قَلَّ الماء وانْحَلَّ العجين. فإن قيل: ذلك التَّغيُّر كان يسيراً. قيل: وهذا أيضاً دليلٌ في المسألة؛ فإنَّه إن سوَّى بين التَّغيُّر اليسير والكثير مُطلَقاً كان مُخالِفاً للنَّصِّ؛ وإنْ فَرَّق بينهما لم يكن للفَرْق بينهما حدٌّ مُنضبِطٌ؛ لا بِلُغةٍ، ولا شَرْعٍ، ولا عَقْلٍ، ولا عُرْفٍ، ومن فَرَّق بين الحلال والحرام بفَرْقٍ غير معلوم لم يكن قولُه صحيحاً. وأيضاً؛ فإنَّ المانعين مُضطربون اضطراباً يدُلُّ على فساد أصل قولهم؛ منهم مَنْ يُفرِّقُ بين الكافور والدُّهن وغيره، ويقولُ: إنَّ هذا التَّغيُّر عن مُجاورةٍ لا عن مُخالطةٍ، ومنهم من يقولُ: بل نحن نَجِدُ في الماء أَثَرَ ذلك، ومنهم من يُفرِّقُ بين الورق الرَّبيعيِّ والخَريفيِّ،

стр. 645

ومنهم من يُسوِّي بينهما، ومنهم من يُسوِّي بين المِلْحَيْنِ؛ الجَبَليِّ والمائيِّ، ومنهم من يُفرِّقُ بينهما. وليس على شيءٍ من هذه الأقوال دليلٌ يُعتَمَدُ عليه، لا من نصٍّ، ولا قياسٍ، ولا إجماعٍ؛ إذ لم يكن الأصل الذي تفرَّعت عليه مأخوذاً من جهة الشَّرع، وقد قال الله : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، وهذا بخلاف ما جاء من عند الله فإنَّه محفوظٌ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]؛ فدلَّ ذلك على ضَعْف هذا القول. وأيضاً؛ فإنَّ القول بالجواز موافقٌ للعموم اللَّفظيِّ والمعنويِّ، مدلولٌ عليه بالظَّواهر والمعاني؛ فإنَّ تَناوُلَ اسمِ الماء لمواقع الإجماع كتناوُلِه لموارد النِّزاع في اللُّغة، وصفات هذا كصفات هذا في الجِنْس؛ فتَجِب التَّسوية بين المُتماثِلَيْن. وأيضاً؛ فإنَّه على قول المانعين: يلزم مخالفة الأصل، وتَرْك العمل بالدَّليل الشَّرعيِّ لمُعارِضٍ راجح؛ إذ كان يقتضي القياسُ عندهم أنَّه لا يجوز استعمال شيءٍ من المُتغيِّرات في طهارتي الحَدَث والخَبَث، لكن استُثني المُتغيِّر بأصل الخِلْقَة، وبما يَشُقُّ صَوْنُ الماء عنه؛ للحَرَج والمشقَّة؛ فكان هذا موضع استحسانٍ تُرِكَ له القياس، وتعارض الأدلَّة على خلاف الأصل. وعلى القول الأوَّل: يكون رُخصةً ثابتةً على وفق القياس، من غير تعارضٍ بين أدلَّة الشَّرع؛ فيكون هذا أقوى. فصلٌ: وأمَّا الماءُ إذا تغيَّر بالنَّجاسات؛ فإنَّه يَنْجُس بالاتِّفاق، وأمَّا ما لم يتغيَّر ففيه أقوالٌ معروفةٌ: أحدُها: لا ينجُس؛ وهو قول أهل المدينة، ورواية المَدَنيِّين عن مالكٍ، وكثيرٍ من أهل الحديث، وإحدى الرِّوايات عن أحمد اختارها طائفةٌ من أصحابه، ونَصَرَها ابن عَقيلٍ في

стр. 646

(المُفْرَدات)، وابن البَنَّاء، وغيرُهما. والثَّاني: ينجُس قليل الماء بقليل النَّجاسة؛ وهي رواية البَصْريِّين عن مالكٍ. والثَّالث: وهو مذهب الشَّافعيِّ، وأحمد في الرِّواية الأُخرى -اختارها طائفةٌ من أصحابه-: الفَرْق بين القُلَّتين وغيرهما؛ فمالكٌ لا يَحُدُّ الكثير بالقُلَّتين، والشَّافعيُّ وأحمد يَحُدَّان الكثير بالقُلَّتين. والرَّابع: الفَرْق بين البَوْل والعَذِرَة المائعة وغيرهما؛ فالأوَّل يُنَجِّس منه ما أمكن نَزْحُه دون ما لم يُمكِن نَزْحُه، بخلاف الثَّاني؛ فإنَّه لا يُنَجِّس القُلَّتين فصاعداً. وهذا أشهر الرِّوايات عن أحمد، واختيار أكثر أصحابه. والخامس: أنَّ الماء يَنْجُس بمُلاقاة النَّجاسة؛ سواءٌ كان قليلاً أو كثيراً؛ وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، لكن ما لم يصل إليه لا يُنجِّسُه. ثُمَّ حَدُّوا ما لا يصل إليه بما لا يتحرَّك أحد طَرَفَيْه بتحريك الطَّرَف الآخر. ثُمَّ تنازعوا: هل يُحَدُّ بحركة المُتوضِّئ أو المُغتَسِل؟ وقدَّر ذلك مُحمَّد بن الحسن بمسجده، فوجدوه عشرة أذْرُعٍ في عشرة أذْرُعٍ. وتنازعوا في الآبار إذا وقعت فيها نجاسةٌ: هل يمكن تطهيرها؟ فزعم المُزَنِيُّ: أنَّه لا يمكن. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يمكن تطهيرها بالنَّزْح، ولهم في تقدير الدِّلاء أقوالٌ معروفةٌ. والسَّادس: قول أهل الظَّاهر الذين يُنَجِّسون ما بال فيه البائل دون ما أُلْقِيَ فيه البَوْل، ولا يُنَجِّسون ما سوى ذلك إلَّا بالتَّغيُّر. وأصل هذه المسألة من جهة المعنى: أنَّ اختلاط الخبيث -وهو النَّجاسة- بالماء؛ هل يُوجِب تحريم الجميع، أم يُقال: بل قد استحال في الماء فلم يَبْقَ له حُكمٌ؟ فالمُنَجِّسون ذهبوا إلى القول الأوَّل،

стр. 647

ثُمَّ من استثنى الكثير قال: هذا يَشُقُّ الاحتراز من وقوع النَّجاسة فيه، فجعلوا ذلك موضع استحسانٍ؛ كما ذهب إلى ذلك طائفةٌ من أصحاب الشَّافعيِّ وأحمد. وأمَّا أصحاب أبي حنيفة فبنوا الأمر على وصول النَّجاسة وعدم وصولها، وقَدَّروه بالحركة، أو بالمساحة في الطُّول والعَرْض دون العُمْق. والصَّواب: هو القول الأوَّل، وأنَّه متى عُلِمَ أنَّ النَّجاسة قد استحالت؛ فالماء طاهرٌ؛ سواءٌ كان قليلاً أو كثيراً، وكذلك في المائعات كُلِّها؛ وذلك لأنَّ الله تعالى أباح الطَّيِّبات وحَرَّم الخبائث، والخبيث مُتميِّزٌ عن الطَّيِّب بصفاته، فإذا كانت صفات الماء وغيره صفات الطَّيِّب دون الخبيث، وَجَبَ دخوله في الحلال دون الحرام. وأيضاً؛ فقد ثبت من حديث أبي سعيدٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ؛ وِهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الحِيَضُ، وَلُحُومُ الكِلَابِ، وَالنَّتَنُ؟ فقال: المَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ). قال أحمد: حديث بئر بُضاعَة صحيحٌ. وهو في (المُسند) أيضاً عن ابن عبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: المَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ). وهذا اللَّفظُ عامٌّ في القليل والكثير، وهو عامٌّ في جميع النَّجاسات. وأمَّا إذا تغيَّر بالنَّجاسة؛ فإنَّما حُرِّم استعمالُه؛ لأنَّ جُرْمَ النَّجاسَة باقٍ؛ ففي استعمالِه استعمالُها، بخلاف ما إذا استحالَت النَّجاسة؛ فإنَّ الماء طَهورٌ وليس هناك نجاسةٌ قائمةٌ. وممَّا يُبيِّن ذلك: أنَّه لو وقع خَمْرٌ في ماءٍ، واستحالَت، ثُمَّ شَرِبَها شارِبٌ، لم يكن شارباً للخَمْر، ولم يجب عليه حَدُّ الخَمْر؛ إذ لم يَبْق شيءٌ من طَعْمِها وَلَوْنها وريحها، ولو صُبَّ لَبَن امرأةٍ في ماءٍ واستحال حتَّى لم يَبْق له أثرٌ، وشَرِبَ طِفْلٌ ذلك الماء، لم يَصِرْ ابنَها من الرَّضاعة بذلك. وأيضاً؛ فإنَّ هذا باقٍ على أوصاف

стр. 648

خِلْقَته؛ فيدخل في عُموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾؛ فإنَّ الكلام إنَّما هو فيما لم يتغيَّر بالنَّجاسة؛ لا طعمُه ولا لونُه ولا ريحُه. فإن قيل: فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قد (نَهَى عَنِ البَوْلِ فِي المَاءِ الدَّائِمِ، وَعَنِ الاغْتِسَالِ فِيهِ). قيل: نَهْيُه عن البَوْل في الماء الدَّائم لا يَدُلُّ على أنَّه يَنْجُس بمُجرَّد البَوْل؛ إذ ليس في اللَّفظ ما يَدُلُّ على ذلك، بل قد يكون نَهْيُه سدًّا للذَّريعة؛ لأنَّ البَوْل ذريعةٌ إلى تنجيسه؛ فإنَّه إذا بال هذا، ثُمَّ بال هذا، تغيَّر الماء بالبَوْل؛ فكان نَهْيُه سدًّا للذَّريعة. أو يُقال: إنَّه مكروهٌ بمُجرَّد الطَّبْع، لا لأَجْل أنَّه يُنجِّسُه. وأيضاً؛ فيدُلُّ نَهْيُه عن البَوْل في الماء الدَّائم أنَّه يَعُمُّ القليل والكثير؛ فيُقال لصاحب القُلَّتين: أتُجوِّز بَوْلَه فيما فوق القُلَّتين؟ إنْ جَوَّزتَه فقد خالفت ظاهر النَّصِّ، وإنْ حَرَّمته فقد نَقَضْت دليلك. وكذلك يُقال لمن فَرَّق بين ما يُمكن نَزْحُه وما لا يُمكن: أتُسَوِّغ للحُجَّاج أن يَبُولوا في الَمصانِع المَبنيَّة بطريق مكَّة؟ إنْ جَوَّزتَه خالَفْت ظاهر النَّصِّ؛ فإنَّ هذا ماءٌ دائمٌ، والحديث لم يُفرِّق بين القليل والكثير، وإلَّا نَقَضْت قولك. وكذلك يُقال للمُقدَّر بعشرة أذْرُعٍ: إذا كان لأهل القَرْية غَديرٌ مُستطيلٌ أكثر من عشرة أذْرُعٍ رقيقٌ؛ أتُسوِّغ لأهل القرية البَوْلَ فيه؟ فإنْ سَوَّغتَه خالَفْت ظاهر النَّصِّ، وإلَّا نَقَضْت قولك. فإذا كان النَّصُّ، بل والإجماع دلَّ على أنَّه نَهَى عن البَوْل فيما يُنجِّسُه البَوْلُ، بل تقدير الماء وغير ذلك فيما يشترك فيه القليل والكثير، كان هذا الوصف المُشترَك بين القليل والكثير مُستقِلًّا بالنَّهي، فلم يَجُزْ تعليل النَّهي

стр. 649

بالنَّجاسة، ولا يجوز أن يُقال: إنَّه ﷺ إنَّما نَهَى عن البَوْل فيه؛ لأنَّ البَوْل يُنجِّسُه؛ فإنَّ هذا خلاف النَّصِّ والإجماع. وأمَّا مَنْ فَرَّق بين البَوْل فيه وبين صَبِّ البَوْل؛ فقولُه ظاهرُ الفساد؛ فإنَّ صَبَّ البَوْل أبلغ من أنْ يُنْهَى عنه من مُجرَّد البَوْل؛ إذ الإنسان قد يحتاج إلى أن يبول، وأمَّا صَبُّ الأبوال في المياه فلا حاجة إليه. فإن قيل: ففي حديث القُلَّتين أنَّه سُئل عن الماء يكون بأرض الفَلَاة وما يَنوبُه من السِّباع والدَّوابِّ؛ فقال: (إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ)، وفي لفظٍ: (لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ). قيل: حديث القُلَّتين فيه كلامٌ قد بُسِطَ في غير هذا الموضع، وبُيِّنَ أنَّه من كلام ابن عمر لا من كلام النَّبيِّ ﷺ . [مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٢٤ - ٣٥)] * وانظر: فتوى رقم (١٠٨٢، ١٠٨٣، ١٠٨٦) * * * تَغَيُّرُ مَاءٍ كَثِيرٍ وَقَعَ فِيهِ نَجِسٌ وَطَاهِرٌ (٧١٥) السؤال: إذا وقع في الماء الكثير نجاسةٌ وعينٌ طاهرةٌ؛ فحصل التَّغيُّر بالمجموع؛ فهل يُحكَمُ بالطَّهور، أو يُحكَمُ بالتَّنجيس؛ لأنَّ المجموع في ضمنه المُنَجِّس، فيَصْدُق أنَّه حَصَل التَّغَيُّر بالمُنجِّس . الجواب: نقول: لو فُرِضَ وقوع النَّجَس وَحْده [وكان] مُغَيِّراً للماء؛ فإنَّا نَحْكُم بالنَّجاسة، وإن فُرِضَ وقوعه وَحْده غير مُغيِّرٍ، وتغيَّر بهما لم يُحكَم بالنَّجاسة؛ لأنَّ الأصل الطهارة، وإن شُكَّ في ذلك كُرِهَ له استعماله، والله أعلم. [المسائل الحموية (ص ٩٨ - ٩٩)] * * * تَغَيُّرُ المَاءِ بِمَيِّتٍ آدَمِيٍّ أو غَيرِ آدَمِيٍّ (٧١٦) السؤال: قناةٌ مُتَّصِلَةٌ بنَهْرٍ،

стр. 650

وفيها جِبابٌ عِدَّة في دُورِ جماعةٍ، فمات في أحد الجِبابِ مَيِّتٌ [آدميٌّ]، وتغيَّر بعضُ الجِبابِ مِنَ الرائحة، وشِيلَ مِنَ الماءِ الميِّتُ بعد أربعة أيَّام؛ فهل يجبُ نَزْفُ الجِبابِ جميعها، أو يُنْزَفُ مِنَ البئر الذي تغيَّر طَعْمُه؟ الجواب: الميِّت الآدميُّ لا يَنْجُس. فإذا لم تصحبه نجاسةٌ لم يُحكَم بنجاسة الماء، ولكن ينبغي أن يُنْزَف ممَّا تغيَّر من الجِباب للاحتياط، والله أعلم. أو كان الميِّتُ غيرَ آدميٍّ؛ تنجَّسَتِ الجِبابُ المتغيِّرة، وأمَّا بقيَّة الجِباب التي لم تتغيَّر؛ فإن كانت متَّصلةً بالمتغيِّرة، وهي دون القُلَّتَين؛ تنجَّسَت بالمُلاقاة، وإلَّا قُدِّر بأنْ لم تتَّصلْ؛ بأنْ كان بينها وبين المتغيِّرة حائلٌ، أو كانت قُلَّتَين؛ فطاهرةٌ. [فتاوى ابن الصلاح (١/ ٢٢٢)] * * * اسْتِعْمَالُ المَاءِ المُتَغَيِّرِ بِمُبِيدٍ حَشَرِيٍّ (٧١٧) السؤال: ما هو حُكمُ استعمال الماء المُتغيِّر لوناً وطعماً، بسبب إضافة مادَّة طِبيَّة لقتل الحشرات المُسبِّبة للأمراض؟ هل ذلك حينئذٍ يؤثِّر على الماء، أم لا ؟ الجواب: الحمد لله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أمَّا بعد. فهذا الماء الذي تغيَّر بالمخالط الطاهر لمصلحة الشارب لا حرج في ذلك، ولا يضرُّ ما دام الماء باقياً باسمه ماء، فإنَّه يُستعمَل للشُّرْب وغيره، ولا يضرُّه هذا المخالط الذي غيَّره، كما لا يضرُّه لو تغيَّر بالعُشْب والأوراق التي تسقط فيه، والتراب، وما أشبه ذلك، أمَّا إذا غيَّره تغييراً يُخرِجُه عن اسمه حتَّى يُسمَّى باسمِ آخر؛ كالشاي، واللَّبن، والحليب، فهذا لا يُسمَّى ماءً، ولا يُتوَضَّأ به، ولا يُزيل النجاسة، أمَّا

стр. 651

ما دام اسمُه باقياً فإنَّه يعتبر ماءً طيِّباً ولو خالطه شيءٌ من الأدوية. [فتاوى نور على الدرب - ابن باز، بعناية الشويعر (٥/ ٧)] * * * المَاءُ دُونَ القُلَّتَيْنِ إِذَا خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ (٧١٨) السؤال: الماء إذا نقص عن قُلَّتَيْن وخالطته النجاسة من بَوْلٍ أو عَذِرَةٍ، هل تذهب طهوريَّتُه بذلك ؟ الجواب: قد اختلف العُلماء في ذلك؛ فمنهم من رأى: أنَّ الماء إذا كان دون القُلَّتين، وأصابته نجاسة فإنَّه ينْجُس بذلك، وإن لم يتغيَّر لونه أو طعمه أو ريحه؛ لقول النبيِّ ﷺ : (إِذَا كَانَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ)، وفي لفظ: (لَمْ يَنْجُسْ) أخرجه الإمام أحمد، وأهل السُّنَن الأربع، وصحَّحه ابن خُزيمة، وابن حِبَّان، والحاكم؛ قالوا: فمفهوم هذا الحديث أنَّ ما دون القُلَّتين ينْجُس بما يقع فيه من النجاسة، وإن لم يتغيَّر. وقال آخرون من أهل العِلْم: دلالة المفهوم ضعيفة، والصواب: أنَّ ما دون القُلَّتين لا ينْجُس إلَّا بالتغيُّر، كالذي بلغ القُلَّتين؛ لقول النبيِّ ﷺ : (إنَّ المَاءَ طَهُورٌ لا يُنجِّسُهُ شيءٌ) أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي بإسناد صحيح، من حديث أبي سعيد الخُدْري ﵁. وإنَّما ذَكَرَ النبيُّ ﷺ القُلَّتين؛ ليدلَّ على أنَّ ما دونهما يحتاج إلى تثبُّت ونظر وعناية؛ لأنَّه ينْجُس مطلقاً؛ لحديث أبي سعيدٍ المذكور. ويُستفاد من ذلك أنَّ الماء القليل جدًّا يتأثَّر بالنجاسة غالباً، فينبغي إراقته، والتحرُّز منه؛ ولهذا ثبت عنه ﷺ أنَّه قال: (إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ، ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ) أخرجه مسلم في صحيحه. وما ذاك إلَّا لأنَّ الأواني التي يستعملها الناس تكون في الغالب صغيرة، تتأثَّر بولوغ الكَلْب،

стр. 652

وبالنجاسات وإن قَلَّت، فوجب أن يُراق ما بها إذا وقعت فيه نجاسة؛ أَخْذاً بالحَيْطَة، ودَرْءًا للشُّبْهة؛ لقوله ﷺ : (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ)، وقوله ﷺ : (مَنِ اتَّقَى اَلشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ). والله وليُّ التوفيق. [مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (١٠/ ١٥ - ١٧)] * * * المِقْدَارُ الذِي يَنْجُسُ بِهِ المَاءُ الطَّهُورُ إِذَا خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ (٧١٩) السؤال: ما هو المِقْدارُ الذي إذا خالَطَ الماءَ الطَّهورَ وهو نَجِسٌ يُنجَّسُ به الماءُ الطَّهور ؟ الجواب: المقدار المتَّفَق عليه بين أهل العِلْم هو أنَّ ما غيَّر صفة الماء، أي ما غيَّر لونه أو طعمه أو ريحه من نجاسة، فهو نَجِسٌ. هذا بإجماع أهل العِلْم، وإن كان أقلَّ من قُلَّتين وخالطته نجاسة ولم يتغيَّر، فهذا موضع خلاف، فالأحوط اجتنابه؛ لقوله ﷺ : (إِذَا بَلَغَ المَاءُ القُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ)؛ فالاحتياط تَرْكُه إذا كان ينقص عن القُلَّتين ولم يتغيَّر بالنجاسة؛ خروجاً من الخلاف. [المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان (٥٣٣) - (الموقع)] * * * إزالةُ النَّجاسَةِ بِغَيْرِ المَاءِ (٧٢٠) السؤال: [هل تَزولُ النَّجاسَة بغير الماء ؟] الجواب: أمَّا إزالة النَّجاسة بغير الماء ففيها ثلاثةُ أقوالٍ في مذهب أحمد: أحدُها: المنعُ؛ كقول الشَّافعيِّ، وهو أحد القولين في مذهب مالكٍ، وأحمد. والثَّاني: الجوازُ؛ كقول أبي حنيفة، وهو القول الثَّاني في مذهب مالكٍ، وأحمد. والقولُ الثَّالث في مذهب أحمد: أنَّ ذلك يجوز للحاجة؛ كما في طهارة فَمِ الهِرَّة بِريقِها، وطهارة أفواه الصِّبيان بأرْياقِهم، ونحو ذلك.

стр. 653

والسُّنَّة قد جاءت بالأمر بالماء في قوله لأسماء: (حُتِّيهِ، ثُمَّ اقْرُصِيهِ، ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالمَاءِ)، وقوله في آنية المَجُوس: (ارْحَضُوهَا، ثُمَّ اغْسِلُوهَا بِالمَاءِ)، وقوله في حديث الأعرابيِّ الذي بال في المسجد: (صُبُّوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ)، فأمر بالإزالة بالماء في قضايا مُعيَّنةٍ، ولم يأمُر أمراً عامًّا بأن تُزال كُلُّ نجاسةٍ بالماء، وقد أَذِنَ في إزالتها بغير الماء في مواضع: منها: الاستجمار بالأحجار، ومنها: قوله في النَّعلَيْن: (ثُمَّ لِيَدْلُكْهُمَا بِالتُّرَابِ، فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُما طَهُورٌ)، ومنها: قوله في الذَّيْل: (يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ)، ومنها: أَنَّ الكِلَابَ كَانَتْ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ وَتَبُولُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ لم يكونوا يَغْسِلُون ذَلِكَ)، ومنها: قوله في الهِرِّ: (إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ)، مع أنَّ الهِرَّ في العادة يأكُل الفأر، ولم تكن هناك قناةٌ تَرِدُ عليها تُطهِّر بها أفواهها بالماء، بل طَهَّرها ريقها، ومنها: أَنَّ الخَمْر المُنقَلِبَة بنفسها تَطْهُر باتِّفاق المسلمين. وإذا كان كذلك؛ فالرَّاجح في هذه المسألة أنَّ النَّجاسة متى زالت بأيِّ وجهٍ كان، زال حُكمُها، فإنَّ الحُكْم إذا ثبتَ بعِلَّةٍ زال بزوالها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة والأشربة في إزالة النَّجاسة لغير حاجةٍ؛ لما في ذلك من فساد الأموال، كما لا يجوز الاستنجاء بها. والذين قالوا: لا تزول إلَّا بالماء؛ منهم من قال: إنَّ هذا تعبُّدٌ. وليس الأمر كذلك؛ فإنَّ صاحب الشَّرع أَمَرَ بالماء في قضايا مُعيَّنةٍ لتَعَيُّنه؛ لأنَّ إزالتها بالأشربة التي يَنْتَفِع بها المسلمون إفسادٌ لها، وإزالتُها بالجامدات كانت مُتَعذِّرةً؛ كغسل الثَّوب والإناء والأرض بالماء؛ فإنَّه من المعلوم أنَّه لو كان عندهم ماء وَرْدٍ وخَلٌّ وغير ذلك، لم يأمُرْهم بإفساده؛ فكيف إذا لم يكن عندهم؟

стр. 654

ومنهم من قال: إنَّ الماء له من اللُّطْف ما ليس لغيره من المائعات، فلا يُلْحَق غيره به. وليس الأمر كذلك؛ بل الخَلُّ، وماء الوَرْد، وغيرهما يُزيلان ما في الآنية من النَّجاسة كالماء وأبلغ، والاستحالة له أبلغُ في الإزالة من الغَسْل بالماء؛ فإنَّ الإزالة بالماء قد يَبْقَى معها لون النَّجاسة فيُعْفَى عنه؛ كما قال النَّبيُّ ﷺ : (يَكْفِيكِ المَاءُ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ). وغير الماء يُزيل الطَّعْم واللَّوْن والرِّيح. ومنهم من قال: كان القياس أن لا يزول بالماء لتَنْجيسِه بالمُلاقاة، لكن رُخِّصَ في الماء للحاجة؛ فجَعَل الإزالة بالماء صُورةَ استحسانٍ، فلا يُقاسُ عليها. وكلا المُقدِّمَتَين باطلةٌ؛ فليست إزالتُها به على خلاف القياس أَنَّ الحُكْم إذا ثَبَتَ بعِلَّةٍ زالَ بزوالها. وقولهم: إنَّه يَنْجُس بالمُلاقاة ممنُوعٌ، ومَنْ سَلَّمَه فَرَّق بين الوارد والمَوْرود، وبين الجاري والواقف. ولو قيل: إنَّها على خلاف القياس؛ فالصَّواب أنَّ ما خالف القياس يُقاس عليه إذا عُرِفَت عِلَّتُه؛ إذ الاعتبار في القياس بالجامع والفارق، واعتبار طهارة الخَبَث بطهارة الحَدَث ضعيفٌ؛ فإنَّ طهارة الحَدَث من باب الأفعال المأمور به؛ ولهذا لم تَسْقُط بالنِّسيان والجهل، واشْتُرِط فيها النِّيَّةُ عند الجمهور. وأمَّا طهارة الخَبَث فإنَّها من باب التُّرُوك؛ فمقصودها اجتناب الخَبَث؛ ولهذا لا يُشتَرَط فيها فِعْلُ العَبْد ولا قَصْدُه، بل لو زَالَت بالمَطَر النَّازل من السَّماء حصل المقصود، كما ذهب إليه أئمَّة المذاهب وغيرهم. ومن قال من أصحاب الشَّافعيِّ، وأحمد: إنَّه يُعتبَر فيها النِّيَّة؛ فهو قولٌ شاذٌّ مُخالِفٌ للإجماع السَّابق، مع مُخالفَته لأئمَّة المذاهب، وإنَّما قيل مثل هذا مِنْ ضِيق المجال في المُناظرة؛ فإنَّ المُنازِعَ لهم في مسألة النِّيَّة قاسَ طهارةَ

стр. 655

الحَدَث على طهارة الخَبَث؛ فمَنَعوا الحُكْم في الأصل. وهذا ليس بشيءٍ؛ ولهذا كان أصحُّ قولَي العُلماء أنَّه إذا صَلَّى بالنَّجاسة جاهلاً أو ناسياً فلا إعادة عليه، كما هو مذهب مالكٍ، وأحمد في أظهر الرِّوايتين عنه؛ لأنَّ النَّبي ﷺ خَلَعَ نَعْلَيْه في الصَّلاة للأذى الذي كان فيهما، ولم يستأنِف الصَّلاة. وكذلك في الحديث الآخر، لمَّا وَجَدَ في ثوبه نجاسةً، أَمَرَهُم بغَسْلِه، ولم يُعِد الصَّلاة؛ وذلك لأنَّ ما كان مقصوده اجتناب المحظور إذا فعلَهُ العَبْدُ ناسياً أو مُخطِئاً، فلا إثم عليه؛ كما دلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة؛ قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال الله تعالى: (قَدْ فَعَلْتُ)، رواه مسلم في صحيحه. ولهذا كان أقوى الأقوال: أنَّ ما فَعَلَه العَبْد ناسياً أو مُخطِئاً من مَحظورات الصَّلاة، والصِّيام، والحَجِّ لا يُبْطِل العبادة؛ كالكلام ناسياً، والأَكْل ناسياً، والطِّيب ناسياً، وكذلك إذا فعل المَحْلُوف عليه ناسياً. وفي هذه المسائل نزاعٌ وتفصيلٌ ليس هذا موضعُه، وإنَّما المقصود هنا التَّنبيه على أنَّ النَّجاسة من باب ترك المَنْهيِّ عنه، وحينئذٍ فإذا زال الخَبَث بأيِّ طريقٍ كان، حصل المقصود، لكن إن زال بفِعْل العَبْد ونِيَّته، أُثيب على ذلك، وإلَّا إذا عُدِمَت بغير فِعْله ولا نِيَّته زالت المفسدة، ولم يكن له ثوابٌ، ولم يكن عليه عقابٌ. [مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤ ٧٤ - ٤٧٨)] * * * (٧٢١) السؤال: هل يجوزُ إزالةُ النَّجاسَة بغير الماء؛ كالخَلِّ وغيره من المُزيلاتِ أو المُطهِّرات ؟ الجواب: إزالة النجاسة ليست ممَّا يُتعبَّد به قصداً؛ أي أنَّها ليست عبادة

стр. 656

مقصودةً وإنَّما إزالة النجاسة هو التخلِّي من عَيْنٍ خبيثةٍ نَجِسَةٍ؛ فبأيِّ شيءٍ أزال النجاسة وزال أثرها، فإنَّه يكون ذلك الشيءُ مُطهِّراً لها، سواء كان بالماء، أو بالبنزين، أو بأيِّ مُزيل يكون، متى زالت عَيْنُ النجاسة بأيِّ شيء يكون فإنَّ ذلك يُعتبر تطهيراً لها. وهو على القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: لو زالت النجاسة بالشمس والرِّيح فإنَّه يَطْهُر المَحلُّ؛ لأنَّها كما قلت: هي عَيْنٌ نَجِسَةٌ خبيثةٌ، متى وُجِدَت صار المَحلُّ مُتنجِّساً بها، ومتى زالت عاد المكان إلى أصله؛ أي: إلى طهارته، فكُلُّ ما تزول به عَيْنُ النجاسة وأثرُها فإنَّه يكون مُطهِّراً لها، إلَّا أنَّه يُعفَى عن اللَّون المَعْجوز عنه. وبناءً على ذلك نقول: إنَّ البُخار الذي تُغسل به الأَكْوات (١) وثياب الصوف، وما أشبهها إذا زالت به النجاسة فإنَّه يكون مُطهِّراً. [فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (٣/ ٢٨٢)] * * * اسْتِعْمَالُ مَاءِ آبَارِ ثَمُودَ (٧٢٢) السؤال: استعمالُ آبارِ ثَمودَ غير بئر النَّاقة، هل النَّهيُ عنه نَهيُ تَنْزيهٍ أم تَحريمٍ؟ وهل فيه خِلافٌ أم لا ؟ الجواب: ثبت في الصَّحيحين عن ابن عمر ﵄: (أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الحِجْرِ أَرْضِ ثَمُودَ، فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا، وَعَجَنُوا بِهِ العَجِينَ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُهْرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا، وَيَعْلِفُوا الإِبِلَ العَجِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ البِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ)، فهذا اللَّفظ مُتَّفقٌ عليه. وفي روايةٍ أخرى عند البخاريِّ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَّما نَزَلَ الحِجْرَ في غَزْوَةِ تَبُوكٍ، أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا،

стр. 657

وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا، فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا وَاسْتَقَيْنَا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ العَجِينَ، وَيُهْرِيقُوا ذَلِكَ المَاءَ). وهذه المسألة خَلَتْ عنها أكثر كُتُب الأصحاب فيما وَقَفْتُ عليه، وذَكَرها الشيخ محيي الدِّين النَّوويُّ رحمه الله تعالى في (شرح المُهَذَّب) فقال: استعمال ماء هذه الآبار المذكورة مكروهٌ أو حَرامٌ إلَّا لضرورةٍ؛ لأنَّ هذه سُنَّةٌ صحيحةٌ لا مُعارِض لها، وقد قال الشافعيُّ رحمه الله تعالى: إذا صَحَّ الحديث فهو مَذْهَبي؛ فيمتنع استعمال آبار الحِجْر إلَّا بئر النَّاقة، ولا يُحكَم بنَجاسَتها؛ لأنَّ الحديث لم يَتَعَرَّض للنَّجاسة، والماء طهورٌ بالأصالة. هذا لفظُه. والذي اختاره غيره ممَّن تكلَّم على هذا الحديث -وهو الإمام أبو العبَّاس القرطبيُّ-: أنَّ هذا حُكْمٌ على هذا الماء بالنَّجاسة؛ لأنَّ هذا حُكْمُ ما خالَطَتْه النَّجاسة أو كان نَجِساً، ولأنَّه لولا نجاسَتُه لما أُتلِفَ الطعامُ المحترم شَرْعاً مِنْ حيث إنَّه ماليَّة، وأنَّه غذاء الأبدان وقَوامُها. وهذا هو الذي يظهر في هذه المسألة، فقد استدلَّ أصحابنا بمِثْلِ هذا الحكم على نجاسة سُؤْر الكَلْب لمَّا قال رسول الله ﷺ : (إِذَا وَلَغَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَلْيُرِقْهُ ... ) الحديث. أخرجه مسلم؛ فقالوا: قد نَهَى ﷺ عن إضاعة المال، فلو لم يكن هذا نَجِساً لما أَمَرَنا بإراقته. وكذلك قالوا في أَمْرِه ﷺ بكَسْر القُدور يوم خَيْبَر أوَّلاً، ثُمَّ بغَسْلِها ثانياً لمَّا طُبِخَ فيها لحمُ الحُمُر الأهليَّة، أنَّ ذلك يدلُّ على نجاستها، وأنَّ الذَّكاة لا تُطَهِّر ما لا يُؤكَل لحمُه. وأيضاً فالمَنْع من استعمال هذا الماء، والأَمْرُ بإتلاف ما خالَطَه من الطَّعام المحترم دائرٌ بين أن يكون تَعبُّداً، أو لمعنًى معقولٍ، وحَمْلُه على الثاني أَوْلَى؛

стр. 658

لغَلَبَة ذلك في الشَّرع، وقِلَّة ما هو غير معقول المعنى بالنسبة إلى ما هو معقول. والمعنى الذي يُعلَّل به هذا الحُكْم إمَّا للزَّجْر عن مُلابَسَة آبار الذين ظلموا أنفسهم من الكُفَّار المغضوب عليهم، أو للتَّنجيس، والتَّعليل بالنَّجاسَة يشهد له ما تقدَّم من الصُّور التي ذَكَرْناها وغيرها، والتَّعليل بالزَّجر يَقْرُب من التَّعبُّد. وعلى كُلِّ تقدير؛ فالظاهر أنَّ ذلك نَهْي تحريم لا نَهْي تَنزيه؛ إذ لو كان للتَّنزيهِ لمَا أُمِرْنا بإتلاف المال، والتَّنجيس مُحتمَلٌ، والله تعالى أعلم. [فتاوى العلائي (ص ١٠١ - ١٠٥)] * * * لَبَنُ الشَّاةِ وَالبَقَرةِ المَيِّتَةِ (٧٢٣) السؤال: لَبَنُ الشَّاة والبَقَرة الميِّتَة، هل هو طاهرٌ أم نَجِسٌ ؟ الجواب: هو طاهر. [الفتاوى الزينية لابن نجيم (ص ٣٠)] * وانظر: فتوى رقم (٣٠٧) * * * الفَخَّارُ المَشْوِيُّ بِالنَّجَاسَةِ وَالأَفْرَانُ المُسَخَّنَةُ بِالنَّجَاسَةِ (٧٢٤) السؤال: الفَخَّار ... يُشوَى بالنَّجاسة؛ فما حُكمُه؟ والأفْرانُ التي تُسخَّنُ بالزِّبْل؛ فما حُكمُها ؟ الجواب: الحمد لله. هذه المسائل مبنيِّةٌ على أصلين: أحدُهُما: السِّرْقين النَّجِس ونحوه في الوقود ليُسخِّن الماء أو الطعام، ونحو ذلك؛ فقال بعض الفُقهاء من أصحاب أحمد وغيره: إنَّ ذلك لا يجوز؛ لأنَّه يتضمَّن مُلابَسَة النَّجاسة ومباشرتها. وقال بعضهم: إنَّ ذلك مكروهٌ غير مُحرَّمٍ؛ لأنَّ إتلاف النَّجاسة لا يَحرُم، وإنَّما ذلك مَظَنَّة التَّلوُّث بها. وممَّا يُشبِه ذلك: الاستصباح بالدُّهْن النَّجِس؛ فإنَّه استعمالٌ له بالإتلاف. والمشهور عن أحمد وغيره من العُلماء

стр. 659

أنَّ ذلك يجوز، وهو المأثور عن الصَّحابة. والقول الآخر عنه وعن غيره: المَنْع؛ لأنَّه مَظَنَّة التَّلوُّث به، ولكراهة دُخَّان النَّجاسة. والصحيح: أنَّه لا يَحرُم شيءٌ من ذلك؛ فإنَّ الله تعالى حَرَّم الخبائث من الدَّم، والمَيْتَة، ولحم الخنزير، وقد ثبت في الصَّحيحين عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: (إِنَّمَا حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ أَكْلُهَا)، ثُمَّ إنَّه حَرَّم لُبْسها قبل الدِّباغ. وهذا وجه قوله في حديث عبد الله بن عُكَيم: (كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ في جُلُودِ المَيْتَةِ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هَذَا فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ)؛ فإنَّ الرُّخصة المُتقدِّمة كانت في الانتفاع بالجُلود بلا دباغٍ، كما ذهب إليه طائفةٌ من السَّلَف، فرُفِعَ النَّهي عمَّا أَرْخَصَ، فأمَّا الانتفاع بها بعد الدِّباغ فلم يُنْهَ عنه قَطُّ، ولهذا كان آخر الرِّوايتين عن أحمد: أنَّ الدِّباغ مُطَهِّرٌ لجُلود المَيْتَة. لكن هل يقوم مقام الذَّكاة، أو مقام الحياة؛ فيُطهِّر جِلْدُ المأكول، أو جِلْدُ ما كان طاهراً في الحياة دون ما سوى ذلك؟ على وجهين؛ أصحُّهما الأوَّل؛ فيطهُر بالدِّباغ ما تُطهِّرُه الذَّكاة؛ لنهيه ﷺ في حديثٍ عن جُلود السِّباع. وأيضاً؛ فإنَّ استعمال الخَمْر في إطفاء الحريق ونحو ذلك سَلَّمَهُ المنازعون، مع أنَّ الأمر بمُجانَبَة الخَمْر أعظم؛ فإذا جاز إتلاف الخَمْر بما فيه منفعةٌ، فإتلاف النَّجاسات بما ليس فيه منفعةٌ أَوْلَى، ولأنَّهم سَلَّموا جواز طعام المَيْتَة للبُزَاة والصُّقور، فاستعمالها في النَّار أَوْلى. وأمَّا قولُ القائل: هذا مَظنَّة مُلابَسَتها. فيُقال: مُلابَسَةُ النَّجاسة للحاجة جائزٌ إذا طَهَّر بَدَنَه وثِيابَه عند الصَّلاة ونحوها، كما يجوز الاستنجاء بالماء مع مُباشرة النَّجاسة، ولا يُكرَه ذلك على أصحِّ الرِّوايتين عن أحمد، وهو قول أكثر الفُقهاء.

стр. 660

والرِّواية الثَّانية: يُكرَه ذلك، بل يُستَعمَل الحَجَر، أو يُجمَع بينهما. والمشهور أنَّ الاقتصار على الماء أفضل، وإن كان فيه مُباشرتُها. وفي استعمال جُلود المَيْتَة إذا لم يَقُل بطهارتها في اليابسات روايتان؛ أصحُّهما جواز ذلك. وإن قيل إنَّه يُكرَه؛ فالكراهة تزول بالحاجة. وأمَّا قوله: هذا يُفضِي إلى التَّلوُّث بدُخَّان النَّجاسة. فهذا مبنيٌّ على الأصل الثَّاني؛ وهو أنَّ النَّجاسة في المَلَّاحة إذا صارت مِلْحاً ونحو ذلك؛ فهل هي نَجِسَةٌ أم لا؟ على قولَيْن مشهورين للعُلماء، هما روايتان عن أحمد، نصَّ عليهما في الخنزير المشْويِّ في التَّنُّور؛ هل تُطهِّر النَّار ما لَصَقَ به، أم يَحتاج إلى غَسْل ما أصابه منه؟ على روايتين منصوصتين: أحدُهما: هي نَجِسةٌ، وهذا مذهب الشَّافعيِّ، وأكثر أصحاب أحمد، وأحد قَوْلَي أصحاب مالك. وهؤلاء يقولون: لا يَطْهُرُ من النَّجاسة بالاستحالَة إلَّا الخَمْرَة المُنْتَقِلَة بنَفْسِها، والجِلْدُ المدبوغ إذا قيل إنَّ الدَّبْغ إحالةٌ لا إزالةٌ. والقول الثَّاني: وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد قَوْلَي المالكيِّة وغيرهم: أنَّها لا تَبْقَى نَجِسَةً. وهذا هو الصَّواب؛ فإنَّ هذه الأعيان لم يتناولها نصُّ التَّحريم؛ لا لفظاً ولا معنًى، وليست في معنى النُّصوص، بل هي أعيانٌ طَيِّبةٌ؛ فيتناولُها نصُّ التَّحليل، وهي أَوْلَى بذلك من الخَمْر المُنْقَلِبَة بنَفْسِها. وما ذكروه من الفَرْق بأنَّ الخَمْر نَجُسَت بالاستحالة، فتطهُرُ بالاستحالة؛ باطلٌ؛ فإنَّ جميع النَّجاسات إنَّما نَجُسَت بالاستحالة؛ كالدَّم؛ فإنَّه مُستحيلٌ عن الغِذاء الطَّاهر، وكذلك البَوْل والعَذِرَة، حتَّى الحيوان النَّجِس مُستحيلٌ عن الماء والتُّراب ونحوهما من الطَّاهرات. ولا ينبغي أنْ يُعبَّر عن ذلك بأنَّ النَّجاسة

стр. 661

طَهُرَت بالاستحالة؛ فإنَّ نفس النَّجِس لم يَطْهُر، لكن استحال، وهذا الطَّاهر ليس هو ذلك النَّجِس، وإن كان مُستحيلاً منه، والمادَّة واحدةٌ، كما أنَّ الماء ليس هو الزَّرع والهواء والحَبُّ، وتُراب المقْبرَة ليس هو الميِّت، والإنسان ليس هو المَنِيُّ. والله تعالى يخلُقُ أجسام العالم بعضها من بعضٍ، ويُحيلُ بعضها إلى بعضٍ، وهي تُبدَّلُ مع الحقائق؛ ليس هذا هذا. فكيف يكُون الرَّماد هو العَظْم المَيِّتُ واللَّحم والدَّم نَفْسه؛ بمعنى أنَّه يتناوله اسم العَظْم؟ وأمَّا كونه هو هو باعتبار الأصل والمادَّة؛ فهذا لا يضُرُّ؛ فإنَّ التَّحريم يَتْبَع الاسم والمعنى الذي هو الخَبَث، وكلاهما مُنتفٍ. وعلى هذا؛ فدُخان النَّار المُوقَدَة بالنَّجاسة طاهرٌ، وبُخار الماء النَّجس الذي يجتمع في السَّقْف طاهرٌ، وأمثال ذلك من المسائل. وإذا كان كذلك؛ فهذا الفَخَّارُ طاهرٌ؛ إذ ليس فيه من النَّجاسة شيءٌ. وإن قيل: إنَّه خالَطَه مِنْ دُخانها خرج على القَولَيْن. والصَّحيح أنَّه طاهرٌ. وأمَّا نَفْس استعمال النَّجاسة؛ فقد تقدَّم الكلام فيه، والنِّزاع في الماء المُسخَّن بالنَّجاسة؛ فإنَّه طاهرٌ. لكن هل يُكرَه؟ على قولين؛ هما روايتان عن أحمد: إحداهُما: لا يُكرَه؛ وهو قول أبي حنيفة والشَّافعيِّ. والثَّاني: يُكرَه؛ وهو مذهب مالك. وللكَراهَة مأخذان: أحدُهُما: خشية أن يكون قد وصل إلى الماء شيءٌ من النَّجاسة؛ فيُكرَه لاحتمال تنجُّسه؛ فعلى هذا؛ إذا كان بين المَوْقِد وبين النَّار حاجزٌ حصينٌ لم يُكرَه. وهذه طريقة الشَّريف أبي جعفرٍ، وابن عَقيلٍ، وغيرهما. والثَّاني: أنَّ سبب الكراهَة كون استعمال النَّجاسة مكروهاً، وأنَّ

стр. 662

السُّخونة حصلت بفِعْل مكرُوهٍ. وهذه طريقة القاضي أبي يَعْلَى. ومثل هذا طَبْخُ الطَّعام بالوقود النَّجس، فإنَّ نُضْجَ الطَّعام كسُخُونة الماء، والكراهة في طَبْخ الفَخَّار بالوقود النَّجِس تُشبِه تسخين الماء الذي ليس بينه وبين النَّار حاجزٌ. والله أعلم. [مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٦٠٨ - ٦١٣)] * * * (٧٢٥) السؤال: فَرَّانٌ يُحمِّي بالزِّبل ويَخْبِزُ ؟ الجواب: الحمد لله. إذا كان الزِّبلُ طاهراً؛ مثل زِبْل البقر والغنم والإبل، وزِبْل الخَيْل، فهذا لا يُنجِّس الخُبز، وإن كان نَجِساً؛ كزِبْل البِغال والحُمُر، وزِبْل سائر البهائم؛ فعند بعض العُلماء: إن كان يابساً فقد يَبِسَ الفُرْن منه، ولم يُنجِّس الخُبز، وإن عَلَقَ بعضُه بالخُبز قُلِعَ ذلك الموضِع ولم يُنجِّس الباقي. والله أعلم. [مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٦١٥)] * * * تَطْهِيرُ الفَخَّارِ المُدَخَّنِ بِالعَذِرَةِ والمَيْتَةِ (٧٢٦) السؤال: سُئِلَ الصائغُ عن الفخَّار يُدَخَّنُ عليه بالعَذِرَة والمَيْتَة، ثُمَّ يُحْرَق بالحَطَب؛ هل يَقْبَل التَّطهير بالماء بعد ذلك، أم لا ؟ الجواب: قد اختَلَف في ذلك عُلماؤنا المُتقدِّمون والمُتأخِّرون، والأَشْبه عندي: إذا ذَهَبَت عَيْنُ النَّجاسَة وأَعْراضُها، وخَلَفَها أعراضٌ أُخَر، وصارت كالتُّراب؛ فهي طاهرةٌ للاستعمال وغيره، وهو الظَّاهر عندي. [مختصر فتاوى البرزلي (ص ٣٤)] * * * الطَّعامُ إذا طُبِخَ بوَقُودٍ نَجِسٍ (٧٢٧) السؤال: من طَبَخَ طعاماً

стр. 663

برَوْسِ آدميٍّ أو بهيمةٍ، أو أَوْقَدَ به تحت هَبابٍ فصار نشادراً؛ فهل هما طاهران، أو نَجِسان لأجل دُخان النَّجاسة؟ الجواب: الطَّعام المذكور طاهرٌ إن لم يكن ما أصابه من دُخان النَّجاسة كثيراً، وإلَّا تنجَّس، وكذا النَّشادر إن كان هُبابه طاهراً، وإلَّا فهو نَجِسٌ. [فتاوى الرملي (١/ ١٥٥)] * * * (٧٢٨) السؤال: القُرْصُ العَجينُ الذي تَضَعُه العَرَبُ والصَّيَّادون في الزِّبْل حتَّى يستوي ويأْكُلون؛ هل أَكْلُه جائزٌ أو لا ؟ الجواب: يجوز أَكْلُه، ويُعفَى عنه للمشقَّة؛ (إذا ضاقَ الأمرُ اتَّسع). [فتاوى الرملي (٥/ ٢٢ ٧)] * * * (٧٢٩) السؤال: قولُ الشيخ خَليل: «ورَمَادُ نَجِسٍ ودُخَانُه»، وفي خُبْز مِصْرَ وأطعِمَتِها، وغيرها من البلدان، إذا صَنَعوا ذلك بالنَّجِس، وكان غيره مصنوعاً بطاهر موجوداً؛ هل يجوزُ أَكْلُ ما صُنِعَ بالنَّجس؛ سواء كان مُقيماً بهما أو طارئاً لهما ؟ وإذا قلتم بالأَكْل؛ فهل لمن كان طارئاً أنْ يأْكُل ويتزوَّد لرجوعه لبلده أم لا؟ وإذا فَرَغَ من الأَكْل يجب عليه غَسْلُ فَمِهِ ويَدِهِ على حُكْم إزالة النَّجاسة، أم كيف الحال؟ الجواب: الحمد لله، يجوزُ المخبوز بالنَّجِس ولو مع أَكْل الخُبْز وجود غيره مخبوزاً بطاهرٍ، ولا يجب عليه غسل فَمِه ولا يَدِه كما أفتى به شيخ المالكيَّة الشيخ العالِم العامِل الشيخ عبد الرحمن الأُجْهورِيُّ، وأفتى به أيضاً شيخُه الشيخ شمس الدِّين محمَّد اللَّقَانِيُّ، ولا عِبْرَة بمخالفة من خالف في ذلك. وهذا كُلُّه على القول بأنَّ دُخان النَّجِس نَجِسٌ؛ كما دَرَجَ عليه صاحب (المختصر)، ولكن قد اعترض عليه

стр. 664

بأنَّه ذكر في (التَّوضيح) عن ابن رُشْدٍ طهارة دُخانِ النَّجِس، ولم يَحْكِ فيه خِلافاً عندنا، وكذا لابنِ عَرَفَةَ؛ فيكون القول بطهارة دُخانِ النَّجِس إمَّا أرجح من القول بنجاسته، وإمَّا مثله. وعلى كُلِّ حالٍ فالعملُ به إمَّا واجبٌ أو جائزٌ، وطهارة ما خُبِزَ به لا شكَّ فيها، حيث لم يكن به رماد نَجِسٍ، فإن كان به رماد النَّجِسِ فإنَّه يجب غَسْلُ الفَمِ منه، لكن قد اختار بعض المُحقِّقين طهارة رماد النَّجِس، واستدلَّ عليه بما هو مذكورٌ في كلامه، بل اعترض على الشيخ خليل في قوله: إنَّه [نجسٌ]، تبعاً لمن قال ذلك. وكان ينبغي له أنْ يمشي على القول بطهارته، وعلى هذا فلا شكَّ في طهارة ما خُبِزَ بالنَّجِس ولو كان فيه رَمادُه، والله أعلم. [الفتاوى الأجهورية (١/ ٢٣)] * * * (٧٣٠) السؤال: طَبْخُ الطَّعام بوَقودِ البَقَرة والرَّوْثِ وخِثْي (١) البَقَر، ماذا حُكْمُه ؟ الجواب: هذه الأشياء وإن كانت نَجِسةً، لكن الطعام المطبوخ بوقودها طاهرٌ يُؤكَل. كذا في (الدُّرِّ المختار). فقد تعارف من زمان الصَّحابة إلى هذا الزمان، ولم ينكره واحدٌ من عُلماء الدَّوران، فحُكِمَ بطهارته؛ لعموم البَلْوى، وبهذا احتجَّ مالكٌ وابن أبي لَيْلَى في طهارتهما؛ فإنَّه وَقودُ أهل الحَرَمَيْن، يجمعونها ويطبخون بها القِدْر والخُبز، ولو كانت نجسةً لما استعملوا، ألا ترى أنَّهم لم يستعملوا العَذِرَة. كذا في (الكفاية). لكنَّه باطلٌ؛ فإنَّ استعمالَ أهل الحَرَمَيْن شيئاً لا يدلُّ على طهارته. [فتاوى اللكنوي (ص ٩٣ - ٩٤)] * * *

стр. 665

الاسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ (٧٣١) السؤال: هل يجوزُ الاستصباحُ بالدُّهن النَّجِسِ ؟ الجواب: نعم. كذا في (مطالب المؤمنين) عن شرح حميد الدين على (الهداية). [فتاوى اللكنوي (ص ٤٧٦)] * * * إِضَافَةُ السِّرْجِينِ إِلَى طِينِ الفَخَّارِ لضَرورَةِ الصِّناعَةِ (٧٣٢) السؤال: أهلُ صناعة الفاخُور لا بُدَّ أنْ يُضيفوا إلى الطِّين الذي يصنعونه أواني -كالإجِّانات (١)، والكِيزَان (٢)، وغير ذلك- شيئاً من السِّرْجين، ويَرَوْنَ أنَّ ذلك من ضرورة الصِّناعة، وأنَّ الطِّين لا يُمكن أن يُصنَع منه شيءٌ من ذلك إلَّا بالإضافة المذكورة؛ فهل يُعفى عن شيءٍ من ذلك؟ وهل يُفصَّلُ في ذلك ويُقالُ بالعَفْوِ إذا لم يَقُمْ مقامَ السِّرْجينِ شيءٌ مِنَ الطَّاهرات، وبعَدَمِه حيث يقومُ غيرُه مقامه؟ الجواب: للإناء حالان: أحدُهما: أن لا يُتيقَّن استعمال السِّرجين فيه؛ ففيه قَوَلَا تَعارُض الأَصْلِ والظَّاهر؛ أي الغالب. أظهرُهما: العَمَلُ بالأصل وهو الطَّهارةُ؛ لأنَّ الغالبَ لا يكاد ينضبط، ولو اطَّردت عادةٌ بمُخالَفَة الأصل؛ كاستعمال السِّرْجين في أواني الفَخَّار، فكذلك، خلافاً للماوَرْديِّ؛ حيث حَكَمَ بالنَّجاسة. ثانيهما: أن يُتيقَّن استعمالُهُ فيه فيُعفَى عنه بمشقَّة الاحتراز؛ إذ (المشقَّةُ تَجلِبُ التَّيسيرَ)؛ فقد نَقَلَ الرُّويانيُّ في باب الصَّلاة بالنَّجاسة أنَّ الشّافعيَّ رضي الله

стр. 666

عنه سُئِلَ عن الأواني التي تُعمَل بالنَّجاسة فقال: (إذا ضاقَ الأمرُ اتَّسَعَ). [فتاوى الرملي (١/ ١٧٦)] * * * وَضْعُ البَيْضِ فِي المَرَقِ (٧٣٣) السؤال: البَيْضُ إذا غُسِلَ يُطْرَحُ في القِدْرِ مع المَرَقَة ؟ الجواب: لا بأس أنْ يُطْرَح في القِدْر. قلت: وإن كان فيها فَرْخٌ؟ قال: إذا لم ينكسر، فلا بأس. [مسائل الإمام أحمد رواية الكوسج (٩/ ٤٧١٩)] البَيْضَةُ إذا خَرَجَتْ هل تُكونُ طَاهِرَةً أو نَجِسَةً ؟ (٧٣٤) السؤال: البَيْضةُ إذا خرجت هل تكون طاهرةً أو نَجِسَةً ؟ الجواب: على وجهين؛ بناءً على أنَّ باطن الفَرْج طاهرٌ أو نَجِسٌ. فقيل له: أليس البيضُ يخرجُ من دُبُرِها؟ ولا محالة يكون ذلك الموضع نَجِساً. قال: ليس كذلك؛ لأنَّ خُرْء الدَّجاجةِ يكون في مِعًى مُعَلَّقٍ مِنَ الحَلْقِ إلى دُبُرِها، والبيضُ في موضعٍ آخرَ، ويتبيَّن لك هذا إذا شَقَقْت بطن الدَّجاجة، فإنَّك تجد بيض الدَّجاج من جانب، والخُرْء من جانب آخر في مِعًى. فإذاً لا يكون ممرُّ البيض على ممرِّ الخُرْءِ، ولكن يخرج من مَنفَذِه عند فَمِ الدُّبُر، وما يُرى من أثر الخُرْءِ على البيض إنَّما يكون لأنَّه يُلْقِي البيض في مكان الخُرْءِ فيتلوَّث. [فتاوى القفال (ص ٣٤ - ٣٥)] * * * وُقُوعُ بَيْضَةٍ رَطِبَةٍ خارِجَةٍ مِنَ دَجَاجَةٍ في مَرَقَةٍ (٧٣٥) السؤال: البَيْضَةُ إذا وَقَعَت من الدَّجاجة وهي رَطِبَةٌ، فوَقَعَت في

стр. 667

المَرَقَة؛ هل تَنْجُس؟ الجواب: لا تَنْجُس، وكذا السَّخْلَة الرَّطِبَة إذا وَقَعَت على الثَّوْب، كذا في (القنية). [فتاوى اللكنوي (ص ٩٤)] * وانظر: فتوى رقم (٢٢٣) * * * تَخْميرُ طَعامٍ ببَيْضٍ مُلَوَّثٍ بأَذَى الدَّجَاجِ (٧٣٦) السؤال: مَنْ طَبَخَ طعاماً في قِدْرٍ، وأراد أن يُخَمِّرَهُ ببَيْضٍ لم يُغْسَل، وهي مملوءةٌ بأذى الدَّجاج؛ هل يجوزُ ذلك أم لا ؟ الجواب: ما هذا بصوابٍ. غُسْلُها أحسن، فإن لم يفعل فقد أساء، ولا يُفْسِد ذلك ما في القِدْرِ من الطعام. وبالله التوفيق. [مسائل ابن رشد (٢/ ٩٣٨)] * * * ذَرْقُ الخُطَّافِ (١) والطَّيْرِ الذي عَيْشُه على الذُّبابِ (٧٣٧) السؤال: ذَرْقُ الخُطَّافِ؛ أنَجِسٌ هو أم طاهِرٌ؟ وما حُكْم ذَرْقِ الطَّير الذي عَيْشُه الذُّبابُ على قول مالكٍ: أنَّه لا يُؤكَل الجَرادُ وشِبْهُها إلَّا بذَكاةٍ . الجواب: ذَرْقُ الطَّيرِ طاهِرٌ على

стр. 668

مذهب مالك الذي يرى الأرْواث والأبْوال تَبَعاً للُّحُوم. [مسائل ابن رشد (٢/ ١١ ٧٧، ١١٨١)] * * * (٧٣٨) السؤال: سُئِلَ ابنُ رُشْدٍ عن ذَرْق الخُطَّاف ونحوه ممَّا عَيْشُه [الذباب] على القول بأنَّ الجَراد لا يُؤكَل إلَّا بذَكاةٍ . الجواب: ذَرْقُ الطَّير طاهرٌ على قول مالك الذي يرى الفَضْلَتيْن تابعةٌ للَّحْم. قلت: حَكَى في (البيان) عن ابن القاسم أنَّ ذَرْقَ البَازِيِّ نَجِسٌ، ونحوه عن مالك في (المبسوط)، وهو موافق لما روي عن مالك، إلَّا أنَّه لا يُؤكَل كُلُّ ذي مِخْلَبٍ من الطَّير. [مختصر فتاوى البرزلي (ص ٢٦)] * * * بَوْلُ الخُفَّاشِ (٧٣٩) السؤال: بَوْلُ الخُفَّاشِ طاهِرٌ أم نَجِسٌ ؟ الجواب: طاهرٌ، كذا في (البحر الرَّائق). [فتاوى اللكنوي (ص ١٠٣)] * * * رَوْثُ الخُفَّاشِ (٧٤٠) السؤال: هل رَوْثُ الخُفَّاش وهو «السَّحَا» (١) نجس، أم لا ؟ الجواب: المذهبُ أنَّه نَجِسٌ، وعند شيخ الإسلام وابن القَيِّم: أنَّه معفوٌّ عنه؛ لكثرة البَلْوى فيه، وعُسْر التحرُّز عنه. [الفتاوى السعدية (ص ١٣٣)] * وانظر: فتوى رقم (١٤٢) * * * تَأْثِيرُ النَّجَاسَةِ اليَسِيرَةِ في الطَّعَامِ (٧٤١) السؤال: النَّجاسةُ اليَسيرةُ في الطعام هل تُؤثِّر فيه، أم لا تُؤثِّر ؟ الجواب: المشهورُ أنَّها تؤثِّر فيه، وظاهر (العُتْبيَّة) أنَّها لا تؤثِّر فيه. الفَرْق اليسير والكثير ثابتٌ. وتأوَّل ابن رُشْدٍ ما في (العُتْبيَّة). [مختصر فتاوى البرزلي (ص ٢٦)] * * * إِلْقَاءُ الدَّجَاجِ في المَاءِ حَالَ الغَلَيانِ قَبْلَ شَقِّ بَطْنِهِ (٧٤٢) السؤال: الدَّجاجُ إذا أُلْقِيَ في

стр. 669

الماء حال الغَلَيان ليُنْتَفَ رِيشُه قَبْلَ شَقِّ بَطْنِه، هل يَتنَجَّس أم لا؟ الجواب: نعم يتنجَّس، ولكن يُغْسَل بالماء ثلاث مرَّات، فيَطْهُر. [الفتاوى الزينية لابن نجيم (ص ٤٩١)] * * * (٧٤٣) السؤال: مسألةٌ يُستَفادُ حُكمُها من كلام (النَّوادر)؛ فإنَّه قال: وليس من اللَّحم المطبوخ بالنَّجاسة الدَّجاج المذبوحُ يُوضَع في الماءِ الحارِّ لأجل إخراج رِيشِه؛ لأنَّ هذا ليس بطَبْخ حتَّى تدخل النَّجاسة في أعماقه، بل يُغْسَل ويُؤكَل. انتهى . الجواب: حاصلُ السُّؤال: أنَّه إذا غُسِلَ دَمُ اللَّحم بماءٍ مُضافٍ ثُمَّ شُوِيَ؛ فهل يُؤكَل، ولو كان غَسْلُه بالماء المضاف كزواله بالنار، بل أقوى؟ فتأمله. وذكر صاحب (المدخل) أنَّ ما سُمِطَ من الكِباشِ والدَّجاج والرُّوس والأَكارع قبل غَسْل ما بها من الدَّم المَسْفوح، ممَّا لا يَقْبَل التَّطهير، ومن قبيل ما طُبِخَ بالنَّجاسة، وذكر بعضُهم أنَّه يَطهُر بالغَسْل، وهو بعيد. انتهى. والثاني: هو نصُّ (النوادر) المتقدِّم، فيُعَوَّل عليه، والله أعلم. [الفتاوى الأجهورية (١/ ٣٣ - ٣٤)] * * * وَضْعُ الفِرَاخِ في الماءِ السَّاخِنِ هل يُنَجِّسُها ؟ (٧٤٤) السؤال: هل وَضْعُ الفِراخ في الماء السُّخْن، أو في مَحَلِّ الخُبْز -بعد بَلِّها بعد ذَبْحِها، وقبل غَسْل دَمِها-، يُنَجِّسُها أم لا ؟ الجواب: لا، ويكفي غَسْلُها قبل طَبْخِها. [فتاوى الكفوري (ص ١٠١)]

стр. 670

الخَرْزُ (١) بِشَعْرِ الخِنْزيرِ (٧٤٥) السؤال: سألتُ أبي عن شَعْرِ الخِنزير ؟ الجواب: لا يُعجبني أنْ يُخْرَزَ به، فإن خُرِزَ به فلا بأس بالصَّلاة في الخُفَّيْن الذي يُخْرَز به؛ لأنَّه لا يَعْلَق. [مسائل الإمام أحمد برواية عبد الله (١/ ٤٦)] * * * المِكْعَبُ (٢) المخْروزُ بِشَعْرِ الخِنْزيرِ (٧٤٦) السؤال: [هل ينجس المِكْعَبُ إذا خُرِزَ بالهُلْبِ (٣)؟ وهل يطهر إذا غسل بالماء ؟]. الجواب: إذا خَرَز المِكْعَب، ووضع القَدَم عليه، وخَرَز بالهُلْب، فإنَّ ذلك يكون نَجِساً؛ فإذا غُسِلَ المِكْعَب، وصُبَّ الماء فيه سَبْعاً مع التُّراب، وغُسِل الموضع الذي مَسَّهُ طَرَف القَدَم سَبْع مَرَّاتٍ بالتُّراب؛ فإنَّه قد طَهُر ظاهر المِكْعب حتَّى تجوز الصَّلاة عليه، ولكن لم يَطْهُر باطِنُه، فلا تجوز الصَّلاة معه؛ لأنَّ الماء لا يتخلَّل بواطِن القَدَم حتَّى يطهر الجانب الآخر، وكذا باطن الأَديم المَخْروزَة بالهُلْب. [فتاوى القفال (ص ٣٩ - ٤١)] * * * هَلِ الكَلْبُ طاهِرٌ أو نَجِسٌ ؟ (٧٤٧) السؤال: الكَلْبُ هل هو طاهرٌ أم نَجِسٌ؟ وما قولُ العُلماء فيه ؟ الجواب: أمَّا الكَلْب؛ فللعُلماء فيه ثلاثة أقوالٍ معروفةٍ: أحدُها: أنَّه نجسٌ كُلُّه حتَّى شعره؛ كقول الشَّافعيِّ، وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه. والثَّاني: أنَّه طاهرٌ حتَّى رِيقُه؛ كقول مالكٍ في المشهور عنه.
следующие страницы →