[الأنعام: ١٤٥].
والدليل على أنَّه طاهرٌ ما عدا الدَّم: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ العُرَنيِّين أن يَلْحَقُوا بإِبِل الصَّدَقَةِ، ويَشْرَبوا مِنْ أَبْوَالِها وأَلْبَانِها، وأَذِنَ أن يُصَلَّى في مَرابِض الغَنَم، وهي لا تَخْلو من بَعْرٍ وبَوْلٍ.
[لقاءات الباب المفتوح - ابن عثيمين (رقم ١٠٩)]
* * *
بَوْلُ الشَّاةِ إِذَا شَرِبَتْ مَاءً نَجِساً
(٧٨٨) السؤال: بَوْلُ الشَّاة إذا شَرِبَت مَاءً نَجِساً ؟
الجواب: هو نَجِسٌ عند ابن القاسم، وطاهرٌ عند أَشْهب.
[فتاوى ابن أبي زيد القيرواني (ص ٩٨)]
* * *
حُكْمُ العَسَلِ والخارِجِ مِنَ النَّحْلِ إِذَا أَكَلَ النَّجَاسَةَ
(٧٨٩) السؤال: أَكْلُ النَّحْلِ النَّجِسَ، هل يُنَجِّسُ عَسَلَها أم لا؟ وكذا الخارِجَ منها ؟
الجواب: طهارَةُ عَسَلِها. وخُرْؤُها نَجِسٌ عند ابن القاسم، طاهرٌ عند أَشْهَب.
[فتاوى ابن أبي زيد القيرواني (ص ٩٨)]
* * *
الفَضَلاتُ الَّتِي فِي بَطْنِ السَّمَكِ
(٧٩٠) السؤال: هل الفَضَلَاتُ التي في بَطْنِ السَّمَك هي طاهِرَةٌ أم نَجِسَةٌ؟ أفتونا مأجورين .
الجواب: الفَضَلاتُ التي في بَطْن السَّمَك نَجِسَةٌ، ولكن إذا تَعذَّر تَتبُّع استخراجها من جَوْفِه فإنَّه يُعفَى عنها، والله تعالى أعلم.
[مجموعة الفتاوى الشرعية الكويتية (٢٧/ ٣٢)]
* * *
رَوْثُ الحِمَارِ
(٧٩١) السؤال: مَنْ أصابهُ شيءٌ من
стр. 702
رَوْثِ حِمَارٍ؟
الجواب: كلُّ شيءٍ من الحِمَارِ يُجْتَنَبُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (هِيَ رِجْسٌ).
[مسائل الإمام أحمد برواية صالح (١/ ٣٥٣)]
* * *
رَوْثُ مَا لا يُؤْكَلْ لَحْمُهُ
(٧٩٢) السؤال: أعلمُ أنَّ رَوْث ما لا يُؤْكَل لحمُه نَجِسٌ، فإذا كان الرَّوْث قد جَفَّ، فهل يكون نَجِساً؟ وما الحُكْم إذا لامَسَ هذا الرَّوْث ملابس المُسْلِم، ولم يترك أثراً على ثيابه ؟
الجواب: إذا كان القَصْد بالجفاف أنَّه ما بقي فيه رُطُوبة تَعْلَقُ بالملابس أو اليد؛ فهذا حُكْمه أنَّه لا يؤثِّر إذا لَمسَ ثَوْبَه أو يَدَه، أو جَلَس عليه؛ لأنَّه لا يبقى أثرٌ ليِّنٌ يَعْلَق في الملابس. أمَّا إذا كان جَفَّ وما زال نَدِيًّا، ويبقى فيه أثرُ الرُّطوبة، فإنَّه يؤثِّر، وعليه أن يَغْسِل ما لامَسَه وباشَرَه من الملابس وما أشبهها.
[ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (٣/ ٣٣٧)]
* * *
الثِّيَابُ المَصْبُوغَةُ بِالدَّمِ
(٧٩٣) السؤال: سُئِلَ سيدي عِمْران المَشَدَّالي عمَّا صُبِغَ من الثياب بالدَّم فكانت حُمْرَتُه منه، هل يكفي غَسْلُه أم لا ؟
الجواب: يُغْسَل، فإن لم يخرج من ذلك شيءٌ في الماء فهو طاهرٌ، لأنَّ المُتعلِّق به على هذا التقرير ليس إلَّا لون النَّجاسة. وإذا عَسُرَ قَلْعُه بالماء فهو عَفْوٌ، وإلَّا وَجَبَ عليه غَسْله، إلَّا أن لا يخرج منه شيءٌ. والله أعلم.
[المعيار المعرب للونشريسي (١/ ١١٦)]
* * *
الثِّيَابُ إِذَا تَعَلَّقَتْ بِهَا رَائِحَةُ الغَنَمِ
(٧٩٤) السؤال: عندما أذهب لِحَلْب الغَنَم يَتعَلَّق بمَلابِسي رائحةٌ من
стр. 703
فَضَلَات الغَنَم -أكرمكم الله وإخواني المسلمين-؛ هل يجوز لي الصَّلاة بها؟
الجواب: فَضَلات الغنم والمواشي من الإبل ومن البقر والغنم والضأن والمَعِز، وجميع ما يُؤكَل لحمُه ويُشْرَب لَبَنُه فَضَلاتُه طاهرَةٌ، رَوْثُه وبَوْلُه طاهرٌ، ولو أصاب الثيابَ شيءٌ من البَوْل أو من الرَّوْث، فكُلُّ هذا طاهرٌ ولا يَنْجُس، والنبيُّ ﷺ (قَدِمَ عَلَيْه أُناسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوْا المدِينَةَ -لم يُناسبْهُم هواءُ المدينة، بل مَرِضوا فيها-، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ -من إبل الصَّدقة- وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا).
والحاصل أنَّ بَوْل ورَوْث ما يُؤْكَل لحمُه طاهرٌ وليس بنَجِسٍ، ولا مانع من شُرْبِه، أو مَسِّه، أو حتَّى شُرْب البَوْل للتَّداوي، أو غَسْل الوجه به، أو شيءٍ من هذا القَبيل، وإذا أصاب الملابس أو الفُرُشَ أو غيرها، فليس هو بنَجِسٍ، وإذا غُسِلَ فهو غَسْلٌ من باب طلب النظافة، وإزالة الرَّائحة، ولا يُغْسَل من أجل أنَّه نَجِسٌ.
[ثمر الغصون من فتاوى بن غصون (٣/ ٣٣٠ - ٣٣١)]
* * *
تَطْهِيرُ المَلَابِسِ وَالفُرُشِ المُتَنَجِّسَةِ فِي الغَسَّالَاتِ الآلِيَّةِ
(٧٩٥) السؤال: نقومُ بتَطْهِير الملابس والبَطَاطِين إذا كان بها نجاسةٌ بِوَضْعِها في الغَسَّالة وهي ناشفة، ثمَّ نقومُ بإخراجها من الغَسَّالة، ثمَّ بوَضْعِها في إناءٍ فيه ماءٌ ثمَّ عَصْرِها؛ فهل بهذا يَتِمُّ تطهيرُ الملابس ؟ وهل الماءُ الموجود في الغَسَّالة يَنْجُس، وبذلك يَنْجُس الشخص الذي يقوم على الغَسَّالة إذا سقطت عليه نُقْطةٌ من هذا الماء؟
الجواب: إذا كانت الملابس فيها نَجاسةٌ ذاتُ عَيْنٍ؛ يعني كالعَذِرَة مثلاً، أو دِماءٍ كثيرةٍ، فينبغي غَسْل هذه الأشياء قبل أن تُوضَع في الغَسَّالة مع الملابس
стр. 704
الأخرى، أمَّا أنَّه تُوضَع الملابس أو الفُرُش وفيها عَيْنُ النَّجاسَة، وتَنْتَقِل هذه العَيْن إلى الملابس النظيفة التي ليس فيها شيءٌ، فهذا لا ينبغي.
وأمَّا إذا كانت النَّجاسة كُلُّها على مستوى واحد؛ إمَّا ماء أو شَكْله، فإنَّ هذه إذا وُضِعَت في غَسَّالةٍ أو في إناءٍ كبيرٍ ثمَّ غُسِلَت، فعَلَى الذي يَغْسِلُها أن يكون بعيداً عنها، وغالباً الماء لا يكون كثيراً، ولا بُدَّ من غَسْلِها أكثر من مَرَّةٍ ما دام أنَّ فيها بَوْلاً أو فيها نَجاسَةً أخرى، لكن مُجرَّد قليلٍ من الماء لا يكفي، بل لا بُدَّ من غَسْلها مَرَّاتٍ كثيرةٍ، والأَوْلَى أن تُغْسَلَ المَرَّة الأُولَى أقساماً؛ جُزءًا جُزءًا، وهكذا، حتَّى تزول عنها النَّجاسة العَيْنِيَّة التي فيها، ثمَّ ما بقي إلَّا التنظيف التامُّ، وزيادة التنظيف والاحتياط هذا يكفي إذا جُمِعَت جميعاً، وفي الغَسْلَة الأُولَى ينبغي على الذي يَغْسِلها أن يكون بعيداً عنها؛ لأنَّه إذا خرج منها ماءٌ واختلط بالنَّجاسات أو الملاصقة لها، فلا بُدَّ أن يكون الماء مُلوَّثاً.
[ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (٣/ ٣٥١ - ٣٥٢)]
* * *
(٧٩٦) السؤال: إذا أَرَدتُ تنظيفَ البَطاطِين أَضَعُها في البانْيُو وأَغْمُرُها بماءٍ كثيرٍ، وأُكرِّر هذه العمليَّة مرَّتين، فهل تُصبحُ طاهرةً بذلك؟ وهل يكفي غَمْرُها مرَّة واحدةً؟ وهل الماءُ الموجودُ أوَّل مرَّة يكون مُتنَجِّساً ؟
الجواب: إذا كانت الثياب أو الفُرُش فيها نجاسات بَيِّنةٌ، فلا بُدَّ من إزالة النجاسات العَيْنِيَّة هذه عنها، ومحاولة مَسْحِها بقَدْر الإمكان، ثمَّ غَسْلها، وفي أوَّل مرَّة يكون الماء غير طاهرٍ، فإذا غُسِلَت أوَّل مَرَّة وثاني مَرَّة وزالت النَّجاسات عنها، يبقى الماء الثاني غير نَجِسٍ.
وأمَّا لو كانت الملابسُ ليس فيها
стр. 705
بَوْلٌ أو عَذِرَةٌ فإنَّ أَمْرَها سَهْلٌ، ولا يعتبر الماء نَجِساً، لكن إذا كانت فُرُشَ أطفالٍ، أو فُرُشَ أُناسٍ مَرْضى، وكان فيها نجاساتٌ كثيرةٌ ومُلوَّثةٌ، فلا بُدَّ منها، ولا بُدَّ من غَسْلِها أكثر من مَرَّة، وينبغي أن يُغْسَل كُلُّ واحدٍ لوَحْدِه، وما فيه نَجاسَةٌ لاصِقَةٌ به أو عالِقَةٌ به، لا بُدَّ من فَرْكِها وإزالتها.
[ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (٣/ ٣٥٢ - ٣٥٣)]
* * *
تَطْهِيرُ الثِّيَابِ النَّجِسَةِ بِالمَاءِ وَالصَّابُونِ
(٧٩٧) السؤال: إذا غَسَلْنا الثِّيابَ بالماء والصَّابون، وكانت فيها نَجاسَةٌ، هل يَصِحُّ الصَّلاة بها؟ وهل يكفي ذلك ؟
الجواب: غَسيلُ الثِّياب بالماء والصَّابون يُطهِّرها، بشَرْط أن تَزولَ عَيْنُ النَّجاسة؛ فإذا كانت النَّجاسة شيئاً جامِداً فلا بُدَّ من حَكِّه أوَّلًا بالماء، ثمَّ غَسْله بعد حَكِّه وإزالته؛ لأنَّه لا يُمكِن أن تَطْهُرَ الثِّياب وعَيْنُ النَّجاسةِ باقيةٌ فيها.
وإذا طَهُرَ الثَّوْب من أيِّ نَجاسَةٍ كانت، سواء كانت من البَوْل، أم الغائِط، أم دَمَ الحيض؛ فإنَّ الصَّلاة فيه تجوز، ولهذا عندما سُئِلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم عن المرأة إذا حاضَتْ وأصاب ثَوْبَها دَمُ الحيض، فقال: (تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ).
[فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (٣/ ٢٨٣)]
* * *
* وانظر: فتوى رقم (١١٩٤، ١١٩٥، ١١٩٦)
* * *
حُكْمُ الكَشْكِ (١)(٧٩٨) السؤال: الكَشْكُ الذي
стр. 706
يُعمَلُ هل هو نَجِسٌ أو طاهرٌ؟ فإنَّ بعضَهم قال: إنَّه نَجِسٌ؛ لأنَّه يتخَمَّر كالبُوظَة. وهل يقومُ جَفافُه مقام التّخلُّل في الخَمْر، أم مقام الخمْر المعقُودة؟
الجواب: الكَشْك طاهرٌ، ولا اعتبار بقول القائل المذكور؛ فإنَّه لو فُرِضَ أنَّه صار مُسْكِراً لكان طاهراً؛ لأنَّه ليس بمائعٍ.
[فتاوى الرملي (١/ ٦٧)]
* * *
أَثَرُ غَسْلِ المَائِعِ النَّجِسِ مِنْ طَعَامِ أَهْلِ الكِتَابِ
(٧٩٩) السؤال: إذا غَلَبَ على الظَّنِّ نَجاسَةُ مَائِعِهِم، فغَسَلَه بالماءِ مرَّاتٍ، يُفيدُهُ ذلكَ شيئاً أم لا ؟
الجواب: غَسْلُ الأَدْهان النَّجِسَة؛ كالزَّيْت والسَّمْن، فلا أثر له سوى تَنْجيس الماء الذي غُسِلَ به. ولو طَهُرَ ذلك -كما ذهب إليه بعض الناس- لما أَمَرَ رسولُ الله ﷺ بإراقة السَّمْن الذي وَقَعْت فيه الفَأْرَة، ولَأَمَر بغَسْلِه كما أَمَر بِدِباغ جِلْدِ المَيْتة.
ولو كانت [مالِيَّتُه] باقيةً لكان الأَمْرُ بإراقته كالأَمْر بإحْراق ثَوْبٍ تَنَجَّس، و [لما] أَمَر رسول الله ﷺ بالإراقة مع إفساد المال، وقد نَهَى عن إضاعة المال. والله أعلم.
[فتاوى العز ابن عبد السلام (ص ١٢٦، ١٢٩ - ١٣٠)]
* * *
تَناوُلُ الأَطْعِمَةِ التي يُظَنُّ أنَّها نَجِسَةٌ
(٨٠٠) السؤال: ما يقولُ في الأَطْبِخَة المَعمولَة في الأسواق؟ فالعادة أنَّ الهرَّاسَ يأتي باللَّحم فيُلْقيه في القِدْر من غير غسيل، وكذلك الشِّواء، أو لحم النَّقانِق، مع أنَّه يَعلَمُ في العادة أنَّ اللَّحم لا يَسْلَمُ من النَّجاسة عند الذَّبْح والمعاف اة؛ فما حُكْمُ الأَكْل من هذه الأشياء على هذا الوَصْف؟
стр. 707
الجواب: لا يَحرُم أَكْلُ النَّقانِق والشِّواء والهَرايِس بمُجرَّد ما ذُكِر؛ فإنَّ دَمَ الذَّكاة لا يتحقَّق له انصبابٌ عن مَحَلِّ الذَّكاة إلى سائر الجَسَد، ومَحَلُّ الذَّكاة واجبُ الغَسْل، ولم تَجْرِ العادةُ بأنَّه لا يُغسَل. وكذلك الغالبُ أنَّ نجاسة الدَّم لا يَتَعدَّى مكان الذَّكاة؛ لأنَّ العُروق تَمُجُّهُ مَجًّا قَويًّا، فلا ينعكس على المُذَكَّى إلَّا نادراً، ولا بأس بالتَّورُّع عند غَلَبَة الظَّنِّ وخروج الأمر عن الغالب في ذلك.
وما زال المسلمون يتعاطون ذلك من غير نكير على [الذَّابح والآكِل] والطَّابخ، ومَنْ عَلِمَ خلاف ما هو الغالب، فلْيفْعَلْ بمُقتضَى حُكْم مَنْ عَلِمَ بذلك، وقد بيَّنته.
[فتاوى العز ابن عبد السلام (ص ١٣٢، ١٣٧)]
* * *
شِراءُ اللَّحْمِ مِنَ الجَزَّارِ وطَبْخُهُ مِنْ غَيرِ غَسْلٍ
(٨٠١) السؤال: اللَّحمُ يُشترَى من السوق، ثُمَّ يُطبَخُ من غير غَسْلٍ، وقد عُرِفَ بالعادة أنَّ الجَزَّار إذا ذَبَح الشَّاة وسَلَخَها لا بُدَّ من نجاسة يديه، ولا بُدَّ أن يمَسَّ بهما اللَّحم؛ فهل يُحكَم بنَجاسَة المطبوخ أم لا ؟
الجواب: لا يُحكَمُ بنجاسةٍ، والوَرَعُ أن لا يُؤكَل حتَّى يُغْسَل.
[فتاوى العز ابن عبد السلام (ص ١٧٠، ١٧١)]
* * *
تَلَطُّخُ رَأْسِ الذَّبِيحَةِ بِالدَّمِ وشَوْطُه بِالنَّارِ
(٨٠٢) السؤال: الرَّأْسُ إذا تَلَطَّخَ بالدَّم حين الذَّبْح، ولم يُغْسَل حتَّى شُوِّطَ بنارٍ، هل يَحِلُّ أَكْلُه، أو يُرْمَى؟ وكيف يُصْنَع به إن وَقَع ؟
الجواب: الحمد لله، فالرَّأس إذا شُوِّطَ بدَمِهِ، نصَّ غيرُ واحدٍ على أنَّه لا يَقْبَلُ التَّطهير، وحَكَى ابنُ أبي دُلَف القَرَوي في (تعليقه على المُدَوَّنة) ثلاثة أقوال.
[نوازل باز النوازل للسجلماسي (٢/ ١٠٨٥ -
стр. 708
(١٠ ٨٦)]
* * *
(٨٠٣) السؤال: سُئِلَ سيدي محمَّد بن مَرْزوق عن مَذْبَح الشَّاة لا يُغْسَل ويُشْوَى الرَّأْس بدَمِهِ دون غسلٍ، هل هو نَجِسٌ ويَحْرُم أم لا ؟
الجواب: أمَّا الرأس الذي شُوِيَ ولم يُغْسَل، فيُغْسَل بعد الشَيِّ ويُؤْكَل، ويَضْعُف إجراء الخلاف فيه مِنَ الخلاف في طهارة الفخَّار وشِبْهِه من نَجِسٍ غوَّاص، كالخَمْر وشِبْهِه، وتَحَجُّر الخَمْر. والطهارةُ في الرأس أقوى؛ لوجوهٍ يَطُول ذِكْرُها. وأَكْل ما اختلط به يجري على هذا، وأَكْلُه أظهر وأقوى. وفتوى ابن رُشْدٍ في القَمْلَة تَقْرُب من هذا.
[المعيار المعرب للونشريسي (١/ ١١)]
* * *
(٨٠٤) السؤال: قد تعارفَ في بلادنا أنَّهم يشترون من الَقصَّاب رَأْسَ الشَّاة، وهو مُتلَطِّخٌ بدَمِهِ مع أَيْدِيها؛ فيَحْرِقونَه في النَّار، ويجعلونَهُ صافِياً، ثمَّ يتَّخِذون منه المَرَقَةَ ويأْكُلون؛ هل يجوزُ ؟
الجواب: قد سُئِلْتُ عنه، فقلتُ: نعم؛ لأنَّ الإحراق قد أزال ما عليه من النَّجاسة؛ فصار كالغَسْل، وقد صَرَّح به في (كنز الدقائق)، و (تنوير الأبصار)، و (جامع المُضْمَرات).
[فتاوى اللكنوي (ص ٣٧٧)]
* * *
كَيْفِيَّةُ تَطْهِيرِ اللَّحْمِ إِذَا تَنَجَّسَ
(٨٠٥) السؤال: اللَّحْمُ إذا تَنجَّسَ، كيف يُطَهَّر ؟
الجواب: يُغْلَى بالماء الطَّاهِر ثلاثاً، ويُبَرَّد في كُلِّ مرَّةٍ.
[الفتاوى الزينية لابن نجيم (ص ٣٥)]
* وانظر: فتوى رقم (٢٢١، ٢٢٢)
стр. 709
تَطْهِيرُ الحُبُوبِ الجَافَّةِ المُتَنَجِّسَةِ
(٨٠٦) السؤال: الشَّيءُ الجافُّ يُبَلُّ بماءٍ نَجِسٍ؛ كالفُول والشَّمَرِ (١)؛ فهل يتأتَّى تَطْهيرُه أم لا ؟
الجواب: أمَّا تنجيسُ الحبوب ونحوها؛ فقد ذَكَر بعضُ أصحابنا أنَّه يَطْهُر بأن يُنقَع في الماء.
والذي أراه أنَّه لا يَطْهُر؛ لأنَّ التَّنجيس يحصُل بأدنَى بَلَلٍ، ولا يحصُل التَّطهير إلَّا بإجراء الماء، أو مُلاقاة جَرْي الماء المشاهَد، وإذا غُسِلَ ظاهرُه طَهُرَ ظاهرُه دون باطِنِه.
[فتاوى العز ابن عبد السلام (ص ١٥٧، ١٥٨)]
* * *
عَظْمُ الفِيلِ نَجِسٌ أم طاهِرٌ ؟
(٨٠٧) السؤال: عَظْمُ الفِيلِ نَجِسٌ أم طاهِرٌ ؟
الجواب: رُوِيَ عن محمَّد أنَّه نَجِسٌ؛ لأنَّ الفيل لا [يُذكَّى]، فصار كالخنزير؛ فكما أنَّ عَظْمَ الخنزير نَجِسٌ، كذلك عَظْمُه.
وعن أبي يوسُف أنَّه طاهرٌ، وهو الأصحُّ؛ لما رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم: (اشْتَرَى سِوَاراً مِنْ عَاجٍ لِفَاطِمَةَ ﵂ من غير نكيرٍ ومُنْكِرٍ. كذا في (جامع المُضمَرات) عن (المحيط).
[فتاوى اللَّكنوي (ص ٩٦)]
* * *
المِسْكُ نَجِسٌ أم طاهِرٌ ؟
(٨٠٨) السؤال: المِسْكُ نَجِسٌ أم لا ؟
الجواب: لا، في (البناية): المِسْكُ حلالٌ للرَّجُل، وقد غَلِطَ مَنْ قال بنجاسته. انتهى.
وقال قاضي خان في (فتاواه): ولا
стр. 710
يُقال: إنَّ المِسْكَ دَمٌ؛ لأنَّها وإن كانت دَماً فقد تَغيَّرت فصارت طاهِراً؛ كرَمادِ العَذِرَة. انتهى.
[فتاوى اللَّكنوي (ص ٩٧)]
* * *
طَبْخُ الآجُرِ (١) المَعْجُونِ بِالنَّجِسِ وَالخَاتَمُ المَطْفِيُّ بِمَاءٍ نَجِسٍ
(٨٠٩) السؤال: الآجُرُ يُعْجَنُ بالنَّجِس ثمَّ يُطْبَخ، أو الخَاتَمُ يُطْفَى في ماءٍ نَجِسٍ ؟
الجواب: النَّجاسةُ فيه قائمةٌ، ولابِسُ الخاتَم حامِلٌ للنَّجاسَة.
[فتاوى ابن أبي زيد القيرواني (ص ٩٨ - ٩٩)]
* * *
السَّيْفُ أو السِّكِّينُ المَسْقِيِّ بِمَاءٍ نَجِسٍ وحُكْمُ مَا قُطِعَ بِهِ
(٨١٠) السؤال: لو سَقَى الحَدَّادُ سَيْفاً أو سِكِّيناً ماءً نَجِساً؛ هل يَطهُر بغَسْل ظاهِرِه أو لا؟ وهل يَتنجَّسُ ما قُطِعَ به أو لا ؟
الجواب: يَطهُر بغَسْل ظاهِره، ولا يحتاج إلى سَقْيِه ماءً طاهِراً، فلو قَطَع به قَبْل غَسْلِه شيئاً رَطْباً صار مُتنَجِّساً.
[فتاوى الرملي (١/ ١٥٩)]
* * *
التَّنُّورُ المَمْسُوحُ بِخِرْقَةٍ نَجِسَةٍ مُبْتَلَّةٍ
(٨١١) السؤال: تَعارفَ في أَمْصارِنا أنَّ الخَبَّازين يَمْسَحون التَّنُّور بخِرْقَةٍ مُبتلَّةٍ يُظَنُّ نَجاستُها، بل قد يُتيقَّن أنَّها نَجِسةٌ؛ فهل يتنجَّسُ الخُبْز أم لا ؟
الجواب: إنْ مُسِحَ التَّنُّورُ بخِرْقَةٍ نَجِسَةٍ ويَبِسَتِ النَّجاسة في النَّار، ولم تَبْقَ قبل إلْصاقِ الخُبز بالتَّنُّور لا يتنجَّس الخُبْز؛ لأنَّ النَّجاسة قد زالت بالإحراق، فكان كما إذا يَبِسَت الأرضُ النَّجَسُ بالشمس، فإنَّه يَطْهُر.
стр. 711
ألا ترى أنَّ رأسَ الشَّاة المُتلَطِّخ بالدَّم إذا أُحرِقَ معه يَطْهُر وتُؤكَل المَرَقَة التي منها. كذا في (فتاوى قاضي خان).
[فتاوى اللكنوي (ص ٩٧)]
* * *
إِطْعَامُ الطَّعامِ المُتنَجِّسِ لحيوانٍ مَأْكولِ اللَّحْمِ
(٨١٢) السؤال: تَنَجَّسَ الطَّعامُ، أو الخُبزُ؛ هل يَجوزُ أنْ يُطعِمَهُ الحيوانَ مَأْكولَ اللَّحْمِ ؟
الجواب: لا. في (القنية): (قع) -أي قاضي عبد الجبَّار-: إذا تنجَّسَ الخُبز لا يجوز أنْ يُطعَمَ الصَّغيرَ، أو المَعْتوهَ، أو الحيوانَ مَأْكولَ اللَّحمِ. انتهى.
[فتاوى اللكنوي (ص ٤٧٦)]
* * *
بَقَاءُ لَوْنِ النَّجَاسَةِ بَعْدَ غَسْلِهَا
(٨١٣) السؤال: مَنْ صَبَغَ رأسَهُ أو ثَوبَهُ أو لحيَتَهُ بنجاسةٍ مُغلَّظةٍ عالِماً بذلك، وغَسَلَهُ بالماء والتُّراب، وعَسُرَ إخراجُ لَوْنِ الصُّبْغِ؛ فهل يَطهُرُ أم لا ؟
الجواب: إنَّه يَطهُر إذا انفصل صُبْغُه عنه، ولم يَزِد وَزْنُه بعد غَسْلِه على وَزْنِه قبل صَبْغِه، وإن بَقِيَ لَوْنُه لعُسْر زَوالِه.
[فتاوى الرملي (١/ ١٥٨)]
* * *
نَجَاسَةُ الخمْر
(٨١٤) السؤال: هل الخَمْر نَجِسَةٌ؟ وما دليلُ نَجاسَتِها إن قلتم بها؟ فإنِّي لم أَرَ دليلاً شافياً بعد شِدَّة البحث .
الجواب: ذهب جمهور الفقهاء إلى نجاسة الخَمْر، وروي عن رَبيعَة شيخ الإمام مالكٍ القولُ بطَهارتِها، فأمَّا نَجاستُها المعنويَّة فلا شكَّ فيها، وأمَّا النَّجاسَة الحِسِّيَّة فلا تَصْدُق على الخَمْر لغةً؛ لأنَّها ليست قَذِرَةً، والنَّجِس ما كان شديد القَذارَة، ولا قام عليها دليلٌ من الكتاب ولا من
стр. 712
السُّنَّة، وقد شرحنا ذلك في المجلَّد الرابع من (المنار) (ص ٥٠٠ و ٨٢١ و ٨٦٦)؛ فليَرْجِع إليه السائل إن شاء.
وقد جَمَعَتْنا الأيَّام بعد كتابة ما كتبناه في ذلك المجلَّد بجماعةٍ من أكابر عُلماء الأزْهَر في قِطارٍ خاصٍّ من قطارات سِكَّة الحديد، كان يحملُنا إلى بلدة (ديروط) بدعوةِ قُطُب باشا قُرَشِي ﵀ للاحتفال بتأسيسه مسجداً ومدرسةً فيها، فدار الكلامُ بيننا في هذه المسألة، فقال أحد عُلماء المالكيَّة: إنَّه يريد أن يكتب رسالةً يُثبِتُ فيها نجاسة الخَمْر بالدليل، فتكون ردًّا على (المنار).
قلتُ له: إذا جئت بدليل صحيح يَقْبَلُه (المنار) ويَنْشُرُه في الأقطار، وإلَّا رُدَّ عليك ما تكتب، ويمكنك أن تذكر الآن ما عندك من الدَّليل.
قال: الإجماع.
قلتُ: لم ينقله أحدٌ، بل نقلوا عن الإمام ربيعة التصريح بطهارتها.
قال: آية المائدة.
قلتُ: إنَّ لفظ (رِجْس) محمولٌ فيها على الخَمْر والمَيْسِر والأنْصاب والأزْلام، ولم يقل أحدٌ من المسلمين بنجاسة المَيْسِر والأَنْصاب والأَزْلام، فتعيَّن أن يكون الرِّجسُ هو المستقبَحُ عَقْلاً وشَرْعاً لضَرَرِه، والرِّجْسُ يكون حِسِّيًّا؛ وهو ما يُدْرَكُ بأحد الحَواسِّ، ويكون مَعنويًّا وهو ما يُعرَف بالعَقْل والشَّرْع مُجتَمِعَيْن أو مُنْفَرِدَيْن؛ قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٠٠]، وقال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، وقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، ولا يمكن إرادة النَّجاسة الحِسِّيَّة بشيءٍ من ذلك.
ولمَّا لم يستطع الأستاذ المالكيُّ أن يقيم دليلاً، سأل أحدُ الحاضرين مفتي الدِّيار المِصريَّة -وكان يسمعُ المناظَرة- عن رأيه في المسألة.
فقال المفتي: ما مذهب الأستاذ؟
стр. 713
-يعني كاتب هذا-.
قيل له: شافعي.
فقال لي: ما المعتمدُ عند الشافعيَّة في المسألة؟
قلتُ: المعتمدُ أنَّ الخَمْر نَجِسَةٌ.
قال: انتهى الأمرُ.
قلت: لا، إنَّنا نبحث في الدليل على نَجاسَة الخَمْر، لا في نَصِّ المذهب. فإن كان لديك دليلٌ فاذْكُرْه لنا. فلم يأت بشيءٍ. ثمَّ سكت الشُّيوخُ وسَكَتْنَا.
[فتاوى محمد رشيد رضا (٤/ ١٢٥٣ - ١٢٥٤)]
* وانظر: فتوى رقم (٩٦٦، ٩٦٧، ٩٦٨، ٩٨٨، ١١٠٤)
* * *
وُقُوعُ الخَمْر عَلَى الثِّيَابِ
(٨١٥) السؤال: هل الخَمْر نَجِسٌ؟ وما حُكْمُه إذا وَقَع على الثَّوْب؟
الجواب: أخبر الله جلَّ وعلا أنَّه رِجْسٌ، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِ بُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، فعند أهل العِلْم أنَّ الخَمْر نَجِسٌ، فإذا وقع على الثَّوْب فلْيُغْسَل فهو نَجِسٌ، لكنَّه في الجَوْف أنْجَسُ إذا شَرِبَه الإنسان، ولا يُطَهِّرُه إلَّا التوبة والندم والإقلاع، فهو نَجِسٌ خبيثٌ إذا دخل البدن. وتعاطي الخَمْر -والعياذ بالله - والإدمان عليه لا يفعله إلَّا أُناسٌ قد سُلِبوا عُقولَهم، وابْتُلوا ببَلْوَى عظيمةٍ، نسأل الله العَفْو والعافية.
[ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (٣/ ٣٣٢)]
* * *
تَأْثِيرُ العَمَلِيَّاتِ الكِيمْيَائِيَّةِ الحَدِيثَةِ عَلَى نَجَاسَةِ الخَمْرِ
(٨١٦) السؤال: أثبتت بعضُ التجارب العِلْميَّة الحديثة أنَّ الخَمْر عند تحضيرها تمرُّ على عمليَّات كيميائيَّة تشبه
стр. 714
إلى حدٍّ كبير جدًّا العمليَّات الكيميائيَّة التي يمرُّ بها الطعام في الجهاز الهضمي إلى أن ينتهي بالفَضَلات (البُراز). ما رأي الشَّرْع إذن بعد هذه النتائج التحليليَّة في نَجاسَةِ الخَمْر؟
الجواب: جمهور الفُقهاء والمذاهب الأربعة متَّفِقةٌ على الحكم بنجاسة الخَمْر كالدَّم والبَوْل؛ لأنَّ القرآن وَصَفَها بأنَّها رِجْسٌ، وأَمَرَ باجتنابها، ومعنى الرِّجْس في اللُّغة: القَذَر، واستعمله القرآن فيما يجبُ الابتعادُ عنه بتاتاً، وهذا يوجب في نظرهم الحكم بنجاسة الخَمْر، والقَذارة فيها اعتباريَّة للتنفير.
وهناك من الفُقهاء والمجتهدين من يرى عدم نجاستها، بحُجَّة أنَّ الآية الكريمة لا تدلُّ على النجاسة؛ لأنَّ الأمر باجتنابها إنَّما يدلُّ على التحريم، ولا يلزم منه النَّجاسة، بدليل أنَّها قُرِنَت في الآية بالمَيْسِر والأَنْصاب والأَزْلام، ولم يَقُلْ أحدٌ منهم بنجاسة شيءٍ من هذه الأشياء، والمَيْسِر لَعِبٌ لا يقبل الحكم بنجاسةٍ ولا طهارةٍ وإن كان حَراماً، كما أوضحه الإمام النووي الشافعي في (المجموع ٢/ ٥٦٤).
أمَّا مراحل التفاعل الكيماوي التي يمرُّ بها العصير إلى أن يتَخَمَّر فلا عِبْرة له في قضية النجاسة والطهارة التي مصدرها النَّصُّ الشرعيُّ، ومهما كان هذا التفاعل فإنَّ التخمُّر في نهايته لا يشبه تحول بقايا الطعام إلى فَضَلات وبُراز.
[فتاوى مصطفى الزرقا (ص ١٠٠)]
* * *
حُكْمُ طَهَارَةِ مَا تَخَلَّلَ مِنَ الخَمْرِ
(٨١٧) السؤال: خَمْرٌ تَخَلَّلَ بنَفْسِه في آنيته التي جُعِلَ فيها، وهو يَبْلُغُ منها إلى النصف؛ فهل هذا الخَلُّ طاهرٌ أم لا؟ وهل ما عَلَا الخَلَّ مِنَ الخَابِيَة طاهرٌ أم لا ؟
الجواب: إنَّ الخَمْرَ التي تَخلَّلت تَطهُر
стр. 715
باتِّفاقٍ هي وما يُحاذيها من الآنية، ويجوز الانتفاع بخَلِّها، لكن يُثقَب أسفل الإناء ويُخرَج الخَلُّ منه، ولا يُخرَج من أعلاها؛ لأنَّه نَجِسٌ، فيَمُرُّ فيه بعضُ الخَلِّ ويَنحَدِر إلى الأسفل فيُنَجِّسه.
وأمَّا الشَّقَفُ (١) الأعلى؛ فإن كان مُزَجَّجاً (٢) فيُبالَغُ في غَسْلِه، وإن كان غير مُزَجَّج فلا يكفيه ذلك، بل إذا بُولِغَ في غَسْلِه جُعِلَ فيه الماءُ وتُرِكَ مدَّةً، ثُمَّ يُراقُ، ثُمَّ يُجعَل مَرَّةً أُخرى ويُترَك فيه مُدَّةً ويُراقُ، ولا يزال يفعل هكذا حتَّى يخرجَ الماءُ صافياً لا تغيُّر فيه، ويَطهُر على الراجح من الخلاف فيه.
[فتاوى ابن سراج الأندلسي (ص ٨٣)]
* وانظر: فتوى (٩٥٣، ٩٥٤)
* * *
تَطْهِيرُ أَوَانِي الخَمْرِ
(٨١٨) السؤال: (سُئِل) ﵀ في تَطْهير أواني الخَمْر، إذ قد اختَلَف العُلماء في ذلك على قولين ؟
الجواب: الأظهر من القولين صحَّة التطهير بالماء، ففي نحو المُزفَّت والمزجَّج يكفي إنْعامُ الغَسْل كسائر الأواني النَّجِسَة، وفيما يُرَى أنَّ الخَمْر غاصَت في جُرْمِه، بإلقاء الماء الحارِّ فيه -إن قُدِرَ-، أو البارد، ثمَّ يُتْرَك زماناً، ثمَّ يُفْرَغ، ثمَّ يُغْسَل، ثمَّ يُلْقَى فيه الماء مرَّةً أخرى ويُتْرَك زماناً، ثمَّ يُغْسَل، هكذا إلى أن يُجْعَل فيه الماء ويُتْرَك زماناً، ثمَّ يُخْتَبَر فلا يوجد فيه تغيير لونٍ ولا طَعْمٍ ولا رائحةٍ.
وما أشرتم إليه من الخِفَّة إذ لم يُقْصَد وضع الخَمْر في الإناء، وإنَّما وُضِعَ على غير هذا القَصْد فتخَمَّر، فلا تأثير له في تطهير الإناء بالماء أو عدم تطهيره؛ لأنَّ الخَمْر قد حصلت في الإناء فنَجَّسَتْه،
стр. 716
وإنَّما تُؤثِّر النيَّة في معنى آخر، وهو جواز تخليل الخَمْر أو عدم جوازه، حسبما بيَّنه الفقهاء. انتهى
[فتاوى الشاطبي (ص ١٢٤)]
* * *
(٨١٩) السؤال: آنيةُ الخَمْر هل تَطْهُرُ أم لا ؟
الجواب: إنْ كانت من حَديدٍ أو من نُحاسٍ أو من فَخَّار مُزجَّج، فإنَّها إذا غُسِلَتْ بالماء يُنتفَعُ بها في كلِّ شيءٍ مِنْ خَلٍّ وغيره، وأمَّا إنْ كانت مِنْ فَخَّار غير مُزجَّج فتُغسَل ويُنتفَع بها في اليابسات؛ يجعل فيها دقيقٌ أو قمحٌ أو غير ذلك. وأمَّا الأشياء المائعات من ماءٍ أو زيتٍ أو خَلٍّ فلا يُجعَلُ فيها حتَّى يُغلَى فيها الماء؛ فذلك تطهيرها، وأمَّا بمُجرَّد الماء مِنْ غير تَغْلِيَةٍ فلا. ويظهر -والله أعلم- أنَّه إذا أُوقِدَ النَّار وجُعِلَت عليه حتَّى حُمِّيَت، وانْحَلَّ كلُّ ما فيها من زِفْتٍ، واحترق حتَّى ذَهَبَ، وصُبَّ الماءُ فيها وهي مَحْمِيَّةٌ، أنَّ ذلك يقوم مقام تَغْلِيَة الماء فيها.
[فتاوى ابن سراج الأندلسي (ص ٨٤)]
* وانظر: فتوى رقم (٧٠٧)
* * *
تَطْهِيرُ الثَّوْبِ المُبَلَّلِ بِالخَمْرِ
(٨٢٠) السؤال: الثَّوبُ يُبَلُّ بالخَمْرِ كَمْ يُجَفَّفُ حتَّى لا يبقَى فيه إلَّا حُكْمُ الخَمْرِ؛ فهل يَطْهُرُ أم لا؟ وعن الفَخَّار الذي وُضِعَ فيه الخَمْرُ وغاصَ فيه، ثُمَّ جَفَّ بحيث لو بُلَّ لم يتحَلَّل منه ما يُسْكِر؛ فهل يَطْهُرُ أم لا؟ وإذا قُلتُ م بأنَّه يَطْهُرُ؛ فكيف هذا مع قول أهل المذهب أنَّ الفَخَّار الذي فيه النَّجِسُ لا يَطْهُرُ بحالٍ؟
الجواب: ذكر الإمام المَازِريُّ والقُرطبيُّ ومن وافقهما -كالشيخ خليل- أنَّ العِلَّةَ في نجاسة الخَمْر هي الشِّدَّة المُطْرِبَة، وأنَّ الحُكْم يَنعَدِم بانعدامها، وحينئذٍ فإذا أصاب الخَمْرُ
стр. 717
ثَوْباً وجَفَّ بحيث لم يَبْقَ إلَّا حُكْمُه، أو بقِيَ ما لو بُلَّ بالماء لم يتخَلَّل منه ما فيه الشِّدَّة المُطْرِبَة، فقد طَهُر.
ومن أنكر هذا فيقالُ له: إمَّا أن تُنكِر ما ذَكَرَه الأئمَّة المذكورون أو لا؛ فإن أنْكَرْته، فالكلام معك ساقِطٌ، وإن سلَّمت لَزِمَك أن تُسلِّم الطَّهارة، وإلَّا فأنت مُنْكِرٌ بديهي. انتهى.
وذلك لأنَّ المُقدِّمات صحيحة، فالنَّتيجة بديهيَّةٌ.
وصورة القياس: أن تقول في الخَمْر الذي في الثوب وجَفَّ بحيثُ لا يتخَلَّل منه ما يُسْكِر: هذه خَمْرَةٌ زالت منها عِلَّة الإسكار -أي الشِّدَّة المُطْرِبَة-، وكُلُّ خَمْرٍ زالت منها عِلَّة الإسكار فهي طاهرةٌ؛ فهذه الخَمْرَة طاهِرَةٌ.
أمَّا الصُّغْرى فظاهِرَةٌ؛ إذ هي المفروض، وأمَّا الكُبرى فدليلها كلام الأئمَّة المذكورين.
وكذلك يقال فيما غاصَ في الفَخَّار من الخَمْرِ وجَفَّ بحيث لم يبقَ إلَّا حُكْمُه، أو بقِيَ منه ما لا يتخَلَّل منه ما يُسْكِر. وهذا لا يخالف مسألة الفَخَّار الذي غاصت فيه النَّجاسة المشار إليها بقول الشيخ خليل: «وفَخَّارٌ بغوَّاصٍ»؛ إذ يجب تقييده بما دام الغوَّاصُ نَجِساً، والغوَّاصُ قد طَهُرَ في هذه الحالة؛ إذ هو خَمْرٌ تحَجَّرت، والخَمْر إذا تحَجَّرت طَهُرَت، سواء تحَجَّرت مستقِلَّةً أو في أعماق الفَخَّار.
وقول الشيخ خليل: «خَمْرٌ تَحَجَّر» صادقٌ بهما، ويدلُّ على أنَّه يجب تقييده بما ذكرناه: ما ذكروه في آنية الخَمْر إذا تخلَّل فيها الخَمْر؛ فإنَّها تَطْهُر بطهارة ما غاصَ فيها حقيقةً أو حُكْماً -كما أشاروا-. والله أعلم.
تتمة: تخليل الخَمْر لا يجوز على الرَّاجح، وقيل: مَكروهٌ. انتهى.
[الفتاوى الأجهوريَّة (١/ ٢٥ - ٢٦)]
стр. 718
الانْتِفَاعُ بِآنِيَةِ الخَمْرِ إِذَا تَخَلَّل الخَمْرُ فِيهَا
(٨٢١) السؤال: هل يجوزُ الانتفاع بآنيةِ الخمْرِ إذا تخلَّل الخَمْرُ فيها من غير صَنيعِ آدَمِيٍّ فيها أم لا ؟
الجواب: أمَّا ما يُحاذي الخَمْرَ من الشَّقَفِ فإنَّه يَطْهُر، وما يكون أعلى وكانت الخَمْر قد لاقَتْه؛ فإن كان مُزجَّجاً أو حديداً غُسِلَ غَسْلاً جيِّداً، ويُجعَلُ فيها الماء، ويَبقَى فيه مُدَّةً ويُراق، ثُمَّ يُعْمَل له ذلك مِراراً، فإذا ظَهَرَ أنَّه لا يَخرجُ في الماءِ أثرٌ، طَهُرَ.
[فتاوى ابن سراج الأندلسي (ص ٨٤ - ٨٥)]
* * *
(٨٢٢) السؤال: لو وُضِعَ خَمْرٌ في دَنٍّ، ثُمَّ نُزِع منه ولم يُغْسَل الدَّنُّ، ثُمَّ صُبَّ فيه خَمْرٌ آخَرُ ولم يَصِلْ إلى ما وَصَل إليه الأوَّلُ، ثُمَّ ارتفع بالغَلَيان حتَّى وَصَل إلى موضِع الأوَّل أو زاد، ثُمَّ تخلَّل بعد ذلك؛ هل يَطهُرُ بِدَنِّهِ أو لا؟
الجواب: تطهُرُ مع دَنِّها.
[فتاوى الرملي (١/ ١٨٩)]
* * *
مِنْ صُوَرِ تَطْهِيرِ الخَمْرِ بَعْدَ تَخَلُّلِهَا
(٨٢٣) السؤال: سُئِلَ عن الرَّجُل يَعْمَلُ الخلَّ، فإذا هو كان في أوَّل بدايته يَغْلِي ويَطْلُع في الوِعاء فإذا هو انْتَقَص، فإذا صار خَلًّا وطُلِبَ أن يَصُبَّ منه صاحبُه، وصار الخلُّ إلى مَوْضِع الغَلَيان أوَّلاً، هل يضرُّه هذا؟ أو كيف وَجْهُ العَمَل فيه إذا أراد أن يَصُبَّ؟
الجواب: إنَّ ما قُصِد به الخلُّ فالعَمَل في صَنْعَتِه من كَثْرَة الماء فيه غيرُ العَمَل فيما قُصِدَ به المُسْكِر، كذا سمعت.
وإنَّ ما قُصِدَ به الخلُّ وأصاب عامِلُه وَجْهَ الصَّنْعَة ليس بتَخَمُّرٍ ولا يكون مُسْكِراً، فإذا كان كذلك ثُمَّ قَصُر المكان الذي بلغ إليه الغَلَيان، لأنَّ الغَلَيان ليس هو الذي يُحرِّم
стр. 719
العصير، إنَّما يُحرِّمُه أن يكون مُسْكِراً، فإذا لم يَنْتَه إلى السُّكْر لم يَنْجُس، وقد قالوا في الخَمْر تتَخَلَّلُ في إنائها: يجوز أَكْلُها، ولم يَشترطوا ما سألتَ أنتَ عنه، وما ذلك إلَّا أنَّه إذا تَخَلَّلت تَخَلَّل كُلُّ ما عَلَقَ بالإناء منها؛ لأنَّها ما دامت في الإناء فما عَلَقَ في الإناء منها فهو تَخَلَّلَ معها. فافهم وجه الكلام، وبالله التوفيق.
[المعيار المعرب للونشريسي (٢/ ٣١)]
* * *
(٨٢٤) السؤال: إذا كان في إناءٍ خَمْرٌ، فأُدْخِلَ فيه شيءٌ حتَّى ارتفعت، ثُمَّ أُخرِجَ منها، وعادت كما كانت، ثُمَّ تخلَّلت؛ فهل يَطهُرُ في هذه الحالة، أو لا إلَّا إذا صُبَّ عليها خَمْرٌ، وارتفعت إلى الموضِع الأوَّل قبل الجفاف -كما حُكِيَ عن البغويِّ -، أو بعد الجفاف أيضاً -كما اقتضاهُ تعليلُهُم-؟ وهل هو المعتمَدُ أو لا؟
الجواب: المعتمدُ قولُ البغويِّ.
[فتاوى الرملي (١/ ١٩ ٨)]
* * *
(٨٢٥) السؤال: لو كان في إناءٍ خَمْرٌ فأُريقتْ منه، ثُمَّ صُبَّ فيه خمرٌ آخرُ قبل غَسْلِه، ثُمَّ نُقِلَتْ إلى آخرَ طاهرٍ، ثُمَّ تخلَّلت فيه؛ فهل يُحكَمُ بطهارتها، أو لا ؛ لمُلاقاتها المَحَلَّ المُتنجِّس بالخَمْر في الإناء الأوَّل؟ وهل يُفرَّقُ هنا بين ما إذا صُبَّ قبل الجفاف أو بعده، أو لا؟ وقد وقع في هذه المسألة نزاعٌ في مَلِيبار؛ فأفتَى بعضُهُم بتَنْجِيسها إنْ صُبَّ بعد الجفاف؛ قال: ونَظيرُه ما صرَّحوا به فيما لو أُدخِلَ في الخَمْر شيءٌ فارتفعت بسببه، ثُمَّ أُخرِجَ ذلك الشَّيءُ فنزلت إلى ما كانت عليه أوَّلًا؛ قال: وذلك لكونها مُتَّصلةً حال صَبِّها بنَجِسٍ جافٍّ لا ضَرورَةَ إلى اغْتِفارِه، خالطها ولم ينفصل عنها، فإنَّ ما خالط المائع لا يَنْفَكُّ عنه أبداً.
стр. 720
وأفتَى آخرُ بطهارتها؛ لعدم المُنَجِّس لها بنَقْلِها إلى إناءٍ آخرَ، وقال: إنَّما النَّظرُ في المُتنَجِّس باتِّصالها بالخَمْرِ الجافِّ، والطَّهارةُ حال الخَلِّيَّةِ لا في حال الخَمْريَّة، ولا يَضُرُّ مُلاقاةُ الخَمْرِ الجافِّ للخَمْرِ، وهل هذا الحُكْمُ كما لو أُلْقِيَ في الخَمْرِ مُتنجِّسٌ بغيرها، ثُمَّ أُخرِجَ منها قبل التَّخلُّل، ثُمَّ تخلَّلت؟ أو كما لو أُلقِيَ فيها عينٌ طاهرةٌ، ثُمَّ أُزيلَت عنها ثُمَّ تخلَّلت؟ وقد رأينا في بعض الحواشي ما يُفهَمُ منه طهارةُ الخَمْرِ بالتَّخلُّل في هذه المسألة؛ فقال بعد ذِكْرِ طهارة الخَمْرِ بالتَّخلُّل: ويَتْبَعُها في الطَّهارة دَنُّها للضَّرورة، وإنْ عَلَتْ إلى رأسِها. نقلهُ الشَّيخان عن القاضي حُسينٍ، والإيلاقي -بهمزةٍ مكسُورةٍ وقافٍ-، وأقَرَّاهُ، وبه جزم النَّوويُّ في (فتاويه)؛ فلو تنجَّس مُرتَفِعُها بفِعْلٍ لا يَطهُرُ المُرتفِعُ؛ إذ لا ضَرورة.
وكذا الخَمْرُ إذا تخلَّلت لاتِّصالها بالمُتنجِّس. نعم لو نَقَلَها قبل تَخلُّلها إلى آخر طَهُرت بالتَّخلُّل فيه وفاقاً؛ لعدم المُنجِّس لها، ولو غَمَرهُ بخَمْر أُخرى؛ قال البَغَوِيُّ: تطهُرُ بالتَّخلُّل؛ فإنَّ أجزاء الدَّنِّ المُلاقِيَةِ للخَلِّ لا خلاف في طهارتها تَبَعاً لهُ. ووافَقَه بعضُ المُتأخِّرين، إلَّا أنَّ البَغَويَّ قَيَّد التَّخَمُّرَ بما قبل الجفاف، وهم أَطلَقُوا على ما اقتَضاهُ تعليلُهُم، ونَقَلَهُ ابنُ الرِّفْعَةِ في (شرح الكفاية)، وصَوَّبَهُ في (المطلب). وعند غيرهم لا يطهُرُ مُطلَقاً؛ لاتِّصالها بنَجِسٍ لا ضَرورة إلى اغتفارِه. إلى هنا آخرُ ما رأينا مَنْقولاً، وذَكَر في آخِرِه أنَّه من (الخادم)؛ فهل هو لفظُ (الخادم)، أو حاصلُ ما فيه باختصارٍ وتغييرٍ للَفْظِه، أو لفظُ غيره من الكُتُب؟ وكيف أَمْرُ هذا النَّقْل؟ وهل يُفهَمُ من قوله: «نعم لو نَقَلَها» إلخ؛ أنَّ الدَّنَّ كان مُتنجِّساً بالخَمْر أو لا؛ فيُوافقُ كلامَ (الأنوار)، ولو نُقِلَت مِنْ دَنٍّ إلى آخر إلخ؟ وهل الذي ذَكَرَهُ بقوله، ونَقَلَهُ ابنُ الرِّفْعَةِ في (شرح الكفاية)،
стр. 721
وصوَّبهُ في (المطلب) ثابتٌ فيهما أو لا؟ وهل المرادُ بالاتِّصال الاتِّصال بما فوقها ممَّا جَفَّ من الخَمْر، أو يَشملُهُ وما كان داخلاً في موضع الخَمْرِ من الدَّنِّ؟ وكيف الحُكْمُ في ذلك؛ فبيِّنُوا لنا أَمْرَهُ بياناً شافياً؟
الجواب: المُعتمَدُ ما أفتى به الثَّاني من طهارتها؛ لمِا عَلَّل به. وليست هذه المسألةُ نظير ما لو أُلقِيَ في الخَمْرِ مُتنجِّسٌ بغيرها، ثُمَّ أُخرِجَ منها قبل التَّخلُّل؛ لتنجُّسِه في هذه بنجاسةٍ أجنبيَّةٍ، وإنَّما نظيرُها ما لو أُلقِيَتْ فيها عَيْنٌ طاهرةٌ، ثُمَّ أُزيلَتْ عنها، ثُمَّ تخلَّلت.
وما نَقَلَهُ عن (الخادم) صحيحٌ.
وشَمِلَ قولُهُ: «لو نَقَلَها» إلخ؛ ما لو كان دَنُّ خَمْرٍ قبل غَسْلِه. وما نَقَلَهُ عن (الكفاية) و (المطلب) ثابتٌ فيهما، وليس (للكفاية) لابن الرِّفْعَة فيما عَلِمْتُه شَرْحٌ؛ فالإضافةُ إليه بيانيَّةٌ، والاتِّصالُ شاملٌ لكُلِّ ما ذُكِرَ في السُّؤال.
[فتاوى الرملي (١/ ١٩٩ - ٢٠١)]
* * *
وُقُوعُ قَطْرَةِ خَمْرٍ فِي عَصِيرٍ فَانقَلَبَ خَمْراً ثُمَّ خَلاًّ
(٨٢٦) السؤال: إذا حَصَلَ في العصير قَطْرَةُ خَمْرٍ، ثُمَّ انقَلَبَ العَصيرُ خَمْراً، ثُمَّ خَلًّا؛ فهل يَطْهُرُ العَصيرُ لصَيْرورَة الجَميع خَمْراً، أو لا؛ لتَنَجُّسِه قبل اشْتِدادِه ؟
الجواب: يَطْهُر، ولا أَثَرَ للقَطْرَة بعد صَيْرورَتِه خَمْراً، ولأنَّه قد تَخَمَّر من الدَّنِّ جانبٌ قبل جانب، وكما حَكَمْنا أيضاً بطهارة أعلى الدَّنِّ للضرورة، فكذلك ها هنا، والله أعلم.
[المسائل الحموية (ص ١٠٦)]
стр. 722
مَوْتُ ضِفْدَعِ المَاءِ فِي عَصِيرِ عِنَبٍ
(٨٢٧) السؤال: إذا وَقَعَ ضِفْدَعُ ماءٍ في عصير عِنَبٍ ومات فيه؛ فهل يُنجِّسُه أو لا ؟
الجواب: حُكمُ سائر المائعات حُكمُ الماء في الأصحِّ؛ كما في (النَّهر) و (الدُّرِّ)، وموتُ الضِّفْدَع فيه لا يُنجِّسُه؛ كما في (الكنز) وغيره؛ فلا يَنْجُسُ العصيرُ.
وفي (الهداية): والضِّفْدعُ البَرِّيُّ والبَحْريُّ سواءٌ، وقيل: البَرِّيُّ يُفسِدُ؛ لوجود الدَّم، وعدم المَعْدن، وقيل: لا. قال الشَّارِحون: البَحْريُّ ما يكون بين أصابعه سُتْرةٌ. وصحَّح في (السِّرَاج) عدم الفَرْق بينهما، لكنَّ مَحَلَّهُ إذا لم يَكُن للبَرِّيِّ دَمٌ سائلٌ، فإن كان؛ يُفسِدُ على الصحيح. (بَحْرٌ) عن (شرح المُنية)، وتمامُ الفوائد فيه.
[تنقيح الفتاوى الحامدية (١/ ١٥)]
* * *
النَّشَادِرُ (١) هل هو طاهِرٌ أو نَجِسٌ ؟
(٨٢٨) السؤال: النَّشادِرُ هل هو طاهِرٌ ؟
الجواب: عبارةُ ابن حَجَرٍ في باب الوضوء في ذِكْرِ شُروطه: ولا يَضُرُّ اختلاطُ الخِضَابِ بالنَّشادِر، ولأنَّ الأصل فيه الطهارة؛ فقد أخبرني بعضُ الخُبراء أنَّه يُعْقَدُ من الهِبَاب (٢) من غير إيقادٍ عليه بالنَّجاسة، فغايته أنَّه نوعان، وعند الشَّكِّ لا نجاسة، على أنَّ الأوَّل منه [ما مادَّتُه] طاهرة، وهي التِّبْنُ ونحوه، ولا يضرُّ الوقودُ عليه بالنجاسة. انتهى باختصار، والله أعلم.
[فتاوى الخليلي (١/ ٩٢)]
* * *
стр. 723
الزُّجاجُ المَصنوعُ مِنَ القِلْي (١) المَنقوعِ بماءٍ نَجِسٍ
(٨٢٩) السؤال: إذا نُقِعَ القِلْيُ بماءٍ نَجِسٍ، وطُبِخَ بذلك الماء، واستُخرِجَ وعُمِل زُجاجاً؛ فهل يكون ذلك الزُّجاج نَجِسَ العَيْنِ ولا يَطْهُر بالغَسْل، أو يَطْهُر بالغَسْل؟ وهل يَطْهُر ظاهرُه وباطِنُه، أو ظاهِرُه فقط ؟
الجواب: نصَّ أئمَّتنا على السِّكِّين إذا سُقِيَتْ بماءٍ نَجِسٍ تَطْهُرُ بالغَسْل، مع أنَّا نقطعُ بدخول الماء النَّجِسِ باطِنَها، بدليل بَرْدِه بعد حرارة الباطن، وكذلك اللَّحمُ إذا طُبِخَ في الماء النَّجسِ يَطْهُرُ بِصَبِّ الماء عليه وإنْ لم يُعْصَرْ؛ فالظَّاهر أنَّ الزُّجاج هنا يَطْهُرُ بالغَسْلِ ظاهِراً وباطِناً؛ لأنَّ الماء النَّجِسَ رُطوباتٌ قد جَفَّتْ، ولا عَيْن للنَّجاسةِ موجودةٌ حتَّى يُحكَمَ عليه بالنَّجاسة، ولا يُحكَمُ بطهارته مثل تُرابِ المَقْبرة؛ لاختلاطِه بصديدِ ودَمِ المَوْتَى، على أنَّه لو ذهبَ ذاهبٌ إلى طهارته بالاستحالة -كما في الخَمْرِ خَلًّا، ودَمِ الظَّبْيَةِ مِسْكاً-، لم يكن بعيداً؛ لأنَّها إلى استحالةٍ لا إلى فسادٍ، بل لصلاحٍ، ولكن لم نَرَه، والله أعلم.
[فتاوى الخليلي (١/ ١٩٢)]
* * *
ثَوْبٌ أُصِيبَ بنِفْطٍ
(٨٣٠) السؤال: الثَّوبُ يُصِيبُه النِّفْطُ ؟
الجواب: ليس النَّفْطُ عندي بنَجِسٍ.
[مسائل الإمام أحمد برواية صالح (٢/ ١٨)]
* * *
أَكْلُ اللَّحْمِ إِذَا رُشَّ بِالخَمْرِ
(٨٣١) السؤال: شارِبُ الخَمْرِ إذا
стр. 724
مَرَّ بشَاةٍ أو بقَرةٍ قد ذَبَحَها صاحبُها، فَرَشَّ لحمَها بخَمْرٍ.
الجواب: يَنْجُسُ اللَّحمُ، وعليه غُرْمُ قيمَتِه.
قلت: أيَحرُمُ على الخَمَّارِ أَكْلُه إذا غَرُمَ قيمَتَه؟
قال: يُغسَل ويُؤكَل كما يُغْسَل من سائر النَّجاسات، وقيل: ليس الخَمْر كغيره من النَّجاسات، ولا تزول نَجاستُه بالغَسْل، ويُتْرك حَراماً، وقيل: يُتْرَك مَكروهاً من غير تَحريمٍ.
[فتاوى ابن سحنون (ص ٢٧١ - ٢٧٢)]
* * *
لَحمُ الشَّاةِ التي سُقِيتْ خَمْراً
(٨٣٢) السؤال: شاةٌ سُقِيَت الخَمْرَ فَذُبِحَت من ساعَتِه؛ هل يَحِلُّ أَكلُها ؟
الجواب: نعم، لكن يُكرَه، كما في (الدُّرِّ المختار) عن صيد (الوهبانيَّة).
[فتاوى اللكنوي (ص ٣٧٥ - ٣٧٦)]
* * *
سَقْيُ الفَرَسِ خَمْراً
(٨٣٣) السؤال: هل يجوزُ أنْ يُسْقَى الفَرَسُ خَمْراً ؟
الجواب: لا يجوز؛ في (مطالب المؤمنين): ولا يُسقَى الصَّبيُّ، والدَّابَّةُ، والذِّمِّيُّ خَمْراً، والإثم على من سقاهم. كذا في (جوامع الفقه). انتهى.
قلت: قد جَرتِ المذاكرةُ بين الأصحاب سنة اثنتين وثمانين بعد الألف والمئتين من هجرة رسول الثَّقَلَين صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ وسلَّم في هذا الباب؛ فقالوا: لا يُعلَمُ وَجْهُ حُرْمَةِ سَقي الخَمْرِ للدَّواب، فإنَّ العِلَّة المُحَرِّمة لسَقْي الخَمْر صِبيانَهُم أن لا يَعتادوه، وهو مفقودٌ في الدَّوابِّ.
وقد ظَفِرتُ بجوابه بفضل الله تعالى؛ وهو: أنَّ انتفاء العِلَّة لحُكْمٍ في بعض المواضع لا يقتضي انتفاءَه؛
стр. 725
لجواز أن تكون له عِلَّةٌ أُخرى؛ فالاعتيادُ وإن لم يكن مُحتمَلاً هاهنا، لكن استعمال الشيء النَّجِس موجودٌ هاهنا، وهو عِلَّةٌ لحُرمَةِ سَقْي الخَمْر فُرسانَهُم (١)؛ لأنَّ فيه استعمالاً بالخَمْرِ، ولا يجوزُ استعمالُه، على أنَّ لحُرمَةِ سَقْي الخَمْرِ الصِّبيانَ عِلَّتين: احتمالُ الاعتياد، واستعمالُ النَّجِسِ؛ ففقدان أحدهما غير مُسْتَوجِبٍ لفقدان الآخر، ألا ترى أنَّه يَحرُم إطعامُ المَيْتَةِ كَلْباً أو غيره من الدَّوابِّ؛ لأنَّ الله تعالى حَرَّمَ المَيْتَةَ واستعمالَها بجميع الوجوه؛ كما في (القُنْية) عن الإمام الرَّازي ﵀.
ثمَّ إن كان لا بُدَّ من سَقْي الخَمْر فَرَساً لا يُشْرِبُه، بل يَضَعُ الخَمْرَ بين يديه ليَشْرَبَه، كما أنَّه لا ينبغي أن يُؤكِّل المَيْتَة الكَلْب إلَّا أن يضع المَيْتَة بين يدي الكَلْب، فيأكُلَه بنَفْسِه؛ كما في (مطالب المؤمنين).
[فتاوى اللكنوي (ص ٤٧١ - ٤٧٢)]
* * *
الخُبْزُ الَّذِي عُجِنَ بالخَمْرِ
(٨٣٤) السؤال: هل يؤكَلُ الخُبْزُ الذي عُجِنَ عَجينُه بالخَمْرِ ؟
الجواب: يُكرَهُ تَحريماً؛ لقيام أجزاء الخَمْر فيه. كذا في أشربة (الهداية).
[فتاوى اللكنوي (ص ٣٧٣)]
* * *
الزَّيتُ النَّجِسُ إذَا جُعِلَ صَابُوناً
(٨٣٥) السؤال: الزَّيتُ النَّجِسُ إذا جُعِلَ صابوناً، هل يُحكَمُ بطهارته، أم لا ؟
الجواب: نعم يُحكَمُ بطهارَته.
[الفتاوى الزينية لابن نجيم (ص ٣٥)]
* * *
стр. 726
طَحْنُ الحِنْطَةِ وغَيْرِهَا بِالدَّوَابِّ
(٨٣٦) السؤال: هل يجوزُ طَحْنُ الحِنْطَة [وغيرها] بالدَّوابِّ ؟
الجواب: يُكره. كذا في (نصاب الاحتساب) عن (شِرْعَة الإسلام).
[فتاوى اللكنوي (ص ٤٦٩)]
* * *
حُكْمُ الدُّخَّانِ مِنْ حَيْثُ الطَّهَارَةُ وَالنَّجَاسَةُ
(٨٣٧) السؤال: هل الدُّخَّان نَجِسٌ ؟
الجواب: الدُّخان ليس بنَجِسٍ نجاسةً حِسَّيَّةً بلا ريب؛ لأنَّه نبات، وإنَّما كان حَراماً؛ لما يترتَّبُ عليه من الأضرار البَدَنيَّة والماليَّة والاجتماعيَّة، ولا يلزمُ من تحريم الشيء أن يكون نَجِساً، فهذا الخَمْر حَرامٌ بالكتاب والسُّنَّة وإجماع المسلمين، وليس بنَجِسٍ نجاسةً حِسِّيَّة على القول الراجح؛ ففي (صحيح مسلم) عن ابن عبَّاس ﵄ (أَنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ الله قَدْ حَرَّمَهَا؟ قَالَ: لَا. فَسَارَّ إِنْسَانًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بِمَ سَارَرْتَهُ؟ فَقَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا. فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا. قَالَ: فَفَتَحَ المَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا). اهـ. (ص ١٢٠٦ ط. الحلبي - تحقيق محمَّد فؤاد عبد الباقي).
وفي (صحيح البخاري - ص ١١٢ ج ٥ من الفتح، ط. السلفية) عن أنس: (أَنَّه كَانَ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، فَأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ، فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ). ولو كانت الخَمْر نَجِسَةً نجاسةً حِسِّيَّةً لأَمَرَ النبيُّ ﷺ صاحبَ الرَّاوِية أن يَغْسِلَها كما فعل النبيُّ ﷺ حين حُرِّمَت الحَمير عام خَيْبَر، فقال النبيُّ ﷺ : (أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوهَا، فَقَالَ: أَوْ
стр. 727
نُهْرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: أَوْ ذَاكَ).
ثمَّ لو كانت الخَمْر نَجِسَةً نجاسةً حِسِّيَّةً فإنَّ الدُّخَّان (التّتِن) (١) ليس بنَجِسٍ نجاسةً حِسِّيَّةً من باب أَوْلَى.
أمَّا تحريم التدخين؛ فإنَّ من قرأ ما كتبه العُلماء وقرَّره الأطبَّاء عنه لم يَشُكَّ في أنَّه حَرامٌ، وهو الذي نراه ونُفْتي به.
[مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (١١/ ٢٤٨ - ٢٤٩)]
* * *
حَقِيقَةُ نَجَاسَةِ الكَافِرِ وَالمُشْرِكِ
(٨٣٨) السؤال: ما هي حقيقةُ نَجاسَةِ المُشْرِك والكافِر؟ وهل معنى هذا أنَّه إذا مسَّ أحدُ المسلمين أحدَ المشركين أو الكُفَّار وهو على طهارةٍ أنَّ طهارَتَه قد انْتَقَضَت؟ أم أنَّ النجاسَةَ مَعْنويَّة وليست حِسِّيَّة ؟
الجواب: نجاسة المشركين، بل نجاسة جميع الكُفَّار نجاسةٌ معنويَّةٌ وليست نجاسةً حِسِّيَّةً؛ لقول النبيِّ ﷺ : (إِنَّ المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ).
ومعلومٌ أنَّ المؤمن يَنْجُسُ نجاسةً حِسِّيَّةً إذا أصابته النجاسة؛ فقولُه: (لا يَنْجُسُ) عُلِمَ أنَّ المرادَ نَفْيُ النجاسة المعنويَّة، وقال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. فأخبر الله تعالى أنَّهم (نَجَسٌ). وإذا قرَّرنا هذا بما ثبت في حديث أبي هريرة من أنَّ (المُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ)، عَلِمنا أنَّ المراد بنجاسة المشرك، وكذلك غيره من الكُفَّار نجاسة معنويَّة وليست حِسِّيَّة؛ ولهذا أباح الله لنا طعام الذين أوتوا الكتاب، مع أنَّهم يُباشرونه بأيديهم، وأباح لنا المُحْصَنات من الذين أوتوا الكتاب للزواج بهنَّ، مع أنَّ الإنسان سيباشرهنَّ، ولم يأْمُرْنا بغَسْل ما أصابته أيديهم.
وأمَّا قولُ السائل: إنَّه إذا مَسَّ
стр. 728
الكافر يقول: انتقض وضوؤه، فهذا وهمٌ منه؛ فإنَّ مسَّ النجاسة لا ينقض الوضوء، حتَّى لو كانت نجاسةً حِسِّيَّة؛ كالبَوْل، والعَذِرَة، والدَّم النَّجِس، وما أشبهها، فإنَّ مَسَّها لا ينقض الوضوء، وإنَّما يُوجِب غَسْل ما تلوَّث بالنجاسة فقط.
[فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (٣/ ٣١٨ - ٣١٩)]
* * *
ثانياً: الدم:
مَاهِيَّةُ الدَّمِ المَسْفُوحِ
(٨٣٩) السؤال: الدَّمُ المَسْفوحُ، هل هو الخارجُ عند الذَّبْح؟ وإذا كان كذلك، فما حُكْمُ الخارج بعد السَّلْخ حين تُعَلَّقُ الشَّاةُ ويَضْربُها الجَزَّار في لَبَّتِها؛ هل هو من المَسْفوح أم لا ؟
وما حُكْمُ الدَّم الخارج من مَيْتَة البَحْر بعد مَوْتِها؛ هل هو حُكْمُ لَحمِها؛ فيُقيَّدُ كلامُ «المُصَنِّف» في قوله: «ولو مِنْ سَمَكٍ» بأنَّه في حال الحياة؟
الجواب: الدَّمُ المَسْفوح هو الخارجُ عند التَّذكِيَة، وما يَخرجُ من الشَّاة ونحوه عند تعليقها وفَتْح لَبَّتِها منه. قال الشيخ العَلَّامَة محمَّد الحَطَّاب رحمه الله تعالى: ويُفْهَم من تفسيرهم الدَّمَ المَسْفوحَ بما يوجَدُ من الدَّم في باطن البهيمة عند شَقِّ جَوْفِها مَسْفوح، وإن لم أَرَ فيه نصًّا. انتهى. وفي كلام غيره ما يوافقه.
стр. 729
ودَمُ السَّمَك المُنفصِل عنه نَجِسٌ؛ سواءٌ انفصَلَ عنه في حال حياته أو بعد موته، وأمَّا ما دام به في مَحَلِّه فهو طاهرٌ، وكلام صاحب (المختصر) في قوله: «ولو مِنْ سَمَكٍ» على إطلاقِه، ولا تَخالُفَ بين هذا وبين قوله قَبْلَه: «إنَّ مَيتَةَ البَحْرِ طاهِرَةٌ»؛ لما عَلِمْتَهُ من أنَّ الدَّم الذي به لم ينْفَصِل عنه طاهرٌ، والله أعلم.
[الفتاوى الأجهورية (١/ ٢٨ - ٢٩)]
* * *
تَفْسِيرُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ... ﴾
(٨٤٠) قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، اشرحوا لي هذه الآية الكريمة، ولاسيَّما كلمة الدَّم، هل كان الناس يأْكُلُون الدَّم قبل نُزول هذه الآية؟
الجواب: نعم، كانت العرب تأْكُل الدَّم وتَشْرَب الدَّم، فإذا احتاجوا فَصَدُوا الإبل وشَرِبوا الدِّماء، فالله نهاهم عن هذا إذا كان مَسْفوحاً، وهو الذي يصبُّ من العُرُوق أو غير العُرُوق، أمَّا الدَّم الجامد كالكَبِد؛ فهذا لا بأس [به] إذا أَكَل الإنسانُ الكَبِد؛ لأنَّها ليست دَماً مَسْفوحاً، فلا حرج في ذلك، وكانوا في الجاهليَّة يأْكُلون الدَّم، ويَفْصِدون الحيوانات ويَشْربون من دمائها، فحَرَّم الله عليهم ذلك، وبيَّن سبحانه في الآية الأخرى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] يعني مُراقاً، فهذا هو وجه التحريم، الدَّم المُرَاق؛ لأنَّه سُنَّة في الجاهليَّة، ولأنَّ في ذلك ضرراً على شاربه.
والمَيْتَة معروفةٌ، ولحم الخنزير معروف، وما أُهلَّ به لغير الله: هو الذي يُذْبَح لغير الله؛ كالذَّبيحة تُذْبَح
стр. 730
للجِنِّ أو للأَصْنام أو للكَواكِب، هذه الذَّبيحةُ مُحرَّمة إذا ذُبِحَت لغير الله، فمن اضطرَّ إلى المَيْتَة أو غيرها فله الأَكْل من ذلك غير باغٍ ولا عادٍ، غير ظالمٍ ولا باغٍ على إخوانه المسلمين، فالباغي والعادي ... فيها أنواع؛ منها: البُغَاةُ يَخْرُجون على السُّلطان، فهم ظالمون بذلك، ومنها: المُتَعدِّي الذي يتَعَدَّى بأَكْلِه من المَيْتَة بغير ضرورة ولا حاجة، فلا يُسَمَّى مضطرًّا. وبعض أهل العِلْم ذَكَر في ذلك أَمْراً آخر؛ وهو أن يُسافِر سَفَراً يُعتَبَر مَعْصيةً، فيعتبر متعدِّياً أيضاً، وليس له رُخْصَة، ولكنَّ الأقرب -والله أعلم- بأنَّه مُقَيَّد بأن يكون أَكْلُه غير باغٍ ولا عادٍ، إنَّما ضرورةً، إذا كان للضرورة؛ يعني لا يجد شيئاً، أمَّا إذا تَعَدَّى؛ بأنْ أَكَل بغير ضرورة، أو تَعاطَى من المَيْتَة بغير ضرورة، فيُسَمَّى باغٍ، ويُسَمَّى عادٍ مُتعدٍّ لحدود الله ، أمَّا إذا اضطرَّ إلى ذلك بسبب سَفَر مَعْصيةٍ أو شِبْه ذلك ممَّا قد يُوقِعُه في الحاجة والضرورة إلى المَيْتَة، فهو داخلٌ في الآية الكريمة؛ لأنَّ الآية مُجْمَلة ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾؛ فالباغي هو الذي يتَعَدَّى الحدود ويَبْغِي على الناس، والعادي الذي -كذلك- يتعدَّى على الناس إمَّا بكونه يأْكُل بغير ضرورةٍ، أو يَبْغي على الناس ويتَعَدَّى عليهم بدون حقٍّ، ودون سببٍ شرعيٍّ، فهذا هو الذي يمتنع عليه هذه الأشياء، وإنَّما يكون مضطرًّا إذا كان لا يجد شيئاً حتَّى يخاف على نفسه، فيأْكُل من المَيْتَة، أو من الخنزير، أو ما أهلَّ به لغير الله، أو من الدَّم للضرورة التي وقع فيها، نسأل الله العافية.
[الفتاوى الصوتية للشيخ ابن باز (الموقع)]
* * *
أَقْوَالُ العُلَمَاءِ فِي نَجَاسَةِ الدَّمِ وَأَدَلَّتُهُمْ
(٨٤١) السؤال: ما رَأْيكُم في هذه الأقوال:
стр. 731
١ - أنَّ الدَّم المَسْفوح، هو الذي وقع فيه الخلاف، أمَّا غير المَسْفوح؛ كدَمِ الجُرُوح وسِوَاها، فلَمْ يَقُلْ أحدٌ بنَجاسَتِه؟
٢ - أنَّ المُحَدِّثين لم يشيروا أبداً إلى التحريم إلَّا للدَّم المَسْفوح، وكذلك أشار المُفسِّرون؟
٣ - أنَّه لا يوجد دليلٌ واحدٌ صحيحٌ يُفِيدُ بنَجاسَةِ الدَّم، إلَّا ما كان من إشارة بعض الفُقهاء، وهؤلاء لا دليل عندهم، وما دام الدليل لم يوجد، فالأصلُ طهارةُ الدَّم، فلا تَبْطُل صلاةُ من صلَّى وعلى ثَوْبِه بُقَعُ دَمٍ؟
الجواب: ما ذكرتم في رقم (١) فلو رَجَع القائلُ إلى كلام أهل العِلْم لوجد أنَّ الأمر على خلاف ما ذَكَر؛ فإنَّ الدَّم المَسْفوح لم نعلم قائلًا بطهارته، كيف وقد دلَّ القرآنُ على نجاستِه كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى، وقد نَقَل الاتِّفاق على نجاسته: ابن رُشْدٍ في (بداية المجتهد)، فقال (ص ٧٦، ط الحلبي): وأمَّا أنواع النَّجاسات فإنَّ العُلماء اتَّفقوا من أعيانها على أربعة، وذَكَر منها: الدَّم من الحيوان الذي ليس بمائيٍّ انفصل من الحيِّ أو الميِّت، إذا كان مَسْفوحاً، أي: كثيراً.
وقال في (ص ٧٩ منه): اتَّفق العُلماء على أنَّ دَم الحيوان البرِّيِّ نَجِسٌ. اهـ.
لكن تفسيره للمَسْفوح بالكثير مخالفٌ لظاهر اللَّفظ، ولما ذَكَرَه البَغَويُّ في (تفسيره) عن ابن عبَّاس ﵄: أنَّ ما خرج من الحيوان وهو حيٌّ، وما يخرج من الأَوْداج عند الذَّبْح؛ وذلك لأنَّ المَسْفوح هو المُرَاق السائل، لا يُقَيَّدُ كونه كثيراً. اللَّهمَّ إلَّا أن يُريدَ ابنُ رُشْدٍ بهذا القَيْد مَحلَّ الاتِّفاق؛ حيث عفا كثيرٌ من أهل العِلْم عن يسير الدَّم المَسْفوح، لكنِ العَافُون عنه لم يجعلوه طاهراً، وإنَّما أرادوا دَفْع المشقَّة بوجوب تطهير اليسير منه.
وقد نقل القُرطبيُّ في تفسيره
стр. 732
(ص ٢٢١ ج ٢، ط. دار الكتاب) اتِّفاق العُلماء على أنَّ الدَّم حَرامٌ نَجِسٌ. وقال النوويُّ في شرح المُهذَّب (ص ٥١١ ج ٢ ط. المطيعي): والدلائل على نجاسة الدَّم متظاهرةٌ، ولا أعلم فيه خلافاً عن أحدٍ من المسلمين، إلَّا ما حكاه صاحب (الحاوي) عن بعض المتكلِّمين أنَّه قال: طاهر اهـ.
والظاهر أنَّ الإطلاق في كَلامَي القُرطبيِّ والنوويِّ مُقيَّدٌ بالمَسْفوح. والله أعلم.
وأمَّا غير المَسْفوح الذي مثَّل له بدماء الجُروح وسِوَاها، وذَكَر أنَّه لم يَقُلْ أحدٌ بنجاسته، مع أنَّ قوله: «وسِواها» يشمل دَمَ الحَيْض الذي دلَّت السُّنَّة على نجاسته، كما سيأتي إن شاء الله. فلو رجع القائل إلى كلام أهل العِلْم لوجد أنَّ كلام أهل العِلْم صريحٌ في القول بنجاسته، أو ظاهرٌ.
قال الشافعي ﵀ في (الأُم) (ص ٦٧ ج ١، ط دار المعرفة) بعد ذِكْر حديث أسماء في دَم الحَيْض: وفي هذا دليلٌ على أنَّ دَم الحَيْض نَجِسٌ، وكذا كُلُّ دَمٍ غيره.
وفي (ص ٥٦ منه) مثَّل للنَّجِس بأمثلة منها: العَذِرَة والدَّم.
وفي (المدوَّنة) (ص ٣٨ ج ١ ط. دار الفكر) عن مالك ﵀ ما يدلُّ على نجاسة الدَّم من غير تفصيل.
ومذهب الإمام أحمد في ذلك معروفٌ، نقله عنه أصحابه.
وقال ابن حَزْم في (المحلَّى) (ص ١٠٢ ج ١، ط. المنيريَّة): وتطهيرُ دَم الحَيْض أو أيِّ دَمٍ كان، سواء دَمَ سَمَكٍ كان أو غيره، أو كان في الثَّوْب أو الجسد، فلا يكون إلَّا بالماء، حاشا دَم البراغيث ودَم الجسد، فلا يلزم تطهيرهما، إلَّا ما حرج في غَسْلِه على الإنسان، فيُطَهِّر المرءُ ذلك حسب ما لا مَشقَّة عليه فيه. اهـ.
وقال [في] (الفروع) -من كُتُب الحنابلة- (ص ٢٥٣ ج ١ ط. دار مصر
стр. 733
للطباعة): ويُعْفَى على الأصحِّ عن يسير دَمٍ، وما تَوَلَّد منه (و)، وقيل: من بَدَن. اهـ. والرمز بالواو في اصطلاحه إشارة إلى وفاق الأئمَّة الثلاثة، ومقتضى هذا أنَّ الدَّم نَجِسٌ عند الأئمَّة الأربعة؛ لأنَّ التعبير بالعَفْو عن يسيره يدلُّ على نجاسته.
وقال في (الكافي) -من كتب الحنابلة أيضاً- (ص ١١٠ ج ١ ط. المكتب الإسلامي): والدَّمُ نَجِسٌ؛ لقول النبيِّ ﷺ لأسماءَ في الدَّم: (اغْسِلِيهِ بِالمَاءِ). متَّفق عليه، ولأنَّه نَجِسٌ لعَيْنِه بنصِّ القرآن، أَشْبَه المَيْتةَ.
ثمَّ ذَكَر ما يستثنى منه، ونجاسة القَيْح والصَّديد، وقال: إلَّا أنَّ أحمد قال: هما أخفُّ حُكْماً من الدَّم؛ لوقوع الخلاف في نجاستهما، وعدم التصريح فيهما. اهـ.
وقوله: «لوقوع الخلاف في نجاستهما» ما يُفيدُ بأنَّ الدَّم لا خلاف في نجاسته.
وقال في (المهذَّب) -من كتب الشافعيَّة- (ص ٥١١ ج ٢ ط. المطيعي): وأمَّا الدَّم فنَجِسٌ. ثمَّ ذَكَر في دَم السَّمَك وجهين؛ أحدهما: نَجِسٌ كغيره، والثاني: طاهِرٌ.
وقال في (جواهر الإكليل) -من كتب المالكيَّة- (ص ٩ ج ١ ط. الحلبي) -في عدِّ النَّجاسات-: «ودَم مَسْفوح» أي: جارٍ بذكاةٍ أو فَصْدٍ. وفي (ص ١١ منه) -فيما يُعْفَى عنه من النجاسات-: «ودون دِرْهَمٍ من دَمٍ مُطْلقاً عن تقييده بكونه من بَدَن المُصلِّي أو غير حيضٍ وخنزير، أو في بَدَن أو ثَوْب أو مكان» اهـ.
وقال في (شرح مجمع الأنهر) -من كتب الحنفيَّة- (ص ٥١ - ٥٢ ج ١ ط. عثمانيَّة): وعُفِيَ قَدْر الدِّرْهم من نَجِسٍ مُغَلَّظٍ؛ كالدَّم والبَوْل. ثمَّ ذَكَر (ص ٥٣ منه) أنَّ دَم السَّمَك والبَقِّ والقَمْل والبرغوث والذُّباب طاهرٌ.
فهذه أقوال أهل العِلْم من أهل
стр. 734
المذاهب المتبوعة وغيرهم، صريحة في القول بنجاسة الدَّم، واستثناؤهم ما استثنوه دليلٌ على العموم فيما سواه، ولا يمكن إنكار أن يكون أحدٌ قال بنجاسةٍ بعد هذه الأقوال عن أهل العِلْم.
وأمَّا ما ذُكِر في رقم (٢)؛ فالكلام في نجاسة الدَّم لا في تحريمه، والتحريم لا يلزم منه التَّنْجيس؛ فهذا السُّمُّ حَرامٌ وليس بنَجِسٍ (فكلُّ نَجِسٍ مُحرَّم، وليس كُلُّ مُحرَّم نَجِساً)، فنَقْل الكلام من البحث في نجاسته إلى تحريمه غير جيِّد.
ثمَّ إنَّ التعبير بأنَّ ثبوت تحريمه كان بإشارةِ المُحَدِّثين والمُفسِّرين -مع أنَّه كان بنصِّ القرآن القَطْعيِّ- غير سديدٍ، فتحريم الدَّم المَسْفوح كان بنصِّ القرآن القطعيِّ المُجْمَع عليه، لا بإشارة المُحَدِّثين والمُفَسِّرين، كما يُعْلَم.
وأمَّا ما ذُكِرَ في رقم (٣)؛ فإنَّ سياق كلامكم يدلُّ على أنَّكم تقصدون بالدَّم المَسْفوحَ فقط، أو هو وغيره؛ لأنَّكم ذَكَرْتُم أنَّ غير المَسْفوح لم يَقُلْ أحدٌ بنجاسته، وأنَّ موضع الخلاف هو الدَّم المَسْفوح، ولو رجعتم إلى الكتاب والسُّنَّة لوجدتم فيهما ما يدلُّ على نجاسة الدَّم المَسْفوح، ودَمِ الحَيْض، ودَمِ الجُرْح.
فأمَّا نجاسة الدَّم المَسْفوح؛ ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ فإنَّ قوله: ﴿مُحَرَّمًا﴾ صفةٌ لموصوف محذوف، والتقدير: شيئاً مُحرَّماً، والضمير المستتر في ﴿يَكُونَ﴾ يعود على ذلك الشيء المُحرَّم؛ أي: إلَّا أن يكون ذلك الشيء المُحرَّم مَيْتةً. إلخ، والضمير البارز في قوله: ﴿فَإِنَّهُ﴾ يعود أيضاً على ذلك الشيء المُحرَّم؛ أي: فإنَّ ذلك الشيءَ المُحرَّم رِجْسٌ.
وعلى هذا؛ فيكون في الآية الكريمة
стр. 735
بيان الحُكْم وعِلَّتِه في هذه الأشياء الثلاثة: المَيْتَة، والدَّم المَسْفوح، ولحم الخنزير، ومن قَصَر الضمير في قوله: ﴿فَإِنَّهُ﴾ على لحم الخنزير مُعلِّلاً ذلك بأنَّه أقرب مذكورٍ، فقَصْرُه قاصِرٌ؛ وذلك لأنَّه يؤدِّي إلى تشتيت الضمائر، وإلى القصور في البيان القرآني؛ حيث يكون ذاكراً للجميع (الميتة، والدَّم المَسْفوح، ولحم الخنزير) حُكْماً واحداً، ثمَّ يُعلِّل لواحدٍ منها فقط.
وكذلك من قَصَره على لحم الخنزير معلِّلاً بأنَّه لو كان الضمير للثلاثة لقال: فإنَّها، أو فإنَّهن. فجوابه: أنَّا لا نقول إنَّ الضمير للثلاثة، بل هو عائد إلى الضمير المستتر في ﴿يَكُونَ﴾ المُخْبَر عنه بأحد الأمور الثلاثة.
ويدلُّ على أنَّ وَصْف الرِّجْس للثلاثة: ما دلَّت عليه السُّنَّة من نجاسة المَيْتَة؛ ففي السُّنن عن ميمونة ﵂ (أَنَّ النبي ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ يَجُرُّونَهَا، فَقَالَ: لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: يُطَهِّرُهَا المَاءُ وَالقَرَض) أخرجه النسائي وأبو داود، وأخرجا من حديث سَلَمَة بن المُحَبَّق أنَّ النبيَّ ﷺ قال في جلود الَميْتَة: (دِبَاغُهَا طَهُورُهَا). وعند النسائي: (دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا). وفي (صحيح مسلم) من حديث ابن عبَّاس ﵄ قال: وقد سُئِلَ عن أَسْقِية المَجُوس، سمعت النبيَّ ﷺ يقول: (دِبَاغُهُ طَهُورُهُ).
وبهذا تقرَّر دلالة القرآن على نجاسة الدَّم المَسْفوح.
وأمَّا نجاسة دَم الحَيْض؛ ففي الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لفاطمة بنت أبي حُبَيش: (إِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلِّي). هذا لفظ البخاري، وقد ترجم عليه باب غسل الدَّم.
وفيهما أيضاً من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ
стр. 736
الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ). هذا لفظ البخاري في رواية، وفي أخرى: (تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُضُهُ بِالمَاءِ وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ). وهو لمسلم بهذا اللفظ، لكن بـ (ثمَّ) في الجمل الثلاث كُلِّها، وكون النبيِّ ﷺ يُرتِّب الصلاة على غَسْلِه بـ (ثمَّ)، دليلٌ على أنَّ غَسْلَه لنجاسته، لا لأجل النظافة فقط.
وأمَّا نجاسة دم الجُرْح؛ ففي الصحيحين من حديث سَهْل بن سَعْد ﵁ في قصَّة جَرْح وَجْه النبيِّ ﷺ يوم أُحُد قال: (فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَغْسِلُ الدَّمَ، وَكَانَ عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالمِجَنِّ)، هذا لفظ مسلم. وهذا وإن كان قد يدَّعي مدَّعٍ أنَّ غَسْله للتنظيف لا للتطهير الشرعي، أو أنَّه مجرَّد فِعْل، و (الفِعْل المُجرَّد لا يدلُّ على الوجوب).
فإنَّ جوابه: أنَّ أَمْر النبيِّ ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبَيْش بغَسْل الدَّم قرينةٌ على أنَّ غَسْل الدَّم من وجه النبيِّ ﷺ كان تطهيراً شرعيًّا مُتقرِّراً عندهم.
وأمَّا ما ورد عن بعض الصحابة ممَّا يدلُّ ظاهره على أنَّه لا يجب غَسْل الدَّم والتطهير منه، فإنَّه على وجهين:
أحدهما: أن يكون يسيراً يُعفَى عنه؛ مثل ما يُروى عن أبي هريرة ﵁ أنَّه لا يرى بالقَطْرَتين من الدَّم في الصَّلاة بأساً، وأنَّه يُدْخِل أصابعه في أنفه فيخرج عليها الدَّم فيَحُتُّه، ثمَّ يقوم فيُصلِّي. ذَكَر ذلك عنه ابن أبي شَيْبَة في (مُصنَّفه).
الثاني: أن يكون كثيراً لا يمكن التَّحرُّز منه؛ مثل ما رواه مالك في (الموطَّأ) عن المِسْوَر بن مَخْرَمة، (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ حِينَ طُعِنَ صَلَّى وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَماً)، فإنَّ هذا لا يمكن التحرُّز منه؛ إذْ لو غُسِلَ لاستمرَّ يخرج، فلم يستفد شيئاً، وكذلك ثوبه لو غَيَّره بثوب آخر -إن كان له ثوبٌ آخر-
стр. 737
لتلوَّث الثوب الآخر، فلم يستفد من تغييره شيئاً، فإذا كان الوارد عن الصحابة لا يخرج عن هذين الوجهين، فإنَّه لا يمكن إثبات طهارة الدَّم بمثل ذلك، والذي يتبيَّن من النصوص فيما نراه في طهارة الدَّم ونجاسته ما يلي:
أ - الدَّم السائل من حيوانٍ مَيْتَتُه نَجِسَة، فهذا نَجِسٌ كما تدلُّ عليه الآية الكريمة.
ب - دَمُ الحَيْض. وهو نَجِسٌ كما يدلُّ عليه حَدِيثَا عائشة وأسماء ﵄.
جـ - الدَّم السائل من بني آدم. وظاهر النصوص وجوب تطهيره إلَّا ما يَشقُّ التحرُّز منه؛ كدَم الجُرْح المستمرِّ، وإن كان يمكن أن يُعارَض هذا الظاهر بما أشرنا إليه عند الكلام على غَسْل جُرْح النبيِّ ﷺ ، وبأنَّ أجزاء الآدمي إذا قُطِعَت كانت طاهرةً عند أكثر أهل العِلْم، فالدَّم من باب أَوْلَى، لكن الاحتياط التطهُّر منه؛ لظاهر النصوص، واتِّقاء الشُّبُهات التي من اتَّقاها اسْتَبْرأ لدِينِه وعِرْضِه.
د - دمُ السمك. وهو طاهرٌ؛ لأنَّه إذا كانت مَيْتَتُه طاهرةً كان ذلك دليلًا على طهارته؛ فإنَّ تحريم المَيْتَة من أجل بقاء الدَّم فيها، بدليل قول النبيِّ ﷺ : (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ). فجعل النبيُّ ﷺ سبب الحِلِّ أمرين:
أحدهما: إنْهَار الدَّم
الثاني: ذِكْر اسمِ الله تعالى.
الأوَّل حِسِّيٌّ، والثاني مَعْنويٌّ.
هـ- دَمُ الذُّباب والبَعُوض وشِبْهِه؛ لأنَّ مَيْتَته طاهرةٌ كما دلَّ عليه حديث أبي هريرة في الأمر بغَمْسِه إذا وَقَعَ في الشراب، ومن الشَّراب ما هو حارٌّ يموت به، وهذا دليلٌ على طهارة دَمِه؛ لما سبق من عِلَّة تحريم المَيْتَةِ.
و- الدَّم الباقي بعد خروج النَّفْس من حيوانٍ مُذَكًّى؛ لأنَّه كسائر أجزاء البهيمة، وأجزاؤها حلالٌ طاهرةٌ
стр. 738
بالتذكية الشرعيَّة، فكذلك الدَّم؛ كدَمِ القَلْب والكَبِد والطِّحال. هذا ما ظهر لنا، ونسأل الله تعالى أن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم.
[مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (١١/ ٢٦٠ - ٢٦٨)]
* وانظر: فتوى رقم (٢١٦، ١٠٧٥، ١٠٧٦)
* * *
إِصَابَةُ الثَّوْبِ بِدَمٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ وَالصَّلاةُ فِيهِ
(٨٤٢) السؤال: إذا وَقَعَ على ثَوْب الإحْرام دَمٌ قليلٌ أو كَثيرٌ؛ فهل يُصَلَّى فيه وعليه الدَّم ؟
الجواب: الدَّمُ إذا كان طاهراً فإنَّه لا يضرُّ إذا وقع على الإحْرام أو غيره من الثياب، والدَّمُ الطاهرُ من البهيمة هو الذي يبقى في اللَّحم والعُرُوق بعد ذَبْحِها؛ كدَمِ الكَبِدِ، ودَمِ القَلْب، ودَمِ الفَخِذ، ونحو ذلك، وأمَّا إذا كان الدَّم نَجِساً فإنَّه يُغْسَل، سواءٌ في ثوب الإحرام أم غيره، وذلك مثل الدَّم المَسْفوح؛ فلو ذَبَحَ شاةً -مثلاً- وأصابه من دَمِها فإنَّه يجب عليه أن يَغْسِل هذا الذي أصابه، سواءٌ وَقَع على ثوبه، أم على ثوب الإحرام، أم على بدنه، إلَّا أنَّ العُلماء ﵏ قالوا: يُعْفَى عن الدَّم اليسير؛ لمشقَّة التحرُّز منه.
[فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (٣/ ٣١٤ - ٣١٥)]
* * *
(٨٤٣) السؤال: إذا وَقَعَ من دَمِ الذَّبيحَةِ الخارج منها عند ذَبْحِها على الملابس شيءٌ، ثمَّ صَلَّى بعد ذلك؛ فهل صلاةُ المَرْءِ جائزةٌ؟ وما حُكْمُ هذا الدَّم من حيث النَّجاسَةِ ؟
الجواب: هذا الدَّم نَجِسٌ؛ لأنَّه دَمٌ مَسْفوحٌ، وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ
стр. 739
مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ فقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ يعود على المستثنى السابق، وهي ثلاثة أشياء: المَيْتَة، والدَّم المَسْفوح، ولحم الخنزير.
وعلى هذا؛ فالدَّم المَسْفوح الذي يخرج من الحيوان قبل خروج رُوحِه يكون نَجِساً، ويجبُ تطهير البَدَن والثوب منه، إلَّا أنَّ أهل العِلْم ﵏ استثنوا من ذلك الشيءَ اليسير؛ فقالوا: إنَّه يُعْفَى عنه لمشقَّة التحرُّز منه.
وعلى كُلِّ حالٍ، إذا صَلَّى الإنسان في ثوبٍ مُتلَطِّخ بالدَّم المَسْفوح على وجهٍ لا يُعْفَى عنه؛ فإن كان عَالِماً بهذا الدَّم وعالِماً بالحُكْم الشرعيِّ؛ وهو أنَّ صلاته لا تَصِحُّ، فإنَّ صلاته باطلةٌ، وعليه أن يعيدها، وإن كان جاهلاً بهذا الدَّم لم يَعْلَم به إلَّا بعد صلاته، أو عَلِم به ولكنَّه لم يَعْلَم أنَّه نَجِسٌ مُفْسِدٌ للصَّلاة، فإنَّ صلاته أيضاً صحيحة؛ وذلك لأنَّ (النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ خَلَعُوا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: مَا بَالُكُمْ أَلْقَيْتُمْ نِعَالَكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَراً. أَوْ قَالَ: أَذًى). فخلعهما النبيُّ ﵊ ولم يستأنف الصَّلاة؛ فدلَّ هذا على أنَّ من صلَّى بالنجاسة جاهلاً بها فإنَّه لا إعادة عليه، وكذلك من جَهِلَ حُكْمَها.
ومِثلُ الجَهْل النِّسيانُ أيضاً؛ فلو أصاب الإنسان نجاسةٌ على ثوبه أو بَدَنِه وصلَّى قبل أن يغسلها ناسياً، فإنَّ صلاته صحيحةٌ؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقال الله تعالى: (قَدْ فَعَلْتُ). ولكن نحن ننصح إخواننا المسلمين إذا أصابتهم نجاسةٌ على
стр. 740
ثيابهم أو أبدانهم أو مكان صلاتهم أن يُبادروا بتطهيرها؛ لأنَّ رسول الله ﷺ كان هذا هَدْيُه؛ فإنَّه (أُتِي بِصَبِىٍّ يُحَنِّكُهُ، فَبَالَ عَلَيْهِ، فَأَتْبَعَهُ المَاءَ). وكذلك لَمَّا (بَالَ الأَعْرَابيُّ فِي المَسْجِدِ فَأَمَر النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ)؛ فهذا دليل على أنَّ المرء ينبغي له أن يُطهِّر مكان صلاته وثيابه، وكذلك بدنه ممَّا أصابه من النجاسة فوراً؛ لئلَّا تبقى هذه الأشياء نَجِسَةً، ولأنَّه يُخشَى أن يَنْسَى فيصلِّي فيها.
فعلى كُلِّ حال؛ الذي ينبغي للمرء أن يُبادر بتطهير ثيابه وبدنه ومكان صلاته من النَّجاسة.
[فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (٣/ ٣١٥ - ١٧)]
* * *
(٨٤٤) السؤال: أنا أُصلِّي وعلى ملابسي بعضٌ من دَمِ المَوَاشي، وهذا بسبب ظروف العَمَل؛ فهل هذا يُبْطِل الصَّلاة ؟
الجواب: إذا كان هذا الدَّم من المواشي بعد الذَّبْح وخروج النَّفْس فإنَّه يكون طاهراً؛ لأنَّ الدَّم الذي يبقى في اللَّحم والعُرُوق بعد موت المُذَكَّاة طاهرٌ وحلالٌ.
وأمَّا إذا كان هذا الدَّم من البهيمة وهي حيَّةٌ، أو كان هو الدَّم المَسْفوح الذي يكون عند الذَّبْح، فإنَّه نَجِسٌ؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ ﴿فَإِنَّهُ﴾ أي: هذا الشيء؛ فالضمير عائد على الضمير المستتر في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾، وليس عائداً على قوله: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، بل هو عائد على المستثنى كُلِّه، وتقدير الآية: إلَّا أن يكون الشيء المُحرَّم الذي يَطْعَمُه مَيْتةً، أو دَماً مَسْفوحاً، أو لحم خنزير، فإنَّ ذلك الشيء يكون نَجِساً ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ أي: نَجِسٌ.