← Фатава

Фатава · id 635

موسوعة صناعة الحلال

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 187 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ). هذا لفظ البخاري في رواية، وفي أخرى: (تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُضُهُ بِالمَاءِ وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ). وهو لمسلم بهذا اللفظ، لكن بـ (ثمَّ) في الجمل الثلاث كُلِّها، وكون النبيِّ ﷺ يُرتِّب الصلاة على غَسْلِه بـ (ثمَّ)، دليلٌ على أنَّ غَسْلَه لنجاسته، لا لأجل النظافة فقط. وأمَّا نجاسة دم الجُرْح؛ ففي الصحيحين من حديث سَهْل بن سَعْد ﵁ في قصَّة جَرْح وَجْه النبيِّ ﷺ يوم أُحُد قال: (فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَغْسِلُ الدَّمَ، وَكَانَ عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالمِجَنِّ)، هذا لفظ مسلم. وهذا وإن كان قد يدَّعي مدَّعٍ أنَّ غَسْله للتنظيف لا للتطهير الشرعي، أو أنَّه مجرَّد فِعْل، و (الفِعْل المُجرَّد لا يدلُّ على الوجوب). فإنَّ جوابه: أنَّ أَمْر النبيِّ ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبَيْش بغَسْل الدَّم قرينةٌ على أنَّ غَسْل الدَّم من وجه النبيِّ ﷺ كان تطهيراً شرعيًّا مُتقرِّراً عندهم. وأمَّا ما ورد عن بعض الصحابة ممَّا يدلُّ ظاهره على أنَّه لا يجب غَسْل الدَّم والتطهير منه، فإنَّه على وجهين: أحدهما: أن يكون يسيراً يُعفَى عنه؛ مثل ما يُروى عن أبي هريرة ﵁ أنَّه لا يرى بالقَطْرَتين من الدَّم في الصَّلاة بأساً، وأنَّه يُدْخِل أصابعه في أنفه فيخرج عليها الدَّم فيَحُتُّه، ثمَّ يقوم فيُصلِّي. ذَكَر ذلك عنه ابن أبي شَيْبَة في (مُصنَّفه). الثاني: أن يكون كثيراً لا يمكن التَّحرُّز منه؛ مثل ما رواه مالك في (الموطَّأ) عن المِسْوَر بن مَخْرَمة، (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ حِينَ طُعِنَ صَلَّى وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَماً)، فإنَّ هذا لا يمكن التحرُّز منه؛ إذْ لو غُسِلَ لاستمرَّ يخرج، فلم يستفد شيئاً، وكذلك ثوبه لو غَيَّره بثوب آخر -إن كان له ثوبٌ آخر-

стр. 737

لتلوَّث الثوب الآخر، فلم يستفد من تغييره شيئاً، فإذا كان الوارد عن الصحابة لا يخرج عن هذين الوجهين، فإنَّه لا يمكن إثبات طهارة الدَّم بمثل ذلك، والذي يتبيَّن من النصوص فيما نراه في طهارة الدَّم ونجاسته ما يلي: أ - الدَّم السائل من حيوانٍ مَيْتَتُه نَجِسَة، فهذا نَجِسٌ كما تدلُّ عليه الآية الكريمة. ب - دَمُ الحَيْض. وهو نَجِسٌ كما يدلُّ عليه حَدِيثَا عائشة وأسماء ﵄. جـ - الدَّم السائل من بني آدم. وظاهر النصوص وجوب تطهيره إلَّا ما يَشقُّ التحرُّز منه؛ كدَم الجُرْح المستمرِّ، وإن كان يمكن أن يُعارَض هذا الظاهر بما أشرنا إليه عند الكلام على غَسْل جُرْح النبيِّ ﷺ ، وبأنَّ أجزاء الآدمي إذا قُطِعَت كانت طاهرةً عند أكثر أهل العِلْم، فالدَّم من باب أَوْلَى، لكن الاحتياط التطهُّر منه؛ لظاهر النصوص، واتِّقاء الشُّبُهات التي من اتَّقاها اسْتَبْرأ لدِينِه وعِرْضِه. د - دمُ السمك. وهو طاهرٌ؛ لأنَّه إذا كانت مَيْتَتُه طاهرةً كان ذلك دليلًا على طهارته؛ فإنَّ تحريم المَيْتَة من أجل بقاء الدَّم فيها، بدليل قول النبيِّ ﷺ : (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ). فجعل النبيُّ ﷺ سبب الحِلِّ أمرين: أحدهما: إنْهَار الدَّم الثاني: ذِكْر اسمِ الله تعالى. الأوَّل حِسِّيٌّ، والثاني مَعْنويٌّ. هـ- دَمُ الذُّباب والبَعُوض وشِبْهِه؛ لأنَّ مَيْتَته طاهرةٌ كما دلَّ عليه حديث أبي هريرة في الأمر بغَمْسِه إذا وَقَعَ في الشراب، ومن الشَّراب ما هو حارٌّ يموت به، وهذا دليلٌ على طهارة دَمِه؛ لما سبق من عِلَّة تحريم المَيْتَةِ. و- الدَّم الباقي بعد خروج النَّفْس من حيوانٍ مُذَكًّى؛ لأنَّه كسائر أجزاء البهيمة، وأجزاؤها حلالٌ طاهرةٌ

стр. 738

بالتذكية الشرعيَّة، فكذلك الدَّم؛ كدَمِ القَلْب والكَبِد والطِّحال. هذا ما ظهر لنا، ونسأل الله تعالى أن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم. [مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (١١/ ٢٦٠ - ٢٦٨)] * وانظر: فتوى رقم (٢١٦، ١٠٧٥، ١٠٧٦) * * * إِصَابَةُ الثَّوْبِ بِدَمٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ وَالصَّلاةُ فِيهِ (٨٤٢) السؤال: إذا وَقَعَ على ثَوْب الإحْرام دَمٌ قليلٌ أو كَثيرٌ؛ فهل يُصَلَّى فيه وعليه الدَّم ؟ الجواب: الدَّمُ إذا كان طاهراً فإنَّه لا يضرُّ إذا وقع على الإحْرام أو غيره من الثياب، والدَّمُ الطاهرُ من البهيمة هو الذي يبقى في اللَّحم والعُرُوق بعد ذَبْحِها؛ كدَمِ الكَبِدِ، ودَمِ القَلْب، ودَمِ الفَخِذ، ونحو ذلك، وأمَّا إذا كان الدَّم نَجِساً فإنَّه يُغْسَل، سواءٌ في ثوب الإحرام أم غيره، وذلك مثل الدَّم المَسْفوح؛ فلو ذَبَحَ شاةً -مثلاً- وأصابه من دَمِها فإنَّه يجب عليه أن يَغْسِل هذا الذي أصابه، سواءٌ وَقَع على ثوبه، أم على ثوب الإحرام، أم على بدنه، إلَّا أنَّ العُلماء ﵏ قالوا: يُعْفَى عن الدَّم اليسير؛ لمشقَّة التحرُّز منه. [فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (٣/ ٣١٤ - ٣١٥)] * * * (٨٤٣) السؤال: إذا وَقَعَ من دَمِ الذَّبيحَةِ الخارج منها عند ذَبْحِها على الملابس شيءٌ، ثمَّ صَلَّى بعد ذلك؛ فهل صلاةُ المَرْءِ جائزةٌ؟ وما حُكْمُ هذا الدَّم من حيث النَّجاسَةِ ؟ الجواب: هذا الدَّم نَجِسٌ؛ لأنَّه دَمٌ مَسْفوحٌ، وقد قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ

стр. 739

مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ فقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ يعود على المستثنى السابق، وهي ثلاثة أشياء: المَيْتَة، والدَّم المَسْفوح، ولحم الخنزير. وعلى هذا؛ فالدَّم المَسْفوح الذي يخرج من الحيوان قبل خروج رُوحِه يكون نَجِساً، ويجبُ تطهير البَدَن والثوب منه، إلَّا أنَّ أهل العِلْم ﵏ استثنوا من ذلك الشيءَ اليسير؛ فقالوا: إنَّه يُعْفَى عنه لمشقَّة التحرُّز منه. وعلى كُلِّ حالٍ، إذا صَلَّى الإنسان في ثوبٍ مُتلَطِّخ بالدَّم المَسْفوح على وجهٍ لا يُعْفَى عنه؛ فإن كان عَالِماً بهذا الدَّم وعالِماً بالحُكْم الشرعيِّ؛ وهو أنَّ صلاته لا تَصِحُّ، فإنَّ صلاته باطلةٌ، وعليه أن يعيدها، وإن كان جاهلاً بهذا الدَّم لم يَعْلَم به إلَّا بعد صلاته، أو عَلِم به ولكنَّه لم يَعْلَم أنَّه نَجِسٌ مُفْسِدٌ للصَّلاة، فإنَّ صلاته أيضاً صحيحة؛ وذلك لأنَّ (النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ خَلَعُوا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: مَا بَالُكُمْ أَلْقَيْتُمْ نِعَالَكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَراً. أَوْ قَالَ: أَذًى). فخلعهما النبيُّ ﵊ ولم يستأنف الصَّلاة؛ فدلَّ هذا على أنَّ من صلَّى بالنجاسة جاهلاً بها فإنَّه لا إعادة عليه، وكذلك من جَهِلَ حُكْمَها. ومِثلُ الجَهْل النِّسيانُ أيضاً؛ فلو أصاب الإنسان نجاسةٌ على ثوبه أو بَدَنِه وصلَّى قبل أن يغسلها ناسياً، فإنَّ صلاته صحيحةٌ؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقال الله تعالى: (قَدْ فَعَلْتُ). ولكن نحن ننصح إخواننا المسلمين إذا أصابتهم نجاسةٌ على

стр. 740

ثيابهم أو أبدانهم أو مكان صلاتهم أن يُبادروا بتطهيرها؛ لأنَّ رسول الله ﷺ كان هذا هَدْيُه؛ فإنَّه (أُتِي بِصَبِىٍّ يُحَنِّكُهُ، فَبَالَ عَلَيْهِ، فَأَتْبَعَهُ المَاءَ). وكذلك لَمَّا (بَالَ الأَعْرَابيُّ فِي المَسْجِدِ فَأَمَر النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ)؛ فهذا دليل على أنَّ المرء ينبغي له أن يُطهِّر مكان صلاته وثيابه، وكذلك بدنه ممَّا أصابه من النجاسة فوراً؛ لئلَّا تبقى هذه الأشياء نَجِسَةً، ولأنَّه يُخشَى أن يَنْسَى فيصلِّي فيها. فعلى كُلِّ حال؛ الذي ينبغي للمرء أن يُبادر بتطهير ثيابه وبدنه ومكان صلاته من النَّجاسة. [فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (٣/ ٣١٥ - ١٧)] * * * (٨٤٤) السؤال: أنا أُصلِّي وعلى ملابسي بعضٌ من دَمِ المَوَاشي، وهذا بسبب ظروف العَمَل؛ فهل هذا يُبْطِل الصَّلاة ؟ الجواب: إذا كان هذا الدَّم من المواشي بعد الذَّبْح وخروج النَّفْس فإنَّه يكون طاهراً؛ لأنَّ الدَّم الذي يبقى في اللَّحم والعُرُوق بعد موت المُذَكَّاة طاهرٌ وحلالٌ. وأمَّا إذا كان هذا الدَّم من البهيمة وهي حيَّةٌ، أو كان هو الدَّم المَسْفوح الذي يكون عند الذَّبْح، فإنَّه نَجِسٌ؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]؛ ﴿فَإِنَّهُ﴾ أي: هذا الشيء؛ فالضمير عائد على الضمير المستتر في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾، وليس عائداً على قوله: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾، بل هو عائد على المستثنى كُلِّه، وتقدير الآية: إلَّا أن يكون الشيء المُحرَّم الذي يَطْعَمُه مَيْتةً، أو دَماً مَسْفوحاً، أو لحم خنزير، فإنَّ ذلك الشيء يكون نَجِساً ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ أي: نَجِسٌ.

стр. 741

وعلى هذا نقول: إنَّ الدَّم الذي يخرج من البهيمة وهي حيَّةٌ، أو يخرج منها عند الذَّبْح دَمٌ نَجِسٌ، إلَّا أنَّ العُلماء ﵏ قالوا: إنَّه يُعفَى عن يسيره لمشقَّة التحرُّز منه. [فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (٣/ ٣١٧ - ٣١٨)] * * * دَمُ العُرُوقِ البَاقِي فِي الدَّجَاجِ بَعْدَ الذَّبْحِ (٨٤٥) السؤال: قيل لنا: جَعْلُ الدَّجاج بعد الذَّبْح في الماء الساخن بقَصْدِ نَزْع الرِّيش قبل غَسْل الدَّم الباقي في العُنُق بالماء البارد يُحرِّم أَكْلَه بعد الطَّبْخ؛ لأنَّ الدَّم تَسَرَّب بالحرارة داخل الجسم، ما قولكم في ذلك ؟ الجواب: الدَّم غير المَسْفوح هو الباقي في العُرُوق، والشريعة جاءت برَفْع الحَرَج، كما أنَّ الدَّم المُحرَّم مُقيَّدٌ بالمَسْفوح؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ الأنعام: ١٤٥، فلا حَرَجَ في تناول الدَّجاج بعد الذَّبْح، وإن جُعِلَ في ماءٍ حارٍّ بعد الذَّبْح. وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم. [فتاوى اللجنة الدائمة (رقم ٨٨٦٨)] * * * جَرَيانُ دَمٍ يَسيرٍ مِنَ العُروقِ الدَّقيقَةِ في اللَّحْمِ (٨٤٦) السؤال: سُئِل عِزُّ الدِّين عن اللَّحم إذا شُرِّحَ بعد الذَّبح فانقطع منه عِرْقٌ دقيقٌ، وجَرَى منه دَمٌ يَسيرٌ . الجوابُ: لا بأس بالدَّم الخارج من العُرُوق الدِّقاق، وهو طاهرٌ حلالٌ. قلتُ: هو معنى قول ابن الحاجِب: والدُّم المَسْفوح نَجِسٌ وغير طاهرٍ. وقيل: قولان كَأَكْلِه. والصَّحيح طهارتُه وأَكْلُه.

стр. 742

[مختصر فتاوى البرزلي (ص ٣٧)] * * * الدَّمُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الذَّبِيحَةِ عِنْدَ سَلْخِهَا (٨٤٧) السؤال: إذا ذَبَحَ إنسانٌ ذَبيحَةً وعَلَّقها، فأصابَه منها دَمٌ عند السَّلْخ؛ فهل في ذلك شيءٌ أم لا ؟ الجواب: الدَّم النَّجِسُ هو ما خرج من عُرُوق الرَّقَبَة عند الذَّبْح، فهذا الدَّم نَجِسٌ، أمَّا إذا كان من دَمِ العُرُوق فهذا يُؤْكَل ولا شيء فيه. [ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (٣/ ٣٣٦)] * * * طَهَارَةُ الكَبِدِ وَالطِّحَالِ قَبْلَ الغَسْلِ (٨٤٨) السؤال: الكَبِدُ والطِّحالُ هل هما طاهِران قَبْل الغَسْل ؟ الجواب: نعم؛ حتَّى لو طَلَى بهما وَجْه الخُفِّ وصَلَّى به تَجوز صلاتُه؛ كما في (الخانيَّة)، وهما حَلالان؛ لقوله ﵊، (أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَان: السَّمَكُ وَالجَرَادُ، وَدَمَانِ: الكَبِدُ وَالطِّحَالُ) -وهو بكَسْر الطَّاء-. والمَكروه تحريماً من الشَّاة سَبْعٌ: الفَرْج، والخُصْيَة، والغُدَّة، والدَّم المَسْفوح، والمَرارَة، والمَثانَة، والذَّكَر. ونَظَمَها بعضُهم بقوله: إِذَا مَا ذُكِّيَتْ شَاةٌ فَكُلْهَا سِوَى ... سَبْعٍ فَفِيهِنَّ الوَبَالُ فَفَاءٌ ثُمَّ خَاءٌ ثُمَّ غَيْنٌ وَدَالٌ ... ثُمَّ مِيمَانِ وَذَالٌ أقولُ: وكنتُ جَمَعتُها في حُرُوف كلمتين، ونَظَمْتُها بقولي: إِنَّ الَّذِي مِنَ المُذَكَّاةِ رُمِي ... يَجْمَعُهُ حُرُوفُ فَخِذٍ مُدْغَمِ [تنقيح الفتاوى الحامدية (١/ ١٨، ٦/ ٣٦٦)] * * * الدَّمُ المُحْتَقَنُ فِي قَلْبِ الذَّبِيحَةِ (٨٤٩) السؤال: هل دَمُ القَلْب المُحْتَقَنُ فيه نَجِسٌ ؟

стр. 743

الجواب: النَّجس إنَّما هو الدَّم المَسْفوح الخارج من مَحلِّ مَذْبَح الذَّبيحَة، فأمَّا الذي يبقى في العُرُوق، أو اللَّحم، أو القَلْب، ولو كَثُرَ وتكاثف، فهو طاهرٌ غير نَجِسٍ، ولا فَرْق في بَقاء الدَّم في مَقَرِّه أو أَخْذِه وانْفِصالِه، فالحُكْم واحدٌ. [الفتاوى السعديَّة (ص ١٣٣)] * * * (٨٥٠) السؤال: إذا شُقَّ قَلْبُ البَعِير، وسَقَطَ الدَّمُ منه على شيءٍ؛ فهل هو نَجِسٌ يُغْسَل، أم طاهرٌ يُباح ؟ الجواب: بل هو طاهرٌ يُباحُ أَكْلُه، وهو داخلٌ في قَوْل الأصحاب: إنَّ الدَّم الذي يَبْقَى في اللحم والعُرُوق من الذَّبيحَة بعد الدَّم المَسْفوح طاهرٌ، فيدخل في ذلك دَمُ القَلْب ولو تكاثر، فيُباحُ أَكْلُه، وهو طاهرٌ قَوْلاً واحداً في المذهب. [الفتاوى السعديَّة (ص ١٣٣)] * وانظر: فتوى رقم (١٤) * * * دَمُ السَّمَكِ مِنْ حَيْثُ الطَّهَارَةُ وَالنَّجَاسَةُ (٨٥١) السؤال: هل دَمُ السَّمَك نَجِسٌ ؟ الجواب: قال الإمام أبو إسحاق الشيرازي الشافعي في (المُهَذَّب ١/ ٩٢): «وأمَّا الدَّمُ فنَجِسٌ؛ لحديث عمَّار ﵁، وفي دَم السَّمَك وجهان؛ أحدهما: نَجِسٌ كغيره. والثاني: طاهرٌ؛ لأنَّه ليس بأكثر من المَيْتةِ، ومَيْتةُ السَّمَك طاهرةٌ، فكذا دَمُه» اهـ. قال الإمام النووي شارحاً عليه في (المجموع ٢/ ٥٥٧): «وأمَّا الوجهان في دَم السَّمَك فمشهوران، ونَقَلَهُما الأصحاب أيضاً في دَم الجَرَاد، ونَقَلَهُما الرَّافِعيُّ في الدَّم المُتَحَلِّب من الكَبِد والطِّحال، والأصحُّ في الجميع النَّجاسة. وممَّن قال بنجاسة دَم

стр. 744

السَّمَك مالك وأحمد وداود، وقال أبو حنيفة طاهر» اهـ. وقال العلَّامة ابن عابدين الحنفي في حاشية رَدِّ المُحتار (١/ ٣٢٢): «والمذهبُ أنَّ دَمَ السَّمَك طاهرٌ؛ لأنَّه دم صورة لا حقيقة» اهـ. وعليه؛ فيجوز الأخذ بمذهب الحنفيَّة، وهو مقابل الأصحِّ عند الشافعيَّة أنَّه طاهرٌ، فيُعْفَى عنه في الثوب والبدن للحاجة، خاصَّةً لمن شقَّ عليه الاحتراز منه؛ كالذي يعمل سَمَّاكاً، أو رَبَّةُ البيت التي يَشقُّ عليها تغيير ملابسها، فلهؤلاء تقليدُ القول القائل بطهارة دَمِ السَّمَك، ولا حَرَج عليهم في ذلك شرعاً. والله وأعلم. [موقع دار الإفتاء المصرية (رقم ٢٦٣٤)] * * * (٨٥٢) السؤال: ما يَخْرجُ من السَّمَك -كالدَّم- ماذا حُكْمُه ؟ الجواب: طاهرٌ؛ لأنَّه ليس بدَمٍ حقيقةً. كذا في (السِّرَاجيَّة)؛ فإنَّ الدَّمَ إذا أُلقِيَ في الشَّمس يَسْوَدُّ، ودَمُ السَّمَك يَبْيَضُّ. [فتاوى اللَّكنوي (ص ٩٤)] * وانظر: فتوى رقم (١٢٠، ١٢١، ١٢٢) * * * دَمُ الوَزَغِ (٨٥٣) السؤال: دَمُ الوَزَغ هل هو طاهرٌ أم نَجِسٌ ؟ الجواب: هو نَجِسٌ، والله أعلم. [فتاوى ابن نجيم (ص ٥)] * وانظر: فتوى رقم (٦٥، ٢٠٠) * * * الدَّمُ الخَارِجُ مِنَ الإِنْسَانِ (٨٥٤) السؤال: بما أنَّ أصل الإنسان لحمٌ ودَمٌ وعَظْمٌ طاهرٌ، وأنَّ المسلم لا ينْجُسُ، وما دام أنَّ هناك من الصحابة

стр. 745

رضي الله عنهم مَنْ كان يصلِّي رغم الدِّماء والجِراحات التي تُصيبُهم، فما سَنَدُ القائلين بأنَّ دم الإنسان نَجِسٌ وناقضٌ للوضوء؟ وما الرَّاجِحُ من أقوال أهل العِلْم في ذلك؟ الجواب: المسلمُ لا ينْجُسُ، وهو طاهرٌ حيًّا ومَيِّتاً، ولكن هذا لا يُستَدَلُّ به على طهارة ما خَرَج منه وهو حيٌّ، وما خرج منه بعد موته من فَضَلات، كالدَّم أو القَيْح أو الصَّديد، والنبيُّ ﷺ ثبت عنه في أكثر من حديث أنَّه أَمَرَ الحَائِضَ أَنْ تَغْسِلَ دَمَ الحَيْضِ، وَأَنْ تَفْرُكَهُ وَتَقْرُصَهُ وَتَنْضَحَهُ بِالمَاءِ، ثمَّ إذا لم يَبْقَ إلَّا أثرُه، لا يضرُّ، ولو غيَّرته المرأة بصُفْرة أو بشيءٍ آخر لكان حَسَناً، فهذا دَمٌ خارج من إنسانٍ مؤمنٍ مُسلمٍ، وهو دَمُ حَيْضٍ أو نَفاسٍ، فلماذا يأمرُ النبيُّ ﷺ في أحاديث صحيحة بغَسْل الثوب وغَسْل الدَّم وفَرْكِه أيضاً؟ وقد أرشد إلى أنَّه لو غُيِّر بشيءٍ من الصُّفْرةِ إن لم يذهب أثرُه لم يضرَّ. والمقصودُ أنَّ الدَّم نَجِسٌ، ونجاسةُ الدَّم مُجْمعٌ عليها، ذكر ذلك النوويُّ في (المجموع). إنَّما إذا كان الدَّم قليلاً، أو كانت حالة ضرورة، فهذا شيء آخر، ولا يعني أنَّ الدَّم ليس بنَجِسٍ، ولكنَّه يُعْفَى عن القليل واليسير، وعمَّا يَشُقُّ التحرُّز منه، وتُقَدَّرُ حالة الضرورة وحالة العُسْر. وهناك كثيرٌ من الفَضَلات تخرجُ من الإنسان، وهي نَجِسَةٌ، وإن كان الإنسان طاهراً لا ينْجُسُ، إلَّا أنَّ هذه الفَضَلات نَجِسَةٌ، وهي خارجةٌ من بَدَنِه. وأمَّا ما أشار إليه من أنَّ بعض الصحابة ﵃ كانوا يُصلُّون وعليهم الدَّم في الجِرَاحات، فهذا عند العُلَماء محمولٌ على أنَّه يَسيرٌ وفي حالة ضرورةٍ، ويُعْفَى عن اليسير وفي حالة الضرورة عمَّا لا يُعْفَى في حال اليُسْر

стр. 746

والرَّخاء، والعُلماء يختلفون في حَدِّ القليل وحَدِّ الكثير، ولهم كلامٌ في هذا الأمر. [ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (٣/ ٣٣٤ - ٣٣٥)] * * * نَقْلُ الدَّمِ مِنْ إِنْسَانٍ إِلَى آخَرَ (٨٥٥) السؤال: حُكْمُ الشَّرْع فيما يتعلَّق بنَقْل الدَّم من إنسانٍ إلى آخر . الجواب: إنَّه إذا توقَّف شفاء المريض أو الجريح وإنقاذ حياته أو سلامة عضوٍ من أعضائه على نَقْل الدَّم إليه من شخصٍ آخر، وذلك بأن لا يوجد من المباح ما يقوم مقامه في شفائه وإنقاذ حياته، جاز نَقْل الدَّم إليه؛ لأنَّ الضرورة تقضي بنَقْل الدَّم لإنقاذ حياة المريض، أو سلامة عضوٍ من أعضائه؛ لقوله تعالى في آخر آية ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. أمَّا إذا لم يتوقَّف أصلُ الشفاء على ذلك، ولكن يتوقَّف عليه تعجيل الشفاء، فإنَّ ذلك جائزٌ أيضاً عند بعض الحنفيَّة، ونرى الأخذ به. وبهذا عُلِمَ الجواب عن السؤال. والله أعلم. [الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية (٧/ ٢٤٩٥)] * * * تَوْصِيَاتُ النَّدْوَةِ الفِقْهِيَّةِ الطَّبِّيَّةِ التَّاسِعَةِ بِشَأْنِ بلَازْمَا الدَّمِ (٨٥٦) «أمَّا بلازما الدَّم التي تُعتبر بديلًا رخيصاً لزُلال البَيْض، وقد تُستخدَم في الفطائر، والحساء، والعصائد (١) (بودينغ)، والخبز، ومُشتقَّات الأَلْبان، وأدوية الأطفال

стр. 747

وأغذيتهم، والتي قد تُضاف إلى الدَّقيق. فقد رأت النَّدْوة أنَّها مادَّةٌ مُبايِنَةٌ للدَّم في الاسم والخصائص والصِّفات، فليس لها حُكْم الدَّم، وإنْ رأى بعضُ الحاضرين خلاف ذلك». [مجلة مجمع الفقه الإسلامي (١٠/ ١٤٣١)] * * * ثالثاً: الجلود: ضَابِطُ اسْتِخْدَامِ جُلُودِ الحَيْوَانَاتِ (٨٥٧) السؤال: ما هو الضَّابطُ في استخدام الجُلُود؟ سواء كانت مَأْكولَة اللَّحم أو غير مَأْكولَة اللَّحم، وسواء كانت مَدْبوغَةً أو غير مَدْبوغَةٍ . الجواب: أمَّا جُلود ما يَحِلُّ بالذَّكاة فإنَّها طاهرةٌ؛ لأنَّها صارت طيِّبةً بالذَّكاة؛ كجُلود الإبل والبقر والغَنَم والظِّباء والأرانب وغيرها، سواء دُبِغَت أم لم تُدْبَغ. وأمَّا جُلود غير المأكول؛ كجلود الكِلَاب والذِّئاب والأُسُود والفِيَلَة وما أشبهها، فإنَّها نَجِسَةٌ، سواء ذُبِحَت أو ماتت أو قُتِلَت؛ لأنَّه وإنْ ذُبِحَت لا تَحِلُّ، ولا تكون طيِّبةً، فهي نَجِسَةٌ، وسواء دُبِغَت أم لم تُدْبَغ على القول الرَّاجح؛ لأنَّ القول الرَّاجح: أنَّ الجلود النَّجِسَة لا تَطْهُر بالدِّباغ إذا كانت من حيوانٍ لا يَحِلُّ بالذَّكاة.

стр. 748

أمَّا جُلود ما يموت قبل أن يُذَكَّى ممَّا يُؤكَل لحمُه فإنَّها إذا دُبِغَت صارت طاهرةً، وقَبْل الدَّبْغ هي نَجِسَةٌ، فصارت الجلود الآن على ثلاثة أقسام: القسم الأوَّل: طاهرٌ، دُبِغَ أم لم يُدْبَغ، وهو جلود الحيوان المذكَّى إذا كان يُؤكَل. القسم الثاني: جلودٌ لا تَطْهُر لا بعد الدَّبْغ، ولا قبل الدَّبْغ، فهي نَجِسَةٌ، وهي جلود ما لا يُؤكَل لحمُه. القسم الثالث: جلودٌ تَطْهُر بعد الدَّبْغ ولا تَطْهُر قَبْلَه، وهي جلود ما يُؤكَل لحمُه إذا ماتت بغير ذكاةٍ. [لقاءات الباب المفتوح - ابن عثيمين (رقم ٥٢)] * انظر: فتوى رقم (١٤٥) * * * المُنْتَجَاتُ الجِلْدِيَّةُ المَصْنُوعَةُ مِنْ جِلْدِ الخِنْزِيرِ (٨٥٨) السؤال: يقومُ بعضُ التُّجَّار المَحَلِّيين باستيراد أحذيةٍ ومنتجاتٍ جِلْديَّة أخرى من دولٍ أجنبيَّةٍ مختلفةٍ، يتمُّ صُنْعُ تلك المُنْتجاتِ من جِلْد الخنزير، ويتمُّ بيعُها في السُّوق المَحَلِّي ؛ لذلك يُرْجَى معرفةُ الحُكْم الشرعيِّ بخصوص استيراد تلك المُنتجاتِ وبَيْعِها ولُبْسِها. الجواب: اختلف الفقهاء في طهارة جِلْد الخنزير بالدِّباغة، فيرى جمهور الفقهاء أنَّه لا يَطْهُر بها، ويرى بعض الفقهاء أنَّه يَطْهُر، إلَّا أنَّ اللَّجنة تُرجِّح رأي الجمهور. وعليه؛ فلا يجوز استيراد واستعمال المنتجات الجِلْديَّة المُسْتَفْتَى عنها. والله أعلم. [الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (٢/ ١٤)] * * * الانْتِفَاعُ بِجِلْدِ الخِنْزِيرِ والمَيْتَةِ (٨٥٩) السؤال: جِلْدُ الخِنزيرِ هل يُنتَفَعُ به أم لا ؟

стр. 749

الجواب: أمَّا على حُكْم القُرْآن لا يَحرُم؛ لأنَّ الله تعالى لم يُحَرِّم إلَّا لَحمَه، وقال ابن القاسم: لا يُنتفَع به، وكَرِهَه. قلتُ: هل عَلِمْتَ أحداً من العُلماء كَرِهَه غيرُه أم لا؟ قال: لا. قلتُ: فجلودُ المَيتَة ما تَرَى في بَيْعِها والصَّلاة عليها؟ قال: أمَّا ابن القاسم فلا يرى بيعَها، ولا الصَّلاةَ عليها بصوابٍ، وإن دُبِغَت. وأمَّا ابن وَهْبٍ وَأَشْهَبُ فلا يَرَيان في بيعها والصَّلاة عليها بأساً إن دُبغَت حتَّى تَطِيبَ. [فتاوى ابن سحنون (ص ٣٥٦ - ٣٥٧)] * * * المَعَاطِفُ المَصْنُوعَةُ مِنْ جِلْدِ الخِنْزِيرِ (٨٦٠) السؤال: تعرَّضنا في الآونة الأخيرة إلى نقاشٍ حادٍّ في قضية لُبْس المعاطف الجِلْديَّة . ومن الإخوان من يرى أنَّ هذه المعاطف تُصْنَع عادةً من جلود الخنازير. وإذا كانت كذلك فما رأيكم في لُبْسِها؟ وهل يجوز لنا ذلك دينيًّا؟ عِلْماً أنَّ بعض الكتب الدِّينيَّة كـ (الحلال والحرام) للقرضاوي، و (الدين على المذاهب الأربعة) قد تطرَّقا إلى هذه القضية، إلَّا أنَّ إشارتهما كانت عَرَضيَّة إلى المشكلة، ولم يوضِّحا ذلك بجلاء. الجواب: قد ثبت عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (إِذَا دُبِغَ الجِلْدُ فَقَدْ طَهُرَ)، وقال: (دِبَاغُ جُلُودِ المَيْتَةِ طُهُورُهَا)، واختلف العُلماء في ذلك، هل يَعمُّ هذا الحديث جميع الجلود، أم يختصُّ بجلود المَيْتة التي تَحِلُّ بالذكاة، ولا شكَّ أنَّ ما دُبِغ من جلود المَيْتةِ التي تحل بالذكاة؛ كالإبل والبقر والغنم طَهورٌ يجوز استعماله في كُلِّ شيءٍ في أصحِّ أقوال أهل العِلْم. أمَّا جِلْد الخنزير والكَلْب ونحوهما ممَّا لا يَحِلُّ بالذَّكاة ففي طهارته بالدِّباغ خلافٌ بين أهل العِلْم؛ والأحوط

стр. 750

تَرْك استعماله؛ عَملاً بقول النبيِّ ﷺ : (وَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ)، وقَوْله ﵊: (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكُ). [مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (٦/ ٣٥٤)] * وانظر: فتوى رقم (١٠٥٤) * * * الانْتِفَاعُ بِجُلُودِ المَيتَةِ إِذَا دُبِغَتْ (٨٦١) السؤال: قلتُ: فهل يجوزُ بَيْعُ جُلودِ المَيتَةِ إذا دُبِغَتْ ؟ الجواب: قال مالكٌ: لا تُباع جُلودُ المَيتَة دُبِغَت أو لم تُدْبَغ، ولا تُباع على حالٍ. قال: قال مالكٌ: ولا يُصَلَّى على جُلود المَيتَة ولا تُلْبس. قال مالكٌ: والاسْتِقاء في جُلود المَيتَة إذا دُبِغَت في نفسي منه شيءٌ، ولست أُشَدِّد فيه على غيري، ولكنِّي أتَّقيه في نفسي خاصَّةً ولا أُحَرِّمُه على النَّاس، ولا بأس بالجلوس عليها، ويُغَرْبَل عليها، فهذا وجه الانتفاع بها، فهذا الذي جاء فيه الحديث عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: (أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِجُلُودِهَا). [المدوّنة الكبرى (٤/ ٤٣ ٨)] * * * (٨٦٢) السؤال: جُلودُ المَيتَةِ إذا دُبِغَتْ ؟ الجواب: لا يُعجِبُني، وأذهبُ فيه إلى حديث عبد الله بن عُكَيم. [مسائل الإمام أحمد برواية صالح (٢/ ٣١٤)] * * * (٨٦٣) السؤال: [هل يُنْتَفَعُ بجِلْدِ المَيتَةِ إذا دُبِغتْ ؟] الجواب: أذهبُ إلى حديث ابن عُكَيْمٍ: (جَاءَنَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ: أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ)، وحديث ابن عبَّاسٍ قد اختُلِفَ فيه؛ قال الزُّهريُّ

стр. 751

عن عبيدِ الله عن ابنِ عبَّاس عن مَيمُونَة، ولم يَذْكُر فيه الدِّباغ. وذَكَر ابنُ عُيَيْنَة الدِّباغ، ولم يَذْكُرْه مَعْمَر، ولا مالكٌ، وَأَرَاه وَهِمَ. قال مَعْمَر: وقال الزُّهريُّ: يُنْتَفَعُ بِالجِلْد وإن لم يُدْبَغ؛ لقوله: (أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا). قال أبي: حدَّثناهُ عبدُ الرَّزَّاق عن مَعْمَرٍ. قال أبي: وحديثُ زَيْد بن أَسْلَم عن ابن وَعْلَة عن ابن عبَّاس، سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقول: (أَيَّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ). قال أبي: وقال إسماعيلُ بن أبي خالدٍ: عن الشَّعْبيِّ عن عِكْرِمَةَ. وأنا أذهب إلى حديث ابن عُكَيْمٍ. [مسائل الإمام أحمد برواية عبد الله (١/ ٣٦ - ٤٢)] * * * (٨٦٤) السؤال: قُلتُ لأحمدَ: الصَّلاةُ في الكَيْمَخْت (١)؟ الجواب: الكيمختُ مَيتَةٌ، لا يُصلَّى فيه. قُلتُ: يكونُ بقَدْر نَعْلِ السَّيف في السَّيف؟ قال: لا يُعجبُني أنْ يُصلَّى في شيءٍ من المَيتَة. قُلتُ لأحمد: كُلُّ شيءٍ لا تُذكِّيه الشَّفْرةُ لا يُذكِّيه الدّباغُ؟ قال: لا. سمعتُ أحمدَ سُئل عن الصَّلاة في الثَّعالِب؟ قال: لا يُعجبُني. [مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٦١)] * * *

стр. 752

الانْتِفَاعُ بِجُلُودِ مَيْتَةِ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ بَعْد الدِّبَاغِ (٨٦٥) السؤال: [ما حُكْم الصَّلَاة في جُلُود المَيْتَة من بهيمة الأنعام إذا دُبغَتْ ؟] الجواب: قال إسحاق [الكوسج]: وأمَّا الصلاة في جُلود المَيتَة إذا دُبِغَت وكانت إبِلاً أو بَقَراً أو غَنَماً، أو كُلَّ ما يُؤكَل لَحمُه؛ فإنَّ الصَّلاة ماضيةٌ، لا يُشْبِهُ ذلك جُلود السِّباع. وفسَّر ابن المبارك -رحمه الله تعالى- قول النَّبيِّ ﷺ : (أَيَّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ) على ما العَمَل عند القوم -يعني أهل المدينة-، وهم لا يستعملون الأُهُبَ إلَّا ما يأكُلون لُحومَها. قال النَّضْرُ بن شُمَيْلٍ: قول النَّبيِّ ﷺ : (أَيَّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ)؛ فإنَّما يُقال الأُهُب للإبِل والبَقَر والغَنَم، وللسِّباع جُلُود. [مسائل الإمام أحمد رواية الكوسج (٢/ ٨٣٠ - ٨٣١)] * * * (٨٦٦) السؤال: سألتُ أبي عن القِدِّ (١) يُخْرَزُ به ؟ الجواب: إن كان لم يُدْبَغ فلا يُجْزيه، ولا يَنتَفِع به، وإن كان قد ذُكِّي وذُبِح فلا بأس به. سمعتُ أبي يقول: القِدُّ الذي يكون من الحَمير لا يَحِلُّ -يعني: لا يُخْرَزُ به أو يستعمل في شيءٍ وإنْ ذُكِّي-؛ الحِمارُ لا يُؤكَل لَحمُه، والمَيتَة لا يُنتفَع بها. قال أبي في الجَمَل: القِدُّ منه لا بأس به إذا ذُكِّيَ، فإن كان مَيتَةً أكرهُه. [مسائل الإمام أحمد برواية عبد الله (١/ ٤٣ - ٤٤)] * * *

стр. 753

جِلْدُ المَيتَةِ وَشَعْرُهَا إِذَا دُبِغَا (٨٦٧) السؤال: لو دُبِغ جِلْد المَيتَة جميعاً؛ بأن عَمَّ الدِّباغ جِلْده وشَعْره؛ هل يَطْهُر الجِلْد والشَّعْر، أم الجِلْد فقط ؟ الجواب: لا يَطْهُر إلَّا الجِلْد دون الشَّعْر. [فتاوى الرملي (١/ ٧٧)] * وانظر: فتوى رقم (٢٠٧) * * * جِلْدُ المَيْتَةِ إذا لم يُعْلَمْ هل دُبِغَ أو لم يُدْبَغْ (٨٦٨) السؤال: لو أَخْبَرَنا شخصٌ أنَّ هذا الجِلْدَ جِلْدُ مَيْتَةٍ، ولم نَدْرِ هل دُبِغَ أم لا؛ فهل نَحْكُمُ بطهارَتِه أو بنجاسَتِه استصحاباً بالأصل ؟ الجواب: يُحكَمُ بنجاسَتِه؛ عَمَلاً بخبر الثِّقَة، وبالأصل. [فتاوى الرملي (١/ ١٩٠)] * * * الانْتِفَاعُ بِجُلُودِ السِّبَاع (٨٦٩) السؤال: إذا اصْطَدْنا نَمِراً وذَبَحْناهُ، هل يجوزُ الانتفاعُ بجِلْدِه ؟ الجواب: اتَّفق الفُقهاء على أنَّ جِلْد مَأْكول اللَّحم إذا ذُبِحَ طاهرٌ يجوز الانتفاع به؛ كجِلْد الغنم والمَعِز والبقر والأرنب. أمَّا إذا لم يُذْبَح -أي كان مَيتَةً- فإنَّ جَلْده نَجِسٌ يَطْهُر بالدِّباغ؛ لحديث مسلم: (إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ)، وغير مأكول اللَّحم كالسِّباع والنُّمور إذا لم يُذْبَح فجِلْدُه نَجِسٌ يَطْهُر بالدِّباغ؛ لعموم الحديث السابق. أمَّا إذا ذُبِح فالجمهور على أنَّ ذَبْحَه لا يُطَهِّر جِلْدَه، بل لا يَطْهُر إلَّا بالدَّبْغ، والحنفيَّة يجعلون ذَبْحَه مُسَوِّغاً لطهارة جِلْدِه وإنْ حَرُم أَكْلُه. وكُلُّ ذلك فيما عدا جِلْد الكَلْب والخنزير، فلا يُطهِّرهما الدَّبْغ عند الجمهور. [موسوعة فتاوى دار الإفتاء المصرية وفتاوى

стр. 754

دار الإفتاء بالأزهر (رقم ١١٩)] * * * (٨٧٠) السؤال: جِلْدُ النَّمِرِ هل هو نَجسٌ؟ وهل يجوزُ استعمالُه؟ وهل يَفْتَرِق الحالُ بين ما قَبْلَ الدِّباغِ وما بعده ؟ الجواب: أمَّا قبلَ الدِّباغ فهو نَجِسٌ كُلُّه، سواء كان مُذَكًّى أو غير مُذَكًّى؛ فيمتنعُ استعمالُه امتناعَ النَّجِسِ العَيْن، ومعنى هذا أنَّه يَحرُمُ استعماله قَطْعاً فيما يجبُ فيه مجانبة النَّجاسة من صلاةٍ وغيرها. وهل يَحرُمُ على الإطلاق؟ فيه وجهان. أمَّا بعد الدِّباغ؛ فنَفْسُ الجِلْد طاهرٌ، والشَّعْر الذي عليه نَجِسٌ لا يُؤثِّر فيه الدِّباغ على الصَّحيح، فاستعمالُ الوجه الذي عليه الشَّعْر إذاً مُمتَنِعٌ مُطلَقاً، ولأجل أنَّه غالب ما يُستعمَل منه ورد الحديث بالنَّهي عنه مُطلَقاً؛ فرَوَى أبو داود في (سُنَنه) عن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (لَا تَصْحَبُ المَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جِلْدُ نَمِرٍ)، وفي حديث آخر أنَّه ﷺ قال: (لَا تَرْكَبُوا النِّمَارَ)، وجاء في الحديث عنه ﷺ (أنَّهُ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ أَنْ تُفْتَرَشَ). ولا شكَّ أنَّ النَّمِرَ من السِّباعِ. فهذه الأحاديث قويَّةٌ معتمَدَةٌ، والتَّأويل المُتَطرِّق إليها غير قويٍّ، وإذا وَجَدَ المُوَفَّقُ مثل هذا عن رسول الله ﷺ في مثل هذا المُضْطرَب فهو ضالَّتُه، ومسند وجهٍ لا يرى عنه معدلًا، والله أعلم. [فتاوى ابن الصلاح (٢/ ٤٧٣ - ٤٧٤)] * * * (٨٧١) السؤال: جُلودُ السِّباع ؟ الجواب: هي عندي شَعْرٌ من المَيْتَة. [مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٣٥١)] * * * (٨٧٢) السؤال: هل يجوزُ للمُسلِم

стр. 755

أن يَلْبِسَ نَعْلَيْن من جِلْد النَّمِر، أو أن يُجلِّد سِكِّينه بجِلْد التِّمْساح؟ عِلْماً بأنِّي قرأتُ في (رياض الصالحين) أنَّه لا يَحِلُّ للمُسلِم أن يَفْتَرِش فِراشاً من جِلْد النَّمِر، أو الحيوانات المُفتَرِسَة. الجواب: النبيُّ ﷺ نهى عن افتراش جُلود السِّباع؛ فينبغي لك أن تبتعد عن هذا النَّمِر وغير النَّمِر، وتكتفي بالجُلود الطيِّبة من المُذَكَّاة؛ من الإبل، والبَقَر والغَنَم، وفيها كفايةٌ والحمد لله. أمَّا جُلود السِّباع، فابتعد عنها؛ النَّمِر، والذِّئْب، والأسد، وغير ذلك، وفَّق الله الجميع للعافية والسَّلامة. جزاكم الله خيراً. [الفتاوى الصوتية للشيخ ابن باز (الموقع)] * * * (٨٧٣) السؤال: أرجو إفادتي عن لُبْس حِذاءٍ مصنوع من جِلْدِ النَّمِر، هل هو حَلالٌ أم حَرامٌ؟ وما هي الأدلَّة ؟ الجواب: تَرْكُه أحوط وأَوْلَى؛ لأنَّ الرسول ﷺ (نَهَى عَنِ افْتِرَاشِ جُلُودِ النِّمَارِ). وفي اللفظ الآخر: (جُلُودِ السِّبَاعِ). واتِّخاذ النِّعال منها مثل افتراشها، اتِّخاذ النِّعال مثل الافتراش، فالأحوط لك تَرْك ذلك، وعدم استعمال النَّعْل من جُلود الأُسُود أو غيرها من السِّباع، هذا هو الذي ينبغي للمؤمن، لا يتَّخِذ من جُلودها فُرُشاً ولا غيرها. [الفتاوى الصوتية للشيخ ابن باز (الموقع)] * وانظر: فتوى رقم (١١٦٤، ١١٤١، ١١٤٣) * * * الانْتِفَاعُ بِجُلُودِ مَا لا يُؤْكَلْ لَحْمُهُ وَالمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ (٨٧٤) السؤال: جُلُود الحُمُر، وجِلْد ما لا يُؤكَل لَحمُه، والمَيتَة، هل تَطهُر بالدِّباغ أم لا؟ أفتونا مأجُورين . الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين، أمَّا طهارة جُلود المَيتَة بالدِّباغ ففيها قولان

стр. 756

مشهوران للعُلماء في الجُملة: أحدُهُما: أنَّها تطهُر بالدِّباغ، وهو قولُ أكثر العُلماء؛ كأبي حنيفة، والشَّافعيِّ، وأحمد في إحدى الرِّوايتين. والثَّاني: لا تَطْهُر. وهو المشهور في مذهب مالكٍ؛ ولهذا يجوز استعمال المَدْبوغ في الماء دون المائعات؛ لأنَّ الماء لا يَنجُسُ بذلك، وهو أشهرُ الرِّوايتين عن أحمد أيضاً، اختارها أكثرُ أصحابه، لكن الرِّواية الأُولَى هي آخرُ الرِّوايتين عنه؛ كما نقلَه التِّرمذيُّ عن أحمد بن الحسن التِّرمذيِّ عنه أنَّه كان يَذهبُ إلى حديث ابن عُكَيْمٍ، ثُمَّ تَرَك ذلك بآخرةٍ. وحُجَّةُ هذا القول شيئان: أحدُهُما: أنَّهم قالوا: هي مِنَ المَيتَة، ولم يصحَّ في الدِّباغ شيءٌ، ولهذا لم يَرْو البُخاريُّ ذِكْرَ الدِّباغ في حديث مَيْمونَة من قول النَّبيِّ ﷺ ، وطَعَن هؤلاء فيما رواه مُسلمٌ وغيرُه، إذ كانوا أئمَّةً لهم في الحديث اجتهادٌ. وقالوا: رَوَى ابن عُيينةَ الدِّباغ عن الزُّهريِّ، والزُّهريُّ كان يُجوِّزُ استعمالَ جُلود المَيتَة بلا دباغٍ، وذلك يُبيِّن أنَّه ليس في روايته ذِكْرُ الدِّباغ، وتكلَّموا في ابن وَعْلَة. والثَّاني: أنَّهم قالوا: أحاديث الدِّباغ منسوخةٌ بحديث ابن عُكَيْم؛ وهو قولُه صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم -فيما كتب إلى جُهَينة-: (كُنْتُ رَخَّصْتُ فِي جُلُودِ المَيْتَةِ، فَإِذَا أَتَاكُمْ كِتَابِي هَذَا فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ). فكلا هاتين الحُجَّتين مأثورةٌ عن الإمام أحمدَ نَفْسِه في جوابه ومُناظَراتِه في الرِّواية الأُولى المشهورة. وقد احتجَّ القائلون بالدِّباغ بما في الصَّحيحين عن عبد الله بن عبَّاسٍ: (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ: هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّهَا مَيِّتَةٌ. قَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ أَكْلُهَا). وفي روايةٍ لمسلِمٍ: (أَلَا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ).

стр. 757

وعن سَوْدَة بنت زَمْعَة زوج النَّبيِّ ﷺ قالت: (مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، فَمَا زِلْنَا نَنْبُذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا). وعن ابن عبَّاسٍ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ). قلتُ: وفي روايةٍ له عن عبد الرَّحمن ابن وَعْلَة: (إنَّا نكُونُ بِالمَغْرِبِ وَمَعَنَا البَرْبَرُ وَالمَجُوسُ، نُؤْتَى بِالكَبْشِ قَدْ ذَبَحُوهُ، وَنَحْنُ لَا نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ، وَنُؤْتَى بِالسِّقَاءِ يَجْعَلُونَ فِيهِ الوَدَكَ (١). فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: دِبَاغُهُ طَهُورُهُ). وعن عائشة ﵂ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ المَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ). رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجَه والنَّسائيُّ. وفي روايةٍ عن عائشة قالت: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ جُلُودِ المَيْتَةِ، فَقَالَ: دِبَاغُهَا طَهُورُهَا) رواه الإمام أحمد والنَّسائيُّ. وعن سَلَمَة بن المُحَبِّق ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِبَيْتٍ بِفِنَائِهِ قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَاسْتَقَى، فَقِيلَ: إِنَّها مَيْتَةٌ، فَقَالَ: ذَكَاةُ الأَدِيمِ دِبَاغُهُ) رواه الإمام أحمد وأبو داود والنَّسائيُّ. وأمَّا حديث ابن عُكَيْمٍ فقد طَعَنَ بعضُ النَّاس فيه بكَوْنِ حامِلِه مجهولاً، ونحو ذلك ممَّا لا يَسوغُ رَدُّ الحديث به. قال عبد الله بن عُكَيمٍ: (أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ: أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ) رواه الإمام أحمد -وقال: ما أصلَحَ إسنادَه-، وأبو داود وابن ماجَه والنَّسائيُّ والتِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ. وأجاب بعضُهم عنه بأنَّ الإهاب اسمٌ للجِلْد قبل الدِّباغ، كما نقل ذلك النَّضرُ بن شُمَيْل وغيرُه من أهل اللُّغة. وأمَّا بعد الدَّبغ فإنَّما هو أَديمٌ؛ فيكون

стр. 758

النَّهيُ عن استعمالها قبل الدَّبغ. فقال المانعون: هذا ضعيفٌ؛ فإنَّ في بعض طُرُقِه: (كَتَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ في أَرْضِ جُهَيْنَةَ إِنَّي كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ المَيْتَةِ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هَذَا فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ) رواه الطَّبرانيُّ في (المُعجم الأوسط) من رواية فَضالَة بن مُفَضِّل بن فَضالَة المِصْريِّ، وقد ضعَّفه أبو حاتمٍ الرَّازيُّ، لكن هو شديدٌ في التَّزكية. وإذا كان النَّهيُ بعد الرُّخصة، فالرُّخصة إنَّما كانت في المدبوغ. وتحقيق الجواب أن يُقال: حديث ابن عُكَيْمٍ ليس فيه نَهْيٌ عن استعمال المدبوغ، وأمَّا الرُّخصة المُتقدِّمة؛ فقد قِيلَ: إنَّها كانت للمَدْبوغ وغيره، ولهذا ذهب طائفةٌ -منهم الزُّهريُّ وغيرُه- إلى جواز استعمال جُلود المَيتَة قبل الدِّباغ تَمسُّكاً بقوله المُطلَق في حديث مَيْمونة وقوله: (إِنَّمَا حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ أَكْلُهَا)؛ فإنَّ هذا اللَّفظَ يدُلُّ على التَّحريم، ثُمَّ لم يتناول الجِلْد، وقد رواه الإمام أحمد في (المُسنَد) عن ابن عبَّاسٍ قال: (مَاتَتْ شَاةٌ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ؛ مَاتَتْ فُلَانةُ -تَعْنِي الشَّاةَ-، فَقَالَ: فَلَوْلَا أَخَذْتُمْ مَسْكَهَا، فَقَالَتْ: آخُذُ مَسْكَ شَاةٍ قَدْ مَاتَتْ؟ فَقَالَ لَها رَسُولُ الله ﷺ : إِنَّما قَالَ: ﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وَإِنَّكُمْ لَا تَطْعَمُونَهُ، إِنْ تَدْبُغُوهُ تَنْتَفِعُوا بِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهَا فَسَلَخَتْ مَسْكَهَا فَدَبَغَتْهُ، فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ قِرْبَةً حَتَّى تَخَرَّقَتْ عِنْدَهَا)؛ فهذا الحديثُ يدُلُّ على أنَّ التَّحريم لم يتناول الجِلدَ، وإنَّما ذَكَرَ الدِّباغ لإبقاء الجِلْد وحِفْظه، لا لكَوْنه شَرطاً في الِحلِّ. وإذا كان كذلك فتكون الرُّخصة لجُهَينة في هذا، والنَّسْخ عن هذا؛ فإنَّ الله تعالى ذَكَرَ تحريم المَيتَة في سُورتَين مَكِّيَّتين: الأنعام والنَّحل، ثُمَّ

стр. 759

في سُورتَين مَدَنِيَّتين: البقرة والمائدة، والمائدةُ مِنْ آخر القُرآن نُزُولاً كما رُوِيَ: (المَائِدَةُ آخِرُ القُرْآنِ نُزُولًا؛ فَأَحِلُّوا حَلَالَها، وَحَرِّمُوا حَرَامَهَا)، وقد ذَكَرَ الله فيها من التَّحريم ما لم يَذْكُره في غيرها، وحَرَّم النَّبيُّ ﷺ أشياء؛ مثل: أَكْل كُلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وكُلِّ ذي مَخْلبٍ من الطَّير. وإذا كان التَّحريم زاد بعد ذلك على ما في السُّورة المَكِّيَّة التي استندت إليها الرُّخصة المُطْلَقة، فيُمكِن أن يكون تَحريم الانتفاع بالعَصَبِ والإِهابِ قبل الدِّباغِ ثَبَتَ بالنُّصوص المُتأخِّرة، وأمَّا بعد الدِّباغ فلم يُحرَّم ذلك قطُّ، بل بيَّن أنَّ دِباغَه طَهورُه وذَكاتُه، وهذا يُبيِّنُ أنَّه لا يُباح بدون الدِّباغ. وعلى هذا القول؛ فللنَّاس فيما يُطهِّرُه الدِّباغ أقوالٌ: قيل: إنَّه يُطهّرُ كُلَّ شيءٍ حتَّى الحمير؛ كما هو قول أبي يوسُف وداود. وقيل: يُطهِّرُ كُلَّ شيءٍ سِوَى الحمير؛ كما هو قول أبي حنيفة. وقيل: يُطهِّرُ كُلَّ شيءٍ إلَّا الكَلْب والحمير؛ كما هو قول الشَّافعيِّ، وهو أحد القولين في مذهب أحمد -على القول بتطهير الدِّباغ-، والقول الآخر في مذهبه -وهو قول طوائف من فُقهاء الحديث-: أنَّه إنَّما يُطَهِّرُ ما يُباح بالذَّكاة؛ فلا يُطَهِّرُ جُلُود السِّباع. ومَأْخَذ التَّردُّد: أنَّ الدِّباغ هل هو كالحياة، فيُطَهِّرُ ما كان طاهراً في الحياة، أو هو كالذَّكاة، فيُطَهِّرُ ما طَهُر بالذَّكاة؟ والثَّاني أرجح. ودليل ذلك: نَهْيُ النَّبيِّ ﷺ عن جُلود السِّباع؛ كما رُوِيَ عن أُسامة بن عُمَيرٍ [الهُذَلِيِّ] (أنَّ النَّبيِّ ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ) رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي. زاد التِّرمذيُّ: (أَنْ تُفْرَشَ). وعن خالد بن مَعْدان قال: (وَفَدَ المِقْدَامُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: أُنْشِدُكَ بِاللهِ؛ هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ،

стр. 760

وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ) رواه أبو داود والنَّسائيُّ، وهذا لفظه. وعن أبي رَيْحانَة: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجَه. وروى أبو داود والنَّسائيُّ عن مُعاوية عن النَّبيِّ ﷺ قال: (لَا تَصْحَبُ المَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جِلْدُ نَمِرٍ) رواه أبو داود. وفي هذا القول جمعٌ بين الأحاديث كُلِّها. والله أعلم. [مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٩٠ - ٩٦)] * * * دِبَاغُ جِلْدِ النِّمْسِ وَالقُنْدُسِ (١) وَالسِّنَّورِ وَالسِّنْجَابِ وَالذِّئْبِ وَسِنَّوْرِ البَرِّ والثَّعْلَبِ (٨٧٥) السؤال: جِلدُ النِّمْسِ والقُنْدُسِ والسِّنَّور والسِّنْجابِ والذِّئبِ وسِنَّورِ البَرِّ والثَّعلَبِ؛ إذا دُبِغَتْ جُلودِ هذه الحيوانات وجُعِلَت فِراءً؛ فهل تكون بالدِّباغ طاهرةً تصحُّ الصَّلاة فيها وعليها ؟ الجواب: أمَّا الثَّعلب والسِّنَّور والسِّنْجاب إذا ذُكِّيَت فجُلودُها وشُعورُها طاهرةٌ، وسِنَّور البَرِّ لا يُؤكَل؛ فجِلْدُه نَجِسٌ يَطْهُر بالدِّباغ، ولا يَطْهُر شَعْرُه على الأصحِّ، والقُنْدُس مشكوكٌ، وكذلك النِّمْس؛ فالأصحُّ أنَّه لا يجوز استصحابُه في الصَّلاة، والله أعلم. [فتاوى ابن الصلاح (٢/ ٤٧٣)] * * * دِباغُ شَعْرِ السِّنْجابِ وَنَحْوِهِ مِنْ شُعُورِ المَيْتَةِ (٨٧٦) السؤال: ما قول مولانا شيخ الإسلام ... في شَعْرِ السِّنْجابِ ونَحوِه مِنْ شُعورِ المَيتَة هل يَطْهُرُ بالدِّباغ تَبَعاً للجِلْد أو لا ؟ ولَسْنا نَسألُكُم عن مشهور مذهب الإمام الشَّافعيِّ ﵁؛ فإنَّ الأظهر مِنْ قَوْلَيْه عند الجمهور عَدَمُ الطَّهارةِ، بل نَسأَلُكُم

стр. 761

عمَّا يقتضيه الدَّليلُ والنَّظَر من حيث الاجتهاد، والمسؤول أن يكون الجواب على طريقة الاجتهاد وأصحاب الاختيارات. الجواب: الحمد الله، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. الكلام على هذه المسألة يحتاج إلى تحرير مُقدِّمَتَين: الأُولَى: في أنَّ الشَّعْرَ هل يَنْجُسُ بالموت أو لا يَنْجُس به، بل يبقى على طهارته؟ والثَّانية: في مذاهب العُلماء في طهارة الجِلْد بالدِّباغ وعدمها، وحُجَجُ كُلٍّ منهما. أمَّا المُقدِّمة الأُولى: فقد اختلف العُلماء في نجاسة الشَّعْر بالموت؛ فذهب جماعةٌ إلى نجاسته؛ منهم: عطاءٌ، والشَّافعيُّ -فيما حكاه عنه جمهور أصحابه؛ البُويْطِيُّ، والمُزَنِيُّ، والرَّبيعُ المُرَادِيُّ، وحَرْمَلَةُ، وأصحابُ القديم، وصحَّحهُ جمهور المُصحِّحين-. وقال أكثرُ الأئمَّة: إنَّ الشَّعْرَ لا يَنْجُسُ بالموت؛ منهم: عمرُ بن عبد العزيز، والحَسَنُ البَصريُّ، وحَمَّادُ بن أبي سُليمان الكُوفيُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشَّافعيُّ في آخر قَوْلَيْه؛ قال صاحب (الحاوي): حكى ابنُ شُرَيْحٍ عن أبي القاسم الأَنْماطيِّ عن المُزنِيِّ عن الشَّافعيِّ أنَّه رَجَعَ عن تَنَجُّسِ الشَّعْرِ. وذهب إليه أيضاً: أحمدُ بن حنبل، وإسحاقُ بن راهَوَيْه، والمُزنِيُّ، وابنُ المُنْذرِ، وداودُ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْجُسُ شيءٌ من الشَّعْر بالموت إلَّا شَعْر الخنزير. واحتجَّ هؤلاء بقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]، وهذا عامُّ في كُلِّ حالٍ. وبقوله ﷺ في المَيتَةِ: (إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) رواه الشيخان.

стр. 762

وبأنَّ الشَّعْرَ لا تَحُلُّهُ الحياةُ؛ بدليل أنَّه إذا جُزَّ لا يألَم صاحبُه، فلا يَحُلُّه الموتُ المُقتَضِي للتَّنْجيسِ، فلا يكون نَجِساً، بل يبقى على طهارته كما كان قبل الموت. وبأنَّ المُقتضِي لتَنْجيس اللَّحم والجِلْد ما فيها من الزُّهومَة، ولا زُهومَة في الشَّعْر، فلا يَنْجُس. وحكى العَبْدَرِيُّ عن الحَسن، وعطاءٍ، والأَوزاعيِّ، واللَّيث بن سَعْدٍ؛ أنَّ الشَّعْر يَنْجُس بالموت، ولكن يَطْهُر بالغَسْل. واحتجُّوا بحديث أمِّ سَلَمَةَ عن النَّبيِّ ﷺ : (لَا بَأْسَ بِجِلْدِ المَيتَةِ إِذَا دُبِغَ، وَلَا بِشَعْرِهَا إِذَا غُسِلَ) رواه الدَّارقطنيُّ، وسَنَدُه ضعيفٌ. وبالقياس على شَعْر غيرها إذا حَلَّت فيه نَجاسةٌ، فإنَّه يَطْهُر بالغَسْل كسائر الجامِدات إذا طَرَأَت نَجاسَتُها. وحكى الرَّبيعُ الجِيزيُّ عن الشَّافعيِّ أنَّ الشَّعْر تابعٌ للجِلْد؛ يَطْهُر بطهارَتِه، ويَنْجُس بنجاستِه. وهذا أقوى المذاهب، كما سنذكره. وأمَّا المُقدِّمة الثَّانية: فللعُلماء في جُلودِ المَيتَة سبعة مذاهب: أحدُها: لا يَطْهُر بالدِّباغ شيءٌ منها، رُوِيَ ذلك عن عمر بن الخَطَّاب، وابنه، وعائشةَ، وهو أشهر الرِّوايتين عن أحمد، وروايةٌ عن مالكٍ. والثَّاني: يَطْهُر بالدَّبغ جِلْد مأكول اللَّحم دون غيره، وهو مذهب الأَوْزاعيِّ، وابن المُبارَك، وأبي ثَوْرٍ، وإسحاق بن راهَوَيْه، ورواية أَشْهَب عن مالكٍ. والثَّالث: يَطْهُر به كُلُّ جُلود المَيتَة إلَّا الكَلْب، والخنزير، والمُتولِّد من أحدهما، وهو مذهب الشَّافعيِّ، وحَكَوْه عن عليِّ بن أبي طالبٍ، وابن مسعودٍ. والرَّابع: يَطْهُر به الجميع إلَّا جلد الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة، وروايةٌ عن مالكٍ حكاها ابن القَطَّان.

стр. 763

والخامس: يَطْهُر الجميع حتَّى الكَلْب والخنزير، إلَّا أنَّه يَطْهُر ظاهِرُه دون باطِنِه؛ فيُستعمَلُ في اليابس دون الرَّطْب، ويُصلَّى عليه، لا فيه، وهو مذهب مالك فيما حكاه أصحابنا عنه. والسَّادس: يَطْهُر الجميع حتَّى الكَلْب والخنزير ظاهراً وباطناً. قاله داود وأهل الظَّاهِر، وحكاه المَاوَرْدِيُّ عن أبي يوسُف، وحكاه غيره عن سُحْنون من المالكيَّة. والسَّابع: يُنتَفَع بجُلود المَيتَة بلا دِباغٍ، ويجوز استعمالُها في الرَّطْب واليابِس. حكوه عن الزُّهْريِّ. واحتجَّ أصحاب المذهب الأوَّل بأشياء؛ منها: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وهو عامٌّ في الجِلْد وغيره. وبحديث عبد الله بن عُكَيْم قال: (أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ الله ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ)، وهذا الحديث هو عُمْدَتُهم، وقد أخرجه الشَّافعيُّ في (حَرْمَلَة)، وأحمدُ في (مُسنَدِه)، والبُخاريُّ في (تاريخه)، وأبو داود، والتِّرمذيُّ وحسَّنه، والنَّسائيُّ، وابن ماجَه، وابنُ حِبَّان، والدَّارقطنيُّ، والبيهقيُّ، وغيرهم. قال التِّرمذيُّ: سمعتُ أحمد بن الحسين يقول: كان أحمدُ بن حنبل يذهب إلى حديث ابن عُكَيْم هذا؛ لقولِهِ: (قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ)، وكان يقول: «هَذَا آخِرُ الأَمْرِ». قالوا: ولأنَّه جزءٌ من المَيتَة، فلا يَطْهُر بشيءٍ كاللَّحم، وأنَّ المعنى الذي نَجُسَ به هو الموت، وهو مُلازِمٌ له لا يزول بالدَّبْغ، ولا يتغيَّر الحُكْم. واحتجَّ أصحاب المذهب الثَّالث بما أخرجه مُسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ عن ابن عبَّاسٍ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ)، وفي لفظٍ: (أَيَّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ). وبما أخرجه البُخاريُّ ومُسلمٌ عن

стр. 764

ابن عبَّاس: (أنَّ النَّبيَّ ﷺ مَرَّ بشَاةٍ مَيِّتَةٍ، فَقَالَ: هَلَّا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ؟! قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّهَا مَيْتَةٌ! قَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا). وبما أخرجه البُخاريُّ عن سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ قالت: (مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ، فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا). وروى أبو يَعْلَى في (مسنده) بإسناد صحيح، عن ابن عبَّاسٍ قال: (مَاتَتْ شَاةٌ لِسَوْدَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَاتَتْ فُلَانَةُ -يَعْنِي الشَّاةَ-، فَقَالَ: فَهَلَّا أَخَذْتُمْ مَسْكَهَا. قَالَتْ: نَأْخُذُ مَسْكَ شَاةٍ قَدْ مَاتَتْ؟!)؛ فذكر تمام الحديث كرواية البُخاريِّ. وروى مالكٌ في (المُوطَّأ) وأبو داودَ والنَّسائيُّ وابن ماجَه بأسانيد حَسَنةٍ عن عائشة (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ المَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ). وروى أحمد في (مسنده)، وابن خُزَيمَة في (صحيحه)، والحاكِم في (المُستدْرَك)، والبيهقيُّ في (سُننه) وصحَّحاه، عن ابن عبَّاسٍ قال: (أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْ سِقَاءٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ مَيْتَةٌ. قَالَ: دِبَاغُهُ يَذْهَبُ بِخُبْثِهِ، أَوْ نَجَسِهِ، أَوْ رِجْسِهِ). وروى أحمد وأبو داود والنَّسائيُّ وابن حِبَّان والدَّارقُطنيُّ والبَيهقيُّ بإسنادٍ صحيح، من طريق جَوْن بن قَتادة عن سَلَمَة بن المُحَبِّق: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءٍ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ، قَالَتْ: مَا عِنْدِي إِلَّا فِي قِرْبَةٍ لِي مَيْتَةٍ. قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا). وروى أبو داود والنَّسائيُّ والدَّارقطنيُّ عن مَيمونَة قالت: (مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رِجَالٌ يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الحِمَارِ، فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ : لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا، قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يُطَهِّرُهَا المَاءُ وَالقَرَظُ). وروى الدَّارقُطنيُّ والبَيهقيُّ في (سُننهما) بسَندٍ حَسنٍ، عن ابن عبَّاسٍ

стр. 765

قال: (مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله؛ إِنْهَا مَيْتَةٌ. قَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا، أَوَلَيْسَ فِي المَاءِ وَالقَرَظِ مَا يُطَهِّرُهَا)، وفي لفظٍ عند الدَّارقُطنيِّ قال: (إِنَّمَا حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ أَكْلُهَا)، وفي لفظٍ عنده قال: (إِنَّمَا حَرُمَ لَحْمُهَا، وَدِبَاغُ إِهَابِهَا طَهُورُهُ)، وفي لفظٍ عنده قال: (إِنَّمَا حَرُمَ عَلَيْكُمْ لَحْمُهَا، وَرُخِّصَ لَكُمْ فِي مَسْكِهَا). قال الدَّارقطنيُّ: هذه أسانيدٌ صِحاحٌ. وروى الدَّارقطنيُّ عن عائشة عن النبيِّ ﷺ قال: (ذَكَاةُ المَيْتَةِ دِبَاغُهَا)، وفي لفظٍ: (طَهُورُهَا دِبَاغُها). وروى الدَّارقطنيُّ عن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : (دِبَاغُ كُلِّ إِهَابٍ طَهُورُهُ). وروى الدَّارقطنيُّ بسندٍ صحيح عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (أَيَّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ). وروى الخَطيب في (تلخيص المتشابه) من حديث جابرٍ مثله. وروى الطَّبرانيُّ في (الكبير) و (الأوسط) عن أبي أُمامَة: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَمَرَّ بِأَهْلِ أَبْيَاتٍ مِنَ العَرَبِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: هَلْ مِنْ مَاءٍ لِوُضُوءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا مَاءٌ إِلَّا فِي إِهَابِ مَيْتَةٍ، دَبَغْنَاهُ بِلَبَنٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: إِنَّ دِبَاغَهُ طَهُورُهُ، فَأُتِيَ مِنْهُ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى). وروى أبو يَعْلَى في (مسنده) عن أنسٍ قال: (كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ، ادْعُ لِي مِنْ هَذِهِ الدَّارِ بِوَضُوءٍ، فَقُلْتُ: رَسُولُ اللهِ ﷺ يَطْلُبُ وَضُوءًا. فَقَالَ: أَخْبِرْهُ أَنَّ دَلْوَنَا جِلْدُ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: سَلْهُمْ، هَلْ دَبَغُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ دِبَاغَهُ طَهُورُهُ). وروى الطَّبرانيُّ في (الكبير) عن ابن مسعودٍ قال: (مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَاةٍ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: مَا ضَرَّ أَهْلَ هَذِهِ لَوِ انْتَفَعُوا بِإِهَابِهَا).

стр. 766

وروى الطَّبرانيُّ في (الكبير) عن سِنان بن سَلَمَة (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى عَلَى جَذَعَةٍ مَيْتَةٍ فَقَالَ: مَا ضَرَّ أَهْلَ هَذِهِ لَوْ انْتَفَعُوا بِمَسْكِهَا). وروى الدَّارقطنيُّ عن ابن عمر (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى شَاةٍ فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ فَقَالُوا: مَيْتَةٌ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ادْبَغُوا إِهَابَهَا؛ فَإِنَّ دِبَاغَهُ طَهُورَهُ). وروى الدَّارقطنيُّ عن زيدِ بن ثابتٍ عن النَّبيِّ ﷺ قال: (دِبَاغُ جُلُودِ المَيْتَةِ طَهُورُهَا). وروى الدَّارقطنيُّ عن عائشة عن النَّبيِّ ﷺ قال: (طَهُورُ الأَدِيمِ دِبَاغُهُ). وروى أبو يَعْلَى والطَّبرانيُّ والدَّارقطنيُّ عن أمِّ سَلَمَة (أَنَّهَا كَانَتْ لَها شَاةٌ فَمَاتَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَفَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟ قُلْنَا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ دِبَاغَهَا يَحِلُّ كَمَا يَحِلُّ الخَلُّ مِنَ الخَمْرِ). وروى أحمد والطَّبرانيُّ عن المُغيرة بن شُعْبَة قال: (طَلَبَ النَّبِيُّ ﷺ مَاءً مِنِ امْرَأَةٍ أَعْرَابِيَّةٍ، فَقَالَتْ: هَذِهِ القِرْبَةُ مَسْكُ مَيْتَةٍ، وَلَا أُحِبُّ أُنَجِّسُ بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهَا؛ فَإِنْ كَانَتْ دَبَغَتْهَا فَهُوَ طَهُورُهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: لَقَدْ دَبَغْتُهَا، فَأَتَيْتُهُ بِمَاءٍ مِنْهَا). وروى الطَّبرانيُّ في (الأوسط) بإسناد حَسنٍ، عن أنس بن مالكٍ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَوْهَبَ وَضُوءًا، فَقِيلَ لَهُ: لَمْ نَجِدْ ذَلِكَ إِلَّا فِي مَسْكِ مَيْتَةٍ، فَقَالَ: أَدَبَغْتُمُوهُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلُمَّ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ طَهُورُهُ). وروى الحارث بن أبي أُسامة في (مسنده) عن جابر بن عبد الله قال: (كُنَّا نُصِيبُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَغَانِمِنَا مِنَ المُشْرِكِينَ الأَسْقِيَةَ وَالأَوْعِيَةَ فَنَقْسِمُهَا، كُلَّهَا مَيْتَةً). وبالقياس؛ لأنَّه جِلْدٌ طاهرٌ طَرَأت عليه نجاسةٌ، فجاز أن يَطْهُر كجِلْد المُذكَّاة إذا تَنَجَّس. وأجابوا عن احتجاج الأوَّلين بالآية

стр. 767

بأنَّها عامَّة خَصَّصتها السُّنَّة. وأمَّا حديث عبد الله بن عُكَيمٍ؛ فأجاب عنه البيهقيُّ وجماعةٌ من الحُفَّاظ بأنَّه مُرْسَلٌ، وابن عُكَيمٍ ليس بصحابيِّ، وكذا قال أبو حاتم. وقال ابن دَقيق العِيد: رُوِيَ أنَّ إسحاق بن راهَوَيْه ناظَر الشَّافعيَّ وأحمدَ بن حنبل في جُلود المَيتَة إذا دُبِغَت؛ فقال الشَّافعيُّ: دِباغُها طَهورُها. فقال له إسحاق: ما الدَّليل؟ فقال: حديث الزُّهريِّ عن عُبَيد الله بن عبد الله بن عبَّاس عن مَيْمونَةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا). فقال له إسحاق: حديث ابن عُكَيم: (كَتَبَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ: أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا بِشَيْءٍ مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ)، فهذا يُشْبِه أن يكون ناسِخاً لحديث مَيْمونة؛ لأنَّه قبل موته بشهرٍ. فقال الشَّافعيُّ ﵁: هذا كتابٌ، وذاك سَماعٌ. فقال إسحاق: إنَّ النَّبيَّ ﷺ كَتَبَ إلى كِسْرَى وقَيْصَر، وكانت حُجَّةً عليهم عند الله. فسَكَتَ الشَّافعيُّ. فلمَّا سَمِعَ ذلك أحمد، ذَهَب إلى حديث ابن عُكَيم وأفتى به، ورَجَع إسحاق إلى حديث الشَّافعيِّ. وقال ابن دَقيق العِيد: كان والدي يَحكِي عن الحافظ أبي الحَسَن المَقْدِسيِّ -وكان من أئمَّة المالكيَّة- أنَّه كان يرى أنَّ حُجَّة الشَّافعيِّ باقيةٌ؛ يريد لأنَّ الكلام في التَّرجيح بالسَّماع والكتاب، لا في إبطال الاستدلال بالكتاب. وقال الخَطَّابيُّ: مذهب عامَّة العلماء جواز الدِّباغ، والحُكم بطهارة الإِهاب إذا دُبِغ، ووهَّنوا هذا الحديث؛ لأنَّ ابن عُكَيم لم يَلْقَ النَّبيَّ ﷺ ، وإنَّما هو حكايةٌ عن كتابٍ أتاهُم. قال: وقد يَحتَمِل إن ثبت الحديث أن يكون النَّهي إنَّما جاء عن الانتفاع بها قبل الدِّباغ، فلا يجوز أن نترك به الأَخبار الصَّحيحة التي قد جاءت في الدِّباغ،

стр. 768

وأن يُحمَل على النَّسْخ. وقال غيرُه: قد عَلَّلوا حديث ابن عُكَيم بأنَّه مُضْطرِبٌ في إسناده؛ حيث روى بعضُهم فقال: عن ابن عُكَيم عن أَشْياخٍ من جُهَينَة. كذا حَكاهُ التِّرمذيُّ. وهؤلاء الأشياخ مجهولون لم تثبت صُحبَتُهم. وقد حَكَى التِّرمذيُّ عن أحمد بن حنبل أنَّه كان يذهبُ إلى هذا الحديث، ثمَّ تَرَكَهُ لهذا الاضطراب. وقال الخَلَّال: لمَّا رأى أبو عبد الله تَزَلْزُلَ الرُّواة فيه توقَّف فيه، وقد رُوِيَ قبل موتِه بشَهْرٍ، ورُوِي بشَهْرَين، ورُوِي بأربعين يوماً، ورُوِيَ بثلاثةِ أيَّامٍ، ورُوِيَ من غير تقييدٍ بمُدَّةٍ؛ وهي رواية الأكثر. وهذا الاضطراب في المتن. وأُجيبَ عنه أيضاً بأنَّ أخبار الدِّباغ أصحُّ إسناداً، وأكثرُ رواةً؛ فهي أقوى وأَوْلَى. وبأنَّه عامٌّ في النَّهي، وأخبارُ الدِّباغ مُخصِّصَةٌ للنَّهي بما قبل الدِّباغ، مُصَرِّحَةٌ بجواز الانتفاع بعد الدِّباغ، و (الخاصُّ مُقدَّمٌ على العامِّ عند التعارض). وبأنَّ الإِهابَ في اللُّغةِ هو الجِلْدُ قبل أن يُدبَغَ، ولا يُسمَّى بعده إهاباً. كذا قاله الخليل بن أحمد، والنَّضْرُ بن شُمَيْل، وأبو داود السِّجسْتانيُّ، وكذا قاله الجَوهَريُّ، وآخرون من أهل اللُّغة. وهذا من القول بالمُوجِب. فإن قالوا: هذا الخبر مُتأخِّرٌ فيُقَدَّمُ، ويكون ناسِخاً. فالجواب من أوجهٍ: أحدُها: لا نُسَلِّمُ تأخُّرَه عن أخبار الدِّباغ؛ لأنَّها مُطلَقةٌ؛ فيجوز أن يكون بعضها قبل وفاته ﷺ بدون شَهْرين وشَهْرٍ. الثَّاني: أنَّه رُوِيَ قبل موته بشَهْر، ورُوِيَ بشَهْرين، ورُوِيَ بأربعين يوماً، وكثيرٌ من الرِّوايات ليس فيه تاريخ، وكذا هو في رواية أبي داود؛ فحَصَل فيه نوع اضطرابٍ، فلم يبقَ تاريخٌ

стр. 769

يُعتمَدُ. الثَّالث: لو سُلِّمَ تأخُّرُه لم يكنْ فيه دليلٌ؛ لأنَّه عامٌّ، وأخبار الدِّباغ خاصَّة، و (الخاصُّ مُقدَّم على العامِّ، سواءٌ تقدَّم أو تأخَّر)، كما هو معروف عند الجماهير من أهل أصول الفقه. وأمَّا الجواب عن قياسهم على اللَّحم فمن وجهين: أحدُهُما: أنَّه قياسٌ في مقابلة نصوص، فلا يُلْتَفت إليه. والثَّاني: أنَّ الدِّباغ في اللَّحم لا يتأتَّى، وليس فيه مصلحةٌ له، بل يمْحَقُه، بخلاف الجِلْدِ؛ فإنَّه يُنظِّفُه ويُطَيِّبُه ويُصَلِّبُه. وبهذين الجوابين يُجابُ عن قولهم: العِلَّةُ في التَّنْجيسِ الموت، وهو قائم. واحتجَّ أصحاب المذهب الثاني بما رواه أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ والحاكِم وغيرهم بأسانيد صحيحة، عن أبي المُلَيْح عامِر بن أُسامة عن أبيه ﵁: (أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ)، وفي روايةٍ للتِّرمذيِّ: (نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ أَنْ تُفْتَرَشَ)؛ قالوا: فلو كانت تَطْهُرُ بالدِّباغِ لم يَنْهَ عن افتراشِها مُطْلَقاً. وبحديث سَلَمَة بن المُحَبَّق السَّابق: (دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا)؛ قالوا: وذَكاةُ ما لا يُؤكَل لا تُطَهِّرُه. قالوا: ولأنَّه حيوانٌ لا يُؤكَل فلم يَطْهُر جِلْدُه بالدَّبْغ؛ كالكَلْب. وأجاب أصحابنا بالتَّمَسُّك بعموم (أَيَّمَا إِهَابٍ) و (إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ)، و (أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ المَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ)؛ فإنَّها عامَّةٌ في كُلِّ جِلْدٍ. قالوا: وأمَّا الجواب عن حديث النَّهي عن جُلود السِّباع؛ فمحمولٌ على ما قبل الدِّباغ. فإن قِيلَ: لا معنى لتخصيص السِّباع حينئذٍ، بل كُلُّ الجُلود في ذلك سواء. فالجواب: أنَّها خُصَّتْ بالذِّكْر لأنَّها كانت تُستعمَلُ قبل الدِّباغ غالباً أو

стр. 770

كثيراً. وأمَّا حديث سَلَمَة فمعناه أنَّ دِباغ الأَديم مُطَهِّرٌ له ومُبيحٌ لاستعماله، كالذَّكاة فيما يُؤكَلُ. وأمَّا قياسُهم على الكَلْب؛ فجوابُه: الفَرْقُ بأنَّه نَجِسٌ في حياته، فلا يزيدُ الدِّباغُ على الحياة. واحتجَّ أصحاب المذهب الرَّابع والخامس والسَّادس بعموم أحاديث الدِّباغ. وأجاب الأوَّلون عنها بأنَّها خُصَّ منها الكَلْب والخنزير للمعنى المذكور؛ وهو أنَّهما نَجِسان في الحياة، فلا يزيد الدِّباغُ عليها. واحتجَّ أصحاب المذهب السابع بروايةٍ وَرَدَت في حديث ابن عبَّاسٍ: (هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ)، ولم يذكُر الدِّباغَ. وأجاب الأوَّلون بأنَّ هذه الرِّواية مُطلَقةٌ؛ فتُحمَلُ على الرِّوايات المُقَيِّدَة؛ لما تقرَّر في أصول الفقه من (حَمْلِ المُطلَقِ على المُقَيَّد). إذا تقرَّر ذلك؛ فنعود إلى مسألتنا؛ فنقول: من ذهب إلى أنَّ الشَّعْر لا يَنْجُس بالموت، بل هو باقٍ على طهارته، وهم أكثر الأئمَّة -كما تقدَّم-، فلا إشكال على مذهبه، وكذا من ذهب إلى أنَّه يَنْجُس بالموت ويَطْهُر بالغَسْل. وأمَّا من قال بنجاسَته بالموت، وأنَّه لا يَطْهُر بالغَسْل، وهو الشَّافعيُّ ﵁ في أوَّل قَوْلَيْه، وهو المشهور من مذهبه؛ فهل يَطْهُر الشَّعْر عنده بالدِّباغ تبعاً للجِلْد أو لا؟ فيه قولان مشهوران عن الشافعي. قال صاحب (المُهذَّب): فإن دُبِغَ جِلْد المَيتَة وعليه شَعْرٌ، قال في (الأمِّ): لا يَطْهُر الشَّعْر؛ لأنَّ الدِّباغ لا يُؤثِّر فيه، وروى الرَّبيعُ بن سُلَيمان الجِيزيُّ عنه أنَّه يَطْهُر؛ لأنَّه شَعْرٌ نابتٌ على جِلْدٍ، فهو كالجِلْد في الطَّهارة، كشَعْرِ الحيوان في حال الحياة. قال النَّوويُّ في (شرح المُهذَّب):

стр. 771

هذان القولان للشَّافعيِّ مشهوران، وأصحُّهما عند الجمهور نصُّه في (الأمِّ) أنَّه لا يَطْهُر، وممَّن صحَّحه من المُصنِّفين أبو القاسم الصَّيْمَريُّ، والشيخ أبو محمَّدٍ الجُوينيُّ، والبَغَويُّ، والشَّاشِيُّ، والرَّافِعِيُّ، وقطع به الجُرْجَانيُّ في (التَّحرير). قال: وصحَّح الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيُّ والرُّويانيُّ طهارته؛ قال الرُّويانيُّ: لأنَّ الصحابة في زمن عمر ﵁ قَسَّمُوا الفِرَاء المَغْنومَة من الفُرْس، وهي ذبائح مَجوسٍ. واستدلَّ من صحَّح القول الأوَّل بحديث أُسامة السابق: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ)، وروى أبو داود والنسائي بإسنادٍ حَسنٍ عن المِقْدام بن مَعْدِي كَرِب (أنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ)، وروى أبو داود عن مُعاوية (أنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ رُكُوبِ جُلُودِ النُّمُورِ؟ قَالُوا: نَعَمْ). قال الأصحاب: يُستدلُّ بهذه الأحاديث على أنَّ الشَّعْر لا يَطْهُر بالدِّباغ؛ لأنَّ النَّهي مُتناوِلٌ لما بعد الدِّباغ، وحيث لا يجوز أن يكون النَّهي عائداً إلى نفس الجِلْد؛ فإنَّه طاهرٌ بالدِّباغ بالدَّلائل السابقةِ؛ فهو عائدٌ إلى الشَّعْر. هذا ما في (شرح المُهذَّب). وأقول: الذي يترجَّحُ عندي بالنَّظر في الأدلَّة ما رجَّحه الإسفرايينيُّ والرُّويانيُّ من طهارة الشَّعْر بالدِّباغ. وقد رجَّحَه أيضاً العَبَّادِيُّ وقال: عليه تدلُّ الآثار. وصحَّحه من المتأخِّرين ابنُ أبي عَصْرون في (المُرشِد)؛ لعموم البَلْوَى به، والشيخُ تقيُّ الدِّين السُّبْكِيُّ؛ قال ولدُه في (التَّوشيح): صحَّحَ ابنُ أبي عَصْرون طهارة الشَّعْر بالدِّباغ، قال الوالد في (مجاميعه): وهو الذي أختارُه وأُفْتي به؛ للحديث.

стр. 772

وقال صاحب (الخادم): قال بعضُهم -كأنَّه يعني البُلْقِينيَّ-: هو المختارُ من جهة الدَّليل، لا سيَّما وقد قيل: إنَّ الشَّعْر لا يَنْجُس بالموت. قلتُ: ومن الأدلَّة على ما اخترتُه: ما أخرجه مُسلمٌ في (صحيحه) من طريق أبي الخير مَرْثَد بن عبد الله اليَزَنِيُّ، قال: (رَأَيْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي وَعْلَةَ السَّبَئِيِّ فَرْواً، فَمَسِسْتُهُ، فَقَالَ: مَا لَكَ تَمَسُّهُ؟ قَدْ سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قُلْتُ: إِنَّا نَكُونُ بِالمَغْرِبِ وَمَعَنَا البَرْبَرُ وَالمَجُوسُ، نُؤْتَى بِالكَبْشِ قَدْ ذَبَحُوهُ، وَنَحْنُ لَا نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَأْتُونَ بِالسِّقَاءِ يَجْعَلُونَ فِيهِ الوَدَكَ، فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: قَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: دِبَاغُهُ طَهُورُهُ). وأخرج الدَّارقُطنيُّ من طريق الوليد ابن مُسلِمٍ عن أخيه عبد الجبَّار بن مُسلمٍ عن الزُّهريِّ عن عُبيد الله بن عبد الله ابن عُتْبَةَ عن ابن عبَّاسٍ قال: (إِنَّمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ المَيْتَةِ لَحمَهَا، فَأَمَّا الجِلْدُ وَالشَّعْرُ وَالصُّوفُ فَلَا بَأْسَ بِهِ)، ورجاله على شرط الصَّحيح، إلَّا عبد الجَبَّار؛ فإنَّه ضعيفٌ، وأصل الحديث في الصَّحيح من وجهٍ آخر عن الزُّهريِّ مُختصراً بلفظ: (إِنَّمَا حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ لَحمُهَا)، دون بقيَّة الحديث. ولم ينفرد عبد الجَبَّار، بل توبِعَ؛ فأخرجه الدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ من طريق شَبَابَة عن أبي بَكرٍ الهُذَليِّ عن الزُّهريِّ عن عُبيد الله بن عبد الله عن ابن عبَّاسٍ قال: (إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ المَيتَةِ مَا يُؤْكَلُ مِنْهَا، وَهُوَ اللَّحْمُ، فَأَمَّا الجِلْدُ وَالشَّعْرُ وَالصُّوفُ فَهُوَ حَلَالٌ). وأخرجه الدَّارقطنيُّ أيضاً من طريق زَافِرِ بن سُليمان عن أبي بَكْرٍ الهُذَلِيِّ به، وأخرجه أيضاً من وجهٍ آخر عن زَافِرِ بن سُليمان عن أبي بَكْرٍ الهُذَليِّ أنَّ الزُّهريَّ حَدَّثَهُم عن عُبيد الله بن عبد الله عن ابن عبَّاس قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: (﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾

стр. 773

[الأنعام: ١٤٥]، كُلُّ شَيْءٍ مِنَ المَيْتَةِ حَلَالٌ إِلَّا مَا أُكِلَ مِنْهَا، فَأَمَّا الجِلْدُ وَالفَرْوُ وَالشَّعْرُ وَالصُّوفُ، فَكُلُّ هَذَا حَلَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُذَكَّى). وله شاهدٌ أخرجه البيهقيُّ من طريق يوسف بن السَّعْد عن الأوزاعيِّ عن يحيى بن أبي كثيرٍ عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرَّحمن قال: سمعتُ أمَّ سَلَمَة تقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: (لَا بَأْسَ بِمَسْكِ المَيْتَةِ إِذَا دُبِغَ، وَلَا بِصُوفِهَا وَشَعْرِهَا إِذَا غُسِلَ بِالمَاءِ). وله شاهدٌ ثانٍ أخرجه البيهقيُّ عن عبد الله بن قيسٍ البَصريِّ أنَّه سَمِعَ ابن مسعودٍ يقول: (إِنَّمَا حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ لَحمُهَا وَدَمُهَا). وشاهدٌ ثالثٌ أخرجه البَيهقيُّ من طريق أبي وائل عن عمر بن الخَطَّاب أنَّه قال في الفِرَاء: (ذَكَاتُهُ دِبَاغُهُ). وشاهدٌ رابعٌ أخرجه أحمد والبَيهقيُّ من طريق ثابتٍ البُنانيِّ قال: كُنْتُ جَالِساً مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، فَأَتَاهُ ذُو ضَفْرَتَيْنِ، فقال: يَا أَبَا عِيسَى؛ حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنْ أَبِيكَ في الفِرَاءِ، قال: حَدَّثني أبي (أَنَّهُ كَانَ جَالِساً عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أُصَلِّي فِي الفِرَاءِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَأَيْنَ الدِّبَاغُ؟) قَالَ ثَابِتٌ: فَلَمَّا وَلَّى قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ. وشاهدٌ خامِسٌ أخرجه أبو الشيخ ابن حَيَّان والبيهقيُّ عن أنس بن مالكٍ قال: (كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ تَرَى فِي الصَّلَاةِ فِي الفِرَاءِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَأَيْنَ الدِّبَاغُ؟). وروى البيهقيُّ أيضاً عن قَتادَةَ قال: (سألَ داودُ السَّرَّاجُ الحَسَنَ عَنْ جُلُودِ النُّمُورِ وَالسَّمُّورِ (١) تُدْبَغُ بِالمِلْحِ؟ قَالَ: دِبَاغُهَا طَهُورُهَا). فهذه أحاديث وآثارٌ صريحةٌ في الحكم من غير مُعارِضٍ صريحٍ.

стр. 774

حديثٌ آخر: أخرج التِّرمذيُّ وابن ماجه والحاكِم في (المُستدرَك) عن سَلْمانَ الفارسيِّ قال: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الجُبْنِ وَالفِرَاءِ، فَقَالَ: الحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عُفِيَ عَنْهُ)، هذا الحديث بنصِّ رسول الله ﷺ صريحٌ في إباحة الفِراء، كما هو نصٌّ استدلُّوا به في إباحة الجُبْنِ؛ ولهذا بَوَّبَ عليه التِّرمذيُّ: (بابُ لُبْسِ الفِراءِ)، وإنَّما وقع السُّؤال عن هذين بخصوصهما؛ لما قد يُتَوَهَّمُ من نَجاسَتِهما؛ لما في الجُبْن من الإنْفَحَة، ولكَوْن الفِرَاء من مَيْتَةٍ. ولو كان المرادُ الفِرَاء المُذكَّاة لم يَحْسُن السَّؤال عنها؛ للعِلْم بطَهارتِها قَطْعاً، وقد أجاب رسول الله ﷺ عنهما معاً بأنَّهما ممَّا عفا الله عنه. ولهذا الحديث شاهدٌ موقوفٌ على سَلْمان، وأُخرج عن الحَسَنِ مُرْسَلاً، قال التِّرمذيُّ: وفي الباب عن المُغيرة؛ يشيرُ إلى أنَّ للحديث شاهداً من حديث المُغيرة. وله شاهدٌ آخر عن أنسٍ؛ أخرجه الطَّبرانيُّ في (الأوسط) عن راشِدٍ الحِمَّانِيِّ قال: (رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَلَيْهِ فَرْوٌ أَحَمَرُ، فَقَالَ: كَانَتْ لُحُفُنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ نَلْبَسُهَا وَنُصَلِّي فِيهَا)، رجال إسناده ثقاتٌ، إلَّا أحمد بن القاسم. فهذا أيضاً من الأدلَّة. ولو كان الفَرْوُ الذي رآه على أنسٍ من مُذكًّى لم يكن مَحَلَّ إنكارٍ حتَّى احتاج أنسٌ إلى الاستدلال على طهارتها بأنَّهم كانوا يَلْبَسونها ويُصَلُّون فيها على عهد رسول الله ﷺ . ولأصل حديث سَلْمانَ شاهدٌ صحيح من حديث أبي الدَّرْداء؛ أخرجه البزَّار في (مسنده)، وابن المُنْذِر، وابن أبي حاتَم في (تفسيرهما)، والطَّبرانيُّ في (الكبير)، والحاكم في (المُستدرَك) وصحَّحه، وأقرَّه الذهبيُّ في (مختصره)، وابن مَرْدَويه في (تفسيره)، عن

стр. 775

أبي الدَّرداء -رَفَعَ الحديثَ- قال: (مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ اللهِ عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ لِيَنْسَى شَيْئاً، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]). وشاهدٌ آخرَ من حديث جابرٍ: أخرج ابن مَرْدَوَيْه عن جابرٍ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ لِكَعْب بن مالكٍ: (يَا كَعْبُ؛ مَا أَحَلَّ رَبُّكَ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ الله عَافِيَتَهُ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾). وله شاهدٌ آخر من حديث أبي ثَعْلَبَةَ. ويُؤيِّد أنَّ سؤالهم في حديث سَلْمان عن الجُبْنِ لأجل ما فيه من الإنْفَحَة، وعن الفِرَاء لأجل كونه من مَيْتَةٍ: ما رواه سعيد بن منصور في (سُننه) عن عَمْرو بن شُرَحْبيلٍ قال: (ذَكَرْنَا الجُبْنَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَقُلْنَا: إِنَّهُ يُصْنَعُ فِيهِ أَنَافِحُ المَيْتَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: سَمُّوا اللهَ عَلَيْهِ وَكُلُوا). وروى سعيدٌ أيضاً عن الشَّعبيِّ قال: (أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِجُبْنَةٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ، فَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ مِنْ صَنْعَةِ المَجُوسِ، فَقَالَ: اذْكُرُوا اسْمَ اللهِ وَكُلُوا). وروى سعيدٌ أيضاً عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال: (دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى ابنِ عبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ يُصْنَعُ لَنَا بِالعِرَاقِ مِنْ هَذَا الجُبْنِ، وَقَدْ بَلَغَنِي أنَّهُ يُصْنَعُ فِيهِ مِنْ أَنَافِحِ المَيْتَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا عَلِمْتَ أَنَّهُ مِنْ أَنَافِحِ المَيتَةِ فَلَا تَأْكُلْهُ، وَمَا لَمْ تَعْلَمْ فَكُلْهُ. قَالَ لَهُ أَبِي: وَإِنُّهُ يُصْنَعُ لَنَا مِنْ هَذِهِ الفِرَاءِ، وَبَلَغَنِي أَنَّهَا تُصْنَعُ مِنْ جُلُودِ المَيْتَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : دِبَاغُ كُلِّ أَدِيمٍ ذَكَاتُهُ). ورواه الدُّولابيُّ في (الكُنَى) عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: الفِرَاءُ تُصْنَعُ مِنْ جُلُودِ المَيْتَةِ، فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله
следующие страницы →