← Фатава

Фатава · id 635

موسوعة صناعة الحلال

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 187 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

هذان القولان للشَّافعيِّ مشهوران، وأصحُّهما عند الجمهور نصُّه في (الأمِّ) أنَّه لا يَطْهُر، وممَّن صحَّحه من المُصنِّفين أبو القاسم الصَّيْمَريُّ، والشيخ أبو محمَّدٍ الجُوينيُّ، والبَغَويُّ، والشَّاشِيُّ، والرَّافِعِيُّ، وقطع به الجُرْجَانيُّ في (التَّحرير). قال: وصحَّح الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايينيُّ والرُّويانيُّ طهارته؛ قال الرُّويانيُّ: لأنَّ الصحابة في زمن عمر ﵁ قَسَّمُوا الفِرَاء المَغْنومَة من الفُرْس، وهي ذبائح مَجوسٍ. واستدلَّ من صحَّح القول الأوَّل بحديث أُسامة السابق: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ)، وروى أبو داود والنسائي بإسنادٍ حَسنٍ عن المِقْدام بن مَعْدِي كَرِب (أنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ)، وروى أبو داود عن مُعاوية (أنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ رُكُوبِ جُلُودِ النُّمُورِ؟ قَالُوا: نَعَمْ). قال الأصحاب: يُستدلُّ بهذه الأحاديث على أنَّ الشَّعْر لا يَطْهُر بالدِّباغ؛ لأنَّ النَّهي مُتناوِلٌ لما بعد الدِّباغ، وحيث لا يجوز أن يكون النَّهي عائداً إلى نفس الجِلْد؛ فإنَّه طاهرٌ بالدِّباغ بالدَّلائل السابقةِ؛ فهو عائدٌ إلى الشَّعْر. هذا ما في (شرح المُهذَّب). وأقول: الذي يترجَّحُ عندي بالنَّظر في الأدلَّة ما رجَّحه الإسفرايينيُّ والرُّويانيُّ من طهارة الشَّعْر بالدِّباغ. وقد رجَّحَه أيضاً العَبَّادِيُّ وقال: عليه تدلُّ الآثار. وصحَّحه من المتأخِّرين ابنُ أبي عَصْرون في (المُرشِد)؛ لعموم البَلْوَى به، والشيخُ تقيُّ الدِّين السُّبْكِيُّ؛ قال ولدُه في (التَّوشيح): صحَّحَ ابنُ أبي عَصْرون طهارة الشَّعْر بالدِّباغ، قال الوالد في (مجاميعه): وهو الذي أختارُه وأُفْتي به؛ للحديث.

стр. 772

وقال صاحب (الخادم): قال بعضُهم -كأنَّه يعني البُلْقِينيَّ-: هو المختارُ من جهة الدَّليل، لا سيَّما وقد قيل: إنَّ الشَّعْر لا يَنْجُس بالموت. قلتُ: ومن الأدلَّة على ما اخترتُه: ما أخرجه مُسلمٌ في (صحيحه) من طريق أبي الخير مَرْثَد بن عبد الله اليَزَنِيُّ، قال: (رَأَيْتُ عَلَى ابْنِ أَبِي وَعْلَةَ السَّبَئِيِّ فَرْواً، فَمَسِسْتُهُ، فَقَالَ: مَا لَكَ تَمَسُّهُ؟ قَدْ سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، قُلْتُ: إِنَّا نَكُونُ بِالمَغْرِبِ وَمَعَنَا البَرْبَرُ وَالمَجُوسُ، نُؤْتَى بِالكَبْشِ قَدْ ذَبَحُوهُ، وَنَحْنُ لَا نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَأْتُونَ بِالسِّقَاءِ يَجْعَلُونَ فِيهِ الوَدَكَ، فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: قَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: دِبَاغُهُ طَهُورُهُ). وأخرج الدَّارقُطنيُّ من طريق الوليد ابن مُسلِمٍ عن أخيه عبد الجبَّار بن مُسلمٍ عن الزُّهريِّ عن عُبيد الله بن عبد الله ابن عُتْبَةَ عن ابن عبَّاسٍ قال: (إِنَّمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ المَيْتَةِ لَحمَهَا، فَأَمَّا الجِلْدُ وَالشَّعْرُ وَالصُّوفُ فَلَا بَأْسَ بِهِ)، ورجاله على شرط الصَّحيح، إلَّا عبد الجَبَّار؛ فإنَّه ضعيفٌ، وأصل الحديث في الصَّحيح من وجهٍ آخر عن الزُّهريِّ مُختصراً بلفظ: (إِنَّمَا حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ لَحمُهَا)، دون بقيَّة الحديث. ولم ينفرد عبد الجَبَّار، بل توبِعَ؛ فأخرجه الدَّارقطنيُّ والبيهقيُّ من طريق شَبَابَة عن أبي بَكرٍ الهُذَليِّ عن الزُّهريِّ عن عُبيد الله بن عبد الله عن ابن عبَّاسٍ قال: (إِنَّمَا حُرِّمَ مِنَ المَيتَةِ مَا يُؤْكَلُ مِنْهَا، وَهُوَ اللَّحْمُ، فَأَمَّا الجِلْدُ وَالشَّعْرُ وَالصُّوفُ فَهُوَ حَلَالٌ). وأخرجه الدَّارقطنيُّ أيضاً من طريق زَافِرِ بن سُليمان عن أبي بَكْرٍ الهُذَلِيِّ به، وأخرجه أيضاً من وجهٍ آخر عن زَافِرِ بن سُليمان عن أبي بَكْرٍ الهُذَليِّ أنَّ الزُّهريَّ حَدَّثَهُم عن عُبيد الله بن عبد الله عن ابن عبَّاس قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: (﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾

стр. 773

[الأنعام: ١٤٥]، كُلُّ شَيْءٍ مِنَ المَيْتَةِ حَلَالٌ إِلَّا مَا أُكِلَ مِنْهَا، فَأَمَّا الجِلْدُ وَالفَرْوُ وَالشَّعْرُ وَالصُّوفُ، فَكُلُّ هَذَا حَلَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُذَكَّى). وله شاهدٌ أخرجه البيهقيُّ من طريق يوسف بن السَّعْد عن الأوزاعيِّ عن يحيى بن أبي كثيرٍ عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرَّحمن قال: سمعتُ أمَّ سَلَمَة تقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: (لَا بَأْسَ بِمَسْكِ المَيْتَةِ إِذَا دُبِغَ، وَلَا بِصُوفِهَا وَشَعْرِهَا إِذَا غُسِلَ بِالمَاءِ). وله شاهدٌ ثانٍ أخرجه البيهقيُّ عن عبد الله بن قيسٍ البَصريِّ أنَّه سَمِعَ ابن مسعودٍ يقول: (إِنَّمَا حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ لَحمُهَا وَدَمُهَا). وشاهدٌ ثالثٌ أخرجه البَيهقيُّ من طريق أبي وائل عن عمر بن الخَطَّاب أنَّه قال في الفِرَاء: (ذَكَاتُهُ دِبَاغُهُ). وشاهدٌ رابعٌ أخرجه أحمد والبَيهقيُّ من طريق ثابتٍ البُنانيِّ قال: كُنْتُ جَالِساً مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، فَأَتَاهُ ذُو ضَفْرَتَيْنِ، فقال: يَا أَبَا عِيسَى؛ حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنْ أَبِيكَ في الفِرَاءِ، قال: حَدَّثني أبي (أَنَّهُ كَانَ جَالِساً عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أُصَلِّي فِي الفِرَاءِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَأَيْنَ الدِّبَاغُ؟) قَالَ ثَابِتٌ: فَلَمَّا وَلَّى قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ. وشاهدٌ خامِسٌ أخرجه أبو الشيخ ابن حَيَّان والبيهقيُّ عن أنس بن مالكٍ قال: (كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ تَرَى فِي الصَّلَاةِ فِي الفِرَاءِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : فَأَيْنَ الدِّبَاغُ؟). وروى البيهقيُّ أيضاً عن قَتادَةَ قال: (سألَ داودُ السَّرَّاجُ الحَسَنَ عَنْ جُلُودِ النُّمُورِ وَالسَّمُّورِ (١) تُدْبَغُ بِالمِلْحِ؟ قَالَ: دِبَاغُهَا طَهُورُهَا). فهذه أحاديث وآثارٌ صريحةٌ في الحكم من غير مُعارِضٍ صريحٍ.

стр. 774

حديثٌ آخر: أخرج التِّرمذيُّ وابن ماجه والحاكِم في (المُستدرَك) عن سَلْمانَ الفارسيِّ قال: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الجُبْنِ وَالفِرَاءِ، فَقَالَ: الحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عُفِيَ عَنْهُ)، هذا الحديث بنصِّ رسول الله ﷺ صريحٌ في إباحة الفِراء، كما هو نصٌّ استدلُّوا به في إباحة الجُبْنِ؛ ولهذا بَوَّبَ عليه التِّرمذيُّ: (بابُ لُبْسِ الفِراءِ)، وإنَّما وقع السُّؤال عن هذين بخصوصهما؛ لما قد يُتَوَهَّمُ من نَجاسَتِهما؛ لما في الجُبْن من الإنْفَحَة، ولكَوْن الفِرَاء من مَيْتَةٍ. ولو كان المرادُ الفِرَاء المُذكَّاة لم يَحْسُن السَّؤال عنها؛ للعِلْم بطَهارتِها قَطْعاً، وقد أجاب رسول الله ﷺ عنهما معاً بأنَّهما ممَّا عفا الله عنه. ولهذا الحديث شاهدٌ موقوفٌ على سَلْمان، وأُخرج عن الحَسَنِ مُرْسَلاً، قال التِّرمذيُّ: وفي الباب عن المُغيرة؛ يشيرُ إلى أنَّ للحديث شاهداً من حديث المُغيرة. وله شاهدٌ آخر عن أنسٍ؛ أخرجه الطَّبرانيُّ في (الأوسط) عن راشِدٍ الحِمَّانِيِّ قال: (رَأَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَلَيْهِ فَرْوٌ أَحَمَرُ، فَقَالَ: كَانَتْ لُحُفُنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ نَلْبَسُهَا وَنُصَلِّي فِيهَا)، رجال إسناده ثقاتٌ، إلَّا أحمد بن القاسم. فهذا أيضاً من الأدلَّة. ولو كان الفَرْوُ الذي رآه على أنسٍ من مُذكًّى لم يكن مَحَلَّ إنكارٍ حتَّى احتاج أنسٌ إلى الاستدلال على طهارتها بأنَّهم كانوا يَلْبَسونها ويُصَلُّون فيها على عهد رسول الله ﷺ . ولأصل حديث سَلْمانَ شاهدٌ صحيح من حديث أبي الدَّرْداء؛ أخرجه البزَّار في (مسنده)، وابن المُنْذِر، وابن أبي حاتَم في (تفسيرهما)، والطَّبرانيُّ في (الكبير)، والحاكم في (المُستدرَك) وصحَّحه، وأقرَّه الذهبيُّ في (مختصره)، وابن مَرْدَويه في (تفسيره)، عن

стр. 775

أبي الدَّرداء -رَفَعَ الحديثَ- قال: (مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ اللهِ عَافِيَتَهُ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَكُنْ لِيَنْسَى شَيْئاً، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]). وشاهدٌ آخرَ من حديث جابرٍ: أخرج ابن مَرْدَوَيْه عن جابرٍ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ لِكَعْب بن مالكٍ: (يَا كَعْبُ؛ مَا أَحَلَّ رَبُّكَ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ الله عَافِيَتَهُ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾). وله شاهدٌ آخر من حديث أبي ثَعْلَبَةَ. ويُؤيِّد أنَّ سؤالهم في حديث سَلْمان عن الجُبْنِ لأجل ما فيه من الإنْفَحَة، وعن الفِرَاء لأجل كونه من مَيْتَةٍ: ما رواه سعيد بن منصور في (سُننه) عن عَمْرو بن شُرَحْبيلٍ قال: (ذَكَرْنَا الجُبْنَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَقُلْنَا: إِنَّهُ يُصْنَعُ فِيهِ أَنَافِحُ المَيْتَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: سَمُّوا اللهَ عَلَيْهِ وَكُلُوا). وروى سعيدٌ أيضاً عن الشَّعبيِّ قال: (أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِجُبْنَةٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ، فَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ مِنْ صَنْعَةِ المَجُوسِ، فَقَالَ: اذْكُرُوا اسْمَ اللهِ وَكُلُوا). وروى سعيدٌ أيضاً عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال: (دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى ابنِ عبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ يُصْنَعُ لَنَا بِالعِرَاقِ مِنْ هَذَا الجُبْنِ، وَقَدْ بَلَغَنِي أنَّهُ يُصْنَعُ فِيهِ مِنْ أَنَافِحِ المَيْتَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا عَلِمْتَ أَنَّهُ مِنْ أَنَافِحِ المَيتَةِ فَلَا تَأْكُلْهُ، وَمَا لَمْ تَعْلَمْ فَكُلْهُ. قَالَ لَهُ أَبِي: وَإِنُّهُ يُصْنَعُ لَنَا مِنْ هَذِهِ الفِرَاءِ، وَبَلَغَنِي أَنَّهَا تُصْنَعُ مِنْ جُلُودِ المَيْتَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : دِبَاغُ كُلِّ أَدِيمٍ ذَكَاتُهُ). ورواه الدُّولابيُّ في (الكُنَى) عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث قال: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: الفِرَاءُ تُصْنَعُ مِنْ جُلُودِ المَيْتَةِ، فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله

стр. 776

- ﷺ يَقُولُ: (ذَكَاةُ كُلِّ مَسْكٍ دِبَاغُهُ)، فهذا أيضاً صريحٌ في أنَّ الدِّباغ يُطَهِّر الفِراء مُطلَقاً؛ جِلْداً أو شَعْراً. وممَّا يُستدلُّ به لطهارة الشَّعْر بالدِّباغ: إطلاق الأحاديث السابقة في دِباغ إِهاب الشَّاة؛ فإنَّه لو كان الشَّعْر لا يَطْهُر بالدِّباغ لبيَّن لهم ذلك وقال: انزعوا شَعْرَها، وادْبَغُوا الجِلْد وانتفعوا به وحده؛ لأنَّه مَحَلُّ بيانٍ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، فلمَّا أَطلَقَ ولم يُفَصِّل دَلَّ على أنَّ الشَّعْر يَطْهُر بالدِّباغ تبعاً للجِلْد. وممَّا يُستدلُّ به لذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]. وقول الأصحاب: إنَّ هذه الآية محمولةٌ على شَعْر المأكول إذا ذُكِّي وأُخِذَ في حياته. يُجاب عنه: بأنَّ الآية خوطِبَ بها المشركون من أهل مكَّة، ولهذا قيل في أواخر تعداد النِّعَم: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل:٨١]، وقد كان المشركون يذبحون للأصنام، وكان النَّبيُّ ﷺ قَبْلَ البِعثَة يتوقَّف في أَكْل ذبائحهم، فكانت ذبائحهم مَيْتَةً، وقد وردت الآية امتناناً عليهم بالانتفاع بشُعُورها، فدلَّ على أنَّ الدِّباغ طَهَّرَها. وقول بعض الفقهاء: إنَّ (مِنْ) في الآية للتَّبعيض، والمراد البعض الطَّاهر؛ يُنازَعُ فيه بأنَّ (مِنْ) هذه ليست هي التَّبعيضيَّة، بل هي التَّجريديَّة، كما يفهمه مَنْ له خبرة بعِلْم البيان، وكذلك هي في الجملتين الأُولَيين في الآية؛ فهي كالمثال الذي يُمثِّل به أرباب البيان؛ وهو قولهم: لي من فُلانٍ صديقٌ حميمٌ؛ أي: أنَّ فلاناً نَفْسَه صديقٌ حميمٌ، وليس المراد أنَّ بعضَه صديقٌ، وهذا معروفٌ يُسمَّى بالتَّجريد عند عُلماء البلاغة.

стр. 777

استدلال آخر: قال بعض المجتهدين: يمكن أن يُستدلَّ لطهارة الشَّعْر بالدِّباغ بنَفْسِ الحديث؛ وهو قوله: (إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ)؛ لأنَّ اسم الإهاب ينطَلِقُ على الجِلْد بشَعْرِه؛ فيُقال: هذا إِهابُ المَيتَةِ، ولا يلزم أن يُقال: هذا إِهابُها وَشَعْرُها. وإذا انْطَلَق الاسم عليه حصلت الطَّهارة. قال: وممَّا يُؤيِّدُه حديث أبي الخير قال: (رَأَيْتُ عَلَى ابْنِ [أَبِي] وَعْلَةَ فَرْواً، فَكَلَّمْتُهُ فيه، فَقَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: إِنَّا نَكُونُ بِأَرْضِ المَغْرِبِ وَمَعَنَا البَرْبَرُ وَالمُجُوسُ، نُؤْتَى بِالكَبْشِ قَدْ ذَبَحُوهُ، وَنَحْنُ لَا نَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ، وَنُؤْتَى بِالسِّقَاءِ يَجْعَلُونَ فِيهِ الوَدَكَ، فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: قَدْ سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَال: دِبَاغُهُ طَهُورُهُ)، وحديث ثابتٍ البُنَانيِّ قال: كُنْتُ سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى فِي المَسْجِدِ، فَأَتَى شَيْخٌ ذُو ضَفْرَتَيْنِ، فَقَالَ يَا أَبَا عِيسَى؛ حَدِّثْنِي حَدِيثَ أَبِيكَ فِي الفِرَاءِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: (كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله؛ أَنُصَلِّي فِي الفِرَاءِ؟ قَالَ: فَأَيْنَ الدَّبْغُ؟!) فَلَمَّا وَلَّى قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ. قال هذا المجتهد المذكور: ويمكن أنْ يُستدلَّ بالحديث على عدم نجاسة الشُّعور أصلاً ورأساً بأن يُجعَل دليلاً على مُقدِّمةٍ في الدَّليل، وطَريقه أن يُقال: لو نَجُسَ الشَّعْر بالموت لكان طاهراً بعد الدِّباغ، لكن كان طاهراً قبل الدِّباغ فلا يَنْجُس بالموت. بيان الملازَمَة: أنَّ الدِّباغَ إنَّما يُفيد الطَّهارة في ما له أَثَرٌ، ولا أَثَرَ للذَّبائح في الشَّعْر، فلا يُفيد الطَّهارة، وبيان أنَّه طاهرٌ بعد الدِّباغ: أنَّ اسم الإِهاب يُطلَقُ عليه بالشَّعْر المُتَّصِل به؛ فيُقال: هذا إِهابُ الشَّاة -مثلاً-، ولا يلزم أن يُقال: هذا إهابها وشَعْرها؛ فدَلَّ ذلك على إطلاق اسم الإهاب على الجِلْد

стр. 778

بشَعْره، وإذا انطَلَق عليه وَجَب أن يَطْهُر؛ لقوله ﵇: (أَيَّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ)، والاعتراض عليه يمنع الملازمة. وقوله في تقريرها: إنَّ الدِّباغ إنَّما يُفيد الطَّهارة فيما له أَثرٌ فيه، يُقال عليه: إنَّما يُفيدها فيما له فيه أَثرٌ قصداً أو تبعاً. الأوَّل مُسَلَّمٌ، ونحن لا نقول بأنَّه يُفيدها في الشَّعْر قَصداً، وإنَّما يُفيدها تبعاً للجِلْد، بدلالة الحديث، وانطلاق لفظ الإهاب على الجميع. انتهى. ومن الأدلَّة القياسيَّة على طهارة الشَّعْر بالدِّباغ تبعاً للجِلْد: القياسُ على دَنِّ الخَمْر إذا صارت خَلًّا؛ فإنَّه يَطْهُر تبعاً لها. فإن اعتَرَض مُعتَرِضٌ بأنَّ ذاك من مَحَلِّ الضَّرورَةِ. قُلنا: وهذا من مَحلِّ الحاجة، وقد نصَّ الفُقهاء في قواعدهم على أنَّ (الحاجة تُنَزَّل مَنْزِلَة الضَّرورة). وممَّا يُستدلُّ به أيضاً من جهة القياس: مسألة ما لو وَلَغ الكَلْب في إناءٍ فيه ماءٌ قليلٌ، فإنَّ الماء والإناء يَنْجُسان معاً، فلو كُوثِرَ الماءُ حتَّى بلغ قُلَّتَين فإنَّ الماء يَطْهُر، وكذا الإناء تبعاً له في أحد الأوجه، فهذا حُكْمٌ بالطَّهارة على سبيل التَّبعيَّة، فيُقاس عليه الحُكْم بطهارة الشَّعْر على سبيل التَّبعيَّة للجِلْد. وممَّا يُستدلُّ به أيضاً من جهة القياس: مسألة الدَّم الباقي على اللَّحم وعِظامه؛ فإنَّه محكومٌ بطهارته تبعاً للَّحْم؛ لعُموم البَلْوَى به، كما ارتضاه النَّوويُّ في (شرح المُهذَّب)، وقال: قد ذَكَرَه أبو إسحاق الثَّعْلَبيُّ المُفَسِّر من أصحابنا، ونقل عن جماعةٍ كثيرةٍ من التَّابعين أنَّه لا بأس به. ودليلُه: المشقَّة في الاحتراز منه، وصرَّح أحمد وأصحابه بأنَّ ما يبقى من الدَّم في اللَّحْم مَعْفُوٌّ عنه ولو عَلَتْ حُمْرَة الدَّم في القِدْر؛ لعُسْر الاحتراز منه، وحَكُوه عن عائشة، وعِكرمَة، والثَّوريِّ، وابن

стр. 779

عُيَينَة، وأَبي يوسُف، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم. قلتُ: مع أنَّ الأصل في الدَّم النَّجاسَة، وهي فيه أظهر منها في الشَّعْرِ؛ لما تقدَّم من أنَّ أكثر الأئمَّة على عدم تَنْجيس الشَّعْر بالموت؛ فيكون الحُكْم بطهارتِه تبعاً للجِلْد أَوْلَى وأَقْوَى من الحُكم بطهارة الدَّم تبعاً للَّحْم. استدلالٌ آخر من طريق القياس المُسمَّى عندهم قياس العكس؛ قالوا: إذا جُزَّ الشَّعْر من الحيوان الحيِّ المأكول، فهو طاهرٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]، امتنَّ به فكان طاهراً، والمأخوذ به من المذبوح لا يفي بالحاجة في مثل ذلك، فكان شاملاً لما جُزَّ في حال الحياة، فلو قُطِعَ في الحياة عُضْوٌ عليه شَعْرٌ حُكِمَ بنجاسة الشَّعْر تبعاً للعُضْو المحكوم بنجاستِه؛ لقوله ﷺ : (مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ مَيِّتٌ)، فكما حُكِمَ بنجاسَة الشَّعْر تبعاً للجزء المتَّصل به المحكوم بنجاسته، كذلك قياسُه عكسُه إذا حُكِمَ بطهارة الجِلْد بالدِّباغ يُحكَمُ بطهارة الشَّعْر المتَّصل به تبعاً. وشاهدُ أصل قياس العكس: قوله ﷺ : (وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيهِ وِزْرٌ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي حَلَالٍ كَانَ لَهُ أَجْرٌ) رواه مسلم. وطريقةٌ أخرى في الاستدلال: وهو أنَّ الأحاديث التي احتَجَجْنا بها صريحةٌ في المقصود، والأحاديث التي احتُجَّ بها للنَّجاسة -وهي أحاديث النَّهي عن جُلُود السِّباع- ليست صريحةً، وإنَّما استُدِلَّ بها بطريق الاستنباط واللُّزوم للمعنى الذي ذَكَرُوه، و (ما كان صريحاً فهو مُقدَّمٌ على ما كان بطريق اللُّزوم). وقد سَلَكَ ابنُ دَقِيق العِيدِ في

стр. 780

التَّرجيح مَسْلَكاً آخر؛ فقال: نَهْيُهُ ﵇ عن افتراش جُلُود السِّباع مخصوصٌ بالاتِّفاق، وقوله ﵇: (أَيَّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ) غير مخصوصٍ بالاتِّفاق؛ فيُرجَّحُ العملُ به على مُعارِضِه. هذا كلام ابن دقيق العيد. ومَسْلَكٌ آخر في الجواب؛ وهو: أنَّا نمنع عن كَوْن النَّهي عن جُلود السِّباع لأجل شَعْرِها، بل لمعنى آخر أشار إليه الخَطَّابيُّ؛ وهو أنَّها إِنَّما نُهِي عنها من أجل أنَّها مَراكبُ أهل السَّرَفِ والخُيلاء، وتمام ذلك أن يُقال: إنَّه من صُنْع الأعاجم، وقد صحَّت الأحاديث بالنَّهي عن التَّشبُّه بفِعْل الأعاجم -أي الفُرْس-، ويُؤيِّد ذلك أمران: أحدُهما: أنَّ النَّهيَ مُطلَقٌ، ولو كان لأجل نجاسة الشَّعْر لكان يَزولُ بِنَتْفِه، ولا شكَّ أنَّ الحديث شاملٌ للحالتين. والثاني: أنَّه لو كان لأجل نجاسة الشَّعْر لم يكن لتخصيص السِّباع بالذِّكْر فائدةٌ؛ فإنَّ الغَنَم وسائر الحيوانات كانت تساوي السِّباع في ذلك، فلو لم يكن ذلك لمعنًى آخر غير النجاسة، لم يكن لتخصيص السِّباع بالذِّكْر فائدة. وأمر ثالث: وهو أنَّ أبا داود روى في (سُنَنه) من حديث مُعاوية قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا تَرْكَبُوا الخَزَّ وَالنِّمَارَ)؛ فَقِرَانُ الخَزِّ بالنِّمار في هذا الحديث دليلٌ على أنَّ النَّهي فيه للسَّرَف والخُيلَاء، لا للنَّجاسة. وكذلك ما رواه أحمد وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ المِيثَرَةِ، وَالقَسِّيَّةِ، وَحَلْقَةِ الذَّهَبِ، وَالمُفْدَمِ). قال يَزيدُ: وَالمِيثَرَةُ: جُلُود السِّبَاع، وَالقَسِّيَّة: ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ من إِبْرَيْسَمٍ، وَالمُفْدَمُ: المُشَبَّعُ بِالعُصْفُر. وروى الطَّبرانيُّ في (الكبير) عن ثَوْبان قال: (حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -

стр. 781

التَّخَتُّمَ بِالذَّهَبِ، وَالقَسِّيَّةَ، وَثِيَابَ المُعَصْفَرِ، وَالمُفْدَمَ، وَالنُّمُورَ)؛ فَقِرَانُ جِلْد السِّباع والنُّمور بهذه الأشياء في هذين الحديثين دليلٌ على أنَّ النَّهي فيه للسَّرَفِ والخُيلاءِ، لا للنَّجاسة. وروى أبو داود أيضاً عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: (لَا تَصْحَبُ المَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جِلْدُ نَمِرٍ)، وهذا أيضاً يدلُّ على أنَّ النَّهيَ للخُيلاءِ لا للنَّجاسَة؛ لأنَّ الجِلْد النَّجِس لا يَحْرُم اقتناؤه، إنَّما يَحرُم لُبْسُه واستعماله في الأشياء الرَّطِبَة، والحديث دلَّ على ذمِّ اقتنائه مُطلَقاً؛ فعُرِفَ أنَّ المعنى فيه الخُيلاء؛ كأواني النَّقْدَيْن حُرِّمَت للخُيَلاء، فَحُرِّم اقتناؤها. وأمرٌ آخر: وهو أنَّه لو كان النَّهيُ لنجاسة الشَّعْر لم يكن يَمْتَنِع إلَّا الجلوس على الوجه الذي فيه الشَّعْر خاصَّة، ولو قَلَبَه وجَلَس على الوجه الذي لا شَعْر فيه لم يمتنع؛ لأنَّ ذلك الوجه من الجِلْد قد طَهُر بالدِّباغ قَطْعاً، ولا شكَّ أنَّ النَّهيَ شاملٌ للوجهين معاً، كما هو ظاهر الأحاديث السابقة. وعند ابن أبي شيبة في (مسنده) من حديث مُعاوية قال: قال رسول الله ﷺ : (لَا تَجْلِسُوا عَلَى جُلُودِ السِّبَاعِ)، وعند الحارث بن أبي أُسامة في (مسنده)، عن سَمُرَة بن جُنْدُبٍ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُفْتَرَشَ مُسُوكُ السِّبَاعِ)؛ فهذه إطلاقاتٌ شامِلَةٌ للجِلْد بوَجْهَيه؛ فَدَلَّ على أنَّ ذلك لمعنى السَّرَف والخُيلاء، لا للنَّجاسة. وأيضاً: فلم يذكر الفقهاء أنَّه يَحرُمُ الجُلوس على جِلْد المَيتَة النَّجِس، إنَّما ذَكَروا تَحريم لُبْسِه. وإلحاق الافتراش به قد لا يُسَلَّم، والأحاديث صريحةٌ في النَّهي عن افتراش جُلُود السِّباع، والجلوس عليها، والرُّكوب عليها؛ فدلَّ ذلك على أنَّه لمعنًى آخر غير النجاسة. فإن قُلتَ: فقد قال سعيدُ بن منصورٍ في (سُنَنه): ثنا عبد الرحمن بن زياد عن

стр. 782

شُعْبَة عن عبد المَلِك بن مَيْسَرَة عن زَيْد ابن وَهْبٍ قال: (أَتَاهُمْ كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ وَهُمْ فِي بَعْضِ المَغَازِي: بَلَغَنِي أَنَّكُمْ فِي أَرْضٍ تَأْكُلُونَ طَعَاماً يُقَالُ لَهُ: الجُبْنُ، فَانْظُرُوا مَا حَلَالُهُ مِنْ حَرَامِهِ، وَتَلْبَسُونَ الفِرَاءَ، فَانْظُرُوا ذَكِيَّهُ مِنْ مَيِّتِهِ). فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدُها: أنَّ إسناده ضعيفٌ. والثَّاني: أنَّه مُعارَضٌ بما تَقدَّم عن عمر في الجُبْن والفِرَاء أيضاً؛ فقد تَقدَّم أنَّ البيهقيَّ أخرج من طريق أبي وائل عن عمر بن الخَطَّاب أنَّه قال في الفِرَاء: (ذَكَاتُهُ دِبَاغُهُ). الثالث: أنَّ هذا من عمر ليس قولاً بأنَّ الشَّعْر لا يَطْهُر بالدِّباغ ويَطْهُر به الجِلْد، وإنَّما هو مبنيٌّ على قوله بأنَّ الدِّباغ لا يُطَهِّر الجِلْد أصلاً ورأساً، وقد تَقدَّم أنَّه مذهبٌ له، فكان له في المسألة قولان: أحدُهما: أنَّ الدِّباغ يُطَهِّر الجِلْد والشَّعْر معاً. والآخر: أنَّه لا يُطَهِّر لا الجِلْد ولا الشَّعْر، فكُلُّ روايةٍ محمولةٌ على قولٍ من قَوْلَيْه. فهذا ما أدَّانا إليه النَّظر والاجتهاد في هذه المسألة، فأَجَبْنا به على حسب ما التَمَس السَّائل، وقد سَمَّينا هذا الكتاب (تُحفَة الأَنْجَاب بمسألة السِّنْجَاب)، وكان إملاؤه يوم الاثنين سابع مُحرَّم سنة تسعين وثمانمائة، والله أعلم. [الحاوي في الفتاوي للسيوطي (ص ١٣ - ٣١)] * * * شَعْرُ المَأْكولِ المُنْتَتِفُ الطَّالعُ بأُصُولِهِ في الجِلْدِ حَالَ الحَياةِ (٨٧٧) السؤال: شَعْر المأكول المُنْتَتِف الطَّالع بأُصُوله في الجِلْد في حال حياته؛ هل يُحكَم بنجاسته أم لا ؟ الجواب: شَعْر المأكُول طاهرٌ، فإن انفصَل أصلُه مع شيءٍ ممَّا نَبَت فيه من الجِلْد، وفيه رُطُوبةٌ، فهو مُتنجِّسٌ يَطْهُر بغَسْله، ولا يُشكِل هذا على

стр. 783

قولهم: لو قُطِعَ عُضْوٌ من مأكولٍ حال حياته وعليه شَعْرٌ، فالشَّعْر نَجِسٌ؛ لأنَّا نقول: الشَّعْر في مسألتنا مَتْبوعٌ، والجِلْد تابعٌ لقِلَّته، بخلاف مسألة العُضْو؛ فإنَّ الشَّعر تابعٌ. [فتاوى الرملي (١/ ٦٥)] * * * الشَّعْرُ المَحْلُوقُ أو المَقْصُوصُ مِنَ الآدَمِيِّ وغَيْرِهِ (٨٧٨) السؤال: الشَّعْر المَحلوق بالمُوسَى من الآدميِّ، والمَقْصوص من غير الآدميِّ؛ هل هو طاهرٌ ولا يَصْدُقُ عليه قول أهل المَذْهب: المُنْفَصِل من الحيِّ كَمَيْتَتِه، أم لا ؟ الجواب: الشَّعْر المَذكور طاهرٌ، وقوله: «المَنْفَصِل عن الحيِّ كَمَيْتَتِه» لا يَصْدُق على هذا، بل المراد به نحو القَرْن والعَظْم، والله أعلم. [الفتاوى الأجهوريَّة (١/ ٢٩)] * وانظر: فتوى رقم (١١٠٣) * * * شَوْكُ القُنْفُذِ (٨٧٩) السؤال: رِيشُ القُنْفُذ هل هو نَجِسٌ ؟ الجواب: الحمد لله، هو طاهرٌ وإن وُجِدَ بعد موته عند جمهور العُلماء، وهو مذهب مالكٍ، وأبي حنيفة، وأحمد في ظاهر مذهبه. [مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٦٢٢)] * * * اسْتِعْمَالُ جُلُودِ الحَيْوَانَاتِ المُحَرَّمِ أَكْلُهَا فِي المَلْبُوسَاتِ (٨٨٠) السؤال: هل يجوزُ استعمال جُلود وفِراءُ الحيوانات المُحرَّم أَكْلُها في المَلْبوسات التي يستعملها المُسلِم ويُصلِّي فيها ؟ الجواب: روى أحمد وغيره عن أبي المُلَيْح عن أبيه (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ)، وعن مُعاوية (أَنَّ

стр. 784

رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ جُلُودِ النُّمُورِ أَنْ يُرْكَبَ عَلَيْهَا). وقيل: إنَّ النهي للكراهة؛ لأنَّها من مَراكِب أهل السَّرَف والخُيلاء. وقيل: لأنَّه غالباً يبقى فيها شَعْرٌ، والدِّباغ لا يؤثِّر فيه. وقيل: إنَّ النهي عن استعمالها قَبْل الدَّبْغ. وقد رجَّح بعضُ العُلماء جواز الانتفاع بها بعد الدَّبْغ، واختاره الشَّوكانيُّ؛ وذلك لورود الحديث الصحيح بلفظ: (أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ، فَقَدْ طَهُرَ)؛ فلفظه عامٌّ في المأكول وغيره. وذهب أكثر العُلماء إلى أنَّ الدِّباغ إنَّما يؤثِّر في جِلْد مَأْكول اللَّحم؛ لحديث: (دِبَاغُهَا ذَكَاتُهَا)؛ فالذَّكاة لا تُبيح غير المَأْكول، وهذا هو المشهور، ومع ذلك فالواقع أنَّ جُلود السِّباع أصبحت تُباع بأغلى الأثمان، ويُغالِي الكثيرون في اقتنائها واستعمالها، ولا يخرجها ذلك عن الكراهة، والله أعلم. [الفتاوى الشرعية في المسائل الطبيَّة لابن جبرين (٢/ ١٩٣) - (الموقع)] * * * التِّجَارَةُ بالجُلُودِ (٨٨١) السؤال: إنَّ إخواننا المسلمين في سِبِرْيَا الرُّوسِيَّة غالبُهُم يتَّجِرون بالجُلود، وفيها جُلود مَيْتَةٍ غير مدبوغةٍ، وجُلود غير مذكَّاةٍ، وإنَّهم يسألون عنها ويَسْتَفْتون ما حُكْمُها الشَّرعيُّ ؟ وربَّما تكون المعاملة بين المسلمين بالطائفة القَرْغِزِيَّة، فما حُكْمُ ذلك شرعاً؟ هل تكون فيها توسعة إن قلنا: إنَّ دارنا دار حَرْب، ومذهبنا يوسِّعُ فيها في عِدَّة مسائل؛ كمسألة الرِّبا مثلاً؟ هذه المعاملة ممَّا تَعُمُّ به البَلْوَى في تلك الأَقْطار، والمرجو من الأستاذ حَلَّ هذه المسألة، بحيث يُخْرِجُها عن الشُّبهَة ولا يُوقِع حَرَجاً إن شاء الله تعالى. الجواب: روى أحمد والشيخان وأصحاب السُّنن الثلاثة من حديث ابن عبَّاس أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في الشَّاةِ المَيِّتَة: (هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا)، وهذا

стр. 785

اللَّفظ للبُخاريِّ، وفي رواية أخرى له: (هَلَّا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا)، والإهابُ ككتاب الجِلْد، أو ما لم يُدْبَغ منه؛ كما في (القاموس). ولفظ أحمد ومُسلِم وغيرهما: (هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ. فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ. فَقَالَ: إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا)، وذِكْر الدِّباغ بيانٌ لطريق الانتفاع، وليس فيه حَصْرٌ، وفي لفظٍ لأحمد: إِنَّ دَاجِناً لمَيْمُونَةَ مَاتَتْ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : (أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا، أَلَا دَبَغْتُمُوهُ، فَإِنَّهُ ذَكَاتُهُ) أي: إنَّ الدِّباغ مُطهِّرٌ كالذَّكاة. ولا ينافي هذا جواز الانتفاع بالإهاب غير المدبوغ، كما تدلُّ عليه الرِّواية المُطلَقَة. وروى مالكٌ وأبو داود والنَّسائيُّ وابن حِبَّان من حديث مَيمُونة (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِهِ رِجَالٌ يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الحِمَارِ، فَقَالَ: لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا! فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: يُطَهِّرُهَا المَاءُ وَالقَرَظُ) صحَّحه ابن السَّكَن والحافظ. ولعَلَّ هؤلاء لو اكتفوا بأمره إيَّاهم بأَخْذِ إهاب المَيْتَة والانتفاع به لَكَفاهم، ولم يذكر لهم غيره، وحَسْبُك بعبارة الحَصْر في قوله: (إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا) أي: لا الانتفاع بها، وحديث: (لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ)؛ قد أُعلَّ بالاضطراب والإرسال؛ فلا يُعارِض هذه الأحاديث الصحيحة، ولا يَنْسَخها. ولا يُعارِضُها ما ورد في النَّهي عن شحوم المَيْتَةِ؛ فإنَّها ممَّا يُؤكَلُ، فَسُدَّتْ الذريعة إليه. وأَمْثَل ما قيل في النهي عن استعمال جُلود السِّباع: أنَّها مَدْعاة القَسْوة والكِبْر. هذا وإنَّ المراد بالتَّنَزُّه عن النجاسة هو أن يكون المؤمن طاهراً نظيفاً بعيداً عن الأقذار، وما فيها من المهانة والمضارِّ، ولذلك كان الدِّباغ مُطهِّراً؛ لأنَّه يُزيل العُفونة والرُّطوبة التي يَنتُنُ بها الجِلْد، فكلُّ ما يُزيل ذلك فهو دباغٌ مُطَهِّرٌ، والذين يشترون جُلود

стр. 786

المَيْتَة لا يتركونها بغير دِباغٍ ولا معالجةٍ حتَّى تفسد عليهم، بل يُعالجونها حتَّى ينتفعوا بها. فالذي أراه وأعتقده أنَّ التجارة بهذه الجلود جائزٌ شرعاً، لا إثْم فيه ولا حرج، وإذا باعها المسلم من غير المسلمين كان لجواز البيع وجهٌ آخر عند الذين يقولون: إنَّ المخالفين لا يُكلَّفون العمل بفروع الشريعة، وعليه الحنفيَّة، ووراء هذا كُلِّه ما أشار إليه السائل من أنَّ التزام العقود الصحيحة في المعاملات إنَّما يجب في دار الإسلام، إلَّا أن يُقال: إنَّ في النَّهي عن بيع النَّجِس معنًى غير كونه عَقْداً فاسداً، والعُمْدة في المسألة ما ذكرناه أوَّلاً، والله أعلم بالصواب. [فتاوى محمد رشيد رضا (٢/ ٦٨٧، ٦٩١ - ٦٩٢)] * * * رابعاً: الاستحالة والاستهلاك: تخليل الخَمْر (٨٨٢) السؤال: قلتُ: أرأيتَ ما سألتُك عنه من هذه الأَشْربة كُلِّها إذا فَسَدَت وصارت خَمْراً، أَيَحِلُّ إصلاحُها وهي عند مُسلِمٍ يُخلِّلُها، أم لا في قول مالكٍ ؟ الجواب: قال: قال مالكٌ: الخَمْر إذا مَلَكَها المسلمُ فَلْيُهْرِقْها، فإن اجترأ عليها فخَلَّلها حتَّى صارت خلًّا فليأكلها، وبئس ما صنع. [المدوّنة الكبرى (٤/ ٥٢٥)] * * * استحالَةُ الخَمْرِ إِلَى خَلٍّ (٨٨٣) السؤال: الخَمْرَة إذا انقَلَبَت خَلًّا ولم يَعْلَم بقَلْبِها؛ هل له أن يأكُلَها؟ أو يبيعَها؟ أو إذا عَلِمَ أنَّها انقَلَبَت؛ هل يأكُل منها أو يبيعها ؟ الجواب: أمَّا التَّخليل ففيه نزاعٌ؛

стр. 787

قيل: يجوز تخليلها، كما يُحكَى عن أبي حنيفةَ. وقيل: لا يجوز، لكن إذا خُلِّلت طَهُرت، كما يُحكَى عن مالكٍ. وقيل: يجوز بنَقْلِها من الشَّمسِ إلى الظِّلِّ وكَشْف الغطاء عنها ونحو ذلك، دون أن يُلقَى فيها شيءٌ، كما هو وجهٌ في مذهب الشَّافعيِّ وأحمد. وقيل: لا يجوز بحال، كما يقوله من يقوله من أصحاب الشَّافعيِّ وأحمد. وهذا هو الصَّحيح؛ فإنَّه قد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ (أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ خَمْرٍ لِيَتَامَى، فَأَمَرَ بِإِرَاقَتِهَا. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ فُقَرَاءُ. فَقَالَ: سَيُغْنِيهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ)، فلمَّا أَمَر بإراقتها ونَهَى عن تَخليلها، وَجَبَت طاعتُه فيما أَمَر به ونَهَى عنه؛ فيَجِب أنْ تُراق الخَمْرَة ولا تُخلَّل، هذا مع كونهم كانوا يتامى، ومع كون تلك الخَمْرَة كانت مُتَّخذَةً قبل التَّحريم، فلم يكونوا عُصاةً. فإن قيل: هذا منسوخٌ؛ لأنَّه كان في أوَّل الإسلام، فأُمِرُوا بذلك كما أُمِرُوا بكَسْر الآنية، وشَقِّ الظُّروف ليَمتنعوا عنها. قيل: هذا غلطٌ من وجوهٍ: أحدُها: أنَّ أمْرَ الله ورسوله لا يُنسَخ إلَّا بأَمْر الله ورسوله، ولم يَرِدْ بعد هذا نصٌّ ينسخُه. الثَّاني: أنَّ الخلفاء الرَّاشدين بعد موته عملوا بهذا؛ كما ثبت عن عمر ابن الخطَّاب أنَّه قال: (لَا تَأْكُلُوا خَلَّ خَمْرٍ إِلَّا خَمْراً بَدَأَ اللهُ بِفَسَادِهَا، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مُسْلِمٍ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ خَلِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ)، فهذا عمر يَنْهَى عن خَلِّ الخَمْر التي قُصِدَ إفسادُها، ويأْذَنُ فيما بدأ الله بإفسادها، ويُرخِّص في اشتراء خَلِّ الخَمْر من أهل الكتاب؛ لأنَّهم لا يُفسِدون خَمْرَهم، وإنَّما يتخلَّل بغير اختيارهم. وفي قول عمر حُجَّةٌ على جميع الأقوال. الوجه الثَّالث: أن يُقال: الصَّحابةُ كانوا أطْوَع النَّاس لله ورسوله، ولهذا

стр. 788

لمَّا حُرِّمَ عليهم الخَمْر أراقوها، فإذا كانوا مع هذا قد نُهوا عن تخليلها وأُمِروا بإراقتها، فمَنْ بَعْدَهم من القرون أَوْلَى منهم بذلك؛ فإنَّهم أقلُّ طاعةً لله ورسوله منهم. يُبيِّن ذلك: أنَّ عمر بن الخطَّاب غَلَّظ على النَّاس العُقوبة في شُرْب الخَمْر، حتَّى كان ينفي فيها؛ لأنَّ أهل زمانه كانوا أقلَّ اجتناباً لها من الصَّحابة على عهد رسول الله ﷺ ، فكيف يكون زمانٌ ليس فيه رسول الله ﷺ ، ولا عمر بن الخطَّاب ﵁؟ لا ريب أنَّ أهله أقلُّ اجتناباً للمَحارِم، فكيف تُسَدُّ الذَّريعة عن أولئك المُتَّقين وتُفتَح لغيرهم وهم أقلُّ تقوى منهم؟ وأمَّا ما يُروَى: «خَيْرُ خَلِّكُمْ خَلُّ خَمْرِكُمْ»؛ فهذا الكلام لم يقُلْه النَّبيُّ ﷺ ، ومن نقله عنه فقد أخطأ، ولكن هو كلامٌ صحيحٌ؛ فإنَّ خلَّ الخَمْر لا يكون فيها ماءٌ، ولكن المراد به الذي بَدَأ الله بقَلْبِه. وأيضاً: فكُلُّ خَمْرٍ يُعمَل من العِنَب بلا ماءٍ فهو مِثْل خَلِّ الخَمْر؛ وقد وَصَف العُلماء عمل الخلِّ: أنَّه يُوضَع أوَّلًا في العِنَب شيءٌ يُحمِّضُه حتَّى لا يستحيل أوَّلاً خَمْراً. ولهذا تنازعوا في خَمْرَة الخِلال؛ هل يَجِبُ إراقتُها؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره؛ أظهرُهما: وُجوبُ إراقتها كغيرها؛ فإنَّه ليس في الشَّريعة خَمْرَةٌ مُحترمَةٌ، ولو كان لشيءٍ من الخَمْرِ حُرْمَةٌ لكانت لخَمْرِ اليتامى التي اشتُريَت لهم قبل التَّحريم؛ وذلك أنَّ الله أَمَر باجتناب الخَمْر، فلا يجوزُ اقتناؤها، ولا يكون في بيت مُسلِم خَمْرٌ أصلاً، وإنَّما وقعت الشُّبهَة في التَّخليل؛ لأنَّ بعض العُلماء اعتقد أنَّ التَّخليل إصلاحٌ لها، كدِباغ الجِلْد النَّجِس. وبعضُهم قال: اقتناؤها لا يجوز؛ لا لتَخْليل ولا غيره، لكن إذا صارت خَلًّا فكيف تكون نَجِسَةً.

стр. 789

وبعضُهم قال: إذا أُلقِيَ فيها شيءٌ تَنَجَّسَ أوَّلًا، ثُمَّ تَنَجَّست به ثانياً، بخلاف ما إذا لم يُلْقَ فيها شيءٌ؛ فإنَّه لا يُوجِبُ التَّنْجيس. وأمَّا أهل القول الرَّاجح؛ فقالوا: قَصْدُ المُخَلِّل لتَخْليلها هو المُوجِبُ لتَنْجيسها؛ فإنَّه قد نُهِيَ عن اقتنائها، وأُمِر بإراقتِها، فإذا قَصَدَ التَّخليل كان قد فَعَل مُحرَّماً، وغاية ما يكون تَخْليلها كتَذْكية الحيوان، والعَيْنُ إذا كانت مُحرَّمةً لم تَصِر مُحلَّلةً بالفعل المنهيِّ عنه؛ لأنَّ المعصية لا تكون سبباً للنِّعمة والرَّحمة؛ ولهذا لمَّا كان الحيوان مُحرَّماً قبل التَّذكية، ولا يُباح إلَّا بالتَّذكية، فلو ذكَّاه تذكيةً مُحرَّمةً؛ مثل أن يُذكِّيَه في غير الحَلْق واللَّبَّة مع قُدْرَتِه عليه، [أو لا] يقْصِد ذكاته، أو يأمُر وثنيًّا أو مجوسيًّا بتَذْكيته، ونحو ذلك، لم يُبَحْ. وكذلك الصَّيدُ إذا قَتَلَه المُحرِمُ لم يَصِرْ ذَكِيًّا؛ فالعَيْن الواحدة تكون طاهرةً حلالاً في حالٍ، وتكون حَراماً نَجِسَةً في حالٍ؛ تارةً باعتبار الفاعِل؛ كالفَرْق بين الكتابيِّ والوَثَنيِّ، وتارةً باعتبار الفِعْل؛ كالفَرْق بين الذَّبيحة بالمُحَدَّد وغيره، وتارةً باعتبار المَحَلِّ وغيره؛ كالفَرْق بين العُنُق وغيره، وتارةً باعتبار قَصْدِ الفاعِل؛ كالفَرْق بين ما قُصِدَ تذكيتُه وما قُصِدَ قَتْلُه، حتَّى إنَّه عند مالك والشَّافعيِّ وأحمد: إذا ذَكَّى الحلالُ صَيْداً أُبيحَ للحَلال دون المُحرِم؛ فيكون حلالاً طاهراً في حقِّ هذا، حَراماً نَجِساً في حَقِّ هذا. وانقلابُ الخَمْر إلى الخَلِّ من هذا النَّوع؛ مثل ما كان ذلك محظوراً؛ فإذا قَصَدَه الإنسان لم يَصِرْ الخَلُّ به حَلالاً ولا طاهِراً، كما لم يَصِرْ لحمُ الحيوان حَلالاً طاهِراً بتذكيةٍ غير شَرعيَّةٍ. وما ذكرناه عن عمر بن الخَطَّاب هو الذي يُعتَمَدُ عليه في هذه المسألة؛ أنَّه متى عُلِمَ أنَّ صاحِبَها قد قَصَدَ تخليلَها لم تُشتَرَ منه، وإذا لم يُعلَم ذلك جاز اشتراؤها منه؛ لأنَّ العادة أنَّ صاحب

стр. 790

الخَمْر لا يرضَى أنْ يُخلِّلها. والله أعلم. [مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٨٣ - ٤٨٧)] * * * تَخَلُّلُ الخَمْرِ بَعْدَ غَلْيِهَا بالمَاءِ (٨٨٤) السؤال: الخَمْرَةُ إذا غُلِيَت بالنَّار ثُمَّ تَخلَّلَت؛ هل تَطْهُر أم لا ؟ الجواب: تَطْهُر بتَخَلُّلها. [فتاوى الرملي (١/ ٧٦)] * وانظر: فتوى رقم (٨١٧) * * * ضَابِطُ الاسْتِحَالَةِ عِنْدَ العُلَمَاءِ (٨٨٥) السؤال: ما حُكْم الاسْتِحالَة في المَطْعومات؟ مثال ذلك: خَلْطُ كمِّيَّةٍ قليلةٍ من مادَّةٍ مُحرَّمَةٍ مع كمِّيَّةٍ كبيرةٍ من مادَّة طاهِرَةٍ؛ كخمسة كيلوجرامات من مِنْفَحَة خنزير مع سِتِّين طَنًّا من الحليب لأجل التَّجْبين . - فهل المادَّة المُحَرَّمة باقية في التركيب، أم تتغلَّب عليها المادَّة المُباحة؟ - وهل يمكن قياس المائعات في الطَّهَارات على الماء؛ كالزَّيْت والخَلِّ والحليب والمشروبات إذا كانت فوق قُلَّتَيْن لا تحمل الخَبَث؟ هناك من يقول بأن الاستحالة لا تتحقَّق بخَلْط الشيء النَّجِس مع الطاهر، وإنَّما تكون بمعالجة الشيء النَّجِس حتَّى يتحوَّل عن أصله؛ كحَرْق النَّجاسة لوحدها أو مع غيرها حتَّى تصير رماداً، أو تحويل الحَجَر الصَّمِّ جِيراً أبيض بالإحراق؛ فما هو ضابط الاستحالة يرحمكم الله؟ الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أمَّا بعد: فالاستحالةُ: هي انقلابُ الشيء من حقيقته إلى حقيقة أخرى، أو هي تغيُّر العَيْن وانقلاب حقيقتها إلى حقيقةٍ أخرى؛ كالعَذِرَة تُصبِح رَماداً، والخَمْر ينقلب خَلًّا، والخنزير مِلْحاً.

стр. 791

والعُلماء متَّفقون على هذا المضمون للاستحالة، وإن اختلفت عباراتهم. فالحنفيَّة يُعرِّفون الاستحالة بأنَّها: تغيُّر العَيْن وانقلابُ حقيقتها إلى حقيقةٍ أخرى. انتهى من (الدُّرِّ المُخْتار ١/ ٢١٠). والشافعيَّة يقولون: انقلابُ الشيء من صِفَةٍ إلى صِفَةٍ أخرى. انتهى من (المجموع ١/ ٥٥). وعند المالكيَّة: الاستحالة تحوُّل المادَّة عن صفاتها، وخروجها عن اسمها الذي كانت به إلى صفات واسمٍ يختصُّ بها. انتهى من (مواهب الجليل ١/ ٩٧). واعلم أنَّ العُلماء اتَّفقوا على طهارة الخَمْر إذا صارت خَلًّا بدون فِعْل فاعِلٍ. واختلفوا في طهارة باقي النجاسات بالاستحالة، ... وبالنسبة لقياس المائعات على الماء في التطهير؛ فالرَّاجح من أقوال أهل العِلْم أنَّ المائع الطاهر إذا لم يتغيَّر بملاقاة النَّجاسة فإنَّه يبقى طاهراً، وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، والزُّهري، والبُخاري، وروي عن مالك، وهو مذهب أبي حنيفة. والله أعلم. [فتاوى الشبكة الإسلامية (رقم ٢٩٣٣٤)] * وانظر: فتوى رقم (٩٤٧، ٩٤ ٨، ٩٤٩) * * * (٨٨٦) السؤال: هل يكفي لاستحالة شيءٍ أن يتغيَّر لونُه وطعمُه ورائحتُه؟ لأنَّني أظنُّ أنَّ الجِيلَاتين المُستَخْرَجة من جُلود الخنزير متغيِّرة اللَّون، والطَّعْم، والرَّائحة بالنسبة للمادَّة الأصليَّة ، لكن تركيبها الكيميائيَّ قريبٌ من التركيب الكيميائيِّ للمادَّة الأصليَّة، والتفاعلات التي يقومون بها ليست تفاعلات قويَّة تغيِّر تغييراً تامًّا المادَّة الأصليَّة إلى عَيْن أخرى، مثل تحوُّل الخَمْر إلى خل مثلًا. الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام

стр. 792

على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أمَّا بعد: فقد بيَّنَّا ضوابط الاستحالة في الفتوى (رقم ٢٩٣٣٤)، وأنَّها تغيُّر حقيقة العَيْن. فالمهمُّ هو التغيُّر الحقيقي بزوال العَيْن النَّجِسَة، وتحوُّلها إلى عَيْنٍ مُخالِفَة لها، تُفارقها في اسْمِها، ووَصْفِها. وأمَّا التغيُّر البسيط في التركيب الكيميائيِّ فليس هو الضابط، فتركيب الكُحول - وهو خَمْرٌ- ch ٢ ch ٣ oh، وتركيب الخَلِّ - حمض الأسيتيك: حمض الخَلِّيك- ch ٣ cooh، فهما مُسْتَويان في عدد ذرَّات الكَرْبُون، ومتقاربان في باقي المُرَكَّب، ومع هذا فالخَلُّ هو عَيْنٌ مُستحيلَةٌ من الخَمْر، يجوز استعماله إجماعاً إذا استحال بنفسه، قال ابن تيمية ﵀: وقد اتَّفقوا جميعهم أنَّ الخَمْر إذا استحالت بفعل الله سبحانه فصارت خلًّا طَهُرَت. وليست العبرة أيضاً بنوع التفاعل قوَّة وضَعْفًا، وإلَّا فانقلاب الكُحول خمراً يحصل أحياناً بنفسه، والعكس، وأحياناً بنَقْلِها، وهذا معلومٌ، بل قد ذَكَرَهُ الفُقهاءُ؛ جاء في (الروض المُرْبِع) ممزوجاً بـ (الزاد): فإن خُلِّلَتْ أو نُقِلَتْ لِقَصْدِ التَّخْليل لم تَطْهُر. والله أعلم. [فتاوى الشبكة الإسلامية (رقم ٢٤٧٥٦٤)] * وانظر: فتوى رقم (١٠٣١) * * * اسْتِخْدَامُ المِيَاهِ المُعَالَجَةِ لِغَيْرِ الشُّرْبِ (٨٨٧) السؤال: يُرجَى التكرُّم بالعِلْم بأنَّنا بصدد ممارسة نشاط الاستزراع السَّمَكيِّ في القَسِيمَة المُخصَّصة للشركة، الواقعة في منطقة الصُّلَيْبِيَّة، وعليه يُرجَى التكرُّم بإفادتنا عن مدى شرعيَّة استخدام المياه المُعالَجَة في نشاط الاستزراع السَّمَ كيِّ. الجواب: ترى اللَّجنة جواز

стр. 793

استعمال المياه المُعالَجة لتربية السَّمَك فيها، إذا كانت هذه المعالجة قد أدَّت إلى خُلُوِّ المياه من النجاسات العَيْنيَّة، وإزالة أوصافها من لون، وطعم ورائحة، ولم يثبت من استعمالها أيُّ ضررٍ صحِّيٍّ. والله تعالى أعلم. [مجموعة الفتاوى الشرعية الكويتية (٢٧/ ٣١)] * * * اسْتِخْدَامُ مِيَاهِ الصَّرْفِ الصَّحِّيِّ النَّجِسَةِ بَعْدَ تَنْقِيَتِهَا (٨٨٨) السؤال: يُرجَى التكرُّم بإفادتنا بالاشتراطات والمُحدِّدات المقرَّرة من قِبَلِكُم للموافقة على إنشاء محطَّةٍ مركزيَّةٍ، أو عدَّة محطَّات صَرْف صِحِّيٍّ خاصَّةٍ بمدينةٍ سَكَنيَّةٍ . ونودُّ أن نفيدكم عِلْماً بأنَّ محطَّة التنقية المقصودة هي لغرض معالجة مياه الصَّرْف الصحِّي للمدينة، وإنتاج مياه مُعالَجة؛ لغرض استخدامها كمياه سَقْي للمَزْروعات، وغسيل السيَّارات والشوارع، وتكون مواصفات المياه المُنْتَجَة مطابقة للمواصفات المُعتمَدَة من قِبَلِ الأشغال العامَّة (للمياه المُعالَجة ثلاثيًّا). الجواب: إنَّ تطهير مياه المجاري ممكنٌ شرعاً بإخراج عَيْن النجاسات منه إنْ كانت مُجَسَّدةً؛ كأعضاء الحيوانات المَيِّتَة مثلاً، ثمَّ بإزالة أوصاف النجاسات، وهي اللَّون والرَّائحة والطَعْم، بأيِّ وسيلةٍ متاحةٍ، فإذا لم يَبْقَ للنجاسة أثرٌ حُكِمَ بطهارة هذه المياه، سواء أصبحت صالحةً للشُّرْب من الناحية الصحِّيَّة أم لا، وعُدَّ هذا الماء طاهراً مُطَهِّراً؛ -يجوز الوضوء والاغتسال من الجنابة به وإزالة سائر النجاسات-، ثمَّ إن صَلُح للشُّرْب أُذِنَ بشُرْبه وإلَّا فلا، إلَّا أنَّ اللَّجنة تنصح باستعمال المياه المُطَهَّرة على الوجه المُتقدِّم في أمور الزراعة،

стр. 794

وسقاية الحيوانات، وأمور الصناعة، وغير ذلك، دون شُرْب الإنسان منها مهما بَلَغَت هذه المياه من النقاء والطهارة؛ وذلك مراعاة للمشاعر العامَّة، وبُعْداً عن الشُّبُهات. والله تعالى أعلم. [مجموعة الفتاوى الشرعية الكويتية (٢٥/ ٣٩)] * * * تَصْنِيعُ الدَّمِ عَلَفاً لِلْحَيْوَانَاتِ (٨٨٩) السؤال: هل يجوزُ تصنيعُ الدَّم للأعْلاف الحيوانيَّة ؟ وأفاد د. عيسى زكي -عضو لجنة الفتوى- بأنَّ طريقة التصنيع بأن يُطبَخ الدَّم وتتبخَّر منه جميعُ الموادِّ عدا البروتين، ومن ثَمَّ يُضاف البروتين المتبقِّي إلى عَلَف الحيوان؛ ممَّا يرفع نسبة البروتين في العَلَف إلى ٩٠%، وأمَّا ما يُضاف إلى العَلَف من أحشاء أو عظام فإنَّها لا ترفع نسبة البروتين في الأعلاف إلَّا بنسبة ٤٠%. كما أشار بأنَّ الدَّم يتحوَّل كُلِّيةً بعد الطَّبْخ، فلا يُسمَّى دَماً، وعَرَضَ على اللَّجنة عَيِّنةً من الدَّم بعد تصنيعه. الجواب: رأت اللَّجنة الأخذ بأقوال الفقهاء القائلين بأنَّ تحويل أعيان النَّجاسة عن طبيعتها بحيث تفقد خواصَّها الأصليَّة يُخرِجُها عن حُكْم النَّجاسة بهذا التحوَّل. وعليه؛ فإذا كان الدَّم المُصنَّع قد خرج بتصنيعه وتحويله من دَم إلى مادَّة غذائيَّة (بروتين) عن طبيعة الدَّم وخواصِّه، فإنَّه يُخرِجُه بذلك عن حُكْمِه الأصليِّ وهو النَّجاسة، ويجوز بناءً على ذلك الانتفاع به في تصنيع عَلَف الحيوانات. والله أعلم. [الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (٢/ ١٥)] * * * اسْتِخْدَامُ مُنْتَجٍ دَوَائِيٍّ مُسْتَخْلَصٍ مِنَ الدَّمِ (٨٩٠) السؤال: يُرجَى التكرُّم

стр. 795

بإفادتنا بجواز استخدام مُنْتَج على شكل حُبوب لعِلاج حالات فَقْر الدَّم والأَنِيمْيا الحادَّة، عِلْماً بأنَّ المُنْتَج يتركَّب من: ١ - مستخلص بروتين الهيموجلوبين من دَم العُجول والمُدَعَّم بالحديد، ويُستخدَم لعِلاج فَقْر الدَّم والأَنِيمْيا الحادَّة. ٢ - موادَّ مُضافَةٍ (كالسيوم، فُسْفات، سِيليلوز، مَغْنِيسيوم، ستريت، سيليكون، دايوكسيد). ٣ - موادَّ حافظة وموادَّ أخرى تُستخدَم في تغليف الحَبِّ. الجواب: إذا استحال الدَّم في هذا الدواء كيميائيًّا إلى مادَّة أخرى أصبح طاهراً، وجاز استعمالُه عند الحاجة مُطْلَقاً، وإذا لم يَستَحِل كيميائياً إلى مادَّة أخرى فلا يجوز استعماله للدَّواء وغيره، إلَّا إذا تعيَّن دواءً لمرض مُعيَّن من قِبَلِ الأطبَّاء المتخصِّصين، ولا يفي غيرُه من الطاهرات عنه، والله تعالى أعلم. [مجموعة الفتاوى الشرعية الكويتية (٢٨/ ٣٠)] * وانظر: فتوى رقم (١٠٧٠، ١٠٧١) * * * اسْتِخْدَامُ دَمِ وَلَحْمِ الخِنْزِيرِ وَالحَيْوَانَاتِ النَّافِقَةِ كَغِذَاءٍ للدَّوَاجِنِ (٨٩١) السؤال: اطَّلعنا على السؤال المُقدَّم ... المُتضمِّن السؤال عن الحُكْم الشرعيِّ في استخدام دِمَاء ولحُوم الخنزير في تصنيعها كغِذاء للدَّواجن وغيرها ، وكذلك دِماء ولحوم الأنواع الأخرى من الحيوانات التي تُعدُّ لُحومها للأَكْل من الأَبْقار والجاموس والجِمَال والأغنام التي يتمُّ ذَبْحُها حسب الشريعة الإسلاميَّة ويثبت عدم صلاحيَّتها للاستهلاك الآدمي، إلى جانب الحيوانات التي تَنْفُق قبل ذَبْحِها.

стр. 796

مع العِلْم بأنَّ المجازر الآليَّة للدَّواجن التي أُنشِئَت في السنوات الأخيرة بمصر تضمُّ مصانع لتصنيع مخلَّفات الذَّبح من الدِّماء واللُّحوم الغير صالحة للاستهلاك الآدمي، وكذلك النافقة منها، والتي تعتبر مصدراً أساسيًّا لأعلاف تغذية الدَّواجن. الجواب: ... إنَّ تحريم أَكْل المَيْتَة والدَّم ولحم الخنزير وغيرها وَرَدَ ذِكْرُه في القرآن الكريم؛ من ذلك: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ .. ﴾ [المائدة: ٣] إلى آخر الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥]. هذا؛ وقد اختلف الفقهاء فيما إذا كانت النجاسة العَيْنيَّة تَطْهُر بالتَّحوُّل؛ أي باستحالتها إلى عَيْن أُخرى، مع اتِّفاقهم على أنَّ الخَمْر إذا صارت خَلًّا طَهُرَت، وحَلَّ استخدام هذا الخَلِّ. وقد رَجَّح فقهاء المذهب الحنفيِّ ما ذهب إليه الإمامان أبو حنيفة ومحمَّد من أنَّ تحوُّل العَيْن النَّجِسَة -أي استحالتها إلى مادَّة أخرى- بزوال صِفَتها وحقيقتها الأُولَى تعيدها طاهرةً، ومثَّلوا لذلك بحِلِّ أَكْل الزَّرْع

стр. 797

المَسْقِيِّ بنجاسةٍ، وأَكْل لحم الحيوان إذا سُقِيَ خَمْراً، وطهارة الصابون المصنوع بالزَّيت النَّجِس. وقد حقَّق ابن تيمية من فقهاء مذهب الإمام أحمد بن حنبل أنَّ استحالة النجاسة تُذْهِبُ بخَبَثِها فتصير طاهرةً، ومثل ذلك في كتب فقه الإمام الشافعي، وفي كتب فقه الإمام مالك على المعتمد أنَّ تغيير النجاسة واستحالتها إلى شيءٍ آخر مُطَهِّر لها، كما أنَّه يجوز عَلْف الطعام المُتنَجِّس للدَّواب. لمَّا كان ذلك؛ فإن المستفاد من أقوال الفقهاء أنَّ العَيْن النَّجِسَة إذا تحوَّلت إلى عَيْن أخرى طَهُرت، ومثَّلوا لذلك بما إذا وقع حمارٌ أو خنزيرٌ في مَلَّاحَةٍ فتحوَّل مِلْحاً خالِصاً، كان هذا المِلْح طاهراً مباحاً؛ لانقلاب ذاته وصفاته إلى شيءٍ آخر مُخالِف تماماً لذاته وخواصِّه الأُولَى. وإذا كان ذلك؛ فإذا كان تصنيع مُخلَّفات المَجْزَر الآليِّ من دِماء ولُحوم لتكون غذاءً للدَّواجن وغيرها، إذا كان التصنيع تتغيَّر به خواصُّ وصفات هذه الموادِّ النَّجِسَة وتتحوَّل إلى صفات وخواصَّ أخرى على نحو الأمثلة التي ضَرَبَها الفقهاء والمشار إليها، كان ذلك -أي انقلاب عَيْن النجاسة وتحوُّلها إلى شيء آخر- مُطهِّراً لها، ويَحِلُّ استعمالها أعلافاً للدَّواجن وغيرها من الحيوانات التي تُذْبَح ليأكُلها الناس. أمَّا إذا كان هذا التصنيع مُجرَّد طحين وخَلْطٍ لها بموادَّ أخرى مع بقاء عَيْنِها، فإنَّه لا يُخرِجُها عن نجاستها؛ لبقاء ذات عَيْنِها النَّجِسَة، وإذا كان ذلك وجب على القائمين على هذا المشروع استبانة واقع هذا العمل قبل الإقدام عليه؛ وقايةً للناس من الوقوع في مخالفة أحكام الإسلام التي شرعها الله؛ حِفاظاً على حياتهم وصحَّتهم على ما وضح من تلك القواعد والأمثلة،

стр. 798

والعِلْم والعمل به أمانةٌ، فلنحفظ هذه الأمانة، لاسيَّما وإنِّ تحريم النجاسات -حيوانيَّةً وغيرها- يرجع في جملته إلى تأثير الأغذية في طِبَاع الناس وسلوكهم، وذلك من حكمة تحريم المُحرَّمات منها؛ كالخنزير، والكَلْب، وغيرهما ممَّا حرَّم الله. والله أعلم. [الفتاوى الإسلامية من دار الإفتاء المصرية (٢٣/ ٨٨٠٦ - ٨٨٠٩)] * وانظر: فتوى رقم (٢٤٥) * * * اسْتِخْدَامُ المُلَوِّنَاتِ المُسْتَخْرَجَةِ مِنَ الحَشَرَاتِ فِي الصِّنَاعَاتِ الغِذَائِيَّةِ (٨٩٢) السؤال: ما حُكْم استخدام مادَّةٍ مُلوِّنَةٍ في الصناعات الغذائيَّة وهي carmine E ١٢٠ مُستخرَجة من حَشَرةٍ عن طريق غَلْي الحَشَرَة، ومن ثَمَّ فَلْتَرة السائل المُلَوَّن واستبعاد بقايا الحَشَرة ضمن مراحل تصنيعيَّة؟ مع العِلْم أنَّ بها شهادة حلال . الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله. نصَّ جمهور الفقهاء على تحريم تناول الحَشَرات؛ لاستقذراها، قال الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. يقول الإمام النووي: «مذهبنا أنَّها حرامٌ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد وداود ... واحتجَّ الشافعي والأصحاب بقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وهذا ممَّا يَسْتَخبِثُه العَرَب، وبقوله ﷺ : (خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يَقْتُلُهُنَّ فِي الحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالفَأْرَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ) رواه البخاري ومسلم». (المجموع شرح المهذب ٩/ ١٦). وأمَّا الموادُّ التي تُستخرَج من الحَشَرات وتتحوَّل بعمليَّات كيميائيَّة

стр. 799

إلى موادَّ أخرى، فهذه العمليَّة تُسمَّى في الفقه الإسلامي بالاستحالة، وهي انقلابُ العَيْن من حالةٍ إلى أخرى، فتنقلب من النجاسة إلى غيرها بحيث تفقد صفاتها، ويمكن التعبير عنها بمصطلح عِلْميٍّ على أنَّها تفاعلٌ كيميائيٌّ يُحوِّل المادَّة من مُركَّبٍ إلى آخر. وقد قال فقهاء الحنفيَّة باستحالة الأعيان النَّجِسَة إلى طاهرة إن انقلبت من حالةٍ نَجِسَةٍ إلى حالة أخرى طاهِرَةٍ بحيث تفقد صفاتها. قال الإمام ابن الهُمام الحنفي: «لأنَّ الشَّرْع رتَّب وَصْف النَّجاسة على تلك الحقيقة، وتَنْتَفي الحقيقة بانْتِفاء بعض أجزاءِ مفهومها، فكيف بالكُلَّ؟ ونظيرُه في الشَّرْع النُّطْفة نَجِسَة وتصير عَلَقَةً وهي نَجِسَة، وتصير مُضْغَةً فتَطْهُر، والعصير طاهرٌ فيصير خَمْراً فيَنْجُس ويصير خَلاً فيَطْهُر، فعرفنا أنَّ استحالة العَيْن تَسْتَتْبع زوال الوصف المُرَتَّب عليها». (فتح القدير ١/ ٢٠٠). فالموادُّ الملوِّنة المُستخرَجة من الحَشَرات تَمُرُّ بعِدَّة عمليَّات كيميائيَّة ... لتخرج مادَّة أخرى مُكْسِبَة للَّوْن، ممَّا يجعلها قابلةً للأَكْل. وعليه؛ فإنَّه يجوز استعمال هذه المادَّة، ولكن بالضوابط الآتية: ١ - أن تكون المادَّة قد تغيَّرت صفاتُها، واستحالت إلى مادَّة أخرى يجوز استعمالها. ٢ - أن تدعو الحاجة إلى استعمال هذه المادَّة، بأن لا يوجد لها بديلٌ يقوم مقامها. ٣ - أن يكون استعمالُها بقَدْر الحاجة. ٤ - أن لا يكون فيها ضررٌ. والله تعالى أعلم. [فتاوى دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٣٢٤٠)]

стр. 800

اسْتِحَالَةُ السِّرْجِينِ وَالزِّبْلِ النَّجِسَيْنِ إِلَى تُرَابٍ (٨٩٣) السؤال: استحالةُ النَّجاسة؛ كرَماد السِّرجين النَّجِس، والزِّبْلِ النَّجِس، تُصيبُه الرِّيحُ والشَّمسُ فيَستَحِيل تُراباً؛ فهل تَجوزُ الصَّلاةُ عليه أم لا ؟ الجواب: أمَّا استحالةُ النَّجاسة؛ كرَماد السِّرجين النَّجِس، والزِّبْل النَّجِس يَستحيلُ تُراباً؛ فقد تقدَّمت هذه المسألة، وقد ذَكَرْنا أنَّ فيها قولين في مذهب مالكٍ وأحمد. أحدُهما: أنَّ ذلك طاهرٌ؛ وهو قول أبي حنيفة، وأهل الظَّاهر وغيرهم. وذكرنا أنَّ هذا القول هو الرَّاجح. فأمَّا الأرض إذا أصابتها نجاسةٌ؛ فمن أصحاب الشَّافعيِّ وأحمد من يقول: إنَّها تَطْهُر، وإن لم يَقُلْ بالاستحالة. ففي هذه المسألة مع مسألة الاستحالة ثلاثة أقوالٍ، والصَّواب الطَّهارة في الجميع؛ كما تقدَّم. [مجموع فتاوى ابن تيمية (٢١/ ٤٧٨ - ٤٧٩)] * * * اسْتِحَالَةُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ إِلَى مَادَّةٍ أُخْرَى (٨٩٤) السؤال: هل الاستحالات التي تَطْرَأ على الأعيان النَّجِسَة بتأثير التفاعلات الكيميائيَّة والمداخلات الصناعيَّة تؤدَّي إلى طهارتها ؟ أرجو توضيح هذا الإشكال. الجواب: إذا تحوَّلت عَيْن النَّجاسة عن أوصافها إلى مادَّة لا تحمل شيئاً من أوصافها النَّجِسَة، وزال منها معنى الاستقذار وعدم الانتفاع، فالذي عليه كثيرٌ من أهل العِلَم أنَّها تَطْهُر؛ كما هو الحال في الخَمْر يتحوَّل إلى خَلٍّ، وكاتِّفاق العُلماء على أنَّ الدَّم إذا تحوَّل إلى مِسْكٍ يَطْهُر، وهذه المسألة يُسمِّيها الفُقهاء انقلاب الأعيان، ولهم فيها قولان، وأكثرهم قالوا بالإباحة.

стр. 801

[من فتاوى العصر- قيس آل الشيخ (ص ٢٠)] * وانظر: فتوى رقم (٧٧٤، ٨٠٨، ٨٣٥) * * * خَلْطُ الخَمْرِ بِمَاءِ اللَّبَنِ (٨٩٥) السؤال: قلتُ: يَصُبُّون في المُرِّي ماءَ اللَّبن، ويَصُبُّون عليه الخَمْرَ فَيَخْلِطونَها، وتُوضَعُ في الشَّمس يريدون بذلك إفسادَ الخَمْر فيأْكُلُونَها ؟ الجواب: هذا يُعَدُّ خَمْراً. [مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (٣/ ١٢٩٨)] * * * إِضَافَةُ حِمْضِ الشَّمْعِ لِلْمَوَادِّ البلاسْتِيكِيَّةِ (٨٩٦) السؤال: أعمل وأعيش حالياً في الصين، وهي كما تعلمون بلادٌ كافرةٌ، وأحاول أن أتحرَّى الحلال في مأْكَلِي، ومَشْرَب ي. ولكن هناك بعض الأشياء تُنَغِّص عليَّ؛ مثلاً: قرأتُ مؤخَّراً على النت أنَّ أغلب مُنْتِجي الموادِّ البلاستيكيَّة، يستعملون مادَّة تُسمَّى -حِمْضَ الشَّمْع أو stearic acid- وهو حِمْض دُهْنيٌّ، يُصنَّع بمعاملة الدُّهون مع الماء، ودرجة حرارة وضغط مرتفعين -وهو يضاف لتقليل الاحتكاك الداخلي في أجزاء الأكياس، والمنتجات البلاستيكيَّة الأخرى، وأيضاً لتسهيل عمليَّة الصبِّ والتشكيل، وعدم الالتصاق بآلات التصنيع. كما يدخل الحِمْض أو أحدُ أمْلاحِه في تصنيع الصابون، والشامبو، ومساحيق الغسيل بصورةٍ أساسيَّة. كما قد تُضاف تلك المادَّة أيضاً إلى نَعْل الأحذية وغيرها من المُنتَجات المطَّاطيَّة؛ كالإطارات، وغيرها. وسؤالي: بهذه الطريقة لا يكاد يخلو طعامٌ من ملامسة تلك المادَّة؛ فزَيْت الطعام مثلاً في زجاجةٍ بلاستيكيَّة، وكذلك الماء، والخَلُّ وغيرها من المائعات؛ فهل تَنْجُس؟ وأغلبُ موادِّ

стр. 802

السوبر ماركت، والألبان تُغلَّف وتُعبَّأ في بلاستيك، بل وغسَّالة الملابس بداخلها جزءٌ بلاستيكيٌّ، وهو طبعاً يلامس الملابس وهي رَطِبَة قبل إخراجها من الغسَّالة، وقبل جفافها تماماً؛ فهل تتَنَجَّس؟ بل الملابس نفسها في الأزرار، والسُّوسْتات، وتقريباً كُلُّ شيءٍ حولنا فيه جزء بلاستيك، أو مطَّاط، حتَّى أزرار الكمبيوتر، والمحمول وغيرها. ونصلِّي بها جميعاً، وحتى في بلادنا الإسلاميَّة فإنَّ غالبيَّة تلك المنتجات؛ كالكمبيوتر والمحمول والغسَّالات، بل والملابس، مُستورَدةٌ من تلك البلاد. فما الحلُّ؟ مع العِلْم أنَّ تلك العبوات والموادِّ البلاستيكيَّة حتَّى مع إصابتها بالماء، فإنَّ الغالب على الظنِّ أنَّها لا تُؤثِّر، ولا تترك أثراً ماديًّا على ما تلامسه، ولا على ما يُحفَظ فيها، ولا ينتقل أيُّ جزءٍ منها إليه. الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أمَّا بعد: فقد جاء في (الموسوعة العربيَّة العالميَّة)، وصفهم لحمض الأستياريك بأنَّه: حِمْضٌ دُهْنيٌّ، عُضْويٌّ، قَيِّمٌ، عديم اللَّون، ويتوفَّر في دُهْن كثيرٍ من الحيوانات، والنباتات. ويُسمَّى أيضاً الحِمْض الأستياري. يتمُّ تحضير الحمض الدُّهني تجاريًّا بمعالجة الشحوم الحيوانيَّة بالماء في درجة حرارةٍ عاليةٍ، وضغطٍ عالٍ. ويمكن استخلاصه أيضاً بمعالجة الزُّيوت النباتيَّة -بما في ذلك زيت حبَّة القُطْن- بالهيدروجين. يُستعمَل الحمض الدُّهني في تَلْيين المطَّاط، وصناعة الشَّمْع، وأدوات الزِّينَة، والصابون. الحمض الدُّهني مادَّة جامدةٌ ناعمةٌ المَلْمَس، تذوب عند درجة حرارة ٧٠°م وهو حمض دُهْنيٌّ مُشْبَّع، ويوجد في الكثير من الدُّهون المُشْبَّعة، وصيغته

стр. 803

الكيميائية هي: CH ٣ (CH ٢) ١٦ COOH. انتهى. فممَّا ذُكِرَ يُعْلَم أنَّ هذا الحِمْض الدُّهني يتمُّ الحصول عليه بإحدى طريقتين: الأُولَى: استخلاصه بمعالجة الزُّيوت النباتيَّة، وهذه لا إشكال في جوازها. والثانية: استخلاصه بمعالجة الشُّحوم الحيوانيَّة، وقد تكون هذه الشُّحوم طاهرةُ، وقد تكون نَجِسَةً، ولكن معالجتها بالماء في درجة حرارةٍ عاليةٍ، وضغطٍ عالٍ، كافٍ في استحالة النجاسة بهذه الحرارة العالية، والضغط العالي. الاستحالة (وهي تحوُّل عَيْنٍ إلى عَيْنٍ أخرى مخالفةٍ لها في الحقيقة)؛ فتستحيلُ الشُّحوم والأدْهان إلى شيء آخر غيرهما، فلا تأخذ هذه المادَّة اسم الشُّحوم والأدهان، ولا تكتسب صفتهما. والرَّاجح أنَّ الاستحالة تُطَهِّر النجاسات، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. وقال ابن القَيِّم ﵀ في (إعلام الموقِّعين): «ومن الممتنع بقاء الخبيث وقد زال اسمه ووصفه، والحُكْم تابعٌ للاسم، والوصف دائرٌ معه وجوداً وعدماً، فالنصوص المتناولة لتحريم المَيْتَة، والدَّم، ولحم الخنزير، والخَمْر لا يتناول الزُّروع، والثِّمار، والرَّماد والمِلْح، والتُّراب، والخَلَّ، لا لفظاً ولا معنًى، ولا نصًّا، ولا قياساً». انتهى. وإذا شَكَكْنا في شيءٍ أهو طاهرٌ أم نَجِسٌ؟ فالأصل الطهارة. ونَظَراً لعُموم البَلْوَى بمثل تلك المُنتَجات البلاستيكيَّة، والمُنظِّفات، فالقول بجواز استعمالها هو المُتَّجِه؛ لما فيه من رَفْع الحَرَج على الناس. والله أعلم. [فتاوى الشبكة الإسلامية (رقم ٢٤٥٣٢٩)]

стр. 804

قَرَارُ مَجْمَعِ الفِقْهِ الإِسْلامِيِّ الدُّوَلِيِّ بِشَأْنِ الاسْتِحَالَةِ (٨٩٧) الاستحالةُ في الاصطلاح الفقهيِّ: تغيُّرُ حقيقة المادَّة النَّجِسَة أو المُحرَّم تناولها ، وانقلاب عَيْنِها إلى مادَّة أُخرى مختلفة عنها في الاسم والخصائص والصِّفات، ويُعبَّر عنها في المصطلح العِلْميِّ الشائع بشأنها: كُلُّ تفاعلٍ كيميائيٍّ كامِلٍ؛ مثل تحويل الزيوت والشحوم -على اختلاف مصادرها- إلى صابون، وتحلُّل المادَّة إلى مكوِّناتها المختلفة، وكما يحصل التفاعل الكيميائيُّ بالقَصْد إليه بالوسائل العِلْمِيَّة الفَنِّيَّة يحصل أيضاً بصورةٍ غير منظورةٍ في الصور التي أوردها الفقهاء على سبيل المثال؛ كالتخليل، والإحراق. أمَّا إذا كان التفاعل الكيميائيُّ جزئيًّا فلا يعتبر ذلك استحالةً، وإن كانت المادَّة نَجِسَةً فتبقى على حالها ولا يجوز استخدامها. [موقع مجمع الفقه الإسلامي الدولي (القرار رقم ٢١٠) (٢٢/ ٦)] * * * تَوْصِيَةُ النَّدْوَةِ الفِقْهِيَّةِ الطِّبِّيَّةِ الثَّامِنَةِ بِشَأْنِ الاسْتِحَالَةِ (٨٩٨) الاستحالة التي تعني انقلابَ العَيْن إلى عَيْنٍ أُخرى تُغايرُها في صِفاتها تُحوِّل الموادَّ النَّجِسَة أو المُتنَجِّسَة إلى موادَّ طاهِرة، وتُحوِّل الموادَّ المُحرَّمَة إلى موادَّ مباحة شرعاً . وبناءً على ذلك: أ - الجيلاتين المتكوِّن من استحالة عَظْم الحيوان النَّجِس وجِلْدِه وأَوْتاره: طاهرٌ، وأَكْلُه حلالٌ. ب - الصابون الذي ينتج من استحالة شَحْم الخنزير أو الميتة يصير طاهِراً بتلك الاستحالة، ويجوز استعماله. ج - الجُبْن المُنْعَقِد بفِعْل إِنْفَحَة مَيْتَة الحيوان المأكول اللَّحم طاهرٌ، ويجوز

стр. 805

تناوله. د - المَرَاهِم والكريمات وموادُّ التجميل التي يدخل في تركيبها شَحْم الخنزير لا يجوز استعمالها إلَّا إذا تحقَّقت فيها استحالة الشَّحْم وانقلاب عَيْنِه. أمَّا إذا لم يتحقَّق ذلك فهي نَجِسَة. [توصيات الندوة الفقهية الطبية للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت ١٤١٥ هـ /١٩٩٥ م] * * * تَوْصِيَةٌ بِشَأْنِ المَوَادِّ الإِضَافِيَّةِ فِي الغِذَاءِ وَالدَّوَاءِ مِنْ أَصْلٍ مُحَرَّمٍ أَوْ نَجِسٍ (٨٩٩) إنَّ الموادَّ الإضافيَّة في الغِذاء والدَّواء التي لها أصلٌ نَجِسٌ أو مُحرَّمٌ تنقلبُ إلى موادَّ مباحةٍ شرعاً بإحدى الطريقتين: الاستحالة أو الاستهلاك . تشير الندوة ابتداءً إلى ما سبق اتِّخاذُه من توصيةٍ في الفقرة (٨) من البند ثانياً: المتَّخذة في الندوة الفقهيَّة الطبيَّة الثامنة بشأن الاستحالة. ويقصد بالاستحالة في الاصطلاح الفقهي: تغيُّر حقيقة المادَّة النَّجِسَة أو المُحرَّم تناولها وانقلاب عَيْنها إلى مادَّة أخرى مباينةٍ لها في الاسم والخصائص والصفات. ويُعبر عنها في الاصطلاح العِلْميِّ الشائع بأنَّها كُلُّ تفاعل كيميائيِّ يُحوِّل المادَّة إلى مُركَّبٍ آخر؛ كتحوُّل الزيوت والشحوم على اختلاف مصادرها إلى صابون، وتحلُّل المادَّة إلى مكوِّناتها المختلفة؛ كتفكك الزُّيوت والدُّهون إلى حُموض دَسِمةٍ وغِليسرين، وكما يحصلُ التفاعل الكيميائيُّ بالقَصْد إليه بالوسائل العِلْميَّة الفنيَّة يحصل أيضاً -بصورة غير منظورة- في الصور التي أوردها الفقهاء على سبيل المثال؛ كالتخلُّل، والدِّباغة، والإحراق. وبناء على ذلك: المركَّبات الإضافيَّة ذاتُ المنشأ الحيوانيِّ المُحرَّم أو النَّجِس التي تتحقَّق فيها الاستحالة -كما سبق الإشارة

стр. 806

إليها- تعتبر طاهرةً حلالَ التناول في الغذاء والدَّواء. المركَّبات الكيميائيَّة المُستخرَجة من أصولٍ نَجْسَةٍ؛ كالدَّم المَسْفوح، أو مياه المجاري، والتي لم تتحقَّق فيها الاستحالة بالمصطلح المشار إليه؛ لا يجوز استخدامها في الغذاء والدَّواء؛ مثل: - الأغذية التي يُضاف إليها الدَّم المَسْفوح؛ كالنقانق المَحْشوَّة بالدَّم، والعَصائد المُدْماة (البودينغ الأسود)، والهامبرجر المُدْمَى، وأغذية الأطفال المحتوية على الدَّم، وعجائن الدَّم، والحَساء بالدَّم، ونحوها، تعتبر طعاماً نَجِساً مُحرَّم الأَكْل؛ لاحتوائها على الدَّم المَسْفوح الذي لم تتحقَّق به الاستحالة. [توصيات الندوة الفقهية الطبية التاسعة للمنظمة الاسلامية للعلوم الطبية بالدار البيضاء ١٤١٨ هـ /١٩٩٧] * وانظر: فتوى رقم (٩٩٣، ٩٩٩، ١٠٠٠، ١٠٠١، ١٠٢٠، ١٠٥٠، ١٠٥٩) * * * قَرَارُ مَجْمَعِ الفِقْهِ الإِسْلامِيِّ الدُّوَلِيِّ بِشَأْنِ الاسْتِهْلاكِ فِي المَوادِّ الإِضَافِيَّةِ فِي الغِذَاءِ وَالدَّوَاءِ (٩٠٠) إنَّ الاستهلاك: هو انْغِمارُ عَيْنٍ في عَيْنٍ تزول معه صفات وخصائص العَيْن المَغْمورة، ولا يمكن تمييزها بوجهٍ من الوجوه المختلفة. مع مراعاة القواعد والمعايير المتَّفق عليها بين أهل الاختصاص، في كُلِّ ما سبق . [موقع مجمع الفقه الإسلامي الدولي (القرار رقم ٢١٠) (٢٢/ ٦)] * * * تَوْصِياتُ النَّدْوَةِ التَّاسِعَةِ لِلْمُنَظَّمَةِ الإِسْلامِيَّةِ بِشَأْنِ الاسْتِهْلاكِ (٩٠١) الاستهلاكُ يكون بامتزاج مادَّةٍ مُحرَّمة أو نَجِسَةٍ بمادَّة أخرى طاهرةٍ حلالٍ غالبةٍ، ممَّا يُذْهِب عنها صفة

стр. 807

النَّجاسة والحُرْمَة شرعاً، إذا زالت صفات ذلك المُخالِط المغلوب من الطَّعْم واللَّوْن والرَّائحة، حيث يصير المغلوب مُستَهلَكاً بالغالب، ويكون الحُكْم للغالب؛ ومثال ذلك: - المركَّبات الإضافيَّة التي يُستعمَل من محلولها في الكُحول كمِّيَّةٌ قليلةٌ جدًّا في الغذاء والدَّواء؛ كالمُلوِّنات والحافظات والمُستَحْلَبات ومُضادَّات الزنخ. - اللِّيستين والكُولِيسْترول المُسْتخْرَجان من أصولٍ نَجِسَةٍ بدون استحالةٍ؛ يجوز استخدامهما في الغذاء والدَّواء بمقادير قليلةٍ جدًّا مُستهلَكَةً في المُخالِط الغالِب الحلال الطَّاهِر. - الأنزيمات الخنزيريَّة المنشأ؛ كالبِبْسين وسائر الخمائر الهاضمة ونحوها، المستخدمة بكمِّيَّات زَهيدةٍ مُستهلَكَةٍ في الغذاء والدَّواء الغالِب. [توصيات الندوة الفقهية الطبية التاسعة للمنظمة الاسلامية للعلوم الطبية بالدار البيضاء ١٤١٨ هـ / ١٩٩٧] * وانظر: فتوى رقم (٢٦٦)

стр. 808

وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية دار الإفتاء موسوعة صناعة الحلال إعداد وجمع وترتيب وحدة البحث العلمي بإدارة الإفتاء الجزء الثالث الطبعة الأولى ١٤٤١ هـ - ٢٠٢٠ م

стр. 809

أهدافنا * بيان الحكم الشرعي لكل ما يعرض للمسلم من مسائل ونوازل وقضايا مستجدة. * نشر الثقافة الفقهية المؤصلة بين أفراد المجتمع. * نشر المنهج الوسطي بين أفراد المجتمع، وذلك بتناول مختلف القضايا الإسلامية بما يتفق مع روح الإسلام و سماحته. * إحياء تراثنا الفقهي الغني القائم على أساس تنوع الاجتهاد وتعدد الآراء في المسائل المختلفة. * تثقيف الأئمة والخطباء ثقافة فقهية متخصصة تؤهلهم للإجابة على أسئلة الجمهور واستفساراتهم. * مشاركة المجتمع مشاركة فقهية في المناسبات والمواسم، وذلك من خلال إصدار المطويات وغيرها التي تتناول هذه المناسبات من الوجهة الشرعية. * إصدار المطويات في القضايا التي تطرأ على الساحة وتهم المجتمع وتشغله وتدعو الحاجة إلى معرفتها وبيان الحكم الشرعي فيها. * الاعتناء بالمهتدين الجدد من حيث إشهار إسلامهم وإهداؤهم الكتب النافعة بلغاتهم. إدارة الإفتاء حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٤١ هـ / ٢٠٢٠ م إدارة الإفتاء موقع الإدارة www.islam.gov.kw/eftaa رقم الإيداع في مكتبة الكويت الوطنية ٢٤٠٩ - ٢٠١٩ الرقم الدولي المعياري ٣ - ٥٤ - ٧٠٦ - ٩٩٢١ - ٩٧٨: ISBN للمراسلة: دولة الكويت - وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - ص. ب: ١٣ الصفاة ١٣٠١١ فاكس: ٢٢٢٦٢٨٨٨ - البريد الإلكتروني: ifta@awqaf.gov.kw- المراسلات باسم/ مدير إدارة الإفتاء

стр. 810

الباب السادس الفتاوى في المُخدِّرات والمُفتِّرات
следующие страницы →