← Фатава

Фатава · id 635

موسوعة صناعة الحلال

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 187 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

إليها- تعتبر طاهرةً حلالَ التناول في الغذاء والدَّواء. المركَّبات الكيميائيَّة المُستخرَجة من أصولٍ نَجْسَةٍ؛ كالدَّم المَسْفوح، أو مياه المجاري، والتي لم تتحقَّق فيها الاستحالة بالمصطلح المشار إليه؛ لا يجوز استخدامها في الغذاء والدَّواء؛ مثل: - الأغذية التي يُضاف إليها الدَّم المَسْفوح؛ كالنقانق المَحْشوَّة بالدَّم، والعَصائد المُدْماة (البودينغ الأسود)، والهامبرجر المُدْمَى، وأغذية الأطفال المحتوية على الدَّم، وعجائن الدَّم، والحَساء بالدَّم، ونحوها، تعتبر طعاماً نَجِساً مُحرَّم الأَكْل؛ لاحتوائها على الدَّم المَسْفوح الذي لم تتحقَّق به الاستحالة. [توصيات الندوة الفقهية الطبية التاسعة للمنظمة الاسلامية للعلوم الطبية بالدار البيضاء ١٤١٨ هـ /١٩٩٧] * وانظر: فتوى رقم (٩٩٣، ٩٩٩، ١٠٠٠، ١٠٠١، ١٠٢٠، ١٠٥٠، ١٠٥٩) * * * قَرَارُ مَجْمَعِ الفِقْهِ الإِسْلامِيِّ الدُّوَلِيِّ بِشَأْنِ الاسْتِهْلاكِ فِي المَوادِّ الإِضَافِيَّةِ فِي الغِذَاءِ وَالدَّوَاءِ (٩٠٠) إنَّ الاستهلاك: هو انْغِمارُ عَيْنٍ في عَيْنٍ تزول معه صفات وخصائص العَيْن المَغْمورة، ولا يمكن تمييزها بوجهٍ من الوجوه المختلفة. مع مراعاة القواعد والمعايير المتَّفق عليها بين أهل الاختصاص، في كُلِّ ما سبق . [موقع مجمع الفقه الإسلامي الدولي (القرار رقم ٢١٠) (٢٢/ ٦)] * * * تَوْصِياتُ النَّدْوَةِ التَّاسِعَةِ لِلْمُنَظَّمَةِ الإِسْلامِيَّةِ بِشَأْنِ الاسْتِهْلاكِ (٩٠١) الاستهلاكُ يكون بامتزاج مادَّةٍ مُحرَّمة أو نَجِسَةٍ بمادَّة أخرى طاهرةٍ حلالٍ غالبةٍ، ممَّا يُذْهِب عنها صفة

стр. 807

النَّجاسة والحُرْمَة شرعاً، إذا زالت صفات ذلك المُخالِط المغلوب من الطَّعْم واللَّوْن والرَّائحة، حيث يصير المغلوب مُستَهلَكاً بالغالب، ويكون الحُكْم للغالب؛ ومثال ذلك: - المركَّبات الإضافيَّة التي يُستعمَل من محلولها في الكُحول كمِّيَّةٌ قليلةٌ جدًّا في الغذاء والدَّواء؛ كالمُلوِّنات والحافظات والمُستَحْلَبات ومُضادَّات الزنخ. - اللِّيستين والكُولِيسْترول المُسْتخْرَجان من أصولٍ نَجِسَةٍ بدون استحالةٍ؛ يجوز استخدامهما في الغذاء والدَّواء بمقادير قليلةٍ جدًّا مُستهلَكَةً في المُخالِط الغالِب الحلال الطَّاهِر. - الأنزيمات الخنزيريَّة المنشأ؛ كالبِبْسين وسائر الخمائر الهاضمة ونحوها، المستخدمة بكمِّيَّات زَهيدةٍ مُستهلَكَةٍ في الغذاء والدَّواء الغالِب. [توصيات الندوة الفقهية الطبية التاسعة للمنظمة الاسلامية للعلوم الطبية بالدار البيضاء ١٤١٨ هـ / ١٩٩٧] * وانظر: فتوى رقم (٢٦٦)

стр. 808

وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية دار الإفتاء موسوعة صناعة الحلال إعداد وجمع وترتيب وحدة البحث العلمي بإدارة الإفتاء الجزء الثالث الطبعة الأولى ١٤٤١ هـ - ٢٠٢٠ م

стр. 809

أهدافنا * بيان الحكم الشرعي لكل ما يعرض للمسلم من مسائل ونوازل وقضايا مستجدة. * نشر الثقافة الفقهية المؤصلة بين أفراد المجتمع. * نشر المنهج الوسطي بين أفراد المجتمع، وذلك بتناول مختلف القضايا الإسلامية بما يتفق مع روح الإسلام و سماحته. * إحياء تراثنا الفقهي الغني القائم على أساس تنوع الاجتهاد وتعدد الآراء في المسائل المختلفة. * تثقيف الأئمة والخطباء ثقافة فقهية متخصصة تؤهلهم للإجابة على أسئلة الجمهور واستفساراتهم. * مشاركة المجتمع مشاركة فقهية في المناسبات والمواسم، وذلك من خلال إصدار المطويات وغيرها التي تتناول هذه المناسبات من الوجهة الشرعية. * إصدار المطويات في القضايا التي تطرأ على الساحة وتهم المجتمع وتشغله وتدعو الحاجة إلى معرفتها وبيان الحكم الشرعي فيها. * الاعتناء بالمهتدين الجدد من حيث إشهار إسلامهم وإهداؤهم الكتب النافعة بلغاتهم. إدارة الإفتاء حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٤١ هـ / ٢٠٢٠ م إدارة الإفتاء موقع الإدارة www.islam.gov.kw/eftaa رقم الإيداع في مكتبة الكويت الوطنية ٢٤٠٩ - ٢٠١٩ الرقم الدولي المعياري ٣ - ٥٤ - ٧٠٦ - ٩٩٢١ - ٩٧٨: ISBN للمراسلة: دولة الكويت - وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - ص. ب: ١٣ الصفاة ١٣٠١١ فاكس: ٢٢٢٦٢٨٨٨ - البريد الإلكتروني: ifta@awqaf.gov.kw- المراسلات باسم/ مدير إدارة الإفتاء

стр. 810

الباب السادس الفتاوى في المُخدِّرات والمُفتِّرات

стр. 811

أولاً: المخدِّرات: تَعَاطِي المُخَدِّرَاتِ بِالحُقَنِ (٩٠٢) السؤال: بالطلب المقدَّم من السيِّد ... المتضمِّن أنَّ له زميلةً بالعمل متزوِّجة من رَجُلٍ يعيش مع والديه، ووالدته مريضة من مدَّة طويلة وتُعطَى حُقَناً مخدِّرة باستمرار؛ مثل (الفاكافين - مورفين)، وهي تتعاطى هذه الحُقَن بناء على كشف أطبَّاء مسلمين ومسيحيِّين أجمعوا على ضرورة إعطائها هذه الحُقَن باستمرار. ويطلب الإفادة: هل هذا حلالٌ أم حرامٌ؟ وبيان الحُكم الشَّرعي في ذلك. الجواب: الذي تدلُّ عليه النصوص الشرعيَّة أنَّ كلَّ شرابٍ من شأنه الإسْكار عند تعاطيه يكون خَمْراً مُحرَّماً لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]، وقوله ﵊: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني. فيَحْرُم لذلك شُرْبُها أو تعاطيها عن طريق الحُقَن للصحيح والمريض، غير أنَّ بعض الأئمَّة قد رخَّص للمريض في التَّداوي بالمُحَرَّم إذا تعيَّن دواؤه به بقول طبيبٍ أمينٍ حاذِقٍ مُسلِمٍ تقديراً للضرورة؛ لأنَّ المريض إذا توقَّف شفاؤه على تعاطي الخَمْر، ولو لم يتعاطاها لهلك، يَحِلُّ له شرعاً أنْ يَشْرَبَها لهذه الضرورة؛ دفعاً للضَّرر عن نفسه؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وهذا إذا تعيَّنت دواءً لشفائه ولم يوجد دواءٌ آخر يدفع عنه التهلكة غيرها؛ لأنَّ حُرْمَة تناولها ساقطة في حالة الاستشفاء، كَحِلِّ الخَمْر والمَيْتَة للعطشان والجائع عند الضرورة. وقد تقدَّم العِلْمُ والطِّبُّ في هذا العصر، وتوجد بدائل كثيرة من

стр. 812

الأدوية التي لا تحتوي على المُحَرَّم، أو احتوته ولكن تحوَّل بالصناعة، فتكون الضرورة غير موجودة، وإن وجدت تُقَدَّرُ بقدرها. لمَّا كان ذلك، فإذا كان الدواء المُخَدِّر الذي تتعاطاه السيِّدة المسؤول عنها لا بديل له من الأدوية التي تخلو من المُخَدِّرات أو المُحَرَّمات عموماً، جاز لها أن تتناوله ما دام قد نصح الطبيب المسلم الموثوق بدِينِه وعِلْمِه بنفعه لها وانعدم بديله، فقد قال سبحانه في ختام آية المُحَرَّمات: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]، والله أعلم. [الفتاوى الإسلاميَّة من دار الإفتاء المصرية (١٠/ ٣٥٨١ - ٣٥٨٢)] * * * تِعِاطِي المُخَدِّرَاتِ وَزِرَاعَتُها وَالاتِّجَارُ فِيهَا (٩٠٣) السؤال: هل تحريم المُخدِّرات متَّفق عليه في الشريعة الإسلاميَّة، أو هو مِن جملة ما وقع فيه الخلاف بين الفقهاء؟ وما حُكمُ متعاطي المُخدِّرات؟ وهل له عقوبة شرعيَّة معيَّنة كشارب الخَمْر والزاني والسارق ونحوهم ؟ الجواب: المخدِّرات في اللُّغة جَمْعُ مُخَدِّر، والمُخَدِّر مشتقٌّ من مادَّة (خ د ر)، وهذه المادَّة تدلُّ بالاشتراك على معانٍ: منها: السَّتْر والتَّغطية، ومنه قيل: امرأة مُخدَّرة؛ أي مُستترة بخِدْرها. ومنها: الظُّلْمة الشَّديدة. ومنها: الكَسَل والفُتور والاسترخاء. ومنها: الغَيْم والمَطَر. ومنها: الحَيْرة. (لسان العرب) (٤/ ٢٣٠)، مادة (خ د ر). وبين هذه المعاني اللُّغويَّة وبين المخدِّرات وأحوال متعاطيها علاقة قويَّة، وتلازمٌ ظاهر، فالمخدِّرات تستر العَقْل وتغطِّيه، وتحجب القلب عن النور والهداية كما يحجب الغَيْمُ ضوء الشمس، وتُفتِّر الجسم وتدعوه إلى

стр. 813

الكَسَل والارتخاء، وتُصيب متعاطيها بظُلْمةٍ شديدةٍ في قلبه، وحَيْرةٍ في أمره وتخلُّف عن أقرانه. ولا يختلف تعريف المخدِّرات في الاصطلاح الفقهي عمَّا هي عليه في اللُّغة، فقد عرَّفها الإمام القرافي في «الفروق» (١/ ٢١٧، ط. عالم الكتب) بأنَّها: «ما غَيَّب العَقْل والحَواسَّ دون أنْ يَصْحَبَ ذلك نَشْوَةٌ أو سُرورٌ» اهـ بتصرُّف. وعرَّفها العلَّامة ابنُ حَجَر الهَيْتَمي في (الزواجر) (ص: ٣٥٦، ط. دار الفكر، الطبعة الأولى) بأنَّها: «كُلُّ ما يتولَّد عنه تغطية العَقْل وفُقدان الإحساس في البدن أو فتوره، ويُسبِّب أضداد النَّشْوَة والطَّرَب والعَرْبَدة والغَضَب والحَمِيَّة» اهـ بتصرُّف. والمخدِّرات في الاصطلاح العِلْمي المعاصر: كُلُّ مادَّة خامٍ أو مُستحضَرَةٍ أو مُصنَّعةٍ، يؤدِّي تناولها إلى اختلال في وظائف الجهاز العَصَبِيِّ المَرْكَزيِّ، سواء بالتَّهْبيط أو التَّنْشيط أو الهَلْوَسة؛ ممَّا يؤثِّر على العَقْل والحَوَاسِّ، ويُسبِّب الإدْمَان. ويُلاحظ أنَّ التعريف اللُّغوي والفقهي والعِلْمي للمُخَدِّرات يكاد يكون واحداً، والمعنى الجامع المشترك بين هذه التعاريف: أنَّ المُخدِّرات يتولَّد عنها فُقدانٌ للحِسِّ أو فُتور. ومن الجدير بالذِّكْر أنَّ المُخدِّرات لم تُعْرَف زمان الفقهاء المتقدِّمين حتَّى نهاية المائة السادسة، وفي ذلك يقول الشيخ ابن تيمية: لم يتكلَّم المتقدِّمون في خصوصها؛ لأنَّه إنَّما حَدَث أَكْلُها من قريب، ولذلك لم يتكلَّم فيها الأئمَّة الأربعة، فقد ظهرت في آخر المائة السادسة وأوَّل المائة السابعة حين ظهرت دولة التَّتار. اهـ. بتصرُّف. «السياسة الشرعيَّة»: (ص: ١٠١، ط. وزارة الشؤون الإسلاميَّة والأوقاف والدعوة والإرشاد بالسعوديَّة، سنة ١٤١٨ هـ).

стр. 814

وقد دلَّت الأدلَّة الشرعيَّة على حُرْمَة تناول وتعاطي المُخدِّرات، منها: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]،، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فقد نصَّت الآيتان على النهي عن الإضرار بالنَّفْس والإلقاء بها في المهالك، والأمر بالمحافظة عليها من المخاطر؛ فإنَّ الحفاظ على النَّفْس والعَقْل من المقاصد الكُلِّيَّة الخمسة في الإسلام، ومن أجل ذلك حَرَّم على الإنسان كُلُّ ما يُذهِبُ عَقْله أو يَضُرُّ نَفْسه، ومعلوم أنَّ في تعاطي المُخدِّرات هلاكاً ظاهراً، وإلقاءً بالنَّفْس في المخاطر. قال العلَّامة ابن عاشور مُعلِّقاً على الآية الأولى في (التحرير والتنوير- ٢/ ٢١٥، ط. الدار التونسيَّة للنشر): «ووقوع فعل (تُلْقُوا) في سياق النَّهي يقتضي عموم كلِّ إلْقاءٍ باليد للتَّهلُكة، أي: كلِّ تَسبُّبٍ في الهلاك عن عَمْدٍ، فيكون مَنْهيًّا عنه مُحرَّماً ما لم يوجد مُقْتَضٍ لإزالة ذلك التحريم». اهـ. ومن الأدلَّة أيضاً: ما رواه الإمام أحمد في (مسنده)، وأبو داود في (سُنَنه) عن أمِّ سَلَمَة ﵂ قالت: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﵌ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِر). قال الإمام الخطَّابي في (معالم السنن - ٤/ ٢٦٧، ط. المطبعة العلميَّة بسوريا، الطبعة الأولى): «المُفتر: كلُّ شرابٍ يُورِثُ الفُتور والرِّخْوَة في الأعضاء، والخَدَرَ في الأطراف، وهو مقدِّمة السُّكْر، ونُهِيَ عن شُرْبِه لئلَّا يكون ذريعة إلى السُّكْر». اهـ. فهذا الحديث نصٌّ في تحريم المُخدِّرات؛ لأنَّها من جملة المفتِّرات، والقاعدة عند الأصوليِّين: أنَّه (إذا وَرَدَ النَّهْيُ عن شَيْئَيْن مُقْتَرِنَيْن، ثمَّ نُصَّ عَلَى حُكمِ النَّهْي عن أَحَدِهما -من حُرْمَةٍ أو غيرها- أُعْطِيَ الآخرُ ذلك الحُكْمَ)، بدليل اقترانهما في الذِّكْر والنَّهي، وفي

стр. 815

الحديث المذكور ذُكِر المُفْتِر مقروناً بالمُسْكِر، وتقرَّر عندنا تحريم المُسْكِر بالكتاب والسُّنَّة والإجماع؛ فيجب أن يُعطَى المُفْتِر حُكمَه؛ بقرينة النَّهي عنهما مُقْتَرِنَيْن. اهـ. يُراجع: (حاشية ابن الشاط على الفروق - ١/ ٢١٦). فالاقتران إن كان بين الجُمَل التامَّة المُستقلَّة، فدلالة الاقتران على المشاركة في الخبر أو الحكم مُختلَفٌ فيها، والجمهور على أنَّها دلالة ضعيفة. أمَّا اقتران الجُمْلة الناقصة أو المفردات بالجُمْلة التامَّة فإنَّه يدلُّ دلالة قويَّة على الاشتراك في الخَبَر والحُكْم. يقول الإمام الزركشي في (البحر المحيط - ٨/ ١١٠، ط. دار الكتبي): «أمَّا إذا كان المعطوف ناقصاً، بأن لم يذكر فيه الخبر، فلا خلاف في مشاركته للأول؛ كقولك: زينب طالق وعمرة؛ لأنَّ العطف يوجب المشاركة، ... ومثله عطف المفردات». اهـ. والقواعد الشرعيَّة تقتضي أيضاً القول بحُرْمَة المُخدِّرات؛ حيث ثبت أنَّ الإدمان عليها فيه ضرر حسِّي ومعنوي، وما كان ضارًّا فهو حرامٌ؛ لحديث: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) رواه أحمد، وابن ماجه، والحاكم وصحَّحه. كما أنَّ تعاطيها يتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلاميَّة في محافظتها على العَقْل والنَّفْس والمال التي هي من الضروريَّات الخمس. وقد نصَّ عُلماء الإسلام على تحريم تعاطي المخدِّرات، ونقَل الإجماع على الحُرْمة الإمام القرافي المالكي في (الفروق)، والشيخ ابن تيمية الحنبلي في (الفتاوى)، كما ذكره العلامة ابن حَجَر الهيتمي في (الزواجر - ١/ ٣٥٤)؛ حيث عَدَّه من جملة الكبائر. ولا يخفى أنَّ هذا في غير الضرورة؛ فإنَّ هذه الحُرْمة تزول إذا تعيَّن شيءٌ من المُخدِّرات طريقاً للدَّواء، وذلك مِن قِبَل الطبيب الحاذق الموثوق به تخصُّصاً وأمانةً، يقول الإمام النووي

стр. 816

في (الروضة -١٠/ ١٧١، ط. المكتب الإسلامي): «وما يُزيل العَقْل من غير الأشربة كالبَنْج: حَرامٌ، ولو احتيج في قَطْع اليد المتآكلة إلى زوال عَقْلِه هل يجوز ذلك؟ قلتُ: الأصحُّ الجواز، ولو احتاج إلى دواءٍ يُزيل العَقْل لغرضٍ صحيحٍ جاز تناوله قَطْعاً» اهـ. ولا تقتصر حُرْمة المُخدِّرات على تناولها فقط، بل يشمل ذلك زراعتها والاتِّجار فيها؛ فالشرع لمَّا حَرَّم الخَمْر حَرَّم أيضاً كُلَّ الأسباب المؤدِّية إلى تداولها، فلَعَن بائعها، ومبتاعها، وآكل ثمنها، وعاصرها، ومعتصرها وحاملها، والمحمولة إليه، ويُقاس على ذلك المُخدِّرات؛ للجامع المشترك بينهما، وهو الاشتراك في مطلق تغييب العَقْل. يقول العلَّامة ابن حَجَر في (الزواجر - ١/ ٣٥٤): « ... إذا ثبت أنَّ هذه كُلَّها مُسْكِرة أو مُخدِّرة فاستعمالها كبيرة وفسق كالخَمْر، فكُلُّ ما جاء في وعيد شاربها يأتي في مُستعمِل شيءٍ من هذه المذكورات؛ لاشتراكهما في إزالة العَقْل المقصود للشارع بقاؤه؛ لأنَّه الآلة للفَهْم عن الله تعالى وعن رسوله ﵌، والمُتميِّز به الإنسان عن الحيوان، والوسيلة إلى إيثار الكمالات عن النقائص، فكان في تعاطي ما يُزيلُه وعيدُ الخَمْر» اهـ. وإنَّما قلنا: «مطلق تغييب العَقْل»؛ لأنَّه ثَمَّ فرقٌ بين المُخدِّرات والمُسْكِرات، فليست المخدِّرات من المُسْكِرات، وهو الذي صحَّحه المالكيَّة، ونصَّ عليه الإمام القرافي في (الفروق)، والإمام ابن الحاج في (المدخل). يقول الإمام القرافي في (الفروق - ١/ ٢١٧): «والفرق بينها أنَّ المتناول من هذه إمَّا أن تغيب معه الحواسُّ أو لا، فإن غابت معه الحواسُّ؛ كالبصر، والسمع، واللَّمس، والشمِّ، والذَّوْق، فهو المُرْقِد -أي المُفتِر-، وإن لم تغب

стр. 817

معه الحواسُّ فلا يخلو: إمَّا أن يحدث معه نشوةٌ وسرورٌ وقوَّةُ نَفْس عند غالب المتناول له أو لا، فإن حدث ذلك فهو المُسْكِر، وإلَّا فهو المُفْسِد؛ فالمُسْكِر هو المُغيِّب للعَقْل مع نَشْوَةٍ وسرورٍ؛ كالخَمْر والمِزْر، .. والمُفْسِد هو المشوِّش للعَقْل مع عدم السرور الغالب، كالبَنْج والسَّيْكَران. (١) اهـ. وعليه: فلا يُحدُّ متناول المُخدِّرات، بل يُعزَّرُ بحسب ما يراه القاضي مُحقِّقاً للمصلحة المجتمعيَّة. والله أعلم. [موقع دار الإفتاء المصرية (رقم ٣٤٥٣)] * * * قِيَاسُ المُخَدِّرَاتِ عَلَى الخَمْرِ (٩٠٤) السؤال: هل المُخدِّرات التي اكتشفت بعد الخَمْر تُعطَى حُكمَها ؟ الجواب: من المعلوم من الدِّين بالضرورة أن الخَمْر المُتَّخَذة من عصير العِنَب مُحرَّمة ومن أكبر الكبائر، ويكفر مُستحِلُّها، ويُحدُّ شاربُها، والنصوص في ذلك كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]، وقوله ﷺ : (وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) رواه البخاري ومسلم. والعِلَّة أو الحِكْمة في تحريمها صيانة العَقْل الذي كَرَّم الله به الإنسان وجعله مناط التكليف، وبالتعدِّي على العَقْل أمكن التورُّط في فعل المنكرات والاستجابة للشهوات كما نصَّت عليه الآية السابقة، والحديث الذي رواه الحاكم وصحَّحه: (اجْتَنِبُوا الخَمْرَ؛ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ)، والذي رواه

стр. 818

ابن حِبَّان في صحيحه: (اجْتَنِبُوا أُمَّ الخَبَائِثِ)، وفيه أنَّها حملت على القتل والزِّنى. ومن أجل خطورتها حَرَّم الإسلام الاشتراك فيها بأيِّ نوع من الاشتراك، وجاء في ذلك حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الخَمْرِ عَشْرَةً: عَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَالمُشْتَرِيَ لَهَا، وَالمُشْتَرَى لَهُ) رواه ابن ماجه، والترمذي -واللفظ له-، وقال: حديث غريب؛ أي رواه راوٍ واحدٌ فقط. قال الحافظ المنذري: ورواته ثقات. حتَّى الجلوس مع شاربي الخَمْر منهيٌّ عنه؛ قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]،، وقد قرأ هذه الآية عمر بن عبد العزيز عندما أمر أن يُحَدَّ جماعة كانوا في مجلس خَمْر، فقالوا له: إنَّ فلاناً لم يشرب لأنَّه صائم، فقال ابدؤوا به. يقول القرطبيُّ في تفسير هذه الآية: فكُلُّ من جلس في مجلس معصيةٍ ولم يُنكِر عليهم، يكون معهم في الوِزْر سواء، فإن لم يقدر على النكير عليهم فينبغي أن يقوم حتَّى لا يكون من أهل هذه الآية. ومثل الخَمْر في الحُرْمة كُلُّ ما اشترك معها في مخامرة العَقْل -أي تغطيته- من أيَّة مادَّة كانت؛ روى البخاري ومسلم عن عمر ﵁ أنَّه قال على منبر رسول الله ﷺ : (أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، وَهْيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنْ العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالعَسَلِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ. وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ). والنبيُّ ﷺ حَرَّم كُلَّ مُسكِرٍ دون قَصْرِه على مادَّةٍ معيَّنةٍ؛ روى البخاري أنَّ أبا موسى الأشعري ﵁ سأل النبيَّ ﷺ عن البِتْع والمِزْر، فقال:

стр. 819

(كلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)، والبِتْع نَبيذُ العَسَل، والمِزْر نَبيذُ الشَّعير. وروى مسلم أنَّه ﷺ سُئل عن الأشربة التي تُنتبذُ من العَسَل والذُّرَة والشعير، فأجاب: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ)، ويدخل في ذلك الموادُّ الطبيعيَّة والمُصنَّعة. وتغيير اسم المشروب المُسْكِر لا يُغيِّر من الحُكم كما لا تُغيِّره المادَّة المُسْكِرة، فالعبرة بالمُسمَّيات لا بالأسماء، وقد ورد في ذلك حديثٌ رواه ابن ماجه وابن حِبَّان في صحيحه: (يَشْرَبُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُضْرَبُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالمَعَازِفِ وَالقَيْنَاتِ -المُغنِّيات-، يَخْسِفُ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ، وَيَجْعَلُ اللهُ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرَ)، ويستوي في الحكم كُلُّ وسائل التناول للمُسْكِر، من شُرْبٍ، أو أَكْلٍ، أو شَمٍّ، أو تَدْخين، أو حَقْن، أو غير ذلك. والحشيش، وإن كان لم يعرف في العالم الإسلامي إلَّا حوالي القَرْن السادس أو السابع الهجري عند ظهور التَّتار، إلَّا أنَّه كان معروفاً في التاريخ القديم في الشرق والغرب، ولمَّا عَرَفَه المسلمون، ولمسوا آثاره طبَّقوا عليه عموم الحديث الذي حَرَّم كُلَّ مُسْكِر، وكذلك عموم قول أمِّ سَلَمَة ﵂: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ)، كما رواه أبو داود في سُننه. فهو مُحرَّم إمَّا بالنصَّ وإمَّا بالقياس، وقد نقل الإجماع على حُرْمَتِه غير واحد من الأئمَّة؛ منهم: القَرَافي وابن تيمية، وقد جمع بعض الباحثين القُدامى نحو مائة وعشرين مضرَّة دِينيَّة وبَدَنيَّة في الحشيش، ولهذا أكَّد ابن تيمية حُرْمَته وقال: إنَّ مُسْتحِلَّه يكْفُر، وصرَّح في كتابه (السياسة الشرعيَّة) بأنَّه أخبث من الخَمْر من جهة أنَّه يُفسِد العَقْل والمزاج حتَّى يصير في الرَّجُل تخنُّث، وهو داخلٌ فيما حَرَّمه الله ورسوله من الخَمْر والمُسْكِر لفظاً ومعنًى. وابن القيِّم في كتابه (زاد المعاد) قال: إنَّ الخَمْر

стр. 820

يدخل معها كُلُّ مُسْكِر، مائعاً كان أو جامداً، عصيراً أو مطبوخاً. وإذا كانت هذه المُسْكِرات أو المُخدِّرات أو المُفتِّرات مُحرَّمة كالخَمْر، فإنَّ عقوبتها المنصوص عليها في الأحاديث تشملها أيضاً، وهي عقوبة أُخرويَّة شديدة، والقليل من المُسْكِر حَرامٌ كما نصَّ عليه الحديث الذي رواه النسائي وأبو داود، وقال الترمذي: إنَّه حسن: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ). وفي رواية للنسائي: (أَنْهَاكُمْ عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ). وإسناده صحيح. فمن شرب المُسْكِر -وهو مسلمٌ بالغٌ عاقلٌ مختارٌ عالمٌ بأنَّه مُسْكِر، وعالمٌ بتحريمه- وجب عليه الحدُّ، سواء سَكِرَ أم لا، والحدُّ الأدنى في العقوبة أن يُجلَدَ أربعين؛ كما رواه مسلم من فعل النبيِّ ﷺ ، وروى مسلم أيضاً أنَّ عبدَ الله بن جعفر جَلَدَ الوليدَ بين يدي عثمان، وعليٌّ يَعُدُّ حتَّى بلغ أربعين، فقال: أمسك، ثمَّ قال: (جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، [وَعُمَرُ] (١) ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ)، فإذا رأى الإمام أن يبلغ بالحدِّ ثمانين فعل؛ لما رواه مسلم عن عمر جعله ثمانين، وقال عليٌّ لعمرَ: (إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَعَلَى المُفْتَرِي ثَمَانُونَ)، فأخذ به عمر ولم ينكره أحد. واتَّفق الصحابة على ذلك، فالعقوبة مقرَّرة بصَرْف النظر عن الخلاف في كون الحدِّ أربعين وما زاد على ذلك فهو تعزير. والعقوبة لا تُنفَّذ حال السُّكْر حتَّى يحسَّ بها، ولو نفذت حال السُّكْر، قيل يُعتَدُّ بها، وقيل لا يُعتَدُّ. (كفاية الأخيار - ج ٢ ص ١١٦). وعقوبة الحدِّ مقرَّرة لمن شرب الخَمْر، أمَّا من تعاطى غيرها من المائعات أو الجوامد فعقوبته الحدُّ؛

стр. 821

كالخَمْر عند بعض العُلماء، ومنهم ابن تيمية، أو التعزير؛ كما قال آخرون. مع مراعاة أنَّ الحدَّ لا يجوز العَفْو عنه، أمَّا التعزير فيجوز، ومع مراعاة الخلاف في أن التعزير يصل إلى الحدِّ أو لا يصل، وأجاز أبو حنيفة أن يصل التعزير إلى حدِّ القتل، تاركاً تحديده لما يراه القاضي أو الحاكم حسب مقتضيات الأحوال. [موسوعة فتاوى دار الإفتاء المصرية وفتاوى لجنة الفتوى بالأزهر (رقم ١٤)] * * * عُقُوبَةُ تَعَاطِي المُخَدِّرَاتِ حَدٌّ أَو تَعْزِيرٌ (٩٠٥) السؤال: بالطلب ... المطلوب به رأي الشريعة الإسلاميَّة فيما إذا [كانت] الجواهر المُخدِّرة تأخذ حُكمَ الحدود أو التعازير ؟ الجواب: إنَّ الجواهر المُخدِّرة (الحشيش وأمثاله) يَحرُمُ تناولها باعتبارها تُفتِّر وتُخدِّر، وتضرُّ بالعَقْل وغيره من أعضاء الجسد الإنساني، فحُرْمتُها ليست لذاتها، وإنَّما لآثارها وضررها. وقد اتَّفق جمهور فقهاء المذاهب الإسلاميَّة على حُرْمَة الحشيش ونحوه، والأصل في هذا التحريم ما رواه أحمد في (مسنده) وأبو داود في (سُننه) بسند صحيح عن أمِّ سلمة ﵂ قالت: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ)؛ وذلك لثبوت ضرر كُلِّ ذلك في البدن والعَقْل. كما اتَّفق الجمهور على أنَّ من أَكَل شيئاً من هذه الموادِّ أو استعمله لغير التداوي النافع طبِّيًّا لا يُحَدُّ حَدَّ شُرْب الخَمْر، وإنَّما يُعزَّر متعاطيها بالعقاب الزاجر له ولأمثاله، وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنَّه إذا وصل المُذابُ إلى حَدِّ الشدَّة المُطْرِبة، وجب توقيع حدِّ الخَمْر على من تعاطاه بهذه الصفة كشارب الخَمْر، كما ذهب ابن تيمية وتبعه ابن القيِّم من فقهاء مذهب الإمام أحمد ابن حنبل إلى إقامة الحدِّ على متعاطي

стр. 822

هذه المُخدِّرات كشارب الخَمْر، باعتبار أنَّها أشدُّ خُبثاً وضرراً من الخَمْر، واستحسن الشيعة الإماميَّة القول بإلحاق المُخدِّرات بالمُسْكِرات في وجوب الحدِّ ثمانين جَلْدَة، وأفتى بعض فقهاء مذهب الإمام أبي حنيفة بالحدِّ أيضاً. وممَّا تقدَّم يتَّضح أنَّ هذا الخلاف قد ثار فيما إذا كانت المُخدِّرات تعتبر بذاتها خَمْراً يقام الحدُّ على متعاطيها مطلقاً، أم أنَّها تعتبر من قبيل الخَمْر عِلَّة، باعتبار أنَّها تُثبِّط العَقْل وتُورِث الضرر به وبالجسد، شأنها في ذلك شأن الخَمْر أو أشدُّ. ولمَّا كانت الحدود مُسمَّاة من الشارع، والعقوبات عليها مقدَّرة كذلك، إمَّا بنصٍّ في القرآن الكريم، أو بقولٍ أو فعلٍ من الرسول ﷺ ، كان إيثار القول بدخول تعاطي المُخدِّرات في التعازير هو الأَوْلى والأحوط في العقوبة، باعتبار أنَّ الخَمْر تُطلَق عادةُ على الأشربة المُسْكِرة، وإذا دخل تعاطي المُخدِّرات ضمن المنكرات التي يُعاقَب عليها بالتعزير كان للسلطة المنوط بها التشريع تقنينُ ما تراه من عقوبات على الاتِّجار فيها أو تعاطيها تعزيزاً، ومن العقوبات المشروعة عقوبة الجَلْد باعتبارها أجدى في الرَّدْع والزَّجْر. والله أعلم. [الفتاوى الإسلاميَّة من دار الإفتاء المصرية (١٠/ ٣٥٩٣ - ٣٥٩٤)] * * * تَحْرِيمُ كُلِّ مُسْكِر ومُفَتِّر (٩٠٦) السؤال: ما يقول سيِّدُنا وشيخُنا ... في الزَّعفران والجَوْز الهِنْديِّ ونوعٍ من القَاتِ، هل [يحرُم] قياساً على الحشيشة بجامع التَّفتير؛ لنهي النَّبيِّ ﵌ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّر ؟ وهل التَّفتير العِلَّةُ الجامِعَةُ بين الحَشيشَة والخَمْر، فإن حُكِمَ بتحريم ذلك فهل يَحرُم القليل وإن لم يُفتِّر كما تَحرُم القَطْرةُ

стр. 823

من الخَمْر وإن لم تُسْكِر؟ وهل يجوزُ بيعُه والانتفاع به في غير مَأْكولٍ؟ جزاكم الله خيراً، ونفع بعلومكم ... الجواب: الحمد لله وحده، وصلاتُه وسلامُه على رسوله وآله، ورضي الله عن الصحابة الراشدين، والتابعين لهم بإحسان أجمعين -كثَّر الله فوائدكم، ونفع بعلومكم-. ... إنَّ الذي قامت عليه الأدلَّةُ هو تحريمُ ما يَصْدُقُ عليه اسمُ المُسْكِر؛ لما في حديث ابن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) أخرجه مسلمٌ وأحمدُ وأهلُ السُّنن، إلَّا ابن ماجه. وفي لفظٍ: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ) أخرجه مسلمٌ والدَّارقُطنيُّ. وأخرجه الشيخان وأحمدُ عن أبي موسى أنَّ النَّبيَّ ﵌ قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)، وأخرج أحمد ومسلم والنَّسائيُّ عن جابرٍ أنَّ النبيَّ ﵌ قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)، وأخرج أبو داود عن ابن عبَّاس عن النَّبيِّ ﵌ قال: (كُلُّ مَخَمَّرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ). وأخرج أحمدُ، والتِّرمذيُّ وصحَّحه، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجَه، من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﵌ قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ). وأخرج ابن ماجه من حديث ابن مسعودٍ، وأخرج أحمد، وأبو داود، والتِّرمذيُّ وحسَّنه، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ الفَرَقُ مِنْهُ فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ). وأخرج أحمد، وأهل السُّنن، وابن حِبَّان في صحيحه أنَّ رسول الله ﵌ قال: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، وحسَّنه التِّرمذيُّ، ورجالُ إسناده ثقاتٌ. وأخرج النَّسائيُّ، والبَزَّار، وابن

стр. 824

حِبَّان، والدَّارقطنيُّ عن سعد بن أبي وقَّاصٍ: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ). وفي الباب عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ عند الدَّارقُطنيِّ، وعن ابن عمر -غير حديثه المُتقدِّم عند الطَّبرانيِّ-، وعن خَوَاتِ بن جُبَيرٍ عند الدَّارقطنيِّ والحاكم والطَّبرانيِّ، وعن عبد الله بن عمر عند الدَّارقُطنيِّ، وكُلُّها مُصرِّحَةٌ: بأنَّ (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ). وقد تقرَّر بهذا أنَّ الشارع لم يُحرِّم نوعاً خاصًّا من أنواع المُسْكِر دون نوعٍ، بل حَرَّمها على العموم، وسَمَّى كُلَّ ما يتَّصفُ بوصْف الإسْكار خَمْراً؛ فيتناول النصُّ القرآنيُّ -أعني قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]- كُلَّ ما صَدُقَ عليه أنَّه مُسْكِرٌ؛ فيكون تحريمه ثابتاً بنصِّ الكتاب، وما تواتر من السُّنَّة. ويؤيِّد هذا أنَّ جماعةً من أئمَّة اللُّغة جزموا بأنَّ الخَمْرَ إنَّما سُمِّيت خَمْراً لمُخامَرَتِها للعَقْل وسَتْرها له؛ منهم الدَّينَوَريُّ، والجَوهَريُّ، وابن الأَعرابيِّ، وصاحب (القاموس)، والرَّاغب في (مفردات القرآن)، وغيرهم، ولكنَّه وقع الخلاف: هل الخَمْرُ حقيقةٌ في عصير العِنَب فقط، ومجازٌ فيما عداه؟ أو هي حقيقةٌ في كُلِّ مُسْكِرٍ، أو في بعض المُسْكِرات دون بعض؟ قال الرَّاغب في (المفردات): سُمِّي الخَمْرُ لكَوْنِه خامِراً للعَقْل؛ أي ساتراً له، وهو عند بعض الناس: اسمٌ لكُلِّ مُسْكِرٍ، وعند بعضهم: المُتَّخَذُ من العِنَبِ خاصَّةً، وعن بعضهم: للمُتَّخَذِ من العِنَبِ والتَّمْرِ، وعند بعضهم: لغَيرِ المَطْبوخ. ثمَّ رجَّحَ أنَّ كُلَّ شيءٍ يَسْتُرُ العَقْل يُسمَّى خَمْراً. وبذلك جَزَمَ مَنْ قَدَّمنا ذِكْرَه من أئمَّة اللُّغة؛ قال في (القاموس): «الخَمْرُ ما أَسْكَرَ من

стр. 825

عصير العِنَبِ، أو عَامٌّ كالخَمْرَة». قال: «والعموم أصحُّ؛ لأنَّها حُرِّمت وما بالمدينة خَمْرُ عِنَبٍ، وما كان شرابهم إلَّا البُسْرُ والتَّمْرُ ... ». انتهى. زعم الحنفيَّة في تسمية الخَمْر للمُعتَصَر من العِنَبِ حقيقةً ومجازاً في غيره وردُّ المؤلِّف عليهم قال: وجزم ابن سِيدَه في (المُحْكَم) بأنَّ الخَمْرَ حقيقةً إنَّما هي العِنَبُ، وغيرها من المُسْكِرات يُسمَّى خَمْراً مجازاً. وحكى صاحبُ (فتح الباري) عن صاحب (الهداية) من الحنفيَّة أنَّ الخَمْرَ عندهم ما اخْتَمَر من ماء العِنَبِ إذا اشتدَّ. قال: وهو المعروف عند أهل اللُّغةِ وأهل العِلْم. قال: وقيل: اسمٌ لكُلِّ مُسْكِرٍ؛ لقوله ﷺ : (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ)، وقوله ﵌: (الخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَينِ)، ولأنَّه مُخامَرةُ العَقْل، وذلك موجودٌ في كُلِّ مُسْكِرٍ. قال: ولنا إطباقُ أهل اللُّغة على تخصيص الخَمْرِ بالعِنَبِ؛ ولهذا اشتُهِر استعمالُها فيه، ولأنَّ تحريم الخَمْرِ قطعيٌّ، وتحريم ما عدا المُتَّخَذِ من العِنَبِ ظَنِّيٌّ. قال: وإنَّما سُمِّي الخَمْر خَمْراً لتَخَمُّرِه لا لمُخامَرَةِ العَقْل. قال: ولا يُنافي ذلك كَوْنُ الاسم خاصًّا فيه؛ كما في النَّجْم، فإنَّه مُشتقٌّ من الظُّهور، ثمَّ هو خاصٌّ بالثُّريَّا اهـ. قال الحافظ: والجواب عن الحُجَّة الأُولى: ثُبوت النَّقل عن بعض أهل اللُّغة بأنَّ غير المُتَّخَذ من العِنَب يُسمَّى خَمْراً. وقال الخطَّابيُّ: زعم قومٌ أنَّ العَرَب لا تعرف الخَمْر إلَّا من العِنَب، فيقال لهم: إنَّ الصَّحابةَ الذين سَمُّوا غير المُتَّخَذ من العِنَب خَمْراً فُصحاءُ، فلِمَ لا يكون هذا الاسم صحيحاً لما أطلقوه؟ قال ابن عبد البرِّ: قال الكوفيُّون: الخَمْرُ من العِنَب؛ لقوله تعالى: ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]، قالوا: فدلَّ على أنَّ الخَمْرَ هو ما يُعتَصَر لا ما يُنبَذ، قال: ولا دليل فيه على

стр. 826

الحَصْرِ. وقال أهل المدينة، وسائر أهل الحجاز، وأهل الحديث كُلُّهم: كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وحُكمه حُكم المُتَّخَذ من العِنَب. ومن الحُجَّة لهم: أنَّ القرآنَ لمَّا نَزَلَ بتحريم الخَمْرِ، فَهِمَ الصَّحابةُ -وهم أهل اللِّسان- أنَّ كُلَّ شيءٍ يُسمَّى خَمْراً يدخل في النَّهي؛ فأراقوا المُتَّخَذَ من التَّمْر والرُطَب، ولم يَخُصُّوا ذلك بالمُتَّخَذ من العِنَب. وعلى تقدير التَّسليم؛ فإذا ثبت تسمية كُلِّ مُسْكِرٍ خَمْراً من الشَّارع، كان حقيقةً شرعيَّةً، وهي مُقدَّمةٌ على الحقيقة اللُّغويَّة، كما تقرَّر في الأصول. والجواب عن قوله: إنَّ تحريمَ الخَمْرِ قطعيٌّ، وتحريم ما عدا المُتَّخَذِ من العِنَب ظنيٌّ: بأنَّ اختلاف مُشْتَرِكَيْنِ في الحُكْمِ في الغِلَظ لا يلزم منه افتراقهما في التَّسمية؛ كالزِّنا مثلاً؛ فإنَّه يَصدُقُ على مَنْ وَطِئَ أجنبيَّةً، وعلى مَنْ وَطِئَ امرأة جارِه، والثاني أغلظ من الأوَّل، كما ثبت في الحديث الصَّحيح أنَّ ذلك من أكبر الكبائر، وكذلك يَصدُق اسم الزِّنا على وَطْء المَحْرَم، وهي أغلظ من وَطْء من ليست كذلك. وأيضاً: الأحكام الشرعيَّة لا يُشترَط فيها الأدلَّة القطعيَّة، ولا يلزم من القَطْع بتحريم المُتَّخَذ من العِنَب وعدم القَطْع بتحريم المُتَّخَذ من غيره أنْ لا يكون حَراماً، بل يُحْكَم بتحريمه إذا ثبت بطريقٍ ظَنِّيٍّ، فكذلك يُحكم بتسميته إذا ثبت بمثل تلك الطريق. وقد تقرَّر أنَّ اللُّغة ثبتت بالآحاد، وكذلك الأسماء الشَّرعيَّة. وأمَّا قولُه: إنَّ الخَمْر إنَّما سُمِّي خَمْراً لتَخَمُّره لا لمُخامَرَة العَقْل؛ فهذا مع كونه مُخالفاً لأقوال أئمَّة اللُّغة -كما تقدَّم- هو أيضاً مُخالفٌ لما أسلفنا عنه ﵌ من الحُكْم على كُلِّ مُسْكِر بأنَّه خَمْرٌ، ومُخالفٌ لما أخرجه أحمد ومسلم وأهل السُّنن

стр. 827

عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (الخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةُ وَالعِنَبَةُ)، وما أخرجه الشيخان عن أنسٍ قال: (إنَّ الخَمْرَ حُرِّمَتْ وَالخَمْرُ يَوْمَئِذٍ البُسْرُ وَالتَّمْرُ)، وفي لفظٍ قال: (حُرِّمَتْ عَلَيْنَا حِينَ حُرِّمَتْ وَمَا نَجِدُ خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلَّا قَلِيلًا، وَعَامَّةُ خَمْرِنَا البُسْرُ وَالتَّمْرُ) رواه البخاريُّ. وفي لفظٍ: (لَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي حَرَّمَ فِيهَا الخَمْرَ وَمَا في المَدِينَةِ شَرَابٌ إِلَّا مِنْ تَمْرٍ) أخرجه مسلم. وأخرج البخاريُّ عن أنسٍ أيضاً قال: (كُنْتُ أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ [وَأَبَا طَلْحَةَ] وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ مِنْ [فَضِيخٍ] وَتَمْرٍ، فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ الخَمْرَ حُرِّمَتْ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: قُمْ يَا أَنَسُ فَأَهْرِقْهَا). وأخرج البخاريُّ عن ابن عمر قال: (نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وَإِنَّ بِالمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةُ أَشْرِبَةٍ مَا فِيهَا شَرَابُ العِنَبِ). وأخرج الشيخان عن عمر أنَّه قال على منبر النَّبيِّ ﵌: (أَمَّا بَعْدُ؛ أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ العِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالعَسَلِ، وَالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ). وأخرج أحمد وأبو داود والترمذيُّ وابن ماجه عن النُّعمان بن بَشير قال: قال رسول الله ﵌: (إِنَّ مِنَ الحِنْطَةِ خَمْراً، وَمِنَ الشَّعِيرِ خَمْراً، وَمِنَ الزَّبِيبِ خَمْراً، وَمِنَ التَّمْرِ خَمْراً، وَمِنَ العَسَلِ خَمْراً)، زاد أحمدُ وأبو داود: (وَأَنَا أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ). فإن قيل: هذه الإطلاقات لا تنافي أنْ يكون ما عدا عصير العِنَب من المُسْكِرات خَمْراً مجازاً. فيقال: وأيُّ أمرٍ سوَّغ المصير إلى المجاز مع ثبوت إطلاق اسم الخَمْر على كُلِّ مُسْكِرٍ بنَقْل الجماهير من أئمَّة اللُّغة، وثبوت ذلك عنه ﷺ ، وعن

стр. 828

أصحابه، وجمهور أهل العلم، وقد تقرَّر أنَّ (الأصلُ في الإطلاق الحقيقةُ)، فما الذي نقل عن هذا الأصل وأوجب المصير إلى المجاز؟! ولو سلَّمنا أنَّ ذلك إطلاقُ مجازٍ عند أهل اللُّغة، فلا نُسلِّم أنَّه مجازٌ عند الشَّارع وأهل الشَّرع، والحقائقُ الشرعيَّةُ مُقدَّمة. وبالجملة؛ فالأدلَّة المتقدِّمة قد دلَّت على تحريم كلِّ مُسْكِرٍ، وذلك هو المطلوب؛ قال القُرطبيُّ: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحَّتها وكثرتها تُبطِل مذهب الكوفيِّين القائلين بأنَّ الخَمْر لا تكون إلَّا من العِنَب، وما كان من غيره لا يُسمَّى خَمْراً، ولا يتناوله اسم الخَمْر. وهو قولٌ مخالفٌ للُغة العَرَب والسُّنَّة الصَّحيحة وللصَّحابة؛ لأنَّهم لمَّا نزل تحريم الخَمْر فهموا من الأمر باجتناب الخَمْر تحريم كُلِّ مُسْكِر، ولم يُفرِّقوا بين ما اتُّخذ من العِنَب وبين ما يُتَّخذ من غيره، بل سوَّوا بينهما وحرَّموا كُلَّ مُسْكِر، ولم يتوقَّفوا ولا استفصلوا، ولم يُشكِل عليهم شيءٌ من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العِنَب، وهم أهل اللِّسان وبِلُغَتِهم نزل القرآن، فلو كان عندهم فيه تردُّد لتوقَّفوا عند الإراقة حتَّى يستكشفوا ويستفصلوا ويتحقَّقوا التحريم؛ لِمَا كان مُقَرَّراً عندهم من النهي عن إضاعة المال، فلمَّا لم يفعلوا ذلك، بل بادروا إلى الإتلاف، عَلِمْنا أنَّهم فهموا التَّحريم نصًّا؛ فصار القائل بالتفريق سالكاً مسلكاً غير سليم، ثمَّ انضاف إلى ذلك خُطبة عمر بما يوافقه، وهو مَنْ جَعَلَ اللهُ الحقَّ على لسانه وقلبه، وسَمِعَهُ الصَّحابة وغيرهم، فلم يُنقَل عن أحدٍ منهم إنكار ذلك. قال: وإذا ثبت أنَّ كُلَّ ذلك يُسمَّى خَمْراً لَزِمَ تحريم قليله وكثيره، وقد ثبتت الأحاديث الصَّحيحة في ذلك، ثمَّ ذَكَرَها.

стр. 829

قال: وأمَّا الأحاديث التي تمسَّك بها المخالف عن الصَّحابة فلا يصحُّ منها شيءٌ على ما قال عبد الله بن المبارك وأحمد وغيرهما. وعلى تقدير ثبوت شيء منها؛ فهو محمولٌ على نقيع الزَّبيب والتَّمر من قبل أن يدخل حدَّ الإسْكار؛ جَمْعاً بين الأحاديث ... انتهى. قال ابن المنذر: قال إنَّ الخَمْر من العِنَب ومن غير العِنَب: عمر، وعليٌّ، وسعد، وابن عمر، وأبو موسى، وأبو هريرة، وابن عبَّاس، وعائشة. ومن التابعين: ابن المُسيِّب، وعُرْوة، والحسن، وسعيد بن جُبَيْر، وآخرون. قال: وهو قول مالك، والأَوْزاعِيِّ، والثَّوريِّ، وابن المبارك، والشَّافعيِّ، وأحمد، وإسحاق، وعامَّة أهل الحديث. قال الحافظ في (فتح الباري): يمكن الجَمْع بأنَّ من أطلق الخَمْر على غير المُتَّخذ من العِنَب حقيقةً يكون أراد الحقيقة الشَّرعيَّة، ومن نفى أراد الحقيقة اللُّغويَّة. وقد أجاب بهذا ابن عبد البرِّ وقال: إنَّ الحُكْم إنَّما يتعلَّق بالاسم الشَّرعيِّ دون اللُّغويِّ. انتهى. وأيضاً يقال: ما وقع من مبادرة الصَّحابة إلى إراقة ما لديهم من غير عصير العِنَب من المُسْكِرات وعدم استفصالهم عن ذلك، إمَّا لفهمهم أنَّ الخَمْر حقيقةٌ في الكُلِّ، أو يكون فِعْلُهم على تقدير أنَّه حقيقةٌ في البعض، مجازٌ في البعض، دليلاً على جواز استعمال اللَّفظ في جميع معانيه الحقيقيَّة والمَجازيَّة، لأنَّ النَّبيَّ ﵌ قرَّرهم على ذلك ولم يُنْكِر عليهم؛ فجاز إطلاق الخَمْر على كُلِّ مُسْكِر بذلك، وهو المطلوب؛ فيكون تحريم كُلِّ مُسْكِر ثابتاً بنصِّ القرآن، كما هو ثابتٌ بنصِّ السُّنَّة كما تقدَّم. وإذا تقرَّر لك هذا، وعرفت قيام الدَّليل على تحريم كلِّ مُسْكِر من غير تقييد؛ فاعلم أنَّ كُلَّ نوعٍ ثبتت له

стр. 830

خاصيَّة الإسْكَارِ فهو مُحرَّمٌ، من غير فرقٍ بين المائع والجامد، وما كان بعلاجٍ، وما كان بأصل الخِلْقَة. انتهى. تعريفُ المُسْكِر والإسْكار لُغةً والمُسْكِر: هو ما حصل به السُّكْر، والسُّكْر نقيض الصَّحْو؛ قال في (القاموس): سَكِرَ كفَرِحَ سُكْراً وسَكْراً وسَكَرَاناً؛ نَقيضُ صَحَا ... انتهى. وقد حقَّق معنى السُّكْر جماعةٌ من أهل العِلْم؛ فمنهم من قال: هو الطَّرَب والنَّشاة، ومنهم من قال: هو زوال الهموم وانكشاف السِّرِّ المكتوم، ومنهم من قال بغير ذلك ممَّا هو في الحقيقة راجعٌ إليه. قال المحقِّق الشريف في (التعريفات): السُّكْر غَفْلةٌ تَعْرِضُ بغَلَبَة السُّرور على العَقْل؛ لمُباشَرَة ما يوجِبُها من الأَكْل والشُّرْب. والسُّكْر من الخَمْر عند أبي حنيفة: أنْ لا يَعْلَم الأرض من السَّماء، وعند أبي يوسف ومحمَّد والشَّافعيِّ: هو أنْ يختلِط كلامُه، وعند بعضهم: أن يختلِطَ في مَشْيِه بحركةٍ. انتهى. وقال في (شرح الفتح) لابن حُمَيد: السُّكْر مُخامَرة العَقْل وتشويشه، مع حصول طَرَب وسُلُوٍّ مخصوصَيْن، قال: وإن لم يذهب إلَّا بعض علوم العَقْل، أو بعض المستعملين له دون بعض، فإنَّه لا يَخرُج بذلك عن كونه مُسْكِراً ... انتهى. فما كان يُؤثِّرُ أيَّ هذه التأثيرات -على الخلاف-، أو يُؤثِّرُها كُلَّها، ولو لم يحصل إلَّا باستعمال الكثير منه دون القليل، فهو حَرامٌ؛ لما سلف من الأدلَّة. وإلى ذلك ذهب جمهور الصحابة والتابعين، والعِتْرةُ جميعاً، وأحمد وإسحاق والشافعيُّ ومالك. قول من قال بحِلِّ ما دون المُسْكِر من غير عصير العِنَبِ والتَّمْر وذهبَ النَّخَعِيُّ، والثَّوريُّ، وابن

стр. 831

أبي لَيْلَى، وشَريكٌ، وابن شُبْرُمة، وأبو حنيفة وأصحابه، وسائر الكوفيِّين، وأكثر عُلماء البصرة؛ إلى أنَّه يَحِلُّ دون المُسْكِر من غير عصير العِنَبِ والرُّطَبِ. واستدلُّوا بما أخرجه البيهقيُّ في حديث عبد القَيْس أنَّ النَّبيَّ ﵌ قال لهم في النَّبيذ: (فإنِ اشْتَدَّ فَاكْسِرُوهُ بِالمَاءِ، فإنْ أَعْيَاكُمْ فَأَهْرِيقُوهُ). وقال البيهقيُّ بعد إخراجه الروايات الثابتة عن وفد عبد القَيْس خاليةً عن هذه اللَّفظة: وأخرج نحو ذلك من حديث ابن عبَّاس، وفي ألفاظه أنَّه من قول ابن عبَّاس. وأُخْرِج نحوه أيضاً عن عائشة من قولها، وفي إسناده مجهولٌ. وأُخْرِج نحوه أيضاً عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه، وهو من طريق عِكْرمة ابن عمَّار عن أبي كثير [السُّحَيْميِّ] عنه، وهو إسناد ضعيف؛ لأنَّ عكرمة اختلط. وأُخْرِج أيضاً من حديث الكَلْبيِّ نحوه، والكَلْبيُّ متروكٌ. وأُخْرِج نحوه أيضاً عن ابن عبَّاس من طريقٍ أُخرى، وفي إسنادها يزيدُ ابن أبي زياد، وهو ضعيفٌ لا يُحتجُّ به. ونحوه من حديث ابن عمر، وفي إسناده عبد الملك بن نافع ابن أخي القَعْقَاع، قال يحيى بن مَعينٍ: هم يُضعِّفونه. وقال البخاريُّ: لم يُتابَع عليه. وقال النَّسائيُّ: لا يُحتجُّ بحديثه. وكُلُّ ما في هذا الباب فلا يخلو من ضَعْفٍ؛ حتَّى قال إسحاق بن رَاهَوَيْه: سمعتُ عبد الله بن إدريس الكوفيَّ يقول: «قلتُ لأهل الكوفة: يا أهل الكوفة؛ ... إنَّما حديثكم الذي تحدِّثونه في النَّبيذ عن العُمْيان والعُوران، أين أنتم من أبناء المهاجرين والأنصار؟!». وأيضاً هذه الأحاديث لا تدلُّ على مطلوبهم؛ فإنَّ كَسْرَ النَّبيذ لا يَتعيَّن أن يكون لأجل الشِّدَّةِ المستلزمة

стр. 832

للسُّكْر؛ فإنَّه قد يكون الكَسْر لاشتداد الحلاوة أو الحموضة، ومع الاحتمال لا تنتهض للاستدلال على فرض تجرُّده عن المُعارِض، فكيف إذا كان ذلك الضعيفُ معارَضاً بالأحاديث الصحيحة الكثيرة، والقاضية بأنَّ ما أَسْكَر كثيرُه فقليلُه حرامٌ -كما تقدَّم-؟! فإذا كان الكثير من الزَّعفران، والجَوْز الهِنْديِّ، ونوع من القَاتِ يبلُغ بمُستعمِلِه إلى السُكْر؛ حَرُمَ عليه قليلُه كما يَحرُمُ عليه كثيرُه، وإذا كان يؤثِّر ذلك التأثير مع بعض المُستعمِلِين له دون البعض الآخر، كان التَّحريم مُختصًّا بمن يحصل معه ذلك الأثر دون مَنْ عَدَاه. فإن قيل: إنَّ هذه الأمور المذكورة إنَّما يحصل بها التَّفتير دون السُّكْر. فيقال: إنْ بَلَغَ هذا التَّفتير إلى حدِّ السُكْر -كما يحصل من أَكْل الحَشيش وشُرْبِها- فلا نزاع في أنَّ ذلك من المُحرَّمات وإنْ لم يبلغ إلى ذلك الحدِّ، بل مُجرَّدُ التَّفتير؛ فقد ورد ما يدلُّ على تحريم كُلِّ مُفَتِّر؛ فأخرج أبو داود عن أمِّ سَلَمَة قالت: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﵌ عَنْ كُلِّ مُسْكِر ومُفَتِّر). وهذا حديثٌ صالحٌ للاحتجاج به؛ لأنَّ أبا داود سكت عنه، وقد رُوِي عنه أنَّه لا يسكت إلَّا عمَّا هو صالحٌ للاحتجاج، وصرَّح بمثل ذلك جماعةٌ من الحُفَّاظ؛ كابن الصَّلاح، وزَيْن الدِّينِ، والنَّوويِّ، وغيرهم، وإذا [أردنا] الكَشْف عن حقيقة رجال إسناده؛ فليس فيهم من هو مُتكلَّمٌ عليه إلَّا شَهْر بن حَوْشَب، وقد اختَلَف في شأنه أئمَّة الجرح والتعديل؛ فوثَّقه الإمام أحمد ويحيى بن مَعِين، وهما إماما الجرح والتعديل، ما اجتمعا على توثيق رَجُلٍ إلَّا وكان ثقةً، ولا على تضعيف رَجُلٍ إلَّا وكان ضعيفاً، فأقلُّ أحوال حديث شَهْرٍ المذكور أن يكون حَسَناً، والترمذيُّ يُصحِّحُ حديثَه كما يعرف ذلك من له

стр. 833

ممارسةٌ لجامِعِه. تعريفُ المُفَتِّر قال ابن رَسْلان في (شرح السُّنَن): والمُفَتِّر -بضمِّ الميم وفتح الفاء وتشديد المُثنَّاة فوق المكسورة، ويجوز فتحُها، ويجوز تخفيف التاء مع الكسر-، وهو كُلُّ شَرابٍ يُورِثُ الفُتورَ والخَدَرَ في أطراف الأصابع، وهو مُقدِّمة السُّكْرِ ... انتهى. قال في (النِّهاية): المُفْتِر الذي إذا شُرِبَ أَحْمَى الجَسَدَ، وصار فيه فُتُورٌ، وهو ضَعْفٌ وانكسارٌ؛ يقال: أَفْتَرَ الرَّجُلُ فهو مُفْتَرٌ، إذا ضَعُفَتْ جُفُونُه وانكَسَرَ طَرْفُه، فإمَّا أنْ يكون أفْتَرَهُ بمعنى فَتَرَه؛ أي جَعَلَه فاتِراً، وإمَّا أنْ يكونَ أَفْتَرَ الشَّرابُ إذا [فَتَرَ شارِبُه]؛ كأَقْطَفَ الرَّجُلُ إذا قَطَفَت دابَّتُه. ويقتضي هذا سكونَ الفاءِ، وكَسْرَ المُثنَّاة فوقُ مع التَّخفيف. وقال الخَطَّابيُّ: المُفَتِّرُ: كُلُّ شَرابٍ يُورِثُ الفُتُورَ والخَدَرَ في الأعضاء. قال في (القاموس): فَتَرَ يَفْتُرُ فُتُوراً وفُتَاراً: سَكَنَ بعدَ حِدَّة، وَلَانَ بعدَ شِدَّةٍ، وفَتَّرَهُ تَفْتِيراً. وفَتَرَ الماءُ: سَكَنَ حَرُّهُ؛ فهو فَاتِرٌ وفَاتُورٌ. وجِسْمُهُ فُتُوراً: لَانَتْ مَفاصِلُه وَضَعُفَ. والفَتَرُ مُحرَّكَةً: الضَّعْفُ، قال: والفُتَاُر كغُرابٍ: ابتداءُ النَّشْوَةِ. وطَرْفٌ فَاتِرٌ: ليس بِحَادِّ النَّظَرِ. قال: وَأَفْتَرَ: ضَعُفَتْ جُفُونُهُ، [فانْكَسَرَ] طَرْفُهُ. والشَّرابُ: فَتَرَ شَارِبُهُ. انتهى. وعَطْفُ المُفَتِّر على المُسْكِر يدلُّ على أنَّه غيرُه؛ لأنَّ العطف يقتضي المُغايرة؛ قال ابن رَسْلان: فيجوز حَمْلُ المُسْكِر على الذي فيه شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ؛ وهو مُحرَّمٌ يجب فيه الحَدُّ، ويُحمَلُ المُفَتِّر على النَّبات؛ كالحشيش الذي يتعاطاه السَّفَلَة. وقد نقل الرَّافعيُّ والنَّوويُّ في باب الأطمعة عن الرُّويانيِّ أنَّ النبات الذي يُسْكِر وليس فيه شِدَّةٌ مُطْربَةٌ يَحرُم أَكْلُه، ولا

стр. 834

حَدَّ فيه. حُكْمُ البَنْجِ والزَّعْفَرانِ والجَوْزِ الهِنْديِّ قال ابنُ رَسْلان: يقال: إنَّ الزَّعفران يُسْكِر إذا استُعمِل مُفْرداً، بخلاف ما إذا استُهلِك في الطعام، وكذا البَنْج شُرْبُ القليل من مائه يُزيل العَقْل، وهو حَرامٌ إذا زال العَقْلُ، لكن لا حَدَّ فيه ... انتهى. وإذا ثبت أنَّ الزَّعفران مُسْكِرٌ إذا استُعمِل مُفْرداً -كما ذكره-؛ فيَحرُم استعماله مخلوطاً بغيره من الأطعمة وغيرها؛ لما تقدَّم أنَّ ما [أَسْكَر] كثيرُه فقليلُه حرامٌ، سواء كان مُفْرَداً أو مُختَلِطاً بغيره، وسواء كان يُقوِّي على الإسْكار بعد الخلط، أو لا يُقوِّي. وأمَّا إذا لم يكن الزَّعفران ونحوه من جنس المُسْكِرات، بل من جنس المُفَتِّرات؛ فلا يَحرُم منه إلَّا ما وُجِد فيه ذلك المعنى؛ أعني التَّفتير بالعَقْل، ولا يَحرُم القليل منه، كما يُخلَط منه بين بعض الأطعمة؛ وذلك لأنَّ النَّبيَّ ﵌ حَرَّم المُفَتِّر، ولم يقل: ما أَفْتَرَ كثيرُه فقليلُه حرام. اللَّهُمَّ إلَّا أن يُقالَ: يَحْرُم قليل المُفَتِّر قياساً على قليل المُسْكِر؛ بجامع تحريم الكثير مِنْ كُلِّ واحدٍ منهما. ولكن هذا إنَّما يتمُّ بعد تصحيح هذا القياس، وعدم وجود فارقٍ يَقْدَح في صحَّته. قال الإمام المهدي في (البحر) ما لفظه: وما أَسْكَر بأصل الخِلْقَة؛ كالحشيشة، والبَنْج، والجَوْزَة؛ فطاهرٌ، وعن بعضهم: نَجِسٌ. قلت: وهو القياسُ إنْ لم يَمْنَع إجماعٌ. انتهى ... فهذا الكلام يدلُّ على أنَّ الأمور المذكورة مُسْكِرةٌ، وهكذا يدلُّ على ذلك قوله ﵀ في (الأزهار): والمُسْكِر وإن طُبِخَ إلَّا الحشيشة والبَنْج ونحوهما. وفَسَّرَهُ شارحُه بالجَوْز الهِنْديَّ والقُرَيط، وظاهر الاستثناء من المُسْكِر أنَّ الحشيشة وما معها مُسْكِرةٌ. وقال الجلال في (ضوء النَّهار):

стр. 835

إنَّه استثناءٌ منقطعٌ؛ لأنَّ المذكورات لا تُسْكِر، وإنَّما تُخَدِّر أو تُفَتِّر؛، لأنَّ السُّكْر عبارةٌ عن الطَّرَب المثير للنَّخْوَة، ولو كانت من السُّكْر لافتقر تَخصيصها إلى دليل شرعيٍّ. انتهى. تحريمُ الحَشيشَة قال الحافظ ابن حَجَرٍ -مُجيباً على من قال: إنَّ الحَشيشَةَ ليست بمُسْكِرةٍ بل مُخَدِّرة-: إنَّ ذلك مكابرةٌ؛ لأنَّها تُحدِثُ ما يُحدِثُ الخَمْرُ من الطَّرَبِ والنَّشاةِ ... انتهى. وعلى الجُملَة: إنَّه إذا سُلِّم أنَّها غير مُسْكِرةٍ فهي مُفَتِّرةٌ، وكُلُّ واحدٍ من الأمرين يقتضي تحريمها، وقد حَكَى الفِرْيابيُّ وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة، قال: ومن استحَلَّها فقد كَفَر. قالا: وإن لم يتكلَّم فيها الأئمَّة الأربعة؛ لأنَّها لم تكن في زمنهم، وإنَّما ظهرت في آخر المائة السادسة وأوَّل المائة السابعة، حين ظهرت دولة التَّتار. وذكر ابن تيمية في كتاب (السياسة) أنَّ الحدَّ واجبٌ في الحشيشة كالخَمْر، وحَكَى الماورديُّ أنَّ النبات الذي فيه شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ يجب فيه الحَدُّ. وقال ابن البِيطَار -وإليه انتهت الرِّياسة في معرفة خواصِّ النبات-: إنَّ الحشيشة مُسْكِرةٌ جدًّا، إذا تناول الإنسان منها قَدْرَ دِرْهمٍ أو دِرْهَمَين أخرجَتْهُ إلى حَدِّ الرُّعونة، وقد استعملها قومٌ فاختلَّت عُقولُهم. وقال ابن دقيق العيد في الجَوْزَة: إنِّها مُسْكِرةٌ. ونقله عنه المتأخِّرون من الحنفيَّة والشافعيَّة والمالكيَّة واعتمدوه. وذكر ابن القَسْطَلَّاني في (تكريم المعيشة) أنَّ الحشيشة مُلْحَقةٌ بجَوْزَة الطِّيب والزَّعفران والأَفْيون والبَنْج، وهذه من المُسْكِرات المُخدِّرات. وقال الزَّرْكَشي: إنِّ هذه الأمور المذكورة تُؤثِّر في متعاطيها المعنى الذي يُدخِلُه في حَدِّ السَّكْران؛ فإنَّهم

стр. 836

قالوا: السَّكْران هو الذي اختلَّ كلامُه المنظوم، وانكشفَ سِرُّه المكتوم، وقال بعضهم: هو الذي لا يعرف السماء من الأرض. ثمَّ نُقِلَ عن الغزاليِّ الخلاف في ذلك. قيل: والأَوْلَى أن يُقال: إنْ أُريد بالإسْكار تغطية العَقْل؛ فهذه كُلُّها صادقٌ عليها معنى الإسْكَار، وإن أُريد بالإسْكار تغطية العَقْل مع الطَّرَب فهي خارجةٌ عنه؛ فإنَّ إِسْكار الخَمْر يتولَّد منه النَّشاةُ والنَّشاطُ والطَّرَبُ والعَرْبَدَة والحَمِيَّة. والسَّكرانُ بالحشيشة ونحوها يكون ممَّا فيه ضِدُّ ذلك؛ فتقرَّر من هذا أنَّها تَحْرُم لمَضَرَّتها العَقْل، ودخولها في المُفَتِّر المنهيِّ عنه، ولا يجب الحدُّ على متعاطيها؛ لأنَّ قياسها على الخَمْر مع الفارق -وقد انتفى بعض الأوصاف- لا يصحُّ. كذا قيل. والحاصل: أنَّ الحشيشة وما في حُكْمها ممَّا له عملُها، لا شكَّ ولا ريب في تحريمها؛ لأنَّها إن كانت من المُسْكِرات فهي داخلةٌ في عموم أدلَّة تحريم المُسْكِر، وقد عَرَفْتَ من جَزَم بأنَّها مُسْكِرةٌ، وإن كانت من المُفَتِّرات والمُخَدِّرات فهي مُحرَّمةٌ بالحديث المتقدِّم في تحريم كُلِّ مُفَتِّر، ولا يخرج عن هذين الأمرين أصلاً. تعريفُ الخَدَر والخَدَرُ ليس أمراً غير الفُتُور، بل هو فُتورٌ مع زيادة. قال في (القاموس): الخَدَرُ -بالتَّحريك-: امْذِلالٌ يغْشَى الأعضاءَ. خَدِرَ كفَرِحَ فهو خَدِرٌ، وفُتُورُ العَيْنِ أو ثِقَلٌ فيها مِنْ قَذًى .... انتهى. ومع هذا فقد عَرَفْتَ الإجماع على تحريمها بحكاية الإمامين الفِرْيابيِّ وابنِ تيمية، فلم يَبْقَ ارتيابٌ في التحريم .... وقد سُقْنا في هذه الورقات من الأدلَّة ونصوص العُلماء الأكابر على مسألة السؤال ما فيه كفاية لمن له هداية.

стр. 837

فالزَّعفران والجَوْز الهِنْديُّ والأَفْيون ونحوها لاحِقَةٌ بالمُسْكِرات، إنْ صَحَّ قول من قال: إنَّها تُسْكِر ولو في حالٍ من الأحوال. وإنْ صَحَّ قول من قال: إنَّها مُفَتِّرةٌ؛ فهي أيضاً مُحرَّمةٌ لذلك؛ لما سَلَفَ؛ فهي مُشارِكَةٌ للمُسْكِر على أحد التَّقديرَيْن، وللمُفَتِّر على الآخر، وكُلُّ واحدٍ منهما يقتضي التحريم. وإن لم يصحَّ فيها وَصْف الإِسْكار، ولا وَصْف التَّفْتير والتَّخْدير مُطلَقاً؛ فلا وَجْه للحُكْم بتحريمها. فمن أراد العثور على الحقيقة؛ فليسأل من له اختبارٌ عن التأثير الذي يحصل بالأمور المذكورة، وبعد ذلك يَحكُم على كُلِّ واحدٍ [منها] بما أودعناه في هذه الرسالة، وهذا إن لم يَكتَف بما نقلناه عن العُلماء في وصف تلك الأمور كما سَلَفَ. وقد ثبت في الصَّحيح عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: (الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، وَالمُؤْمِنُونَ وَقَّافُونَ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ؛ فَمْنْ تَرَكَهَا فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِعِرْضِهِ وَدِينِهِ). وأقلُّ أحوال الجَوْز الهِنْديِّ وما ذُكِرَ معه أن يكون من الأمور المشتبهات، وثبت عنه ﵌ أنَّه قال: (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ)، صحَّحه ابن حِبَّان والحاكم والتِّرمذيُّ. وقد حَكَى في (شرح الأثمار) عن الإمام شرف الدِّين أنَّ الجَوْز الهِنْديَّ والزَّعفران ونحوهما يَحرُمُ الكثير منه لأَضرارِه، لا لكونه مُسْكِراً، وكذلك القُرَيط؛ وهو الأفيون. انتهى. حُكْمُ القَاتِ عند المُؤَلِّفِ، وتَفْنيدُه لما قال ابنُ حَجَرٍ فيه قال: وأمَّا القات فقد أَكَلْتُ منه أنواعاً مختلفةً وأكثرتُ منها، فلم أجد لذلك أثراً في تفتير، ولا تخديرٍ، ولا تغيير، وقد وقَعَتْ فيه أبحاثٌ طويلة بين جماعةٍ من عُلماء اليمن عند أوَّل ظهوره، وبلغت تلك المذاكرةُ إلى عُلماء مكَّة، وكتب ابن حجرٍ الهيتميُّ

стр. 838

في ذلك رسالةً طويلة سمَّاها (تحذيرُ الثِّقاتِ مِنْ أَكْلِ الكُفْتَةِ وَالقَاتِ)، ووقفتُ عليها في أيَّامٍ سابقةٍ، فوجدتُه تكلَّم فيها بكلام من لا يعرف ماهيَّةَ القات. وبالجملة؛ أنَّه إذا كان بعض أنواعِه تبلغ إلى حدِّ السُّكْر أو التَّفْتير من الأنواع التي لا نعرفها، تَوجَّه الحُكْمُ بتحريم ذلك النوع بخصوصه، وهكذا إذا كان يَضُرُّ بعض الطِّباع من دون إسْكارٍ وتَفْتيرٍ؛ حَرُمَ لإِضْراره، وإلَّا فالأصلُ الحلُّ، كما يدلُّ على ذلك عمومات القرآن والسُّنَّة. وأمَّا قولكم: وهل يجوز بيعه؟ فالظاهر من الأدلَّة تحريم بيع كُلِّ شيءٍ انحصرت منفعته في مُحَرَّم لا يُقصَدُ به إلَّا ذلكَ المُحَرَّم، أو لم ينحصر، ولكنَّه كان الغالب الانتفاع به في مُحرَّم، أو لم يكن الغالب ذلك، ولكنَّه وقع البيعُ لقصد الانتفاع به في أمرٍ مُحرَّم، فما كان على أحد هذه الثلاث الصور كان بيعه مُحرَّماً، وما كان خارجاً عنها كان بيعه حلالاً. ومن أدلَّة الصورة الأُولَى: أحاديث النهي عن بيع الخَمْر والمَيْتَة والخِنزير؛ لأنَّ هذه الأمور لا يُنتَفَع بها إلَّا في مُحرَّم، ولا يُتصوَّر الانتفاع بها في أمرٍ حلالٍ. ومن هذا القبيل الحشيشة؛ فإنَّ منفعتها مُنْحَصِرَةٌ في الحَرام. ومن أدلَّة الصورة الثانية: ما أخرجه التِّرمذيُّ من حديث أبي أُمامَة أنَّ رسول الله ﵌ قال: (لَا تَبِيعُوا القَيْنَاتِ وَالمُغَنِّيَاتِ، وَلَا تَشْتَرُوهُنَّ، وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ، وَلَا خَيْرَ فِي تِجَارَةٍ فِيهِنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ). ومن المعلوم أنَّ منفعة القَيْنَات لم تَنْحَصِر في الحَرام، ولكن لمَّا كان الغالب الانتفاع بهنَّ في الحَرام، جَعَلَ الشَّارع حُكمَهُنَّ في تحريم البيع حُكْمَ ما لا يُنتفعُ به في غير الحَرام، تنزيلًا للأكثر منزلة الكُلِّ. ومن هذا القبيل البَنْج والجَوْز الهِنْديُّ، وما [شابههما].

стр. 839

ومن أدلَّة الصورة الثالثة: ما أخرجه الطَّبَرانيُّ في (الأوسط) بإسنادٍ حَسَّنه الحافظ ابن حجر، من حديث عبد الله بن بُرَيْدَة عن أبيه قال: قال رسول الله ﵌: (مَنْ حَبَسَ العِنَبَ أَيَّامَ القِطَافِ حَتَّى يَبِيعَهُ مِمَّنْ يَتِّخِذُهُ خَمْراً، فَقَدْ تَقَحَّمَ النَّارَ عَلَى بَصِيرَةٍ). ولا شكَّ أنَّ العِنَب في الغالب يُنتَفَع به في الأمور الجائزة، ولكنَّه لمَّا كان القصد بيعُه إلى من يستعملُه في أمرٍ مُحرَّمٍ، كان بيعُه مُحرَّماً؛ لأنَّ وسيلة الحَرَام حَرامٌ، وأمَّا [مع] عَدَم القصد فلا تحريم. ومن هذا الزَّعفران؛ فمن باعه إلى من يستعملُه في أمرٍ جائز، أو مع عدم القصد؛ فبيعه حلالٌ، ومن باعه إلى من يستعملُه في أمرٍ غير جائزٍ؛ نحو أنْ يبيعه إلى من يعلم أنَّه يأْكُل منه مقداراً يحصُل به التَّفْتير أو الإِضْرار بالبَدَن، قاصداً للبيع إلى من كان كذلك؛ فبيعُه غير جائز. وإذا تقرَّر هذا التفصيل ارتفع ما يَرِدُ من الإشكالات على حديث ابن عبَّاس عند الحاكم والبيهقيِّ بإسنادٍ صحيحٍ، أنَّ النَّبيَّ ﵌ قال: (إِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّم عَلَى قَوْمٍ أَكْلَ شَيءٍ، حَرَّمَ ثَمَنَهُ)؛ فإنَّه قال بعض أهل العِلْم: إنَّه يلزم من الأخذ بظاهر هذا الحديث تحريمُ بيع الحُمُر الأهليَّة وغيرها ممَّا يصلُحُ لحلالٍ وحَرامٍ. ويُجابُ: بأنَّ الحُمُرَ الأهليَّة إذا باعها البائع إلى من يأكُلُها، كانَ البيعُ مُحرَّماً مع القصد؛ لما سَلَفَ من أنَّ وسيلةَ الحَرام حَرامٌ، وإنْ باعَها إلى من لا يأكُلُها، أو مع عدم القصد، فلا وجه للتَّحريم، وهكذا كلُّ ما كان من هذا القبيل. وقال ابن القَيِّم: إنَّه يُرادُ بحديث ابن عبَّاسٍ المذكور أمران: أحدهما: ما هو حرامُ العَيْن والانتفاع جُملةً؛ كالخَمْر، والمَيْتَة، والدَّم، والخِنزير، وآلات الشِّرْك؛ فهذه ثَمَنُها حَرامٌ كيفما اتَّفَقَت.

стр. 840

والثاني: ما يُباحُ الانتفاعُ به في غير الأَكْلِ، وإنَّما يَحْرُمُ أَكْلُه؛ كجِلْد المَيْتَة بعدَ الدِّباغ، وكالحُمُر الأهليَّة والبِغَال ونحوهما ممَّا يَحرُمُ أَكْلُه دون الانتفاع به؛ فهذا قد يقال: إنَّه لا يدخل في الحديث، وإنَّما يدخلُ فيه ما هو حرامٌ على الإطلاق. والصواب ما ذكرنا من التفصيل؛ فإنَّ هذه الأمور يَحرُمُ بيعُها إذا بِيعَت لأجل المنفعة المُحرَّمة؛ كما إذا بِيعَ الحِمارُ والبَغْلُ لأَكْلِهما، وقد قيل: إنَّ بَيْعَ الشيءِ الذي يَحرُمُ في بعض الأحوال إلى مَنْ ينتفعُ به في ذلك الأمر المُحرَّم، مع القصد؛ حَرامٌ بالإجماع. وممَّا يؤيِّدُ تحريم بَيْع الشيء الذي يُنتَفَعُ به في الأمور الجائزة في الغالب إلى من يستعملُه فيما لا يجوز: ما أخرجه البيهقيُّ والبَزَّارُ عن عِمْران بن حُصَينٍ مرفوعاً في النَّهْي عن بَيْع السِّلاح في الفِتْنة. وأمَّا سؤال السائل -حفظه الله- عن تلك الأمور: هل يَجوزُ الانتفاعُ بها في غير الوجه الذي حُرِّمت لأجلِهِ؟ فنقول: نعم؛ يجوز أن يُنتفَعَ بها في غير الوجه الذي تَحرُم من جهته، كما يجوز الانتفاع بالحيوانات التي يَحرُم أَكْلُها في غير الأَكْل، والانتفاع بالعِنَب ونحوه في جميع المنافع، ما عدا الصُّورة المُحرَّمة التي هي جَعْلُه خَمْراً، وهذا ممَّا لا ينبغي أن يقع فيه خلافٌ بين أهل العِلْم، والله أعلم. انتهى ... [الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني (ص ٤١٨٩ - ٤٢١٤)] * وانظر: فتوى رقم (١٠٤٢) * * * أَكْلُ مَا يُغَيِّبُ العَقْلَ (٩٠٧) السؤال: رجُلٌ اعتادَ أنْ يتناول كُلَّ ليلةٍ قبل العَصْر شيئاً من المَعَاجِين مُدَّة سنين، فسُئِلَ عن ذلك؟ فقال: أرى فيه أشياء من المنافع ؛ فهل

стр. 841

يُباحُ ذلك لهُ أم لا؟ الجواب: إن كان ذلك يُغيِّب العَقْلَ لم يَجُز له أكلُه؛ فإنَّ كُلَّ ما يُغيِّب العَقْلَ يَحرُمُ باتِّفاق المسلمين. [مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٤/ ٢١٨)] * * * تَعَاطِي المُخَدِّرَاتِ (٩٠٨) السؤال: ما حُكمُ تَعاطِي المُخَدِّرات ؟ الجواب: إنَّ المُخدِّرات ظهرت في البيئة الإسلاميَّة في القرن السابع الهجري مع دولة التَّتار، وبمجرَّد أن ظهرت أجمع عُلماء المسلمين على تحريمها؛ مُستَنِدِين إلى أصولٍ عامَّةٍ من قواعد التشريع الإسلامي، وإنَّه لَمِنَ المعروف أنَّ مِنْ قواعد التشريع الإسلامي أنَّ (ما أفسد العَقْل يحرم تناوله مأكولاً كان أو مشروباً أو مشموماً)، والمحافظة على العَقْل، وعلى الاتزان الأخلاقي، وعلى السُّمُوِّ الروحي، كُلُّ ذلك من أهداف الإسلام وأغراضه الجوهريَّة. وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ المُخدِّرات مُفسِدةٌ للعَقْل، مُخِلَّة بالسلوك الأخلاقي الكريم، ومن أجل ذلك كانت مُحرَّمة عن طريق قواعد التشريع الإسلامي، وكانت مُحرَّمة؛ لأنَّها تخلُّ بأهداف الدِّين وغاياته. على أنَّ المُخدِّرات وإن لم تكن على عهد رسول الله ﷺ ، فقد ورد تحريمها في أحاديثه كمعجزةٍ من معجزاته ﷺ ؛ فقد روى أبو داود: (أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ)، ونَهْي رسول الله ﷺ عن المُسْكِر يتضمَّن كُلَّ أنواع الخمور، ومنها البِيرَة، ونَهْيُه عن المُفَتِّر يتضمَّن كُلَّ أنواع المُخدِّرات. والنهي عن المُسْكِر والمُفَتِّر إنَّما هو نهيٌ عن كُلِّ ما يُحْدِث تغييراً في الاتِّزان العَقْلي على وجه العموم، ومن أجل ما في المُخدِّرات من مفاسد، قال الإمام

стр. 842

ابن تيمية عنها: إنَّ فيها من المفاسد ممَّا ليس في الخَمْر، فهي أَوْلَى بالتحريم. أمَّا ابن القيِّم فإنَّه يُسمِّي المُخدِّرات، باللُّقْمَة الملعونة، ويقول عنها: إنَّها لُقْمَة الفِسْق والفجور التي تُحرِّك القَلْب الساكن إلى أخبث الأماكن. أمَّا من استحلَّ الحشيش أو المُخدِّرات على وجه العموم؛ فإنَّ الإمام ابن تيمية يقول عنه: من استحلَّها وزعم أنَّها حلال فإنَّه يُستتاب، فإن تابَ، وإلَّا قُتِل مُرتدًّا، لا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين. [فتاوى عبد الحليم محمود (٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧)] * * * تَعَاطِي الحَشيش وَالمُخَدِّراتِ (٩٠٩) السؤال: هل يَحرُمُ تعاطي الحَشيش والمُخَدِّرات في الدِّين الإسلاميِّ ؟ الجواب: لا جِدالَ عند العُقلاء في أنَّ الحَشيشَ المعروف بين الناس شيءٌ يُحرِّمه الإسلام؛ يَحرُم تعاطيه واستعمالُه بكُلِّ الصُّورِ المختلفة المعروفة عند مُدْمِنيه، وقد جاء تحريمُ الحشيش بالقياس، وبالنصِّ، وبغيرهما من الأدلَّة والبراهين. أمَّا القياس؛ فلأنَّ الحشيش كالخَمْر في التأثير، وفي عِلَّة التَّحريم، وهناك خطأٌ شائع بين النَّاس في فهم المقصود من معنى الخَمْر؛ فهم يَقْصُرونها على ذلك السائل الذي يُشَرَبُ، مع أنَّ الخَمْرَ -لغةً وشَرْعاً-: هي كُلُّ ما خامَرَ العَقْل؛ أي خالَطَه وغَطَّاه وسَتَرَه، ولا يتقيَّد ذلك بنوعِ المادَّة التي يُتَّخَذُ منها ذلك المُخامِرُ السَّاتِرُ؛ فقد يكون من العِنَب، أو الحِنْطَة، أو العَسَل، أو التَّمْر، أو الحَشِيش، أو أيِّ نوعٍ من الزُّروع أو سواها. وسيِّدنا عمر بن الخَطَّاب ﵁ يقول: (الخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ). وما دام الشيء يُخامِرُ العَقْل بالمعنى السابق؛ فإنَّه يكونُ

стр. 843

مُسْكِراً، والحديث النَّبويُّ يقول: (أَنَا أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ)، ويقول: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ). والحشيش فيه هذا المعنى؛ ولذلك يَحرُم كحُرْمَة الخَمْر. ولا يمنعُ من هذا أنَّ الحشيش شيءٌ جامدٌ غير سائلٍ؛ لأنَّ الإسلام لا ينظر هنا إلى أنَّ الخَمْر سائلٌ يُشْرَب، أو أيُّ شيءٍ يُؤكَل، أو أيُّ شيءٍ يُدَخَّن، أو شيء يُحْقَنُ، بل كُلُّ ما أثَّر في العَقْل حتَّى أخرجَهُ عن اتِّزانِه واعتدالِه، وسَتَرَه عن تفكيره ووعيه المألوف، يَدخُل تحت مفهوم الخَمْر، فالإسلام لا ينظر إلى ذلك الشيء المُخامِر، بل ينظر إلى أَثَرِه وعاقِبَتِه. وجاء تحريم الحشيش بالنصِّ أيضاً؛ فقد روى الإمام الجليل أحمد بن حنبل ﵁ في (مُسنَدِه) أنَّ النَّبيَّ ﷺ (نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ)، والمُفَتِّر: هو كُلُّ ما يورِثُ الفُتور والخَدَر في الأعضاء والأطراف. والثابت المشاهد أنَّ الحشيش يُوجِدُ هذا الفتور في الجسم بشكل واضح ملموس، فلو فرضنا جدلًا أنَّ الحشيش لا يدخل تحت مفهوم الخَمْر، لدَخَل تحت مفهم المُفَتِّر، ولا يستطيع مكابرٌ حينئذٍ أنْ يُكابِرَ في هذا، أو يدَّعي بعدَه أنَّ الحشيش ليس بحَرامٍ. ولقد أجمع فقهاء الإسلام على تحريم المُخَدِّرات كُلِّها، وفي طليعتها الحشيش، وذكر الإمام ابن حجرٍ أنَّ «شُرْبَ المُخَدِّرات من كبائر الذُّنوب». كما قرَّر الفقهاء حُرْمَةَ الاتِّجار في هذه المُخَدِّرات. وجاء في كتب مذهب الحنفيَّة أنَّه «يحرُمُ أَكْلُ البَنْج والحشيش والأَفْيون؛ لأنَّها مُفسِدَةٌ للعَقْل، وتَصُدُّ عن ذِكْر الله تعالى وعن الصلاة، ويجبُ تعزيرُ آكِلِها بما يَرْدَعُه». أي: تجبُ معاقبتُه بما يراه وليُّ الأمر، حتَّى يُقلِعَ عن تعاطيها. والمراد مِنْ أَكْل البَنْج هنا هو تعاطيه في غير العمليَّات الجِراحيَّة اللَّازمة؛

стр. 844

لأنَّه يُباحُ في مثل هذه العمليَّات؛ إذ تدعو إليه الضرورة. قال ابن تيمية عن المُخَدِّرات: إنَّ فيها من المفاسد ما ليس في الخَمْر؛ فهي أَوْلَى بالتحريم، ومن استحَلَّها وزعم أنَّها حلالٌ؛ فإنَّه يُستتاب، فإن تاب، وإلَّا قُتِلَ مُرتدًّا، لا يُصَلَّى عليه، ولا يُدْفَن في مقابر المسلمين. وقال الإمام ابن القيِّم: «يدخُلُ في الخَمْر كُلُّ مُسْكِر، مائعاً كان أو جامداً، عصيراً أو مطبوخاً، واللُّقْمَةُ الملعونة -يقصد الحشيش- لُقْمة الفِسْقِ والفُجور التي تُحرِّكُ القلبَ الساكن إلى أخبث الأماكن». والمُخَدِّرات لها أضرارٌ صحِّيَّة، وعَقْليَّة، وروحيَّة، وأدبيَّة، واقتصاديَّة، واجتماعيَّة، والرسول ﷺ يقول: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)، ولذلك تَحرُمُ المُخَدِّرات، وفي طليعتها الحشيش؛ بقاعدة دَفْع الشَّرِّ وَسَدِّ ذَرائِع الفَسادِ، حتَّى ولو لم يَرِدْ نَصٌّ بتحريمها. كما أنَّ المُخَدِّرات تقتل حوافز العمل، وتُغْري بالكَسَل، ونحن لم نَنْسَ كيف كان شعب الصِّين فَريسَةً للأَفيون، وكيف تعطَّلت حوافز العمل فيه بسبب هذا المُخَدِّر، وكيف نهض نهضة العِمْلاق حين ترك هذا الأَفْيون اللَّعين. والمُخَدِّراتُ -وفي طليعتها الحشيش- تُذْهِبُ بنَخْوَة الرِّجال، وبالمعاني الفاضلة في الإنسان، وتجعلُه غيرَ وَفيٍّ إذا عاهد، وغير أمينٍ إذا أؤتُمِنَ، وغير صادقٍ إذا حَدَّثَ، وتُميتُ فيه الشعور بالمسؤوليَّات، والشعور بالكرامة، وتملؤه رُعْباً ودَناءَةً، وخيانةً لنفسه ولمن يُعاشِر؛ فيصبح عضواً موبوءاً فاسداً، يجب علاجه وإبعاده. [يسألونك في الدين والحياة (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٧)]

стр. 845

تَوْصِيَةٌ بِشَأْنِ المَوَادِّ المُخَدِّرَةِ (٩١٠) الموادُّ المُخَدِّرة مُحرَّمةٌ لا يَحِلُّ تناولها إلَّا لغرض المعالجة الطبِّيَّة المتعيِّنة، وبالمقادير التي يُحدِّدها الأطبَّاء وهي طاهرة العَيْن . [توصيات الندوة الثامنة للمنظمة الإسلاميَّة للعلوم الطبية بالكويت ١٤١٥ هـ/١٩٩٥ م] * وانظر: فتوى رقم (٢٧٤) * * * ثانياً: الأفيون: الاضْطِرَارُ إِلَى تَعَاطِي الأَفْيُونِ (٩١١) السؤال: مَنِ ابْتُلِيَ بأَكْلِ نحو الأَفْيون، وصار إن لم يأكُل منه هَلَكَ؛ هل يُباحُ له حينئذٍ أَكْلُه أم لا ؟ الجواب: إذا عُلِمَ عِلْماً قطعيًّا -بقول الأطبَّاء، أو التَّجربة الصَّحيحة الصَّادقة- أنَّه لا دافع لخشية هلاكه إلَّا أَكْلُه من نحو الأفيون القَدْرَ الذي اعتاده أو قريباً منه، حَلَّ له أَكْلُه، بل وَجَبَ عليه؛ لأنَّه مضطرٌّ إليه في بقاء روحه؛ فهو حينئذٍ كالمَيْتَةِ في حقِّ المُضطرِّ إليها بخصوصها، وقد صرَّح بذلك جماعةٌ مع وضوحه. نعم؛ أشار شيخ الإسلام الحافظ ابن حَجَرٍ العَسْقَلانيُّ إلى شيءٍ حَسَنٍ يتعيَّنُ اعتمادُه؛ وهو: أنَّه يجب على متعاطي ذلك السَّعيُ في قَطْعِه بالتَّدريج؛ بأنْ يُقلِّلَ ممَّا اعتادَه كُلَّ يومٍ
следующие страницы →