يُباحُ ذلك لهُ أم لا؟
الجواب: إن كان ذلك يُغيِّب العَقْلَ لم يَجُز له أكلُه؛ فإنَّ كُلَّ ما يُغيِّب العَقْلَ يَحرُمُ باتِّفاق المسلمين.
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٤/ ٢١٨)]
* * *
تَعَاطِي المُخَدِّرَاتِ
(٩٠٨) السؤال: ما حُكمُ تَعاطِي المُخَدِّرات ؟
الجواب: إنَّ المُخدِّرات ظهرت في البيئة الإسلاميَّة في القرن السابع الهجري مع دولة التَّتار، وبمجرَّد أن ظهرت أجمع عُلماء المسلمين على تحريمها؛ مُستَنِدِين إلى أصولٍ عامَّةٍ من قواعد التشريع الإسلامي، وإنَّه لَمِنَ المعروف أنَّ مِنْ قواعد التشريع الإسلامي أنَّ (ما أفسد العَقْل يحرم تناوله مأكولاً كان أو مشروباً أو مشموماً)، والمحافظة على العَقْل، وعلى الاتزان الأخلاقي، وعلى السُّمُوِّ الروحي، كُلُّ ذلك من أهداف الإسلام وأغراضه الجوهريَّة.
وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ المُخدِّرات مُفسِدةٌ للعَقْل، مُخِلَّة بالسلوك الأخلاقي الكريم، ومن أجل ذلك كانت مُحرَّمة عن طريق قواعد التشريع الإسلامي، وكانت مُحرَّمة؛ لأنَّها تخلُّ بأهداف الدِّين وغاياته. على أنَّ المُخدِّرات وإن لم تكن على عهد رسول الله ﷺ ، فقد ورد تحريمها في أحاديثه كمعجزةٍ من معجزاته ﷺ ؛ فقد روى أبو داود: (أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ)، ونَهْي رسول الله ﷺ عن المُسْكِر يتضمَّن كُلَّ أنواع الخمور، ومنها البِيرَة، ونَهْيُه عن المُفَتِّر يتضمَّن كُلَّ أنواع المُخدِّرات.
والنهي عن المُسْكِر والمُفَتِّر إنَّما هو نهيٌ عن كُلِّ ما يُحْدِث تغييراً في الاتِّزان العَقْلي على وجه العموم، ومن أجل ما في المُخدِّرات من مفاسد، قال الإمام
стр. 842
ابن تيمية عنها: إنَّ فيها من المفاسد ممَّا ليس في الخَمْر، فهي أَوْلَى بالتحريم.
أمَّا ابن القيِّم فإنَّه يُسمِّي المُخدِّرات، باللُّقْمَة الملعونة، ويقول عنها: إنَّها لُقْمَة الفِسْق والفجور التي تُحرِّك القَلْب الساكن إلى أخبث الأماكن.
أمَّا من استحلَّ الحشيش أو المُخدِّرات على وجه العموم؛ فإنَّ الإمام ابن تيمية يقول عنه: من استحلَّها وزعم أنَّها حلال فإنَّه يُستتاب، فإن تابَ، وإلَّا قُتِل مُرتدًّا، لا يُصلَّى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين.
[فتاوى عبد الحليم محمود (٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧)]
* * *
تَعَاطِي الحَشيش وَالمُخَدِّراتِ
(٩٠٩) السؤال: هل يَحرُمُ تعاطي الحَشيش والمُخَدِّرات في الدِّين الإسلاميِّ ؟
الجواب: لا جِدالَ عند العُقلاء في أنَّ الحَشيشَ المعروف بين الناس شيءٌ يُحرِّمه الإسلام؛ يَحرُم تعاطيه واستعمالُه بكُلِّ الصُّورِ المختلفة المعروفة عند مُدْمِنيه، وقد جاء تحريمُ الحشيش بالقياس، وبالنصِّ، وبغيرهما من الأدلَّة والبراهين.
أمَّا القياس؛ فلأنَّ الحشيش كالخَمْر في التأثير، وفي عِلَّة التَّحريم، وهناك خطأٌ شائع بين النَّاس في فهم المقصود من معنى الخَمْر؛ فهم يَقْصُرونها على ذلك السائل الذي يُشَرَبُ، مع أنَّ الخَمْرَ -لغةً وشَرْعاً-: هي كُلُّ ما خامَرَ العَقْل؛ أي خالَطَه وغَطَّاه وسَتَرَه، ولا يتقيَّد ذلك بنوعِ المادَّة التي يُتَّخَذُ منها ذلك المُخامِرُ السَّاتِرُ؛ فقد يكون من العِنَب، أو الحِنْطَة، أو العَسَل، أو التَّمْر، أو الحَشِيش، أو أيِّ نوعٍ من الزُّروع أو سواها. وسيِّدنا عمر بن الخَطَّاب ﵁ يقول: (الخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ). وما دام الشيء يُخامِرُ العَقْل بالمعنى السابق؛ فإنَّه يكونُ
стр. 843
مُسْكِراً، والحديث النَّبويُّ يقول: (أَنَا أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ)، ويقول: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ). والحشيش فيه هذا المعنى؛ ولذلك يَحرُم كحُرْمَة الخَمْر.
ولا يمنعُ من هذا أنَّ الحشيش شيءٌ جامدٌ غير سائلٍ؛ لأنَّ الإسلام لا ينظر هنا إلى أنَّ الخَمْر سائلٌ يُشْرَب، أو أيُّ شيءٍ يُؤكَل، أو أيُّ شيءٍ يُدَخَّن، أو شيء يُحْقَنُ، بل كُلُّ ما أثَّر في العَقْل حتَّى أخرجَهُ عن اتِّزانِه واعتدالِه، وسَتَرَه عن تفكيره ووعيه المألوف، يَدخُل تحت مفهوم الخَمْر، فالإسلام لا ينظر إلى ذلك الشيء المُخامِر، بل ينظر إلى أَثَرِه وعاقِبَتِه.
وجاء تحريم الحشيش بالنصِّ أيضاً؛ فقد روى الإمام الجليل أحمد بن حنبل ﵁ في (مُسنَدِه) أنَّ النَّبيَّ ﷺ (نَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ)، والمُفَتِّر: هو كُلُّ ما يورِثُ الفُتور والخَدَر في الأعضاء والأطراف. والثابت المشاهد أنَّ الحشيش يُوجِدُ هذا الفتور في الجسم بشكل واضح ملموس، فلو فرضنا جدلًا أنَّ الحشيش لا يدخل تحت مفهوم الخَمْر، لدَخَل تحت مفهم المُفَتِّر، ولا يستطيع مكابرٌ حينئذٍ أنْ يُكابِرَ في هذا، أو يدَّعي بعدَه أنَّ الحشيش ليس بحَرامٍ.
ولقد أجمع فقهاء الإسلام على تحريم المُخَدِّرات كُلِّها، وفي طليعتها الحشيش، وذكر الإمام ابن حجرٍ أنَّ «شُرْبَ المُخَدِّرات من كبائر الذُّنوب». كما قرَّر الفقهاء حُرْمَةَ الاتِّجار في هذه المُخَدِّرات.
وجاء في كتب مذهب الحنفيَّة أنَّه «يحرُمُ أَكْلُ البَنْج والحشيش والأَفْيون؛ لأنَّها مُفسِدَةٌ للعَقْل، وتَصُدُّ عن ذِكْر الله تعالى وعن الصلاة، ويجبُ تعزيرُ آكِلِها بما يَرْدَعُه». أي: تجبُ معاقبتُه بما يراه وليُّ الأمر، حتَّى يُقلِعَ عن تعاطيها.
والمراد مِنْ أَكْل البَنْج هنا هو تعاطيه في غير العمليَّات الجِراحيَّة اللَّازمة؛
стр. 844
لأنَّه يُباحُ في مثل هذه العمليَّات؛ إذ تدعو إليه الضرورة.
قال ابن تيمية عن المُخَدِّرات: إنَّ فيها من المفاسد ما ليس في الخَمْر؛ فهي أَوْلَى بالتحريم، ومن استحَلَّها وزعم أنَّها حلالٌ؛ فإنَّه يُستتاب، فإن تاب، وإلَّا قُتِلَ مُرتدًّا، لا يُصَلَّى عليه، ولا يُدْفَن في مقابر المسلمين.
وقال الإمام ابن القيِّم: «يدخُلُ في الخَمْر كُلُّ مُسْكِر، مائعاً كان أو جامداً، عصيراً أو مطبوخاً، واللُّقْمَةُ الملعونة -يقصد الحشيش- لُقْمة الفِسْقِ والفُجور التي تُحرِّكُ القلبَ الساكن إلى أخبث الأماكن».
والمُخَدِّرات لها أضرارٌ صحِّيَّة، وعَقْليَّة، وروحيَّة، وأدبيَّة، واقتصاديَّة، واجتماعيَّة، والرسول ﷺ يقول: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ)، ولذلك تَحرُمُ المُخَدِّرات، وفي طليعتها الحشيش؛ بقاعدة دَفْع الشَّرِّ وَسَدِّ ذَرائِع الفَسادِ، حتَّى ولو لم يَرِدْ نَصٌّ بتحريمها.
كما أنَّ المُخَدِّرات تقتل حوافز العمل، وتُغْري بالكَسَل، ونحن لم نَنْسَ كيف كان شعب الصِّين فَريسَةً للأَفيون، وكيف تعطَّلت حوافز العمل فيه بسبب هذا المُخَدِّر، وكيف نهض نهضة العِمْلاق حين ترك هذا الأَفْيون اللَّعين.
والمُخَدِّراتُ -وفي طليعتها الحشيش- تُذْهِبُ بنَخْوَة الرِّجال، وبالمعاني الفاضلة في الإنسان، وتجعلُه غيرَ وَفيٍّ إذا عاهد، وغير أمينٍ إذا أؤتُمِنَ، وغير صادقٍ إذا حَدَّثَ، وتُميتُ فيه الشعور بالمسؤوليَّات، والشعور بالكرامة، وتملؤه رُعْباً ودَناءَةً، وخيانةً لنفسه ولمن يُعاشِر؛ فيصبح عضواً موبوءاً فاسداً، يجب علاجه وإبعاده.
[يسألونك في الدين والحياة (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٧)]
стр. 845
تَوْصِيَةٌ بِشَأْنِ المَوَادِّ المُخَدِّرَةِ
(٩١٠) الموادُّ المُخَدِّرة مُحرَّمةٌ لا يَحِلُّ تناولها إلَّا لغرض المعالجة الطبِّيَّة المتعيِّنة، وبالمقادير التي يُحدِّدها الأطبَّاء وهي طاهرة العَيْن .
[توصيات الندوة الثامنة للمنظمة الإسلاميَّة للعلوم الطبية بالكويت ١٤١٥ هـ/١٩٩٥ م]
* وانظر: فتوى رقم (٢٧٤)
* * *
ثانياً: الأفيون:
الاضْطِرَارُ إِلَى تَعَاطِي الأَفْيُونِ
(٩١١) السؤال: مَنِ ابْتُلِيَ بأَكْلِ نحو الأَفْيون، وصار إن لم يأكُل منه هَلَكَ؛ هل يُباحُ له حينئذٍ أَكْلُه أم لا ؟
الجواب: إذا عُلِمَ عِلْماً قطعيًّا -بقول الأطبَّاء، أو التَّجربة الصَّحيحة الصَّادقة- أنَّه لا دافع لخشية هلاكه إلَّا أَكْلُه من نحو الأفيون القَدْرَ الذي اعتاده أو قريباً منه، حَلَّ له أَكْلُه، بل وَجَبَ عليه؛ لأنَّه مضطرٌّ إليه في بقاء روحه؛ فهو حينئذٍ كالمَيْتَةِ في حقِّ المُضطرِّ إليها بخصوصها، وقد صرَّح بذلك جماعةٌ مع وضوحه.
نعم؛ أشار شيخ الإسلام الحافظ ابن حَجَرٍ العَسْقَلانيُّ إلى شيءٍ حَسَنٍ يتعيَّنُ اعتمادُه؛ وهو: أنَّه يجب على متعاطي ذلك السَّعيُ في قَطْعِه بالتَّدريج؛ بأنْ يُقلِّلَ ممَّا اعتادَه كُلَّ يومٍ
стр. 846
قَدْر سِمْسِمَةٍ، فإنَّ نَقْصَها لا يَضُرُّه قَطْعاً، فإذا استمرَّ على ذلك لم تمضِ إلَّا مُدَّةٌ قليلةٌ وقد زال تولُّع المَعِدَة به، ونَسِيَتْهُ من غير أنْ تشعر ولا تستَضِرَّ لفَقْدِه، فبهذا أمكن زوالُه وقطعُه، فهو وسيلةٌ إلى إزالة ذلك المُحرَّم في ذاته، وإنْ وَجَبَ تعاطيه؛ لأنَّ الوجوب لعارِضٍ لا ينافي الحُرْمَةَ الذاتيَّة، كما أنَّ تناول المضطرِّ للمَيْتَة واجبٌ في حَقِّه لعُروضِ الاضطرار، مع بقائها في حَدِّ ذاتها على وصف الحُرمَة الذاتيِّ لها، و (ما كان وسيلةً إلى إزالة المُحرَّم يكون واجباً)؛ فوجب فعل هذا التدريج، ومَنْ ترك ذلك فهو عاصٍ آثمٌ فاسقٌ، مردودُ الشَّهادة، ولا عُذْرَ له في دوام تعاطيه إنْ أوجبناه عليه في الحالة الرَّاهنة لبقاء روحه؛ فتأمل ذلك، فإنَّ كثيرين من المخذولين بالابتلاء بهذه الخَصْلَة القبيحة الشنيعة يتمسَّكون بدوام ما هم عليه مِنَ المَقْتِ والمَسْخِ المَعنويِّ، بأنَّهم نشأوا فيه وتمكَّن منهم؛ فصار تعاطيه واجباً عليهم.
وجواب ذلك: أنَّه كلامُ حقٍّ أُريدَ به باطل؛ لأنَّا نقول لهم: لئن سلَّمنا لكم ما قلتموه، هو لا يمنع أنَّه يجبُ عليكم السَّعيُ في قَطْعِه، وزوال ضَرَرِه، ومَسْخِه لأبدانكم وأديانكم وعُقولكم ومحصولكم، ولقد أخبرني بعضُ العارفين أنَّه يمكن قَطْعُ الأَفيون في سبعة أيَّام بدواءٍ بَرَّهُ بعضُ الأطباء، بل أخبرني بعضُ طلبة العِلْم الصُّلَحاء أنَّه كان مبتلًى منه في كُلِّ يوم بمقدارٍ كثيرٍ، فساءَهُ حالُه، وتعطَّل عليه عقلُه، وأدركَ أنَّه المَسْخُ الأكبرُ، والقاتلُ الأكبرُ، والمزيلُ لكُلِّ أَنَفَةٍ ومُروءَةٍ وأَدَبٍ ورِياسَةٍ، والمُحَصِّلُ لكُلِّ ذِلَّةٍ ورَذيلَةٍ وبِذْلَةٍ ورَثاثَةٍ وخَساسَةٍ. قال: فذهبتُ إلى المُلْتَزَم الشريف، وابتهلتُ إلى الله بقلبٍ حزينٍ، ودموعٍ وأنينٍ، وحُرْقَةٍ صادقة، وتوبةٍ ناصحةٍ، وسألت الله ﵎ أنْ يمنعَ ضَرَرَ فَقْدِه عنِّي، ثُمَّ ذهبتُ إلى
стр. 847
زمزم وشربتُ منها بنِيَّة تَرْكِه، وكفاية ضَرَر فَقْدِه، فلم أَعُدْ إليه بعد ذلك، ولم أجد لفَقْدِه ضَرراً بوجه مطلقاً. اهـ.
وصدق في ذلك وبَرَّ؛ فإنَّ شَغَفَ النفوس عند فَقْدِه، وظهورَ علامات الضَّرر عليها؛ إنَّما هو لعَدَمِ خُلوص نِيَّاتها، وفسادِ طَويَّاتِها، وبقاء كَمينِ تَشوُّفِها إليه، وتَعويلِها عليه؛ فلمْ تَجِدْ حينئذٍ ما يَسُدُّ مَحلَّه من الكَبِد، فيَعظُم ضَرَر فَقْدِه حينئذٍ.
وأمَّا من عَزَمَ عَزْماً صادقاً على تَرْكِه، وتوسَّل إلى الله في ذلك بصِدْق نِيَّةٍ، وإخلاص طَويَّةٍ، فلا يَجِد لتَرْكِه أَلماً بحول الله تعالى وقُوَّته.
[فتاوى ابن حجر الهيتمي (٤/ ٢٥٩)]
* * *
تَنَاوُلُ الحَشِيشِ وَالأَفْيُونِ وَالاتِّجَارُ بِهِمَا
(٩١٢) السؤال: هل يُعتَبرُ الحَشيشُ والأَفْيونُ حَراماً كحُرْمَة الخَمْر ؟ وما موقف الشريعة الغرَّاء ممَّن يتَّجِرُون بالمُخدِّرات والخُمور؟ وكذلك من يخالطونهم من ذوي قرابتهم فيأْكُلون في بيوتهم، وقد يستدينون منهم شيئاً من المال؟
الجواب: الحشيش والأفيون، وكُلُّ ما يُخَدِّر الحسَّ حَرامٌ؛ لما فيه من معنى الخَمْر وهو يؤدي إلى العَتَه أو الجنون، والمتَّجِرون بهذه الموادِّ يُفسِدون عقول الناس فيستحقِّون التَّعزير الشديد، ومخالطتُهم للتشجيع مكروهةٌ، ولكنَّها لصِلَة الرَّحِم والمَوَدَّة والنصيحة مستحسنةٌ.
[فتاوى الشيخ محمَّد أبو زهرة (ص ٦٨٤ - ٦٨٥)]
стр. 848
ثالثاً: الحشيش:
أَكْلُ الحَشِيشَةِ
(٩١٣) السؤال: مَنْ يأكُلُ الحَشيشةَ ما يجبُ عليه ؟
الجواب: الحمد لله. هذه الحشيشة الصُّلبة حَرامٌ، سواءٌ سَكِرَ منها أو لم يَسْكَر، والسُّكْرُ منها حَرامٌ باتِّفاق المسلمين، ومَنِ استحَلَّ ذلك، وزعم أنَّه حلالٌ فإنَّه يُستتاب، فإنْ تاب وإلَّا قُتِلَ مُرتدًّا، لا يُصلَّى عليه، ولا يُدْفَنُ في مقابر المسلمين.
وأمَّا إن اعتقد ذلك قُرْبةً وقال: هي لُقَيْمَة الذِّكْر والفِكْر، وتُحرِّك العَزْم السَّاكِن إلى أشرف الأماكن، وتنفع في الطريق؛ فهو أعظم وأكبر؛ فإنَّ هذا من جِنْس دين النَّصارى الذين يتقرَّبون بشُرْب الخَمْر، ومن جِنْس مَنْ يَعتقد الفواحش قُرْبةً وطاعةً؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]، ومن كان يَستحِلُّ ذلك جاهلاً، وقد سُمِعَ بعض الفُقهاء يقول:
حَرَّمُوهَا مِنْ غَيْرِ عَقْلٍ وَنَقْلٍ ... وَحَرَامٌ تَحْرِيمُ غَيرِ الحَرَامِ
فإنَّه ما يعرف اللهَ ورسولَه، وأنَّها مُحرَّمةٌ، والسُّكْرُ منها حرامٌ بالإجماع. وإذا عَرَفَ ذلك ولم يُقِرَّ بتحريم ذلك؛ فإنَّه يكون كافراً مُرتدًّا؛ كما تقدَّم.
وكُلُّ ما يُغيِّبُ العَقْل فإنَّه حَرامٌ وإن لم تحصل به نَشْوةٌ ولا طَرَبٌ؛ فإنَّ تَغيُّب العَقْل حرامٌ بإجماع المُسلمين. وأمَّا تعاطي البَنْج الذي لم يُسْكِر ولم يُغيِّب العَقْل، ففيه التَّعزير.
وأمَّا المُحقِّقون من الفُقهاء فعلِمُوا أنَّها مُسْكِرةٌ، وإنَّما يتناولُها الفُجَّار؛ لما فيها من النَّشوة والطَّرَب؛ فهي تُجامع الشَّرابَ المُسْكِر في ذلك، والخَمْرُ تُوجِبُ الحركة والخُصُومة، وهذه تُوجِبُ الفُتُور والذِّلَّة، وفيها مع ذلك مِنْ فساد المَزاج والعَقْل، وفتح
стр. 849
باب الشَّهوة، وما تُوجِبُه من الدِّياثَةِ، ممَّا هي من شَرِّ الشَّراب المسْكِر، وإنَّما حدثت في النَّاس بحدوث التَّتار.
وعلى تناول القليل منها والكثير حَدُّ الشُّرْب -ثمانون سَوْطاً، أو أربعون- إذا كان مُسلِماً يعتقد تحريم المُسْكِر، ويُغيِّب العَقْل.
وتنازع الفُقهاءُ في نجاستها على ثلاثة أقوالٍ:
أحدُها: أنَّها ليست نَجِسَةً.
والثَّاني: أنَّ مائعها نَجِسٌ، وأنَّ جامِدَها طاهرٌ.
والثَّالث: -وهو الصَّحيح- أنَّها نَجِسَةٌ كالخَمْر؛ فهذه تُشبِه العَذْرة، وذلك يُشبِه البَوْل، وكلاهما من الخبائث التي حرَّمها الله ورسوله، ومن ظهر منه أَكْل الحشيشة فهو بمنزلة من ظهر منه شُرْب الخَمْر، وشرٌّ منه من بعض الوجوه، ويُهجَر، ويُعاقَب على ذلك كما يُعاقَب هذا؛ للوعيد الوارد في الخَمْر؛ مثل قوله ﷺ : (لَعَنَ اللهُ الخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَحَامِلَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا)، ومثل قوله: (مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيهِ، فَإِنْ عَادَ وَشَرِبَهَا لَمْ يَقْبَلِ اللهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ وَشَرِبَهَا لَمْ يَقْبَلِ اللهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ يَوْماً، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيهِ، وَإِنْ عَادَ فَشَرِبَهَا فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الخَبَالِ؛ وَهِي عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ)، وقد ثبت عنه في الصَّحيح ﷺ أنَّه قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)، (وَسُئِلَ عَنْ هَذِهِ الأَشْرِبَةِ، وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الكَلِمِ؛ فَقَالَ ﷺ : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ).
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٤/ ٢١٠ - ٢١٢)]
* * *
(٩١٤) السؤال: ما يَجِبُ على آكِلِ الحَشيشة، ومَنِ ادَّعَى أنَّ أَكْلَها جائزٌ
стр. 850
حلالٌ مُباحٌ؟
الجواب: أكلُ هذه الحشيشة الصُّلبة حَرامٌ، وهي من أخبث الخبائث المُحرَّمة، وسواءٌ أَكَل منها قليلاً أو كثيراً، لكنَّ الكثير المُسْكِر منها حَرامٌ باتِّفاق المسلمين، ومن استحَلَّ ذلك فهو كافرٌ يُستتابُ؛ فإنْ تابَ وإلَّا قُتِلَ كافراً مُرتدًّا، لا يُغسَّلُ، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفَنُ بين المسلمين.
وحُكمُ المُرتدِّ شرٌّ من حُكم اليهوديِّ والنَّصرانيِّ، سواءٌ اعتقد أنَّ ذلك يَحِلُّ للعامَّة أو للخاصَّة الذين يزعُمُون أنَّها لُقْمَةُ الفِكْر والذِّكْر، وأنَّها تُحرِّكُ العَزْم السَّاكِنَ إلى أشرف الأماكن، وأنَّهم لذلك يستعملونها.
وقد كان بعضُ السَّلَف ظَنَّ أنَّ الخَمْر تُباح للخاصَّة؛ مُتأوِّلاً قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، فلمَّا رُفِعَ أمرُهُم إلى عُمرَ بن الخطَّاب، وتشاور الصَّحابة فيهم، اتَّفق عُمَرُ وعَليٌّ وغيرُهما من عُلماء الصَّحابة ﵃ على أنَّهُم إن أَقَرُّوا بالتَّحريم جُلِدُوا، وإنْ أصَرُّوا على الاستحلال قُتِلُوا.
وهكذا حشيشة العُشْبِ؛ من اعتقد تحريمَها وتناولها فإنَّه يُجلَدُ الحدَّ؛ ثمانين سَوْطاً أو أربعين. هذا هو الصَّواب.
وقد توقَّف بعض الفُقهاء في الجَلْد؛ لأنَّه ظَنَّ أنَّها مُزيلةٌ للعَقْل غيرُ مُسْكِرةٍ؛ كالبَنْج ونحوه ممَّا يُغطِّي العَقْل مِنْ غير سُكْرٍ؛ فإنَّ جميع ذلك حَرامٌ باتِّفاق المسلمين؛ إن كان مُسْكِراً ففيه جَلْد الخَمْر، وإن لم يكُن مُسْكِراً ففيه التَّعزير بما دون ذلك، ومن اعتقد حِلَّ ذلك كَفَر وقُتِل.
والصَّحيح أنَّ الحشيشة مُسْكِرةٌ كالشَّراب؛ فإنَّ آكِليها يَنْتَشون بها ويُكْثِرون تناولها، بخِلاف البَنْج
стр. 851
وغيره؛ فإنَّه لا يُنْشي ولا يُشْتَهَى، وقاعدة الشَّريعة: (أنَّ ما تشتهيه النُّفوسُ مِنَ المُحرَّمات؛ كالخَمْر والزِّنا ففيه الحَدُّ، وما لا تشتهيه؛ كالمَيتَة؛ ففيه التَّعزير). والحشيشةُ ممَّا يشتهيها آكِلُوها، ويمتنعون عن تركها، ونصوص التَّحريم في الكتاب والسُّنَّة على من يتناولُها كما يتناول غير ذلك، وإنَّما ظَهَر في النَّاس أَكْلُها قريباً من نحو ظهور التَّتار؛ فإنَّها خرجت وخرج معها سيف التَّتار.
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٤/ ٢١٣ - ٢١٤)]
* * *
(٩١٥) السؤال: ما حُكمُ شُرْب الحَشِيشِ ؟
الجواب: لم تُعْرَف هذه الحشيشة في الصدر الأوَّل، ولا في عهد الأئمَّة الأربعة، وإنَّما عُرِفَت في فتنة التَّتار بالمشرق، وقد سُئِلَ عنها شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية، فأفاض في بيان حكمها في غير موضع من فتاواه؛ حيث أفتى بأنَّ جمهور الأئمَّة يرون أنَّها نَجِسَةٌ مُحرَّمةٌ، لا فَرْق بين قليلها وكثيرها، ولا بين القَدْر المُسْكِر منها وغير المُسْكِر، فهي كالخَمْر، وأنَّ المُسْكِر منها حَرامٌ باتِّفاق المسلمين، وقد قال رسول الله ﷺ : (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ).
وهذه مُسْكِرة ولو لم يشملها لفظه بعَيْنِها، فإنَّ فيها من المفاسد ما حُرِّمت الخَمْر لأجلها، فكثيرُها يصُدُّ عن ذِكْر الله وعن الصَّلاة، ويُسْكِر متعاطيه ويُفَتِّر قُوَاه، بل فيها مفاسد أخرى غير مفاسد الخَمْر توجب تحريمها؛ فهي تُورِث قِلَّة الغَيْرة وزوال الحَمِيَّة، وتُفسِد الأَمْزِجَة حتَّى يُصاب خلقٌ كثيرٌ ممَّن يتعاطونها بالجنون، ومن لم يُصَب به يُصاب بضَعْف العَقْل وبالخَبَل، وتُكْسِب آكِلَها مَهانةً ودَناءةَ نَفْسٍ، وضررها على نفسه أشدُّ من ضرر الخَمْر، وضررها على
стр. 852
الناس أشدُّ، فحُكْم قليلها وكثيرها كحُكْم قليل الخَمْر وكثيره، فمن تناولها وَجَبَ إقامة الحَدِّ عليه إذا كان مسلماً يعتقد حُرْمَتها، فإن اعتقد حِلَّها حُكِمَ برِدَّته وبجَرَيان أحكام المُرتدِّين عليه، والقاعدة الشرعيَّة أنَّ (ما تشتهيه النفوس من المُحرَّمات؛ كالخَمْر والزنا ففيه الحدُّ، وما لا تشتهيه كالميتة ففيه التعزير).
والحشيشة ممَّا يشتهيها آكِلُوها ويمتنعون عن تركها، فيجب فيها الحدُّ وهو ثمانون سَوْطاً. وآكِلُها تبطُل صلاتُه إذا لم يغتسل منها، ولو اغتسل فهي خَمْر.
وفي الحديث: (مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يومًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ فَشَرِبَها لَمْ تُقْبَلْ، فَإِنْ عَادَ فَشَرِبَها في الثالثة والرَّابِعَةَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الخَبَالِ. قيل: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا طِينَةُ الخَبَالِ؟ قَالَ: عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ)، فصلاتُه باطلةٌ تارةً، وغير مقبولةٍ تارةً أخرى.
ويجب الإنكار عليه باتِّفاق المسلمين، فمن لم يُنْكِر عليه كان عاصياً لله ولرسوله، ومن مَنَعَ المُنْكَر عليه -أي حال بينه وبين العِقَاب بشفاعةٍ أو دِفاعٍ أمام الحاكم- فقد حادَّ الله ورسوله، ففي (سنن أبي داود) عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ ، فَقَدْ حَادَّ اللهَ أَمْرَهُ، وَمَنْ قَالَ: فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ حُبس في رَدْغَةِ الخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ -[الرَّدْغَة] مثل البيت يُصَاد به الضَّبُع- وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللهِ حَتَّى يَنْزِعَ) (يقلع). ا هـ.
فالمخاصمون عنه مخاصمون في باطل، وهم في سخط الله، وكُلُّ من عَلِمَ ولم يُنْكِر عليه بحسب قُدْرته فهو عاصٍ لله ورسوله. ا هـ. ملخصاً.
ومذهب الحنفيَّة حُرْمَةُ أَكْل الحشيشة والأَفْيون، لكن دون حُرْمَة الخَمْر؛ لأنَّ حُرْمَة الخَمْر قطعيَّة يَكْفُر مُنْكِرُها، بخلاف هذه، ولو سَكِرَ بأَكْلِها
стр. 853
لا يُحدُّ، بل يُعزَّر بما دون الحدِّ. وقد اتَّفق الحنفيَّة والشافعيَّة -كما في (الفَتْح) و (البَحْر) و (الجَوْهَرة) - على وقوع طلاق من غاب عَقْلُه بالحشيشة، وهي وَرَق القُنَّب بضمِّ القاف وكَسْرها، ونونٍ مشدَّدةٍ مفتوحةٍ؛ لفَتْواهم بحُرْمَتِها وتأديب باعَتِها، بعد أن اختلفوا فيها قبل أن يظهر أمرها من الفساد، وقالوا فيمن رأى حِلَّها: إنَّه زنديق. أمَّا الأفيون فحَرامٌ إذا لم يكن للتداوي.
والتعزير كما ذكره فُقهاء الحنفيَّة تأديبٌ دون الحَدِّ، وليس فيه شيء مُقَدَّر، وإنَّما هو مُفوَّض إلى رأي الإمام (السلطة التشريعية الآن) على حسب المصلحة، وما تقتضيه الجناية، فإنَّ العقوبة يجب أن تختلف باختلافها، وعليه أن ينظر في أحوال الناس، فإنَّ منهم من ينزجر باليسير، ومنهم من لا ينزجر إلَّا بالكثير، وله أن يجمع في العقوبة بين الضَّرْب والحَبْس، وأن يبلغ غاية التعزير في الجريمة الكبيرة؛ فيحكم بالقتل سياسةً في الجرائم التي تعظَّمت بالتكرار وشرع القتل في جنسها، وقالوا في السارق: إذا تكرَّرت منه السرقة (العائد)، وفيمن يخنق الناس إذا تكرَّر منه الخَنْق، وفي السَّاحر، وفي الزِّنديق الدَّاعي، أنَّهم يُقتَلون سياسةً.
أمَّا تعاطي الحشيشة والاتِّجار فيها فضررها في العقول والأخلاق والأموال ضررٌ فادحٌ عظيمٌ يقتضي أن تكون العقوبة عليهما من أشدِّ العقوبات وأكثرها رَدْعاً وزجراً. والله أعلم.
[فتاوى شرعية - حسنين مخلوف (رقم ٥٦) (ص ١٠٢)]
* وانظر: فتوى رقم (٢٨٦، ٩١٢)
стр. 854
رابعاً: جَوْزُ الطِّيبِ:
اسْتِخْدَامُ جَوْزَةِ الطِّيبِ في الطَّعَامِ
(٩١٦) السؤال: نودُّ الإحاطة بأنَّه قد تبيَّن للجهات الرَّقابيَّة بدولة الكويت وَجِهاتُ فحص واختبار المنتجات الغذائيَّة احتواء بعض المنتجات الغذائيَّة المُستورَدة على (جَوْزَة الطِّيب) كنوعٍ من البهارات ، ضمن مكوِّنات هذه المنتجات، لذا يُرجَى إفادتنا بالرأي الشرعيِّ حول استخدام جَوْزَة الطِّيب، سواء كمادَّة منفردة بحَدِّ ذاتها، أو كمادَّة مضافة بنِسَبٍ مختلفةٍ إلى المنتجات الغذائيَّة.
الجواب: لا بأس في استعمال جَوْزَة الطِّيب في إصلاح نكهة الطعام بمقادير قليلةٍ لا تؤدِّي إلى التَّفْتير أو التخدير، والله تعالى أعلم.
[مجموعة الفتاوى الشرعيَّة الكويتية (٢٤/ ٣٠ ٩)]
* * *
(٩١٧) السؤال: يقولُ بعضُ الناس: إنَّ جَوْزَة الطِّيب ليست حَراماً؛ لأنَّ الحكومة لا تمنع بيعها وتداولها. كما تمنع بيع الحشيش والمُخدِّرات الأخرى، فهل هذا صحيح ؟
الجواب: مبدئيًّا نقول: إنَّ عمل أيِّ إنسان بعد عصر التشريع لا يعتبر دليلاً على الحكم الشرعيِّ. وعصر التشريع هو المشار إليه بالحديث: (عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِييِّن) رواه أبو داود، وابن ماجه، وابن حِبَّان، والترمذي وقال: حسنٌ صحيحٌ.
وكثيرٌ من الحكومات في البلاد الإسلاميَّة تُبيح إنتاج الخَمْر وبيعها وتعاطيها، في الوقت الذي تُحرِّم فيه الحشيش والمُخدِّرات الأخرى، وذلك لاعتبارات لا مجال لذِكْرها الآن.
وقد مرَّ في (ص ٣٠٥ - ٣٠٩ من المجلَّد الثاني من هذه الفتاوى) بيان حكم المُخدِّرات. وابن حَجَر الهَيْتَمي
стр. 855
المتوفَّى سنة ٩٧٤ هجريَّة تحدَّث في كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر) في الجزء الأوَّل منه (ص ٢١٢) عن الحشيش والأَفْيون والبَنْج وجَوْزَة الطِّيب، وأشار إلى أنَّ القات الذي يُزرَع باليمن ألَّف فيه كتاباً عندما أرسل أهلُ اليمن إليه بثلاثة كتب، منها اثنان في تحريمه وواحد في حِلِّه، وحذَّر منه ولم يجزم بتحريمه، وقال عن جَوْزَة الطِّيب:
عندما حدث نزاع فيها بين أهل الحَرَمَيْن ومصر، واختلفت الآراء في حِلِّها وحُرْمَتها طُرِح هَذا السؤال: هل قال أحدٌ من الأئمَّة أو مقلِّديهم بتحريم أَكْل جَوْزَة الطِّيب؟ ومُحصِّل الجواب، كما صرَّح به شيخ الإسلام ابن دقيق العيد، أنَّها مُسْكِرة، وبالغ ابن العِمَاد فجعل الحشيشةَ مَقِيسَةً عليها، وقد وافق المالكيَّة والشافعيَّة والحنابلة على أنَّها مُسْكِرة، فتدخل تحت النصِّ العامِّ (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ)، والحنفيَّة على أنَّها إمَّا مُسْكِرة وإما مخدِّرة.
وكُلُّ ذلك إفسادٌ للعَقْل، فهي حَرامٌ على كُلِّ حالٍ. انظر كُتيِّب (المُخدِّرات؛ لمحمَّد عبد المقصود ص ٩٠).
[موسوعة فتاوى دار الإفتاء المصرية وفتاوى لجنة الأزهر، رقم (٣١١)]
* * *
(٩١٨) السؤال: لماذا تخرجُ (جَوْزَة الطِّيب) من قاعدة: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، وهل يصحُّ وضع القليل منها مع الطعام لإصلاحه أو تطييبه ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله.
جَوْزَة الطِّيب اسمُها العِلْمِيُّ اللَّاتينيُّ هو (Myristica fragrans)، تتبع الفصيلة البسباسة، وتعتبر من نباتات المناطق الحارَّة، موطنها الأصلي ماليزيا.
стр. 856
وقد اتَّفق العُلماء والأطبَّاء على أنَّها من المُخدِّرات التي تؤثِّر في العَقْل، لكنَّه تأثيرٌ تخديريٌّ وليس مُسْكِراً، ولا يؤثِّر القليل منها. كما يقول الدكتور محمَّد علي البار في كتابه «المخدِّرات» (ص ٦١): «يحتوي الزيت الطيَّار الموجود في البذرة على مادَّة (الميريستسين myristicin)، وهي مادَّة مُنوِّمة إذا أُخِذَت بكمِّيَّات كبيرةٍ، ومُفتِّرة بكمِّيَّات أقلَّ من ذلك، وإذا أكثر الشخص من استعمالها أثَّرت على الكَبِد تأثيراً سُمِّيًّا قد يكون قاتلاً، وتُسبِّب الاعتماد النَّفْسي عليها إذا تكرَّر استخدامها».
لذلك اتَّفق الفقهاء على أنَّ الكثير من جَوْزَة الطِّيب مُخدِّر مُحرَّم، إلَّا أنَّهم اختلفوا في حكم القليل منها:
فذهب الحنفيَّة وبعض الشافعيَّة وبعض المالكيَّة إلى حرمته، دون التفريق بين القليل والكثير، مستدلِّين بحديث: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) رواه أبوداود، وحديث أمِّ سَلَمَة ﵂ قالت: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَن كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ) رواه أبو داود، وحسَّنه الحافظ ابن حَجَر وغيره. والمُفَتِّر: كُلُّ شَرابٍ يُورِثُ الفُتور والخَدَر.
وذهب الشافعيَّة والمالكيَّة إلى تقسيم المُسْكِرات إلى صنفين:
الأوَّل: مائعٌ كالخَمْر والنَّبيذ، فحكموا بنجاسته واستقذاره، وحَرَّموا قليله وكثيره.
والثاني: جامدٌ كجَوْزَة الطِّيب والزَّعفران والبَنْج، حكموا بطهارته وعدم استقذاره، وعدم مضرَّة القليل منه، فأباحوا ذلك القليل المُستخدَم في إصلاح الطعام، والذي لا يصل إلى حَدِّ الإسْكار، وحَرَّموا استخدامها بكمِّيَّة تضرُّ بالإنسان، أو بالكمِّيَّة التي تُسْكِر، بل ذهب بعض المالكيَّة إلى جواز أَكْل القليل من جَوْزَة الطِّيب منفردةً، فهم لا يُحرِّمونها من جهة
стр. 857
العَيْن، وإنَّما من جهة المضرَّة عند استخدام الكثير منها.
جاء في (حاشية الشرواني): «ما حُرِّم من الجمادات لا حَدَّ فيها وإن حُرِّمَت وأَسْكَرَت، بل التعزير؛ لانتفاء الشِّدَّة المُطْرِبَة عنها، كالجَوْزَة ... فهذا كما ترى دالٌّ على حِلِّ القليل الذي لم يصل إلى حَدِّ الإسْكار كما صرَّح به غيره. وممَّا يدلُّ على حِلِّه عبارة الشارح: أمَّا الجامد فطاهرٌ، ومنه جَوْزَة الطِّيب؛ فيَحْرُم تناول القَدْر المُسْكِر من كُلِّ ما ذُكِر، كما صرَّحوا به. وعبارة الكُرْدِيِّ: أمَّا القَدْر الذي لا يُسْكِر فلا يَحرُم؛ لأنَّه طاهرٌ غير مُضرٍّ ولا مُستقذَرٍ» انتهى.
ولما سُئِلَ الإمامُ الرَّمْلِيُّ فقيه الشافعيَّة -كما في (الفتاوى) -: عن أَكْل جَوْزِ الطِّيب هل يجوز أو لا؟ أجاب ﵀ بقوله: «نعم يجوز إن كان قليلًا، ويَحرُم إن كان كثيراً».
وجاء في (مواهب الجليل) من كتب المالكيَّة: «الجَوْزَة من المُفسِدات، قليلها جائزٌ، وحكمها الطهارة، وقال البُرْزُليُّ: أجاز بعض أئمَّتنا أَكْل القليل من جَوْزَة الطِّيب لتسخين الدِّماغ، واشترط بعضهم أن تختلط مع الأدوية. والصواب العموم».
وعليه يظهر أنَّ المالكيَّة والشافعيَّة قد فرَّقوا بين الخَمْر وجَوْزَة الطِّيب من عدَّة وُجوهٍ:
أوَّلاً: النجاسة؛ فهم لا يرونها نَجِسَةً مُستقذَرَة كالخَمْر.
ثانياً: العُقوبة؛ فمن استخدم الجَوْزَة بمقدارٍ يضرُّ بنفسه لا يُقام عليه حَدُّ شارب الخَمْر، بل يُعزَّر.
ثالثاً: حكم بيعها؛ فبيعها حلالٌ، ويَحِلُّ ما يرتبط بها من زراعة وصناعة، ولا يشملها لَعْن الخَمْر.
رابعاً: التأثير؛ فجَوْزَة الطِّيب مُفَتِّرة (يُخدِّر الكثير منها)، وليست مُسْكِرة، ومن أطلق عليها أنَّها مُسْكِرة إنَّما أراد به المعنى العام لهذه الكلمة، وهو التخدير
стр. 858
والتَّفْتير، وليس الإسْكار الذي تصاحبه النشوة واللَّذَّة والطَّرَب، وهذا فَرْقٌ مُهمٌّ جدًّا بين الخَمْر وجَوْزَة الطِّيب؛ لذلك لم تنطبق القاعدة الشرعيَّة (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)؛ لأنَّ المقصود بها الخَمْر والأشربة المُسْكِرة، وليس الأطعمة التي تُسبِّب شيئاً من التخدير والتَّفْتير لمن أكثر منها.
ويقول ابن حَجَر الهَيْتَمي ﵀: «الإسْكار يُطلَق ويراد به مُطْلَق تغطية العَقْل، وهذا إطلاقٌ أعمُّ. ويُطلَق ويُراد به تغطية العَقْل مع نشوةٍ وطَرَب. وهذا إطلاقٌ أخصُّ، وهو المراد من الإسْكار حيث أُطْلِق.
فعلى الإطلاق الأوَّل: بين المُسْكِر والمُخدِّر عمومٌ مُطْلَق، إذ كُلُّ مُخدِّر مُسْكِر، وليس كُلُّ مُسْكِر مُخدِّراً، فإطلاق الإسْكار على الجَوْزَة ونحوها المراد منه التخدير، ومن نفاه عن ذلك أراد به معناه الأخصّ.
وتحقيقه أنَّ مِنْ شأن السُّكْر بنحو الخَمْر أنَّه يتولَّد عنه النَّشْوَة والطَّرَب والعَرْبدة والغَضَب والحَمِيَّة، ومِنْ شأن السُّكْر بنحو الجَوْزَة أنَّه يتولَّد عنه أضداد ذلك من تخدير البَدَن وفُتوره، ومن طول السكوت، والنوم، وعدم الحميَّة». ينظر: (الفتاوى الفقهيَّة الكبرى).
وبناء عليه؛ فلا حرج في تناول القليل من جَوْزَة الطِّيب لإصلاح الطعام، فهي ليست من المُسْكِرات (بالاصطلاح الخاصِّ)، ولهذا لا تدخل في الحديث الشريف: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) رواه أبوداود. والله أعلم.
[فتاوى دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٢٨٧٢)]
* * *
(٩١٩) السؤال: هل يجوزُ وَضْعُ (جَوْزَة الطِّيب) مع الكَعْك ؟
الجواب: يجوزُ وضع القليل من جَوْزَة الطِّيب مع الطعام لإصلاحه أو
стр. 859
تطييبه. وهذا مُستثنى من قاعدة: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ، فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ). انظر: (إعانة الطالبين - ١/ ٩١ باب النجاسات).
[فتاوى الشيخ نوح علي سلمان - دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٢٥٠ ٩)]
* * *
(٩٢٠) السؤال: أَكْلُ جَوْزِ الطِّيب هل يجوزُ أو لا ؟
الجواب: نعم؛ يجوز إن كان قليلاً، ويَحرُم إن كان كثيراً.
[فتاوى الرملي (٥/ ٢٢٣)]
* * *
(٩٢١) السؤال: أَكْلُ جَوْزة الطِّيب هل هي كالحشيشة لا يجوزُ أَكْلُها أم يجوز ؟
الجواب: لا يجوز أَكْلُها كالحشيشة والأَفْيون، وقد صرَّح في (الجوهرة) بعدم جواز أَكْل الحشيشة والأَفْيون.
وأمَّا جَوْزة الطِّيبِ فأفتى بحُرْمَتها شيخ الإسلام الأقصراوي، وقد وقَعْتُ على جوابه بالحُرْمَة بخَطِّه الشريف، وأفتى بذلك شيخ الإسلام ابن حَجَر المكِّي، ونصَّ في فتاواه: «أنَّ شيخ الإسلام ابن دقيق العيد، صرَّح بأنَّها مُسْكِرة، ونَقَلَه عنه المتأخِّرون من الشافعيَّة والمالكيَّة ﵏ واعتمدوه، وناهيك بذلك، بل بالغ ابن العِمَاد فجعل الحشيشة مَقِيسَةً على الجَوْزَة المذكورة».
ثمَّ قال: [فإطلاق] الإسْكار على الحشيشة والجَوْزَة ونحوهما المراد به [التخدير]. ومن نفاه أراد به معناه الأخصّ، وتحقيقه يُطْلَب مِن فَتاواه المشهورة.
[فتاوى التمرتاشي (ص ٦٧٢ - ٦٧٣)]
* * *
(٩٢٢) السؤال: رَجُلٌ ذَكَرَ جَوْزَ الطِّيب، فقال رَجُلٌ: إنَّ جَوْزَ الطِّيب
стр. 860
حَرَّمه بعض المشايخ، فقال رَجُلٌ: حاشا اللهَ! ليس بحَرام، وهذا ما أنزله الله من سلطان. فما يلزم القائل بتكذيب هذا القول؟
الجواب: قد قال بحُرْمَة جَوْز الطِّيب بعض الحنفيَّة، والشافعيَّة.
فالقائل بحِلِّها إن كان عن سَنَدٍ معتبرٍ فلا كلام، وإن كان عن جهل وتعنُّت، وعدم اعتبار قول القائل بحُرْمَتها يُؤدَّب بما يليق به؛ لينزجر ويرتدع عن الكلام في الحلال والحرام بمجرَّد رأيه الفاسد، وفِكْره البَليد والله أعلم.
[فتاوى التمرتاشي (ص ٦٧٠)]
* * *
(٩٢٣) السؤال: ما حُكمُ جَوْزَة الطِّيب (وَضْعُها مع الطَّعام) ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أمَّا بعد:
فقد أفتى في جَوْزَة الطِّيب ابن حَجَر الهَيْتَمِي بما لا مزيد عليه، ونحن ننقل لك نصَّ السؤال والجواب تكميلاً للفائدة.
يقول ابن حَجَر في (الفتاوى الفقهيَّة الكبرى): «أمَّا جَوْزَة الطِّيب فقد استُفْتِيتُ عنها قديماً، وقد كان وقع فيها نزاعٌ بين أهل الحَرَمَيْن، وظَفِرْت فيها بما لم يظفروا به، فإنَّ جمعاً من مشايخنا وغيرهم اختلفوا فيها، وكُلٌّ لم يُبْدِ ما قاله فيها إلَّا على جهة البحث لا النقل، ولمَّا عرض عليَّ السؤال أجبت فيها بالنقل وأيَّدْته، وتعرَّضت فيه للردِّ على بعض الأكابر، فتأمَّل ذلك فإنَّه مهمٌّ.
وصورة السؤال: هل قال أحد الأئمَّة أو مقلِّديهم بتحريم أَكْل جَوْزَة الطِّيب، أو لا؟ وهل يجوز لبعض طلبة العِلْم الأخذ بتحريم أَكْلِها؛ وإن لم يطَّلع في التحريم على نقلٍ لأحدٍ من العُلماء المعتبرين؟! فإن
стр. 861
قلتم: نعم، فهل يجب الانقياد والامتثال لفُتْياه أم لا؟
فأجبتُ بقولي: الذي صرَّح به الإمام المجتهد شيخ الإسلام ابن دقيق العيد أنَّها مُسْكِرة، ونقله عنه المتأخِّرون من الشافعيَّة والمالكيَّة واعتمدوه، وناهيك بذلك، بل بالغ ابن العِماد فجعل الحشيشة مقيسة على الجَوْزَة المذكورة، وذلك أنَّه لما حَكَى عن القَرَافي -نقلاً عن بعض فقهاء عصره- أنَّه فَرَّق في إنكاره الحشيشة بين كونها وَرَقاً أخضر فلا إسْكار فيها، بخلافها بعد التحميص فإنَّها تُسْكِر.
قال: والصواب أنَّه لا فَرْق، لأنَّها مُلْحَقةٌ بجَوْزَة الطِّيب والزَّعْفران والعَنْبر والأَفْيون والشَّيْكران -بفتح الشين المعجمة- وهو البنج، وهو من المُخدِّرات المُسْكِرات، ذكر ذلك ابن القَسْطَلَّاني في (تكريم المعيشة)». انتهى.
فتأمَّل تعبيره: «والصواب جَعْلُه كالحشيشة التي أجمع العُلماء على تحريمها لإسْكارها وتخديرها، مَقِيسَة على الجَوْزَة»، تعلم أنَّه لا مِرْية في تحريم الجَوْزَة؛ لإسْكارها أو تخديرها.
وقد وافق المالكيَّة والشافعيَّة على إسْكارها، والحنابلة بنصِّ إمام متأخِّريهم ابن تيمية، وتبعوه على أنَّها مُسْكِرة. والله أعلم.
[فتاوى الشبكة الإسلاميَّة (رقم ١٦٤٤٠)]
* * *
تَوْصِيَةٌ بِشَأْنِ جَوْزَةِ الطِّيبِ
لا حرج في استعمال جَوْزَة الطِّيب ونحوها في إصلاح نكهة الطعام بمقادير قليلةٍ لا تؤدِّي إلى التَّفْتير أو التَّخْدير.
[توصيات الندوة الثامنة للمنظمة الإسلاميَّة للعلوم الطبية بالكويت ١٤١٥ هـ/١٩٩٥ م]
стр. 862
خامساً: القات:
تَحْرِيمُ أَكْلِ القَاتِ
(٩٢٤) السؤال: ورد علينا سؤال عن حِلِّ أَكْل القات وتحريمه، وهو الشجر الذي يُزرَع في أرض اليمن، ويُؤكَلُ على الصِّفة المعروفة عندهم، وما فيه من المنافع والمضار ؛ نظراً لما يرى السائل من اضطراب أقوال الناس فيه. وحيث إنَّ هذه المسألة حادِثةُ الوقوع، والحُكمُ عليها يتوقَّف على معرفة خواصِّ هذه الشجرة، وما فيها من المنافع والمضار، وأيُّهما يغلب عليه؛ فيُحكَم عليها بموجِبِه.
الجواب: وحيث إنَّنا لا نعرف حقيقتها؛ لعدم وجودها لدينا، فقد تتبَّعنا ما أمكننا العثور عليه من كلام العُلماء فيها، فظهر لنا بعد مزيدٍ من البحث والتحرِّي، وسؤال من يُعتدُّ بقولهم من الثِّقات، أنَّ المُتعيِّن فيها المنعُ من تعاطي زراعتها وتوريدها واستعمالها؛ لما اشتملت عليه من المفاسد والمضارِّ في العقول والأديان والأبدان، ولما فيها من إضاعة المال، وافتتان الناس بها، ولما اشتملت عليه من الصَّدِّ عن ذِكْر الله وعن الصَّلاة، فهي شرٌّ، ووسيلةٌ لعِدَّة شرور، (والوسائلُ لها أحكامُ الغايات). وقد ثبت ضررها وتفتيرها وتخديرها، بل وإسْكارها، ولا التفات لقول من نفى ذلك؛ فإنَّ (المُثْبِتَ مُقَدَّم على النَّافي)، وقياساً لها على الحشيشة المُحرَّمة؛ لاجتماعهما في كثير من الصفات، وليس بينهما تفريقٌ عند أهل التحقيق.
والدليل على ما قلناه من كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ وكلام العُلماء ما يأتي:
قال الله تعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وفي الحديث: (لَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَا مِنْ طَائِرٍ
стр. 863
يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلَّا ذَكَرَ لَنَا مِنْهُ عِلْماً)؛ فنصوص الكتاب والسُّنَّة كفيلةٌ بتبيان ما يحتاجه الناس في أمور دِينِهم ودُنْياهم.
ومن حِكْمة الله ورحمته أنَّه أحَلَّ لنا الطيِّبات وكُلَّ ما منفعته خالصة أو راجحة، وحَرَّم علينا الخبائث وكُلَّ ما كانت مفسدته خالصة أو راجحة؛ قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]؛ فحرَّم تعالى الخَمْر والمَيْسِر وما فيهما من المنافع، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩٠ - ٩١]، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد في (مسنده)، وأبو داود في (سننه) بسندٍ صحيح، عن أمِّ سَلَمَة ﵂ قالت: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّر)، قال العُلماء: (المفتِّر) كُلُّ ما يدرك الفتور في البدن، والخَدَر في الأطراف. وهذا القات لو فرضنا أنَّ فيه بعض النفع، فإنَّ ما فيه من المضارِّ والمفاسد المتحقِّقة تربو وتزيد على ما فيه من النفع أضعافاً مضاعفة.
ولهذا جزم بتحريمه جملةٌ من العُلماء الذين عرفوا خواصَّه، واستدلَّ كُلُّ منهم على تحريمه بما ظهر له؛ فمن جملة من نهى عنه وحذَّر عنه وأفتى بمنعه: الشيخ أحمد بن حَجَر الهَيْتَمِي، وقاسه على الحشيشة وجَوْزَة الطِّيب، وعَدَّ استعمال ذلك من كبائر الذنوب، كما ذَكَرَه في الكبيرة السبعين بعد المائة في كتابه (الزَّواجِر عن اقتراف الكبائر) في كتاب الأطعمة، ثمَّ إنَّه صنَّف فيه رسالةً مُستقِلَّةً سمَّاها: (تحذيرُ الثِّقات، من استعمال الكُفْتَةِ والقَات) وقال:
стр. 864
إنَّه ورد عليه بمكَّة المُشرَّفة ثلاث رسائل من عُلماء صنعاء وزَبيد؛ اثنتان بتحريمه، وواحدةٌ بتحليله.
ومن جملة ما ذُكِر في تلك الرسالة قوله: وممَّن قال بتحريمه الفقيه أبو بكر بن إبراهيم المُقْري الحَرَازي الشافعي في مؤلَّفِه في (تحريم القات) قال: كنت آكُلُها في سِنِّ الشَّباب، ثمَّ اعتقدُتها من المتشابهات، وقد قال رسول الله ﷺ : (مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ)، ثمَّ إنِّي رأيت مِنْ أَكْلِها الضرر في بَدَني، فتركتُ أَكْلَها، فقد ذكر العُلماء ﵏ أنَّ القاتَ من أشهر المُحرَّمات؛ فمن ضررها أنَّ آكِلَها يرتاح ويَطْربُ، وتطيبُ نَفْسُه، ويذهب حُزْنُه، ثمَّ يعتريه قَدْر ساعتين من أَكْلِه همومٌ متراكمةٌ، وغمومٌ متزاحمة، وسوء أخلاق، وكنت في هذه الحالة إذا قرأ عليَّ أحدٌ يشقُّ عليَّ مراجعته، وأرى مراجعته جَبَلاً، وأرى لذلك مشقَّةً عظيمةً ومَلَلاً، وأنَّه يذهب بشهوة الطعام ولذَّته، ويطرد النوم ونعمته. ومن ضرره في البدن أنَّه يخرج مِنْ آكِلِه شيءٌ بعد البول كالوَدْي، ولا ينقطع إلَّا بعد حين، وطالما كنتُ أتوضَّأ فأحسُّ بشيءٍ منه فأُعيد الوضوء، وتارةً أحسُّ به في الصلاة فأقطعها، أو عقب الصلاة بحيث أتحقَّق خروجه فيها فأعيده، وسألتُ كثيراً [من] يأْكُلُها فذكروا ذلك عنها، وهذه مصيبة في الدِّين وبَلِيَّة على المسلمين.
وحدثني عبد الله بن يوسف المَقْري عن العلَّامة يوسف بن يونس المَقْري، أنَّه كان يقول: ظهر القات في زمن فقهاء لا يجسرون على تحريم ولا تحليل، ولو ظهر في زمن الفقهاء المتقدِّمين لحرَّموه. ودخل عراقيُّ اليمن كان يُسمَّى الفقيه إبراهيم، وكان يجهر بتحريم القات، وينكر على آكِلِه، وذكر أنَّه إنَّما حَرَّمه على ما وُصِفَ له من أحوال مستعمليه، ثمَّ إنَّه أَكَلَه مَرَّةً
стр. 865
ومِراراً لاختباره، قال: فجزم بتحريمه؛ لضرره وإسْكاره، وكان يقول: ما يخرج عقب البَوْل بسببه مَنِيٌّ، ثمَّ اجتمعت به فقلت له: نسمع عنك أنَّك تُحرِّم القات. قال: نعم. فقلت له: وما الدليل؟ قال: ضرره وإسْكاره، فضرره ظاهر، وأما إسْكاره فهل هو مطرب؟ فقلت: نعم. فقال: فقد قالت الشافعيَّة وغيرهم في الردِّ على الحنفيَّة في إباحتهم ما لم يُسْكِر من النَّبيذ: النَّبيذ حَرامٌ قياساً على الخَمْر، بجامع الشدَّة المُطْرِبَة. فقلتُ له: يَرْوُون عنك أنَّك تقول: ما يخرج عنه مَنِيٌّ. وليس فيه شيء من خواص المَنِيِّ. فقال: إنَّه يخرج قبل استحكامه. وقد رأيت مَنْ أكثرَ مِنْ أَكْلِه فَجُنَّ. هذا كُلُّه ملخَّص كلام الحَرَازي.
وهذا الرَّجُلُ العِراقِيُّ الذي أشار إليه ونقل عنه حُرْمَة القات أخبرني بعض طلبة العِلْم أنَّه جاء إلى مكَّة المُشرَّفة، ودرس بها كثيراً، وأنَّه قرأ عليه، وزاد في مدحه والثناء عليه.
ووافق هؤلاء القائلين بحُرْمَة القات قول الفقيه العلَّامة حمزة النَّاشِري، وهو ممَّن يُعتمَد عليه نَقْلاً وإفْتاءً، كما يدلُّ عليه ترجمة المذكور في (تاريخ الشمس السَّخاوي) في منظومته المشهورة، وقد أخبرني مُحدِّث مكَّة -شرَّفها الله- أنَّه قرأها على مؤلِّفها حمزة المذكور، وأجازه بها:
ولَا تَأْكُلَنَّ القَاتَ رَطْباً وَيَابِساً ... فَذَاكَ مُضِرٌّ دَاؤُهُ فِيهِ أَعْضَلَا
فَقَدْ قَالَ أَعْلَامٌ مِنَ العُلَمَاءِ إِنَّ ... هَذَا حَرَامٌ لِلتَّضَرُّرِ مَأْكَلاً
ومنها: أنَّه ﷺ نَهَى عن كُلِّ مُسْكِر ومُفَتِّر؛ قال في (النهاية) ما معناه: أنَّ المُفَتِّر ما يكون منه حرارةٌ في الجسد وانكسارٌ. وذلك معلومٌ ومُشاهدٌ في القات ومستعمليه كسائر المُسْكِرات، وإن كان يحصل منها توهيم نشاط أو تحقُّقُه فإنَّ ذلك ممَّا فَضُل من الانتشاء والسُّكْر الحاصل من التخدير
стр. 866
للجسد، وكذلك يحصل من الإكثار والإدمان على المُسْكِر -حتَّى الخَمْر- خَدَرٌ يخرج إلى الرَّعْشَة والفالِج ويُبْس الدِّماغ ودوام التغيُّر للعَقْل، وغير ذلك من المضارِّ، لكنَّ القات لم يكن فيه من الطبع إلَّا ما هو مضرَّة دِينيَّة ودُنْيَويَّة؛ لأنَّ طَبْعَه اليُبْس والبَرْد، فلا يصحبه شيءٌ من الحرارة واللِّين، فلا يظهر الضرر فيها إلَّا مع الإدمان عليها، وهذا مُحصِّلٌ من الضرر في الأغلب ما في الأَفْيون من مَسْخ الخِلْقة، وتغيير الحال المُعتَدِلَة في الخَلْقِ والخُلُقِ، وهو يزيد في الضرر على الأَفْيون؛ حيث إنَّه لا نَفْع فيه يُعْلَمُ قَطُّ، وأنَّ ضرره أكثر، وفيه كثرة يُبْس الدِّماغ، والخروج عن الطَّبْع، وتقليل شهوة الغذاء [والباه]، ويُبْس الأَمْعاء والمَعِدَة وبردها، وغير ذلك.
ومنها: أنَّ جميع الخصال المذمومة التي ذكرها في الحشيشة موجودة في القات، مع زيادة حصول الضرر فيما به قِوامُ الصحَّة، وصلاح الجسد من إفساد شهوة الغذاء [والباه] والنسل، وزيادة التهالك عليه الموجب لإتلاف المال الكثير الموجب للسَّرف.
ومنها: أنَّه إن ظنَّ أنَّ فيه نفعاً فهو لا يقابل ضرره.
ومنها: أنَّه شارك كُلَّ المُسْكِرات في حقيقة الإسْكار وسببه؛ من التخدير، وإظهار الدم، وترقيقه ظاهر البشرة، مع نَبْذ الدُّسومة من الدِّماغ والجسد إلى الظاهر، وليس فيه حرارةٌ ولينٌ يبدلان ما نَبَذَه من الحرارة واللِّين إلى ظاهر الجسد، بخلاف الخَمْر والحشيش؛ فلهذا أكثر ضرراً.
إلى أن قال: وقال بعض مُدرِّسي الحنفيَّة: زُرْتُ بعض متصوِّفة اليمن بالمسجد الحرام، فأعطاني قليلاً من القات، وقال لي: تبرَّك بأَكْل هذا فإنَّه مُباركٌ. فأَكَلْتُ منه فوجدت فيه تخديراً، فذكرتُ له كلام من ينفي ذلك، فقال: إنَّ عندي معرفةً بالطبِّ، وبَدَنِي
стр. 867
معتدلُ المزاج والطَّبْع. فالذي أُدْرِكُه بواسطة ذلك لا يُدْرِكُه غيري، وقد أَدْرَكْتُ منه التخدير ودوران الرأس، ولا أعود لأَكْلِه أبداً.
كذلك قال بعض الأشراف: إنَّ فيه غَيْبةً عن الحِسِّ، وإنَّه استعمله فغاب مدَّةً طويلةً لا يدري السماء من الأرض، ولا الطُّولَ من العَرْض. هذا كُلُّه كلامُ ابن حَجَر في (تحذير الثقات [من] استعمال الكُفْتَة والقَات).
وقال أيضاً فيه في كلامٍ على الحشيشة وجَوْزَة الطِّيب: وهذا يستدعي ذِكْرَ أوصافهما لتُقاسَ بهما شجرة القات، ثمَّ ذَكَر أنَّه استُفْتِيَ عن جَوْزَة الطِّيب فأفتى بتحريمها؛ لإسْكارها كالحشيشة. ثمَّ قال: فثبت بما تقرَّر أنَّها حَرامٌ عند الأئمَّة الأربعة؛ الشافعيَّة، والمالكيَّة، والحنابلة بالنصِّ، والحنفيَّة بالاقتضاء. إلى أن قال: وذلك أنَّ الإسْكار يُطْلَق ويُراد به مُطْلَق تغطية العَقْل. وهذا إطلاقٌ أعمُّ، ويُطْلَق ويُراد تغطية العَقْل مع نَشْوةٍ وطَرَبٍ. وهذا إطلاقٌ أخصُّ، وهو المراد من الإسْكار حيث أُطْلِق. فعلى الإطلاق الأوَّل بين المُسْكِر والمُخدِّر عمومٌ مُطْلَقٌ، إذ كُلُّ مُخدِّرٍ مُسْكِرٌ، وليس كُلُّ مُسْكِرٍ [مُخدِّراً].
فإطلاق الإسْكار على الحشيشة والجَوْزَة ونحوهما المراد منه التخدير، ومن نفاه عنهما أراد به معناه الأخصُّ. وتحقيقه: أنَّ مِنْ شأن السُّكْر بنحو الخَمْر أنَّه يتولَّد عنه النشوة والطَّرَب والعَرْبَدة والغَضَب والحَمِيَّة، ومِنْ شأن السُّكْر بنحو الحشيشة والجَوْزَة أنَّه يتولَّد عنه ضدُّ ذلك من تخدير البدن وفتوره، ومن طول السكوت والنوم، وعدم الحَمِيَّة. إلى أن قال: انتهى جوابي في الجَوْزَة، وهو مشتمل على نفائس تتعلَّق بهذا القات، بل هو ظاهر في حُرْمَة القات؛ لأنَّ الناس مختلفون في تأثير الجَوْزَة؛ فبعض آكِلِيها يُثبِتُ لها تخديراً، وبعضهم لا يُثبِتُ لها ذلك،
стр. 868
فإذا حَرَّمها الأئمَّة مع اختلاف آكِلِيها، فليُحَرِّموا القات، ولا نظر للاختلاف في تأثيره. انتهى كلام ابن حجر ﵀. وقد استقصى صفات القات ووصَفَه بصفات المُسْكِر المُضِرِّ بالعَقْل والأديان والأبدان. وصرَّح في بعض عباراته بالمنع والنهي و [التحذير]، بل والتحريم، وجَبُنَ في موضع آخر عن إطلاق التحريم. فإمَّا أن يكون ذلك توقُّفاً منه وتأدُّباً؛ لعدم وقوفه على نصٍّ في ذلك، أو أنَّه قَوِيَ على القول بالتحريم بعد ذلك.
وقال الشيخ محمَّد بن سالم البَيْحاني في كتابه (إصلاح المجتمع) في الكلام على حديث ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ وَمَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ) رواه البخاري ومسلم؛ فقال بعد الكلام على هذا الحديث: وهنا أجد مناسبة وفرصة سانحة للحديث عن القات والتنباك، والابتلاء بهما عندنا كثير، وهما من المصائب والأمراض الاجتماعيَّة والفتَّاكة، وإلَّا يكونا من المُسْكِر؛ فضررهما قريب من ضرر الخَمْر والميسر؛ لما فيهما من ضياع المال، وذهاب الأوقات، والجناية على الصحَّة، وبهما يقع التشاغل عن الصلاة وكثير من الواجبات المهمَّة. إلى أن قال: ومعلوم من القات أنَّه يؤثِّر على الصحَّة البدنيَّة، ويُحطِّم الأضراس، ويُهيِّج الباسور، ويُفسِد المَعِدَة، ويُضعِف شهيَّة الأَكْل، ويُدِرُّ السَّلَاس؛ وهو الوَدْي، وربَّما أهلك الصُّلْب، وأَضْعَف المَنِيَّ، وأظهر الهُزَال، وسَبَّب القَبْض المُزْمِن، ومَرَض الكُلَا، وأولادُ صاحب القات غالباً يخرجون ضعاف البِنْية، صغار الأجسام، قِصَار القامَة، قليلاً دَمُهُم، مصابين بعدَّة أمراض خبيثة، وهذا مع ما يبذل أهله فيه من الأثمان الغالية المحتاج إليها، ولو أنَّهم صرفوها في الأغذية
стр. 869
الطيِّبة، وتربية أولادهم، أو تصدَّقوا بها في سبيل الله لكان خيراً لهم، وصدق شاعرنا القائل:
عَزَمْتُ عَلَى تَرْكِ التَّنَاوُلِ لِلْقَاتِ ... صِيَانَةَ عِرْضِي أَنْ يَضِيعَ وَأَوْقَاتِي
وَقَدْ كُنْتُ مِنْ هَذَا المُضِرِّ مُدَافِعاً ... زَمَاناً طَويلاً رَافِعاً فِيهِ أَصْوَاتِي
فَلَمَّا تَبَيَّنَتِ المَضَرَّةُ وَانْجَلَتْ ... حَقِيقَتُهُ بَادَرْتُهُ بِالمُنَاوَاتِ
طَبِيعَتُهُ اليُبْسُ المُلِمُّ بِبَرْدَةٍ ... أَخَا المَوْتِ كَمْ أَفْنَيْتَ مِنَّا الكَرَامَاتِي
وَقِيمَةُ شَارِبِي القَاتِ فِي أَهْلِ سُوقِهِ ... كَقِيمَةِ مَا يَدْفَعُهُ فِي ثَمَنِ القَاتِي
وإنَّهم ليجتمعون على أَكْلِه من منتصف النهار إلى غروب الشمس، وربَّما استمرَّ الاجتماع إلى منتصف اللَّيل، يأكلون الشجر، ويَفْرُون أعراض الغائبين، ويخوضون في كُلِّ باطل، ويتكلَّمون فيما لا يعنيهم.
ويزعم بعضهم أنَّه يستعين به على قيام اللَّيل، وأنَّه قوت الصالحين. ويقولون: جاء به الخَضِرُ من جبل قاف للملك ذي القَرْنَين، ويَرْوُون فيه من الحكايات والأقاصيص شيئاً كثيراً، وربَّما رفع بعضهم عقيرته بقوله:
صَفَتْ وَطابَتْ بأَكْلِ القَاتِ أَوْقاتِي ... كُلْهُ لِمَا شِئْتَ مِنَ دُنْيَا وَآخِرَةِ
وَدَفْع ضُرٍّ وَجَلْبٍ للمَسَرَّاتِ
ومن الشيوخ الذين قضى القات على أضراسهم من يَدُقُّه ويَطْرَبُ لسماع صوت المَدَقِّ، ثمَّ يَلُوكُه ويَمُصُّ ماءه، وقد يُجفِّفونه ثمَّ يحملونه معهم في أسفارهم، وإذا رآهم من لا يعرف القات سَخِرَ بهم وضَحِكَ منهم، وإنَّ أحد المصريِّين ليقول في قصيدةٍ يهجو بها اليمنيِّين:
أُسَارَى القَاتِ لا تَبْغُوا عَلَى مَنْ ... يَرَى فِي القَاتِ طِبًّا غَيْرَ شَافِي
أمَّا (التِّنْباك): وهو التَّبْغ فضَررُه أكبر، والمصيبة به أعظم، ولا يبعدُ أن يكون من الخبائث التي نهى الله عنها، ولو لم يكن فيه من الشرِّ إلَّا ما تشهد به
стр. 870
الأطبَّاء لكان كافياً في تجنُّبه والابتعاد عنه، وقد أفرط جماعات من المسلمين في حُكْمِه حتَّى جعلوه مثل الخَمْر، وحاربوه بكُلِّ وسيلةٍ، وقالوا: يَفسُقُ متعاطيه، كما أنَّ آخرين قد بلغوا في استعماله إلى حَدٍّ بعيد.
وهو شجرةٌ خبيثةٌ دخلت بلاد المسلمين في حوالي عام ١٠١٢ هـ، وانتشر في سائر البلاد.
إلى أن قال: وأخبثُ من ذا وذاك من يمضغ التِّنْباك ويجمعه مطحوناً مع موادَّ أخرى، ثمَّ يضعه بين شفتيه وأسنانه، ويُسمَّى ذلك (بالشَّمَّة) فيبصق متعاطيها حيث كان بصاقاً تعافه النفوس، ويتقذَّر به المكان، ولربَّما لَفَظَها من فمه كسَلْحَة (١) الدِّيك في أنظف مكان، وللناس فيما يعشقون مذاهب.
وبعضهم يستنشق التِّنْباك بعد طَحْنِه وهو البَرْدَقان، يصبُّه في أنفه صبًّا يُفسِد به دماغه، ويجني به على سمعه وبصره، ثمَّ لا ينفكُّ عاطِساً، ويتمخَّط بيده، وفي منديله أو على الأرض، وأمام الجالسين.
أخبرني أحد أصدقائي أنَّ قريبه الذي كان يستعمل البَرْدَقان لمَّا مات مكث ثلاث ساعات وأنفه يتصبَّب خَبَثاً. ولو اقتصر الناس على ما لا بُدَّ منه للحياة لاستراحوا من التكاليف والنفقات الشاقَّة، ولما عرَّضوا أنفسهم لشيء من هذه الشرور.
وأنا لا أقيس القات والتِّنْباك بالخَمْر في التحريم وما يترتَّب عليه من عقاب الآخرة، ولكن أقول: هذا قريب من هذا، وكُلُّ مُضرٍّ لصحَّة الإنسان في بَدَنِه أو عَقْلِه أو مَالِه فهو حَرامٌ، والبرُّ ما اطمأنَّت إليه النَّفْس، واطمأنَّ إليه القلب، والإثم ما حاك في النَّفْس، وتَردَّد في الصَّدْر، وإن أفتاك المفتون. والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 871
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]. انتهى كلام الشيخ محمَّد بن سالم البَيْحاني في ذلك، وقد ذَكَر صفات القات وحَكَمَ عليها بالضرر والنهي والتحريم.
لكنَّ قوله: وأنا لا أقيس القات والتِّنْباك بالخَمْر. إلى آخره - الظاهرُ أنَّ مراده أنَّ غِلَظَ تحريم القات والتِّنْباك ليس كغِلَظِ تحريم الخَمْر وما يجب عليه من حَدٍّ في الدنيا وعِقابٍ في الآخرة، مع اتِّفاقهما في أصل التحريم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في (الاختيارات): فصل: وإذا شككتَ في المطعوم والمشروب هل يُسْكِر أم لا؟ لم يَحرُم عليك بمُجرَّد الشكِّ، ولم يُقَمِ الحَدُّ على شاربه، ولا ينبغي إباحته للناس إذا كان يجوز أن يكون مُسْكِراً؛ لأنَّ إباحة الحَرام مثل تحريم الحلال، فيكشف عن هذا بشهادة من تُقْبَل شهادته؛ مثل أن يكون طَعِمَه ثُمَّ تاب منه، أو طَعِمَه غير معتقدٍ تحريمه، أو مُعتقدٍ حِلَّه لتداوٍ ونحوه، أو مذهب الكوفيِّين في تناول يسير النَّبيذ، فإن شَهِدَ به جماعة ممَّن تناوله معتقداً تحريمه، فينبغي إذا أخبر عددٌ كثيرٌ لا يمكن تواطؤهم على الكذب أن يُحكَم بذلك، فإنَّ هذا مثل التواتر والاستفاضة، كما استفاض بين الفُسَّاق والكُفَّار الموت، والنَّسَب، والنكاح، والطلاق، فيكون أحد الأمرين إمَّا الحُكْم بذلك؛ لأنَّ التواتر لا يُشترط فيه الإسلام والعدالة، وإمَّا الشهادة بذلك بناء على أنَّ الاستفاضة يحصل بها ما يحصل بالتواتر، وإمَّا أن يُمتَحَن بعضُ العدول بتناوله؛ لوجهين:
أحدهما: أنَّه لا يُعلَم تحريم ذلك قبل التأويل، فيجوز الإقدام على
стр. 872
تناوله، وكراهية الإقدام على الشُّبْهَة تعارضها مصلحة بيان الحال.
الوجه الثاني: أنَّ المُحرَّمات قد تُباحُ عند الضرورة، والحاجة إلى البيان موضع ضرورة، فيجوز تناولها لأجل ذلك. اهـ كلام الشيخ تقي الدين ﵀.
وبما قرَّره شيخ الإسلام ﵀ ها هنا يتبيَّن صحَّة الطريقة التي سلكناها فيما تقدَّم في تحريم القات وتمشِّياً على الأصول الشرعيَّة والقواعد المعتبرة المرعيَّة، وبما قدَّمناه يتَّضح صحَّة القول بتحريم القات، والنهي عنه، ومنعه منعاً باتاً؛ [زراعة وتوريداً] أو استعمالاً وغير ذلك.
وهذا ظاهرٌ لكُلِّ من تدبَّر ما ذَكَرْنا وعَرَفَ أصول الشريعة وقواعدها، [ودَرْءُ] المفاسِد مُقدَّم على جَلْب المصالح. والله يقول الحقَّ ويهدي السبيل.
[فتاوى ورسائل الشيخ محمَّد بن إبراهيم (١٢/ ٩٧ - ١٠٥)]
* * *
(٩٢٥) السؤال: هل القات حلالٌ أم حَرامٌ بَيْعُه وأَكْلُه والمُتاجَرةُ به ؟ لأنَّ بعض الناس يريدون أن يجعلوه حلالاً، وله مضارٌّ كثيرة رغم أنَّه شجرة.
الجواب: القات لا يسوغ تعاطيه، ولا زراعته، ولا بيعه، ولا شراؤه؛ لما فيه من الأضرار والمفاسد الكثيرة، وقد جاء في الحديث (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ)، وأقلُّ ما في القات أنَّه مُفتِّر، وأنَّه يُخدِّر، وأنَّه يُشْغِل ويُلْهي عمَّا ينفع، ويَصدُّ عن ذِكْر الله، وله مضارٌّ على الصحِّة، والذين يتعاطونه ويدمنون عليه يؤثِّر على صحَّتهم وعلى أجسامهم، وهو كما تقدَّم أقلُّ ما فيه أنَّه مُفتِّر والمُفتِّر مُلْحَقٌ أيضاً بفصائله وما جرى مجراه من المُخدِّرات والمُسْكِرات، فهو ممنوع شرعاً وضرره معروف، ولذا فإنَّ الذين يتعاطون
стр. 873
القات يُنفقون الأوقات الطائلة في مَضْغِه، والجلوس مدَّة طويلة دون أن يعود عليهم بشيءٍ من الجدوى؛ لا في الصحَّة ولا في المعرفة.
وأمَّا كونه شجرةً؛ فكثير من الأشياء مُحرَّمة وإن لم يكن أصلها ممنوعاً شرعاً، حتَّى أيضاً التَّبْغ الذي هو الدُّخان نباتٌ، إلَّا أنَّه يُخلَطُ بشيءٍ آخر، وكذلك القات أيضاً ممنوعٌ، ولا يسوغ ولا يَحِلُّ؛ لا تعاطيه، ولا زراعته، ولا بيعه، ولا شراؤه، وهو الذي أعرفه تماماً.
[ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (١٢/ ٢٤٣)]
* * *
(٩٢٦) السؤال: ما الحُكمُ في القات والدُّخان اللَّذَيْن انتشرا بين بعض المسلمين؟ وما حُكمُ صُحْبة من يتناول أحدهما أو كلاهما؟ وماذا يجب على رائد الأسرة نحو ابنه أو أخيه إن كان يتعاطى شيئاً من هذين الصِّنْفين ؟
الجواب: لا ريب في تحريم القات والدُّخان؛ لمضارِّهما الكثيرة، وتخديرهما في بعض الأحيان، وإسْكارهما في بعض الأحيان -كما صرَّح بذلك الثقات العارفون بهما-، وقد ألَّف العُلماء في تحريمهما مؤلَّفات كثيرة، ومنهم شيخنا العلَّامة الشيخ/ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ -مفتي البلاد السعودية سابقاً- ﵀.
فالواجب على كُلِّ مسلم تركهما، والحذر منهما، ولا يجوز بيعهما، ولا شراؤهما، ولا التجارة فيهما، وثمنهما حَرامٌ وسُحْتٌ، نسأل الله للمسلمين العافية منهما.
ولا تجوز صحبة من يتناولهما أو غيرهما من أنواع المُسْكِرات؛ لأنَّ ذلك من أسباب وقوعه فيهما، والواجب على المسلم أينما كان صحبة الأخيار، والحذر من صحبة الأشرار، وقد شبَّه النبيُّ ﷺ الجليس الصالح بحامل المسك، وقال: (إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ
стр. 874
تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً)، وشبَّه الصاحب الخبيث بنافخ الكِير، وأنَّه (إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً)، وقد قال ﷺ : (المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ).
والواجب على ربِّ الأسرة أن يأخذ على يد من يتعاطى شيئاً من هذه الأمور المنكرة، ويمنعه منها، ولو بالضرب والتأديب، أو إخراجه من البيت حتَّى يتوب، وقد قال الله سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤].
أصلح الله أحوال المسلمين، ووفَّقهم لكل ما فيه صلاحهم وصلاح أُسَرِهم؛ إنَّه خير مسؤول.
[مجموع فتاوى ابن باز (٢٣/ ٥٣ - ٥٥)]
* * *
(٩٢٧) السؤال: ما حُكمُ أَكْل القات ؟
الجواب: القات معروفٌ عند أهل العِلْم، وهو شجرةٌ معروفةٌ باليمن، وأهلُها يتعاطون ذلك إلَّا من حفظه الله منهم، والذي ثبت عندنا من كلام العارفين به أنَّه مُضرٌّ، وأنَّه يسبِّب تعطيلاً كثيراً عن الأعمال والمكاسب الطيِّبة، ويُسبِّب أشياء تضرُّ متعاطيه، وقد كتب جماعةٌ من عُلماء اليمن وغيرهم في تحريمه، وأنَّه قد يُخدِّر، وقد يُفَتِّر، وقد يُسبِّب سُكْراً في بعض الأحيان يبدأ بتغيُّر الشعور، مع ما فيه من تعطيل صاحبه المدَّة الطويلة لا يعمل بسبب تخزينه له، فهو شجرةٌ خبيثة مُضرَّة، وقد انعقد مؤتمرٌ في المدينة في النظر في المُخدِّرات ودراستها، وأجمع المؤتمرون على تحريم القات، وأنَّه مُضرُّ بأهله، وأنَّه لا يجوز تعاطيه، وألَّف في ذلك جماعةٌ من أهل العِلْم، وكتب شيخنا العلَّامة الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀ في ذلك كتابةً ذَكَر فيها تحريمه، ونقل فيها
стр. 875
بعض كلام أهل العِلْم الذين عَرَفُوه، فينبغي للمؤمن أن يحذره، وألَّا يتساهل في تعاطيه واستعماله، وألَّا يغترَّ بمن يتعاطى ذلك، ونصيحتي لكُلِّ إخواني في اليمن أن يَدَعُوه، وأن يحاربوا هذه الشجرة، وأن يبتعدوا عنها، وأن يقضوا على شجرتها، ونصيحتي للدولة -وفَّقها الله- في اليمن أن تحارب هذه الشجرة، وأن تؤكِّد على الشعب اليمني بمحاربتها وتركها؛ حِفْظاً للمسلمين في اليمن من أذاها وضررها، وحِفْظاً لهم أيضاً من تعطيل أوقاتهم بلا فائدة، وحِفْظاً لهم أيضاً من تعاطي أشياء لا تناسب ... ، فالمقصود أنَّ ضرره كثيرٌ، وشرُّه عظيم بإفادة العارفين به من عُلماء اليمن وغيرهم، ونسأل الله للجميع التوفيق والهداية.
[الفتاوى الصوتية للشيخ ابن باز (الموقع)]
* * *
سادساً: الدُّخان:
التَّدْخِينُ وَأَضْرَارُهُ
(٩٢٨) السؤال: أعلمُ أنَّ التدخين ضارٌّ بالصحَّة، وأعلمُ أيضاً أنَّه أشدُّ ضرراً للأطفال، ولأنِّي مُدَخِّنٌ شَرِهٌ فإنَّني أضطرُّ إلى الخروج لشُرْفَة المنزل للتدخين ؛ حِرْصاً على سلامة الأبناء، وقد تضطرُّني ظروفٌ مَرَضِيَّةٌ إلى التدخين داخل الغرفة التي بها الأبناء الصغار، فما الحكم؟
الجواب: التدخين مُحرَّمٌ شرعاً كما ذهب إلى ذلك جماهير العُلماء؛ لأنَّ ضرره مُحقَّق، وقد جاء في الأثر أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَار). أخرجه مالك في (الموطأ). فعلى السائل أن يُقْلِع عن التدخين حفاظاً على نفسه وأولاده؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ
стр. 876
اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، ويقي نفسه وأولاده والمجتمع شرَّه؛ فقد قال ﷺ : (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) رواه البخاري. والله أعلم.
[موقع دار الإفتاء المصرية (رقم ٣١٤٧]
* * *
شُرْبُ الدُّخَّانِ وَأَكْلُ الضَّبُعِ
(٩٢٩) السؤال: حُكمُ شُرْب الدُّخان وأَكْل الضَّبُع ؟
الجواب: شُرْب الدُّخان حَرامٌ؛ لأنَّه خبيثٌ مُستقذَرٌ من ذوي النفوس والعقول الطيِّبة السليمة، والله يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الأعراف: ١٥٧، ويقول : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ المائدة: ٤، ولأنَّه مُفتِّر، وقد (نَهَى رسول الله ﷺ عَن كُلِّ مُسْكِرٍ، وَمُفَتِّرٍ)، سنن أبي داود - الأشربة (٣٦٨٦)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ٣٠٩)، ولثبوت أضراره طبِّيًّا بالصحَّة، ومعلومٌ أنَّ (ما ثبت ضرره حَرُمَ استعمالُه)، ولأنَّ الإنفاق والحال ما ذُكِرَ يُعتبَر إضاعةً للمال، وقد نهى الرسول ﷺ عن إضاعة المال؛ فقد روى البخاري ومسلم -رحمهما الله- أنَّ رسول الله ﷺ قال: (إنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ). والكراهة هنا كراهة تحريم. رواه البخاري في (الصحيح) ٣/ ٨٧، ٧/ ٧٠، وفي (الأدب المفرد) ص ١١١، ١٦٣، برقم (٢٩٧، ٤٦٠)، ومسلم ٣/ ١٣٤١، كتاب: الأقضية - باب: النهي عن كثرة المسائل ...
أمَّا أَكْلُ الضَّبُع فحلالٌ؛ لما روى
стр. 877
الإمام أحمد وأصحاب السنن عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمارة، قال: (قُلْتُ لِجَابِرٍ: الضَّبُعُ، أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: آكُلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: أَقَالَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ). سنن الترمذي - الحج (٨٥١)، سنن النسائي - الصيد والذبائح (٤٣٢٣)، سنن ابن ماجه - الصيد (٣٢٣٦).
وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلم.
[فتاوى اللجنة الدائمة (رقم ١٥٥٠)]
* * *
(٩٣٠) السؤال: هل الدُّخان حَرامٌ أم حلالٌ ؟
الجواب: هناك أدلَّة كثيرة على تحريم تعمُّد استنشاق وابتلاع الدُّخان الناتج عن حَرْق نبات التَّبْغ أو التِّنْباك -أي ما يُسمَّى السَّجاير والأرجيلة- نذكر بعضاً منها:
١ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ولا شكَّ أنَّ الدُّخان يُصنَّف من الخبائث لا من الطيِّبات من حيث الطعم والرائحة والآثار في البدن.
٢ - حديث أمُّ سَلَمَة ﵂ قالت: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ). رواه الإمام أحمد وأبو داود، ولا أحدٌ يُجادِل بأنَّ الدُّخان مُفَتِّر للجسم.
٣ - وفي الصحيحين عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ،
стр. 878
وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ)، والدُّخان فيه إضاعة للمال واستهلاك لمبالغ طائلة بلا فائدة.
٤ - قوله ﷺ : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) رواه أحمد وابن ماجه، فقد نهى النبيُّ ﷺ عن الضرر؛ سواء كان ضرراً جِسْمِيًّا، أو ماديًّا، أو فِكْريًّا، والدُّخان ضارٌّ بكلِّ ذلك.
٥ - وفي الصحيحين عن جابر ﵁: (فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ) أخرجه مسلم، وفي الحديث أيضاً أنَّه قال: (مَنْ آذَى مُسْلِماً فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللهَ) رواه الطبراني في (الأوسط)، والمُدخِّنُ يؤذي الناس برائحته؛ سواء وقت التدخين أو بعد التدخين.
٦ - إذا اعتبر البعض أنَّ الدُّخان معصية لكنَّه صغيرة من الصغائر؛ فالجواب: أنَّ الصغيرة يكون لها حُكم الكبيرة بواحدٍ من الأشياء التالية:
أ - الإصرار عليها.
ب- التهاون بها والاستخفاف، وعدم المبالاة بفعلها.
ج- الفرح والسرور بها.
مِنْ كُلِّ هذا يظهر أنَّ الدُّخان حَرامٌ، ومن ابتُلِيَ به فعليه أن يُقْلِع عنه ويتوب، ويعترف بخطئه؛ لعلَّه أن يُرْزَق التوبة، لا أن يُدافِع عن خطئه ويُفتي بإباحة ما قام الدليل على تحريمه، وقد كان أحد إخواننا مُبْتَلًى به، وإذا سُئِل عنه قال: هو حَرامٌ، فرزقه الله التوبة عنه.
[فتاوى الشيخ نوح علي سلمان - دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٢٤٨٧)]
* * *
(٩٣١) السؤال: ما حُكمُ شُرْب الدُّخان والاتِّجار به والمعاونة عليه ؟
الجواب: أمَّا الدُّخان؛ فشُرْبه والاتِّجار به والإعانة على ذلك، فهو حَرامٌ لا يَحِلُّ لمسلم تعاطيه شُرْباً واستعمالاً واتَّجاراً، على من كان
стр. 879
يتعاطاه أن يتوب إلى الله توبةً نصوحاً، كما يجب عليه التوبة من جميع الذنوب، وذلك أنَّه داخل في عموم النصوص الدالَّة على التحريم، داخلٌ في لفظها العامِّ، وفي معناها، وتلك المضارَّة الدِّينيَّة والبَدَنيَّة والمالِيَّة التي يكفي بعضها في الحكم بتحريمه، فكيف إذا اجتمعت؟
أمَّا المضارة الدِّينيَّة ودلالة النصوص على منعه وتحريمه؛ فمن وجوه كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فهذه الآيات وما أشبهها حَرَّم الله بها كُلَّ خبيثٍ أو ضارٍّ، فكُلُّ ما يُستخبَث أو يضرُّ، فإنَّه لا يَحِلُّ، والخبيثُ والضرر يُعرَف بآثاره وما يترتَّب عليه من المفاسد، فهذا الدُّخان مفاسُده وأضرارُه كثيرة محسوسة، كُلُّ أحدٍ يعرفها، وأهلُه من أعرف الناس بها، ولكن إرادتهم ضعيفة، ونفوسهم تغلبهم مع شعورهم بالضرر، وقد قال العُلماء: يَحْرُم كُلُّ طعامٍ أو شَرابٍ فيه مَضرَّة.
ومن مضارِّه الدِّينيَّة: أن يُثْقِل على العبد العبادات، والقيام بالمأمورات، خصوصاً الصيام، وما كَرَّهَ العبدَ بالخير فإنَّه شَرٌّ، وكذلك يدعو إلى مخالطة الأراذل، ويُزهِّد في مجالسة الأخيار، كما هو مشاهد، وهذا من أعظم النقائص أن يكون العبدُ مَأْلَفاً للأشرار، متباعداً عن الأخيار، ويترتَّب على ذلك العداوة لأهل الخير، والبغض لهم، والقدح فيهم، والزهد في طريقهم، ومتى ابتُليَ به الصغار والشباب، سقطوا بالمَرَّة، ودخلوا في مداخل قبيحة، وكان ذلك عنواناً على سقوط أخلاقهم، فهو باب الشرور الكثيرة، فضلاً عن ضرره الذاتي.
وأمَّا أضراره البَدَنيَّة؛ فكثيرة جدًّا؛ فإنَّه يُوهِنُ القوَّة ويُضْعِفُها، ويُضْعِفُ
стр. 880
البَصَر، وله سريانٌ ونُفوذٌ في البدن والعُروق، فيُوهِنُ القُوَى، ويمنع الانتفاع الكُلِّيَّ بالغذاء، ومتى اجتمع الأمران؛ وهما: إضعاف القُلْب والصَّدْر، والكَبِدِ والأَمْعاء شيئاً فشيئاً، ثمَّ ينشأ عن ذلك الأمر الثاني: وهو سدُّ منافذ الغذاء؛ لانشغالها بما يتراكم عليها من الدُّخان المستمرِّ، متى اجتمع الأمران، نشأ عنهما أمراض عديدة؛ منها: إضعاف عروق القَلْب المؤدِّي إلى الهلاك، والأمراض العَسِرة، ومنها السُّعال والنَّزْلات الشديدة التي ربما أدَّت إلى الاختناق وضعف النَّفْس، فكم له في هذا من قتيل أو مُشرف على الهلاك، وقد قرَّر غير واحد من الأطبَّاء المعتبرين أنَّ لشُرْب الدُّخان الأثر الأكبر في الأمراض الصَّدْريَّة، وهي السُّلُّ وتوابعه، وله أثرٌ محسوسٌ في مرض السرطان، وهذه من أخطر الأمراض وأصعبها. فيا عجباً لعاقل حريص على حفظ صحَّته، وهو مقيمٌ على شُرْبه مع مشاهدة الأضرار أو بعضها، فكم تلف بسببه خَلْقٌ كثيرٌ، وكم يمرض منهم أكثر من ذلك، وكم قويت بسببه الأمراض البسيطة حتَّى عظمت، وعزَّ على الأطبَّاء دواؤها، وكم أسرع بصاحبه إلى الانحطاط السريع في قوَّته وصحَّته، ومِنَ العجب أنَّ كثيراً من الناس يعتنون بإرشادات الأطبَّاء في الأمور التي دون هذا بكثير، فكيف يتهاونون بهذا الأمر الخطير؟! ذلك لغلبة الهَوَى، واستيلاء النَّفْس على إرادة الإنسان، وضعف إرادته عن مقاومتها، وتقديم العادات على ما تُعْلَم مضرَّته، ولا تستغرب حالة كثير من الأطبَّاء الذين يُدخِّنون وهم يعترفون بلسان مقالهم أو لسان حالهم بمضرَّته الطبِّيَّة، فإنَّ العوائد تسيطر على عَقْل صاحبها، وعلى إرادته، ويشعر كثيراً أو أحياناً بالمضرَّة وهو مقيمٌ على ما يضرُّه، وهذه المضارُّ التي أشرنا إليها مع ما فيها من تسويد الفم