اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، ويقي نفسه وأولاده والمجتمع شرَّه؛ فقد قال ﷺ : (كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) رواه البخاري. والله أعلم.
[موقع دار الإفتاء المصرية (رقم ٣١٤٧]
* * *
شُرْبُ الدُّخَّانِ وَأَكْلُ الضَّبُعِ
(٩٢٩) السؤال: حُكمُ شُرْب الدُّخان وأَكْل الضَّبُع ؟
الجواب: شُرْب الدُّخان حَرامٌ؛ لأنَّه خبيثٌ مُستقذَرٌ من ذوي النفوس والعقول الطيِّبة السليمة، والله يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الأعراف: ١٥٧، ويقول : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ المائدة: ٤، ولأنَّه مُفتِّر، وقد (نَهَى رسول الله ﷺ عَن كُلِّ مُسْكِرٍ، وَمُفَتِّرٍ)، سنن أبي داود - الأشربة (٣٦٨٦)، مسند أحمد بن حنبل (٦/ ٣٠٩)، ولثبوت أضراره طبِّيًّا بالصحَّة، ومعلومٌ أنَّ (ما ثبت ضرره حَرُمَ استعمالُه)، ولأنَّ الإنفاق والحال ما ذُكِرَ يُعتبَر إضاعةً للمال، وقد نهى الرسول ﷺ عن إضاعة المال؛ فقد روى البخاري ومسلم -رحمهما الله- أنَّ رسول الله ﷺ قال: (إنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ). والكراهة هنا كراهة تحريم. رواه البخاري في (الصحيح) ٣/ ٨٧، ٧/ ٧٠، وفي (الأدب المفرد) ص ١١١، ١٦٣، برقم (٢٩٧، ٤٦٠)، ومسلم ٣/ ١٣٤١، كتاب: الأقضية - باب: النهي عن كثرة المسائل ...
أمَّا أَكْلُ الضَّبُع فحلالٌ؛ لما روى
стр. 877
الإمام أحمد وأصحاب السنن عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمارة، قال: (قُلْتُ لِجَابِرٍ: الضَّبُعُ، أَصَيْدٌ هِيَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: آكُلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ: أَقَالَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ). سنن الترمذي - الحج (٨٥١)، سنن النسائي - الصيد والذبائح (٤٣٢٣)، سنن ابن ماجه - الصيد (٣٢٣٦).
وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلم.
[فتاوى اللجنة الدائمة (رقم ١٥٥٠)]
* * *
(٩٣٠) السؤال: هل الدُّخان حَرامٌ أم حلالٌ ؟
الجواب: هناك أدلَّة كثيرة على تحريم تعمُّد استنشاق وابتلاع الدُّخان الناتج عن حَرْق نبات التَّبْغ أو التِّنْباك -أي ما يُسمَّى السَّجاير والأرجيلة- نذكر بعضاً منها:
١ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ولا شكَّ أنَّ الدُّخان يُصنَّف من الخبائث لا من الطيِّبات من حيث الطعم والرائحة والآثار في البدن.
٢ - حديث أمُّ سَلَمَة ﵂ قالت: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ). رواه الإمام أحمد وأبو داود، ولا أحدٌ يُجادِل بأنَّ الدُّخان مُفَتِّر للجسم.
٣ - وفي الصحيحين عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ،
стр. 878
وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ)، والدُّخان فيه إضاعة للمال واستهلاك لمبالغ طائلة بلا فائدة.
٤ - قوله ﷺ : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) رواه أحمد وابن ماجه، فقد نهى النبيُّ ﷺ عن الضرر؛ سواء كان ضرراً جِسْمِيًّا، أو ماديًّا، أو فِكْريًّا، والدُّخان ضارٌّ بكلِّ ذلك.
٥ - وفي الصحيحين عن جابر ﵁: (فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ) أخرجه مسلم، وفي الحديث أيضاً أنَّه قال: (مَنْ آذَى مُسْلِماً فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللهَ) رواه الطبراني في (الأوسط)، والمُدخِّنُ يؤذي الناس برائحته؛ سواء وقت التدخين أو بعد التدخين.
٦ - إذا اعتبر البعض أنَّ الدُّخان معصية لكنَّه صغيرة من الصغائر؛ فالجواب: أنَّ الصغيرة يكون لها حُكم الكبيرة بواحدٍ من الأشياء التالية:
أ - الإصرار عليها.
ب- التهاون بها والاستخفاف، وعدم المبالاة بفعلها.
ج- الفرح والسرور بها.
مِنْ كُلِّ هذا يظهر أنَّ الدُّخان حَرامٌ، ومن ابتُلِيَ به فعليه أن يُقْلِع عنه ويتوب، ويعترف بخطئه؛ لعلَّه أن يُرْزَق التوبة، لا أن يُدافِع عن خطئه ويُفتي بإباحة ما قام الدليل على تحريمه، وقد كان أحد إخواننا مُبْتَلًى به، وإذا سُئِل عنه قال: هو حَرامٌ، فرزقه الله التوبة عنه.
[فتاوى الشيخ نوح علي سلمان - دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٢٤٨٧)]
* * *
(٩٣١) السؤال: ما حُكمُ شُرْب الدُّخان والاتِّجار به والمعاونة عليه ؟
الجواب: أمَّا الدُّخان؛ فشُرْبه والاتِّجار به والإعانة على ذلك، فهو حَرامٌ لا يَحِلُّ لمسلم تعاطيه شُرْباً واستعمالاً واتَّجاراً، على من كان
стр. 879
يتعاطاه أن يتوب إلى الله توبةً نصوحاً، كما يجب عليه التوبة من جميع الذنوب، وذلك أنَّه داخل في عموم النصوص الدالَّة على التحريم، داخلٌ في لفظها العامِّ، وفي معناها، وتلك المضارَّة الدِّينيَّة والبَدَنيَّة والمالِيَّة التي يكفي بعضها في الحكم بتحريمه، فكيف إذا اجتمعت؟
أمَّا المضارة الدِّينيَّة ودلالة النصوص على منعه وتحريمه؛ فمن وجوه كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، فهذه الآيات وما أشبهها حَرَّم الله بها كُلَّ خبيثٍ أو ضارٍّ، فكُلُّ ما يُستخبَث أو يضرُّ، فإنَّه لا يَحِلُّ، والخبيثُ والضرر يُعرَف بآثاره وما يترتَّب عليه من المفاسد، فهذا الدُّخان مفاسُده وأضرارُه كثيرة محسوسة، كُلُّ أحدٍ يعرفها، وأهلُه من أعرف الناس بها، ولكن إرادتهم ضعيفة، ونفوسهم تغلبهم مع شعورهم بالضرر، وقد قال العُلماء: يَحْرُم كُلُّ طعامٍ أو شَرابٍ فيه مَضرَّة.
ومن مضارِّه الدِّينيَّة: أن يُثْقِل على العبد العبادات، والقيام بالمأمورات، خصوصاً الصيام، وما كَرَّهَ العبدَ بالخير فإنَّه شَرٌّ، وكذلك يدعو إلى مخالطة الأراذل، ويُزهِّد في مجالسة الأخيار، كما هو مشاهد، وهذا من أعظم النقائص أن يكون العبدُ مَأْلَفاً للأشرار، متباعداً عن الأخيار، ويترتَّب على ذلك العداوة لأهل الخير، والبغض لهم، والقدح فيهم، والزهد في طريقهم، ومتى ابتُليَ به الصغار والشباب، سقطوا بالمَرَّة، ودخلوا في مداخل قبيحة، وكان ذلك عنواناً على سقوط أخلاقهم، فهو باب الشرور الكثيرة، فضلاً عن ضرره الذاتي.
وأمَّا أضراره البَدَنيَّة؛ فكثيرة جدًّا؛ فإنَّه يُوهِنُ القوَّة ويُضْعِفُها، ويُضْعِفُ
стр. 880
البَصَر، وله سريانٌ ونُفوذٌ في البدن والعُروق، فيُوهِنُ القُوَى، ويمنع الانتفاع الكُلِّيَّ بالغذاء، ومتى اجتمع الأمران؛ وهما: إضعاف القُلْب والصَّدْر، والكَبِدِ والأَمْعاء شيئاً فشيئاً، ثمَّ ينشأ عن ذلك الأمر الثاني: وهو سدُّ منافذ الغذاء؛ لانشغالها بما يتراكم عليها من الدُّخان المستمرِّ، متى اجتمع الأمران، نشأ عنهما أمراض عديدة؛ منها: إضعاف عروق القَلْب المؤدِّي إلى الهلاك، والأمراض العَسِرة، ومنها السُّعال والنَّزْلات الشديدة التي ربما أدَّت إلى الاختناق وضعف النَّفْس، فكم له في هذا من قتيل أو مُشرف على الهلاك، وقد قرَّر غير واحد من الأطبَّاء المعتبرين أنَّ لشُرْب الدُّخان الأثر الأكبر في الأمراض الصَّدْريَّة، وهي السُّلُّ وتوابعه، وله أثرٌ محسوسٌ في مرض السرطان، وهذه من أخطر الأمراض وأصعبها. فيا عجباً لعاقل حريص على حفظ صحَّته، وهو مقيمٌ على شُرْبه مع مشاهدة الأضرار أو بعضها، فكم تلف بسببه خَلْقٌ كثيرٌ، وكم يمرض منهم أكثر من ذلك، وكم قويت بسببه الأمراض البسيطة حتَّى عظمت، وعزَّ على الأطبَّاء دواؤها، وكم أسرع بصاحبه إلى الانحطاط السريع في قوَّته وصحَّته، ومِنَ العجب أنَّ كثيراً من الناس يعتنون بإرشادات الأطبَّاء في الأمور التي دون هذا بكثير، فكيف يتهاونون بهذا الأمر الخطير؟! ذلك لغلبة الهَوَى، واستيلاء النَّفْس على إرادة الإنسان، وضعف إرادته عن مقاومتها، وتقديم العادات على ما تُعْلَم مضرَّته، ولا تستغرب حالة كثير من الأطبَّاء الذين يُدخِّنون وهم يعترفون بلسان مقالهم أو لسان حالهم بمضرَّته الطبِّيَّة، فإنَّ العوائد تسيطر على عَقْل صاحبها، وعلى إرادته، ويشعر كثيراً أو أحياناً بالمضرَّة وهو مقيمٌ على ما يضرُّه، وهذه المضارُّ التي أشرنا إليها مع ما فيها من تسويد الفم
стр. 881
والشفتين والأسنان، ومن سرعة بلائها وتحطيمها وتآكلها بالسوس، ومن انهيار الفم والبلعوم ومداخل الطعام والشراب، حتَّى يجعلها كاللَّحم المنهار المحترق تتألَّم ممَّا لا يُتألَّم منه، وكثير من أمراض الالتهابات ناشئة عنه، ومن تتبَّع مضارَّه البدنيَّة وجدها أكثر ممَّا ذكرنا.
وأمَّا مضارُّه المالِيَّة؛ فقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنَّه نهى عن إضاعة المال، وأيُّ إضاعةٍ أبلغ من صرفه في هذا الدُّخان الذي لا يُسْمِنُ ولا يُغْني من جوع، ولا نفع فيه بوجهٍ من الوجوه؟! حتِّى إنَّ كثيراً من المنهمكين فيه يَغْرَمون فيه الأموال الكثيرة، وربما تركوا ما يجب عليهم من النفقات الواجبة، وهذا انحرافٌ عظيمٌ وضررٌ جَسيمٌ؛ فصَرْف المال في الأمور التي لا نَفْع فيها منهيٌّ عنه، فكيف بصَرْفه في شيء مُحقَّق ضرره؟
ولمَّا كان الدُّخان بهذه المثابة مُضِرًّا بالدِّين والبَدَن والمال، كانت التجارة فيه مُحرَّمة، وتجارته بائدة غير رابحة، وقد شاهد الناس أنَّ كُلَّ مُتَّجر فيه وإن استُدْرِجَ ونَمَا في وقت مؤقَّت، فإنَّه يُبتلَى بالقِلِّة في آخر أمره، وتكون عواقبه وخيمة.
ثمَّ إنَّ النَّجْديِّين -ولله الحمد- جميع علمائهم متَّفقون على تحريمه، والعوامُّ تبعٌ لعُلمائهم ليسوا مستقلِّين، وليس لهم أن يخرجوا عن أقوال عُلمائهم، وهذا واجبهم؛ كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ولا يَحِلُّ للعوامِّ أن يتأوَّلوا ويقولوا: إنَّه يوجد من عُلماء الأمصار من يُحِلُّه ولا يُحرِّمه، وما نظير هذا التأويل الفاسد الجاري على ألسنة بعض العوامِّ تبع الهوى لا تبع الحقِّ والهُدى، إلَّا كما قال بعضهم: يوجد بعض عُلماء الأمصار لا يوجبون الطمأنينة في الصلاة، فلا تنكروا علينا إذاً اتباعهم، أو يوجد من يُبيح رِبا الفَضْل فلنا أن نتَّبعهم،
стр. 882
أو يوجد من لا يُحرِّم أَكْل ذوات المَخالب من الطَّير، فلنا أن نتَّبعهم. ولو فُتِحَ هذا الباب، فُتِحَ على الناس شرٌّ كثير، وصار سبباً لانحلال العوامِّ عن دِينهم، ولكن كُلُّ أحدٍ يعرف أنَّ تتبُّع مثل هذه الأقوال المخالفة لما دلَّت عليه الأدلَّة الشرعيَّة، ولما عليه أهل العِلْم، من الأمور التي لا تَحِلُّ ولا تجوز، والميزان الحقيقيُّ هو ما دلَّت عليه أصول الشرع وقواعده، ولما يترتَّب على الأمور من المضارِّ والمفاسد المتنوِّعة، فكُلُّ أمرٍ فيه ضررٌ على العبد في دِينِه أو بَدَنِه أو مالِهِ من غير نفع، فهو مُحرَّمٌ، فكيف إذا تنوَّعت المفاسد وتجمَّعت؟! أليس من المتعيِّن شرعاً وعَقْلاً وطِبًّا تركها والتحذير منها، ونصيحة من يقبل النصيحة؟ فالواجب على من نصح نفسه وصار لها عنده قَدْر وقيمة، أن يتوب إلى ربِّه من شُرْبِه، ويعزم عزماً جازماً مقروناً بالاستعانة بالله، لا تردُّد فيه ولا ضعف عزيمة، فإنَّ من فعل ذلك أعانه الله على تركه، وهوَّن عليه ذلك، وممَّا يهوِّن الأمر أن يعرف أنَّ من ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه، وكما أنَّ ثواب الطاعة الشاقة أعظم ممَّا لا مشقَّة فيه، فكذلك ثواب ترك المعصية إذا شقَّ عليه الأمر وصعب؛ أعظم أجراً، وأكثر ثواباً، فمن وفَّقه الله وأعانه على ترك الدُّخان، فإنَّه يجد مشقَّة في أوَّل الأمر، ثمَّ لا يزال يَسْلُو شيئاً فشيئاً حتَّى يُتمَّ الله نعمته عليه، ويَغْتَبِط بفضل الله عليه وحفظه وإعانته، وينصح إخوانه بما نصح به نفسه، والتوفيق بيد الله، ومن عَلِمَ اللهُ من قَلْبِه صِدْق النيَّة في طلب ما عنده بفعل المأمور وترك المحظور، يَسَّره لليُسرى، وجَنَّبه العُسرى، وسَهَّل له طُرُق الخير كُلَّها، فنسأل الله الذي بيده أَزِمَّة الأمور أن يأخذ بنواصينا ونواصي إخواننا إلى الخير، وأن يحفظنا وإيَّاهم من الشرِّ، إنَّه جَوَادٌ كريمٌ رؤوفٌ رحيمٌ، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وسلَّم.
стр. 883
[الفتاوى السعدية (ص ٥ ٩١ - ٥٩٧)]
* * *
(٩٣٢) السؤال: هل زراعةُ التَّبْغ (الدُّخان) وصناعتُه وتَدْخينُه حَرامٌ؟ وهل تبطلُ الصَّلاة في حَقْلِه أو مَخْزَنِه ؟
الجواب:
آراء العُلماء في التَّبْغ (الدُّخان):
إنَّ التَّبْغ لم يعرف في بلاد المسلمين، إلَّا في أوائل القرن الحادي عشر من التاريخ الهجري؛ أي: من نحو أربعة قرون تقريباً. ومن هنا لم يُؤْثَر عن أحدٍ من الأئمَّة المجتهدين -فضلًا عمَّن تقدَّمهم- رأيٌ في حُكْمِه، لا بالحِلِّ ولا بالحُرمة.
وقد تكلَّم في حُكْمِه عُلماء الوقت الذي ظهر فيه، ولم يتَّفقوا في نظرتهم إليه، شأنهم في كلِّ جديد لم يُعْرَف حِكْمَتُه وقت التشريع.
فحَكَم بعضُهم بحِلِّه؛ نظراً إلى أنَّه ليس مُسْكِراً، ولا من شأنه أن يُسْكِر، ونظراً إلى أنَّه ليس ضارًّا لكُلِّ من يتناوله. والأصلُ في مثله أن يكون حلالاً، ولكن تطرأ عليه الحُرْمَة بالنسبة فقط لمن يضرُّه ويتأثَّر به.
رأيُ القائلين بالحُرْمَة أو الكَرَاهَة رأيٌ قويٌّ:
وحَكَم بعضٌ آخر بحُرْمَته أو كراهته؛ نظراً إلى ما عُرِفَ من أنَّه يُحدِثُ ضَعْفاً في صحَّة شاربه، يُفقِدُه شَهْوةَ الطعام ويعرض أجهزته الحيوية أو أكثرها للخلل والاضطراب؛ وخاصَّة جهاز القَلْب والرِّئتين. ومن قواعد الإسلام العامَّة أنَّه يُحَرِّم ما يُحَرِّم؛ حِفْظاً للعقيدة، أو للعَقْل، أو للمال، أو للعِرض. وإنَّه بقَدْر ما يكون للشيء من إضعافِ ناحيةٍ من هذه النواحي، يكون تحريمه أو كراهته، فما عَظُمَ ضررُه عَظُمَت حُرْمَتُه، وما قَلَّ ضررُه قَلَّتْ حُرْمَتُه. والإسلام يرى أنَّ الصحَّة البَدَنيَّة لا تَقِلُّ في وجوب العناية بها عن ناحية العَقْل والمال، و [كثيراً] ما
стр. 884
حَرَّم الإسلام المباح إذا كان مِنْ شأنه أن يَغلِبَ ضررُه، بل نراه يُحرِّم العبادة المفروضة إذا تيقَّن أنَّها تضرُّ أو تضاعف الضرر.
أضرارُ الدُّخانِ في الصحَّة والمال تقتضي حَظْرَه:
وإذا كان التَّبْغ لا يُحدِثُ سُكْراً، ولا يُفسِدُ عَقْلاً، غير أنَّ له آثاراً ضارَّة، يَحُسُّها شاربُه في صحَّته، ويَحُسُّها فيه غير شاربه. وقد حلَّل الأطبَّاء عناصره وعرفوا فيها العنصر السامَّ الذي يقضي -وإن كان ببطء- على سعادة الإنسان وهنائه. وإذن فهو ولا شكَّ أذى وضارٌّ. والإيذاء والضرر خُبْثٌ يُحظَرُ به الشيءُ في نظر الإسلام، وإذا نظرنا مع هذا إلى ما يُنْفَقُ فيه من أموال، كثيراً ما يكون شاربه في حاجة إليها، أو يكون صَرْفُها في غيره أنفع وأجْدَى.
إذا نظرنا إلى هذا الجانب عرفنا له جهة ماليةً تقضي في نظر الشريعة بحَظْرِه وعدم إباحته.
ومن هنا نعلم -أخذاً من معرفتنا الوثيقة بآثار التَّبْغ السيِّئة في الصحَّة والمال- أنَّه ممَّا يمْقُته الشرع ويكرهه، وحُكْم الإسلام على الشيء بالحُرْمة أو الكراهة لا يتوقَّف على وجود نصٍّ خاصٍّ بذلك الشيء، فلِعِلَلِ الأحكام وقواعد التشريع العامَّة قيمتها في معرفة الأحكام، وبهذه العِلَل وتلك القواعد كان الإسلام ذا أهليَّة قويَّة في إعطاء كُلِّ شيءٍ يستحدثه الناس حكمه من حِلٍّ أو حُرْمة، وذلك عن طريق معرفة الخصائص والآثار الغالبة للشيء؛ فحيث كان الضرر كان الحَظْر، وحيث خَلُصَ النَّفْع أو غلب كانت الإباحة. وإذا استوى النَّفْع والضرر كانت الوقاية خيراً من العلاج.
[الفتاوى، محمود شلتوت (ص ٣٨٣ - ٣٨٥)]
* * *
(٩٣٣) السؤال: [ما] حُكمُ تناول الدُّخَّان؟ [وما] الدليل على تحريمه
стр. 885
على فَرْض الإجابة بالتَّحريم؟
الجواب: لا شكَّ أنَّ تناول التَّبْغ (المعروف بالدُّخان) حَرامٌ؛ لإضراره بالصحَّة، وتَفْتِيره، وإيذاء مُستعمِله جُلَساءَه من بني آدم، والذين لا يستعملونه، ومن الملائكة في مواضع العبادة، ولما فيه من إضاعة المال، وبذلك تتناوله الأدلَّة التالية:
الأوَّل: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، من الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة تناوله المُضِرَّ. والدُّخان مُضِرٌّ بشهادات جهابذة الأطبَّاء، قال العلَّامة الشيخ محمَّد الطَّرابيشي الحَلَبي في كتابه (تبصرة الإخوان في بيان أضرار التَّبْغ المشهور بالدُّخان): أجمعت عُلماء الطبِّ قاطبةً من أهل القرون الثلاثة بعد الألف على أنَّ استعماله مُضرٌّ للأجسام الإنسانيَّة، وأنَّه يُعطِّل الشرايين الصَّدْريَّة، ويُحدِثُ أمراضاً صَدْريَّة يتعذَّر البُرءُ منها.
وقال: قد تحقَّق عند عامَّة المُحقِّقين من أئمَّة الطبِّ المُعتَبَرين أنَّ مضارَّ الدُّخان -أعمُّ من أن يكون توتوناً أو تنباكاً- كثيرةٌ جدًّا. قالوا: ويشعر بأعراضها الجُزْئيَّة كُلُّ من يباشر استعماله قبل الاعتياد عليه؛ وهي: دوارٌ، وغَثَيانُ الصَّدْر، وقَيْءٌ، وصُداعٌ، وارتخاءُ العَضَلات؛ أي الأعصاب، ثمَّ سُبَاتٌ؛ أي راحةٌ، وهي كنايةٌ عن حالة التخدير الذي هو من لوازم التَّبْغ المتَّفَق عليها من غير نكير.
وقال العلَّامة أبو عبد الله محمَّد عِلِّيش المالكي في مسائل النَّذْر من كتابه (فتح العَلِيَّ المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك): قد نصَّ حُذَّاق الأطبَّاء على أنَّه -أي الدُّخان- يَضرُّ، ولا ينفع شيئاً من العِلَل، وأنَّه يُحدِثُ عِللاً لا تَسْكُنُ إلَّا به، فنظير متعاطيه مَنْ مَزَّق ثوباً صحيحاً واحتاج إلى ترقيعه. قال: ويَدُلُّك على صحَّة ذلك أنَّ مِن شأن الدَّواء قَطْع وكراهة النَّفْس
стр. 886
له، وتركه بمجرَّد حصول الشفاء، وليس الدُّخان كذلك، إذ مَنْ اعتاده لا يستطيع تركه إلَّا إذا كان نائماً، فهو الدَّاء الذي لا دواء له إلَّا تركه واللَّهو عنه، كوسوسة الشيطان، استَجَرْتُ منه باسم الرحمن.
وقال في رسالة له في الدُّخان، ضمن تلك الفتاوى، وآخر مسائل الأذان: وأدنى ضرره -أي الدُّخان- إفساده العَقْل والبَدَن، وتلويث الظاهر والباطن المأمور بتنقيتهما شرعاً وعادة ومروءة، كما يُلوِّث آلة شُرْبه، والظاهر عنوان الباطن، واستعمال المُضرِّ حَرامٌ.
وذَكَرَ في هذه الرسالة: أنَّ أطباء الإنكليز شرَّحوا رجلاً مات باهتراء كَبِده وهو ملازمه -أي: الدُّخان- فوجدوه سارياً في عُروقه وعصبه ومُسَوِّداً مُخَّ عِظامِه، وقَلْبُه مثل سَفَنْجَةٍ يابسةٍ، وفيه ثُقَبٌ مختلفةٌ صُغْرى وكُبْرى، وكَبِدُه مَشْويَّة، فمَنَعوا -أي الأطبَّاء الإنكليز -عن مداواته.
الثاني: من أدلَّة تحريم الدُّخان؛ ما رواه أحمد في (مسنده) وأبو داود بسندٍ صحيح، عن أمِّ سَلَمَة ﵂، أنَّها قالت: (نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفَتِّرٍ). وحصول التَّفْتِير باستعمال الدُّخان ثابتٌ بلا شكٍّ؛ قال الشيخ محمَّد فقهي العَيْني الحَنَفي في رسالته التي حَرَّم فيها الدُّخان: هو -أي الدُّخان - مُفَتِّر باتِّفاق الأطبَّاء، وكلامهم حُجَّة في ذلك وأمثاله باتِّفاق الفقهاء سَلَفاً وخَلَفاً.
الثالث: ما رواه الطبراني في (معجمه الأوسط) بإسناد حسن، عن أنس ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ آذَى مُسْلِماً فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللهَ)، ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنَّ في استعمال الدُّخان في مجالس المسلمين إذايتهم برائحة كريهة، وقد ثبت في رائحة الثوم والبصل من حديث جابر ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: (مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا،
стр. 887
ولِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ). فما دام الأمر هكذا في رائحة الثوم والبصل المُباحَيْن، فكيف إذاً؟! إنَّ رائحة الدُّخان المنهي عنه عن المسلمين في المجالس والمساجد من باب أَوْلى؛ ولذلك جزم أبو يحيى شيخ العلَّامة محمَّد بن عِلِّيش المالكي بأنَّه لا خلاف في تحريم الدُّخان في المساجد والمحافل؛ قال -كما في (الفتاوى) - تلميذُه محمَّد ابن عِلِّيش في باب المباح: أمَّا فيها -يعني في المساجد والمحافل- فلا شكَّ في التحريم، إنَّ له رائحة كريهة، وإنكارها عِنادٌ.
وقد ذكر في (المجموع) في باب الجمعة أنَّه يَحرُمُ تعاطي ما له رائحة كريهة في المساجد والمحافل، ومعلوم أنَّه عند قراءة القرآن يَشْتدُّ التحريم -أي تحريم تعاطي الدُّخان-؛ لما في ذلك من عدم التعظيم، ومن أنكر مثل هذا لا يُخاطَب؛ لجموده وعناده. اهـ.
وكما يتأذَّى المسلمون برائحة الدُّخان تتأذَّى بها الملائكة، كما في حديث جابر ﵁ عند البخاري ومسلم، عن النبيَّ ﷺ أنَّه قال: (إنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ)، ومعلوم أنَّ بني آدم يتأذَّى من رائحة الدُّخان.
الرابع: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما، عن المُغيرَة بن شُعْبَة ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ).
وأقوى الأقوال في تفسير إضاعة المال كما في (باب عقوق الوالدين من الكبائر من (فتح الباري) أنَّه ما أُنْفِقَ في غير وجهه المأذون فيه شرعاً. وصرف المال في سبيل استعمال الدُّخان لا شكَّ أنَّه ممَّا ينطبق عليه هذا التعريف.
لهذه الأدلَّة وبغيرها ممَّا يطول الكلام باستقصائه جَزَم كثيرٌ من عُلماء
стр. 888
المذاهب الأربعة بتحريم الدُّخان، وقد سَرَدْنا أسماءهم في رسالة مستقلَّة ألَّفناها في تحريم الدُّخان، ووسَّعْنا فيها البحث، وفي إمكان السائل الحصول عليها؛ لأنَّها توزَّع مجاناً في دار الإفتاء.
والخلاصة: أنَّ تناول الدُّخان حَرامٌ؛ لما بيَّنَّاه من الأدلَّة على ذلك. والله الموفِّق.
[فتاوى ورسائل الشيخ محمَّد بن إبراهيم (١٢/ ٨٧ - ٩٠)]
* * *
(٩٣٤) السؤال: نرى أنَّ مشكلةً دائرة اليوم في جميع أنحاء العالم، ألا وهي مشكلة السجاير؛ فبعض العُلماء يقولون حَرامٌ إذا كان على سبيل التبذير، وبعضهم يقول مكروه، فهذان رأيان مختلفان، فما هي الحقيقة؟ وهل هذان الرأيان مُستَخرَجان على سبيل الاجتهاد، أم مست ندان على دليل؟
الجواب: إنَّ أقلَّ ما يقال في التدخين: إنَّه مكروه كراهة تحريم؛ لأنَّ فيه إضراراً بالجسم، وفيه تبذير، وإتلاف للمال، ولقد قرر ابن عباس ﵁ أن إنفاق المال في غير موضعه إسراف، ولو كان درهماً، والإنفاق في الدُّخان إنفاق للمال في غير موضعه.
[الفتاوى، للشيخ محمَّد أبو زهرة (ص ٦٨٥ - ٦٨٦)]
* * *
(٩٣٥) السؤال: ما حُكمُ شُرْب الدُّخَّان ؟
الجواب: الدُّخان حرام؛ لأنَّه خبيث؛ ولأنَّه مُضِرٌّ، والله لمَّا ذَكَر النبيَّ [محمَّداً] ﷺ ذَكَر من صفاته أنَّه ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ولا أعتقد أنَّ أحداً من ذوي الفِطْرَة السليمة يقول: إنَّ الدُّخان من الطيِّبات.
ولأنَّه ثبت بما لا يدع مجالاً للشكِّ أو للتردُّد أنَّه مُضِرٌّ، وأنَّه يسبِّب
стр. 889
أمراضاً فتَّاكةً، وأمراضاً سيِّئةً من بينها السرطان؛ فحينئذٍ هو خبيثٌ، ومُفْسِدٌ للأسنان، ومُفْسِدٌ للِّثَّة، ومُسبِّب للكُحَّة والبَلْغَم، ومُسبِّب لالتهابات الشرايين والرِّئة، وسببٌ أيضاً لوقوع بعض الأمراض المستعصية -والعياذ بالله- والمهلكة؛ فحينئذٍ هو حَرامٌ لعِدَّة أسباب ومُضِرٌّ، فهو حَرامٌ، ولا إشكال في هذا.
[ثمر الغصون من فتاوى ابن غصون (١٢/ ٢٤٤)]
* * *
حُكْمُ شُرْبِ التُّنْبَاكِ
(٩٣٦) السؤال: الرَّجاء أن تُعَرِّفوني عن حُكْم الصَّعُوط (التُّنْباك) بالتفصيل، وبماذا تنصحون من ابتُلِي به ؟
الجواب: التُّنْباك من المُحرَّمات الخبيثة، التي أجمع الأطبَّاء العارفون به على ضرره العظيم المتنوِّع الكثير، وكذلك أجمع العارفون به الذين جَرَّبوه على مَضرَّته العظيمة؛ فالواجب تركه، وقد نصح الأطبَّاء بذلك من الكَفَرَة وغير الكَفَرَة، حتَّى الكَفَرة عَرَفوا شَرَّه وضرره؛ فالواجب على كُلِّ مسلم أن يَحْذَرَه، وعلى كُلِّ ناصح لنفسه أن يتَّقِيَ شَرَّه، وأن يَدَعَه، وأن يستعمل الأسباب التي تُعينه على تركه؛ ومنها: أن لا يجالس أهله؛ فإنَّ مجالستهم تُفْضِي به إلى أن يُشاركهم، فينبغي للمؤمن أن يَحْذَر هذا الدُّخان الخبيث، وأن يبتعد عن مُجالَسَةِ أهله؛ لعلَّ الله يعينه على تركه، وهذا شيء واجبٌ؛ لأنَّ الله حَرَّم علينا الخبائث، وحَرَّم علينا ما يَضُرُّنا؛ قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]؛ فبيَّن -سبحانه- أنَّه لم يُحِلَّ لنا إلَّا الطيِّبات، ولا يقول مسلم يعرف هذا الدُّخان أنَّه من الطيِّبات، بل هو من الخبائث، وقال -سبحانه- في سورة الأعراف في وصف نبيِّه محمَّد ﵊: ﴿وَيُحِلُّ
стр. 890
لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]؛ فالمفلحون هم من اتَّبعوه ﵊، وساروا على نهجه، وعظَّموا أَمْرَه ونَهْيَه؛ ومن ذلك: تَرْك الخبائث والمُسْكِرات والمُخدِّرات والدُّخان، كُلُّها من الخبائث، كما أنَّ المَيْتَة والخنزير من الخبائث، فهكذا ما يضرُّ العَبْدَ، ويضرُّ عَقْلَه وبَدَنَه من أنواع المُسْكِرات والمُخدِّرات، وأنواع التدخين والحشيشة التي تَضرُّ متعاطيها ضرراً كبيراً، ينبغي للمؤمن أن يَحْذَر هذه الأمور، وأن يستعين بالله على تَرْكِها، وأن يستعمل كُلَّ ما يُعينُه على تَرْكِها، وأن يَحْذَر صُحْبَة أهلها ومجالستهم؛ لعلَّ الله يمنُّ عليه بالسلامة، والله المستعان
[الفتاوى الصوتية للشيخ ابن باز (الموقع)]
* * *
(٩٣٧) السؤال: حُكمُ تناول الإنسان المسلم شيئاً يَضُرُّ بصِحَّته، كالسجائر والتَّبْغ وغيرها، وما حُكْمُ الشرع في ذلك ؟
الجواب: يَحرُمُ على المسلم أن يتناول ما يَضرُّه؛ لأنَّ الله -جلَّ وعلا- أكرمَ الإنسان وأَمَرَه بما ينفعه، ونَهاهُ عمَّا يَضُرُّه؛ فالواجب عليه أن يبتعد عمَّا يضره؛ لقول الله جلَّ وعلا: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، ولقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]، ولقوله ﷺ : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ). فالمسلم يبتعد عمَّا يضرُّه من مأكول أو مشروب أو ملبوس أو مشموم أو غير ذلك، ومن جملة ذلك الدُّخان فإنَّه مُضرٌّ خبيثٌ يجب الحذر منه، والله سبحانه حَرَّم علينا الخبائث، وأباح الطيِّبات؛ قال : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾،
стр. 891
فقال سبحانه: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]. فالله ما أَحَلَّ لنا إلَّا الطيِّبات من المَأْكَل والمَشْرَب والمَنْكَح وغير ذلك، فالدُّخان بأنواعه، وسائر الخمور والمَيْتَة والخنزير، وسائر ما حَرَّم الله كُلُّه من الخبائث؛ فيجب الحذر من ذلك، فالدُّخان معلوم عند أهل الخِبْرة مضرَّته الكبيرة، وأنَّه يترتَّب عليه مضارُّ متنوِّعة، مع كونه خبيثاً لا يجوز تعاطيه، ففيه مع الخبث مضارُّ كثيرة؛ فيجب على أهل الإسلام تَرْكُه والحَذَر منه، ولا تجوز التِّجارة فيه، فالبيع له، والشراء له، وثمنه كُلُّه حَرامٌ، نسأل الله أن يوفِّق المسلمين للحَذَر منه والعافية من أضراره وشَرِّه.
[الفتاوى الصوتية للشيخ ابن باز (الموقع)]
* * *
شَمُّ رَائِحَةِ الدُّخَّانِ
(٩٣٨) السؤال: هل مَنْ شمَّ رائحة الدُّخان يأخُذُ حُكمَ المُدَخِّن وينطبق عليه ؟
الجواب: إذا تعمَّد ذلك وصار يتلذَّذ بذلك يَعُمُّه المنع والتحريم، أمَّا مَنْ شَمَّه بغير قَصْدٍ، بُليَ به في المكان والطريق، فلا يضرُّه ذلك.
[الفتاوى الصوتية للشيخ ابن باز (الموقع)]
* * *
(٩٣٩) السؤال: هل يجوزُ أن يدخل المُصِلِّي المسجد وأن يُصلِّي وعلبة السجائر معه؟ وهل الدُّخَّان حَرامٌ؟ وما هو الدليل ؟
الجواب: نعم؛ يجوز أن يُصلِّي ومعه السجائر. والدُّخان حَرامٌ، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، وقد ثبت عن النبيِّ ﷺ أنَّه نَهَى عن إضاعة المال، وثبت من الناحية
стр. 892
الطبِّيَّة أنَّ الدُّخان ضارٌّ، وربَّما أدَّى إلى الموت؛ فتناوله سببٌ لقتل شاربه لنفسه، وشاربه مُلْقٍ بنفسه إلى التهلكة، وشاربه مُفسِدٌ لماله؛ حيث صَرَفَه في غير ما جعله الله له؛ فإنَّ الله جعله قياماً للناس، تقوم به مصالح دِينِهم ودُنْياهم، والدُّخان ليس ممَّا تقوم به مصالح الدِّين ولا الدُّنْيا، فصَرْف المال فيه إضاعة له، وقد نَهَى النبيُّ ﷺ عن إضاعة المال.
[مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (١٣/ ٣٠٠)]
* * *
(٩٤٠) السؤال: بعضُ الشباب عندما تنصحهم عن شُرْب الدُّخان يقولون إنَّه مكروهٌ؛ فما توجيهكم حول ذلك ؟
الجواب: لا شكَّ أنَّ الدُّخان خبيثٌ، وليس من الطيِّبات، والله تعالى ما أباح إلَّا الطيِّبات، بقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، وبقوله: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]؛ فالدُّخان خبيث الرائحة، وخبيث الفعل، وقد قرَّر الأطبَّاء المُعتَبَرون أنَّه خبيث، وأنَّه ضارٌّ بالجسم، ضارٌّ بالصحَّة، وسببٌ في إحداث كثير من الأمراض؛ كالسرطان، والسُّلِّ الرِّئوي، والسعال، وأمراض أخرى، ولو لم يكن فيه إلَّا أنَّه خسرانٌ مبين، وإتلاف للمال في غير فائدة، فكم صُرِف فيه من المال الذي يذهب هباءً، ويحرق ويضرُّ ببَدَن صاحبه، والله تعالى قد نهى عن إفساد المال بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، فمن أدمن على الدُّخان فقد أفسد ماله، وسعى في قتل نفسه، وقد ذكر الأطبَّاء أنَّ التدخين انتحارٌ بطيء؛ بمعنى أنَّه يؤدِّي إلى الموت ولو تأخَّر زمانه، ثمَّ إنَّ
стр. 893
تَرْكَه سَهْل يسير، ولكن يحتاج إلى عَزْم وقوَّة قَلْب، فكم من إنسان تعاطاه زمناً طويلاً ثمَّ تركه، ولم يعد إليه، وعافاه الله من شرِّه. ونحيل القارئ إلى رسالتنا التي بعنوان: (التدخين مادته وحكمه في الإسلام) وغيرها من الرسائل المؤلَّفة في هذا الموضوع، والله أعلم.
[اللؤلؤ المكين من فتاوى الشيخ ابن جبرين (٤٢٣) - (الموقع)]
* * *
(٩٤١) السؤال: في حديثٍ عن رسول الله ﷺ ، حيث قال: (الحَلَالُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ)، ما المعنيُّ بالأمور المُشْتَبِهات؟ وهل يمكن أن تكون السيجارة من الأمور المُشْتَبِهات ؟
الجواب: الأمور المُشْتَبِهات المطلوب اجتنابها هي التي اخْتَلَف فيها أهل العِلْم، هل هي حلالٌ أم حَرامٌ؛ نظراً لاختلاف الأدلَّة فيها، ولم يترجَّح فيها قولٌ على قولٍ، فَتَرْكُها من باب الاحتياط أسْلَم لدِين المَرْء وعِرْضِه.
وأمَّا السيجارة (الدُّخان) فهي حَرامٌ بلا شكٍّ؛ وذلك لضرر الدُّخان البالغ، وليس فيه شيءٌ من المنافع، ولا حُجَّة مع من يرى عدم تحريمه حتَّى يُقال إنَّه من المخْتَلَف فيه، بل الحُجَّة الواضحة مع من يرى تحريمه، فليس هو من المُشْتَبِهات، وإنَّما هو من المُحرَّمات؛ فيجب على المسلم تَرْكُه، وليس كُلُّ خِلافٍ يُنْظَر إليه، وإنَّما يُنْظَر إلى الخلاف الذي له وجهٌ في الشرع، والله أعلم.
[المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان (١٢٢٨ - ١٢٢٩) (الموقع)]
* * *
التَّدْخِينُ فِي نَظَرِ الإِسْلامِ
(٩٤٢) في ٢٣ من مارس لعام ١٩٩٥ م، عقد مجلس الفتوى الوطني الماليزي الجلسة (٣٧) للمباحثة في
стр. 894
قضية التدخين في نظر الإسلام. وأصدر المجلس فتواه بأنَّ التدخين في نظر الإسلام حَرامٌ؛ لأنَّ فيه مَضَرَّة على الإنسان.
[قرارات مذاكرة لجنة الفتوى بالمجلس الوطني للشؤون الإسلاميَّة الماليزية (ص ١٠٩)]
* وانظر: فتوى رقم (٨٣٧)
* * *
سابعاً: مفتِّرات أخرى:
أَكْلُ الزَّوَانِ (١) وَحْدَهُ أو مَعَ غَيرِه
(٩٤٣) السؤال: هل يجوزُ أَكْل الزَّوان المشهور في بلاد الشام وحده أو مع غيره مِنْ بُرٍّ وغيره، وبيعه في الخُبْز مع مشاهدة الضَّرر منه لأُناسٍ كثيرين، ورُبَّما أَدَّى إلى إخراج صلاةٍ عن وقتها؛ لتَخَدُّرِ آكِلِه وغفلته بذلك ؟
الجواب: عبارة ابن حَجَرٍ: قال -أي الزَّرْكَشِيُّ-: والقياس حِلُّ إطعامِها -أي الخَيْل-، ومثلها غيرها، بل أَوْلَى؛ نحو حَشيشٍ وبَنْجٍ للجوع، وإنْ تَخَدَّرت، ويظهر جوازه لآدميٍّ جاع ولم يجد غير ذلك، وإن تَخَدَّر؛ لأنَّ التَّخَدُّر لا يزيد في الجوع. انتهى.
أقول: يُؤخَذ منه أنَّ أَكْل الزَّوان للآدميِّ والحيوان تَضرُّ به -كالخَيْل
стр. 895
والجِمالِ-؛ حرامٌ حيث وُجِدَ غيرُه؛ لأنَّه مُخَدِّرٌ، بل مُغيِّر للعَقْل في بعض الأشخاص، ومُفَوِّتٌ للصَّلاة في بعض الأوقات، ويَحرُم بيعُه لمن لم يعلم به؛ لأنَّه غِشٌّ؛ وقد نُهِيَ عن الغِشِّ، وعلى الحاكم -أيَّد الله تعالى أحكامَه- منعَ تعاطيه وتعزيره بما يراه؛ لأنَّه يجوز التعزير في كُلِّ معصيةٍ لا حَدَّ فيها ولا كفَّارة. والله أعلم.
[فتاوى الخليلي (٢/ ١٥٦)]
* * *
تَنَاوُلُ المُهَدِّئَاتِ
(٩٤٤) السؤال: ما حُكمُ تناول الحُبوبِ المُنوِّمَة أو ما يُسمَّى بالمُهَدِّئات؟ وهل تدخلُ ضمن المُخَدِّرات أم لا؟ وهل تجوزُ إذا دعت الضرورة أو أَرْشَد إليها الطبيب ؟
الجواب: هذه الحبوب لا يجوز استعمالها إلَّا إذا دعت الحاجة إليها، بشرط أن يكون الآذِنُ بها طبيباً فاهماً عالماً؛ لأنَّ هذه لها خطر، ولها، مردود على المُخِّ، فإذا استعملها الإنسان فقد يهدأ تلك الساعة ويَلِين، لكن يَعْقُب ذلك شرٌّ أكبر وأعظم، فالمُهِمُّ أنَّه يجوز استعمالها للحاجة، بشرط أن يكون ذلك تحت نظر الطبيب وإذْنِه.
[فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٣٤٧)]
стр. 896
الباب السابع الفتاوى في الموادُّ المُضافَة
стр. 897
أولًا: الخَلُّ:
اسْتِعْمَالُ الخَلِّ وَالفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبيذ
(٩٤٥) السؤال: ما الفَرْقُ بين الخلِّ والنَّبيذ؟ وما حُكمُ استعمال الخلِّ الذي يُباع في السوق، ومنه ما هو مستورَدٌ من بلاد الكفار؟ وهل الخلُّ الذي لم يتخلَّل بنفسه مُحرَّم ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أمَّا بعد: فالنَّبيذ هو الشراب المعدُّ من نَبْذِ -أي: طَرْح- فاكهةٍ أو حَبٍّ أو تَمْرٍ في الماء، حتَّى يصير نقيعه شراباً حلواً، وقد كان النَّبيُّ ﷺ يحبُّ النَّبيذ، ويُنقَع له التَّمْر من الليل، ويُنقَع له الزبيب فيشربه من الغد وبعد الغد، وإذا تُرِكَ النَّبيذ حتَّى اشتدَّ وغَلَى، وقَذَف بالزَّبَد؛ صار مُسْكِراً، وحَرُم شُرْبه.
والخلُّ يُصْنع عن طريق تخمير الفواكه؛ بنقعها، وإضافة موادَّ كيمياويَّة إليها، تُحوِّل الموادَّ السُّكَّريَّة فيها إلى حِمْض الخلِّيك، وتخلَّل الخَمْر بإضافة موادَّ كيمياويَّة إليها؛ لتخليصها من غاز الإيثانول (الكُحول).
وأَكْل الخلِّ جائزٌ إجماعاً؛ فقد ثبت أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَكَل الخلَّ، ومدَحَه وأثنى عليه؛ فعن جابر بن عبد الله ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَ أَهْلَهُ الْأُدُمَ، فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ، وَيَقُولُ: نِعْمَ الْأُدُمُ الخَلُّ، نِعْمَ الْأُدُمُ الخَلُّ) [مسلم: ٢٠٥٢].
والخلُّ كُلُّه جائزٌ؛ سواء أكان مصنوعاً في بلاد المسلمين أو غير بلاد المسلمين، وما تخلَّل من الخَمْر بنفسه جائزٌ بالاتِّفاق، ولا يجوز تخليلُ الخَمْر بمعالجة وإدخال شيء فيها عند جمهور العُلماء، مالك والشافعي وأحمد؛ لما جاء في الصحيح عن أنس ﵁: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ -
стр. 898
عَنِ الخَمْر تُتَّخَذُ خَلًّا؟ فَقَالَ: لَا) [مسلم: ١٩٨٣].
وإذا تعدَّى أحدٌ وخلَّلها، فالمشهور عند المالكيَّة كراهة أَكْلِها ولا تَحرُم؛ لأنَّ حديث أنس في النهي عن التخليل عارَضَه حديث عائشة وجابر، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (نِعْمَ الأُدُمُ الخَلُّ) [مسلم: ٢٠٥١]، فهو محتمل الدلالة على إطلاقه الخلِّ؛ اتُّخِذَ من الخَمْر أو من غيره؛ لذا قال المالكيَّة -في المشهور- بالكراهة، ومنع الشافعيَّة والحنابلة أكْلَها؛ لحديث أنسٍ في النهي عن تخليلها، وجوَّزَ أبو حنيفة تخليلها وأكْلَها؛ عملًا بإطلاق حديث عائشة وجابر ﵄؛ قال الحطَّاب ﵀: «واختُلِف في حكم تخليلها؛ فحُكِي في (البيان) في ذلك ثلاثة أقوال، وقال في كتاب الأطعمة من (الإكمال): والمشهور عندنا أنَّه مكروهٌ، فإن فُعِلَ أُكِل. (مواهب الجليل: ١/ ٩٧)، والله أعلم. وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
[دار الإفتاء الليبية رقم الفتوى (٢٦٢٣)]
* * *
اسْتِخْدَامُ خَلِّ النَّبِيذِ
(٩٤٦) في ٤ - ٦ من إبريل ٢٠٠٦ م عقد مجلس الفتوى الوطني الماليزي الجلسة (٧٣) للمباحثة فيما يتعلَّق بحكم استخدام خلِّ النَّبيذ. وأصدر المجلس قراره بتحريم هذا النوع من الخلِّ المختلط بموادَّ خارجيَّة أخرى. أمَّا إذا حدث تغييرٌ طبيعيٌّ لخلِّ النَّبيذ فأصبح خلًّا عاديًّا، فهذا الخلُّ صار حلالًا.
[قرارات مذاكرة لجنة الفتوى بالمجلس الوطني للشؤون الإسلاميَّة الماليزية (ص ٩٠)]
* * *
خَلُّ الخَمْرِ
(٩٤٧) السؤال: وسألته عن خَلِّ الخَمْر ؟
стр. 899
الجواب: إذا أُفسِدَت مُتعمَّداً لا تُؤكَل، إلَّا أن تَفْسُد هي.
[مسائل الإمام أحمد رواية صالح (١/ ١٢ ٩)]
* * *
(٩٤٨) السؤال: وسألتُه عن قول عمر: (لا يُؤْكَلُ خَلٌّ مِنْ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ، حَتَّى يَكُونَ اللهُ بَدَأَ فَسَادَهَا)؛ فأفسَدَها رَجُلٌ؛ هل يكون سواء، أو لا يكون سواء ؟
الجواب: لا يأكُلُها إذا أَفسَدَها؛ وذلك أنَّه لو جاز فَسادُها فانتقلت عن اسم الخَمْر، كان يجعلُها في اللَّبَن والكَامَخِ (١) والمَرَقَةِ؛ لأنَّه انتقل اسم الخَمْر عنها، وانتقلت عن طِباعِها، ولا يجوز فسادها حتَّى يكون اللهُ يبدأُ بفَسادها.
[مسائل الإمام أحمد رواية صالح (١/ ٣٠٧)]
* * *
(٩٤٩) السؤال: سألتُ أبي عن الخَمْر يُتَّخَذُ خَلًّا ؟
الجواب: لا يُعجِبُني، أكرهه، ولا بأس بما أَذِنَ اللهُ في فساده.
يقول: إذا جَعَلَ رجلٌ خَمْراً ففَسَدَت هي، فلا بأس بأَكْل الخَلِّ منها إذا كان فسادُها من عند الله تعالى.
حديث السُّدِّيِّ عن أبي هُبَيرة عن أنس: (سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الخَمْرِ يُجْعَلُ خَلًّا؛ فَكَرِهَهُ). وقال عمر بن الخَطَّاب: (لَا بَأْسَ بِالخَمْرِ إِذَا أَذِنَ اللهُ في فَسَادِهَا)؛ يعني: الخَلَّ.
[مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (٣/ ١٢ ٩٨ - ١٢٩٩)]
* * *
(٩٥٠) السؤال: سمعتُ أحمد سُئِلَ عن الخَلِّ يُتَّخَذ ؟
الجواب: يُصَبُّ عليه الخَلُّ حتَّى لا يَغْلِي.
стр. 900
قيل: صُبَّ عليه الخلُّ فغَلَى؟
قال: يُهْراق.
قلت لأحمد: فإنَّ رجُلًا فَعَلَه فغَلَى، ثُمَّ جُعِلَ خَلًّا، أنَشْرِيه منه؟
قال: نعم، إذا كان خَلًّا فاشتريه منه. قال: نعم، إذا كان خَلًّا فاشتري.
[مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود (ص ٣٤٧)]
* * *
جَعْلُ العَصِيرِ خَلًّا
(٩٥١) السؤال: ما تقولُ في رَجُلٍ يَصُبُّ الشَّيرَجَ (١) -وهو العصير- في منزلِهِ حتَّى يَصيرَ خَلًّا ؟
الجواب: إذا كان عنده عصير فيُعجِبُنا أن يَصُبَّ عليه من الخَلِّ ما لا يكون يَغْلِي، فإذا صار خَلًّا أَكَلَه، وإن تَرَكَه حتَّى يَغْلِي من ذاته خَشِيتُ أن يكون جَمْعُه وإيَّاه الخَمْر؛ لأنَّه يُغْلِقُ عليه بابه وهو خَمْر، فإذا صَبَّ فيه الخَلَّ حتَّى لا يَغْلِي أَمِنَ من ذلك، فإذا غَلَى فقد صار خَمْراً، فكُلَّما أَفْسَدَهُ فهو بعد غليانه فلا يأكُلُه. وقد قيل: (إنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ النَّبيِّ ﷺ عَنْ أَيْتَامٍ فِي حِجْرِهِ وَرِثُوا خَمْراً؛ أَنَجْعَلُهَا خَلًّا، فَقَالَ: لَا). ورُوِي عن عمر قال: (لَا تَأْكُلُوا خَلَّ خَمْرٍ أَفْسَدَهَا أَهْلُهَا حَتَّى يُبْدِيَ اللهُ فَسَادَهَا). فذاك حين طاب الخَلُّ.
[مسائل الإمام أحمد رواية صالح (٢/ ١٤٢ - ١٤٣)]
* * *
اخْتِلاطُ الخَمْرِ بِالخَلِّ وَاسْتِحَالَةُ أَحَدِهِمَا إِلَى الآخَرِ
(٩٥٢) السؤال: مسلمٌ كان له زِقُّ (٢) خَلٍّ، ولنصرانيٍّ زِقُّ خَمْرٍ، انْفَتَقَ الزِّقَّانِ جميعاً، وسَالَ ما فيهما إلى مُطْمَئنٍّ من الأرض، واخْتَلَطا، وقد اسْتَحالا خَلًّا ،
стр. 901
أو اسْتَحالا خَمْراً.
الجواب: إذا استحال جميع ذلك خَلًّا، مَلَأَ المسلمُ زِقَّه، وأخذه وانتفع به؛ لأنَّه تخلَّل بطَبْعِه من غير صَنْعةٍ لأحدٍ في ذلك، فأشبه الخَمْر إذا تخلَّل من غير تخليل أحدٍ له.
وإن استحال خَمْراً، مَلَأَ النَّصرانيُّ زِقَّهُ، فذهب به، ويُهْراقُ جميع الباقي على المسلم.
ولا يصحُّ أن يُقال: يُعطَى جميع الخَمْر للنَّصرانيِّ، ويَضْمَن النَّصرانيُّ للمُسلم مثل خَلِّه؛ من وجهين:
أحدهما: أنَّ ذلك بيعٌ للخَمْرِ، ولا يَحِلُّ ذلك للمسلمين.
والثاني: أنَّ النَّصرانيَّ لم يَقَع منه قَطُّ تَعَدٍّ، فلم يلزمه شيء. أرأيت لو أنَّ النَّصرانيَّ إذا طولِبَ بضَمان خَلِّ المسلم، قال: إنِّي أَتْرُك له هذا الخَمْر كُلَّه؛ نَصِيبي ونَصِيبَه؛ أكان يَلْزمُه شيءٌ؟ فإذا بَطَل الضَّمان هنا، بَطَل هنالك. والله المستعان.
[مسائل أبي الوليد ابن رشد (١/ ٥٤٢ - ٥٤٣)]
* * *
خَلُّ التَّمْرِ والزَّبِيبِ
(٩٥٣) السؤال: خَلُّ التَّمْر والزَّبيب هل هو طاهرٌ يَحِلُّ تناوُلُه أم لا؟ وقد صرَّحوا بجواز بيعه والسَّلَم فيه على الصَّحيح، هل عِلَّة مُقابِله الماءُ الذي فيه، أو النَّجاسة ؟
الجواب: خَلُّ التَّمر والزَّبيب طاهرٌ؛ لأنَّ الماء من ضرورته؛ فيَحِلُّ تناوُلُه، وبَيعُه، والسَّلَمُ فيه، وغيرُها، وإن صرَّح القاضي أبو الطَّيِّب بنجاسته. وقد صرَّح الأصحابُ في كتاب السَّلَم بجوازه في خَلِّ الزَّبيب والتَّمْر، ولم يَفْصِلُوا بين أن يتَخَمَّر ثُمَّ يتَخَلَّلَ، أم لا. وعلى القول المرجوح القائل بعدم جواز بَيعِه والسَّلَم فيه؛ اختلاطُه بالماء لا النَّجاسة.
стр. 902
[فتاوى الرملي (١/ ١٦١)]
* * *
(٩٥٤) السؤال: سُئِلَ [العلَّامة المُحقِّق السَّيد عمر بن عبد الرحيم الحُسَيْنيُّ الحَسَنيُّ الأَحسائيُّ ثمَّ المكِّيُّ: ما المُحقَّق في خَلِّ الزَّبيب، الذي صورته: أن يؤخَذ الزَّبيبُ ويُنقَع في الماء إلى أن يتخَمَّر، ثمَّ يُنزَع منه الزَّبيب وتُعصَر م ائيَّته على الماء الذي بُلَّ به، ثمَّ يصير خَلًّا. هل هو بهذه الصِّفة طاهرٌ، أو لا؟ فإنِّي رأيت كلام الشيخ شِهاب الدِّين ليس فيه ما يُفْصِح عن هذه الصُّورة؛ فلعلَّ سيِّدنا يُحقِّق للمملوك حُكْمَ ذلك؛ فإنَّ الحاجة داعيةٌ إليه. لا زِلْتُم مَعْدِناً لحَلِّ المُشْكلات، ومَقْصِداً لإزالة الشُّبُهات.
الجواب: المذهب المُعَوَّل عليه في نحو خَلِّ الزَّبيب الذي أَطْبَقَ عليه المتأخِّرون في كتاب الطَّهارة، واقتضاه تصريح الأصحاب بحِلِّه في بابي الرِّبا والسَّلَم؛ هو الطَّهارة، واغْتِفار مُصاحَبَة الماء وإن كان عَيْناً أجنبيةً؛ لأنَّه لا سبيل إليه بدونه، والصُّورةُ التي أشار إليها شيخُنا من جُملَةِ أفرادِه؛ لأنَّه ليس فيه غير مصاحبَتِه الماء، وهو مُغْتَفَرٌ فيما ذُكِرَ.
[فتاوى علماء الأحساء (١/ ١٢٢)]
* * *
تَنَاوُلُ خَلٍّ يَحْتَوِي عَلَى شَذَرَاتِ الذَّهَبِ
(٩٥٥) السؤال: نعرض عليكم مُنْتَجاً غِذائيًّا، هو خلٌّ يحتوي على شذراتٍ من الذَّهَب الخالص، وقد ثبت صحِّيًّا، ومن خلال فحصه في مختبرات وزارة الصحَّة أنَّ تناوله غير ضارٍّ، لذا نرجو بيان الحُكْم الشرعيِّ في:
١ - تناول وتداول هذا المنتج بالنسبة للمستهلكين، لاسيَّما الرِّجال.
٢ - يحتوي الكُتيِّب المرفق معه على وصفة غذائيَّة؛ وهي عبارة عن شِواء
стр. 903
لحم الخنزير يُستخدم فيها هذا الخلُّ؛ فهل يجوزُ إبقاء هذه الوصفة مع المُنتَج أثناء البيع له أو استخدامه؟
الجواب: إذا ثبت أنَّ هذا المنتج غير ضارٍّ بالصحَّة، فإنَّه يجوز تداوله وتناوله. أمَّا الكُتيِّب المُرْفَق فإنَّه لا يجوز إرفاقه به، والله تعالى أعلم.
[مجموعة الفتاوى الشرعية الكويتية (٢٧/ ٣٥٥)]
* * *
إفْرَاغُ الخَمْرِ الَّذِي تَخَلَّلَ مِنْ فَمِ الإِنَاءِ
(٩٥٦) السؤال: هل يُفْرَغُ من فَمِ الإناء الذي تخلَّلت فيه الخَمْر ؟
الجواب: قال بعض الشيوخ -على القول بأنَّ الخَمْر إذا تخلَّلت طهرت-: ينبغي أن لا يُفرَغ من فم الإناء الذي تخلَّلت فيه؛ لأنَّ فمه كان تنجَّس، فيُثقَبُ الإناءُ من قَعْرِه.
وكان ابن عَرَفَة يقول: لا يلزم؛ لأنَّ الحكم بطهارتها إنَّما هو لانقلاب أعراضها، وهكذا يقال فيما تعلَّقَ بفَمِ الإناء، انقلبت أعراضها.
[نوازل باز النوازل، للسجلماسي (١/ ٤٩٤)]
* * *
الخَلُّ المُحْتَوِي عَلَى نِسْبَةٍ مِنَ الكُحُولِ
(٩٥٧) السؤال: لقد اشْتَبَه على كثيرٍ منَّا أمرُ الخلِّ، عِلْماً بأنَّ فيه عندنا في الجزائر درجات كُحول، ولسنا ندري كيف يُصنع؛ فهل يتعدَّى حُكمُه إلى الحُرْمَة بتلك الزيادة من الكُحول، وليس المقصود من الخلِّ شربُه، بل استعمالُه في كثير من الأَطْعِمة، ك الخَسِّ مثلًا؛ فهل يُؤكَل هذا الأَكْل بوُجُودِه فيه أم لا؟
الجواب:
أوَّلًا: الخلُّ إذا كان أصلُه خَمْراً وتخلَّل هذا الخَمْر بفعل آدميٍّ، لا يجوز استعماله، والأصل في ذلك ما رواه مسلم، والترمذي، وأبو داود: (أَنَّ أَبَا
стр. 904
طَلْحَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْراً، قَالَ: أَهْرِقْهَا. قَالَ: أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلًّا؟ قَالَ: لَا).
قال ابن القيِّم رحمه الله تعالى: في هذا بيانٌ واضحٌ أنَّ معالجة الخَمْر حتَّى تصير خلًّا غير جائز، ولو كان إلى ذلك سبيل لكان مال اليتيم أَوْلَى الأموال به؛ لما يجبُ من حِفْظِه وتَثْميره والحَيْطَة عليه، وقد كان نَهَي رسول الله ﷺ عن إضاعة المال، وفي إراقته إضاعته، فعُلِمَ بذلك أنَّ معالجته لا تُطَهِّره ولا تَرُدُّه إلى الماليَّة بحالٍ، وهو قول عمر بن الخطَّاب ﵁، وإليه ذهب الشافعيُّ وأحمد بن حَنْبل.
ثانياً: إذا تخلَّلت الخَمْر بنفسها جاز استعمالها، والأصل في ذلك ما أخرجه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: (نِعْمَ الْإِدَامُ الْخلُّ)، وعموم هذا الحديث مُخصَّصٌ بالحديث السابق في الأمر الأوَّل، قال الإمام مالك ﵀: لا أُحبُّ لمسلمٍ وَرِثَ خَمْراً أن يحبسها يُخلِّلها، ولكن إن فَسَدَت خَمرٌ حتَّى تصير خلًّا لم أَرَ بأَكْلِه بأساً. انتهى.
ثالثاً: إذا كان الخلُّ ليس أصله الخَمْر فلا إشكال في حِلِّه؛ لأنَّ كُلَّ عصير حَمُضَ يُسمَّى خَلًّا.
[فتاوى اللجنة الدائمة (٢٢/ ١٢١)]
* * *
(٩٥٨) السؤال: سَمِعْنا أنَّ الخلَّ كي يُسَرَّع من عمله وصُنْعه يوضع عليه نِسْبة من الكُحول، فهل يجوزُ استعماله؟ عِلْماً بأنَّنا لا نجد فيه رائحة .
الجواب: الخلُّ الذي لا يُسْكِر، من عصير العِنَب أو الرُّمَّان أو غيره، لا بأس به، إلَّا إذا اشتدَّ فإنَّه يُتْرَك؛ لأنَّه صار خَمْراً، أو مَضَى عليه ثلاثة أيَّام، فالأفضل إراقته أو شربه، أمَّا إذا وُضِعَ فيه كُحولٌ مُسْكِرَة -ولو قليلًا- فإنَّه يَحْرُم بذلك إذا كان الشيءُ الموضوع عليه قليلَ الأواني، إذا كان الذي
стр. 905
يُوضَع ممَّا يُسْكِرُ كثيرُه من الأشياء المادِّيَّة التي تُسمَّى [كُحولًا]، يعني يُسْكِرُ كثيرها، إذا وُضِعَت على الإناء الذي فيه الخلُّ، أو الكأس الذي فيه الخلُّ، أو القارورة التي فيها الخلُّ أفْسَدَتْها، أمَّا لو كان الخلُّ كثيراً في أوانٍ كبيرةٍ، أو في محلَّاتٍ كبيرةٍ، ووُضِعَ فيها قَطَراتٌ من كُحولٍ لم تؤثِّر فيه؛ لا رائحةً ولا [طعماً ولا لوناً]، هذا ما يضرُّ، ما يضرُّه إذا كان كثيراً، لكن ما يكون في الأواني الصغيرة؛ في العُلَب، في الكأس، إذا وُضِعَ عليه شيءٌ من الأشياء التي تُسْكِر، يُسْكِرُ كثيرها، مثل المُخدِّرات، فإنَّها تُفْسِدُه، النَّبيُّ ﷺ لمَّا قال في الإناء الذي وَلَغَ فيه الكَلْب، أَمَرَ بإراقته؛ لأنَّ الأواني التي يُؤثِّر فيها الشيء القليل هي الأواني الصغيرة؛ ولوغ الكَلْب، قَطَرات من الخَمْر أو من المُخَدِّرات التي يُسْكِرُ كثيرُها، هذه الأشياء الصغيرة تُراق؛ لأنَّه يؤثِّر فيها في الغالب، أمَّا إذا كان كثيراً، فلا يُراق إلَّا إذا تغيَّر طعمُه، أو لونه، أو ريحه.
المذيع: إنَّما هذا الكُحول إن ثبت أنَّ هناك نسبة معيَّنة من الكُحول فلا يجوز استعمال هذا الخلِّ؟
الشيخ: إذا كان مُسْكِراً، إذا كانت [كُحولًا] مُسْكِرَة، والخلُّ قليل، مثل الأواني، ما يكون في الأواني.
[الفتاوى الصوتية للشيخ ابن باز (الموقع)]
* * *
قَرَارُ المَجْلِسِ الأُورُوبِّي بِشَأْنِ الخَلِّ المَصْنُوعِ مِنَ الخَمْرِ
الخَمْر إذا تخلَّلت -أي تحوَّلت إلى خلٍّ- بنفسها فهي حلالٌ وطاهرةٌ بالإجماع، وإذا كانت تخلَّلت بمعالجةٍ وعَمَلٍ متعمَّدٍ؛ كوضع ملح، أو خبز، أو بصل، أو خلٍّ، أو مادَّة كيميائيَّة معيَّنة، فقد اختلف فيها الفقهاء؛ فمنهم من قال: تَطْهُر ويَحِلُّ الانتفاع بها؛ لانقلاب عَيْنِها وزوال الوصف المُفْسِدِ
стр. 906
فيها، ومنهم من قال: لا تَطْهُر، ولا يَحِلُّ الانتفاع بها، لأنَّا أُمِرْنا باجتنابها، وفي التحليل اقترابٌ منها، فلا يجوز.
وبعد أن استعرض المجلسُ أدلَّة الفريقين خَلُصَ إلى ترجيح المذهب الأوَّل؛ وهو طهارة الخلِّ وحِلُّ الانتفاع به؛ وذلك لأنَّ التخليل -مثل التخلُّل- يُزيل الوصف المُفسِدَ وهو الإسْكار، ويُثبِتُ وصف الصلاحيَّة؛ لأنَّ فيه مصلحة التغذِّي والتداوي وغيرهما، ولأنَّ علَّة التنجيس والتحريم هي الإسْكار، وقد زالت، و (الحُكمُ يَدورُ مع عِلَّتِه وُجوداً وعَدَماً)، تأكَّد هذا بقوله ﵊: (نِعْمَ الْإِدَامُ الخَلُّ)، من غير تفريقٍ بين خَلٍّ وآخر، ولا طُلِبَ مِنَّا البحث عن أصله ماذا كان.
وما رُوِيَ بخلاف ذلك ممَّا يدلُّ على المنع من تخليلها، فإنَّما هو من باب الرَّدْع والتشديد عليهم في أوَّل الأمر؛ حتَّى لا يتهاونوا فيها بحال.
[موقع المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، القرار رقم ١٢ (٧/ ٤)]
стр. 907
ثانياً: الإنفحة (١):
أَكْلُ الجُبْنِ المَصْنُوعِ مِنْ إِنْفَحَةِ العِجْلِ
(٩٥٩) السؤال: بعضُ الأَجْبان يُكتبُ عليها بأنَّ إحدى مكوِّناتها إنْفَحَة العِجْل، وسَمِعْنا بأنَّه حَرامٌ أَكْلُها؛ لأنَّها من أَمْعاء العِجْل، ولا نَدْري هل ذُكِّيَ التذكية الشرعيَّة أم لا؟ وخصوصاً الأجْبان العربيَّة والإسلاميَّة .
أفتونا مأجورين حول جواز الأَكْل منها، شاكرين لكم حُسْن تعاونكم معنا، وجزاكم الله خيراً. والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الجواب: إنْفَحَة العِجْل المُذكَّى ذكاةً شرعيَّةً، وكذلك إنْفَحَة الجَدْي والخروف، وغير ذلك من الحيوانات المأكولة اللَّحم طاهرةٌ باتِّفاق الفقهاء، ويجوز صُنْعُ الجُبْن بها. وذهب بعضُ الفقهاء إلى طهارة إنْفَحَة الحيوان الميِّت أيضاً.
وعليه؛ فلا مانع شرعا من أَكْل الجُبْن المصنوع بإنْفَحَة العِجْل كما تقدَّم. والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٣٩)]
* * *
أَكْلُ الجُبْنِ المَصْنُوعِ مِنْ إِنْفَحَة البَقَرِ
(٩٦٠) السؤال: ما حُكمُ أَكْل الجُبْن المصنوع من إنْفَحَة البَقَر ؟
الجواب: لا حَرَج في أَكْل الأَجْبان المصنوعة من إنْفَحَة البَقَر، ولا يجب السؤال عنها؛ فإنَّ المسلمين ما زالوا يأكلون من أَجْبان الكُفَّار من عهد الصحابة، ولم يسألوا عن نوع الإنْفَحَة، فإذا عُلِمَ يقيناً أنَّ هذه الإنْفَحَة تُستَخدَم من أبقارٍ لم تُذْبَح على الطريقة الشرعيَّة فإنَّه يَحرْمُ حينئذٍ تناولها، وإذا شُكَّ في شيءٍ منها هل يَحِلُّ أو يَحرُم؟ بالنظر
стр. 908
لما احْتَفَّ به من المُلابَسات والقرائن، فالاحتياطُ تَرْكُه؛ لقوله ﷺ : (دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك).
[فتاوى اللجنة الدائمة (٢٢/ ٢٦٥)]
* * *
أَكْلُ الأَجْبَانِ المُصَنَّعَةِ مِنَ المِنْفَحَةِ في الدُّوَلِ الغَرْبِيَّةِ
(٩٦١) السؤال: هل يجوزُ أَكْلُ الأَجْبَان المُصَنَّعَة من المِنْفحَةِ -وهي مادَّة تُساعِدُ في صناعة الجُبْن- في الدُّول الغَرْبيَّة ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله ﷺ .
لا حَرَج في أَكْل الأَجْبان المصنَّعة في الدول الغربيَّة، ولا يكلَّف المسلم بتتبُّع مصدر الإنْفَحَة التي دخلت في صناعة الجُبْن؛ إذ الأصل في طعامهم الحِلُّ، قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وقد سُئل سيِّدنا عبد الله بن عمر ﵄ عن الجُبْن فقال: (كُلْ مَا صَنَعَ المُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الْكِتَابِ) رواه البيهقي في (السنن الكبرى).
بل جاء في كتاب (نهاية المحتاج) للإمام الرَّملي (١/ ٢٤٥): «يُعْفى عن الجُبْن المعمول بالإنْفَحَة من حيوانٍ تغذَّى بغير اللَّبن؛ لعموم البَلْوَى به في هذا الزمان كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى؛ إذ من القواعد أنَّ (المشقَّة تَجْلِبُ التَّيسير)، وأنَّ (الأمرَ إذا ضاقَ اتَّسَعَ)».
وعليه؛ فيُباح تناول الأجْبان المُصنَّعة في الغَرْب، كما روى أبو داود عن ابن عمر قال: (أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِجُبْنَةٍ فِي تَبُوكَ، فَدَعَا بِسِكِّينٍ، فَسَمَّى وَقَطَعَ). وأمَّا إذا عُلِمَ أنَّها أُخِذت من حيوان مَيْتةٍ أو مُحرَّم، لم يَجُزْ أَكْلُها. والله تعالى أعلم.
[فتاوى دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٣٣١٧)]
стр. 909
الأَكْلُ مِنَ الجُبْنِ المَصْنُوعِ مِنْ إِنْفَحَةِ الخِنْزِيرِ
(٩٦٢) السؤال: ما حكم الجُبْن المصنوع من إنْفَحَة الخنزير ؟
الجواب: المأكولات التي تدخل في تركيبها موادُّ مُحرَّمة؛ كأجزاء المَيْتةِ، ولحوم الحيوانات المُحرَّمة؛ كالخنزير ونحوه، يَحرُمُ أَكْلُها؛ لقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ... ﴾ الآية [سورة المائدة الآية ٣]، وهذا يشمل ما كان كُلُّه من اللُّحوم المُحَرَّمة، أو ما كان بعضُه منها. وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم.
[فتاوى اللجنة الدائمة (٢٢/ ٢٦٦)]
* * *
اسْتِخْدَامُ البَكْتِيرْيَا المَأْخُوذَةِ مِنْ بُرَازِ الصَّبِيِّ لِصِنَاعَةِ الزَّبَادِي
(٩٦٣) في ١٦ من مارس لعام ٢٠٠٤ م عقد مجلس الفتوى الوطني الماليزي الجلسة (٦٢) للمباحثة في حكم استخدام البكتريا المأخوذة من بُراز الصبيِّ كمادَّة مُنشِّطة في صناعة الزَّبادي . وأصدر المجلس قراره بإجازة استخدام البكتيريا المعزولة من أيِّ بُرازٍ كمادَّة مُنشِّطة في صناعة الزَّبادي، بشرط أن تتمَّ عمليَّة العَزْل والتقنيَّة وفقا للشريعة الإسلاميَّة؛ لأنَّ حكم البكتيريا في بُرازِ الصبيِّ هو متنجِّس.
[قرارات مذاكرة لجنة الفتوى بالمجلس الوطني للشؤون الإسلاميَّة الماليزية (ص ٩٠)]
* * *
عَمَلُ الجُبْنِ بإِنْفَحَةِ الحَيْوانِ المُتَغَذِّي بِغَيْرِ اللَّبَنِ
(٩٦٤) السؤال: ما عَمَّتْ به البَلْوَى مِنْ عَمَلِ الجُبْن بإنْفَحَة الحيوان المُتغَذِّي بغير اللَّبَن؛ هل يُعفَى عن ذلك؛ لعُموم البَلْوَى به، ومَشَقَّة الاحتراز عنه، أو لا ؟
стр. 910
الجواب: يُعفَى عن ذلك؛ لما ذُكِرَ في السؤال؛ إذ من القواعد أنَّ (المشقَّة تَجلِبُ التَّيسير)، وأنَّ (الأَمرَ إذا ضاقَ اتَّسَع)، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقد صرَّح الأئمَّة بالعَفْو عن النَّجاسة في مسائل كثيرةٍ، المشقَّة فيها أخَفُّ من هذه المشقَّة.
[فتاوى الرملي (١/ ٧٢)]
* * *
قَرَارُ مَجْمَعِ الفِقْهِ الإِسْلامِيِّ الدَّوْلِيِّ
بِشَأْنِ الاسْتِحَالَةِ وَالاسْتِهْلاكِ في المَوَادِّ الإِضَافِيَّةِ في الغِذَاءِ وَالدَّوَاءِ
(٩٦٥) جاء في القرار ممَّا يتعلَّقُ بالجُبْن المُصنَّع من الإنْفَحَة ما يلي:
- حُرْمَةُ إنْفَحَة الخنزير ونجاستها.
- إذا كانت الإنْفَحَة من حيوان مأكول اللَّحم مُذَكًّى، فتُعَدُّ طاهرةً حلالًا.
- إذا كانت الإنْفَحَة من حيوان غير مُذَكًّى، أو من مَيْتةٍ، فيَرَى أغلبُ المشاركين عدم طهارتها وحِلِّها، ويَرَى بعضُ المشاركين طهارتها.
- يجوز استخدام الإنْفَحَة المُحَضَّرة بواسطة الهندسة الوراثيَّة للجِينِ الذي يُنْتِجُ الإنْفَحَة.
[موقع مجمع الفقه الإسلامي الدولي (٢٢/ ٦) (رقم ٢١٠)]
* وانظر: فتوى رقم (٢٠٧)
стр. 911
ثالثاً: الكُحول:
طَهَارَةُ الاسْبِرْتُو وَنَجَاسَتُهُ
(٩٦٦) السؤال: الاسْبِرْتُو هل هو نَجِسٌ أم لا؟ وإذا كان نَجِساً فما العِلَّة في نَجاسَتِه ؟
الجواب: أمَّا الاسبرتو فيُتَّخذ من أشياء كثيرة؛ مثل القَصَب والبَنْجَر.
ونهاية ما يُقال فيه: إنَّه إن كان مُسْكِراً، أو لم يكن أصله النيِّئُ من ماء العِنَب، يجري فيه الخلاف الذي ذُكِرَ في الأَشْرِبة المُحرَّمة غير الخَمْر؛ ففي (الدُّرِّ) من باب الأنجاس -بعد الكلام على الخَمْر- ما نصُّه: «وفي باقي الأَشْرِبة روايات التغليظ، والتخفيف، والطهارة، ورجَّح في (البحر) الأوَّل، و (النهر) الأوسط». انتهى
[فتاوى دار الإفتاء المصرية (٣/ ٨٢٥ - ٨٢٦)]
* * *
(٩٦٧) السؤال: قد اختَلَفَ عُلماء المَنْصورَة في نجاسة الاسْبِيرْتُو مِنْ عَدَمِه؛ فبعضُهم يحُكمُ بنجاسَتِه، والبعضُ الآخرُ يحكمُ بطهارَتِه. وقد اشتدَّ بينهم الخلاف في ذلك، ولا ندري أيُّهما أصوَبُ في الحُكم ؛ فلَجَأْنا إلى فضيلتكم راجين التَّفضُّل بفتوى فضيلتكم في هذه المسألة شرحاً على هذا؛ للوقوف على الحقيقة في هذا الموضوع.
الجواب: نُفِيد أوَّلًا: إنَّ الكُؤل -الاسبيرتو- ليس بخَمْرٍ حتَّى يكون نَجِساً نجاسةَ العَيْن، ولا هو شيئا من الأشْرِبَة المُسْكِرَة غير الخَمْر التي اختلفوا في نجاستها وطهارتها، بل هو سُمٌّ زُعافٌ مثل سائر السُّموم، ولم يَقُلْ أحدٌ من العُلماء بنجاسةِ السُّمِّ؛ وإنَّما حَرُمَ تناول السُّمِّ؛ لأنَّه مُهْلِكٌ. هذا إذا جَهِلْنا مصدر الاسبيرتو، ومن أيِّ شيءٍ استحضروه.
ونُفِيد ثانياً: إنَّ العُنْصر الفَعَّال المُوجِب للإسْكار في جميع المُسْكِرات
стр. 912
على اختلاف أنواعها هو الكُؤل، وأنَّ التَّخَمُّر لا يمكن حصوله إلَّا إذا كان في العَيْن المُتخَمِّرة خَميرةٌ تُحدِثُ التَّخمُّر مع مادَّة سُكَّريَّة، وأنَّ الخالي من المادَّة السُّكَّريَّة لا يمكن تَخمُّرُه مهما طال زمن مُكْثِه؛ كالحَنْظَل.
أمَّا ما كان فيه مادَّة سُكَّريَّة فيَتَخَمَّر، وإن تَخمَّر فهو عبارة عن استحالة المادَّة السُّكَّريَّة إلى ما يُسمَّى بالكُؤل، وإلى حمض كَرْبونيك؛ فيصير مُسْكِراً بسبب هذا الكُؤل؛ لأنَّه هو المُحدِثُ للإسْكار. وقد أثبتوا أنَّ الطَّبْخَ بالنَّار يُعدِمُ الكُؤل، فإذا عَلِمْتَ أنَّ سبب الإسْكار هو العُنصر المُسمَّى كُؤلاً -اسبيرتو-؛ فنقولُ: إنَّهم إذا استخرجوه من الأشْرِبة المُسْكِرَة، أو من بعض الحُبوب أو الأخشاب، فهو بانفراده لا يُسْكِرُ، لكنَّه يُؤذي؛ فإذا شَرِبَهُ صِرْفاً إمَّا أن يقع في سُباتٍ، وإمَّا أن يَذْهَب عَقْلُه، فإذا أُريدَ تحويلُه للإسْكار مَزَجوه بثلاثة أمثاله ماءً، ثمَّ اسْتَقْطَروه، وهو العَرَقُ المعروف الشَّائع بَيْعُه في أكثر الحانات.
ونُفيد ثالثاً: إنَّهم كانوا يستخرجون الاسبيرتو من الخَمْر، ومن كُلِّ الأشربة المُسْكِرَة، ولمَّا كَثُرَ استعمالُه في الطِّبِّ والصَّنائع، واتَّسعَت تجارتُه، صاروا يَستحضِرونَه من الفواكه والخُضْراوات والبُقول والحُبوب، بل ويَستَحضِرونَه أيضاً من الأخشاب.
وعلى ذلك نقول: ما كان مُستَحضَراً من الخَمْر أو من الأشْرِبَة المُسْكِرَة غير الخَمْر يُعطَى حُكمَها نجاسةً وطهارةً.
وما كان مُستَحضَراً من الثِّمار والحُبوب والأخشاب فهو طاهِرٌ، وهذا الصِّنف هو الرَّائِج والغالِب استعمالُه في المتاجِر على ما بَلَغَنا ممَّن بحثوا عنه.
بقي ما لو أضافوا الاسبيرتو على الأدوية، وعلى الرَّوائح العِطريَّة كالكُلونْيا؛ لإصلاحها؛ فهل يُعْفَى عنه؟
стр. 913
فنقول: أمَّا الاسبيرتو المأخوذ من الأشياء الطاهرة؛ كالحُبوب والأخشاب؛ فالأدوية والرَّوائح العِطريَّة المخلوطة به طاهرةٌ، وأمَّا الاسبيرتو المستخرجُ من الأشياء المُتخَمِّرَة -وهي الخُمور-؛ فإنْ تَلاشَى فيها أو تَحَوَّل من طَبْعِه؛ فالظَّاهِرُ أنَّه لا بأس به؛ يدلُّ على ذلك ما نقله في (التتارخانيَّة) عن (المحيط) قال ما نصُّه: «أبو يوسُفَ عن أبي حنيفةَ [في] رَجُلٍ اتَّخذَ [مُرِّيًّا] من سَمَكٍ ومِلْحٍ وخَمْرٍ، قال: إذا صار [مُرِّيًّا] فلا بأس به، بالأثر الذي جاء عن أبي الدَّرداء. وأبو يوسُف ﵀ يقول كذلك إلَّا في خصلةٍ واحدةٍ؛ أنَّ السَّمَك إذا كان هو الغالب، والخَمْر قليلٌ، وأراد أن يتناول شيئاً، [ليس له ذلك]، وهو كالخُبْز إذا عُجِنَ بالخَمْر، و [إن] كان الخَمْر غالباً، [وتحوَّلت] الخَمْر عن طَبْعِها إلى [المُرِّي] فلا بأس بذلك».
وفيه أيضاً عن أبي يوسف: «أنَّ رَجُلاً اتَّخَذَ من الخَمْر طِيباً، وألقى فيه أَفاوِيه، لا يَحِلُّ له أن يتَطَيَّب به، [وأن] يمْتَشِط به، ولا يَحِلُّ له بيعُها، وكذا ما خالط الخَمْر من الإِدام؛ فإنَّ الخَمْر يُحرِّمُه، ما خَلَا خصلة واحدة؛ أن يكون الخَمْر غالباً، فيحوَّل عن طباعِها إلى الخَلِّ أو [المُرِّي]. اهـ».
ومن هذا الذي ذكرناه يُعلَم أنَّ الاسبيرتو في الغالب إنَّما يُؤخَذ من غير الأشْرِبَة المُحرَّمة عند الحنفيَّة، أو من الأشْرِبَة ممَّا هو طاهرٌ كالأخشاب -كما مرَّ تفصيلُه-، وأنَّ ما وضع في مثل الكُلونيا ونحوها صار مُستَهلَكاً فيها، وتحوَّل إلى شيء آخر؛ وحينئذٍ لا يَشكُّ أحدٌ في طهارتها؛ فالرَّوائح العِطريَّة التي يُوضَع فيها الاسبيرتو، وهي نظيرُ ما يُستهلَكُ من النَّجاسات في المَصْبَنَة التي يُتَّخَذُ فيها الصَّابون، كما أنَّه ليس كُلُّ مُتخَمِّرٍ عند الحنفيَّة نَجِساً؛ بل الذي يَنْجُسُ بالتَّخَمُّر عندهم وعند مَنْ وافَقَهُم من الأئمَّة:
стр. 914
هو ما أُخِذَ من عصير العِنَبِ، أو الزَّبيب، أو البَلَح -تَمْراً أو بُسْراً- إذا لم يُطبَخ بالقَدْر المُزيل لنَجاسَتِه، وأمَّا الأشْرِبَة المُسْكِرَة المأخوذَة من غير عصير العِنَب، أو الزَّبيب، أو البَلَح -تَمْراً أو بُسْراً-، فهي وإن كانت مُحرَّمةً؛ لإسْكارِها، لكنَّها طاهرةٌ عندهم وعند مَنْ وافَقَهُم، فالكُؤل المأخوذ منها طاهِرٌ، وهذا الحُكم بالطَّهارة وإن كان مذهب الحنفيَّة ومُوافِقِيهم من الأئمَّة؛ لكنَّ العامِّيَّ الذي لم يَبْلُغ مَرْتَبة الاجتهاد فلا مذهب له، بل له أن يُقلِّد أيَّ مذهبٍ شاء ويعمل به من مذاهب المجتهدين.
وبناءً على ذلك؛ فمَنْ يقولُ بنجاسة الاسبيرتو المأخوذ من الأشياء المُختَلَفِ فيها، فهو وإن كان قائلاً بنجاسَتِه مذهباً، لكنَّه يقول بطهارَتِه تقليداً لمذهب المجتهدين الذين يقولون بذلك تقليداً؛ لأنَّ التَّقليد جائزٌ إجماعاً. فمتى وافَقَ عَمَلُ العامِّيِّ مَذْهباً من مذاهب المجتهدين ممَّن يقول بالحِلِّ أو بالطَّهارَةِ، كَفَاهُ ذلك، ولا إثمَ عليه اتِّفاقاً، ولا يجوزُ النَّهيُ إلَّا إذا أجمعوا على الحُرْمَة، وفي غير موضع الإجماع لا أمْرَ ولا نَهْيَ. والله أعلم.
[فتاوى الشيخ بخيت المطيعي (١/ ٢٢٣ - ٢٢٥)]
* * *
(٩٦٨) السؤال: سمعتُ من بعضِ النَّاس أنَّ السِّبِرْتُو نَجِسٌ؛ فهل هذا صحيحٌ؟ وهل الخَمْر نَجِسَةُ العَيْنِ ؟
الجواب: كانت لجنة الفتوى بالأزهر قد سُئِلَت مثل هذا السؤال؛ فأجابت بأنَّ الكُحُولَ (السِّبِرْتُو) -على ما قاله غير واحدٍ من العُلماء- ليس بنَجِسٍ، وعلى ذلك فالأشياءُ التي يُضاف إليها الكُحول لا تَنْجُس به، وهذا هو ما نختارُه؛ لقُوَّة دليله، ولدفع الحَرَج اللَّازم للقول بنجاسَتِه.
وأمَّا الخَمْر؛ فهي نَجِسَةُ العَيْن في
стр. 915
مذهب أبي حنيفة؛ لأنَّ القرآن وَصَفَها بأنَّها رِجْسٌ، والرِّجْسُ هو الحَرامُ لعَيْنه، ولأنَّ الحديثَ يقول: (حُرِّمَتِ الخَمْر لِعَيْنِهَا)، ولذلك يَحرُم الانتفاع بها لنَجاسَتها ما دامت خَمْراً.
وتَطْهُر الخَمْر ويَطْهُر إناؤُها تَبَعاً لها إذا استحالَت عَينُها؛ بأن صارت خَلًّا؛ حيث يَزولُ عنها وَصْفُ كَوْنها خَمْراً -وهو المَرارَة والإِسْكار-، ويجوزُ تَخْليلُها -أي جَعْلُها خَلًّا- ولو بإلقاء شيءٍ فيها؛ كالمِلْح أو الماء، وإذا اختَلَطَت الخَمْر بالخَلِّ حامِضاً طَهُرَ وإن غَلَبَ الخَمْر. والله ﵎ أعلم.
[يسألونك في الدين والحياة للشرباصي (٢/ ٣٠ - ٣١)]
* وانظر: فتوى رقم (١٠٤٣)
* * *
إِضَافَةُ نِسْبَةٍ ضَئِيلَةٍ مِنِ الكُحُولِ الإِيثِيلِي إِلَى المُنْتَجَاتِ الغِذَائِيَّةِ
(٩٦٩) السؤال: اطَّلعنا على الطلب المقيَّد برقم ١٢٩٩ لسنة ٢٠٠٨ م المتضمن:
من مُنْطَلَق حِرْص والْتِزام الشركة بتنفيذ وتطبيق المواصفات المصريَّة والقوانين الغذائيَّة في مصر، وحيث إنَّ الشركة بصدد استيراد مُنْتَج لِبَان من تركيا تبيَّن من التحليل النهائيِّ له وجود نسبة من كُحول (الإيثانول) تتراوح بين اثنين من مائة بالمائة، وخمسة من مائة بالمائة. فما شرعيَّة ذلك من عدمه؟
الجواب: ليست كُلُّ نسبةٍ من الخَمْر توضَع في شيءٍ وتُخلَط به تَجعَلُ تناوله حَراماً؛ بل النِّسْبَة التي تؤثِّر الحُرمَةَ هي التي تكون بحيث إذا شَرِبَ الشخص من هذا المُخْتَلِط بالخَمْر -ولو كان كثيراً جدًّا- سَكِر، أمَّا إذا كانت نسبةً ضئيلةً جدًّا، بحيث لا تُؤثِّر في شاربها سُكْراً، ولو شَرِبَ من الخليط كَمًّا كبيراً جدًّا، فلا يكون هذا