ثالثاً: الكُحول:
طَهَارَةُ الاسْبِرْتُو وَنَجَاسَتُهُ
(٩٦٦) السؤال: الاسْبِرْتُو هل هو نَجِسٌ أم لا؟ وإذا كان نَجِساً فما العِلَّة في نَجاسَتِه ؟
الجواب: أمَّا الاسبرتو فيُتَّخذ من أشياء كثيرة؛ مثل القَصَب والبَنْجَر.
ونهاية ما يُقال فيه: إنَّه إن كان مُسْكِراً، أو لم يكن أصله النيِّئُ من ماء العِنَب، يجري فيه الخلاف الذي ذُكِرَ في الأَشْرِبة المُحرَّمة غير الخَمْر؛ ففي (الدُّرِّ) من باب الأنجاس -بعد الكلام على الخَمْر- ما نصُّه: «وفي باقي الأَشْرِبة روايات التغليظ، والتخفيف، والطهارة، ورجَّح في (البحر) الأوَّل، و (النهر) الأوسط». انتهى
[فتاوى دار الإفتاء المصرية (٣/ ٨٢٥ - ٨٢٦)]
* * *
(٩٦٧) السؤال: قد اختَلَفَ عُلماء المَنْصورَة في نجاسة الاسْبِيرْتُو مِنْ عَدَمِه؛ فبعضُهم يحُكمُ بنجاسَتِه، والبعضُ الآخرُ يحكمُ بطهارَتِه. وقد اشتدَّ بينهم الخلاف في ذلك، ولا ندري أيُّهما أصوَبُ في الحُكم ؛ فلَجَأْنا إلى فضيلتكم راجين التَّفضُّل بفتوى فضيلتكم في هذه المسألة شرحاً على هذا؛ للوقوف على الحقيقة في هذا الموضوع.
الجواب: نُفِيد أوَّلًا: إنَّ الكُؤل -الاسبيرتو- ليس بخَمْرٍ حتَّى يكون نَجِساً نجاسةَ العَيْن، ولا هو شيئا من الأشْرِبَة المُسْكِرَة غير الخَمْر التي اختلفوا في نجاستها وطهارتها، بل هو سُمٌّ زُعافٌ مثل سائر السُّموم، ولم يَقُلْ أحدٌ من العُلماء بنجاسةِ السُّمِّ؛ وإنَّما حَرُمَ تناول السُّمِّ؛ لأنَّه مُهْلِكٌ. هذا إذا جَهِلْنا مصدر الاسبيرتو، ومن أيِّ شيءٍ استحضروه.
ونُفِيد ثانياً: إنَّ العُنْصر الفَعَّال المُوجِب للإسْكار في جميع المُسْكِرات
стр. 912
على اختلاف أنواعها هو الكُؤل، وأنَّ التَّخَمُّر لا يمكن حصوله إلَّا إذا كان في العَيْن المُتخَمِّرة خَميرةٌ تُحدِثُ التَّخمُّر مع مادَّة سُكَّريَّة، وأنَّ الخالي من المادَّة السُّكَّريَّة لا يمكن تَخمُّرُه مهما طال زمن مُكْثِه؛ كالحَنْظَل.
أمَّا ما كان فيه مادَّة سُكَّريَّة فيَتَخَمَّر، وإن تَخمَّر فهو عبارة عن استحالة المادَّة السُّكَّريَّة إلى ما يُسمَّى بالكُؤل، وإلى حمض كَرْبونيك؛ فيصير مُسْكِراً بسبب هذا الكُؤل؛ لأنَّه هو المُحدِثُ للإسْكار. وقد أثبتوا أنَّ الطَّبْخَ بالنَّار يُعدِمُ الكُؤل، فإذا عَلِمْتَ أنَّ سبب الإسْكار هو العُنصر المُسمَّى كُؤلاً -اسبيرتو-؛ فنقولُ: إنَّهم إذا استخرجوه من الأشْرِبة المُسْكِرَة، أو من بعض الحُبوب أو الأخشاب، فهو بانفراده لا يُسْكِرُ، لكنَّه يُؤذي؛ فإذا شَرِبَهُ صِرْفاً إمَّا أن يقع في سُباتٍ، وإمَّا أن يَذْهَب عَقْلُه، فإذا أُريدَ تحويلُه للإسْكار مَزَجوه بثلاثة أمثاله ماءً، ثمَّ اسْتَقْطَروه، وهو العَرَقُ المعروف الشَّائع بَيْعُه في أكثر الحانات.
ونُفيد ثالثاً: إنَّهم كانوا يستخرجون الاسبيرتو من الخَمْر، ومن كُلِّ الأشربة المُسْكِرَة، ولمَّا كَثُرَ استعمالُه في الطِّبِّ والصَّنائع، واتَّسعَت تجارتُه، صاروا يَستحضِرونَه من الفواكه والخُضْراوات والبُقول والحُبوب، بل ويَستَحضِرونَه أيضاً من الأخشاب.
وعلى ذلك نقول: ما كان مُستَحضَراً من الخَمْر أو من الأشْرِبَة المُسْكِرَة غير الخَمْر يُعطَى حُكمَها نجاسةً وطهارةً.
وما كان مُستَحضَراً من الثِّمار والحُبوب والأخشاب فهو طاهِرٌ، وهذا الصِّنف هو الرَّائِج والغالِب استعمالُه في المتاجِر على ما بَلَغَنا ممَّن بحثوا عنه.
بقي ما لو أضافوا الاسبيرتو على الأدوية، وعلى الرَّوائح العِطريَّة كالكُلونْيا؛ لإصلاحها؛ فهل يُعْفَى عنه؟
стр. 913
فنقول: أمَّا الاسبيرتو المأخوذ من الأشياء الطاهرة؛ كالحُبوب والأخشاب؛ فالأدوية والرَّوائح العِطريَّة المخلوطة به طاهرةٌ، وأمَّا الاسبيرتو المستخرجُ من الأشياء المُتخَمِّرَة -وهي الخُمور-؛ فإنْ تَلاشَى فيها أو تَحَوَّل من طَبْعِه؛ فالظَّاهِرُ أنَّه لا بأس به؛ يدلُّ على ذلك ما نقله في (التتارخانيَّة) عن (المحيط) قال ما نصُّه: «أبو يوسُفَ عن أبي حنيفةَ [في] رَجُلٍ اتَّخذَ [مُرِّيًّا] من سَمَكٍ ومِلْحٍ وخَمْرٍ، قال: إذا صار [مُرِّيًّا] فلا بأس به، بالأثر الذي جاء عن أبي الدَّرداء. وأبو يوسُف ﵀ يقول كذلك إلَّا في خصلةٍ واحدةٍ؛ أنَّ السَّمَك إذا كان هو الغالب، والخَمْر قليلٌ، وأراد أن يتناول شيئاً، [ليس له ذلك]، وهو كالخُبْز إذا عُجِنَ بالخَمْر، و [إن] كان الخَمْر غالباً، [وتحوَّلت] الخَمْر عن طَبْعِها إلى [المُرِّي] فلا بأس بذلك».
وفيه أيضاً عن أبي يوسف: «أنَّ رَجُلاً اتَّخَذَ من الخَمْر طِيباً، وألقى فيه أَفاوِيه، لا يَحِلُّ له أن يتَطَيَّب به، [وأن] يمْتَشِط به، ولا يَحِلُّ له بيعُها، وكذا ما خالط الخَمْر من الإِدام؛ فإنَّ الخَمْر يُحرِّمُه، ما خَلَا خصلة واحدة؛ أن يكون الخَمْر غالباً، فيحوَّل عن طباعِها إلى الخَلِّ أو [المُرِّي]. اهـ».
ومن هذا الذي ذكرناه يُعلَم أنَّ الاسبيرتو في الغالب إنَّما يُؤخَذ من غير الأشْرِبَة المُحرَّمة عند الحنفيَّة، أو من الأشْرِبَة ممَّا هو طاهرٌ كالأخشاب -كما مرَّ تفصيلُه-، وأنَّ ما وضع في مثل الكُلونيا ونحوها صار مُستَهلَكاً فيها، وتحوَّل إلى شيء آخر؛ وحينئذٍ لا يَشكُّ أحدٌ في طهارتها؛ فالرَّوائح العِطريَّة التي يُوضَع فيها الاسبيرتو، وهي نظيرُ ما يُستهلَكُ من النَّجاسات في المَصْبَنَة التي يُتَّخَذُ فيها الصَّابون، كما أنَّه ليس كُلُّ مُتخَمِّرٍ عند الحنفيَّة نَجِساً؛ بل الذي يَنْجُسُ بالتَّخَمُّر عندهم وعند مَنْ وافَقَهُم من الأئمَّة:
стр. 914
هو ما أُخِذَ من عصير العِنَبِ، أو الزَّبيب، أو البَلَح -تَمْراً أو بُسْراً- إذا لم يُطبَخ بالقَدْر المُزيل لنَجاسَتِه، وأمَّا الأشْرِبَة المُسْكِرَة المأخوذَة من غير عصير العِنَب، أو الزَّبيب، أو البَلَح -تَمْراً أو بُسْراً-، فهي وإن كانت مُحرَّمةً؛ لإسْكارِها، لكنَّها طاهرةٌ عندهم وعند مَنْ وافَقَهُم، فالكُؤل المأخوذ منها طاهِرٌ، وهذا الحُكم بالطَّهارة وإن كان مذهب الحنفيَّة ومُوافِقِيهم من الأئمَّة؛ لكنَّ العامِّيَّ الذي لم يَبْلُغ مَرْتَبة الاجتهاد فلا مذهب له، بل له أن يُقلِّد أيَّ مذهبٍ شاء ويعمل به من مذاهب المجتهدين.
وبناءً على ذلك؛ فمَنْ يقولُ بنجاسة الاسبيرتو المأخوذ من الأشياء المُختَلَفِ فيها، فهو وإن كان قائلاً بنجاسَتِه مذهباً، لكنَّه يقول بطهارَتِه تقليداً لمذهب المجتهدين الذين يقولون بذلك تقليداً؛ لأنَّ التَّقليد جائزٌ إجماعاً. فمتى وافَقَ عَمَلُ العامِّيِّ مَذْهباً من مذاهب المجتهدين ممَّن يقول بالحِلِّ أو بالطَّهارَةِ، كَفَاهُ ذلك، ولا إثمَ عليه اتِّفاقاً، ولا يجوزُ النَّهيُ إلَّا إذا أجمعوا على الحُرْمَة، وفي غير موضع الإجماع لا أمْرَ ولا نَهْيَ. والله أعلم.
[فتاوى الشيخ بخيت المطيعي (١/ ٢٢٣ - ٢٢٥)]
* * *
(٩٦٨) السؤال: سمعتُ من بعضِ النَّاس أنَّ السِّبِرْتُو نَجِسٌ؛ فهل هذا صحيحٌ؟ وهل الخَمْر نَجِسَةُ العَيْنِ ؟
الجواب: كانت لجنة الفتوى بالأزهر قد سُئِلَت مثل هذا السؤال؛ فأجابت بأنَّ الكُحُولَ (السِّبِرْتُو) -على ما قاله غير واحدٍ من العُلماء- ليس بنَجِسٍ، وعلى ذلك فالأشياءُ التي يُضاف إليها الكُحول لا تَنْجُس به، وهذا هو ما نختارُه؛ لقُوَّة دليله، ولدفع الحَرَج اللَّازم للقول بنجاسَتِه.
وأمَّا الخَمْر؛ فهي نَجِسَةُ العَيْن في
стр. 915
مذهب أبي حنيفة؛ لأنَّ القرآن وَصَفَها بأنَّها رِجْسٌ، والرِّجْسُ هو الحَرامُ لعَيْنه، ولأنَّ الحديثَ يقول: (حُرِّمَتِ الخَمْر لِعَيْنِهَا)، ولذلك يَحرُم الانتفاع بها لنَجاسَتها ما دامت خَمْراً.
وتَطْهُر الخَمْر ويَطْهُر إناؤُها تَبَعاً لها إذا استحالَت عَينُها؛ بأن صارت خَلًّا؛ حيث يَزولُ عنها وَصْفُ كَوْنها خَمْراً -وهو المَرارَة والإِسْكار-، ويجوزُ تَخْليلُها -أي جَعْلُها خَلًّا- ولو بإلقاء شيءٍ فيها؛ كالمِلْح أو الماء، وإذا اختَلَطَت الخَمْر بالخَلِّ حامِضاً طَهُرَ وإن غَلَبَ الخَمْر. والله ﵎ أعلم.
[يسألونك في الدين والحياة للشرباصي (٢/ ٣٠ - ٣١)]
* وانظر: فتوى رقم (١٠٤٣)
* * *
إِضَافَةُ نِسْبَةٍ ضَئِيلَةٍ مِنِ الكُحُولِ الإِيثِيلِي إِلَى المُنْتَجَاتِ الغِذَائِيَّةِ
(٩٦٩) السؤال: اطَّلعنا على الطلب المقيَّد برقم ١٢٩٩ لسنة ٢٠٠٨ م المتضمن:
من مُنْطَلَق حِرْص والْتِزام الشركة بتنفيذ وتطبيق المواصفات المصريَّة والقوانين الغذائيَّة في مصر، وحيث إنَّ الشركة بصدد استيراد مُنْتَج لِبَان من تركيا تبيَّن من التحليل النهائيِّ له وجود نسبة من كُحول (الإيثانول) تتراوح بين اثنين من مائة بالمائة، وخمسة من مائة بالمائة. فما شرعيَّة ذلك من عدمه؟
الجواب: ليست كُلُّ نسبةٍ من الخَمْر توضَع في شيءٍ وتُخلَط به تَجعَلُ تناوله حَراماً؛ بل النِّسْبَة التي تؤثِّر الحُرمَةَ هي التي تكون بحيث إذا شَرِبَ الشخص من هذا المُخْتَلِط بالخَمْر -ولو كان كثيراً جدًّا- سَكِر، أمَّا إذا كانت نسبةً ضئيلةً جدًّا، بحيث لا تُؤثِّر في شاربها سُكْراً، ولو شَرِبَ من الخليط كَمًّا كبيراً جدًّا، فلا يكون هذا
стр. 916
من الخَمْر الذي يَحْرُم شُرْبُه تحت مثل قوله صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، المرويِّ عند أبي داود والنسائي، وصحَّحه ابن حِبَّان من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، والمرويِّ عند ابن ماجه وأحمد والبيهقي، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، أو تحت مثل ما جاء في سنن أبي داود، والترمذي-وحسَّنه- من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعاً: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرَقُ، فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْه حَرَامٌ). أو تحت مثل ما رواه ابن حِبَّان والطحاوي من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه رضي الله تعالى عنه عن النبيِّ ﵌ قال: (أَنْهَاكُمْ عَنْ قَلِيلِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ).
فإنَّ معنى هذه الأحاديث وأمثالها أنَّ الشيءَ الذي إذا أَكْثَرْتَ منه حصل السُّكْر، وإذا خَفَّفْتَ منه لم يحصل السُّكر، يكون حَراماً قليلُه وكثيرُه؛ لأنَّك ربَّما تَشْرَب القليل الذي لا يُسْكِر، ثمَّ تدعوك نَفْسُك إلى أن تُكثِرَ منه فتَسْكَر، وأمَّا ما اخْتَلَط به مُسْكِرٌ ونِسْبةُ الأخير فيه قليلةٌ جدًّا بحيث لا تُنتِجُ سُكْراً عند شُرْب خَليطِه ولو كثيراً، فهو حلالٌ لا يشمله مثل هذه الأحاديث الشريفة. هذا فيما يخصُّ حُرْمَته من حيث كونُه خَمْراً.
أمَّا حُرْمَته من حيث نجاسته باختلاط الكُحول الإيثيلي النَّجِس -عند جماهير الفقهاء باعتباره خَمْراً- بغيره، فإنَّه إن كان هذا الكُحول من الضَّآلَة بحيث يُستهلَك بعد أن يُستعمَل كمُذيبٍ، أو كمادَّة وَسيطَةٍ، أو يتطاير بالحرارة، أو تتحوَّل ماهيَّته إلى ماهيَّة أُخرى، فإنَّ المُنتَج النهائي تَنْتفي عنه النَّجاسة بالاستحالة التي طَرَأَت على الخليط النهائي، وهذا هو المختار للفتوى، وهو مذهب بعض المُحقِّقين من العُلماء من أنَّ الاستحالة من
стр. 917
أسباب التَّطهير.
وفي واقعة السؤال؛ فإنَّ النِّسْبَة الضَّئيلة من الكُحول الإيثيلي بالمُنْتَج المذكور لا تجعله ممنوعاً تناوله؛ لا من جهة كونه خَمْراً، ولا من جهة نجاسته. وعليه؛ فيجوز تناوله شرعاً. والله أعلم.
[الفتاوى الإسلاميَّة من دار الإفتاء المصرية (٣٦/ ٣٦٧ - ٣٦٩)]
* * *
اسْتِعْمَالُ الكُحُولِ فِي التَّصْنِيعِ وَاتِّخَاذِهِ خَلًّا
(٩٧٠) السؤال: ما حُكمُ الاستمتاع بالكُحول أو الخَمْر عموماً؟ أي: استخدامُه في دهان الأثاث، وفي العلاج والوقود والتنظيف والتعطير والتطهير، واتِّخاذه خلًّا .
الجواب: ما أَسْكَر شُرْبُ كثيرِه فهو خَمْرٌ، وقليلُه وكثيرُه سواء، سواء سُمِّيَ كُحولًا أم سُمِّيَ باسمٍ آخرَ، والواجب إراقته وتحريم الإبقاء عليه لاستخدامه والانتفاع به في تنظيف، أو تطهير، أو وقود، أو تعطير، أو تحويله خلًّا، أم غير ذلك من أنواع الانتفاع.
أمَّا ما لم يُسْكِر شُرْب كثيرِه، فليس بخَمْرٍ، ويجوز استعماله في تعطير، وعلاج، وتطهير جروح، ونحو ذلك.
[فتاوى اللجنة الدائمة (رقم ٨٦٨٤)]
* * *
الأَطْعِمَةُ الَّتِي يُخَالِطُهَا بَعْضُ الكُحُولِ
(٩٧١) السؤال: من مُنْطَلَق حِرْص البلديَّة على التأكُّد من النواحي الشرعيَّة في مسألة الأغذية؛ بهدف تقديم الغذاء الحلال لجميع المستهلكين، يرجى التكرُّم بإعلامنا عن حُكْم استخدام مادَّة الكُحول في الأغذية لإذابة النكهات الصناعيَّة فيها ، أو لأهداف صناعيَّة أخرى، ومِنْ ثَمَّ تبخيرها بطُرُقٍ صناعيَّةٍ، إلَّا أنَّه تبقى نسبٌ تتراوح بين (١% - ٣%). شاكرين
стр. 918
لكم حُسْن تعاونكم.
الجواب: الأحوط والأفضل عدم استعمال الأغذية التي دخلتها الكُحول، ما لم تدعُ ضرورة أو حاجة إلى ذلك.
فإن احتيج إلى تلك الأطعمة فلا بأس بالاستفادة منها، ما دام استخدام مادَّة الكُحول إنَّما كان لإذابة النكهات الصناعيَّة فيها، أو لأهداف صناعيَّة أُخرى، كما ورد في السؤال؛ وذلك لأمرين اثنين:
أوَّلًا: أنَّ هذه المادَّة زال عنها اسم الكُحول؛ لما طرأ عليها من التغيير والتبخير والإذابة في ما اختلطت به، ممَّا تمَّت به استحالتها عن مادَّتها الأُولَى.
ثانياً: ما في ذلك من المصلحة العامَّة.
ومعلومٌ أنَّ الشريعة الإسلاميَّة جاءت برفع الحرج، وعِلَّة التحريم هي الإسكار أو النجاسة، والإسكار مُنتفٍ في تلك الأغذية، والنجاسة إن احتملت فهي مُنتفيةٌ، وعلى احتمال النجاسة فإنَّ كثير الطعام لا يَنْجُس بقليل النجاسة، ما لم يتغيَّر أحدُ أوصاف الطعام، والطعام لا يُطرَحُ بالشكِّ، والشكُّ في المانع لا يؤثِّر، و (إذا تعارضت المفسدة المرجوحة والمصلحة الراجحة، اغتُفِرَت المفسدة المرجوحة)، وصيانة الطعام وحفظه فيه مصلحةٌ راجحةٌ على سبب المنع.
ولمزيد من البحث يرجع إلى كتاب (لباب النقول) للشيخ عيسى بن عبد الله الحِمْيَري، المدير العام السابق لدائرة الأوقاف بدبي، وكتاب (كاشف الكرب) للشيخ بِيَّه بن السالك. والله تعالى أعلم.
[فتاوى شرعية - إدارة الإفتاء والبحوث بدبي (٩/ ١٨٩ - ١٩٠)]
* * *
رشُّ مَادَّةِ الكُحُولِ عَلَى قَوَالِبِ الحَلَويَّاتِ
(٩٧٢) السؤال: وَرَدَنا سؤالٌ يقول
стр. 919
فيه صاحبه: ما حُكْمُ استعمال مادَّةٍ تدخُلُ فيها نِسْبةٌ من الكُحول؛ لرَشِّها على بلاستيك أثناء تحضيري لنوع من الحَلْوى؛ حتَّى لا تلتصق الحلوى بالقوالب، ويتمُّ إخراجها بسهولة، والعلبة مكتوبٌ عليها:
(THE DEMOULD SPRAY) (أي: بخاخٌ خاصٌّ بالقوالب)، وحول المكوِّنات للمادَّة التي يحتويها مكتوب باللُّغة الفَرنسيَّة:
(AROME CHOCOLAT)، (أي: نكهة الشوكولاته)؟
الجواب: إذا كانت هذه المادَّة فيها نسبة من الكُحول المُسْكِر فإنَّه لا يجوز استخدامها فيما ذُكِرَ ولا في غيره؛ لأنَّ ما أسْكَرَ كثيرُه فقليلُه حَرامٌ، كما أخرجه البيهقي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
فإن لم يكن مُسْكِراً ككثيرٍ من الموادِّ الخام التي فيها مادَّة الكُحول، غير أنَّها لم تصل إلى درجة الإسْكارِ؛ فإنَّه لا حَرَج في استعمالها فيما ذُكِرَ أو غيره. والله تعالى أعلم
[فتاوى شرعية - إدارة الإفتاء والبحوث بدبي (١٣/ ١١٦)]
* وانظر: فتوى رقم (٢٥٠، ٢٥٣)
* * *
الكُحُولُ فِي نَظَرِ الإِسْلَامِ
(٩٧٣) في ١١ - ١٢ من إبريل لعام ١٩٨٤ م عقد مجلس الفتوى الوطني الماليزي الجلسة (٧) للمباحثة في نَظْرَة الإسلام تِّجاه الكُحول، وأصدر المجلس قراره في هذه القضية على النحو التالي:
(١) كُلُّ خَمْرٍ يحتوي على الكُحول. وليس كُلُّ الكُحول يحتوي على خَمْرٍ، فالكُحول الذي يُصنَع من الخَمْر حَرامٌ ونَجِسٌ، أمَّا الكُحول الذي لا يأتي من عمليَّة تصنيع الخَمْر فهو غير نَجِسٍ، ولكن حُكمُ شُرْبه حَرامٌ.
стр. 920
(٢) المشروبات الخفيفة التي تُصنَع بنَفْس طريقة عمليَّة صناعة الخَمْر، سواء يحتوي على قليل من الكُحول أو كامل التقطير بالكُحول، فشُرْبُه حَرامٌ.
(٣) المشروبات الخفيفة التي صُنِعَت من غير عمليَّة التَّخْمير، وليس فيها موادُّ مُسْكِرَة، وطريقة صناعتها ليست كطريقة صناعة الخَمْر فحُكْم شُرْبِها حَلال.
(٤) طعام Tapi (وهو طعام يحتوي على الأرز أو الكسافا يُصْنَع بطريقةٍ مخلوطةٍ مع مادَّة التَّخْمير السُّكَّر الصِّناعي) حُكْمه حلال.
(٥) الكُحول الذي يَنْتُج من عمليَّة صناعة الطعام غير نَجِسٍ، ويجوز أَكْلُه.
(٦) الأدوية والعُطور التي تحتوي على الكُحول حُكْمُها مباحٌ ومَعْفِيٌّ عنها.
[قرارات مذاكرة لجنة الفتوى بالمجلس الوطني للشؤون الإسلاميَّة الماليزية (ص ٥٩)]
* * *
مَادَّةُ الكُحُولِ فِي المَأْكُولَاتِ وَالمَشْرُوبَاتِ وَالعُطُورِ وَالأَدْوِيَةِ
(٩٧٤) بعد الاستماع إلى التعليمات والأوراق المُقدَّمة والتوضيحات من خبراء معهد بحوث منتجات حلال بجامعة فوترا الماليزيَّة (يو في ام) ، واستناداً إلى قرارات المذاكرة الماضية، فإنَّ المذاكرة الخاصَّة للجنة الفتاوى بالمجلس الوطني للشؤون الإسلاميَّة الماليزيَّة التي ناقشت قضيَّة مادَّة الكُحول في المأكولات، والمشروبات، والعطور، والأدوية في ١٤ - ١٦ يوليو ٢٠١١ م، قررت الآتي: -
(١) كُلُّ مشروبِ خَمْرٍ يحتوي على مادَّة الكُحول، وليس كُلُّ مادَّة الكُحول بخَمْر، والكُحول الناتج من صناعة الخَمْر نَجِسٌ ومُحرَّمٌ.
(٢) الكُحول الناتج من غير صناعة الخَمْر ليس بنَجِسٍ، ولكن يَحرُم تناوله؛
стр. 921
لأنَّه سمٌّ قاتل.
(٣) المشروبات الخفيفة أو الغازيَّة التي صُنِعَت بدون قَصْد إنتاج الخَمْر، وتحتوي على مقدار كُحول بنسبة (١%) يجوز شُرْبها.
(٤) المشروبات الخفيفة أو الغازيَّة التي صُنِعَت بقَصْدٍ، وبطريقةٍ شبيهةٍ بإنتاج الخَمْر، وتحتوي على كُحول قَلَّ أم كَثُر، يَحرُم تناولها.
(٥) المأكولات والمشروبات التي تحتوي على الكُحول طبيعيًّا، كالفواكه، والمُكسَّرات، والحبوب، وعصيرها، أو الكُحول الناتج جانبيًّا من عمليَّة تصنيع المأكولات والمشروبات ليس بنَجِسٍ، ويجوز تناولها.
(٦) المأكولات والمشروبات التي تحتوي على الموادِّ المُنكِّهة أو المُلوِّنة، وتحتوي على الكُحول لغرض التوازن، يجوز استخدامه إذا نتج من غير تصنيع الخَمْر، وبكمِّيَّة غير مُسْكِرَة، وبقَدْرٍ لا يتجاوز (٠. ٥%)
(٧) الأدوية والعطور التي تحتوي على الكُحول كمادَّة مُذيبة ليس بنَجِسٍ، ويجوز استخدامه إذا نتج من غير تصنيع الخَمْر.
[قرارات مذاكرة لجنة الفتوى بالمجلس الوطني للشؤون الإسلاميَّة الماليزية (ص ٩٢ - ٩٣)]
* * *
اسْتِخْدَامُ الكُحُولِ كَمَادَّةٍ لِتَوَازُنِ مُكَوِّنَاتِ المَشْرُوبَاتِ
(٩٧٥) في ٢٤ من نوفمبر لعام ١٩٨٨ م عقد مجلس الفتوى الوطني الماليزي الجلسة (٢٢) للمباحثة في حُكْم استخدام الكُحول كمادَّة لتوازن مكوِّنات المشروبات الخفيفة. وأصدر المجلس قراره بإجازة استخدام الكُحول في مكوِّنات مياه المشروب التي تحتوي على الطَّعْم (النك هة)؛ وذلك لغرض تحقيق التوازن في مكوِّنات المشروب. وهذه الإجازة تكون بشرط:
стр. 922
(١) ألَّا تكون هذه الكُحول من تصنيع الخَمْر.
(٢) أن تكون كمِّيَّة الكُحول في الطَّعْم (النكهة) قليلة، غير مُسْكِرة.
[قرارات مذاكرة لجنة الفتوى بالمجلس الوطني للشؤون الإسلاميَّة الماليزية (ص ٨٨]
* * *
(٩٧٦) السؤال: سمعتُ أنَّ هناك بعض المشروبات تحتوي أيضاً على شيءٍ من الكُحول، وقرأتُ في كتاب (الخَمْر بين الطبِّ والفقه) للدكتور/محمَّد علي البار ، أنَّ فيها نِسَباً ضئيلةً من الكُحول، ولكن معالجته بموادَّ أخرى حالت دون الإسْكار، لكنَّ المادَّة موجودةٌ؛ لأنَّ هناك قاعدة عِلْميَّة تقول: «إنَّ المادَّة لا تَفْنَى ولا تُسْتَحدَث»؛ فهل يَحرُم تناول تلك الأشياء؟
الجواب: القاعدة في هذا مثل ما قال النبيُّ ﷺ : (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، إذا كان ذلك الشيء كثيرُه يُسْكِر، يُغيِّر العَقْل، فقليلُه مُحرَّم، أمَّا إذا كانت المادَّة فيه ضعيفةً لا يُسْكِر معها كثيرُه، فلا حَرَج في ذلك ولا يَضرُّه، هذه القاعدة الشرعيَّة، سواءً كان ذلك يُشْرَب أو يُؤْكَل، إنْ كان كثيرُه يُسْكِر حَرُمَ كثيرُه وقليلُه، فإن كان كثيرُه لا يُسْكِر لم يَحرُم لا كثيرُه ولا قليلُه، سواء كان مطعوماً أو مشروباً.
[الفتاوى الصوتية للشيخ ابن باز (الموقع)]
* * *
اسْتِعْمَالُ الكُحُولِ فِي خَلْطِ مُلُوِّنَاتِ الأَطْعِمَةِ وَالحَلَوِيَّاتِ
(٩٧٧) السؤال: وُجِدَ تكْنيك للرَّسْم على الكيك، يُخْلَط فيه اللَّون مع نقطتين من الكُحول التي تباع في الصيدليَّات، وبمُجرَّد الرَّسم يذهب أثرُ الكُحول ، ولا تبقى له رائحة، واللَّون يثبت على الكيك، ومن يبيع خامات
стр. 923
الحلويَّات يُقْنِعنا أنَّه حَرامٌ من أجل أن يبيعوا لنا مُنْتجاً بسعرٍ أغلى؛ فهل استخدام الكُحول بهذه الطريقة حَرامٌ.
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أمَّا بعد:
فالكُحول هي المادَّة المُسْكِرة في الخَمْر، وقد روى الإمام مسلم وغيره أنَّ رسول الله ﷺ قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ).
وروى الإمام أحمد وأصحاب السُّنَن عن جابر ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ).
وقد ذَكَرْنا في فتاوى كثيرةٍ أنَّ الموادَّ التي تحتوي على كُحول تُعْتبَر نَجِسَةً ولا يجوز استعمالها؛ لأنَّ الكُحول إذا خالطت أيَّ شيءٍ قبل استحالتها، فإنَّ ذلك الشيء يتنَجَّس ويَحرُمُ استعماله. وعليه؛ فإذا اشتمل اللَّون المذكور على الكُحول قبل أن تستحيل إلى مادَّة أخرى ويزول عنها وَصْف الإسْكار، فإنَّه يصير نَجِساً، ويَحرُم استعماله، سواء سَكِرَ منه الشخص أو لا، ومِنْ ثَمَّ فلو أُضيفَ ذلك اللَّون المخلوط بالكُحول إلى الكيك، فإنَّه يُنَجِّس ما لامَسَه منه، ويجعله مُحرَّم الاستعمال؛ بخلاف باقي الكيك الذي لم يخالطه ذلك اللَّون، فلا حرج في استعماله ... والله أعلم.
[فتاوى الشبكة الإسلاميَّة (رقم ٣١٩٤٨٦)]
* * *
دُخُولُ مَادَّة الإِيثِيلِ الكُحُولِي فِي المَوَادِّ الغِذَائِيَّةِ
(٩٧٨) السؤال: تُوجَدُ في أوروبَّا بعضُ الموادِّ الغذائيَّة؛ مثلاً كالعجائن (مثلًا عجينةُ البيتزا أو غيرها) التي يمكن استخدامها في الطبخ المنزلي، والتي قد يدخل في تركيبتها مادَّة إيثيل الكُحولي؛ فهل يجوز استخدام هذه
стр. 924
الموادّ أم إنَّها أيضاً مُحرَّمة بسبب هذه المادَّة؟ جزاكم الله كُلَّ خيرٍ.
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أمَّا بعد:
فإنَّ الإيثيل الكُحولي لا يجوز خَلْطُه بالطعام إن كان ممَّا يُسْكِر؛ وأمَّا إن كانت المادَّة التي تحتوي على الإيثيل الكُحولي لا تُسْكِر؛ بأن استحالت استحالةً تامَّةً إلى ما لا يُسْكِر، وذلك قبل خَلْطِها بغيرها، فإنَّها بذلك تطهر؛ لأنَّ اسمَ الخَمْر لم يَعُد يُطلَق عليها؛ لزوال وَصْف الإسْكار. وبناء عليه؛ فإنَّه يجوز الانتفاع بها إن لم يُتَيقَّن من حصول الضرر بها.
قال ابن القَيِّم في (إعلام المُوقِّعين): «ومن الممتنع بقاءُ الخبيث وقد زال اسمه ووَصْفِه، والحُكمُ تابعٌ للاسم، والوَصْف دائرٌ معه وجوداً وعدماً، فالنصوص المُتناوِلَة لتحريم المَيتَة، والدَّم ولحم الخنزير والخَمْر، لا يتناول الزُّروع والثِّمار والرَّماد والمِلْح والتُّراب والخلَّ؛ لا لفظاً، ولا معنًى، ولا نصًّا، ولا قياساً». اهـ. ... والله أعلم.
[فتاوى الشبكة الإسلاميَّة (رقم ٢٢٢٢٣٨)]
* * *
تَنَاوُلُ الآيْسِ كْرِيمِ وَالحَلَوِيَّاتِ المُحْتَوِيَةِ عَلَى سُكَّرِ الكُحُولِ
(٩٧٩) السؤال: أسألُ عن حُكْم هذه المأكولات التي تحتوي على سُكَّر الكُحول (Sugar Alchohol)؛ حيث توجد مأكولات كثيرة تحتوي على هذه المادَّة؛ منها الآيس كريم، وكثير من الحلويَّات، الرَّجاء الإفادة، وشكراً .
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أمَّا بعد:
فإنَّ مناط التحريم هو الإسكار؛ فما أسكَر كثيرُه فقليله حرام، فالشيء الذي إذا أَكْثَرْتَ منه يكون مُسْكِراً، فإنَّ كثيرَه
стр. 925
وقليلَه حَرامٌ. أمَّا إذا كانت النِّسْبَة يسيرةً لا تُؤثِّر، ولا يكون الشيءُ مُسْكِراً مهما أَكْثَرْتَ مِنْ تناوله، فإنَّه لا يكون حَراماً، ويبقى على أصل الحِلِّ. والله تعالى أعلى وأعلم.
[فتاوى المغتربين - صلاح الصاوي (٨/ ٤٠٧)]
* وانظر: فتوى رقم (١٠٣٣)
* * *
العُطُورُ الكُحُولِيِّةُ
(٩٨٠) السؤال: ما حُكْمُ استعمال العُطور التي فيها الكُحول؟ والصَّلاة في الثياب التي فيها الكُحول؟ أو مُصافَحَةُ شخصْ مُعطَّرٍ بذلك العِطْر الذي فيه الكُحول ؟
الجواب: إنَّ العُطور التي يدخل في مُكوِّناتها الكُحول ليست نَجِسَةً؛ لأنَّها ليست من قَبيل الخَمْر؛ لأنَّ الكُحول مادَّة سامَّةٌ ليس من شأنها أن تُشْرَب في الأحوال العاديَّة بقَصْد الإسْكار، ومع هذا لا يجوز تناولها؛ لإسْكارِها، ولكونها سامَّةً.
وعليه؛ فتجوز الصَّلاة في الثياب التي فيها كُحول، كما تجوز مصافحة الشخص المُعَطَّر بعُطورٍ فيها كُحول. والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (٢/ ١٤)]
* * *
(٩٨١) السؤال: العُطورُ التي يَدْخُل في تركيبها كُحول، هل يجوزُ وَضْعُها على الملابس والصَّلاة فيها ؟
الجواب: الأَوْلَى اجتنابها؛ لأنَّ الكُحول منه ما يُسْكِر، والمُسْكِر حَرامٌ ونَجِسٌ إذا كان سائلًا، ولكن ما كُلُّ العُطور فيها كُحولٌ مُسكِرٌ؛ ولهذا لا يُعتَرَضُ على مَنْ صَلَّى وقد وَضَع على جِسْمِه أو ثيابه من هذه العُطور. والله تعالى أعلم.
[فتاوى دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ١٣٣١)]
стр. 926
(٩٨٢) السؤال: الأستاذُ يَعْلَمُ أنَّ أنواع الأعْطارِ المُستحضَرَةِ بمعامل أوربَّا شَغَلَتْ حيِّزاً كبيراً جدًّا في ميدان التجارة. وعلى تلك النِّسْبَة شاعَ استعمالُها بين العموم، خصوصاً العائلات ، ولا أزيدُ الأستاذَ عِلْماً بأنِّي ربَّما جاورتُ في بعض صفوف الصَّلاة رِجالاً قد عَمَّ المسجدَ روائحُ ما بأجسامهم وملابسهم من تلك الأَعْطار، على أنَّنا نعلم مِنَ الفَنِّ ومن المشاهدة أنَّ تلك المُستحضَرات جميعاً يَدْخُلُها الكُؤولُ (إسبرتو)، ويقولون: إنَّ الكؤول نَجِسٌ بإجماع المذاهب الأربعة؛ لتخمُّرِه، وهو يُنتِجُ نَجاسَةَ كافَّة أنواع هذه الأَعْطار؛ فإذا صَحَّت هذه النتيجة تبعاً لصِحَّة المُقدِّمَة، تكون مُصيبة الأُمَّة الإسلاميَّة من ذلك عظيمةً جدًّا، ولا غَرابَة في ذلك؛ إذا عَلِمْنا أنَّ الطَّهارة شَرْطٌ في كثير من العِبادات، على أنَّ الكُلَّ -يعني كُلَّ المسلمين- واقعون في هذه المُصيبَة، وهم يظنُّون أنَّهم يُحسِنونَ صُنْعاً.
فهل للأستاذ -حفظه الله للإسلام- أنْ يخوضَ هذا الموضوع، ويَهدِينا فيه إلى سواء السبيل؛ فإنْ كنَّا مُصِيبينَ ثَبَتْنا على ما نحن عليه، وإلَّا أعلنتم ذلك الخطأ العامَّ، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ. والله يحفظكم لنا.
الجواب: إنَّ هذه الأعْطَار طاهرةٌ، ومعاذَ الله أنْ يَجْعَلَ دِينُ الفِطْرَةِ الطِّيبَ قَذَارَةً، وقد بَيَّنَّا ذلك بالتفصيل في (المجلَّد الرابع من المنار)، وقد انتقد ذلك جاهلٌ، فرَدَدْنا عليه في نَبْذَتَيْن عنوانهما (طَهارةُ الكُحولِ. والرَّدُّ على ذي فُضولٍ). فليراجع ذلك كُلُّه (في ص ٥٠٠ و ٨٢١ و ٨٦٦).
[فتاوى محمَّد رشيد رضا (١/ ١٢٧ - ١٢٨)]
* * *
(٩٨٣) السؤال: [ما حُكْمُ التطيُّب بالكُلونيا ؟]
стр. 927
الجواب: التطيَّبُ بالكُلونيا؛ إِذا ثبتَ إِدْخالُ السبيرتو عليها فمشهورٌ إِسْكارُه، وأنَّه خَمْر، ومشهورٌ أَيضاُ إِسْكَارُ بعض أَنواع الكُلونيا. فإِذا كان ما تسأل عنه من الكلونيا هي المشهورة بالإِسْكار، فإِنَّه لا يَحِلُّ التطيُّب بها، ولا بيعها وشراؤها، ولا حَمْلها في الصَّلاة؛ لنجاستها.
[فتاوى ورسائل الشيخ محمَّد بن إبراهيم (٢/ ٩٣)]
* * *
(٩٨٤) السؤال: اعتاد الجمهور التعطُّر بالروائح ذوات الكُحول؛ كالكولونيا، وروائح الشبراويشي، وغيرهما المُجْتلَبَيْن من أوروبَّا وغيرها . وقال جماعةٌ من أهل الوَرْع والتقوى بنجاستها؛ لما يُخالِطها من السبرتو المُسْكِر كالخَمْر. وقال آخرون: السبرتو المعدن طاهِرٌ، وإذا أُخِذَ بكثرةٍ يُغيِّبَ العَقْل من غير إسكار، وربَّما أدَّى إلى المرض أو الموت؛ فحُكمُه حُكْم المُغَيِّبَات الأخرى؛ كالبَنْج والحشيش والسَّكَران التي قال العُلماء بطهارتها وجواز حَمْلِها في الصَّلاة.
وعلى فَرْض أنَّه نَجِسٌ؛ فباختلاطه بتلك الروايح يتحوَّل من فسادٍ إلى صلاحٍ؛ كالخَمْر المُحلَّل. وتَمَسَّك الأَوَّلون برأيهم، فنرجو الإفادة.
الجواب: التطيُّب في ذاته أَمْرٌ حَسنٌ ومُستحبٌّ، دعا إليه الرسول الكريم محمَّد ﷺ وخصوصاً في حضور الجماعات، ويُسَنُّ التطيُّب عند الذهاب إلى صلاة الجمعة والعيدين.
والتطيُّب كان في الماضي بالمِسْك والزيوت الطيِّبة، وهي تُخفَّفُ الآن ببعض الموادِّ؛ كالكُحول، ولا شكَّ أنَّ أَخْذَ الكُحول للشَّراب حَرامٌ قَطْعاً، ولكن استعماله في تحليل الزيوت الطيِّبة لا نجد به من بأس، لأنَّه لم يرد نصٌّ صريحٌ بنجاسته، وبعض المُحرَّمات في
стр. 928
المأكولات تُعَدُّ طاهرةً؛ كالحِمار الإنْسِيِّ وغيره، ولا يَحِلُّ لنا أن نُحَرِّم من غير نصٍّ أو حَمْل على نصٍّ لا شُبْهَة فيه.
[فتاوى الشيخ محمَّد أبو زهرة (ص ٧٥٣)]
* * *
(٩٨٥) السؤال: هل يجوزُ استعمالُ الرَّوائِح العِطْريَّة المُسمَّاة بالكُولونْيا المُشْتَمِلَة على مادَّة الكُحول ؟
الجواب: استعمال الروائح العِطْريَّة المُسمَّاة بالكُولونْيا المشتملة على مادَّة الكُحول لا يجوز؛ لأنَّه ثبت لدينا بقول أهل الخِبْرَة من الأطبَّاء أنَّها مُسْكِرَة؛ لما فيها من مادَّة السبيرتو المعروفة، وبذلك يَحرُمُ استعمالها على الرِّجال والنِّساء.
أمَّا الوضوء فلا ينتقض بها، وأمَّا الصَّلاة ففي صحَّتها نظر؛ لأنَّ الجمهور يرون نجاسة المُسْكِر، ويرون أنَّ من صلَّى مُتلَبِّساً بالنجاسة ذاكراً عامداً لم تصحَّ صلاته، وذهب بعض أهل العِلْم إلى عدم تَنْجيس المُسْكِر، وبذلك يُعْلَم أنَّ من صلى وهي في ثيابه أو بعض بدنه ناسياً أو جاهلاً حُكْمَها، أو معتقداً طهارتها، فصلاته صحيحة، والأحوط غَسْل ما أصاب البَدَن والثَّوب منها، خروجاً من خلاف العُلماء، فإن وُجِدَ من الكولونيا نوعٌ لا يُسْكِر لم يَحْرُم استعماله؛ لأنَّ (الحُكْم يدور مع عِلَّتِه وجوداً وعَدَماً). والله ولي التوفيق.
[مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (٦/ ٣ ٩٦)]
* * *
(٩٨٦) السؤال: فضيلة الشيخ ما حُكْمُ استعمال الطِّيب (الكولونيا) الذي يحتوي على الكُحول ؟
الجواب: الأَطْياب التي يقال إنَّ فيها كولونيا، أو إنَّ فيها كُحولاً، لا بُدَّ أن نُفَصِّل فيها؛ فنقول: إذا كانت النَّسْبَة من الكُحول قليلةً فإنَّها لا تضرُّ، وليستعملها الإنسان بدون أن يكون
стр. 929
في نَفْسِه قَلَقٌ؛ مثل أن تكون النِّسْبَة (٥ %) أو (٢ %) أو (١ %)، فهذا لا يؤثِّر.
وأمَّا إذا كانت النِّسْبَة كبيرةً بحيث تؤثِّر، فإنَّ الأَوْلى ألَّا يستعملها الإنسان إلَّا لحاجة؛ مثل تعقيم الجروح وما أشبه ذلك، أمَّا لغير حاجةٍ فالأَوْلى ألَّا يستعملها. ولا نقول: إنَّه حَرامٌ؛ وذلك لأنَّ هذه النِّسْبَة الكبيرة أعلى ما نقول فيها إنِّها مُسْكِر، والمُسْكِر لا شكَّ أنَّ شُرْبَه حَرامٌ بالنصِّ والإجماع، لكن هل الاستعمال في غير الشرب حلالٌ؟ هذا محلُّ نَظَر، والاحتياط ألَّا يُستعمَل، وإنَّما قُلتُ: إنَّه محلُّ نَظَر؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]، فإذا نظرنا إلى عموم قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أخذنا بالعموم وقلنا: إنَّ الخَمْر يُجْتنبُ على كُلِّ حال، سواءً كان شراباً أو دهاناً أو غير ذلك، وإذا نظرنا إلى العِلَّة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ تبيَّن أنَّ المَحْظور إنَّما هو شُرْبه؛ لأنَّ مجرَّد الادِّهان به لا يؤدِّي إلى هذا.
فالخلاصة الآن أن نقول: إذا كانت نسبة الكُحول أو الكالونيا في هذا الطِّيب قليلةً فإنَّه لا بأس به ولا إشكال فيه ولا قَلَقَ فيه، وإن كانت كبيرةً فالأَوْلى تَجنُّبه إلَّا من حاجة، والحاجة مثل أن يحتاج الإنسان إلى تعقيم جُرْح أو ما أشبه ذلك.
[لقاءات الباب المفتوح - ابن عثيمين (رقم ٦٠)]
стр. 930
(٩٨٧) السؤال: ما حُكْمُ استعمالِ العُطور التي فيها نِسْبةٌ من الكُحول (السبرتو) ؟
الجواب: هذه النِّسْبَة تُعتبر قليلة، جُعِلَت معه لتحفظه عن التعفُّن، أو تحفظ الثياب عن الدَّنَس والتلوُّث بهذه العطور، فأرى أنَّه لا مانع من استعماله، ولو كان الكُحول من المُسْكِرات، فإنَّه لا يقصد شُرْبه، ولا لذَّة في تناوله، فليس مشروباً كالخُمور، ولو حصل به لمتعاطيه تخدير، أو إزالة شعور، والله أعلم.
[اللؤلؤ المكين من فتاوى الشيخ ابن جبرين (٤٤٩) - (الموقع)]
* * *
(٩٨٨) السؤال: هل صحيح يا فضيلة الشيخ أنَّ العُطور التي بها كُحول مُحرَّمة استعمالها ؟ وأنَّها لا تجوزُ الصَّلاة بها إذا كانت في الثوب أو البَدَن؟ وما هو الرَّاجح في الخَمْر؛ هل هي طاهِرَةٌ أم نَجِسَةٌ؟
الجواب: نعم، العُطور المُسْكِرَة يَحرُم استعمالها، ولا تجوزُ الصَّلاة في الثوب الذي أصابه شيءٌ منها حتَّى يُغْسَل ما أصابه منها؛ كسائر النَّجاسات، وكذا البَدَن يجبُ غَسْل ما أصابه منها؛ لأنَّها نَجِسَةٌ؛ لأنَّها خَمْرٌ؛ لقوله ﷺ : (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ).
والرَّاجح أنَّ الخَمْر نَجِسَة؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، فأخبر أنَّ الخَمْر رِجسٌ، والرِّجسُ معناه النَّجِس، وأَمَرَ باجتنابه، وهذا يدلُّ على نجاسته. والله أعلم.
[المنتقى من فتاوى الشيخ صالح الفوزان (٥٤١ - ٥٤٢) - (الموقع)]
* * *
اسْتِعْمَالُ السَّوَائِلِ الكُحُولِيَّةِ فِي الطِّبَاعَةِ وَالمُخْتَبَرَاتِ العِلْمِيَّةِ
(٩٨٩) السؤال: حكم استعمال
стр. 931
السوائل الكُحولية لأغراض الطباعة والرسوم والخرائط والمختبرات العِلْمِيَّة ... إلخ؟
الجواب: من المعلوم أنَّ مادَّة الكُحول تُسْتخْرجُ غالباً من الخشب وجذور القَصَب وأَلْيافِه، ويَكْثُر جِدًّا في قُشور الحِمْضيَّات؛ كالبرتقال واللَّيمون، كما هو مُشاهدٌ، وهي عبارة عن سائل قابل للاحتراق، سريع التبخُّر، وهو لو استُعْمِل مُفْرَداً لكان قاتلاً أو ضارًّا أو مسبِّباً للعاهات، لكنَّه إذا خُلِطَ بغيره بنِسْبَةٍ مُعيَّنة جَعَل ذلك المَخْلوط مُسْكِراً، فالكُحول نَفْسُها ليست تُسْتعملُ للشُّرْب والسُّكْر بها، ولكنَّها تُمزَجُ بغيرها فيَحْصُل السُّكْر بذلك المخلوط. وما كان مُسْكِراً فهو خَمْرٌ مُحرَّمٌ بالكتاب والسُّنَّة وإجماع المسلمين، لكن هل هو نَجِسُ العَيْن كالبَول والعَذِرَة؟ أو ليس بنَجِسٍ العَيْن ونجاستُه مَعْنويَّة؟ هذا موضعُ خلافٍ بين العُلماء، واتَّفق جمهورهم على أنَّه نَجِسُ العَيْن. والصواب عندي أنَّه ليس بنجس العَيْن، بل نجاستُه مَعْنويَّة؛ وذلك للآتي:
أوَّلًا: لأنَّه لا دليل على نجاسته، وإذا لم يكن دليلٌ على نجاسته فهو طاهر؛ لأنَّ (الأصل في الأشياء الطهارة)، و (ليس كُلُّ مُحرَّم يكون نَجِساً)، والسُّمُّ مُحرَّمٌ ليس بنَجِسٍ، وأمَّا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
قلنا: إنَّ استعمالها في غير الشُّرْب جائزٌ؛ لعدم انطباق هذه ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾؛ فكما أنَّ المَيْسِر والأنْصاب والأَزْلام ليست نَجِسَة
стр. 932
العَيْن والذَّات، فكذلك الخَمْر.
ثانياً: أنَّ الخَمْر لمَّا نزل تحريمها أُريقَت في أسواق المدينة، ولو كانت نَجِسَة العَيْن لحَرُمَت إراقتها في طُرُق الناس كما يَحْرُم إراقةُ البَوْل في تلك الأسواق.
ثالثاً: أنَّ الخَمْر لمَّا حُرِّمت، لم يأمرهم النبيُّ ﷺ بغَسْل الأواني منها، كما أمرهم بغَسْل الأواني من لحوم الحُمُر الأهليَّة حين حُرِّمت، ولو كانت نَجِسَة العَيْن لأمرهم النبيُّ ﷺ بغَسْل أوانيهم منها.
وإذا تبيَّن أنَّ الخَمْر ليست نَجِسَة العَيْن، فإنَّه لا يجب غَسْل ما أصابته من الثياب والأواني وغيرها، ولا يَحرُم استعمالها في غير ما حَرُم استعمالها فيه، وهو الشُّرْب ونحوه ممَّا يؤدِّي إلى المفاسد التي جعلها الله مناط الحُكْم في التحريم.
فإن قيل: أليس الله تعالى يقول: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وهذا يقتضي اجتنابه على أيِّ حال؟
فالجواب: أنَّ الله تعالى علَّل الأمر بالاجتناب بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ إلى آخر الآية، وهذه العِلَّة لا تَحصُل فيما إذا اسْتُعمِل في غير الشُّرْب ونحوه، فإذا كان لهذه الكُحول منافع خالية من هذه المفاسد التي ذَكَرَها الله تعالى عِلَّةً للأمر باجتنابه، فإنَّه ليس من حقِّنا أن نمنع الناس منها. وغاية ما نقول: إنَّها من الأمور المُشْتَبِهَة، وجانب التحريم فيها ضعيف، فإذا دعت الحاجة إليها زال ذلك التحريم. وعلى هذا؛ فاستعمال الكُحول فيما ذكرتم من الأغراض لا بأس به إن شاء الله تعالى؛ لأنَّ الله تعالى خَلَقَ لنا ما في الأرض جميعاً، وسخَّر لنا ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه. وليس لنا أن نتحَجَّر شيئاً ونمنع عباد الله منه إلَّا بدليل من كتاب الله تعالى أو سُنَّة نبيِّه ﷺ .
فإن قيل: أليست الخَمْر حين حُرِّمَت
стр. 933
أُرِيقت؟
قلنا: بلى؛ وذلك مبالغةً في سرعة الامتثال وقطع تعلُّق النفوس بها، ثمَّ إنَّه لا يظهر لنا أنَّ لها منفعةً في ذلك الوقت تُسْتبقى لها. والله أعلم.
[مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (١١/ ٢٥٤ - ٢٥٦)]
* * *
قَرَارُ مَجْمَعِ الفِقْهِ الإِسْلامِيِّ فِي الهِنْدِ بِشَأْنِ الكُحُولِ
(٩٩٠) قرَّرت الندوة الرابعة عشرة بهذا الخصوص ما يلي:
أوَّلًا: الكُحول مادَّة كيمياويَّة تُصنَع من السُّكَّر ومن مادَّة «الكاربوهايدريت» المستخرجة من الفواكه والحبوب الغذائيَّة، ولها أنواع عِدَّة، يكون نوعٌ واحدٌ منها فقط مُسْكِراً.
ثانياً: هناك أدوية وعقاقير تُستعَمَل فيها مادَّة الكُحول التي لا تتغيَّر طبيعتها حتَّى بمَزْجِها بالدَّواء .. إلَّا أنَّه عملًا بما أقرَّته الشريعة الإسلاميَّة من إباحة للمحظورات في حالات استثنائيَّة؛ كحالة المرض، فإنَّه يجوز -عند الاضطرار- تناول العقاقير التي تتضمَّن مادَّة كحوليَّة.
ثالثاً: المادَّة الكُحوليَّة المُستخدَمَة في العُطور لا تكون -كما يقول الخُبراء- مُسْكِرةً. وعليه؛ فإنَّها ليست من الموادِّ النَّجِسَة وغير الطاهرة.
[فتاوى فقهية معاصرة (ص ١٨١)]
[مجموعة القرارات والتوصيات الصادرة عن مجمع الفقه الاسلامي بالهند (رقم ٦١) (٤/ ١٤)]
* وانظر: فتوى رقم (١٠٣٦)
* * *
تَوْصِيَةٌ بِشَأْنِ المَوَادِّ المُحَرَّمَةِ وَالنَّجِسَةِ فِي الغِذَاءِ وَالدَّوَاءِ
(٩٩١) يجب على كلِّ مسلم الالتزام بأحكام الشريعة الإسلاميَّة، وبخاصَّة في مجال الغذاء والدواء، وذلك مُحقِّقٌ لطِيبِ مَطْعَمِه ومَشْرَبِه وعِلاجِه ، وإنَّ
стр. 934
من رحمة الله بعباده، وتيسير سبيل الاتِّباع لشَرْعِه: مراعاة حال الضرورة، والحاجة العامَّة إلى مبادئ شرعيَّة مُقَرَّرة، منها: أنَّ (الضَّرورات تُبيح المَحْظورات)، وأنَّ (الحاجة تُنَزَّل منزلة الضَّرورة ما دامت مُتَعيِّنة)، وأنَّ (الأصلَ في الأشياء الإباحة ما لم يقم دليلٌ معتبرٌ على الحُرْمَة)، كما أنَّ (الأصلَ في الأشياء كُلِّها الطهارة ما لم يقم دليلٌ معتبرٌ على النجاسة). ولا يُعتبر تحريم أَكْل الشيء أو شُرْبِه حُكْماً بنجاسته شَرْعاً.
- مادَّة الكُحول غير نَجِسَةٍ شَرْعاً؛ بناءً على ما سبق تقريره من أنَّ (الأصل في الأشياء الطهارة)، سواء كان الكُحول صِرْفاً أم مُخفَّفاً بالماء؛ ترجيحاً للقول بأنَّ نجاسة الخَمْر وسائر المُسْكِرات معنويَّة غير حِسِّيَّة؛ لاعتبارها رِجْساً من عمل الشيطان.
وعليه؛ فلا حرج شرعاً من استخدام الكحول طبِّيًّا كمُطهِّر للجِلْد والجروح والأدوات وقاتل للجراثيم، أو استعمال الروائح العطريَّة (ماء الكُولونيا) التي يُستخدم الكُحول فيها كمُذِيب للموادِّ العطريَّة الطيَّارة، أو استخدام الكريمات التي يدخل الكُحول فيها. ولا ينطبق ذلك على الخَمْر؛ لحُرمة الانتفاع به.
- الموادُّ الغذائيَّة التي يُستعْمَل في تصنيعها نسبة ضئيلة من الكُحول لإذابة بعض الموادِّ التي لا تذوب بالماء من مُلوِّنات وحافظات وما إلى ذلك، يجوزُ تناولها لعُموم البَلْوى، ولِتَبَخُّر معظم الكُحول المضاف أثناء تصنيع الغذاء.
[توصيات الندوة الثامنة للمنظمة الإسلاميَّة للعلوم الطبيَّة بالكويت]
* وانظر: فتوى رقم (١٠٤٢، ١٠٣٧)
стр. 935
رابعاً: الخميرة:
خَمِيرَةُ البِيرَةِ الخَالِيَةُ مِنَ المُسْكِراتِ
(٩٩٢) السؤال: قد وَرَدَ إلينا منتجاتٌ غذائيَّةٌ تحمل بطاقتُها بياناً عن وجود خَميرَةِ البِيرَةِ ضِمْن مكوِّناتها، وكجزءٍ من تسميتها (خليط دُونات مُتخَمِّرة بخَميرة البِيرَة). عِلْماً بأنَّ الخَميرة المُستَخْدَمَة مَسمُوحٌ بها، والمُنْتجُ خالٍ من الكُح ول.
الرَّجاء الاطِّلاع وموافاتنا بأسرع وقتٍ ممكنٍ بما تَرَوْنَه حول جواز استخدام كلمة (البيرة)؛ حيث إنِّ التسمية المنصوص عليها في المواصفات القياسيَّة المعتمدة هي (خَميرة الخُبْز). مع خالص التحيَّة،،،
الجواب: لا يَحرُم شرعاً تناول هذا المُنتَج ما دام قد ثَبَتَ خُلُوُّه من الموادِّ المُسْكِرَة، وينبغي حذف كلمة (بيرة) من البطاقة؛ سداً للذَّريعة. والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٦٠)]
* * *
الخَمِيرَةُ المُسْتَوْرَدَةُ
(٩٩٣) السؤال: ما حُكْمُ الشَّرْع في الخَميرَةِ المُسْتَورَدةِ من فرنسا والتي تحمل المُكَوِّن (E ٤٩١) مُستَخْلَصٌ من لحم الخنزير ؟
الجواب: بسم الله والحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول وبعد؛
فإنَّ الأصل فيما يستورده بلدنا الجزائر من الموادِّ الغذائيَّة الحِلُّ؛ لخضوعه للمراقبة، وينبغي للمُواطن أن يطمئنَّ لذلك.
هذا، وإنَّ من المقرَّر في الفقه الإسلاميِّ أنَّ المادَّة النَّجِسَة إذا استحالت بالتصنيع أو بإضافة موادَّ تُغيِّر من حالها، فإنَّ حُكْمَها يتغيَّر بتَغيُّر أَوْصافها، (فالعِلَّة تدور مع المَعْلول وجوداً وعدماً).
стр. 936
[لجنة الفتوى (موقع دار الإفتاء الجزائرية)]
* وانظر: فتوى رقم (٢٤٥)
* * *
الخُبْزُ المَعْجُونُ بِخَمِيرَةِ المَرِّيسَةِ أو البِيرَةِ
(٩٩٤) السؤال: ما حُكمُ الخُبْزِ الذي يُصنَعُ بخَميرَة المَرِّيسَة (وهي مشروبٌ سُودانيٌّ يُعمَل من الأَذرةِ، وهو مُسْكِرٌ) ؟
وما حُكمُ الخُبْز المَعْجون بخَميرَة البِيرَة (حَشِيشَة الدِّينار)، وهي تَرِدُ من الخارج، وإذا نُقِعَت ٢٤ ساعة فهي كالبِيرَة؟
الجواب: قال في (التتارخانيَّة) عن (المحيط) ما نصُّه: «أبو يوسُفَ [عن أبي حنيفةَ في] رَجُلٍ اتَّخذَ [مُرِّيًّا] من سَمَكٍ ومِلْحٍ وخَمْرٍ، قال: إذا صار [مُرياً] فلا بأس به، بالأثر الذي جاء عن أبي الدَّرداء. وأبو يوسُفَ ﵀ يقول كذلك إلَّا في خصلةٍ واحدةٍ، أنَّ السَّمَكَ إذا كان هو الغالب، والخَمْر قليلٌ، وأراد أنْ يتناول شيئاً، [ليس له ذلك]، وهو كالخُبْزِ إذا عُجِنَ بالخَمْر، و [إن] كان الخَمْر غالباً، [وتحوَّلت] الخَمْرُ عن طَبْعِها إلى [المُرِّي] فلا بأس بذلك».
وقد نصَّ أبو حنيفة وأبو يوسُف على أنَّ الأشربة المُسْكِرَة المأخوذَة من غير عصير العِنَب أو الزَّبيب أو البَلَح -تَمْراً كان أو بُسْراً-، وإنْ كانت مُحرَّمةً لإسْكارِها، لكنَّها طاهرةٌ عندَهما وعند من وافَقَهُما من الأئمَّة. ومتى صارت الخميرَةُ مُستَهْلَكَةً في الخُبْز، فهي كالنَّجاسَة المُستَهْلَكَ في المَصْبَنَة التي يُتَّخَذ منها الصَّابون.
من هذا يُعلَم أنَّ الخُبْز الذي يُعجَنُ بالمَرِّيسَة التي هي شرابٌ سودانيٌّ يُتَّخَذ من الأذرة -كما هو موضَّح في السؤال-: إذا كان الطَّعامُ هو الغالبُ جازَ تناولُه، وكذلك إذا كانت المَرِّيسَة هي الغالِبَة، ولكنَّها استُهلِكَتْ في الخُبْزِ، وصارت لا أَثَرَ لها؛ فالخُبْز يجوز
стр. 937
أَكْلُه.
ومثلُ ذلك يقال في خَميرَة البِيرَة المُسمَّاة بحَشيشَة الدِّينار؛ إنْ كانت خُلِطَت بالخُبْز، فهي كالخَميرَة إذا خُلِطَت به، وأمَّا إذا كانت تُتَّخَذ شَراباً؛ فإنْ كان كَثيرُه مُسْكِراً، فقليلُه وكَثيرُه حَرامٌ على القول المُفْتَى به.
على أنَّ من القواعِدِ المُقرَّرةِ في الفقه: أنَّ (العامِّيَّ لا مذهب له)؛ فله أنْ يأخذَ بأيِّ مذهبٍ كان من مذاهب الأئمَّة الأربعة المشهورة عند الناس الآن، ومن وافَقَ فِعْلُه مذهبَ مجتهدٍ من هؤلاء المجتهدين، كان ذلك كافياً في جوازه. والله أعلم.
[فتاوى الشيخ بخيت المطيعي (٢/ ٦٤٤ - ٦٤٥)]
* * *
اسْتِعْمَالُ خَمِيرَةِ البِيرَةِ فِي تَخْمِيرِ العَجِينِ
(٩٩٥) السؤال: أفتيتَ في عدد جمادى الأُولَى سنة ١٣٨٥ هـ أنَّ البِيرَة حَرامٌ؛ فما الرَّأْي في خَميرَةِ البِيرَة التي تُسْتَعْمَل في تَخْميرِ العَجين ؟
الجواب: خَميرةُ البِيرَة -فيما أعلم- لا تُتَّخذُ للإسْكارِ ولا تُسْكِرُ، ولكن تُتَّخذُ لتخمير العَجين، فلا نرى فيها تَحْريماً، وخيرٌ للذين يُخَمِّرون أن يعتمدوا على العوامل الطبيعيَّة بفِعْل الزَّمَن، كما يَفْعل نِساءُ القُرَى للاحتياط، ولقول النبيِّ ﷺ : (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكُ).
[فتاوى الشيخ محمَّد أبو زهرة (ص ٦٨٤)]
* وانظر: فتوى رقم (٢٤٦)
* * *
وَضْعُ الخَمِيرَة فِي الدَّقِيقِ
(٩٩٦) السؤال: ما حُكْمُ الخَميرَة التي يَضَعونها في الدَّقيق لتُساعِدَ على تخميره وتَسْهيلِ طَبْخِه؟ فبعضُ الناس يقول: إنَّها خَمْرةٌ ولا يجوزُ استعمالها .
الجواب: أجيبهم على هذا بأنَّه لا بأس بوضع الخميرة في العجين لأجل
стр. 938
أن يتَخَمَّر؛ لأنَّ هذا لا يُؤثِّر فيه شيئاً، ثمَّ هذه الخميرة أيضاً لا أظنُّ أنَّها تُسْكِر لو أنَّ الإنسان تناولها وأَكَلَها، (والأصل في جميع المطعومات، وفي جميع المشروبات، وفي جميع الملبوسات الحِلُّ حتَّى يقوم دليلٌ على التحريم)؛ لقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]، فلا بأس من وَضْع الخميرة في العَجين لأجل أن يتَخَمَّر.
[فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٣٤٦)]
* * *
الخَمَائِرُ وَالجِيلَاتِينُ المُحْتَوِي عَلَى عَنَاصِرَ مِنَ الخِنْزِيرِ
(٩٩٧) السؤال: هناك الخَمائر والجِلاتين تُوجَدُ فيها عناصر مُسْتَخْلَصَة من الخنزير بنِسَبٍ ضَئيلَةٍ جدًّا؛ فهل يجوزُ استعمالُ هذه الخَمائر والجِلاتين ؟
الجواب: لا يَحِلُّ للمُسْلِم استعمال الخَمائر والجِلاتين المأخوذة من الخنازير في الأغذية، وفي الخَمائر والجِلاتين المُتَّخذَة من النَّباتات أو الحيوانات المُذَكَّاة شَرْعاً غُنْيةٌ عن ذلك.
[استفسارات المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن - مجلة المجمع الفقهي الدولي - ع ٣، ج ٣/ص ١٠٨٧ قرار رقم ٢٣/ ١١/٣]
* * *
تَنَاوُلُ حُبُوبِ خَمِيرَةِ البِيرَةِ
(٩٩٨) السؤال: ما حُكمُ تناول حُبوب خَمِيرَةِ البِيرَة ؟
الجواب: خَميرَة البِيرَة فِطْرٌ يُؤخَذ من قُشور العِنَب وغيره من الفاكهة، وربَّما أُخِذَ من عَجينة الخُبْز، أي أنَّه مادَّةٌ مُستخلَصةٌ من موادَّ طبيعيَّة، لا ضرر فيها، وأنَّه لا علاقة لها بالبِيرَة، إلَّا أنَّها قد تُستَعْمَل في صناعة البِيرَة،
стр. 939
وليست مُسْتَخْلَصَة منها.
فإذا كانت هكذا فلا حَرَج في استعمالها إن شاء الله تعالى، فليس فيها نجاسة، وليست ممَّا يُسكِر.
[من فتاوى العصر - قيس آل الشيخ (ص ١٣١)]
* * *
* وانظر: فتوى رقم (١٠٩١)
* * *
خامساً: الجيلاتين:
حُكْمُ الجِيلَاتِينِ
(٩٩٩) السؤال: يسألُ كثير من المسلمين عن حُكْم الجِيلاتين والموادَّ الدُّهْنيَّة الحيوانيَّة الموجودة في الكثير من المأكولات لهذه البلاد ؟ نرجو من حضرتكم الجواب.
الجواب: تَضمَّن السؤال طلب الحكم في مادَّتين مختلفتين: الجيلاتين والموادُّ الدُّهنيَّة الحيوانيَّة. والمقصود بهما الموادُّ التي قد تُستَخْرج من حيوانات غير مأكولة اللَّحم، كالمَيْتَة، والحيوانات غير المُذَكَّاة والخنزير.
والجيلاتين مادَّة غذائيَّة بروتينيَّة غنيَّة بالحُموض الأَمِينِيَّة تدخل في كثير من الصناعات الغذائيَّة؛ كالمعجَّنات، وأغذية الأطفال، وفي صناعة اللَّبَن الرَّائب، والأَجْبَان، والمُثلَّجات، كما تدخل في الصناعة الدَّوائيَّة؛ كصناعة المَحافِظ الدوائيَّة
стр. 940
(كبسولات capsules)، وقد تُستَعْمَل كمادَّة بديلةٍ للبلاسْمَا الدَّمويَّة في معالجة حالات مَرَضِيَّة مختلفة.
لا يوجد الجيلاتين أو الغِرَاء الحيواني حُرًّا في الطبيعة؛ إنَّما ينشأ من معالجة الغِرَاء الحيواني collahene الموجود في جُلود الحيوانات وأحشائها وعِظامها. وتطرأ على الكولاجين تحوُّلات فيزيائيَّة وكيميائيَّة تُغيِّر من بِنْيَتِه الكيميائيَّة تَغيُّراً كاملاً حينما يتحوَّل إلى جيلاتين.
فإن كان الجيلاتين من مصدرٍ حيوانيٍّ مأكولِ اللَّحم؛ كالماعِز والشَّاة والبقر وما شابه، فهو حلالٌ، ولا حرج من استعماله في الغذاء والدَّواء.
وإن كان من مصدرٍ حيوانيٍّ مُشْتَبهٍ به؛ كأن يكون غير مُذكًّى، أو من حيوان غير مأكول اللَّحم، فإنَّ الاستحالة التي طرأت على الأصل -أي الكولاجين- تجعلُ المُرَكَّب الناتج -أي الجيلاتين- طاهراً يجوز أَكْلُه.
جاء في (البحر الرائق): من الأمور التي يكون بها التطهير انقلابُ العَيْن. ومضى إلى أن قال:
وإن كان في غيره -أي الخَمْر-؛ كالخنزير، والمَيْتَة تقع في المُمَلِّحَة فتصير مِلْحاً يُؤْكَل، وَالسِّرْقِين (١)، وَالْعَذِرَة تَحْتَرِق فتصير رَمَادًا [تَطْهُرُ] عند محمَّد. (البحر الرائق ١/ ٢٣٩).
وفي (فتح القدير): «العصيرُ طاهرٌ فيصير خَمْراً ويصير خلًّا فيَطْهرُ، فعرفنا أنَّ استحالة العَيْن تَسْتَتْبِع زوال الوَصْف المُرَتَّب عليها. وعلى قول محمَّد فرَّعوا الحكم بطهارة صابونٍ صُنِعَ من زيتٍ نَجِسٍ». (شرح فتح القدير ١/ ٢٠٠)، وانظر (الحاشية لابن عابدين ١/ ٣١٥ - ٣١٧).
وذهب المالكيَّة إلى أنَّ ما استحال إلى صالحٍ فهو طاهرٌ، وأنَّ ما استحال
стр. 941
إلى فسادٍ فهو نَجِسٌ.
جاء في (الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه): «مِنَ الطاهِر: لَبَنُ الآدميِّ ولو كان كافراً؛ لاستحالته إلى الصلاح». (الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١/ ٥٠).
ثمَّ جاء في موضع آخر: «إذا تغيَّر القَيءُ -وهو الخارج من الطعام بعد استقراره في المَعِدَة- كان نَجِساً، وعِلَّة نجاسته الاستحالة إلى فساد، فإن لم يتغيَّر كان طاهراً». (الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١/ ٥٧).
وعليه؛ فإنَّ انقلاب العَيْن النَّجِسَة الى عَيْن أخرى؛ كأن احترقت فصارت رماداً أو دُخاناً فهي طاهرةٌ؛ قياساً على طهارة الخَمْر بتخلُّلِها، وسواء في ذلك انقلبت بنَفْسِها أو بفِعْل فاعل. وعلى هذا؛ فإنَّ أيَّة نجاسةٍ عَيْنيَّة إذا تحوَّلت إلى عَيْن أخرى بخصائص تركيبيَّة مُخالِفَة، فإنَّها تُعتبر طاهرةً؛ كانتقال عظام المَيْتَة بعد حَرْقها إلى أعيان جديدة من دُخان ورَمادٍ. (أسهل المدارك ج ١/ ٤٠، وانظر: القوانين/٣٤).
وقد وافق ابن تيمية ما ذهب إليه المالكيَّة والأحناف، فقال: «وهذا هو الصواب المقطوع به، فإنَّ هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التحريم، لا لفظاً ولا مَعْنىً، فليست مُحرَّمة، ولا في معنى التحريم، فلا وجه لتحريمها، بل تتناولها نصوص الحِلِّ، فإنَّها من الطيِّبات، وأيضاً في معنى ما اتُّفِق على حِلِّه، فالنصُّ والقياس يقتضي تحليلها، وعلى هذا استحالة الدَّم أو المَيْتَة أو لحم الخنزير، وكُلُّ عَيْن نَجِسَةٍ استحالت إلى عَيْن ثانيةٍ». (مجموع الفتاوى لابن تيمية ج ٢١/ ٦٨).
ويقول ابن تيمية في موضع آخر: «وإذا وَقَعَت النجاسة -كالدَّم، أو المَيْتَة، أو لحم الخنزير- في الماء أو غيره واستُهلِكَت، لم يَبْقَ هناك دَمٌ ولا لحم خنزير أصلاً؛ كما أنَّ الخَمْر إذا استحالت بنَفْسِها وصارت خلًّا،
стр. 942
كانت طاهرةً باتِّفاق العُلماء. وهذا عند من يقول: إنَّ النجاسة إذا استحالت طَهُرَتْ أَقْوى؛ كما هو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر، وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد؛ فإنَّ انقلاب النَّجاسة مِلْحاً [وَرَمَاداً ونحو ذلك، هو كانقلابها ماءً، فلا فَرْق بين أن تَسْتَحِيل رَمَاداً أو مِلْحاً أو ماءً] أو هواءً، ونحو ذلك، والله تعالى قد أباح لنا الطيِّبات». (مجموع الفتاوى لابن تيمية ج ٢١/ ٥٠٠)، وانظر: (إعلام الموقِّعين لابن القيِّم ج ١/ ١٢).
وبالقياس على ما أوردنا؛ فإنَّ الجيلاتين المتكوِّن بالاستحالة من جُلود الحيوانات أو عظامها أو أحشائها طاهرٌ، ويجوز أَكْلُه واستعمالُه في الغذاء والدَّواء. والله تعالى أعلم ...
أمَّا الموادُّ الدُّهْنيَّة الحيوانيَّة المصدر المُستعمَلَة في المأكولات المنتشرة في البلاد الغربيَّة، فتَعْتَريها الشُّبْهَة أو الحُرْمَة؛ لأنَّها كثيراً ما تختلط بدُهْن الخنزير؛ ومن المعروف أنَّ البيانات واللّصاقات الموجودة على هذه الأطعمة لا تَذْكُر مصدر الموادِّ الدَّسِمَة الحيوانيَّة، بل تكتفي بذِكْر كلمة «دُهْنٍ حيوانيٍّ» فقط.
ولذا؛ فإمَّا أن يقوم المُسْتَهلِكُ أو المؤسَّسات الإسلاميَّة بسؤال الشركات الصانعة عن مصدر الموادِّ الدُّهنيَّة الحيوانيَّة، ومن حقِّها أن تحصل على الجواب الصحيح تبعاً لقانون حماية المستهلك، أو تمتنع عن استعمال المادَّة الغذائيَّة المشتملة على الدُّهون الحيوانيَّة؛ للاشتباه باختلاطها بدُهْن الخنزير. والله تعالى أعلم.
[موقع المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث]
* * *
تَنَاوُلُ الحَلَوِيَّاتِ المُحْتَوِيَةِ عَلَى جِيلاتِينٍ بَقَرِيٍّ
(١٠٠٠) السؤال: ما مدى شرعيَّة بعض الحلويَّات التي يوجد فيها
стр. 943
جيلاتين بقريٌّ، وهي مُستورَدَةٌ من دول أهل الكتاب والوثنيَّة، هل يجوز تناولها أو بيعها في المتاجر والجمعيَّات التعاونيَّة؟ وجزاكم الله خيراً.
الجواب: ذهب الحنفيَّة والمالكيَّة -وهو رواية عن أحمد- إلى أنَّ نَجِسَ العَيْن يَطْهُر بالاستحالة، فرَمادُ النَّجِسِ لا يكون نَجِساً، ولا يُعتبَر نَجِساً مِلْحٌ كان حماراً أو خنزيراً أو غيرهما، ولا نَجِسٌ وقع في بئرٍ فصار طِيناً، وكذلك الخَمْر إذا صارت خلًّا، سواء بنَفْسِها أو بفِعْل إنسان أو غيره، لانقلاب العَيْن، ولأنَّ الشرع رَتَّب وَصْف النجاسة على تلك الحقيقة، فينتفي بانتفائها، فإذا صار العَظْم واللحم مِلْحاً أَخَذَ حُكْم المِلْح؛ لأنَّ المِلْح غير العَظْم واللَّحم، ونظائر ذلك في الشرع كثيرة؛ منها: العَلَقَة فإنَّها نَجِسَة، فإذا تحوَّلَت إلى المُضْغَة تَطْهُر، والعصير طاهرٌ، فإذا تحوَّل خَمْراً يَنْجُس.
فيتبيَّن من هذا: أنَّ استحالة العَيْن تَسْتَتْبعُ زوال الوَصْف المُرَتَّب عليها؛ لذا فإنَّ الجيلاتين يُعتبَر مادَّة مُستَحيلَةً، فهو غير الجِلْد والعَظْم الذي استُخرِجَ منهما، وعلى هذا فإنَّه يُباحُ صُنْعُه وأَكْلُه وبَيْعُه وشِراؤه. والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (٢/ ١٦)]
* * *
مادَّة الجِيلِي فِي الحَلَوِيَّاتِ
(١٠٠١) السؤال: أرجو من سماحتكم إفادتي عن موضوع يَشْغَل بالَنَا منذ فترةٍ وهو (الجيلي) الذي يُباع في الجمعيَّات كنوع من الحلويَّات المُثلَّجَة بعد الأَكْل، ويُستَخْدَم بكثرةٍ في البيوت، فهناك من يقول لنا: حَرامٌ أَكْلُه، وآخر يقول: حلالٌ؛ لذا نرجو منكم إفادتنا عن هذا الموضوع؛ هل هو حَرامٌ أم حَلالٌ؟
الجواب: إذا كانت المادَّة المُكوِّنة للجيلي نباتيَّةً (وهو الغالب كما جاء في
стр. 944
دائرة المعارف البريطانيَّة المطبوعة سنة ١٩٦٧ م) فإنَّه لا إشكال في حِلِّه.
وأمَّا إن كان في مكوِّناته أجزاء حيوانيَّة، وقد تحوَّلت تحوُّلًا كاملاً إلى مادَّةٍ أخرى، وخرج عن طبيعته الأُولَى -وهو ما يحصل في الجيلي- فإنَّه طاهرٌ، ويجوز استعماله في الأَكْل وغيره، ولو كانت الأجزاء الحيوانيَّة من حيوان لا يَحِلُّ أَكْلُه أو لم يُذَكَّ تذكيةً شرعيَّةً؛ لأنَّه بتَحوُّلِ عَيْنِه أصبح طاهراً حلالاً. والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٣٨)]
* * *
شُورَبَةُ الدَّجَاجِ وَالجِيلاتِينِ البَقَرِيِّ المُسْتَوْرَدِ مِنْ بِلَادٍ غَيْرِ إِسْلامِيَّةٍ
(١٠٠٢) السؤال: نرجو التكرُّم بموافاتنا برأيكم الخاصِّ بمجالات البيع التالية:
- بيع شوربة دَجاج ومُشْتقَّاتها مع عدم عِلْمِنا بطريقة ذَبْح الدَّجاج، وعِلْمِنا بأنَّها واردةٌ من بلادٍ غير إسلاميَّةٍ.
- بيع مادَّة الجيلاتين البقري مع عدم عِلْمِنا بالطريقة التي تَمَّت فيها ذَبْح الأبقار، وهي واردةٌ كذلك من بلادٍ غير إسلاميَّةٍ.
آملين إجابتكم السريعة، وجزاكم الله عنَّا خير الجزاء.
الجواب: بشأن شوربة الدَّجاج ومادَّة الجيلاتين، ومثلها سائر المنتجات الحيوانيَّة؛ فإن كانت من لحم الخنزير أو المَيْتَة أو الحيوانات المُحرَّم أَكْلُها، فلا يجوز التعامل بها بَيْعاً وشِراءً. أمَّا ما سواها من الحيوانات المأكولة اللحم ومنتجاتها، فما عَلِمْنا أنَّه ذُبِحَ بيد مُسلمٍ أو كتابيٍّ على الوجه الشرعيِّ، فإنَّه يَحِلُّ أَكْلُها وبَيعُها وشِراؤها، وما عَلِمْنا أنَّه ذُبِح بيد غير مُسلمٍ أو كتابيٍّ أو أنَّه أزْهِقَت رُوحُه على غير الطريقة الشرعيَّة -ولو بيد مُسلمٍ أو كتابيٍّ- فلا يَحِلُّ أَكْلُه ..
стр. 945
وأمَّا ما جُهِلَ حالُه فيُراعَى فيه أنَّه جاء من باد المسلمين أو بلاد أهل الكتاب (اليهود والنصارى)؛ كأستراليا، والبرازيل، وأميركا، والدَّانمارك، وفرنسا؛ فيَحِلُّ أَكْلُه ما لم يُتَيقَّن أنَّه غير مذبوح على الطريقة الإسلاميَّة، وإن جاء من بلادٍ لا تدين بأحد الأديان السماويَّة الثلاثة (وهي الإسلام، واليهوديَّة، والنصرانيَّة)؛ كالبلاد الشيوعيِّة، والصين، وغيرهما، فهذه البلاد لا يُؤكَل ما ورد منها من اللحوم ومنتجاتها، ما لم يُتَيقَّن أنَّه ذُبِحَ على الوجه الشرعيِّ بيد مُسلمٍ أو كتابيٍّ، فيكون ذلك حلالاً، ويؤكل. والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١٠/ ٣٣)]
* * *
الجِيلاتِينُ الحَيْوَانِيُّ
(١٠٠٣) السؤال: هل الجِيلَاتِينُ حَرامٌ ؟
الجواب: الجيلاتين إذا كان مُحضَّراً من شيءٍ مُحرَّم؛ كالخنزير أو بعض أجزائه؛ كجِلْدِه وعِظامِه ونحوهما، فهو حَرامٌ؛ قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]. وقد أجمع العُلماء على أنَّ شَحْم الخنزير داخلٌ في التحريم. وإن لم يكن داخلًا في تكوين الجيلاتين ومادِّته شيءٌ من المُحرَّمات فلا بأس به.
[فتاوى اللجنة الدائمة (٢٢/ ٢٦٠)]
* * *
اسْتِعْمَالُ الجِيلاتِينِ المُسْتَخْرَجِ مِنَ الخِنْزِيرِ فِي المَوَادِّ الغِذَائِيَّةِ وَالدَّوَائِيَّةِ
(١٠٠٤) السؤال: ما حُكْمُ الجِلَاتين المُستَخْرَج من الخنزير، والمُسْتعمَل في صُنْع الكثير من الموادِّ الغذائيَّة؛ كالألبان والجُبْن، ويُسْتعمَل كغِلافٍ للأَدْوية ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن
стр. 946
والاه.
أمَّا بعد: فلا يجوز أَكْل ما فيه شيءٌ من الخنزير لغير ضرورة؛ لأنَّ الله تعالى حَرَّمَه جُملةً وتَفْصيلًا، وسمَّاه رِجْساً؛ قال الله ﵎: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. أمَّا إن كان الدَّواء لا يُصْنَع إلَّا بهذه المادَّة، ودَعَت الضرورة إلى التداوي به، فلا حرج في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، والله أعلم. وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
[فتاوى دار الإفتاء الليبية (رقم ١٩٣٩)]
* وانظر: فتوى رقم (٢٤٥، ٢٤٦، ٩٩٧، ١٠٥٩، ١٠٦١)
* * *
أَكْلُ الطَّعَامِ المُحْتَوِي عَلَى الجِيلاتِينِ البَقَرِيِّ
(١٠٠٥) السؤال: ما حُكْمُ الأَكْلاتِ التي تحتوي على ما يُسمَّى بالهُلَام أو الجِيلاتين البقري ؟
الجواب: إذا عَلِمْنا أنَّ البقرة ماتت بغير فِعْل آدميٍّ، أو أنَّ ذابِحَها ما ذَكَّاها ذَكاةً شرعيَّةً، أو كان ممَّن لا تَحِلُّ ذكاتُه، فهي مَيْتةٌ لا يَحِلُّ أَكْلُها، فلو ذَبَحَ مجوسيٌّ بقرةً فهي حَرامٌ، ولو سَمَّى الله، ولو أنْهرَ الدَّمَ، وإذا ذَبَحَ المسلم بقرةً ولكن على غير الوجه الشرعيِّ فهي -أيضاً- حَرامٌ ومَيْتةٌ، فإذا أخذ منها شيئاً وخَلَطَه بغيره، وظهرَ له أثرٌ من طَعْمٍ أو لَوْنٍ أو رَائِحةٍ، فهو حَرامٌ، وإن اضْمَحَلَّ (١) فيها ولم يظهر له أثرٌ فلا بأس به؛ لأنَّ الصحابة ﵃ كانوا يأْكُلون من جُبْن المَجُوس، والمَجُوسُ ذبائِحُهُم حَرامٌ؛ لكن لا
стр. 947
يؤخذ من الإِنْفَحَة في الجُبْن إلَّا القليل الذي لا يظهر أثرُه في الطعام، فدلَّ ذلك على أنَّ الشيء الذي لا يظهر أثرُه لا أثرَ له.
[لقاءات الباب المفتوح - ابن عثيمين (رقم ٤٨)]
* * *
أَكْلُ المَوَادِّ الغِذَائِيَّةِ وَالأَدْوِيَةِ الَّتِي يُسْتَعْمَلُ فِيهَا الجِيلَاتِينُ
(١٠٠٦) السؤال: ما حُكْمُ أَكْل الموادِّ الغذائيَّة والأَدْوية التي يُستَعْمَل فيها الجِيلاتين ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن كان هذا الجيلاتين قد تحوَّل عبر مراحل تصنيعية إلى مُرَكَّب جديدٍ فَقَدَ معه خصائص المادَّة الأُولى ومكوِّناتها فلا حرج في استعماله؛ فإنَّ الاستحالة -وهي انقلاب العَيْن بحيث تتحوَّل إلى مادَّةٍ جديدةٍ تفقد مُقوِّمات المادَّة القديمة وخصائصها- لها أثرٌ في الحكم؛ فإنَّ التحريم قد تَعلَّق باسم الخنزير، فإذا كانت مراحل تصنيع الجيلاتين تَسْتَحيلُ معها المكوِّنات الأُولَى وتُصبح شيئاً آخر، فلم يَعُد لهذا الخنزير الذي ارتبط به التحريم أثرٌ ولا وجودٌ.
ولكنَّ الموقِفَ العِلْمِيَّ مُتَردِّدٌ في الحكم بهذه الاستحالة؛ فمن قال بتَحقُّقِها جَزَم بالإباحة، ومن قال بعدم تَحقُّقِها اسْتَصْحَب أصلَ التحريم؛ ونظراً لهذا التردُّد فإنَّ الوَرَع والاحتياط يقتضي تَرْك ما تحقَّقتَ أو غَلَبَ على ظَنِّكَ أنَّه قد صُنع من لحم الخنزير، إلَّا إذا دعت إليه الضرورة أو الحاجة الماسَّة. والله تعالى أعلى وأعلم.
[فتاوى المغتربين - صلاح الصاوي (٨/ ٤٠٦)]
стр. 948
الجَهْلُ بمَصْدَرِ مادَّةِ الجِيلاتين
(١٠٠٧) السؤال: أعيشُ في أمريكا، وهناك كثيرٌ من الأَطْعِمَة التي توجد فيها مادَّة الجِيلَاتين، ولا نعرف مَصْدَرَها، بالإضافة إلى أنَّ هناك كثيراً من المَأْكولات التي يُقال إنَّ فيها مادَّة من الخنزير ؛ مثل الشِّيبْس، البِيبْسِي، الزَّبَادي، إلخ. وإن حاولنا شراء المأكولات من محلَّاتٍ عربيَّةٍ تابعةٍ لمسلمين، نجدُ أنَّها الموادُّ نَفْسُها التي في أسواق الكُفَّار، ولا فَرْق بينها. انصحوني؛ فنحن لا نعرف إن كانت حلالًا أم حَراماً.
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أمَّا بعد:
فإنَّ الجيلاتين إذا كان محضَّراً من شيء مُحرَّم كالخنزير، فهو حَرامٌ؛ قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]. وقد أجمع العُلماء على أنَّ شَحْم الخنزير داخلٌ في التحريم. وإن لم يكن دَخَلَ في تكوين الجيلاتين ومادَّته شيءٌ من المُحرَّمات، فلا بأس به. اهـ. كذا في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلميَّة والإفتاء.
وأمَّا إذا كان الجيلاتين مجهول الأصل؛ هل هو من حيوان، أو من غيره؟ وهل تمَّ علاجه أو لم يتمَّ؟
فالظاهرُ أنَّه مباح الاستعمال؛ لعموم البَلْوَى، وجهالة الأصل، ولأنَّ أغلب هذه الموادّ المُصنَّعة تكون قد جرى عليها معالجة؛ حتَّى تتحوَّل عن أصلها، ولأنَّ (الأصل في الأشياء الإباحة).
وقد سبق بيان حكم شُرْب مَشْروب البيبسي في الفتوى رقم ٦٨٩٨٦، وبيَّنَّا أنَّ الأصل في تناول هذه المشروبات الإباحة؛ حتَّى يثبت ما يُوجِبُ التحريم؛ من اشتمالها على مُسْكِرٍ، أو مُشتقَّات الخنزير، ونحو ذلك. وما قيل في هذه المشروبات يقال
стр. 949
في الزَّبادي، والبطاطس وغيرهما. والله أعلم.
[فتاوى الشبكة الإسلاميَّة (رقم ٢٨٠٧٩٥)]
* * *
قَرَارُ مَجْمَعِ الفِقْهِ الإِسْلامِيِّ بِشَأْنِ مَوْضُوعِ الجِيلاتِينِ
(١٠٠٨) انعقد المجمع بمكَّة المكرَّمة في دورته الخامسة عشرة التي بدأت يوم السبت ١١ رجب ١٤١٩ هـ الموافق ٣١ أكتوبر ١٩٩٨ م، بشأن موضوع الجيلاتين، وبعد المناقشة والتدارس، ظهر للمجلس: أنَّ الجيلاتين مادَّة تُسْتخدمُ في صناعة الحلويَّات، وبعض الأدوية الطبِّيَّة، وهي تُسْتخلصُ من جلود الحيوانات وعظامها، وبناء عليه قرَّر المجلس ما يلي:
أوَّلًا: يجوز استعمال الجيلاتين المُسْتخرج من الموادّ المباحة، ومن الحيوانات المباحة، المذكَّاة تذكية شرعيَّة، ولا يجوز استخراجه من مُحرَّمٍ؛ كجِلْد الخنزير وعظامه، وغيره من الحيوانات والموادّ المُحرَّمة.
ثانياً: يوصي المجلس الدولَ الإسلاميَّةَ، والشركات العاملة فيها، وغيرهما أن تتجنَّب استيراد كُلِّ المُحرَّمات شَرْعاً، وأن تُوفِّر للمسلمين الحلال الطيِّب.
[المجمع الفقهي لرابطة العالم الاسلامي (ص ٢٣)]
* * *
قَرَارُ مَجْمَعِ الفِقْهِ الإِسْلامِيِّ بِالهِنْدِ بِشَأْنِ الجِيلاتِينِ
(١٠٠٩) قرَّرت الندوة الرابعة عشرة بهذا الخصوص ما يلي:
أوَّلًا: «الجيلاتين» مادَّة كيمياويَّة عُضْويَّة، ونوعٌ من البروتين، يتمُّ صُنْعُه بإجراء تغيُّراتٍ كيمياويَّة في «بروتين» يوجد في جُلود وعَظْم الحيوانات، ويُدْعى «كولاجين»، إنَّه
стр. 950
في طبيعته وتركيبته الكيمياويَّة يختلف تماماً عن الكولاجين، ويُصْبحُ -بعد المرور بالعمل الكيمياوي- نوعاً خاصًّا من البروتينات، مادَّة الجيلاتين هذه تكون مختلفة تماماً عن الكولاجين في لونها، ورائحتها، وطعمها، وخصوصياتها.
ثانياً: معلومٌ أنَّ ما حَرَّمَته الشريعة الإسلاميَّة من الأشياء يُرْفَع عنها حكم التحريم السابق حال تغيَّر طبيعتها وماهيتها؛ ذلك لأنَّ خصائص الشيء -أيَّ شيءٍ- الأساسيَّة هي التي تُكَوِّن طبيعة وماهية ذلك الشيء، ولقد اطَّلَع المجْمَع على نتائج أبحاث الأخصائيِّين، وأنَّها تُبرْهِن على أنَّ مادَّة الجيلاتين تخلو من أيَّة خصوصيَّة طبيعيَّة من خصائص الحيوانات التي تُستَخْرَج من جُلودها وعِظامِها تلك المادَّة؛ وإنَّما تتحوَّل إلى مادَّة كيمياويَّة لا علاقة لها بالكولاجين؛ ولهذه الأسباب يقال: إنَّه يجوز استعمال الجيلاتين شرعاً.
[فتاوى فقهية معاصرة (ص ١٨٠)] [مجموعة القرارات والتوصيات الصادرة عن مجمع الفقه الاسلامي بالهند - قرار رقم ٦٠ (٣/ ١٤) سنة ٢٠٠٤ م]
* * *
تَوْصِيَةٌ بِشَأْنِ اسْتِخْدَامِ مَادَّةِ الجِيلاتِينِ فِي الغِذَاءِ وَالدَّوَاءِ
(١٠١٠) ضرورة الاستفادة من جلود وعظام الحيوانات المُذكَّاة لاستخراج مادَّة الجيلاتين التي تُستَخْدَم في الغذاء والدَّواء؛ وذلك حفاظاً على الثروة الوطنيَّة، وتجنُّباً لشُبُهات استعمال موادّ من مصادر غير مقبولة شرعاً .
[توصيات الندوة الثامنة للمنظمة الإسلاميَّة للعلوم الطبية بالكويت ١٤١٥ هـ/١٩٩٥ م]