والاه.
أمَّا بعد: فلا يجوز أَكْل ما فيه شيءٌ من الخنزير لغير ضرورة؛ لأنَّ الله تعالى حَرَّمَه جُملةً وتَفْصيلًا، وسمَّاه رِجْساً؛ قال الله ﵎: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. أمَّا إن كان الدَّواء لا يُصْنَع إلَّا بهذه المادَّة، ودَعَت الضرورة إلى التداوي به، فلا حرج في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، والله أعلم. وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
[فتاوى دار الإفتاء الليبية (رقم ١٩٣٩)]
* وانظر: فتوى رقم (٢٤٥، ٢٤٦، ٩٩٧، ١٠٥٩، ١٠٦١)
* * *
أَكْلُ الطَّعَامِ المُحْتَوِي عَلَى الجِيلاتِينِ البَقَرِيِّ
(١٠٠٥) السؤال: ما حُكْمُ الأَكْلاتِ التي تحتوي على ما يُسمَّى بالهُلَام أو الجِيلاتين البقري ؟
الجواب: إذا عَلِمْنا أنَّ البقرة ماتت بغير فِعْل آدميٍّ، أو أنَّ ذابِحَها ما ذَكَّاها ذَكاةً شرعيَّةً، أو كان ممَّن لا تَحِلُّ ذكاتُه، فهي مَيْتةٌ لا يَحِلُّ أَكْلُها، فلو ذَبَحَ مجوسيٌّ بقرةً فهي حَرامٌ، ولو سَمَّى الله، ولو أنْهرَ الدَّمَ، وإذا ذَبَحَ المسلم بقرةً ولكن على غير الوجه الشرعيِّ فهي -أيضاً- حَرامٌ ومَيْتةٌ، فإذا أخذ منها شيئاً وخَلَطَه بغيره، وظهرَ له أثرٌ من طَعْمٍ أو لَوْنٍ أو رَائِحةٍ، فهو حَرامٌ، وإن اضْمَحَلَّ (١) فيها ولم يظهر له أثرٌ فلا بأس به؛ لأنَّ الصحابة ﵃ كانوا يأْكُلون من جُبْن المَجُوس، والمَجُوسُ ذبائِحُهُم حَرامٌ؛ لكن لا
стр. 947
يؤخذ من الإِنْفَحَة في الجُبْن إلَّا القليل الذي لا يظهر أثرُه في الطعام، فدلَّ ذلك على أنَّ الشيء الذي لا يظهر أثرُه لا أثرَ له.
[لقاءات الباب المفتوح - ابن عثيمين (رقم ٤٨)]
* * *
أَكْلُ المَوَادِّ الغِذَائِيَّةِ وَالأَدْوِيَةِ الَّتِي يُسْتَعْمَلُ فِيهَا الجِيلَاتِينُ
(١٠٠٦) السؤال: ما حُكْمُ أَكْل الموادِّ الغذائيَّة والأَدْوية التي يُستَعْمَل فيها الجِيلاتين ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ أما بعد:
فإن كان هذا الجيلاتين قد تحوَّل عبر مراحل تصنيعية إلى مُرَكَّب جديدٍ فَقَدَ معه خصائص المادَّة الأُولى ومكوِّناتها فلا حرج في استعماله؛ فإنَّ الاستحالة -وهي انقلاب العَيْن بحيث تتحوَّل إلى مادَّةٍ جديدةٍ تفقد مُقوِّمات المادَّة القديمة وخصائصها- لها أثرٌ في الحكم؛ فإنَّ التحريم قد تَعلَّق باسم الخنزير، فإذا كانت مراحل تصنيع الجيلاتين تَسْتَحيلُ معها المكوِّنات الأُولَى وتُصبح شيئاً آخر، فلم يَعُد لهذا الخنزير الذي ارتبط به التحريم أثرٌ ولا وجودٌ.
ولكنَّ الموقِفَ العِلْمِيَّ مُتَردِّدٌ في الحكم بهذه الاستحالة؛ فمن قال بتَحقُّقِها جَزَم بالإباحة، ومن قال بعدم تَحقُّقِها اسْتَصْحَب أصلَ التحريم؛ ونظراً لهذا التردُّد فإنَّ الوَرَع والاحتياط يقتضي تَرْك ما تحقَّقتَ أو غَلَبَ على ظَنِّكَ أنَّه قد صُنع من لحم الخنزير، إلَّا إذا دعت إليه الضرورة أو الحاجة الماسَّة. والله تعالى أعلى وأعلم.
[فتاوى المغتربين - صلاح الصاوي (٨/ ٤٠٦)]
стр. 948
الجَهْلُ بمَصْدَرِ مادَّةِ الجِيلاتين
(١٠٠٧) السؤال: أعيشُ في أمريكا، وهناك كثيرٌ من الأَطْعِمَة التي توجد فيها مادَّة الجِيلَاتين، ولا نعرف مَصْدَرَها، بالإضافة إلى أنَّ هناك كثيراً من المَأْكولات التي يُقال إنَّ فيها مادَّة من الخنزير ؛ مثل الشِّيبْس، البِيبْسِي، الزَّبَادي، إلخ. وإن حاولنا شراء المأكولات من محلَّاتٍ عربيَّةٍ تابعةٍ لمسلمين، نجدُ أنَّها الموادُّ نَفْسُها التي في أسواق الكُفَّار، ولا فَرْق بينها. انصحوني؛ فنحن لا نعرف إن كانت حلالًا أم حَراماً.
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أمَّا بعد:
فإنَّ الجيلاتين إذا كان محضَّراً من شيء مُحرَّم كالخنزير، فهو حَرامٌ؛ قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]. وقد أجمع العُلماء على أنَّ شَحْم الخنزير داخلٌ في التحريم. وإن لم يكن دَخَلَ في تكوين الجيلاتين ومادَّته شيءٌ من المُحرَّمات، فلا بأس به. اهـ. كذا في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلميَّة والإفتاء.
وأمَّا إذا كان الجيلاتين مجهول الأصل؛ هل هو من حيوان، أو من غيره؟ وهل تمَّ علاجه أو لم يتمَّ؟
فالظاهرُ أنَّه مباح الاستعمال؛ لعموم البَلْوَى، وجهالة الأصل، ولأنَّ أغلب هذه الموادّ المُصنَّعة تكون قد جرى عليها معالجة؛ حتَّى تتحوَّل عن أصلها، ولأنَّ (الأصل في الأشياء الإباحة).
وقد سبق بيان حكم شُرْب مَشْروب البيبسي في الفتوى رقم ٦٨٩٨٦، وبيَّنَّا أنَّ الأصل في تناول هذه المشروبات الإباحة؛ حتَّى يثبت ما يُوجِبُ التحريم؛ من اشتمالها على مُسْكِرٍ، أو مُشتقَّات الخنزير، ونحو ذلك. وما قيل في هذه المشروبات يقال
стр. 949
في الزَّبادي، والبطاطس وغيرهما. والله أعلم.
[فتاوى الشبكة الإسلاميَّة (رقم ٢٨٠٧٩٥)]
* * *
قَرَارُ مَجْمَعِ الفِقْهِ الإِسْلامِيِّ بِشَأْنِ مَوْضُوعِ الجِيلاتِينِ
(١٠٠٨) انعقد المجمع بمكَّة المكرَّمة في دورته الخامسة عشرة التي بدأت يوم السبت ١١ رجب ١٤١٩ هـ الموافق ٣١ أكتوبر ١٩٩٨ م، بشأن موضوع الجيلاتين، وبعد المناقشة والتدارس، ظهر للمجلس: أنَّ الجيلاتين مادَّة تُسْتخدمُ في صناعة الحلويَّات، وبعض الأدوية الطبِّيَّة، وهي تُسْتخلصُ من جلود الحيوانات وعظامها، وبناء عليه قرَّر المجلس ما يلي:
أوَّلًا: يجوز استعمال الجيلاتين المُسْتخرج من الموادّ المباحة، ومن الحيوانات المباحة، المذكَّاة تذكية شرعيَّة، ولا يجوز استخراجه من مُحرَّمٍ؛ كجِلْد الخنزير وعظامه، وغيره من الحيوانات والموادّ المُحرَّمة.
ثانياً: يوصي المجلس الدولَ الإسلاميَّةَ، والشركات العاملة فيها، وغيرهما أن تتجنَّب استيراد كُلِّ المُحرَّمات شَرْعاً، وأن تُوفِّر للمسلمين الحلال الطيِّب.
[المجمع الفقهي لرابطة العالم الاسلامي (ص ٢٣)]
* * *
قَرَارُ مَجْمَعِ الفِقْهِ الإِسْلامِيِّ بِالهِنْدِ بِشَأْنِ الجِيلاتِينِ
(١٠٠٩) قرَّرت الندوة الرابعة عشرة بهذا الخصوص ما يلي:
أوَّلًا: «الجيلاتين» مادَّة كيمياويَّة عُضْويَّة، ونوعٌ من البروتين، يتمُّ صُنْعُه بإجراء تغيُّراتٍ كيمياويَّة في «بروتين» يوجد في جُلود وعَظْم الحيوانات، ويُدْعى «كولاجين»، إنَّه
стр. 950
في طبيعته وتركيبته الكيمياويَّة يختلف تماماً عن الكولاجين، ويُصْبحُ -بعد المرور بالعمل الكيمياوي- نوعاً خاصًّا من البروتينات، مادَّة الجيلاتين هذه تكون مختلفة تماماً عن الكولاجين في لونها، ورائحتها، وطعمها، وخصوصياتها.
ثانياً: معلومٌ أنَّ ما حَرَّمَته الشريعة الإسلاميَّة من الأشياء يُرْفَع عنها حكم التحريم السابق حال تغيَّر طبيعتها وماهيتها؛ ذلك لأنَّ خصائص الشيء -أيَّ شيءٍ- الأساسيَّة هي التي تُكَوِّن طبيعة وماهية ذلك الشيء، ولقد اطَّلَع المجْمَع على نتائج أبحاث الأخصائيِّين، وأنَّها تُبرْهِن على أنَّ مادَّة الجيلاتين تخلو من أيَّة خصوصيَّة طبيعيَّة من خصائص الحيوانات التي تُستَخْرَج من جُلودها وعِظامِها تلك المادَّة؛ وإنَّما تتحوَّل إلى مادَّة كيمياويَّة لا علاقة لها بالكولاجين؛ ولهذه الأسباب يقال: إنَّه يجوز استعمال الجيلاتين شرعاً.
[فتاوى فقهية معاصرة (ص ١٨٠)] [مجموعة القرارات والتوصيات الصادرة عن مجمع الفقه الاسلامي بالهند - قرار رقم ٦٠ (٣/ ١٤) سنة ٢٠٠٤ م]
* * *
تَوْصِيَةٌ بِشَأْنِ اسْتِخْدَامِ مَادَّةِ الجِيلاتِينِ فِي الغِذَاءِ وَالدَّوَاءِ
(١٠١٠) ضرورة الاستفادة من جلود وعظام الحيوانات المُذكَّاة لاستخراج مادَّة الجيلاتين التي تُستَخْدَم في الغذاء والدَّواء؛ وذلك حفاظاً على الثروة الوطنيَّة، وتجنُّباً لشُبُهات استعمال موادّ من مصادر غير مقبولة شرعاً .
[توصيات الندوة الثامنة للمنظمة الإسلاميَّة للعلوم الطبية بالكويت ١٤١٥ هـ/١٩٩٥ م]
стр. 951
سادساً: مضافات أخرى:
اسْتِعْمَالُ الفَانِيلاَّ فِي الأَطْعِمَةِ وَالحَلَوِيَّاتِ
(١٠١١) السؤال: قرأتُ في عدَّة مواقع على الإنترنت أنَّ (الفانيلا) نوعان: أحدهما سائلٌ، والآخر على شكل بودرة، وأنَّ طريقة صنع الفانيلَّا السائلة يدخل فيها استخدام الخَمْر ؛ حيث تُنقع الفانيلَّا بالخَمْر. ما حُكْمُ استعمال هذه المادَّة في صُنْع الأَطْعِمَة والحلويَّات؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله.
إذا ثبت أنَّ أي مادَّة تُنقع في الخَمْر فلا يجوز استعمالها في أيِّ نوع من أنواع الأطعمة؛ لأنَّ الشارع الحكيم حَرَّم تناول الخَمْر تحريماً قاطعاً، وحَرَّم استعماله في أيِّ مطعوم كان؛ قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
وقال ﷺ : (لَعَنَ اللهُ الخَمْر، وَشَارِبَهَا، وَساقِيَهَا، وَبائِعَهَا، وَمُبْتاعَهَا، وَعاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحامِلَهَا، وَالمَحْمُولةَ إلَيْهِ) رواه أبو داود من حديث ابن عمر ﵄.
وأمَّا إذا لم يثبت ذلك فلا حَرَج في استعمالها؛ لأنَّ (الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يثبت دليلٌ على حُرْمَتِها). والله تعالى أعلم.
[فتاوى دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٢٠٤١)]
* * *
حَلِيبُ الرُّضَّعِ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ أَنْزِيمٌ مَأْخُوذٌ مِنْ بَنْكِرْيَاسِ الخِنْزِيرِ
(١٠١٢) السؤال: وَرَدَنا سؤالٌ خاصٌّ من عُطوفَةِ مدير عامِّ مؤسَّسة المُواصَفات والمقاييس عن شرعيَّة استخدام أَنْزيم «البورسين تربسين» المأخوذ من بنكرياس الخنزير في حليب الرُّضَّع الطبِّي .
стр. 952
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله.
لا يخفى أنَّ الخنزير ومشتقَّاته حَرامٌ بنصِّ القرآن الكريم؛ قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، ولكن إذا كانت مُشتقَّات الخنزير دواءً لمرض ليس له دواء غيرها، جاز استعماله كعلاج، لا كوقاية من مَرَضٍ مُحتَمَلٍ.
وعليه؛ فلا يجوز استيراد الحليب الذي فيه مُشتقَّات الخنزير؛ لأنَّ هذا الحليب سوف يستعملُه المريض وغير المريض. والله تعالى أعلم.
[فتاوى دائرة الإفتاء الأردنية، رقم (٧٣٤)]
* * *
اسْتِعْمَالُ مَوَادَّ مِنْ مُشْتَقَّاتِ الخِنْزِيرِ
(١٠١٣) السؤال: من المعلوم أنَّ دُهْن الخنزير، وكذلك جِلْدُه وعِظامُه تُستخدَمُ في صناعة العديد من المُنْتَجات المستعملة بشكلٍ يوميٍّ من قِبَلِ فئات غير قليلةٍ من المجتمع الإسلامي .
من هذه المنتجات على سبيل المثال لا الحصر: موادُّ الزِّينة للنساء؛ كأحمر الشِّفاه، والدُّهون الجِلْديَّة، أو المَعاطِف المصنوعة من جِلْد الخنزير، أو غير ذلك من المنتجات.
وحيث إنَّ لحم الخنزير مُحرَّم شرعاً؛ فهل يَسْري هذا التحريم على المُنْتَجات المذكورة أعلاه، التي يتمُّ استعمالها خارجيًّا؟ الرجاء إعلامنا بالفتوى الشرعيَّة حول هذا الموضوع؛ لما لذلك من أهمِّيَّةٍ في عملنا في وضع المواصفات الخاصَّة بمثل تلك المنتجات، وكذلك فحصها. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.
الجواب: إذا تحوَّلت مادَّة الخنزير إلى مادَّة أخرى، فالذي ذهب إليه السادة الأحناف -كما في (حاشية ردِّ المحتار لابن عابدين الشامي ١/ ٥١٩، ٥٣٤)
стр. 953
أنَّ ذلك التحوُّل يُعدُّ تطهيراً لها عندهم؛ لعموم البَلْوى، والبَلْوى إذا عَمَّت تدخل في قاعدة: (المشقة تجلب التيسير)، أو قاعدة: (إذا ضاق الأمر اتَّسَع).
وهذا كلُّه فيما إذا انقلبت الحقيقة إلى حقيقة أُخرى؛ كتحوُّل دُهْن الخنزير أو شحمه إلى صابون أو أحمر شِفاهٍ، لا ما تبقى حقيقتُه؛ كجِلْد الخنزير الذي يُستعمل معاطف، ونحو ذلك؛ فهذا لا يجوز اتِّفاقاً؛ لأنَّ حقيقة الخنزير باقيةٌ فيه -كما تدلُّ عليه عبارة ابن عابدين ١/ ٥١٩ - ، وهو مُحرَّمٌ نصًّا وقطعاً؛ ولذلك قال خليل في (مختصره): «ورُخِّصَ فيه -أي جِلْد المَيْتَةِ المدبوغ- مُطْلَقاً؛ يعني من مباح الأَكْل وغيره، إلَّا من خنزير»؛ يعني فلا يَحِلُّ بحالٍ؛ لأنَّ الذَّكاة لا تعمل فيه إجماعاً، فكذا الدِّباغ على المشهور، كما في (حاشية الدسوقي ١/ ٥٤).
وبهذا عُلِمَ أنَّ ما انقلب عن مادَّته الأصليَّة إلى مادَّة أُخرى، جاز استعماله بناءً على رأي السادة الأحناف؛ لعموم البَلْوى، وما بقي على أصل وَضْعِه؛ كلَحْمِه وشَحْمِه وجِلْدِه وعَظْمِه، لا يجوز استعماله اتِّفاقاً. والله تعالى أعلم.
[فتاوى شرعية - إدارة الإفتاء والبحوث بدبي (٧/ ٢١٧ - ٢١٨)]
* * *
اسْتِخْدَامُ مَادَّةٍ مُنَشِّطَةٍ فِي الأَغْذِيَةِ
(١٠١٤) في ٧ - ٨ من مارس لعام ١٩٩٠ م عقد مجلس الفتوى الوطني الماليزي الجلسة (٢٦) للمباحثة في حُكْم استخدام مادَّة مُنَشِّطَة في الأغذية. وأصدر المجلس قراره بجواز استخدام المادَّة المُنشِّطة بشرط أن تكون المادَّة منتوجاً نباتيًّا. وأمَّا إذا كان من مصدر حيواني، فلا بُدَّ أن يكون من حيوانٍ حلالٌ أَكْلُه، وذُبِحَ وفقاً لطريقة الذَّبْح الإسلامي.
стр. 954
[قرارات مذاكرة لجنة الفتوى بالمجلس الوطني للشؤون الإسلاميَّة الماليزية (ص ٨٨)]
* * *
مَوَادُّ التَلْوِينِ المَصْنُوعَةُ مِنَ الدُّودَةِ القُرْمُزِيَّةِ
(١٠١٥) مذاكرة أعضاء لجنة الفتوى التابعة للمجلس الوطني للشؤون الدِّينيَّة الإسلاميَّة الماليزيَّة عدد ١٠٠ من ٤ إلى ٦ يوليو ٢٠١٢ م ناقشت حُكْم موادّ التلوين من الدودة القُرْمُزيَّة: مراجعة المقدار الذي وَضَعَتْه لجنة الفتوى التابعة للمجلس الوطني للشؤون الدِّينيَّة الإسلاميَّة الماليزيَّة، فقرَّرت اللَّجنة النتائج على النحو الآتي:
بعد الاطِّلاع على الأدلَّة والحُجَج والآراء المطروحة، قرَّرت اللَّجنة أنَّ الدودة القُرْمزيَّة نوعٌ من الحشرات (الإناث من الخنافس) ليست ضارَّةً، بل يمكن استخدام الموادّ المُغذِّية المستمدَّة من الصبغ القرمزي للإنسان. وأمَّا من الناحية القانونيَّة الوطنيَّة؛ فقد وَضَعَتْ قوانينُ الأغذية عام ١٩٨٥ م بجوار الصبغة من الكارمين التي تمَّ الحصول عليها وإنتاجها من الدودة القُرْمزيَّة وفقاً لممارسات التصنيع الجديدة (جي. إم. في)، وأكَّدت اللَّجنة على أنَّ جمهور الفقهاء اتَّفقوا على طهارة مَيْتَةِ الحشرات التي لا يَسِيلُ منها الدَّم، والصبغة القرمزية مأخوذة من الدودة القُرْمزيَّة المَيِّتة التي لا يَسيلُ منها الدَّم.
وبناءً على ذلك؛ قرَّرت اللَّجنة جوازَ استخدام موادّ التلوين من الدودة القُرْمزيَّة في الأطعمة والأشربة والموادّ الاستهلاكيَّة. والقَدْرُ المُسْموحُ فيه حسب المبادئ التوجيهيَّة من وزارة الصحَّة في ماليزيا طالما أنَّه لا يؤذي.
[قرارات مذاكرة لجنة الفتوى بالمجلس الوطني للشؤون الإسلاميَّة الماليزية (ص ٩٤ - ٩٥)]
стр. 955
إِدْخَالُ المَادَّةِ المُلَوِّنَةِ (Cochineai) فِي الأَطْعِمَةِ
(١٠١٦) في ٢٣ من مارس لعام ١٩٩٥ م عقد مجلس الفتوى الوطني الماليزي الجلسة (٣٧) للمباحثة في حكم إدخال المادَّة الملوِّنة (Cochineai) في الأطعمة. واتَّفق المجلس على إجازة استخدام الموادّ الملوِّنة في الأطعمة بقَدْر المعيار المُعيَّن الذي لا يتجاوز بين (٠. ٠٠٣ - ٠. ٠٠٦ %).
[قرارات مذاكرة لجنة الفتوى بالمجلس الوطني للشؤون الإسلاميَّة الماليزية (ص ٨٨)]
* * *
اسْتِخْدَامُ رِيشَةِ الحَيْوَانَات الحَلالِ أَكْلُهَا كَمُكَوِّنٍ غِذَائِيٍّ
(١٠١٧) في الأوَّل من مارس لعام ٢٠١٠ م عقد مجلس الفتوى الوطني الماليزي الجلسة (٩٠) لمباحثة في حكم استخدام ريشة الحيوانات الحلال أَكْلُها كمكونات غذائيَّة. واتَّفق المجلس على إجازة استخدام فيتامين D ٣ المُستمَدَّةِ من ريشة الحيوانات الحلال أَكْلُها، سواء أُخِذَت تلك الرِّيَشُ أثناء حياة تلك الحيوانات، أو بعد ذَبْحِها طبقاً للشريعة الإسلاميَّة.
[قرارات مذاكرة لجنة الفتوى بالمجلس الوطني للشؤون الإسلاميَّة الماليزية (ص ١٠١)]
* * *
إِضَافَةُ مَوَادَّ حَيْوَانِيَّةٍ مِنْ عُصَارَةِ المَعِدَةِ لِصُنْعِ الحَلَوِيَّاتِ
(١٠١٨) السؤال: أعلنت شركة «ماستر فودز» المصنِّعة للحلويَّات المشهورة: مارس، باونتي، سنيكرس، تويكس، وغيرها، أنَّها ابتداءً من هذا الشهر يناير ٢٠٠٩ ستبدأ بتغيير طريقة إنتاجها لجميع منتجاتها، بما فيها الآيس كريم . وذلك باستبدال الموادَّ النباتيَّة بموادَّ حيوانيَّة (عُصارة المَعِدَةِ)؛
стр. 956
لصناعة هذه الحلويَّات. هل ستدخل هذه المنتجات في طَوْر التحريم بالنسبة للمسلمين؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أمَّا بعد:
فهذه الموادُّ الحيوانيَّة إن كانت مأخوذةً من حيوانٍ حلالٍ بعد ذَكاتِه فلا إشكال في جَوَازِها. وإن عُلِمَ أنَّ أصلها مَيْتَةٌ، أو من حيوانٍ مُحرَّم الأَكْل كالخنزير، أو غير مُذَكًّى، فإنْ تمَّت معالجتها حتَّى تحوَّلت إلى مادَّة أخرى قبل إضافتها إلى المأكولات، فإنَّ الراجح من أقوال أهل العِلْم أنَّها تَطْهُر ويجوز استعمالها. أمَّا إذا لم تحصل معالجتها، أو حصلت لكنَّها لم تُحوِّلها إلى مادَّة أخرى، فإنَّها تبقى على أصلها، وهو النجاسة وحُرْمَة الاستعمال؛ لأنَّه بامتزاج تلك المادَّة النَّجِسَة بها صارت نَجِسَةً؛ لأنَّ كُلَّ مائع غير الماء الطهور يتَنَجَّس بمُجرَّد ملاقاة النجاسة.
أمَّا إذا كانت مجهولة الحال أو المصدر، فالظاهر أنَّها مباحة؛ لعموم البَلْوَى وجَهالة الأصل، ولأنَّ أغلب هذه الموادّ المُصنَّعة تكون قد جرى عليها معالجة حتَّى تتحول عن أصلها.
والذي يجري عادةً أنَّ الشركة المُصنِّعة تكتب مكوِّنات كُلِّ سِلْعةٍ على غِلافها بصورةٍ مفصَّلةٍ ترفع الشكَّ، وأحياناً تكون هناك عبارة مُبْهَمَة مَشْبوهَة؛ مثل أن يكتب ضمن المكوِّنات: «دُهون حيوانيَّة»، دون تحديد نوع الحيوان، هل هو عِجْلٌ أو خنزيرٌ. وفي هذه الحال نرى تَوَخِّي الحذر طالما وُجِدتْ الشُّبْهَة؛ لأنَّ كونها من الخنزير ليس احتمالًا ضعيفاً. وهذا يكفي في وجوب تَجنُّبِها.
وإن اختلف في مصدر هذه الموادّ، وتضاربت فيه الأقوال، وحصل الشكُّ؛ بحيث لا يستطع الإنسان أن يُرجِّح أيًّا من الاحتمالات، فيجب
стр. 957
عندئذٍ توخِّي الحذر أيضاً؛ لأنَّ احتمال كونها من الخنزير، أو من حيوانٍ غير مُذَكًّى ليس ضعيفاً، وهذا يكفي في وجوب تجنُّبِها، كما سبق، فقد قال النبيُّ ﷺ : (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ). رواه الترمذي وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ، والنسائي وأحمد، وصحَّحه الألباني ... والله أعلم.
[فتاوى الشبكة الإسلاميَّة (رقم ١١٨٥٥٤)]
* * *
الشَّكُّ فِي احْتِوَاءِ المُنْتَجَاتِ الغِذَائِيَّةِ عَلَى شَيءٍ مِنْ مُشْتَقَّاتِ الخِنْزِيرِ
(١٠١٩) السؤال: هناك كثير ممَّن يُشكِّكون بمنتوجات الأجْبان والأَلْبان لمُجرَّد خَوْفِهم من احتوائها لشيءٍ يُؤخَذُ من الخِنزير .
الجواب: أمَّا منتوجات الأجْبان والألبان والعصائر، فما يتخوَّفه الكثيرون من اشتمالها على أشياء من الخنزير، كالإنْفَحَة أو الشحوم صحيحٌ في الجُمْلَة؛ لكثرته كثرةً تدعو إلى التخوُّف، وتُوجِبُ التحرِّي. لكن يكفي أن يقرأ الشخص مكوِّنات هذه الأغذية ليعرف ما إن كان من بين مُرَكَّباتها هذه الأشياء المحذورة أم لا. والذي يجري عادةً أنَّ الشركة المُصنِّعة تكتبُ مكوِّنات كُلِّ غذاءٍ على غِلافِه بصورةٍ مُفصَّلة تَرْفَعُ الشكَّ، وأحياناً تكون هناك عبارة مُبْهَمَةٌ، مثل أن يُكتَبَ ضمن المكوِّنات: «إنْفَحَة حيوان» أو «دهون حيوانيَّة»، دون تحديد نوع الحيوان؛ هل هو عِجْلٌ أو خنزيرٌ. وفي هذه الحال نرى تَوخِّي الحذر؛ لأنَّ الغالب كونها من الخنزير، وعلى الأقلِّ فإنَّ كونها من الخنزير ليس احتمالاً ضعيفاً. وهذا يكفي في وجوب تَجنُّبها.
وهنا نعود مرَّة أخرى إلى أطعمة اليهود التي تحمل العلامة المعروفة (k)؛ فإنَّهم لا يستجيزون أَكْل لحوم
стр. 958
الخنازير، وبالتالي فإنَّ أطعمتهم خاليةٌ من أجزائها.
فالحاصل أنَّ لدينا الأطعمة التي يُصرَّحُ بأنَّ مكوِّناتها خاليةٌ من أجزاء الخنزير، ولدينا أطعمة اليهود، وهم من أهل الكتاب.
[فتاوى الشبكة الإسلاميَّة (رقم ٢٤٣٧)]
* * *
أَكْلُ الأَطْعِمَةِ المُحْتَوِيَةِ عَلَى مَادَّةِ «مونو دغليسيرد»
(١٠٢٠) السؤال: أنا مقيمٌ في بلدٍ كافرٍ، سؤالي هو: هل يجوزُ أَكْلُ ما يحتوي على «مونو دغليسيرد»؟ هي مادَّةٌ غير موجودةٍ في الطبيعة (على خلاف الجيلاتين)، تُسْتَخْرَج من عِظام الحيوانات، بعد تَحوُّلات عِدَّةٍ .
http://en.wikipedia.org/wiki/Mono_and_diglycerides شكراً.
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أمَّا بعد:
فإذا كانت هذه المادَّة تُسْتَخْرجُ من عِظام حيوانٍ مأكولٍ قد ذُكِّي الذَّكاة الشرعيَّة، فيُباح استعمالها وتناولها. وأمَّا إذا كانت من عِظام حيوانٍ غير مأكولٍ، أو حيوانٍ نَجِسٍ، أو مَيْتةٍ؛ فإنَّه لا يجوز استعمالها ولا تناولها.
غير أنَّ كثيراً من أهل العِلْم يرون أنَّ هذه الموادّ تصيرُ حلالاً إذا اسْتَحالَت عن حقيقتها إلى حقيقة أخرى بالمعالجة أو غيرها، وهو مذهب الحنفيَّة، والظاهريَّة، والمالكيَّة في المشهور، وقالوا: إنَّ الشَّرْع رتَّب وَصْفَ النجاسة على حقيقةٍ، والحقيقة تنتفي بانتفاء بعض أجزاء مفهومها، فكيف إذا انْتَفَتْ أجزاؤها بالكُلِّيَّة؟ وصَوَّب هذا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القَيِّم، بل قال شيخ الإسلام: «هذه الأعيان لم تتناولها نصوص التَّحريم لا لفظاً، ولا معنًى،
стр. 959
فليست مُحرَّمةً ولا في معنى المُحَرَّم، فلا وجه لتحريمها، بل تتناولها نصوص الحِلِّ، فإنَّها من الطَّيِّبات، وهي أيضاً في معنى ما اتُّفِقَ على حِلِّه، فالنصُّ والقياس يقتضي تحليلها». انتهى.
فالحاصل أنَّ هذه المادَّة إن كانت مُشْتقَّةً من عِظام اللحوم المباحة -حسب التفصيل الذي بَيَّنَّاه- فجائزٌ تناولها، ولا شُبْهَة فيه حينئذٍ، وكذلك يجوز تناولها إذا كانت مُشتقَّة من عِظام لحوم غير مباحة، ولكنَّها استحالت عن أصلها استحالةً تامَّةً، وما سِوَى ذلك فحَرامٌ تناوله ... والله أعلم.
[فتاوى الشبكة الإسلاميَّة (رقم ٢٤٥٦٣٨)]
* * *
إِضَافَةُ الأَصْبِغَةِ وَالمُنَكِّهَاتِ الصِّنَاعِيَّةِ إِلَى الآيْس كرِيمِ
(١٠٢١) السؤال: أعملُ في مَحَلِّ بَيْع الآيس كريم، ويوجد في مُكوِّنات الآيس كريم أَصْبِغَةٌ ونَكْهاتٌ صِناعيَّةٌ، فما حُكْم الشرع في ذلك ؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أمَّا بعد:
فإذا كانت هذه الأصبغة والنكهات الصناعيَّة غير ضارَّة، وكانت مادَّتُها مُسْتَخْلَصَةٌ من طاهرٍ مُباح، فلا مانع من استخدامها في مكوِّنات المُثَلَّجات أو غيرها -كالحلويَّات-.
وأمَّا إذا كانت مادَّتُها مُسْتَخْلَصَةً من نَجِسٍ؛ كالخنزير، أو حيوان مأكول لم يُذَكَّ الذَّكاة الشرعيَّة، فلا يجوز استخدامها في هذه المكوِّنات؛ لأنَّها نَجِسَةٌ، إلَّا إذا تمَّت معالجة هذه الأصبغة أو النكهات معالجةً كيميائيَّةً بحيث تستحيلُ النجاسات التي فيها إلى مادَّة أخرى غير نَجِسَةٍ ... والله أعلم.
[فتاوى الشبكة الإسلاميَّة (رقم ٢٨٦٠٥٧)]
стр. 960
تَوْصِيَةٌ بِشَأْنِ المُذِيبَاتِ الصِّنَاعِيَّةِ
(١٠٢٢) المُذِيباتُ الصِّناعيَّة، والموادُّ الحاملةُ والدَّافِعةُ للمادَّة الفعَّالة في العبوات المضغوطة إذا اسُتخدمت وسيلة لغرضٍ أو منفعةٍ مشروعةٍ؛ جائزةٌ شرعاً ، أمَّا استعمالها من أجل الحصول على تأثيرها المُخدِّر أو المهلوس (١) باستنشاقها؛ فهو حَرامٌ شرعاً؛ اعتباراً للمقاصد ومآلات الأفعال.
[توصيات الندوة الفقهية الطبية بالدار البيضاء - ١٤١٨ هـ / ١٩٩٧ م]
* * *
ا لأَطْعِمَةُ الَّتِي تَحْتَوِي عَلَى مُسْتَحْلَبٍ مَجْهُولِ المَصْدَرِ
(١٠٢٣) السؤال: سؤالي عن بعض الأطعمة التي تحتوي على مادَّة اسمها مُسْتَحَلَب، وهذا المُسْتَحْلَب له عِدَّة مصادر من البَيْض أو النباتات أو الحيوان، فإذا كانت الأطعمة تحتوي على المُسْتَحْلَب دون ذِكْر المصدر -وذلك في بلدٍ غير إسلاميٍّ وغير كتابيٍّ- فما العمل؟ وما حُكْمُ أَكْلِها؟ مع العِلْم أنَّنا اسْتَعْلَمْنا عن مصدرها فقيل: إنَّها أغلبُ الظنِّ أنَّها نباتيَّةٌ؟
الجواب: هذه الأطعمة تَعَارَضَ فيها احتمالان، احتمال الحِلِّ واحتمال التحريم، فهي ممَّا عُلِمَ حِلُّها من حيث الأصل، لكن شُكَّ في مُحرِّمِها.
فإن كان شَكُّنا مُستَنِداً إلى علامةٍ -وهي أنَّهم يضعون مُسْتَحْلَباً مُحرَّماً أحياناً-؛ كما في المثال الذي ذَكَرَه السائل؛ فالطعام لا يَحْرُم؛ لِعَدَم الجَزْم بأنَّ المصدر من مُسْتَحْلَبٍ مُحرَّم، وللسائل أن يترك الأَكْل تَوَرُّعاً؛ فهذه المسألة من مَظانِّ الوَرَع، وإن بَحَثَ للتأكُّد من المصدر فلا بأس، وإن
стр. 961
كان البحثُ غيرُ واجبٍ، وإنَّما يجبُ البحثُ للتأكُّد إذا كان الغالب أنَّهم يضعون فيه مُسْتَحْلَباً مُحرَّماً.
أمَّا لو كان شَكُّنا غير مُستندٍ إلى علامةٍ، فهذا تَوَهُّمٌ، فلا ينبغي التردُّد في بقائه على الإباحة الأصليَّة؛ قال العُلماء: الشكُّ بلا علامةٍ وَسْوَسةٌ.
وعَكْسُ ذلك لو عَلِمنا يقيناً أنَّ الطعام فيه مُسْتَحْلَبٌ مُحرَّمٌ لَمْ يَجُز لنا الأَكْل منه.
وقد سأَلَ أحدُهم الإمام مالكاً ﵁ عن جُبْن الرُّوم، فقال: «قد قيل: إنَّهم يجعلون فيه إنْفَحَة الخنزير وهم نصارى، وما أُحِبُّ أن أُحَرِّم حلالاً، وأمَّا أن يَتَّقِيه رَجُلٌ في خاصَّة نَفْسِه فلا أرى بذلك بأساً»؛ ذلك أنَّ الله تعالى قد أباح لنا طعامهم في قوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فلا نُحرِّم المباح ما لم نَجْزِم بوجود المُحَرِّم من نجاسَةٍ أو غَصْبٍ أو غير ذلك.
[من فتاوى العصر - قيس آل الشيخ (ص ١٢٥)]
стр. 962
الباب الثامن الفتاوى في الطِّبُّ والتَّداوي
стр. 963
التَّدَاوِي بِالمُحَرَّمَاتِ
(١٠٢٤) السؤال: هل يوجد تعارضٌ بين حديث: (إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِيِ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا)، وقاعدة (الضَّرورات تُبيحُ المَحْظورات)؟ يقول النبيُّ ﷺ فيما معناه: (إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِ يِ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا)، وبعض الناس عندما يُصاب ببعض الأمراض المُزْمِنَة يذهبون لبعض المُشعْوِذين؛ أي من يُسَمُّون أنفسهم بالأطبَّاء العرب، فينصحونهم إمَّا بأَكْل لحم الخنزير، أو بشُرْب الخَمْر، وقد حَدَث هذا كثيراً، ويَستدلُّ هؤلاء المُشَعْوذون بالقاعدة الشرعيَّة التي تقول: (إنَّ الضَّرورات تُبيحُ المَحْظورات). ما حُكْم التَّداوي بما ذَكَرْتُ؟ وهل القاعدة تتعارض مع معنى الحديث السابق؟
الجواب: هذا غلط من بعض الناس، فإنَّ الله -جلَّ وعلَا- لم يجعل شفاء الناس فيما حَرَّم عليهم، وليس داخلاً في القاعدة، وليس هناك ضرورة؛ لأنَّه ليس فيه شفاء، الشفاء فيما أباح الله -جلَّ وعلَا-، ولهذا قال ﵊ لمَّا سأله سائل قال: (يَاَ رَسُوُلَ الله؛ إِنِّيِ أَصْنَعُ الخَمْر لِلدَّوَاءِ؟ قَالَ ﵊: إنَّها لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهَا دَاءٌ)، والحديث: (إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)؛ فلا يجوز للمريض أن يأتي للمُشَعْوذين الذين يُتَّهمون باستخدام الجِنِّ، ودَعْوى عِلْم الغَيْب، ونحو ذلك، أو التهاون بأنَّهم يُعالِجون بالحَرام؛ كلَحْم الخنزير، أو شُرْب الخَمْر، أو غير هذا ممَّا حَرَّم الله، هذا مُنكرٌ لا يجوز، بل يجب على المريض أن يبتعد عمَّا حَرَّم الله، وأن لا يتعاطى إلَّا ما أباح الله في علاجه، فلا يأتي السَّحَرةُ والكُهَّان والمُشَعْوذين، ولا يجوز سؤالهم ولا تصديقهم، ولا يجوز أن يتعالج بما حَرَّم الله من خَمْرٍ، أو خنزيرٍ، أو دُخَانٍ، أو غير هذا ممَّا
стр. 964
حَرَّم الله. وفيما أباح الله غُنْيَةً -والحمد لله- عمَّا حَرَّمَ الله، نسأل الله السَّلامة. جزاكم الله خيراً.
[الفتاوى الصوتية للشيخ ابن باز (الموقع)]
* * *
التَّدَاوِي بِالخَمْر
(١٠٢٥) السؤال: [ما حُكْمُ مُداواةِ الجُرْح بالخَمْر ؟]
الجواب: لا يُداوَى بها جُرْحٌ ولا غيره، وهي مُحرَّمةٌ ... .
[مسائل الإمام أحمد رواية عبد الله (٣/ ١٣٠٠)]
* * *
(١٠٢٦) السؤال: [ما حُكْمُ التَّداوي بالخَمْر] ؟
الجواب: التَّداوي بالخَمْر حَرامٌ؛ لقول النبيِّ ﷺ : (لَمْ يَجْعَلِ اللهُ شِفَاءَ أُمَّتِيِ فِيمَا حَرَّمَ عَليْهَا)، ولأنَّ الشِّفاء مظنون والحُرْمَة مقطوعٌ بها، ولا يُغلَّب مَظنونٌ على مَقْطوعٍ، ومع ذلك فإنَّ الخَمْر وسائر ما حَرَّم الله على المؤمن حلالٌ إن تعيَّن لحفظ الرُّوح؛ عملاً بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]. وذلك كما لو كان على وَشْكِ الموت جوعاً ولم يجد إلَّا المَيْتَة، أو لحم الخنزير، أو جَرْعةً من خَمْر، وكما لو كان على الأَكْل ووَقَفَت اللُّقْمَة، وليس لديه إلَّا زُجاجةً من خَمْر بالقُرْب منه، فعليه أن يأخذ منها ما يُزيل به غُصَّته.
أمَّا أمر التَّداوي فإنَّ في تقدُّم الاختراعات الكيماويَّة في العصر الحاضر ما يجعل التَّداوي بالخَمْر أمراً غير مُحتَّم؛ إذ في غيرها ممَّا ابتدعه الإنسان وجاء به العِلْم ما يُغني عنها، ولقد قال رسول الله ﷺ عن الخَمْر ما معناه: (إنَّها لَيْسَتْ دَوَاءً وَلَكِنَّهَا دَاءٌ).
[فتاوى عبد الحليم محمود (٢/ ٢٢٥)]
стр. 965
(١٠٢٧) السؤال: عندي حالةٌ مَرَضِيَّة عَرَضْتُها على بعض الأطبَّاء، فوَصَفَ لي أنْ أتناول في العِلاج خَمْراً؛ فهل يجوزُ هذا شَرْعاً ؟
الجواب: الخَمْر هي أمُّ الخبائث، وهي مُتْلِفَةٌ للمال، مُذْهِبَةٌ للعَقْل، مُسْقِطَةٌ للمُروءة، مُسْقِمَةٌ للبَدَن، وهي التي تَجلِب للجِسْم الدَّاء الدَّفين، والمَرَض المَكين، وهي التي تهدم الحياة، وتُتْلِف الأعصاب والألياف، وتُحطِّم المناعة والمقاومة، وإذا كان بعض الأطبَّاء يُهمِل أمر الدَّين في هذه النَّاحية، ويتَسَرَّع فيَصِف الخَمْر علاجاً لمريضه كمُسَكِّنٍ وَقْتيٍّ، أو سَتْرٍ زمنيٍّ للدَّاء؛ فإنَّ هذا من عدم البَصَر بدقائق الطَّبِّ وأسراره، ومن ضَعْف الرُّوح التي يجب أن تحاول التوفيق بين الدِّين والطِّبِّ.
وقد أثبتت البحوث الطِّبِّيَّة الحديثة أنَّه ما من مَرَضٍ تُستعمَل فيه الخَمْر كعلاجٍ إلَّا ويوجد بدل الخَمْر دَواءٌ آخر يقوم مقامها، ويُنْجي من عواقبها السُّود، وإذا كان الأطبَّاء أنفسُهم الذين أُوتوا البَصَر بأمور مِهْنَتهم الدَّقيقة، وأسرار صَنْعَتهم الجليلة يُقرِّرون هذا، فيَخْدمون المجتمع والأحياء والدِّين، فلماذا تلجأُ بَعْدَ هذا إلى استعمال الخَمْر في الدَّواء؟!
ومن عَجَبٍ أنَّ النَّبيَّ الأُمِّيَّ الذي بعثَهُ الله منذ مئات ومئات من السِّنين يُشير إلى هذا إشارةً بليغةً مُعْجِزةً؛ فيقول في حديثه الشريف: (إِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّواء، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً؛ فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَتَدَاوَوْا بِمُحَرَّمٍ) ... وسأل طارق بن سُوَيْدٍ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه عن الخَمْر، فنَهاهُ عنها، فقال طارقٌ: إِنَّما أصنَعُها للدَّواءِ، فقال الرسول ﷺ : (إنَّه لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ). وفي روايةٍ أنَّ الرسول ﷺ قال عن الخَمْر: (إنَّها دَاءٌ وَلَيْسَتْ بِدَوَاءٍ).
стр. 966
بل ومن عَجَبٍ أيضاً أن يُدْرِكَ عَربيٌّ في جاهليَّته ما في الخَمْر من سيِّئاتٍ ومُنكراتٍ، وما تُؤدِّي إليه من مقابِح ومآثِم، فيُحرِّمها على نفسه؛ فهذا قَيْسُ بن عاصِمٍ الصَّحابيُّ المشهور، الذي أسْلَم في وفد بني تَمِيم سَنَة تِسْعٍ من الهِجرَةِ، والذي قال فيه الرسول الكريم: (هَذَا سَيِّدُ أَهْلِ الوَبَرِ ... )، كان عاقلاً حليماً، وكان في الجاهليَّة يشربُ الخَمْر على عادة قومه، فَسَكِرَ ذات يومٍ وأعطى الخَمَّارَ مالًا كثيراً، ثمَّ عاد إلى بيته، فغَمَز ابنَتَهُ وسَبَّ أَبَوَيْها، وتكلَّم كلاماً قبيحاً، فلمَّا أفاق أخبروه بذلك، فحَرَّمَ الخَمْر على نَفْسِه وهو في الجاهليَّة، وقال في سَبِّها أشعاراً كثير ة؛ منها:
رَأَيْتُ الخَمْر فَاسِدَةً (١)، وَفِيهَا ... خِصَالٌ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الحَلِيمَا
فَلَا وَالله أَشْرَبُهَا صَحِيحاً ... وَلَا أُشْفِي بِهَا أَبَداً سَقِيمَا
وَلَا أُعْطِي بِهَا ثَمَناً حَيَاتِي ... وَلَا أَدْعُو لَهَا أَبَداً نَدِيمَا
فَإِنَّ الخَمْر تَفْضَحُ شَارِبِيهَا ... وَتُجْنِيهِمْ بِهَا الأَمْرَ العَظِيمَا
أظنُّ أنَّه يَسْهُل علينا بعد ذلك كُلِّه أن نَعرِفَ أنَّ الإسلامَ يُحرِّم استعمال الخَمْر كدواءٍ، وهذا ما أجمع عليه جمهور العُلماء، على أنَّ البعض قد قال بجواز التَّداوي بالنَّجِس والخَمْر عند الاضطرار، بشَرْط أن يُشِير بذلك الطَّبيبُ المُسلِمُ الحاذِقُ، وأن يقتَصِرَ فيه على قَدْر الضَّرورة والحاجة. والله ﵎ أعلم.
[يسألونك في الدين والحياة (٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩]
* * *
اسْتِعْمَالُ الخَمْرِ لِعِلَاجِ الأَمْرَاضِ
(١٠٢٨) السؤال: ادَّعَى طبيبٌ أنَّ
стр. 967
الخَمْر علاجُ بعض الأمراض، وقد كنت مريضاً فصدَّقتُه جَهْلاً منِّي، فشربت قليلاً من الخَمْر، والآن أنا تائب، فهل عليَّ كَفَّارة؟
الجواب: عليك صِدْق التَّوبة وكثرة الاستغفار، فذلك كفَّارة ما فعلت، ويسقط الحدُّ بعُذْر الجَهْل، ولا يجوز تصديق من ادَّعى أنَّ في الخَمْر دواءً أو علاجاً؛ فقد ورد في الحديث عند مسلم وغيره (أَنَّ طَارِقَ ابْنَ سُوَيْدٍ الجُعْفِيَّ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الخَمْر فَنَهَاهُ، أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا. فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: (إنَّه لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ). قال النووي في شرحه: هذا دليلٌ لتحريم اتِّخاذ الخَمْر وتخليلها، وفيه التصريح بأنَّها ليست بدواءٍ، فيَحْرُم التَّداوي بها .. إلخ، والله أعلم.
[الفتاوى الشرعيَّة في المسائل الطبية لابن جبرين (٢/ ٤٩) - (الموقع)]
* * *
اسْتِعْمَالُ أَدْوِيَةٍ تَحْتَوِي عَلَى نِسْبَةٍ مِنَ الخَمْرِ لِعِلَاجِ الاكْتِئَابِ وَالقَلَقِ
(١٠٢٩) السؤال: هل الأفضل لمعالجة الاكتئاب والقَلَق استعمالُ الأدْوية وهي تحتوي على نِسْبَةٍ من الخَمْر، أو الرجوع إلى التدخين الذي ظَهَرَ نَفْعُه ؟
الجواب: يبدو أنَّ علاجك لا يكون لا بالأدْوية التي جرَّبْتَها ولم تَصِحَّ، ولا بالرجوع إلى التدخين؛ لأنَّ مضارَّه لا محالة مُتأكَّدَةٌ بطول الزمن.
والأفضل أن تتَّجه إلى أخصَّائيٍّ نَفْسانِيٍّ -بسيكياتر- لا يُعالِجُ مَرَضَكَ بالعقاقير والأدْوية، فلربَّما تَجِدُ على يَدَيْه الُبْرءَ ممَّا أنت عليه.
كما لا تَنْسَ اعتمادك على الله بالدُّعاء وقراءة القرآن، ولا تَبْقَ مُنْزوياً مَعْزولاً عن عائلتك وأقاربك، كما أنَّ البطالة تُساهِمُ مع العُزْلَة في استمرار حالتك النَّفْسِيَّة. والله أعلم
стр. 968
[عثمان بطيخ - مفتي الجمهورية التونسية / دار الإفتاء التونسية)]
* * *
التَّدَاوِي بِالمُسْكِرَاتِ
(١٠٣٠) السؤال: مَنْ يأخُذُ شيئاً من العِنَب ويُضِيف إليه أصنافاً من العِطْر، ثُمَّ يَغْليه إلى أنْ يَنْقُص الثُّلُث، ويَشْرَب منه لأجل الدَّواء، ومتى أَكْثَر شُرْبَه أَسْكَر .
الجواب: الحمد لله، متى كان كثيرُه يُسْكِر فهو حَرامٌ، وهو خَمْر، ويُحَدُّ صاحِبُه؛ كما ثبت في الأحاديث الصَّحيحة عن النَّبيِّ ﷺ ، وعليه جماهير السَّلَف والخَلَف؛ كما في (صحيح مسلم) عن ابن عمر عن النَّبيِّ ﷺ قال: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْر، وَكُلُّ خَمْر حَرَامٌ)، وفي الصَّحيحين عن عائشة قالت: (سُئِلِ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ البِتْعِ؛ وَهُوَ نَبِيذُ العَسَلِ، وَكَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَشْرَبُونَهُ؛ فَقَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)، وفي الصَّحيح عن أبي موسى قال: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفْتِنَا فِي شَرَابٍ كُنَّا نَصْنَعُهُ فِي اليَمَنِ: البِتْعُ؛ وَهُوَ مِنْ نَبِيذِ العَسَلِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ. فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ)، وفي صحيح مُسلِمٍ عن جابرٍ (أَنَّ رَجُلًا مِنْ حُبْشَانِ اليَمَنِ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَرَابٍ يَصْنَعُونَهُ بِأَرْضِهِمْ يُقالُ: لَهُ المِزْرُ. فَقَالَ: أَيُسْكِرُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ؛ إِنَّ عَلَى اللهِ عَهْداً لِمَنْ يَشْرَبُ المُسْكِر أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الخَبَالِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَمَا طِينَةُ الخَبالِ؟ قَالَ: عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ). وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ من وجوهٍ مُتعدِّدةٍ: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، وقد صحَّح ذلك غير واحدٍ من الحُفَّاظ، والأحاديث في ذلك مُتعدِّدةٌ.
وإذا طُبِخَ العصير حتَّى يذهب ثُلُثُه أو نِصْفُه وهو يُسْكِر؛ فهو حَرامٌ عند الأئمَّة الأربعة، بل هو خَمْر عند مالكٍ
стр. 969
والشَّافعيِّ وأحمد.
وأمَّا إنْ ذهب ثُلُثاه وبقي ثُلُثُه، فهذا لا يُسْكِر في العادة، إلَّا إذا انضَمَّ إليه ما يُقوِّيه، أو لسببٍ آخر؛ فمتى أَسْكَر فهو حَرامٌ بإجماع المسلمين، وهو «الطِّلاءُ» الذي أباحَهُ عمر بن الخطَّاب للمسلمين. وأمَّا إن أَسْكَر بعدما طُبِخَ وذهب ثُلُثاه، فهو حَرامٌ أيضاً عند مالكٍ والشَّافعيِّ وأحمد.
[مجموع فتاوى ابن تيمية (٣٤/ ٢١٤ - ٢١٦)]
* وانظر: فتوى رقم (٢٨٢)
* * *
تَعَاطِي الأدْوية الَّتِي تَحْتَوِي عَلَى مُنْتَجَاتٍ خِنْزِيرِيَّةٍ أَوْ كُحوليَّةٍ
(١٠٣١) السؤال: هل يجوزُ تعاطي الأدْوية التي تحتوي على مُنْتَجاتٍ خِنْزيريَّة أو كُحوليَّة ؟
الجواب: إذا تحوَّلت المنتجات الكُحوليَّة أو الخنزيريَّة وصارت مادَّة أخرى في صورة الدَّواء فإنَّها تَطْهُرُ، ويَحِلُّ الانتفاع بها، أمَّا إذا لم تتحوَّل إلى مادَّة أخرى فإنَّها تبقى نَجِسَة، إلَّا في حال الاضطرار؛ بأن لا يقوم مقامها شيءٌ من الأدْوية الحلال. والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١١/ ٣٠٤)]
* * *
اسْتِعْمَالُ الكُحُولِ فِي التَّرْكِيبَاتِ الدَّوَائِيَّةِ
(١٠٣٢) السؤال: نرجو إفادتنا برأيكم حول مشروعيَّة استخدام الكُحول (الإيثانول) في التركيبات الدَّوائيَّة، عِلْماً بأنَّ نسبة الكُحول (الإيثانول) قد تتراوح ما بين (٢ - ٦ %)، ونرجو إفادتنا إذا وُجِدَ حَرَجٌ شَرْعيٌّ على من يَصِفُ هذه النوعيَّة من الأدْوية من الأطبَّاء، وعلى من يَصْرفُه من الصَّيادِلَة.
تنبيه: عِلْماً بأنَّ نسبة الكُحول (الإيثانول) في البِيرَة المُسْكِرة ما بين (٢. ٥ - ٤. ٥ %).
стр. 970
الجواب: الأدْوية التي اختلط بها الكُحول بالنسبة المذكورة (٢ - ٦%)، يَحِلُّ التَّداوي بها إذا تَعَيَّنت عِلاجاً، بأن لم يكن هناك دواءٌ يَحِلُّ محلَّها ممَّا ليس فيه كُحول، فإن وُجِد لَزِم العلاج به دون ما اختلط به الكُحول؛ بُعْداً عن الشُّبُهات، وعلى الطبيب والصيدلاني مراعاة ذلك. والله أعلم. ...
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١١/ ٣٠٦)]
* * *
(١٠٣٣) السؤال: تُباعُ في الأسواق بعضُ الأدْوية أو الحَلْوَى تحتوي على نسبةٍ ضئيلةٍ من الكُحول؛ فهل يجوزُ أَكْلُها؟ عِلْماً أنَّ الإنسان لو أَكَلَ من هذه الحَلْوَى وتَضَلَّع لا يَصِلُ إلى حَدِّ السُّكْرِ أبداً .
الجواب: إذا كان وجود الكُحول في الحَلْوى أو الأدْوية بنسبةٍ ضئيلةٍ جدًّا بحيث لا يُسْكِر أَكْل أو شُرْب الكثير منها؛ فإنَّه يجوز تناولها وبيعها؛ لأنَّها لا يكون لها أيُّ مؤثِّر في الطَّعْم أو اللَّوْن أو الرَّائحة؛ لاستحالتها إلى طاهرٍ مُباحٍ، لكن لا يجوز للمُسلم أن يصنع شيئاً من ذلك، ولا يضعه في طعام المسلمين، ولا أن يساعد عليه.
وبالله التوفيق، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وآله وصحبه وسلَّم.
[فتاوى اللجنة الدائمة رقم (١٢٠٨٧)]
* * *
(١٠٣٤) السؤال: يوجد في الصيدليَّات أدْوية السُّعال، تحتوي على نسبة كُحول: (٥%)، ومن هذه الأدْوية دواء (برنشكوم)، ولم أجد من هذا المنتج أيَّ علبةٍ لا تحتوي على كُحول، كما أنَّ هذا الدَّواء مكتوب عليه في المنشور المُرْفَق: إنَّه يحتوي على هذه النسبة من الكُحول. هل شُرْب مثل هذه الأدْوية بهدف العلاج حرام؟
الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله. لا يجوز
стр. 971
تناول الدَّواء الذي فيه كُحول، وفي الصيدليَّات ما يُغْني عنه كما أخبرنا بذلك الصيادلة. والله أعلم.
[فتاوى دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٣٠٦)]
* * *
(١٠٣٥) السؤال: أيجوزُ التَّداوي بالأدْوية الإفرنجيَّة وفيها الكُحول وأنواع من الرُّطوبات المُحرَّمة ؟
الجواب: يجوز التَّداوي بكُلِّ ما ثبت للطبيب فائدته في إزالة المرض أو تخفيفه؛ عملاً بعموم ما أجمعوا عليه من جواز التَّداوي، ولا يُستثنى إلَّا ما حُرِّمَ بالنَّص؛ كالخَمْر، ولحم الخنزير، إذا كان غيره يقوم مقامه، ويُسْتغنَى به في التَّداوي عنه، وأمَّا إذا تعيَّن دواءً فإنَّه يصير مضطرًّا إليه؛ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣].
وأمَّا الكُحول فليس محرَّماً بالنَّصِّ، ولا وجه لتحريم كُلِّ ما كان جزءًا طبيعيًّا أو كيماويًّا من الخَمْر، وإنَّما يَحرُم كُلُّ مُسْكرٍ وكُلُّ ضارٍّ، والدَّواء نافع غير مُسْكرٍ؛ فلا وجه للقول بتحريمه، إلَّا من يستحِلُّ التشريع بفلسفته، فيُحرِّمُ برأيه ما جعله الله سبباً لمنفعة الناس.
وقد سُئلْنا من قبل عن طهارة هذا الكُحول أو الغَوْل ونجاسته؛ فبيَّنَّا بالدلائل الواضحة أنَّه طاهر، فليراجع ذلك في المجلَّد الرابع من (المنار).
[فتاوى محمَّد رشيد رضا (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨)]
* * *
(١٠٣٦) السؤال: فَشَا بيننا اليوم التَّداوي بالأدْوية المركَّبة من الكُحول، واستعمال الروائح العِطْريَّة والإفرنجيَّة، وتعاطي البِيرَة، ووضْع خلاصة الفواكه (Essence) في عمل [الحلويَّات والمربَّيات]، والاستصباح بزيت البترول، والانتفاع بالغازات؛
стр. 972
فكُلُّ هذه مُستحدَثة يصعب علينا معرفة أحكامها شرعاً، فنلتمس من فضيلتكم بياناً شافياً مُفصَّلاً عن حُكْم كُلِّ [منها]، وعن أصلها، وعن الفَرْق بين كُلِّ واحدةٍ منها إنْ وُجِدَ، ولا تحيلونا على ما لم يكن بيدنا من فتاوى سبقت لكم في (المنار) أو غيره، أفيدونا أثابكم الله، والسَّلام.
الجواب: إذا كان في الأدْوية التي يدخلها الكُحول أشربة مُسْكِرَةٌ، فلا شكَّ في تحريم شُرْبِها، وعدم إباحتها إلَّا في حال الاضطرار التي تُبيح المحظور؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، قيل: وما دون الاضطرار من التَّداوي الذي يكون بتجربةٍ صحيحةٍ، أو برأي طبيبٍ عَدْلٍ يُصدِّقُه المريضُ بأنَّ هذا دواء له، ولا يوجد غيره يقوم مقامه، وقد فصَّلنا هذا البحث بأدلَّتِه من قبل، ولكن يوجد كثير من الأدْوية الجامدة والمائعة التي يدخلها الكُحول للتَّطهير، وإماتة جراثيم الفساد، ولغير ذلك من حفظ الموادِّ أو تحليلها أو تركيبها، وهي ليست أشْرِبةً مُسْكِرَةً، فهذه لا وَجْه للامتناع من التَّداوي بها. ومثلُها الأعطارُ الإفرنجيَّة المُعدَّة للتَّعطُّر، وللتَّطهير الطِّبِّيِّ، فلا وجه لتحريمها إلَّا عند من يعتقد أنَّها خَمْر نَجِسَةٌ، وقد بيَّنَّا بُطلانَ هذا القول في (المجلَّد الرَّابع) من (المنار) وفي غيره، كالمناظرة فيه بيننا وبين بعض كبراء عُلماء الأزهر.
وقد جاءتنا في هذه الأيَّام فتوى من الهند بتحريم تزيين المساجد بالطِّلاء الذي يدخله (الإسبيرتو)؛ بناءً على القول بأنَّه خَمْر نَجِسٌ، وقد سُئِلْنا عن رأينا فيها، فأجبنا جواباً طويلاً ضاق عنه هذا الجزء، وسترونه فيما بعده إن شاء الله تعالى، وتعلمون منه أنَّ هذه الأدْوية والأعطار لا يَحرُم منها شيءٌ، وإنَّما يَحرُم الشَّراب المُسْكِر فقط.
البِيرَة: «البِيرَة» شرابٌ مُسْكِرٌ
стр. 973
يُسمَّى في اللُّغة العربيَّة (الجعَّة)، فهو مُحرَّمٌ قطعاً، وإنْ كان القليل منه لا يُسْكِرُ؛ فإنَّ القليل ذريعة إلى الكثير.
خلاصة الفواكه: إنَّ أنواع الحَلْوى والمُربَّى التي تُوضع فيها خلاصة الفواكه -كالموز، والتُّفَّاح- كثيرة في مصر وغيرها من بلاد الإسلام، يأكُلُها المسلمون من العُلماء وغيرهم، ولم يبلغنا أنَّ أحداً جعلها موضوع خلاف يحتاج فيه إلى الاستفتاء، ولا نعلم أنَّ منها خَمْراً، على أنَّ الخَمْر إذا دخلت في موادَّ، وطُبِخَت هذه الموادُّ، خَرَجَت عن كونها خَمْراً مُسْكِرَةً، وطَهُرَت على القول بأنَّها كانت نَجِسَة، وهذا مذهب الحنفيَّة الرَّاجح المختار عندنا فيها، كما بيَّنَّاه في الرَّدِّ على الفتوى الهنديَّة المشار إليها آنفاً.
الاستصباح بزيت البترول: قد استغربنا سؤالكم عن الاستصباح بزيت البترول، وقولكم: إنَّه من المُسْتَحْدَثات في بلاد الإسلام، فنحن منذ عرفنا الدُّنيا رأيناه يُستصبَحُ به في الدُّور والمساجد، ولا وَجْه لجعْلِه ممَّا يُسأل عن حِلِّه وحُرْمَتِه؛ فإنَّ (الأصل في جميع الأشياء النَّافعة الحِلُّ)، وإذا وُجِدَ شيءٌ جديدٌ ضارٌّ، أو فيه ضررٌ من جهةٍ ونَفْعٌ من أُخرى؛ فهو الذي يُسأل عن حُكْمه.
الانتفاع بالغازات: ما قيل في زيت البترول يقال في الغازات، والمُستعمَلُ عندنا في الاستصباح منها غاز الفَحْم الحَجَريِّ، وهو كثير في مساجدنا، ومنها الجامع الأزهر. والله تعالى أعلم.
[فتاوى محمَّد رشيد رضا (٤/ ١٥٩٨، ١٦٠٣ - ١٦٠٥)]
* * *
(١٠٣٧) السؤال: بعضُ الأدْوية يكون فيها نِسْبَةٌ من الكُحول؛ فما حُكْم استعمالها؟ وإذا كان لا بُدَّ في تركيبها من هذا الكُحول. أفيدونا .
الجواب: أرى أنَّه يجوز استعمالها
стр. 974
عند الحاجة والضرورة؛ وذلك لأنَّ هذه النسبة قليلةٌ فيها، ثمَّ هي مُسْتهلَكة في ذلك الدَّواء؛ كالنَّبيذ الذي صُبَّ عليه ماء كثير أزال تأثيره، ولأنَّ الأدْوية علاج أمراضٍ لا تُؤْكَل ولا تُشْرَب، والوعيد في الخَمْر وَرَدَ على الشُّرْب، ولأنَّها في هذه الحال لا تتَّصفُ بالإسكار، ولو كانت تُخدِّر العضو أو الجسم فهي كالبَنْج ونحوه، ولأنَّها لا يُتَلَذَّذ بها، بخلاف المُسْكِرات فإنَّها تُشْربُ للتَّلذُّذ، وتَهْواها النفوس وتَطْرَب لها، ويحصل بها نَشْوَةٌ وارتياحٌ والْتذاذٌ، وليس كذلك هذه الأدْوية التي تُجْعَل فيها هذه المادَّة حتَّى تحفظ عليها وظيفتها، وتمنعها من التعفُّن والتغيُّر، فإن وُجِدَ ما يقوم مقامها غيرها، فلا أرى استعمالها إلَّا عند الضرورة، والله أعلم.
[الفتاوى الشرعيَّة من المسائل الطبية لابن جبرين (١/ ٢٦) - (الموقع)]
* * *
الاضْطِرَارُ إِلَى الخَمْريَّات فِي الحَاجِيَّاتِ وَالمُعَالِجَاتِ
(١٠٣٨) السؤال: هل ثَبَتَ عندكم أنَّ المسلمين عُموماً والمِصْرِيِّين خُصوصاً مضطرُّون إلى الخَمْريَّات في الحاجيَّات والمعالِجَات ؟ بَيِّنُوا لنا حقيقة الاضطرار وعموم البَلْوَى والتعامل على ما في كُتُب الأصول مثل (الموافقات) و (إرشاد الفحول).
الجواب: قد ثبت عندنا أنَّ المسلمين الذين يعيشون في البلاد التي نعرفها كمِصْرَ وسُوريَّة والآستانة لا يستغنون عن الأطبَّاء والجرَّاحين الذين يُداوون أمراضهم ويُؤاسون جُروحَهم، وأنَّ جميع الأطبَّاء والجرَّاحين يَصِفون الأدْوية المُسْتَحْضَرَة بالسبيرتو أو الدَّاخل في تركيبها، ويستعملونه في التطهير من السُّموم، وما يُسمُّونه ميكروبات الأمراض؛ لأنَّه قاتل لها. ويقولون: إنَّه
стр. 975
ضروريٌّ في بعض ما ذُكِرَ، وحَاجِيٌّ عمَّت به البَلْوى في بعض؛ فتطهيرُ الأيدي والآلات والأواني من بعض السُّموم والميكروبات الضارَّة قَطْعاً لا ظنًّا قد يكون بالسبيرتو، وقد يكون بمحلول السُّلَيماني (١) مثلاً، ولكن محلول السليماني لا يصلح لشيء من المَعْدنيَّات، وإنَّما يصلحُ للزُّجاج والفخَّار. والصيادلة يؤيِّدون الأطبَّاء بجَزْمِهم بأنَّ كثيراً من الأدْوية التي يَصِفونَها لا يمكن تحضيرها إلَّا بالسبيرتو؛ فهو إذاً ضروريٌّ في بعض الأشياء، وحَاجِيٌّ في بعضٍ آخر، وكذلك الصِّناعات فهو في بعضها ضروريٌّ، وفي بعضها حاجِيٌّ، وفي بعضها كَماليٌّ للزِّينة، وإن شئتَ قُلتَ تَحسينيٌّ، كما هو اصطلاح الشَّاطبيِّ في (الموافقات)، والشَّوكانيِّ في (إرشاد الفُحول) وغيرهما. فإنْ كنتم تعنون بالخَمْريَّات ما يدخله السبيرتو الذي سَمَّيتوه خَمْراً، فإنَّ من القَطْعيِّ المعلوم عندنا بالضَّرورة أنَّه ممَّا عمَّت به البَلْوَى في الضَّروريَّات والحاجيَّات والتَّحسينات، التي ترجع إليها أصول الأحكام الشرعيِّة كُلُّها على الوجه الذي شرحه الإمامُ الشاطبيُّ في (الموافقات)، وإنَّ في منع النَّاس منه وتحريمه عليهم حَرَجاً عظيماً وقَطْعاً لمعايش مَن لا يُحْصَى من النَّاس، ولكن هذه الأشياء التي نقول إنَّها قد عَمَّت بها البَلْوَى، ليست من الأشربة المُسْكِرة، ولا من ذَرائِع السُّكْر في شيءٍ، ولا وَجْه لتسميتها بالخَمْريَّات ....
[فتاوى محمَّد رشيد رضا (٤/ ١٧٣٠ - ١٧٣١)]
* * *
стр. 976
وَضْعُ الكُلُونْيَا عَلَى الجُرْحِ
(١٠٣٩) السؤال: إذا جُعِلَ الكُلونيا على الجُرْح لإيقاف الدَّم .
الجواب: هذا الشيءُ الظاهريُّ قد يكون أَخفَّ من شُرْبه، فإنَّه فَرْقٌ بين المُختَلِط بالأَعصاب والحواسِّ والقَلْب وبين هذا، فإنَّ الظاهر يُغْسَل ويَطْهُر بذلك.
[فتاوى ورسائل الشيخ محمَّد بن إبراهيم (٢/ ٩٣ - ٩٤)]
* * *
اسْتِعْمَالُ مَادَّةِ المُورْفِينِ فِي تَخْفِيفِ آلَامِ المَرْضَى
(١٠٤٠) السؤال: اطَّلعنا على الطَّلَب المقيَّد برقم ١١٥١ لسنة ٢٠٠٦ م المتضمِّن: ما حُكْم الدِّين في استعمال مادَّة المُورْفِين في تخفيف آلام المَرْضى كمُسَكِّن، وذلك تحت إشراف الأطبَّاء بالجُرْعات المناسبة؛ وذلك لحاجة المَرْضى الشديدة إلى ذلك، سواء أكا ن ذلك عن طريق الحَقْن أم الفَم؟
الجواب: يجوز استعمال مادَّة المورفين في تخفيف آلام المرضى كمسكِّن، وذلك تحت إشراف الأطبَّاء بالجُرْعات المناسبة؛ لحاجتهم الشديدة إليها، سواء أكان ذلك عن طريق الحَقْن، أم الفَم، أم أي طريقةٍ أخرى. والله أعلم.
[الفتاوى الإسلاميَّة من دار الإفتاء المصرية (٣٠/ ٢٨٤)]
* * *
اسْتِعْمَالُ الأَدْوِيَةِ الَّتِي تَحْتَوِي عَلَى مَوَادَّ مُخَدِّرَةٍ أَوْ كُحُولِيَّةٍ
(١٠٤١) السؤال: يوجد لدينا في المستشفى، وكذلك في جميع المستشفيات، بعض الأدْوية التي تُستعمَلُ لعِلاج الآلام بعد العمليَّات، وكذلك لعلاج الآلام المختلفة، وهذه الأدْوية تحتوي على موادَّ مُخدِّرة وأخرى
стр. 977
كُحوليَّة بنِسَبٍ متفاوتةٍ؛ فهل مِنْ حَرَجٍ في استخدامها؟ إذا كان هنالك حَرَجٌ شَرْعِيٌّ في استخدامها، فهل هنالك من خطوة إيجابيَّة للنظر فيها وعَرْضِها على الجهات المسؤولة لوَقْف تداولها؟
الجواب: الأدْوية التي يحصل بها راحةٌ للمريض وتخفيفٌ للآلام عنه لا حَرَج فيها، ولا بأس بها قبل العمليَّة وبعد العمليَّة، إلَّا إذا عَلِمَ أنَّها من شيءٍ يُسْكِر كثيرُه فلا تستعمل؛ لقوله ﷺ : (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ)، أمَّا إذا كانت لا تُسْكِر ولا يُسْكِر كثيرها ولكن يحصل بها بعض التخفيف والتخدير لتخفيف الآلام، فلا حَرَج في ذلك.
[مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (٦/ ١٨)]
* * *
التَّدَاوِي بِالمُحَرَّمِ وَالكُحُولِ وَالبَنْجِ
(١٠٤٢) السؤال: ما حُكْمُ التَّداوي بالمُحرَّم؟ وهل يُعتبَر البَنجُ وبعض الموادِّ الكُحوليَّة التي توجد في بعض الأدْوية من المُحرَّم؟ وهل يستوي ذلك في الضرورة أو غير الضرورة ؟
الجواب: التَّداوي بالمُحرَّم حَرامٌ لا يجوز؛ لأنَّ الله لم يجعل شِفاء هذه الأُمَّة فيما حَرَّمه عليها، ولأنَّ الله لا يُحرِّم علينا الشيء إلَّا لضَررِه، والضارُّ لا ينقلب نافعاً أبداً، حتَّى لو قيل: إنَّه اضطَّر إلى ذلك، فإنَّه لا ضرورة للدَّواء إطلاقاً؛ لأنَّه قد يَتَداوى ولا يُشْفَى، وقد يُشْفى بلا تداوٍ. إذاً لا ضرورة إلى الدَّواء، لكن لو جاع الإنسان وخاف أن يموت لو لم يأْكُل، جاز له أن يأْكُل المَيْتَة، وأن يأْكُل الخنزير لأنَّه إذا أَكَل اندفعت ضرورته، وزال عنه خطر الموت، وإن لم يأْكُل مات.
لكن الدَّواء لا ضرورة إليه كما سبق، اللَّهمَّ إلَّا في شيءٍ واحدٍ، وهو قَطْع بعض الأعضاء عند الضرورة، فلو حصل في بعض الأعضاء سَرَطان
стр. 978
مثلاً، وقال الأطبَّاء: إنَّه لا يمكن وَقْف انتشار هذا المرض إلَّا بقَطْع عضوٍ، ومعلومٌ أنَّ قَطْع الأعضاء حَرامٌ، لا يجوز للإنسان أن يقْطَع ولا أُنْمُلَةً من أَنامِلِه، فإذا قالوا: لا بُدَّ من قَطْع العضو، كانت هذه ضرورة، إذا تأكَّدوا أنَّه إذا قُطِع انقطع هذا الدَّاء الذي هو السَّرَطان.
أمَّا البَنْجُ: فلا بأس به، لأنَّه ليس مُسْكِراً، السُّكْرُ زَوال العَقْل على وَجْه اللَّذَّة والطَّرَب، والذي يُبَنَّج لا يتلذَّذ ولا يَطْرَبُ، ولهذا قال العُلماء: إنَّ البَنْج حلالٌ ولا بأس به، وأمَّا ما يكون من موادِّ الكُحول في بعض الأدْوية، فإن ظهر أثر ذلك الكُحول بهذا الدَّواء بحيث يَسْكَرُ الإنسانُ منه فهو حَرامٌ، وأمَّا إذا لم يظهر الأثر، وإنَّما جُعِلَت فيه مادَّة الكُحول من أجل حِفْظِه، فإنَّ ذلك لا بأس به؛ لأنَّه ليس لمادَّة الكُحول أثرٌ فيه.
[مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (١٧/ ٣٠ - ٣١)]
* * *
اسْتِعْمَالُ الكُحُولِ فِي تَعْقِيمِ الجُرُوحِ وَخَلْطِهِ بِالأَدْوِيَةِ
(١٠٤٣) السؤال: ما حُكْمُ استعمال الكُحول في تعقيم الجروح وخَلْط بعض الأدْوية بشيءٍ من الكُحول ؟
الجواب: استعمال الكُحول في تعقيم الجروح لا بأس به؛ للحاجة لذلك، وقد قيل: إنَّ الكُحول تُذْهِب العَقْل بدون إسْكار، فإن صحَّ ذلك فليست خَمْراً، وإن لم يصحَّ وكانت تُسْكِر فهي خَمْر، وشُرْبُها حَرامٌ بالنَّص والإجماع.
وأمَّا استعمالها في غير الشُّرْب، فمَحَلُّ نَظَر؛ فإن نَظَرْنا إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]. قُلنا: إنَّ استعمالها في غير الشُّرْب حَرامٌ؛ لعموم قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾.
وإن نَظَرْنا إلى قوله تعالى في الآية التي تليها: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]. قلنا: إنَّ استعمالها في غير الشُّرْب
стр. 979
جائزٌ؛ لعدم انطباق هذه العِلَّة عليها.
وعلى هذا؛ فإننا نرى أنَّ الاحتياط عدم استعمالها في الروائح. وأمَّا في التعقيم فلا بأس به لدعاء الحاجة إليه، وعدم الدليل البَيِّن على منعه؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (ص ٢٧٠ ج ٢٤ من مجموع الفتاوى): التَّداوي بأَكْل شَحْم الخنزير لا يجوز، وأمَّا التَّداوي بالتَّلطُّخ به ثُمَّ يغسله بعد ذلك، فهذا مبنيٌّ على جواز مباشرة النجاسة في غير الصَّلاة، وفيه نزاعٌ مشهورُ. والصحيح أنَّه يجوز للحاجة، وما أُبِيحَ للحاجة جاز التَّداوي به. اهـ.
فقد فرَّق شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بين الأَكْل وغيره في ممارسة الشيء النَّجِس، فكيف بالكُحول التي ليست بنَجِسَة؟ لأنَّها إن لم تكن خَمْراً فطهارتها ظاهرةٌ، وإن كانت خَمْراً فالصواب عدم نَجاسَةِ الخَمْر؛ وذلك من وجهين:
الأوَّل: أنَّه لا دليل على نجاستها، وإذا لم يكن دليلٌ على ذلك فالأصل الطهارة، ولا يلزم من تحريم الشيء أن تكون عَيْنُه نَجِسَةً؛ فهذا السُّمُّ حَرامٌ وليس بنَجِس، وأمَّا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. فالمراد الرِّجْس المَعْنَوي لا الحِسِّي، لأنَّه جُعِل وَصْفاً لما لا يمكن أن يكون رِجْسُه حِسِّياً؛ كالمَيْسِر والأَنْصاب والأَزْلام، ولأنَّه وَصَفَ هذا الرِّجْس بكونه من عمل الشيطان، وأنَّ الشيطان يريد به إيقاع العداوة والبغضاء؛ فهو رِجْسٌ
стр. 980
عَمَليٌّ مَعْنَويٌّ.
الثاني: أنَّ السُنَّة تدلُّ على طهارة الخَمْر طهارةً حِسِّيَّةً، ففي (صحيح مسلم، ص ١٢٠٦، ط. الحلبي، تحقيق محمَّد فؤاد عبد الباقي): عن ابن عبَّاس ﵄ (أَنَّ رَجُلًا أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَهَا؟ قَالَ لَا. فَسَارَّ إِنْسَانًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بِمَ سَارَرْتَهُ؟ قَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا. قَالَ: فَفَتَحَ المَزَادَةَ حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا). وفي (صحيح البخاري، ص ١١٢ ج ٥ من الفتح ط. السلفيَّة): عن أنس بن مالك ﵁ (أَنَّهُ كَانَ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ -وهو زَوْجُ أُمِّهِ- فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْر قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ). ولو كانت الخَمْر نَجِسَةً نجاسة حِسِّيَّة لأمر النبيُّ ﷺ صاحب الرَّاوية أن يغسل راويته، كما كانت الحال حين حُرِّمت الحُمُر عام خبير، فقال النبيُّ ﷺ : (أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوهَا -يعني القُدور-، فَقَالُوا: أَوْ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ فَقَالَ: أَوْ ذَاكَ). ثمَّ لو كانت الخَمْر نَجِسَةً نجاسةً حِسِّيَّة ما أراقها المسلمون في أسواق المدينة؛ لأنَّه لا يجوز إلقاء النَّجاسة في طُرُق المسلمين.
قال الشيخ محمَّد رشيد رضا في فتاواه (ص ١٦٣١ من مجموعة فتاوى المنار): وخلاصة القول: أنَّ الكُحول مادَّة طاهرةٌ مُطَهِّرةٌ ورُكنٌ من أركان الصَّيدلة، والعلاج الطبِّي، والصناعات الكثيرة، وتدخل فيما لا يُحصَى من الأدْوية، وأنَّ تحريم استعمالها على المسلمين يَحُولُ دون إتقانهم لعلوم وفنون وأعمال كثيرة، هي من أعظم أسباب تَفَوُّق الإفرنج عليهم؛ كالكيمياء والصَّيدلة والطبِّ والعلاج
стр. 981
والصِّناعة، وإن تحريم استعمالها في ذلك، قد يكون سبباً لموت كثير من المَرْضى والمجروحين، أو لطول مَرَضِهم وزيادة آلامهم اهـ.
وهذا كلامٌ جيِّدٌ متينٌ. رحمه الله تعالى.
وأمَّا خَلْط بعض الأدْوية بشيءٍ من الكُحول، فإنَّه لا يقتضي تحريمها، إذا كان الخَلْط يسيراً لا يظهر له أثرٌ مع المخلوط، كما أنَّ على ذلك أهل العِلْم؛ قال في (المغني، ص ٣٠٦ ج ٨، ط المنار): وإن عُجِنَ به -أي بالخَمْر- دقيقاً ثمَّ خَبَزَه وأَكَلَه لم يُحَدَّ؛ لأنَّ النار أَكَلَت أجزاء الخَمْر، فلم يَبْق إلَّا أثرُه. اهـ.
وفي (الإقناع وشرحه، ص ٧١ ج ٤، ط. مقبل): ولو خَلَطَه -أي المُسْكِر- بماءٍ فاستُهْلِكَ المُسْكِر فيه -أي الماء-ثمَّ شَرِبَه لم يُحَدَّ؛ لأنَّه باستهلاكه في الماء لم يَسْلِب اسمَ الماء عنه، أو داوى به -أي المُسْكِر- جُرْحَه لم يُحَدَّ؛ لأنَّه لم يتناوله شُرْباً ولا في معناه. اهـ.
وهذا هو مقتضى الأثر والنظر.
أمَّا الأثر؛ فقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (المَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إلَّا إِنْ تَغيَّر رِيِحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ) بنجاسة تحدُث فيه. وهذا وإن كان الاستثناء فيه ضعيفاً، إلَّا أنَّ العُلماء أجمعوا على القول بمقتضاه، ووجه الدلالة: منه أنَّه إذا سقط فيه نجاسة لم تُغيِّره فهو باقٍ على طهوريَّته، فكذلك الخَمْر إذا خُلِطَ بغيره من الحلال ولم يُؤثِّر فيه فهو باقٍ على حِلِّه، وفي (صحيح البخاري -تعليقاً-، ص ٦٤ ج ٩، ط. السلفيَّة من الفتح): قال أبو الدَّرْدَاء في المُرِيِّ: (ذَبَحَ الخَمْرَ النِّينَانُ وَالشَّمْسُ) -جمع نون؛ وهو الحوت-، المُرِيُّ: أَكْلَةٌ تُتَّخَذ من السَّمَك المَمْلوح يُوضَع في الخَمْر ثمَّ يُلْقَى في الشمس فيتغيَّر عن طعم الخَمْر. فمعنى الأثر: أنَّ الحوت بما فيه من المِلْح، ووَضْعِه في الشمس أَذْهَب
стр. 982
الخَمْر، فكان حلالاً.
وأمَّا كون هذا مقتضى النظر؛ فلأنَّ الخَمْر إنَّما حُرِّمت من أجل الوَصْف الذي اشتملت عليه وهو الإسْكار، فإذا انتفى هذا الوصف انتفى التحريم؛ لأنَّ (الحُكْم يدور مع علَّته وجوداً وعدماً إذا كانت العلَّة مقطوعاً بها بنصٍّ أو إجماع) كما هنا. وقد توهَّم بعضُ الناس أنَّ المخلوط بالخَمْر حَرامٌ مُطْلَقاً ولو قَلَّت نسبة الخَمْر فيه، بحيث لا يظهر له أثرٌ في المخلوط، وظنُّوا أنَّ هذا هو معنى حديث: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ). فقالوا: هذا فيه قليلٌ من الخَمْر الذي يُسْكِر كثيرُه، فيكون حَراماً.
فيُقال: هذا القليل من الخَمْر اسْتُهْلِك في غيره فلم يكن له أثرٌ وَصْفِيٌّ ولا حُكْمِيٌّ، فبقي الحكم لما غَلَبَه في الوصف. وأمَّا حديث: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) فمعناه أنَّه إذا كان الشراب إنْ أَكْثَرَ منه الشَّاربُ سَكِرَ، وإنْ قَلَّل لم يَسْكَر؛ فإنَّ القليل منه يكون حَراماً؛ لأنَّ تناول القليل وإن لم يُسْكِر ذَريعةٌ إلى تناول الكثير، ويوضِّح ذلك حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ الفَرَقُ مِنْهُ، فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ).
الفَرَقُ: مكيالٌ يسع ستَّة عشر رطلاً، ومعنى الحديث أنَّه إذا وُجِدَ شَرابٌ لا يُسْكر منه إلَّا الفَرَقُ، فإنَّ مِلءَ الكفِّ منه حَرامٌ، فهو معنى قوله ﷺ : (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ).
[مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (١١/ ٢٥٦ - ٢٦٠)]
* * *
اسْتِعْمَالُ المُسْكِرِ وَالمُسَكِّنِ وَالمُنَوِّمِ في الدَّوَاءِ وَالفَرْقُ بَيْنَهُمَا
(١٠٤٤) السؤال: ما الفرق بين المُسْكِر والمُسكِّن والمُنوِّم، وهل يجوز استعمالها في الدَّواء ؟
стр. 983
الجواب: يفرِّق العُلماء بين المُسْكِر والمسكِّن والمنوِّم:
فالمُسْكِر: ما يُحدِثُ من تناوله نَشْوَةً وطَرَباً عند متعاطيه، ثمَّ يَعْقُبه ضَعْفٌ وارْتِخاءٌ وخُمودٌ، ويذهب به الإدراك، وهذا المُسْكِر لا يجوز التَّداوي به، سواء قلَّت نسبته في الدَّواء أو كَثُرَت.
وأمَّا المُسكِّن: فهو الذي يُبْطِل الشعور بالألم، ولا يؤدِّي إلى ذهاب العَقْل والإدراك.
والمُنَوِّم: ما يَجْلِب النَّوم والنُّعاس لمتعاطيه.
وقد أفتى العُلماء بجواز تعاطي الدَّواء المُسَكِّن والمُنوِّم على قَدْر الحاجة من باب: (الضَّرورات تُبِيحُ المَحْظورات) و (الضَّرورات تُقدَّر بِقَدْرِها).
ولعُلماء الكيمياء بحثٌ في معرفة خصائص كُلِّ نوع من أنواع هذه العقاقير، بحيث يُعْرَفُ بعضُها من بعض، وإذا وصف طبيبٌ مسلم حاذِقٌ في صنعته شيئاً من هذه الأدْوية التي لا تُسْكِر جاز تعاطيه. والله أعلم.
[فتاوى الشيخ نوح علي سلمان- دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٢٤٩٥)]
* * *
تَنَاوُلُ الأَدْوِيَةِ الَّتِي تَحْتَوِي عَلَى نِسْبَةٍ مِنَ الكُحُولِ
(١٠٤٥) السؤال: هناك كثيرٌ من الأدْوية تحوي كمِّيَّات مختلفة من الكُحول تتراوح بين ٠. ٠١% و ٢٥%، ومعظم هذه الأدْوية من أدْوية الزُّكام واحتقان الحُنْجَرة والسُّعال وغيرها من الأمراض السائدة. وتمثِّل هذه الأدْوية الحاوية للكُحول ما يقارب ٩٥% من الأدْوية في هذا المجال، ممَّا يجعل الحصول على الأدْوية الخالية من الكُحول عمليَّةً صعبةً أو متعذِّرةً، فما حُكْم تناول هذه الأدْوية؟
الجواب: للمريض المسلم تناول الأدْوية المشتملة على نسبةٍ من
стр. 984
الكُحول إذا لم يتيسَّر دواءٌ خالٍ منها، ووصف ذلك الدَّواء طبيبٌ ثقةٌ أمينٌ في مهنته.
[استفسارات المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن - مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي - ع ٣، (٣/ ١٠٨٧)]
* * *
قَرَارُ مَجْمَعِ الفِقْهِ الإِسْلَامِيِّ التَّابِعِ لِرَابِطَةِ العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ بِشَأْنِ الأَدْوِيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلَى الكُحُولِ وَالمُخَدِّرَاتِ
(١٠٤٦) بعد النظر في الأبحاث المُقدَّمة عن الأدْوية المشتملة على الكُحول، والمُخدِّرات، والمُداولات التي جَرَت حولها، وبناءً على ما اشتملت عليه الشريعة من رَفْع الحَرَج، ودَفْع المَشقَّة، ودَفْع الضَّرَر بقَدْرِه، وأنَّ الضَّرورات تُبيح المُحْظورات، وا رتكاب أخَفِّ الضَّرَرَين لدَرْء أعلاهما، قرَّر ما يأتي:
١ - لا يجوز استعمال الخَمْرة الصِّرْفَة دواءً بحالٍ من الأحوال؛ لقول رسول الله ﷺ : (إنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّم عَلَيْكُمْ) رواه البخاري في (الصحيح). ولقوله: (إنَّ اللهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ) رواه أبو داود في (السُّنن)، وابن السُّنِّي، وأبو نُعَيم. وقال لطارق بن سُوَيْد -لما سأله عن الخَمْر يُجعَلُ في الدَّواء-: (إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِفَاءٍ، وَلَكِنَّه دَاءٌ) رواه ابن ماجه في (سُننه)، وأبو نُعَيم.
٢ - يجوز استعمال الأدْوية المشتملة على الكُحول بنِسَبٍ مُسْتَهْلَكَةٍ تقتضيها الصناعة الدَّوائيَّة التي لا بديل عنها، بشرط أن يَصِفَها طبيبٌ عَدْلٌ، كما يجوز استعمال الكُحول مُطَهِّراً خارجيًّا للجروح، وقاتلاً للجراثيم، وفي الكريمات والدُّهون الخارجيَّة.
٣ - يُوصِي المَجْمَع الفقهي الإسلامي شركات تصنيع الأدْوية
стр. 985
والصَّيادلة في الدول الإسلاميَّة، ومُسْتوْرِدِي الأدْوية، بأن يعملوا جهدهم في استبعاد الكُحول من الأدْوية، واستخدام غيرها من البدائل.
كما يوصي المجمع الفقهي الإسلامي الأطبَّاء بالابتعاد عن وصف الأدْوية المشتملة على الكُحول ما أمكن. والله ولي التوفيق. وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد. انتهى.
[قرارات المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، ص ٣٤١، رقم: ٩٤ (٦/ ١٦)]
* وانظر: فتوى رقم (٩١٠)
* * *
تَوْصِيَةٌ بِشَأْنِ الأدْوية الَّتِي يَدْخُلُ فِي تَرْكِيبِهَا الكُحُولُ أَوْ مُشْتَقَّاتُ الخِنْزِيرِ
(١٠٤٧) لمَّا كان الكُحول مادَّة مُسْكِرَةً فيَحْرُم تناولُها، وريثما يتحقَّق ما يتطلَّع إليه المسلمون من تصنيع أدْويةٍ لا يدخل الكُحول في تركيبها، ولاسيَّما أدْوية الأطفال والحوامل، فإنَّه لا مانع شرعاً من تناول الأدْوية التي تُصنَعُ حالياً ويدخل في ت ركيبها نِسْبَةٌ ضَئيلةٌ من الكُحول، لغرض الحفظ، أو إذابة بعض الموادِّ الدَّوائيَّة التي لا تذوب في الماء، على ألَّا يستعمل الكُحول فيها كمُهدِّئٍ، وهذا حيث لا يتوافر بديلٌ عن تلك الأدْوية.
والأنسولين الخنزيريُّ المَنْشَأ يُباح لمَرْضَى السُّكَّرِي التَّداوي به للضَّرورة بضوابطها الشرعيَّة.
كما تُوصِي اللَّجنة المسؤولين في البلاد الإسلاميَّة بأن تُراعَى في الصناعة الدَّوائيَّة والغذائيَّة الشروط والمواصفات المقبولة شرعاً من حيث الموادُّ الخام، وطُرُق التحضير.
[توصيات الندوة الثامنة للمنظمة الإسلاميَّة للعلوم الطبية بالكويت ١٤١٥ هـ /١٩٩٥ م]