← Фатава

Фатава · id 635

موسوعة صناعة الحلال

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 187 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

والصِّناعة، وإن تحريم استعمالها في ذلك، قد يكون سبباً لموت كثير من المَرْضى والمجروحين، أو لطول مَرَضِهم وزيادة آلامهم اهـ. وهذا كلامٌ جيِّدٌ متينٌ. رحمه الله تعالى. وأمَّا خَلْط بعض الأدْوية بشيءٍ من الكُحول، فإنَّه لا يقتضي تحريمها، إذا كان الخَلْط يسيراً لا يظهر له أثرٌ مع المخلوط، كما أنَّ على ذلك أهل العِلْم؛ قال في (المغني، ص ٣٠٦ ج ٨، ط المنار): وإن عُجِنَ به -أي بالخَمْر- دقيقاً ثمَّ خَبَزَه وأَكَلَه لم يُحَدَّ؛ لأنَّ النار أَكَلَت أجزاء الخَمْر، فلم يَبْق إلَّا أثرُه. اهـ. وفي (الإقناع وشرحه، ص ٧١ ج ٤، ط. مقبل): ولو خَلَطَه -أي المُسْكِر- بماءٍ فاستُهْلِكَ المُسْكِر فيه -أي الماء-ثمَّ شَرِبَه لم يُحَدَّ؛ لأنَّه باستهلاكه في الماء لم يَسْلِب اسمَ الماء عنه، أو داوى به -أي المُسْكِر- جُرْحَه لم يُحَدَّ؛ لأنَّه لم يتناوله شُرْباً ولا في معناه. اهـ. وهذا هو مقتضى الأثر والنظر. أمَّا الأثر؛ فقد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (المَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، إلَّا إِنْ تَغيَّر رِيِحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ) بنجاسة تحدُث فيه. وهذا وإن كان الاستثناء فيه ضعيفاً، إلَّا أنَّ العُلماء أجمعوا على القول بمقتضاه، ووجه الدلالة: منه أنَّه إذا سقط فيه نجاسة لم تُغيِّره فهو باقٍ على طهوريَّته، فكذلك الخَمْر إذا خُلِطَ بغيره من الحلال ولم يُؤثِّر فيه فهو باقٍ على حِلِّه، وفي (صحيح البخاري -تعليقاً-، ص ٦٤ ج ٩، ط. السلفيَّة من الفتح): قال أبو الدَّرْدَاء في المُرِيِّ: (ذَبَحَ الخَمْرَ النِّينَانُ وَالشَّمْسُ) -جمع نون؛ وهو الحوت-، المُرِيُّ: أَكْلَةٌ تُتَّخَذ من السَّمَك المَمْلوح يُوضَع في الخَمْر ثمَّ يُلْقَى في الشمس فيتغيَّر عن طعم الخَمْر. فمعنى الأثر: أنَّ الحوت بما فيه من المِلْح، ووَضْعِه في الشمس أَذْهَب

стр. 982

الخَمْر، فكان حلالاً. وأمَّا كون هذا مقتضى النظر؛ فلأنَّ الخَمْر إنَّما حُرِّمت من أجل الوَصْف الذي اشتملت عليه وهو الإسْكار، فإذا انتفى هذا الوصف انتفى التحريم؛ لأنَّ (الحُكْم يدور مع علَّته وجوداً وعدماً إذا كانت العلَّة مقطوعاً بها بنصٍّ أو إجماع) كما هنا. وقد توهَّم بعضُ الناس أنَّ المخلوط بالخَمْر حَرامٌ مُطْلَقاً ولو قَلَّت نسبة الخَمْر فيه، بحيث لا يظهر له أثرٌ في المخلوط، وظنُّوا أنَّ هذا هو معنى حديث: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ). فقالوا: هذا فيه قليلٌ من الخَمْر الذي يُسْكِر كثيرُه، فيكون حَراماً. فيُقال: هذا القليل من الخَمْر اسْتُهْلِك في غيره فلم يكن له أثرٌ وَصْفِيٌّ ولا حُكْمِيٌّ، فبقي الحكم لما غَلَبَه في الوصف. وأمَّا حديث: (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) فمعناه أنَّه إذا كان الشراب إنْ أَكْثَرَ منه الشَّاربُ سَكِرَ، وإنْ قَلَّل لم يَسْكَر؛ فإنَّ القليل منه يكون حَراماً؛ لأنَّ تناول القليل وإن لم يُسْكِر ذَريعةٌ إلى تناول الكثير، ويوضِّح ذلك حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَا أَسْكَرَ الفَرَقُ مِنْهُ، فَمِلْءُ الكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ). الفَرَقُ: مكيالٌ يسع ستَّة عشر رطلاً، ومعنى الحديث أنَّه إذا وُجِدَ شَرابٌ لا يُسْكر منه إلَّا الفَرَقُ، فإنَّ مِلءَ الكفِّ منه حَرامٌ، فهو معنى قوله ﷺ : (مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ). [مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (١١/ ٢٥٦ - ٢٦٠)] * * * اسْتِعْمَالُ المُسْكِرِ وَالمُسَكِّنِ وَالمُنَوِّمِ في الدَّوَاءِ وَالفَرْقُ بَيْنَهُمَا (١٠٤٤) السؤال: ما الفرق بين المُسْكِر والمُسكِّن والمُنوِّم، وهل يجوز استعمالها في الدَّواء ؟

стр. 983

الجواب: يفرِّق العُلماء بين المُسْكِر والمسكِّن والمنوِّم: فالمُسْكِر: ما يُحدِثُ من تناوله نَشْوَةً وطَرَباً عند متعاطيه، ثمَّ يَعْقُبه ضَعْفٌ وارْتِخاءٌ وخُمودٌ، ويذهب به الإدراك، وهذا المُسْكِر لا يجوز التَّداوي به، سواء قلَّت نسبته في الدَّواء أو كَثُرَت. وأمَّا المُسكِّن: فهو الذي يُبْطِل الشعور بالألم، ولا يؤدِّي إلى ذهاب العَقْل والإدراك. والمُنَوِّم: ما يَجْلِب النَّوم والنُّعاس لمتعاطيه. وقد أفتى العُلماء بجواز تعاطي الدَّواء المُسَكِّن والمُنوِّم على قَدْر الحاجة من باب: (الضَّرورات تُبِيحُ المَحْظورات) و (الضَّرورات تُقدَّر بِقَدْرِها). ولعُلماء الكيمياء بحثٌ في معرفة خصائص كُلِّ نوع من أنواع هذه العقاقير، بحيث يُعْرَفُ بعضُها من بعض، وإذا وصف طبيبٌ مسلم حاذِقٌ في صنعته شيئاً من هذه الأدْوية التي لا تُسْكِر جاز تعاطيه. والله أعلم. [فتاوى الشيخ نوح علي سلمان- دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٢٤٩٥)] * * * تَنَاوُلُ الأَدْوِيَةِ الَّتِي تَحْتَوِي عَلَى نِسْبَةٍ مِنَ الكُحُولِ (١٠٤٥) السؤال: هناك كثيرٌ من الأدْوية تحوي كمِّيَّات مختلفة من الكُحول تتراوح بين ٠. ٠١% و ٢٥%، ومعظم هذه الأدْوية من أدْوية الزُّكام واحتقان الحُنْجَرة والسُّعال وغيرها من الأمراض السائدة. وتمثِّل هذه الأدْوية الحاوية للكُحول ما يقارب ٩٥% من الأدْوية في هذا المجال، ممَّا يجعل الحصول على الأدْوية الخالية من الكُحول عمليَّةً صعبةً أو متعذِّرةً، فما حُكْم تناول هذه الأدْوية؟ الجواب: للمريض المسلم تناول الأدْوية المشتملة على نسبةٍ من

стр. 984

الكُحول إذا لم يتيسَّر دواءٌ خالٍ منها، ووصف ذلك الدَّواء طبيبٌ ثقةٌ أمينٌ في مهنته. [استفسارات المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن - مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي - ع ٣، (٣/ ١٠٨٧)] * * * قَرَارُ مَجْمَعِ الفِقْهِ الإِسْلَامِيِّ التَّابِعِ لِرَابِطَةِ العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ بِشَأْنِ الأَدْوِيَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلَى الكُحُولِ وَالمُخَدِّرَاتِ (١٠٤٦) بعد النظر في الأبحاث المُقدَّمة عن الأدْوية المشتملة على الكُحول، والمُخدِّرات، والمُداولات التي جَرَت حولها، وبناءً على ما اشتملت عليه الشريعة من رَفْع الحَرَج، ودَفْع المَشقَّة، ودَفْع الضَّرَر بقَدْرِه، وأنَّ الضَّرورات تُبيح المُحْظورات، وا رتكاب أخَفِّ الضَّرَرَين لدَرْء أعلاهما، قرَّر ما يأتي: ١ - لا يجوز استعمال الخَمْرة الصِّرْفَة دواءً بحالٍ من الأحوال؛ لقول رسول الله ﷺ : (إنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّم عَلَيْكُمْ) رواه البخاري في (الصحيح). ولقوله: (إنَّ اللهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ) رواه أبو داود في (السُّنن)، وابن السُّنِّي، وأبو نُعَيم. وقال لطارق بن سُوَيْد -لما سأله عن الخَمْر يُجعَلُ في الدَّواء-: (إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِفَاءٍ، وَلَكِنَّه دَاءٌ) رواه ابن ماجه في (سُننه)، وأبو نُعَيم. ٢ - يجوز استعمال الأدْوية المشتملة على الكُحول بنِسَبٍ مُسْتَهْلَكَةٍ تقتضيها الصناعة الدَّوائيَّة التي لا بديل عنها، بشرط أن يَصِفَها طبيبٌ عَدْلٌ، كما يجوز استعمال الكُحول مُطَهِّراً خارجيًّا للجروح، وقاتلاً للجراثيم، وفي الكريمات والدُّهون الخارجيَّة. ٣ - يُوصِي المَجْمَع الفقهي الإسلامي شركات تصنيع الأدْوية

стр. 985

والصَّيادلة في الدول الإسلاميَّة، ومُسْتوْرِدِي الأدْوية، بأن يعملوا جهدهم في استبعاد الكُحول من الأدْوية، واستخدام غيرها من البدائل. كما يوصي المجمع الفقهي الإسلامي الأطبَّاء بالابتعاد عن وصف الأدْوية المشتملة على الكُحول ما أمكن. والله ولي التوفيق. وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد. انتهى. [قرارات المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، ص ٣٤١، رقم: ٩٤ (٦/ ١٦)] * وانظر: فتوى رقم (٩١٠) * * * تَوْصِيَةٌ بِشَأْنِ الأدْوية الَّتِي يَدْخُلُ فِي تَرْكِيبِهَا الكُحُولُ أَوْ مُشْتَقَّاتُ الخِنْزِيرِ (١٠٤٧) لمَّا كان الكُحول مادَّة مُسْكِرَةً فيَحْرُم تناولُها، وريثما يتحقَّق ما يتطلَّع إليه المسلمون من تصنيع أدْويةٍ لا يدخل الكُحول في تركيبها، ولاسيَّما أدْوية الأطفال والحوامل، فإنَّه لا مانع شرعاً من تناول الأدْوية التي تُصنَعُ حالياً ويدخل في ت ركيبها نِسْبَةٌ ضَئيلةٌ من الكُحول، لغرض الحفظ، أو إذابة بعض الموادِّ الدَّوائيَّة التي لا تذوب في الماء، على ألَّا يستعمل الكُحول فيها كمُهدِّئٍ، وهذا حيث لا يتوافر بديلٌ عن تلك الأدْوية. والأنسولين الخنزيريُّ المَنْشَأ يُباح لمَرْضَى السُّكَّرِي التَّداوي به للضَّرورة بضوابطها الشرعيَّة. كما تُوصِي اللَّجنة المسؤولين في البلاد الإسلاميَّة بأن تُراعَى في الصناعة الدَّوائيَّة والغذائيَّة الشروط والمواصفات المقبولة شرعاً من حيث الموادُّ الخام، وطُرُق التحضير. [توصيات الندوة الثامنة للمنظمة الإسلاميَّة للعلوم الطبية بالكويت ١٤١٥ هـ /١٩٩٥ م]

стр. 986

التَّدَاوِي وَاتِّخَاذُ العَقَاقِيرِ مِنَ الحَيْوَانَاتِ المُحَرَّمَةِ (١٠٤٨) السؤال: هل استعمال العقاقير المُسْتَخْلَصَةِ من الثِّيران أو الأغنام مسموحٌ بها إذا لم تكن هذه الحيوانات مذبوحةً بالطريقة الحلال؟ وهل مسموحٌ باستعمال الأدْوية المُسْتَخْرَجَة من الخنازير ؟ الجواب: إن كان هذا الدَّواء قد استحال من مادَّة أخرى، فهو مباحٌ دون النظر إلى مصدره، وأمَّا ما بقي على طبيعته؛ فإن كان مأخوذاً من حيوان مأكول اللَّحم، وهو ذَبْح المسلمين أو أهل الكتاب، فهو مباحٌ كذلك. أمَّا إذا تأكَّدنا أنَّه من خنزير، أو من حيوانٍ غير مأكول اللَّحم، أو من حيوان مأكول اللَّحم ولم يُذبحْ ذَبْحاً شرعيًّا، فهذا لا يجوز استعماله إلَّا في حالة الضرورة وبقَدْرِها. والله أعلم. [الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١١/ ٣٠٤)] * وانظر: فتوى رقم (١٣٩) * * * اسْتِخْدَامُ أَنْسِجَةٍ مِنَ الخِنْزِيرِ فِي تَجَارُبَ عِلْمِيَّةٍ عَلَى حَيْوَانَاتٍ أُخْرَى (١٠٤٩) السؤال: نرجو التكرُّم بإفادتنا عن وجود أيِّ مانع دِينِيٍّ أو أخلاقيٍّ في استخدام مادَّتَي: (UBM (Urinary Bladder Matrix أو (SIS (Small Intestine Submucosa وهما عبارةٌ عن ألياف من النسيج الضامِّ بعد نَزْع الخلايا منها، من مصدر حيوان الخنزير، على حيوانات التجارب (الأرنب)؛ حتَّى يتسنَّى لنا دراسة تأثير هذه الموادِّ من ناحية تجديد الأنسجة الحَيَّة، عِلماً بأنَّ هذه التجارب تُجرَى كخطوة أُولَى لاستخدام مثل هذه الموادِّ من مصدرٍ حيوانيٍّ آخر

стр. 987

غير الخنزير؛ لعلاج الإنسان بدلًا من مصدر الخنزير المتاح حاليًّا في الأسواق الأمريكيَّة. الجواب: يقول الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ١٣]، ويقول عَزَّ مِن قائلٍ كريم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، فهاتان الآيتان وغيرهما من النصوص الشرعيَّة تبينان -ضمن ما تُبيِّنان- أنَّ الله تعالى الذي خلق الإنسان لعبادته وعمارة أرضه، وأكرمه بأن خلقه بيديه، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، قد سَخَّر لهذا المخلوق الفريد من أجل هذه المُهمَّة النَّبيلة والوظيفة الخطيرة كُلَّ ما في السماوات وما في الأرض، أي: ذلَّلَها وطَوَّعها وقادها له بإذنه ، سواء في ذلك الحيوان والجماد وغيرهما. وإذا كان الأمر كذلك؛ فإن الخسيس من مخلوقات الله تعالى تكون أَوْلَى في التسخير والتذليل لابن آدم من غيرها من المخلوقات، ومن ذلك: الخنزير الذي هو نَجِسٌ كُلُّه عند جماهير العُلماء؛ فإذا كانت هناك فائدة مَرْجوَّة لعموم البشريَّة من عمل تجارب مَعْمَلِيَّة عليه أو على أنسجته، وهذه الفائدة غير متوفِّرة في غيره، أو متوفِّرة ولكن بدرجة أقلّ من تلك المُحَصَّلة من التجارب على الخنزير، فإنَّ هذا قد يَرْقَى بالجواز إلى الاستحباب أو الوجوب. والإسلام قد حَضَّ على العِلْم، ومَدَح العُلماء في غير ما آية وحديث؛ منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢]، وقوله عَزَّ مِن قائلٍ كريم: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

стр. 988

[يونس: ١٠١]، وقوله صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الجَنَّةِ، وَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ العِلْمِ، وَإِنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الأَرْضِ، وَالحِيتَانُ فِي جَوْفِ المَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ، كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ، وَإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) رواه أبو داود والترمذي عن أبي الدَّرْداء رضي الله تعالى عنه، ولا يُتَصَوَّر الحكم على الشيء إلَّا بعد تَصَوُّرِه، وهذا لا يكون إلِّا بالعِلْم، فمعرفة هذا الحيوان وغيره للاستفادة منه في بعض الأوجه، أو للحَذَر في بعضها الآخر، لا يكون إلَّا بالاحتكاك به ومباشرته. ولو لم تكن هناك غايةٌ من التعامل مع الخنزير في المَعْمَل سوى معرفة بعض حِكَم تحريمه من قِبَلِ الشَّرْع الشريف لَكَفَت غايةً نبيلةً تجعل إخضاعه للمَعْمَل وتجاربه مشروعاً. وعليه؛ وفي واقعة السؤال: لا مانع شرعاً من إجراء التجارب المذكورة في السؤال للغرض المُنَوَّه عنه، مع البُعْد ما أمكن عن ملامسته مباشرةً حالَ رُطوبتِه أو رُطوبة اللَّامس بغير حائل؛ وذلك لكونه نَجِساً عند جماهير العُلماء -كما سبق ذِكْرُه-؛ والتَّضَمُّخُ (١) بالنجاسة بدون حاجةٍ غير جائزٍ، فإذا لَزِمَ الأَمر بملامسته فليُقَلَّد مذهبُ الإمام مالكٍ في طهارته؛ خروجاً من الحَرَج والضِّيق. والله أعلم. [موقع دار الإفتاء المصرية (رقم ٣٤٠٣)] * * *

стр. 989

العِلَاجُ بِمَادَّةِ الهَيْبَارِينِ (١) المُسْتَخْلَصَةِ مِنَ الخِنْزِيرِ (١٠٥٠) السؤال: يُعاني ابني من حالة سَرَطانٍ في الدَّم، ويقتضي علاجُه أن يُحْقَنَ بمادَّة الهيبارين مرَّتين على الأقل في اليوم، بالإضافة إلى الأدْوية الأخرى، ونَقْل الدَّم، ونحن نعيش في اليابان؛ حيث إنِّ الطريقة الوحيدة للحصول على الهيبارين هي من خلال الخنزير، كما أنَّ الدَّم يتمُّ نقله من المتبرِّعين اليابانيِّين. هل ذلك حَلالٌ أم لا؟ وإذا لم يكن حَلالًا، فما هو البديل؟ الجواب: أوَّلًا: نَقْل الدَّم من غير مسلم إلى مسلم وبالعكس جائز لا حَرَج فيه؛ لأنَّه من باب التَّداوي، والتَّداوي مشروعٌ بما رواه أبو داود والترمذي عن أسامة بن شَرِيكٍ ﵁ قال: أتيت النبيَّ ﵌ وأصحابه كأنَّما على رءوسهم الطَّيرُ، فسَلَّمتُ ثمَّ قعدتُ، فجاء الأعرابُ من هاهنا وهاهنا، فقالوا: يا رسول الله، أَنَتَدَاوَى؟ فقال: (تَدَاوَوْا؛ فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ: الهَرَمُ) والهَرَمُ: الكِبَر؛ فهذا الحديث جاء فيه الحثُّ على التَّداوي مطلقًا غير مُقَيَّدٍ بقَيد، والقاعدة أن: (المُطلَقُ يجري على إطلاقِه حتَّى يَرِدَ ما يُقيِّدُه). قال الإمام الخَطَّابي في (معالم السنن ٤/ ٢١٧، ط. المطبعة العلميَّة بحلب): «في هذا الحديث إثبات الطبِّ والعلاج، وأنَّ التَّداوي مباحٌ غيرُ مكروهٍ» اهـ. ثانياً: إذا كانت مادَّة «الهيبارين» المُسْتَخْلَصَة من الخنزير قد استحالت

стр. 990

إلى مادَّةٍ أخرى بالمعالجة الكيميائيَّة أو بغيرها، فلا مانع من استخدامها في الحَقْن؛ لأنَّها حينئذٍ تكون قد استحالت من طبيعتها الخنزيريَّة إلى طبيعةٍ أخرى جديدة، والاستحالة أحد وسائل طهارة الأَعْيان النَجِسَة؛ وأصل ذلك ما تقرَّر من أنَّ الخَمْر إذا تخلَّلت بنَفْسِها طَهُرَت، وقيس عليها غيرها. راجع: (المجموع ٢/ ٥٩٦، ط. مكتبة الإرشاد)، و (بدائع الصنائع ١٠/ ٤٥٢، ط. دار الكتب العلمية)، و (مواهب الجليل ١/ ٣١٧، ط. دار الفكر). أمَّا إذا كانت هذه المادَّة كما هي لم تتغيَّر، فإنَّ جواز استخدامها مُرْتبطٌ بعدم وجود بديل متوافر لها، فإن لم يوجد لها بديلٌ طبِّي، أو وُجِد، ولكنه لم يتوافر لديكم فلا مانع من استخدامها؛ لأنَّ (الضرورات تُبيح المحظورات)، وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وينبغي التنبُّه إلى أنَّ (الضرورة تُقَدَّر بقَدْرِها)، فلا يزيد على ما تندفع به الضرورة؛ لأنَّ الضرورة أصلٌ لإباحة المحظور، فإذا زال الأصل زال الفَرْع، وعاد المحظور غير مباح، فلو لم يجد المريض بُدًّا من تناول الدَّواء المشتمل على مادَّة «الهيبارين» المُسْتَخْلَصَة من الخنزير فله ذلك بقَدْر ما يَدْفعُ عنه المرض، لا يزيد عليه. والله أعلم. [مواقع دار الإفتاء المصرية (رقم ٢٩٠٤)] * * * زِرَاعَةُ بَنْكِرْيَاسِ خِنْزِيرٍ لِعِلَاجِ مَرْضَى السُّكَّرِ (١٠٥١) السؤال: يفكِّر بعض العُلماء في نَقْل بَنْكِرْياسٍ من خنزير بدل بَنْكِرْياس إنسانٍ؛ من أجل علاج مَرْضَى السُّكَّر؛ فما رأى الدِّين في ذلك ؟

стр. 991

الجواب: على الرغم من قول جمهور الفقهاء بنجاسة الخنزير، وقول بعضهم بطهارته، إنَّهم متَّفقون على أنَّ مَيْتَة الحيوانات نَجِسَة، وهي التي لم تُذْبَح ذَبْحاً شرعيًّا، أو كان أَكْلُها حَراماً حتَّى لو ذُبِحت؛ كالحِمَار مثلاً. والنَّجاسَةُ تشمل كُلَّ جُزءٍ من أجزاء المَيْتَة، غير أنَّ جِلْد المَيْتَة يَطْهُر بالدِّباغ، إلَّا جِلْد الكَلْب والخنزير عند الجمهور. ورأى داود الظاهري وأبو يوسف من الحنفيَّة تعميم الطهارة بالدَّبْغ لكُلِّ الحيوانات؛ لعموم الأحاديث الواردة في ذلك. أمَّا غير الجِلْد من المَيْتَة فلا يطهر بالدِّباغ، ولا بأيَّة مادَّة أخرى، ويبقى على نجاسته. كما اتَّفق الفقهاء على أنَّ ما يُؤخَذ من الحيوان حال حياته له حكم مَيْتَتِه، مع استثناء شَعْر وصُوف وَوَبَر مأكول اللَّحم؛ فهي طاهرةٌ؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]، وجاء في الحديث الذي رواه الحاكم وصحَّحه: (مَا قُطِعَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ كَمَيْتَتِهِ). ومن هنا نقول: إنَّ الجزء الذي يُنْزعُ من الخنزير لوَصْله بجسم الإنسان نَجِسٌ باتِّفاق الفقهاء، سواء نُزِع منه وهو حيٌّ -لأنَّ ما قُطِعَ من الحيِّ فهو كميتته، ومَيْتتُه نَجِسَة باتَّفاق-، أو نُزِعَ منه بعد موته، فهو نَجِسٌ أيضاً، وإذا كان رأي داود وأبي يوسف أنَّ جِلْدَه يَطْهُر بالدِّباغ، فأيُّ جزءٍ آخر غير الجِلْد لا يَطْهُر بالدِّباغ. وإذا كان الأمر كذلك -وهو الاتفاق على نجاسة ما يؤخذ من الخنزير حيًّا أو ميتاً-؛ فهل يجوز نَقْل جزءٍ منه إلى جسم الإنسان للعلاج؟ سبق القول في جَبْرِ عَظْم الإنسان بعَظْم نَجِسٍ؛ وخُلاصَتُه: أنَّ فقهاء المالكيَّة والحنابلة والشافعيَّة قد

стр. 992

صرَّحوا بأنَّ مداواة الإنسان بشيءٍ نَجِسٍ جائزٌ عند الضرورة التي صَوَّروها بعدم وجود شيءٍ طاهرٍ، ولو فُرِضَ أنَّه لا توجد ضرورة وحصلت المداواة بالنَّجِس، وكان قَلْعُه فيه ضررٌ، لا يُنْزعُ وتصحُّ الصلاة به. وهناك قولٌ بأنَّ الجزء النجس إذا اكْتسى لحماً لا يُنْزع وإن لم يُخَفْ الهلاك. كما أنَّ الحنفيَّة قالوا: إذا قَضَتِ الضرورة بِوَصْل العَظْم المكسور بعَظْمٍ نَجِسٍ فلا حَرَج ولا إثم، ما دام يتعذَّر نَزْعُه إلَّا بضَررٍ. بعد عرض هذه الأقوال (المُلَخَّصَة من بحث الشيخ جاد الحق علي جاد الحق) أقول: زَرْعُ بَنْكِرياس خنزير مكان بنكرياس الإنسان؛ لأنَّه علاجٌ فعَّالٌ لمرضٍ منتشرٍ لا يقومُ غيرُه الآن مقامه، لا بأس به. والرأيُ القائلُ بالجواز وعدم النَّزْع إذا اكْتَسَى العَظْمُ لَحْماً يُؤيِّد ما أقول، وبخاصَّة أنَّ البَنْكِرياس سَيُزرع في باطن الجسم لا في ظاهره، وباطن الجسم مملوءٌ بما نَحْكُم عليه بالنجاسة لو خرج إلى الظاهر؛ كالبَوْل والبُرَاز والدَّم، ونُصَلِّي ونحن حاملون لذلك؛ لأنَّنا لا نستغني عنه بالطبيعة، فكيف لا يكون ما يُزْرَع في الدَّاخل من الشيء النَّجِس كهذه الأشياء؟ وإذا تَحدَّث البعض [عن] الحكم وقال: تجوز الصلاة مع الوَصْل بالعَظْم النَّجِس، ورَتَّب الحكم على النجاسة، فإنَّ من ابتلع شيئاً نَجِساً محتاجاً إليه في العلاج كانت صلاته صحيحة، ولا حاجة إلى تطهير شيءٍ، اللَّهُمَّ إلَّا الفَمَ الذي ابتلع منه الدَّواء وما وقع على ظاهر الجسم، بصَرْف النظر عن كون الابتلاع حَراماً أو حلالًا، حسب الحاجة والضرورة وعدمها؛ لأنَّ الابتلاع أَكْلٌ أو شُرْبٌ، يُنْظَر فيه إلى المادَّة إن كانت حَراماً أو حَلالًا. ولو دَخَلَت المادَّة النَجِسَة إلى الجسم بغير طريق الأَكْل والشُّرْب

стр. 993

-كالحَقْن في الوريد أو العَضَل، أو تحت الجِلْد- هل يُقال: إنَّ ذلك حَرامٌ؟ ربَّما يُقال ذلك؛ لأنَّ الحديث يقول: (لَمْ يَجْعَلِ اللهُ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا)، ولكن للضرورة أحكام. إنَّ الأمر ما دام فيه احتمال للجواز لا ينبغي أن نجزم بحُرْمَتِه، وبخاصَّة إذا ثبتت فائدة الدَّواء بصورةٍ فعَّالة في مَرَضٍ يُعاني منه الكثيرون. هذا هو رأيي؛ فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأً فمنِّي، وأرجو العفو منه سبحانه، والأعمال بالنيَّات [موسوعة فتاوى دار الإفتاء المصرية وفتاوى لجنة الفتوى بالأزهر (رقم ١٤١)] * * * التَّدَاوِي بِدَوَاءٍ مِنْ أَصْلٍ خِنْزِيرِيٍّ مَعَ وُجُودِ البَدِيلِ البَقَرِيِّ (١٠٥٢) السؤال: حُكْمُ الدَّواءِ من أصلٍ خِنْزيريٍّ رغم وجود البديل البَقَريِّ . الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله ﷺ . الخنزير نَجِسُ العَيْن، لحمه وجِلْده وعَظْمه، وجميع الموادِّ المُستَخْلَصَة منه نَجِسَةٌ، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]. وعليه؛ فإنَّ الموادَّ والمستحضرات الطبِّيَّة التي يدخل في صناعتها شيءٌ من الخنزير نَجِسَةٌ يَحْرُم استخدامها إلَّا للضرورة فقط، وفي حال عدم وجود ما يُغْني عنها من الأدْوية الأخرى. فإذا توفَّر الدَّواء ذو الأصل البقري، بحيث يقوم مقام الدَّواء المحتوي على شيءٍ من مشتقَّات الخنزير، ويعمل بكفاءته نَفْسِها، ويُحقِّق الغاية المرجوَّة، فلا يجوز عندئذٍ استخدام الدَّواء المحتوي على مشتقَّات الخنزير. والمرجع في تحديد كفاءة الدَّوائين، وأيُّهما يُحقِّقُ الغاية المُرادَة، ويُقَلِّل عدد

стр. 994

الوفيَّات: هم أهل الثقات من أهل الاختصاص. والله تعالى أعلم. [فتاوى دائرة الإفتاء الأردنية (رقم ٢٨٧٥)] * * * اسْتِخْدَامُ هُرْمُون P-PSH (دِمَاغِ الخَنَازِيرِ) لِتَكَاثُرِ الإِنْتَاجِ الحَيْوَانِيِّ (١٠٥٢) في ٢١ من سبتمبر لعام ١٩٩٥ م عقد مجلس الفتوى الوطني الماليزي الجلسة (٣٩) للمباحثة في حُكْم هرمون P-PSH (دماغ الخنازير) كمادَّة تعمل على التكاثر في الإنتاج الحيواني. وأصدر المجلس قراره على النحو التالي: (١) يعتبر هرمون P-PSH (دماغ خنزير) -المادَّة المُنشِّطة من دماغ الخنزير- من النَّجاسة المُغلَّظة. وحَرامٌ استخدامه في أيِّ حالةٍ كانت، سواء كانت لغرض التكاثر، أو غير ذلك. وهذا التحريم صادرٌ على أساس الشُبْهة. (٢) يَحْرُم الاستفادة من أولاد الحيوانات المولودين من عملية التكاثر باستخدام P-PSH (دماغ الخنازير). كما يَحْرُم أيضاً لحومها وأَلْبانها. (٣) يجب على الهيئات والإدارات المُخْتصَّة، وخصوصاً وزارة الطبِّ البَيْطَريِّ الماليزيِّ الإيقاف الفَوْري عن استخدام هرمون P-PSH لتحقين المواشي والأنعام لأغراض التناسل والتكاثر الحيوانيِّ. [قرارات مذاكرة لجنة الفتوى بالمجلس الوطني للشؤون الإسلاميَّة الماليزية (ص ٩٩)] * * * الدَّوَاءُ المُسْتَخْلَصُ مِنْ مُخِّ الخِنْزيرِ (١٠٥٤) السؤال: عندي طِفْلٌ متعدِّد الأمراض، وعُمُره خمس سنوات ونصف، ولا يتكلَّم ولا يَمْشي، كَتَب له أحد الأطبَّاء نوعاً من الحُقَن لمدَّة ٣ شهور، وأَخَذَ الشهر الأوَّل، وبالبحث اتَّضح أنَّ هذا الدَّواء يُسْتَخلَصُ من

стр. 995

مُخِّ الخنزير، فتوقَّفتُ عن الدَّواء وكَلَّمتُ الطَّبيب، فقال: إنَّ التحريم فقط في اللَّحْم، وهذا الدَّواء له نتائج فعَّالة، وليس له بديلٌ حتَّى الآن، وأنا في حَيْرةٍ من أَمْري. الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أمَّا بعد: فقَوْلُ الطَّبيب: إنَّ تحريم الخنزير فقط في اللَّحم، غير صحيح، فكُلُّ أجزاء الخنزير مُحرَّمَةٌ، بل ونَجِسَةٌ عند جمهور العُلماء حتَّى في حال حياته، وأمَّا بعد موته فهم متَّفقون على نجاسة جميع أجزائه، جاء في (الموسوعة الفقهيَّة): «اتَّفق الحنفيَّة والشافعيَّة والحنابلة على نجاسة عَيْن الخنزير، وكذلك نجاسة جميع أجزائه وما ينفصل عنه؛ كعَرَقِه، ولُعابِه، ومَنِيِّه؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، والضمير في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ راجع إلى الخنزير؛ فيدلُّ على تحريم عين الخنزير وجميع أجزائه. وذهب المالكيَّة إلى طهارة عَيْن الخنزير حال الحياة. واتَّفق الفقهاء على أنَّه لا يَطْهُر جِلْد الخنزير بالدِّباغ، ولا يجوز الانتفاع به؛ لأنَّه نَجِسُ العَيْن، والدِّباغ كالحياة، فكما أنَّ الحياة لا تَدْفَعُ النجاسة عنه، فكذا الدِّباغ، ووجَّه المالكيَّة قولهم بعدم طهارة جِلْد الخنزير بالدِّباغ بأنَّه ليس مَحلًّا للتَّذكية إجماعاً؛ فلا تَعْمَل فيه، فكان مَيْتةً؛ فلا يطهر بالدِّباغ، ولا يجوز الانتفاع به». انتهى. وأمَّا قول الطبيب: هذا الدَّواء له نتائج فعَّالة، وليس له بديلٌ حتَّى الآن،

стр. 996

فهو -إنْ صحَّ- معتبرٌ في إباحة هذا الدَّواء، فإنَّ التَّداوي بشيءٍ من الخنزير وسائر النجاسات جائزٌ إذا لم يُوجَد طاهرٌ يقوم مقامها، فإنْ وُجِدَ الطاهرُ حَرُمَت النَّجاسة بلا خلاف. فإذا كان هذا الطبيب مأموناً على حُكْمِه بفاعِليَّة الدَّواء، وعدم وجود بديلٍ عنه، جاز التَّداوي به. والله أعلم. [فتاوى الشبكة الإسلاميَّة (رقم: ٣٣١٨٦٧)] * * * اسْتِخْدَامُ حُقَنِ الأَنْسُولِينِ عَالِي المَفْعُولِ المُنْتَجِ مِنَ الخِنْزِيرِ (١٠٥٥) في ١٠ من أكتوبر لعام ١٩٨٣ م عقد مجلس الفتوى الماليزيِّ الجلسة (٦) للمباحثة في استخدام حُقَن الأَنْسولين عالي النقاء المفعول من الخنزير. وأصدر المجلس قراره بأنَّ حُكْم استخدام حُقَن الأَنْسولين المُنْتَج من الخنزير، والذي يُعتَبر من النَّجاسَة ا لمُغلَّظة، لغرض علاج المريض بمرض السُّكَّر جائز بحُكْم الضرورة. وكذلك الحال على من يقوم بالحَقْن. [قرارات مذاكرة لجنة الفتوى بالمجلس الوطني للشؤون الإسلاميَّة الماليزية (ص ٥٨)] * * * العَقَاقِيرُ المُحْتَوِيَةُ عَلَى شَيءٍ مِنْ مُكَوِّنَاتِ الخِنْزِيرِ (١٠٥٦) السؤال: من العَقاقير المصنوعة في بلادٍ غير إسلاميَّة ما يحتوي على غُدَدٍّ أو عُصاراتٍ مأخوذةٍ من الخنزير؛ فما حُكْم الشَّرْع في تَعاطِيها ؟ الجواب: الإسلام إنَّما حَرَّم الخبائث في حالة الاختيار: حَرَّم الإسلام شُرْبَ الخَمْر حِفظاً للعُقول، وحَرَّم الدَّم المَسْفوح والمَيْتَة والخنزير حِفظاً للصِّحَّة، وقد جاء كُلُّ ذلك صريحاً واضحاً في القرآن الكريم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ

стр. 997

وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠]، ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقد جاء عَقِبَ تحريم هذه المطعومات قوله تعالى: ﴿وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وفي تعبير آخر: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، ودلَّ هذا التَّعْقيب الذي هو بمثابة الاستثناء على أنَّ تحريم ما حَرَّمَه الله من هذه المطعومات إنَّما هو في حالة الاختيار؛ حيث لا ضرورة تُلْجئُ إلى تناول شيء منه، ودلَّ على أنَّه إذا وُجِدَت الضرورة التي تدعو إلى تناول شيءٍ منه، أُبِيحَ تناول ما تدعو إليه الضرورة؛ إبقاءً للحياة، وحِفظاً للصِّحَّة، ودَفْعاً للضرر. ومن هنا يُؤخَذ أنَّ الشريعة الإسلاميَّة تُبيحُ للمسلم أن يُزيل الغُصَّة بتناول الخَمْر إذا لم يجد أمامه ما يُزيلُها سوى الخَمْر. التَّداوي بالمُحرَّمات: وتكلَّم الفقهاء بمناسبة ذلك على التَّداوي بالمُحَرَّم، والصحيحُ من آرائهم ما يَلْتقي مع هذا الاستثناء الذي صرَّح به القرآن في آيات التحريم: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، ونزولًا على حُكْم قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ كانت الإباحة مقصورة على القَدْر الذي يزول به الضَّرَر، وتعود به الصِّحَّة، ويتمُّ به الصَّلاح، ومن ذلك اشترطوا شرطين: أحدُهما: في الطبيب الذي يُعالِج ويَصِفُ الدَّواء، وهو أن يكون طبيباً إنسانيًّا حاذِقاً معروفاً بالصِّدْق والأمانة. والآخر: ألَّا يُوجَد من غير المُحرَّمِ ما يقوم مقامه في العلاج ليكون مُتَعيِّناً،

стр. 998

ولا يكون في مُتنَاولِه أو الإشارة بتناولِه بَغْيٌ على التشريع، ولا عدوان يتجاوز به قَدْر الضَّرورة، وهذا هو الصحيح الذي نُفْتي به، ولا فَرْق بين مُحرَّمٍ ومُحرَّمٍ؛ فالخَمْر والمَيْتَة والغُدد أو العُصَارات المُتَّخَذة من الخَمْر -وهي مَحلُّ السؤال-، كُلُّ ذلك سواء في حِلِّ التَّداوي به متى تَعيَّن دواءً من مِثْل الطبيب الذي وصفناه. [الفتاوى، محمود شلتوت (ص ٣٥٠ - ٣٥٢)] * * * زِرَاعَةُ شِرْيَانٍ مَأْخُوذٍ مِنَ الخِنْزِيرِ (١٠٥٧) السؤال: هذا شخص أوصاني أن أسألكم هذا السؤال؛ يقول: إنَّ جَرَّاحِي القُلوب قد يضعون عِرْقاً أو شِرْياناً مَعْدِنيًّا، وقد يضعون أيضاً شِرْياناً يأخذونه من الخنزير، مع أنَّ الشِّرْيان الذي من المَعْدِن قد يُصِيبُه الصَّدَأ، والشِّرْيان الذي من الخنزير يكون أحسن، وقد يَلْتَحِم ويصير وكأنَّه من الإنسان نَفْسِه، فما حُكْم ذلك؟ الجواب: لا بأس به، أي: لا بأس أن يَصِلَ إنسانٌ شِرْيان قَلْبِه بشِرْيان حيوانٍ آخر، وينظر إلى ما هو أنسب لقَلْبِه؛ لأنَّ هذا ليس من الأَكْل، إنَّما حَرَّمَ الله أَكْل الخنزير، وهذا ليس أَكْلًا، وإذا عَلِمْنا أنَّه لا ينفعه إلَّا هذا فهذا من باب الضرورة، وقد قال الله تعالى في أَكْل لحم الخنزير الأَكْل المباشر: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. [لقاءات الباب المفتوح - ابن عثيمين (رقم ١٠٦)] * * * اسْتِعْمَالُ عِلَاجٌ لإِنْبَاتِ الشَّعْرِ يَحْتَوِي عَلَى شَحْمِ خِنْزِيرٍ (١٠٥٨) السؤال: إنَّ والدتها اسْتَعْمَلَت بعض الأدْوية والعقاقير على رأسها، ممَّا أدَّى إلى تَساقُط مُعْظَم شَعْر الرأس، وترى فيه بعض الخَجَل

стр. 999

عندما تجلس مع النساء الأُخْرَيات، وتَذْكُر أنَّ شخصاً فيه مثل ما فيها؛ تَساقَطَ مُعْظَم شَعْر رأسه، واستعمل علاجاً وَشُفِيَ رأسُه، ونَبَتَ شَعْرٌ غَزيرٌ، إلَّا أنَّه ذَكَر أنَّ هذا العلاج بعد ما شُفِي عَرَفَ أنَّ هذا العلاج يحتوي على شَحْم الخنزير، وعلى شيءٍ من دَمِه، وهي تريد أن تعرف: هل يجوزُ لها أن تَسْتَطِبَّ بهذا الطبِّ؟ كما أنَّها تَحرَّجَت من استعمال الباروكة؛ لأنَّها ترى أنَّها مُحرَّمة على المرأة المسلمة، وترجو الإفادة من فضيلتكم. الجواب: هذا السؤال يتضمَّن في الحقيقة فقرتين: الأُولَى: استعمالُ الباروكة بمثل هذا الحال الذي وصفته؛ حيث تساقط شَعْرُها على وَجْهٍ لا يُرْجَى معه أن يعود. نقول: إنَّ الباروكة في مثل هذه الحال لا بأس بها؛ لأنَّها في الحقيقة ليست لإضافة تجميل، ولكنَّها لإزالة عيبٍ. وعلى هذا؛ فلا تكون من باب الوَصْل الذي لَعَنَ النبيُّ ﷺ فاعله؛ فقد (لَعَنَ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ)، والواصلة هي التي تَصِلُ شَعْرَها بشيءٍ، لكن هذه المرأة في الحقيقة لا تشبه الواصلة؛ لأنَّها لا تريد أن تضيف تجميلاً أو زيادةً إلى شَعْرِها الذي خَلَقَه الله ﵎ لها، وإنَّما تريد أن تُزيل عَيْباً حَدَث، وهذا لا بأس به؛ لأنَّه من باب إزالة العَيْب، لا إضافة التجميل، وبين المسألتين فَرْق. وأمَّا بالنسبة لاستعمال هذا الدَّواء الذي فيه شَحْم الخنزير؛ إذا ثبت أنَّ فيه شَحْماً للخنزير، فهذا لا بأس به عند الحاجة؛ لأنَّ المُحرَّم من الخنزير إنَّما هو أَكْلُه ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقال الله تعالى آمراً رسوله ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وثبت عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: (إِنَّمَا حَرُمَ مِنَ المَيْتَةِ

стр. 1000

أَكْلُهَا). وأنَّه أَذِن في الانتفاع بجِلْدِها بعد الدَّبْغ، وثبت عنه أيضاً أنَّه قال ﷺ : (إِنَّ الله حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْر وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ الله؛ أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ فَإنَّه يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: لَا، هُوَ حَرَامٌ)؛ يعني البيع؛ لأنَّ البيع موضوع الحديث، والصحابة ﵃ أوردوا هذا لا لأجل أن يعرفوا حُكْم هذه الأشياء، لكن لأجل أن يكون مُبرِّراً للبيع، قالوا: هذه المنافع التي ينتفع بها الناس من شحوم المَيْتَة ألا تُبَرِّرُ بَيْعَها؟ فقال النبيُّ ﷺ : (لَا، هُوَ حَرَامٌ). وعلى هذا؛ فاستعمال هذا الدَّواء في دَهْن الرأس به إذا صحَّ أنَّه مفيدٌ، فإنَّ الحاجة داعية إليه. وعلى هذا؛ فإذا استعملته فإنَّها عند الصَّلاة تغسله؛ لأنَّ شَحْم الخنزير نَجِسٌ، هذا إذا ثبت. [فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٣٦) وما بعدها] * * * تَنَاوُلُ الأَدْوِيَةِ الَّتِي تَحْتَوِي عَلَى نِسْبَةٍ مِنْ جِيلَاتِينِ الخِنْزِيرِ (١٠٥٩) السؤال: ما حُكْمُ تَناوُل الأدْوية التي تحتوي على نِسْبَةٍ مُعيَّنةٍ من جِيلاتِين الخِنزير ؟ الجواب: إذا تحوَّلت المادَّة المُسْتَخْلَصَة من الخنزير وانْقَلَبَتْ عَيْنُها إلى مادَّة أُخرى؛ كتَحَوُّل الخَمْر خَلًّا، والدَّم مِسْكاً، فلا بأس باستعمالها إن شاء الله تعالى، أمَّا إذا بقي شيءٌ من أوصافها فلا ينبغي استعمالها لغير ضرورة. [من فتاوى العصر- قيس آل الشيخ (ص ١٢٧)] * * * زِرَاعَةُ صَمَّامَاتِ قَلْبٍ مِنْ خِنْزِيرٍ فِي جِسْمِ الإِنْسَانِ (١٠٦٠) السؤال: أودُّ الاستفسار

стр. 1001

عن موضوع هامٍّ في مجال الطبِّ، وتحديداً اختصاص جِراحَة القَلْب، فأنا أعمل في فريقٍ لجِراحَة القَلْب بوظيفة مساعدٍ فنِّيٍّ مُجازٍ في التَّخْدير، وفي المجال الذي أعمل فيه تُجرَى العديد من عمليَّات القَلْب المفتوح؛ كعمليَّات الجِراحَة الإِكْليليَّة، وتشوَّهات الأطفال الخَلْقِيَّة، إضافة إلى عمليَّات الصَّمَّامات، ولا بُدَّ أن أُشيرَ هنا إلى أنَّه يتمُّ تبديل صمَّامين -الأبهري والتَّاجي- في عمليات جراحة القَلْب، وهي الأكثر شيوعاً، ناهيك عن تصنيع صمَّامات القَلْب الأخرى أحياناً، وهي الرِّئوي، أو مُثَلَّث الشَّرَف، ولكن الموضوع هنا أنَّ الصمَّامات التي تُبدَّل هي [نوعان]: صمَّامات مَعْدِنيَّة، وأخرى حيويَّة؛ إمَّا بَقَريَّة أو خِنزيريَّة، ولا مجال هنا للإطالة والتوسُّع في هذا الموضوع، فهو موضوعٌ تخصُّصيٌّ، لكن نريد أن نُبيِّن ما يلزمنا من هذا الموضوع، والفِكْرَة: أنَّ لكُلِّ صمَّام عُمُراً زَمَنِيًّا افتراضيًّا؛ فالمَعْدِنيُّ له عُمُرٌ افتراضيٌّ، والحيويُّ أيضاً، لكنَّ الصمَّام الحيويَّ يَظَلُّ هو الأطول عُمُراً، وهو يُبَدَّل طبعاً بناءً على رأي الجَرَّاح الذي يرى الوَضْع المناسب لإجراء هذا التبديل، والمسألة التي أودُّ رأي الشرع فيها: يُريدُ بعضُ الجرَّاحين الآن إدخال صمَّامات خِنزيريَّة في عمليَّات التبديل التي تُجرَى على المَرْضى بحُجَّة أنَّ الخنزيري هو أطول عُمُراً من البَقَريِّ، لذلك الرَّجاء أن تُجيبوني على هذه المسألة: هل من الجائز إجراءُ مثل هذه العمليَّات على المرضى وتبديل الصمَّامات البشريَّة بصمَّامات خِنزيريَّة بالرَّغم من نجاسة الخنزير؟ وهل يَطْهُر الصمَّام المُسْتَأَصَل من الخنزير حَسْبَما شَرَح أحَدُ الأطبَّاء لي مِنْ أنَّه كالجِلْد يَطْهُر بالدِّباغة؟ مع العِلْم أنَّ هذا الأمر -أي دِباغَة جِلْد الخنزير- مختلف فيه. وإن كان هذا الأمر غير جائزٍ، فهل

стр. 1002

أتحمَّل أنا أو أيُّ عضوٍ من أعضاء الفريق الإثْمَ في حال ثَبَتَ عدم شرعيَّة الموضوع؟ كوننا نعمل في مثل هذه العمليَّات. الجواب: أجزاءُ الخنزير لا تَطْهُر أبداً، قال الإمام أبو الوليد الباجِيُّ ﵀: «وما نَجُسَ لعَيْنِه لم يَطْهُر بِوَجْهٍ»، غير أنَّ الضرورة أو الحاجة إذا اقتضت استعمالَه فلا حرج فيه إن شاء الله تعالى، والله تعالى يقول: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. وهذا لا يتعارض مع ما ثبت (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الخَمْر أَيُتَداوَى بِهَا؟ قَالَ: لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهَا دَاءٌ)، وحديث (إنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا)؛ فإنَّ هذا خاصٌّ بمُطْلَق التَّداوي الذي لا اضطرار فيه لاستعمال المُحرَّم، حيث يمكن التَّداوي بالمباح، أمَّا حيث لم يوجد الدَّواء المباح فقد أجاز الفقهاء استعمال النَّجِس، فهذا الحديث مُقيَّدٌ بحالة الاضطرار حفظاً للنّفس، فصار كأَكْل المَيْتَة لمن اضطرَّ، فقد أجاز الفقهاء التَّداوي بالسُّمِّ. وعليه؛ فلا حرج عليك -إن شاء الله تعالى- في استعمال جِلْد (١) الخنزير، ما دام نَفْعُه أَكْبر، والله أعلم. [من فتاوى العصر- قيس آل الشيخ (ص ١٨٩)] * * * اسْتِعْمَالُ الأَدْوِيَةِ المُضَافِ إِلَيْهَا جِيلَاتِينُ الخِنْزيرِ (١٠٦١) السؤال: أنا صيدلانيَّة، وعَلِمْتُ من دكتور في الصناعة الدَّوائيَّة أنَّ معظم الجيلاتين المُستَخْدَم في صناعة كبسولات الدَّواء من الخنازير ، ومِنْ وَقْتِها إلى الآن لا آخذ أيَّ دواءٍ على شكل كبسولات، وإن

стр. 1003

اضطررتُ أبحث عن بدائل على شكل أقراصٍ، وكان فيه تضييقٌ على نفسي بعض الشيء، وتَكْلُفةٌ مادِّيَّة أكبر في الأغلب، لكنِّي لم أكن أجد حَرَجاُ في صَرْف هذه الأدْوية للناس؛ حتَّى لا أُضيِّقُ عليهم، ولم أُخْبِرْ إلَّا الأقارب والأصدقاء من باب أَخْذِ العِلْم، لا منعهم. أنا الآن في أَشْهُر الحَمْل، وبحاجةٍ لتناول مُكَمِّلات الحديد، وقد صَرَفَت لي الطَّبيبة كبسولات الحديد، وأثبتت الدِّراسات الدَّوائيَّة أنَّه الأفضل أثناء الحَمْل. منذ أسبوعين وأنا أرفض أَخْذَه، وأبحثُ عن بدائل أقراص كنت أتناولها قبل الحَمْل، وعند قراءتي للأبحاث في هذا المجال وجدتُ أنَّ منها ما يُسبِّب مشاكل هَضْمِيَّةٍ، ومنها ما لا يُنْصَح به أثناء الحَمْل، ورَفَضَ الصيدلانيُّ صَرْفَه لزوجي، ونَصَحَه بنَفْسِ النوع الذي صَرَفَتْه الطَّبيبة، مُبيِّناً أنَّني أتحمَّل مسؤولية أَخْذ نوعٍ آخر إذا أَخَذْتُه من تِلْقاء نَفْسي؛ فهل أتناول ما صُرِفَ لي؟ الجواب: الحمد لله والصَّلاة والسَّلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد: فعلى تقدير صحَّة ما ذَكَرْتِ عن استخدام جيلاتين الخنزير في صناعة معظم الكبسولات، فهذا بمُجرَّده لا يُوجِب تحريمها؛ لاحتمال أنَّها قد عُولِجَت حتَّى تحوَّلت إلى مادَّة أخرى، ومن ثَمَّ فإنَّها تَطْهرُ على الرَّاجح من أقوال أهل العِلْم ... وحيث تقرَّر أنَّ تحريم تلك الكبسولات مشكوكٌ فيه؛ فالظاهر: أنَّها تَبْقَى على أصل الإباحة، كسائر الأَطْعِمَة والأَشْرِبَة. أمَّا إن ثبت كون الجيلاتين المستخدم في الكبسولات المذكورة مُستخرَجاً من الخنزير، وباقياً على أصل نجاسته،

стр. 1004

فحينئذٍ لا يجوز استخدام تلك الكبسولات، إلَّا إنْ كنتِ مضطرَّةً إليها، والاضطرار هنا أن تَجْدي مَشَقَّة في تحمُّل ما يترتَّب على عدم تناولها، مع عدم وجود غيرها ممَّا يقوم مقامها، وقد خلا من النجاسات ونحوها، فحينئذٍ لا حَرَج عليك في تناولها؛ لأنَّ (الضرورات تُبيحُ المحظورات)، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. وقال العزُّ ابن عبد السَّلام: «جاز التَّداوي بالنجاسات إذا لم يجد طاهراً يقوم مقامها؛ لأنَّ مصلحة العافية والسَّلامة أكمل من مصلحة اجتناب النجاسات». اهـ. والله أعلم. [فتاوى الشبكة الإسلاميَّة (رقم ٢٩٦٤١٣)] * وانظر: فتوى رقم (٥٠) * * * اسْتِخْدَامُ مَسْحُوقِ الدَّمِ فِي المُكَمِّلَاتِ الغِذَائِيَّةِ (١٠٦٢) السؤال: يُرجَى التَّكرُّم بالإفادة بخصوص جواز استخدام مَسْحوقٍ من مُكوِّنات الدَّم في المُكَمِّلات الغذائيَّة من الناحية الشرعيَّة؛ ليتَسَنَّى لنا اتِّخاذ ما يلزم نحو استكمال إجراءات تسجيل مُكَمِّلٍ غِذائيٍّ يحتوي على مَسْحوق الهِيمُوجُلُوبِين المُكَوِّن الأساسي للدَّم باعتباره مَصْدراً للحديد. الجواب: قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، فالدَّم مُحرَّم تناوله، ويشمل هذا التحريم كونه سائلاً، أو غير سائلٍ، وكذا سائر أجزائه، إلَّا إذا دعت إلى ذلك ضرورة، والله تعالى أعلم. [مجموعة الفتاوى الشرعيَّة الكويتية (٢٨/ ٣٣٩)]

стр. 1005

التَّدَاوِي بِدَمِ البَرَازِيٍّ (١) وَبِالمُحَرَّمَاتِ (١٠٦٣) السؤال: [ما حُكْمُ التَّداوي بدم البرازي وبالمحرَّمات؟] الجواب: المُحرَّمات لا يجوز التَّداوي بها، وفي الحديث (تَدَاوَوْا، وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ)، فيفيد تحريم التَّداوي به، ولا يفيد أنَّه لا شفاء فيه، بل يفيد أنَّ مَضَرَّته أكثر . أمَّا حديث: (إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَ أُمَّتِي فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْهَا) فهو يُفيدُ أنَّه لا بُدَّ أنْ يعتقد عقيدةً أنَّ الله لم يجعل فيه شفاءً، فهو مَسْلوب العافية. وقد يُوقِع الشيطان كثيراً من العوامِّ بأشياء يزعمون فيها شفاءً، وهو خِداعٌ من الشيطان؛ مثل «دَم البَرَازيِّ» عندما يُوجَد في أَحَدٍ عَضَّة الكَلْبِ الكَلِبِ؛ فإنَّ هذا باطلٌ، ومن الشيطان، وكثيرٌ منه يحصل اتِّفاقٌ أنَّه يُشْفَى. ثُمَّ إنَّ الشيطانَ جعلَ لهم شُبْهة؛ فإنَّه تارةً يُشْفَى، وتارةً لا. وإذا لم يُوجَد شفاءٌ قالوا: نَسَبُ فُلانٍ فيه شيءٌ، وكُلُّ هذا تحسينٌ لمَسْلَكِهم السيِّء، وترويجٌ لباطلهم. المقصود أنَّه باطلٌ ولا صحَّة له، ولا شفاءَ فيه أبداً؛ لقول الصادق المصدوق، وهذا الدَّمُ نَجِسٌ حَرامٌ. [فتاوى ورسائل الشيخ محمَّد بن إبراهيم (٣/ ١٦٧)] * * * (١٠٦٤) السؤال: فضيلة الشيخ: هناك بعض الناس إذا عضَّه الكَلْب أو الثَّعْلَب المَسْعور يذهب إلى قبيلة يقال عنها «البرزان» ويأخذ من دَمِهِم ويَشْرَبُه، أو يشتريه بثمنٍ، وهو يعلم أنَّ الله هو الشافي، لكن يُؤكِّد ، ويقول: إنَّه لا يوجد غير دَم هذه القبيلة يَصْلُح

стр. 1006

لهذا، حتَّى إنَّ هناك امرأةٌ تبرَّعت بدَمِها لمن أُصيبَ بمثل هذا، بعضُهم يقول: إنَّ الرسول ﷺ استضافهم فأكرموه ودعا لهم بأن يكون دَمُهُم شفاءً، هل هذا صحيح أم لا؟ الجواب: هذا ليس بصحيح أنَّ الرسول ﷺ استضافهم فأكرموه ودعا لهم. أمَّا ما ذَكَرْت من أنَّ دَمَهُم يُسْتَشْفَى به، فهذا مشهور عند الناس، لكنه شرعاً لا يجوز؛ لأنَّ الدَّم حَرامٌ بنصٍّ القرآن؛ قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وإذا كان حَراماً فإنَّه لا شفاء فيه؛ لأنَّ الله لم يجعل شفاء هذه الأُمَّة فيما حَرَّم عليها، فلذلك ننهى عن هذا الشيء، ونقول: هذا شيء لا أصل له، وقد فتح الله -له الحمد- الآن أبواباً كثيرة في الطبِّ وتنقية الدَّم، وبإمكانهم أن يذهبوا إلى المستشفيات ويُنَقُّوا دَمَهُم من هذا الدم الخبيث، أو من هذه العضَّة الخبيثة. السائل: فضيلة الشيخ؛ إنَّهم يقولون: إنَّهم مضطرون إلى الذهاب إلى هؤلاء، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فما تعليق فضيلتكم على ذلك؟ الشيخ: قلت لك هذا الشيء مُحرَّم، والمُحرَّم لا يجوز إلَّا عند الضرورة، ولكن ما هي الضرورة؟ الضرورة: أن نعلم أنَّ الإنسان إذا فعل هذا الشيء زالت ضرورته، ونعلم كذلك أنَّه لا يمكن أن تزول ضرورته إلَّا بهذا الشيء، يعني ليس هناك ضرورة تُبيح المُحَرَّم إلَّا بشرطين: (١) أن نعلم أنَّه لا تزول ضرورته إلَّا بهذا.

стр. 1007

(٢) أن نعلم أنَّ ضرورته تزول به. ولهذا إذا كان الإنسان يخاف الموت، فله أن يأْكُل مَيْتةً لتوفُّر الشَّرْطَين السابقين، أمَّا هؤلاء فليس هناك ضرورة تدفعهم لفعل هذا الشيء المُحرَّم. [لقاءات الباب المفتوح - ابن عثيمين (رقم ٤٠)] * * * نَقْلُ الدَّمِ بَيْنَ البَشَرِ لِلضَّرُورَةِ (١٠٦٥) السؤال: هل يجوزُ تَزْويد دَمِ المسلم بدَمِ غيره من بني الإنسان إذا احتيج لذلك؛ كما في حالة النَّزيف، أو الإصابة بالجِراح، ونحو ذلك، أم لا ؟ الجواب: الجواب على هذا السؤال يستدعي الكلام على ثلاثة أمور: الأوَّل: من هو الشخص الذي يُنْقَل إليه الدَّم؟ الثاني: من هو الشخص الذي يُنْقَل منه الدَّم؟ الثالث: من هو الشخص الذي يُعْتمَدُ على قوله في استدعاء نَقْل الدَّم؟ أمَّا الأوَّل: فهو أنَّ الشخص الذي يُنْقَل إليه الدَّم هو من توقَّفَت حياته -إذا كان مريضاً أو جريحاً- على نَقْل الدَّم. والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، وقال سبحانه في آية أخرى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩]. وجه الدلالة من هذه الآيات: أنَّها أفادت أنَّه إذا توقَّف شفاء المريض أو الجريح وإنقاذ حياته على نَقْل الدَّم إليه من آخر؛ بأن لا يوجد من المباح ما يقوم مقامه في شفائه وإنقاذ حياته، جاز نقل هذا الدَّم إليه، وهذا في الحقيقة من باب الغِذاء لا من باب

стр. 1008

الدَّواء. وأمَّا الثاني: فالذي يُنْقَل منه الدَّم هو الذي لا يترتَّب على نَقْلِه منه ضررٌ فاحش؛ لعموم قوله ﷺ : (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ). وأمَّا الثالث: فهو أنَّ الذي يُعتَمَد على قوله في استدعاء نَقْل الدَّم هو الطبيب المسلم، وإذا تعذَّر فلا يظهر لنا مانعٌ من الاعتماد على قول غير المسلم يهوديًّا كان أو نصرانيًّا، إذا كان خبيراً بالطبِّ، ثقة عند الإنسان، والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيح: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا مُشْرِكاً هَادِياً خِرِّيتاً -ماهراً-). قال ابن القَيِّم في كتابه (بدائع الفوائد) ما نصُّه: «في استئجار النبيِّ ﷺ عبد الله بن أُرَيقِط الديلي هادياً في وقت الهجرة وهو كافر، دليلٌ على جواز الرجوع إلى الكافر في الطبِّ والكُحْل والأدْوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها، ما لم يكن ولاية تتضمَّن عدالة. ولا يلزم من مجرَّد كونه كافراً ألَّا يوثق به في شيء أصلاً، فإنَّه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق، ولا سيما في مثل طريق الهجرة». وقال ابن مفلح في كتابه (الآداب الشرعيَّة) نقلاً عن شيخ الإسلام ابن تيميَّة ما نصُّه: «إذا كان اليهودي والنصراني خبيراً بالطبِّ، ثقة عند الإنسان، جاز له أن يَسْتَطِبَّه، كما يجوز له أن يودعه مالَهُ وأن يعامِلَه، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥]، وفي الصحيح: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا مُشْرِكاً هَادِياً خِرِّيتاً -ماهراً-، وَائْتَمَنَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ. وَكَانَتْ خُزَاعَةُ عَيْبَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ مُسْلِمُهُمْ وَكَافِرُهُمْ) العَيْبةُ: موضع السِّرِّ. وقد رُوِيَ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ أَنْ يُسْتَطَبَّ الحَارِثُ بْنُ كِلْدَةَ، وَكَانَ

стр. 1009

كَافِراً). وإذا أمكنه أن يَسْتَطِبَّ مسلماً، فهو كما لو أمكنه أنْ يُودِعَهُ أو يعامِلَهُ، فلا ينبغي أن يَعْدِل عنه. وأمَّا إذا احتاج إلى ائتمان الكتابيِّ واستطبابه فله ذلك، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنَّهيِّ عنها». انتهى كلامه. وهذا مذهب المالكيَّة. وقال المَرُّوذِي: «أَدْخَلتُ على أبي عبد الله نصرانيًّا، فجعل يَصِفُ وأبو عبد الله يكتب ما وَصَفَهُ، ثمَّ أَمَرَني فاشتريتُ له». [فتاوى ورسائل الشيخ محمَّد بن إبراهيم (٣/ ١٧٤ - ١٧٦)] * * * (١٠٦٦) السؤال: هل يجوزُ نَقْلُ الدَّمِ مِنْ شخصٍ إلى شخصٍ آخرَ ؟ الجواب: يقول أهل الإفتاء: إنَّه إذا توقَّف شفاءُ المريض أو الجريح وإنقاذُ حياتِه على نَقْل الدَّم إليه من شخصٍ آخر؛ بأن لا يُوجَد من المُباح ما يقوم مقامه في شفائه وإنقاذ حياته، جاز نَقْل هذا الدَّم إليه بلا شُبْهةٍ، ولو من غير مسلم، وكذلك إذا توقَّف سلامَةُ عُضْوٍ جاز نَقْلُ الدَّم إليه. أمَّا إذا لم يتوقَّف أصل الشِّفاء على ذلك، ولكن يتوقَّف عليه تعجيل الشِّفاء؛ فإنَّ عُلماء الشافعيَّة يُجيزون نَقْل الدَّم لتَعجيل الشِّفاء، وهناك قولٌ في مذهب الأحناف بجواز ذلك أيضاً. وخلاصَة هذا: أنَّه إذا تحقَّق توقُّف حياة المريض أو الجريح على نَقْل الدَّم؛ جاز بنصِّ القرآن الكريم القائل: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. أمَّا إذا توقَّف تعجيل الشِّفاء فَحَسْب؛ فيجوز على أحد الوجهين عند الحنفيَّة، ويجوز على مذهب الشافعيَّة. وهذا مُقيَّدٌ -بلا شُبْهةٍ- بما إذا لم يترتَّب على ذلك ضررٌ فاحشٌ بمِنْ نُقِلَ منه الدَّمُ. هذا ما يقوله أهل الإفتاء. والله ﵎ أعلم.

стр. 1010

[يسألونك في الدين والحياة (٣/ ٤٦٠)] * * * (١٠٦٧) السؤال: وَرَدَ في القرآن الكريم تحريم أَكْل الدَّم مُطْلَقاً، فهل نَقْلُه من شخصٍ إلى آخر بواسطة الشَّرايين يُعَدُّ من الأَكْل المُحرَّم أم لا؟ وما حُكْم بيعه أو أَخْذ عِوَضٍ ماليٍّ مقابل التنازل عن قَدْرٍ مُعيَّنٍ منه ؟ الجواب: حَرَّمَ الله الدَّم في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]، لكنَّه قال بعد: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وعلى هذا؛ فإذا اضطَّر مريضٌ إلى حَقْن الدَّم فيه فإنَّه يجوز أن يُحقَنَ فيه الدَّم؛ لأنَّه مضطرٌّ، والضرورة تُبيح الدَّم. وأمَّا بَيْعُه؛ فإنَّه لا يجوز بَيْعُه؛ لأنَّ الله تعالى إذا حَرَّم شيئاً حَرَّم ثَمَنَه، ولكن إذا اضطرَّ أحدٌ إلى دَمٍ، وقرَّر الأطبَّاء أنَّه يَنْتَفِعُ به، فإنَّه لا ينبغي لأحدٍ يُمْكِنُه إنقاذُ هذا المريض أن يتَخَلَّف عن ذلك؛ لأنَّ هذا من باب الإحسان، والله يحبُّ المُحسنين، فإذا قرَّر الأطبَّاء أنَّ دَمَ هذا الشخص صالحٌ لدَم هذا المحتاج إليه، وأنَّ هذا الشخص المأخوذ منه الدَّم لا يتضرَّر بأَخْذِه؛ فإنَّه لا ينبغي للإنسان أن يتَخَلَّف عن بَذْل الدَّم لأخيه لينقذ حياته، ولعلَّ الله أن يُنْقِذَه به من الموت، فيكون بذلك له أجرٌ عظيمٌ. [فتاوى نور على الدرب - ابن عثيمين (١١/ ٣٩٦ - ٣٩٧)] * وانظر: فتوى رقم (٨٥٥)

стр. 1011

التَّدَاوِي بِأَدْوِيَةٍ تَحْتَوِي عَلَى هِيمُوجُلُوبِين (١) مِنْ دَمِ الحَيْوَانِ (١٠٦٨) السؤال: تَرِدُ إلينا نحن إدارة تسجيل ومراقبة الأدْوية -بدولة الكويت- بعض العيِّنات من الأدْوية، وبعد دراستها تَبيَّن أنَّ هذه الأدْوية تحتوي على مادَّة الهِيموجُلُوبين من دَم الحيوان (حِصَان - ثَوْر - أو غيره) ، أو جُزءٍ من مُرَكَّبات الدَّم؛ فهل هذه الأنواع من الأدْوية حلالٌ أم حَرامٌ استعماله؟ وما موقف الشَّرْع من هذه العيِّنات؛ أيُسْمَح بتداولها أم لا؟ عِلْماً بأنَّ هذا النوع من الأدْوية تُؤخَذ عن طريق الفَم، ويمكن الاستغناء عنها بأنواع أُخرى من الأدْوية. يُرْجَى التكرُّم بإفادتنا. الجواب: هذا الدَّمُ من الحيوان نَجِسٌ، وقد اتَّفَق الفقهاء على عدم جواز التَّداوي بالنَّجِس إلَّا إذا تعيَّن دواءً لا يُغْنِي غيرُه عنه، أو تحوَّلت مادَّتُه إلى مادَّةٍ طاهرةٍ. وما دام البديل الطاهر في السؤال موجوداً، فلا مسوِّغ لاستعماله أصلاً. والله أعلم. [الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (١١/ ٣٠٥)] * وانظر: فتوى رقم (٨٩٠) * * * شُرْبُ دَمِ الضَّبِّ للسُّعَالِ الدِّيكيِّ (١٠٦٩) السؤال: ما حُكْم إسْقَاءِ الأطفال المُصابِين بالكُحَّة الشديدة التي تُسمَّى بـ «السُّعال الدِّيكيِّ» دَمَ الضَّبِّ؛ لأنَّه ثَبَتَ بالتَّجْرُبة أنَّه دواءٌ ناجحٌ لهذا المرض، ولأنَّه ثَبَت أنَّ الأطبَّاء غير مستطيعين غالباً لعلاج هذا المرض الذي يَ ضُرُّ الطِّفْل ضَرراً بالغاً؟ الجواب: إذا كان دَمُ الضَّبِّ مَسْفوحاً فهو حَرامٌ، والتَّداوي

стр. 1012

بالمُحرَّمات لا يجوز، والأصل في ذلك الكتاب والسُّنَّة والنَّظر. أمَّا الكتاب فقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وما جاء في معنى هاتين الآيتين من القرآن. وجه الدلالة: أنَّ الله تعالى حَرَّم الدَّم في الآية الأُولَى على سبيل الإطلاق، وحرَّمه في الثانية تحريماً مقيَّداً، فيُحمَل المُطلَقُ على المُقيَّد، ومن المُقرَّر في علم الأصول أنَّ (الأحكامُ مِنْ أوصافِ الأفعال، فإذا أُضيفَتْ إلى الذَّوات فالمقصودُ الفِعْل الذي أُعدَّت له هذه الذَّات)، فإضافة التحريم إلى الدَّم المَسْفوح إضافة إلى ما أُعِدَّ له من شُرْب وتَداو وبَيْع، ونحو ذلك. وأمَّا السُّنَّة فأدلَّة: الأوَّل: روى البخاري في (صحيحه) -معلَّقاً- عن ابن مسعود ﵁: (إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ). وقد وَصَلَه الطبرانيُّ بإسنادٍ رِجالُه رجال الصحيح، وأخرجه أحمد وابن حِبَّان في (صحيحه)، والبزَّار وأبو يعلى في (مسنديهما)، ورجال أبي يَعْلَى ثقات. وتقرير الاستدلال من هذا الحديث: أنَّ قوله ﷺ : (يَجْعَلْ) فعلٌ مضارعٌ في سياق نَهْي وهو (لَمْ)، والفعل المضارع يشتمل على مصدرٍ وزمانٍ، وهذا المصدر نَكِرَةٌ، وهو الذي توجَّه إليه النفي. وقد تقرَّر في علم الأصول أنَّ (النَّكِرَة في سياق النَّفْي تكون عامَّة إذا لم تكن أَحَدَ مَدْلُولَي الفِعْل)، وأُلحِقَ بذلك النَّكِرة التي هي أَحَدُ مَدْلُولَي الفِعْل، وقد صَدَّر الجملة بـ[(إنَّ)] المُؤكِّدة؛ فالمعنى أنَّه ﷺ أخبر بعدم وجود شفاءٍ في الأدْوية المُحرَّمة، وباب الخبر لفظاً ومعنًى لا لفظاً، من المواضع التي لا يَدْخُلها النَّسْخ؛ فحُكْمُه باقٍ إلى يوم القيامة؛ فيجب

стр. 1013

اعتقاد ذلك. وتقريره: أنَّ من أسباب الشفاء بالدَّواء تلقِّيه بالقبول، واعتقاد منفعته، وما جعل الله فيه من بَرَكة الشفاء. ومعلومٌ أنَّ اعتقاد المسلم تحريم هذه العَيْن ممَّا يَحُولُ بينه وبين اعتقاد منفعَتِها وبَرَكَتِها وبين حُسْنِ ظَنِّه بها وتلقِّيه لها بالقبول، بل كُلَّما كان أَكْرَه لها وأسْوَأ اعتقاداً فيها، وطبْعُه أَكْرَه شيء لها، فإذا تناولها في هذه الحال كانت داءً له لا دواء، إلَّا أن يزول اعتقاد الخُبْث فيها وسوءُ الظنِّ والكراهة لها بالمحبَّة، وهذا ينافي الإيمان، فلا يتناولها المؤمن قَطُّ إلَّا على وجه داءٍ. الثاني: روى مسلم في (صحيحه)، عن طارق بن سُوَيدٍ الجُعْفِي: (أنَّه سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الخَمْر، فَنَهَاهُ وكَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ. فَقَالَ: إنَّه لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ). وفي (صحيح مسلم) عن طارق بن سُوَيْدٍ الحَضرمِيِّ قال: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ بِأَرْضِنَا أَعْنَابًا نَعْتَصِرُهَا فَنَشْرَبُ مِنْهَا. قَالَ: لَا، فَرَاجَعْتُهُ قُلْتُ: إِنَّا نَسْتَشْفِي لِلْمَرِيضِ. قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِفَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ)، ويُقرِّر الاستدلال من هذين الحديثين ما سبق، إلَّا أنَّ هذا نصٌّ في الخَمْر، ويَعُمُّ غيرَها من المُحرَّمات قياساً. الثالث: روى أصحاب السُّنن عن أبي هريرة ﵁، قال: (نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ الدَّواء الخَبِيثِ). وجه الدلالة: أنَّه ﷺ نَهى عن الدَّواء الخبيث، و (النَّهيُ يقتضي التَّحريمَ)، فيكون تعاطيه مُحرَّماً. وما حُرِّم إلَّا لقُبْحِه، والقبيح لا فائدة فيه، وإذا انْتَفَتِ الفائدة انْتَفَى الشِّفاء. روى أبو داود في (السُّنن) من حديث أبي الدَّرداء قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ اللهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّواء، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا، وَلا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ)، وأخرجه أيضاً الطبرانيُّ ورجاله ثقات.

стр. 1014

وجه الدلالة: أنَّه ﷺ بيَّن أنَّ الدَّواء في المباح، أمَّا المُحرَّم فلا دواء فيه. وبيانُ ذلك من وجوه: الأوَّل: أنَّ الله جلَّ وعَلَا هو الذي قَدَّر الأمراض وقدَّرَ لها الأدْوية، وهو المحيط بكلِّ شيءٍ، فما أثبته فهو المُستَحِقُّ أن يُثبَتَ، وما نفاه فهو المستحقُّ أنْ يُنفَى قولاً وعملاً واعتقاداً. الثاني: أنَّ الله جلَّ وعَلَا شَرَع لإزالة الأمراض أسباباً شرعيَّة، وأسباباً طبيعيَّة، وعاديَّة؛ فالأسبابُ الشرعيَّة؛ مثل قراءة القرآن، والأدعية، وقوَّة التوكُّل، ونحو ذلك. وأمَّا الطبيعيَّة؛ فمثل ما يوجد عند المريض من قوَّة البدن التي تقاوم المرض حتَّى يزول. وأمَّا الأسباب العاديَّة؛ فمثل الأدْوية التي تُرَكَّبُ من الأشياء المباحة؛ فكيف تُجْتَنَبُ الأسبابُ المشروعةُ إلى أسبابٍ يأْثمُ مُرتكِبُها إذا كان عالِماً بالحُكْم؟! الثالث: أنَّ أصل التَّداوي مشروعٌ وليس بواجبٍ، فلا يجوز ارتكاب محظورٍ من أجل فِعْل جائزٍ. الرابع: أنَّ زوال المرض مظنونٌ بالدَّواء المباح، وأمَّا بالدَّواء المُحرَّم فمُتَوَهَّمٌ؛ فكيف يُرْتَكَبُ الحَرامُ لأمرٍ مُتوَهَّمٍ؟! الخامس: أنَّه قال: (وَلا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ)؛ فهذا نهيٌ، و (النهي يقتضي في الأصل التحريم)، وهو إنَّما حُرِّمَ لقُبْحِه، فلا يكون فيه شفاء. وأمَّا النظرُ فمن وجوهٍ: الأوَّل: أنَّ الله تعالى إنَّما حَرَّمه لخُبْثه، فإنَّه لم يُحرِّم على هذه الأُمَّة طَيِّباً عقوبةً لها كما حَرَّمَهُ على بني إسرائيل بقوله جَلَّ وعَلَا: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، وإنَّما حَرَّم على هذه الأُمَّة ما حَرَّمَ لخُبْثِه، وتحريمُه له حِمْيةً لها وصيانةً عن تناولِه، فلا يناسب أن يُطْلبَ به الشِّفاء من الأسقام والعِلَل، فإنَّه وإنْ أثَّر في إزالتها، لكنَّه يَعْقُبُ سَقَماً أعظم منه في

стр. 1015

القَلْب بقوَّة الخُبْثِ الذي فيه، فيكون المداوي به قد سعى في إزالة سَقَم البدن بسَقَم القَلْب. الثاني: أنَّ تحريمه يقتضي تجنُّبه والبُعْدَ عنه بكلِّ طريق، وفي اتِّخاذه دواءً حضٌّ على الترغيب فيه وملابسته، وهذا ضدُّ مقصود الشارع. الثالث: أنَّه داءٌ كما نصَّ عليه الشارع؛ فلا يجوز أن يُتَّخذَ دواءً. الرابع: أنَّه يُكْسِبُ الطبيعة والروح صفة الخُبْث؛ لأنَّ الطبيعة تنفعل عن كيفية الدَّواء انفعالاً بيِّناً، فإذا كانت كيفيَّته خبيثة أَكْسَبَ الطبيعةَ منه خُبْثاً؛ فكيف إذا كان خبيثاً في ذاته؟ ولهذا حَرَّم الله سبحانه على عباده الأغذية والأشربة والملابس الخبيثة؛ لما تَكْتسِبُ النَّفْس من هيئة الخُبْث وصِفَته. الخامس: أنَّ إباحة التَّداوي به -ولا سيَّما إذا كانت النفوس تميل إليه- ذريعةٌ إلى تناوله للشهوة واللَّذة، لا سيَّما إذا عَرَفَت النفوس أنَّه نافع لها، مزيلٌ لأَسْقامها، جالِبٌ لشِفائها، فهذا أحبُّ شيءٍ إليها، والشارع سَدَّ الذريعة إلى تناوله بكُلِّ ممكنٍ، ولا ريب أنَّ بين سدِّ الذريعة إلى تناولِه وفتح الذريعة إلى تناوله تناقضاً. السادس: أنَّ في هذا الدَّواء المُحرَّم من الأدواء ما يزيد على ما يُظنُّ فيه الشفاء. وأمَّا قولك: إنَّه ثبت بالتجربة أنَّه دواءٌ ناجحٌ لهذا المرض. فهذا غير صحيح؛ لأنَّه لا تلازم بين تعاطي الدَّواء المُحرَّم وبين زوال المرض بعد التعاطي؛ لأنَّ زواله قد يكون بدواءٍ شرعيٍّ وطبيعيٍّ وعاديٍّ، ولكن صادف زوالُه تعاطي هذا الدَّواء الذي هو في الحقيقة داءٌ فنُسِبَ إليه. وقد يكون زوالُه لا من أجل كونه دواءً، ولكن من باب الابتلاء والامتحان. وأمَّا قولك: إنَّ الأطبَّاء عاجزون في الغالب عن علاج هذا الدَّاء، فهذا لا يصحُّ الاستناد عليه لإباحة التَّداوي

стр. 1016

بهذا المُحرَّم؛ لأنَّ عجز عددٍ من الأطبَّاء لا يلزم منه عجز غيرهم، ولا يلزم منه عدم وجود دواءٍ مباح ممَّا يعرفه الأطبَّاء. على أنَّ الأدْوية الشرعيَّة هي المصدرُ الأوَّل للتداوي، والشفاء بيد الله تعالى، والدَّواء المباح سببٌ من الأسباب التي شُرِعَ التَّداوي بها. هذه إجابة مختصرة قصدنا بها التنبيه على أصل المسألة، وفيها كفاية. والله الموفِّق. [فتاوى ورسائل الشيخ محمَّد بن إبراهيم (٣/ ١٦٧ - ١٧٣)] * * * التَّدَاوِي بِعِلَاجِ «الهُورْمُودُوس» المُسْتَخْلَص مِنْ دِمَاءِ الثَّوْرِ وَالبَقَرَاتِ الفَتِيَّةِ (١٠٧٠) السؤال: السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: أرجو من حضرتكم إعْلامَنا عن هذا الدَّواء أيَسْمَحُ الشارعُ الشريفُ بشُرْبِه أم لا؟ وُصِفَ لنا من قِبَلِ الطبيب، وبعد قراءته وَجَدْناه دَماً من الحيوانات لا نتجرأ على شُرْبِه. سَأَلْنا الأستاذَ الم حترم علي الطَّنْطاوي فقال: اسألوا الأستاذ مصطفى الزَّرقا عنه؛ لأنَّه أعْلَم وأَعْرف منِّي بهذه الأمور. والسلام عليكم، ولكم الشكر. نشرة الدَّواء HORMODAUSSE SEROP هورمودوس إنَّ دماء الحيوانات الفَتِيَّة والقويَّة هي مُستودعٌ غزيرٌ بالأتوار «هرمون» (الإفرازات الباطنيَّة التي تُنَبِّه إفرازات أخرى)؛ لهذا فكَّرنا في تحضير علاج مُسْتَخْلَصٍ من هذا السائل يحتوي على جميع العناصر التي بوساطتها تُمْكِن المعالجة الكاملة «بالهرمون». وهذا العلاج يُسمَّى «هورمودوس». هذا المستحضر يحتوي على جميع الهرمونات الدوَّارة في الحيوانات الفَتيَّة والقويَّة، وزيادة على هذا فقد أَضَفْنا

стр. 1017

إليه مُسْتَخْلَصاً من الكَبِد يُقوِّي فاعليَّته في زيادة الكُرَيات الحمراء. هذا العلاج هو مُحضَّرٌ من خلاصة دماء الثَّوْر والعِجْلَة والبَقَرات الفَتيَّة، بينما هي في أشدِّ أدوار نُموِّها ونشاطها. وهذا المُسْتَحْضَر يُعطِي للجهاز العُضْوي جميع العناصر الغُدَديَّة الضَّروريَّة لحياة منتظمة. الجواب: حضرة الآنسة الكريمة، حفظها الله، وأكثر من أمثالها المتحرِّيات لدِينهنَّ: وعليكِ السَّلام ورحمة الله وبركاته. تردَّدتُ كثيراً في الجواب؛ لقوَّة الشُبْهة في الموضوع، ثمَّ خَطَرَ لي أن أغتنم فرصة أسبوع الفقه الإسلاميِّ، فأُباحِثَ فيه مَنْ يحضر هذا المؤتمر من فقهاء الشريعة في الإقليم الجنوبي مصر. وقد فعلتُ، فذاكرتُ عدداً من كِبَارِهم؛ كالأستاذ محمَّد أبو زهرة والأستاذ الخفيف، وعدداً أيضاً من عُلمائنا؛ كالأساتذة: الدواليبي، والمنتصر الكتّاني، والمبارك، في اجتماع مشترك. وبعد البحث والتمحيص اتَّفَقَت كلمتنا جميعاً على عدم وجود مانع شرعيٍّ من تناول هذا العلاج وأمثاله؛ لأنَّ الدَّم المُحرَّم بنصِّ القرآن إنَّما هو الدَّم المَسْفوح، وهذا لا يقال له دمٌ مَسْفوح، وإنَّما هو من عناصر غُدَديَّة مُستخْرَجة من الدَّم بطُرُقٍ كيماويَّة تؤدِّي إلى تغيُّر صِفَتها الدَّمويَّة، ينطبق عليه مبدأ الاستحالة؛ أي: تحوُّل الشيء من طبيعته إلى طبيعة أخرى؛ كتحوُّل الخَمْر إلى خَلٍّ «التَّخَلُّل»، وكتحوُّل مادَّة نَجِسَة إلى مِلْح، ونحو ذلك. فهذا العلاج لم يَبْقَ دَماً، بل تغيَّر وَصْفُه الطبيعي؛ فلا مانع من شُرْبِه شَرْعاً. هذا ما يظهر لنا، والله سبحانه أعلم. والسَّلام عليكِ ورحمة الله. [فتاوى الشيخ مصطفى الزرقا (ص ٢٣٣ - ٢٣٤)]

стр. 1018

اسْتِخْدَامُ دَمِ الحَيْوَانَاتِ فِي تَرْكِيبِ الأَدْوِيَةِ (١٠٧١) السؤال: هل يجوزُ استخدامُ دَم بعضِ الحيوانات في تركيب الأدْوية ؟ الجواب: الأصلُ في الدِّماء المَسْفوحة التحريم، والمُحرَّم نَجِسٌ؛ فلا يجوز استعمالُ النَّجِس في العلاج. وقد ذهب بعض العُلماء إلى أنَّ النجاسة تَطْهُر بالاستحالة والتغيُّر؛ فلا يُحْكَمُ بنجاسَةِ رَمادِ المَيْتَة ودُخَانها ونحوه. فعلى هذا يمكن أن يُقال: إنَّ الأدْوية المُرَكَّبة من بعض النَّجاسات تُباحُ؛ لاستحالة النجاسة وذهاب عَيْنِها، والله أعلم. [الفتاوى الشرعيَّة من المسائل الطبية لابن جبرين (١/ ٥٨) - (الموقع)] * * * التَّدَاوِي بِلُحُومِ السِّبَاعِ وَشُحُومِهَا وَدِمَائِهَا (١٠٧٢) السؤال: انتشر بين بعض الناس ظاهرة التَّداوي بلُحوم وشُحوم ودِماء السِّباع، وخاصَّة الذِّئْب؛ فنرجو من سماحتكم توضيح الحُكْم في ذلك، والله يحفظكم . الجواب: يَحْرُم على الإنسان أن يتداوى بالحَرام؛ لأنَّ الله تعالى لم يجعل الشِّفاء فيما حَرَّم على عباده، ولو كان في الحَرامِ فائدةٌ ما حَرَّمَه عليهم، وعن أبي الدَّرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ)، وقال ابن مسعود ﵁: (إِنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)، فلا يَحِلُّ أَكْل لحوم الذِّئاب والسِّباع، أو شُحومها، أو شُرْب دمائها للتداوي، فمن فعل ذلك فقد عصى الله ورسوله، وإذا قُدِّر أنَّه شُفِي بتناولها فهو فِتنةٌ له، والشفاء ليس منها قطعاً، فلْيَتِّقِ اللهَ امرؤٌ آمن به وخاف يوم

стр. 1019

الحساب. أسأل الله أن يعصمنا وإخواننا من غضبه وعقابه. [مجموع فتاوى ورسائل الشيخ ابن عثيمين (١٧/ ٥٥)] * * * اسْتِبْدَالُ قَلْبِ الإِنْسَانِ بِقَلْبِ قِرْدٍ أَوْ قَلْبٍ صِنَاعِيٍّ (١٠٧٣) السؤال: هل يُحاسَبُ المرءُ الذي استُبْدِلَ قَلْبُه بقَلْب قِرْدٍ أو قَلْبٍ صناعيٍّ على تَصَرُّف القَلْب الجديد؟ وما جزاء الطبيب الذي يستأصل القلوب؟ وما موقف الدِّين من الطبيب الذي يَنْزِعُ القَلْب من حيوانٍ بَريءٍ ويَحكُم عليه بالموت من دون ذَنْ بٍ؟ الجواب: هذا مَحلُّ نَظَرٍ، ولم يثبت عندنا حتَّى الآن أنَّ أحداً عاش بقَلْب غيره واستقام له ذلك القلب، فلو فَرَضْنا أنَّه عاش بذلك، فإنَّ القَلْب ينتقل إلى حال صاحبه الذي رُكِّب فيه بدل ما كان قَلْب حيوانٍ آخر، يكون تابعاً لما رُكِّبَ فيه؛ لأنَّ الموادَّ التي اتَّصَلَت بهذا القَلْب وصارت إليه وغَذَّته هي موادُّ القَلْب الأَوَّل، فصار القَلْب الآن هو قَلْبُ المُرَكَّب فيه للإنسان الذي رُكِّب فيه، لا قَلْب الحيوان؛ سواءً قِرْداً، أو كَلْباً، أو غير ذلك، ويكون له الحُكْم الذي كان للقَلْب الأوَّل؛ لأنَّ المادَّة التي غُذِّي بها القَلْب الأوَّل تَغَذَّى بها هذا القَلْب الجديد من دَمِ هذا الشخص، فصار له حُكْم القَلْب الأوَّل إذا عاش به واستقام به أمره. أمَّا كونه يَذْبَح الحيوان ويأخذُه منه، هذا شيءٌ آخر؛ فقد يُقال: إنَّ أَخْذَه من حيوانٍ يُباحُ؛ مثل أَخْذِه من خروف، أو من مِعْزَى، أو من بقر، أو من إبل، هذه حيواناتٌ مُباحٌ ذَبْحُها لمصلحةٍ، فإذا أَخَذَ منها قَلْباً ورَكَّبَه في إنسانٍ فلا بأس. أمَّا ذَبْحُ القُرود أو الكِلَاب؛ هذا

стр. 1020

مَحلُّ نَظَرٍ، والأَقْرَب والأَظْهَر -والله أعلم- أنَّه لا يجوز تعاطي ذلك، لكن لو وقع وفعل، وعاش به الإنسان، وانتفع به الإنسان؛ مثل لو رُكِّبَ فيه عَظْمُ حيوانٍ آخر من كَلْبٍ أو غيره، وعاش به لا يزال ينفعه ويستقيم عليه، لكن كونه يتَعَمَّد أن يأخذ قَلْب قِرْدٍ، أو قَلْبَ كَلْبٍ، أو قَلْبَ بَغْلٍ، أو حِمارٍ من الحيوانات النَجِسَة، هذا مَحلُّ نَظَر، وفي الإقدام عليه نَظَر، وقد يقال: إنَّه يجوز؛ لأنَّ الإنسان مُقَدَّم على هذه الحيوانات، ومصلحته مراعاة؛ فهو أولى بالعناية، وأولى بتحقيق مصلحته إذا تُحقِّق ذلك، وأنَّه ينتفع بقَلْب هذا الحيوان. وقد يُقال: لا؛ لأنَّ النَّجاسات لا يُداوى بها، والنبيُّ ﷺ قال: (لَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ)، وهذا نوعٌ من التَّداوي بالحَرام فيمنع. فالمقصود أنَّ أَخْذَ قَلْب حيوانٍ مُحرَّم؛ كالكَلْب، والقِرْد، ونحو ذلك، أو عُضْوٍ من أعضائه للإنسان، فهذا هو مَحلُّ النَّظَر؛ بعضُ أهل العِلْم أجاز ذلك، وبعض أهل العِلْم لم يَجُزْ ذلك، وهو مَحلُّ نَظَرٍ، ومَحلُّ اجتهاد. المذيع: والذي يذهب إليه الشيخ عبد العزيز ابن باز؟ الشيخ: والله عندي توقُّفٌ في هذا، في الحيوانات المُحرَّمة، فيها نَظَر. المذيع: بارك الله فيكم، إذاً القَلْب المزروع هو يتَحَوَّل إلى المكان المزروع فيه؟ الشيخ: لو وَقَع، سواءٌ قلنا بجوازه أو بعدم جوازه، لا يُنْزَع ويَستمرُّ به، ويكون له حُكْم القَلْب الأَوَّل، ولا يَضرُّه كونه من الحيوان، ما يَضرُّه إذا عاش به واستقام عليه وعَقَل به الأمور، فالحمد لله. المذيع: والأشياء التي هي في مَحلِّ القَلْب الأوَّل تنتقل إلى القَلْب الجديد؟ كالحُبِّ، والكراهية، والإيمان. الشيخ: كُلُّ هذه الأشياء موجودة
следующие страницы →