Полный текст (1 130 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
وترابها من زعفران أَو من الْمسك الَّذِي مَا استل من غزلان ...
تقدم شرح هَذَا الْ فَصْل فِي الْفَصْل الَّذِي قبله
فصل
فِي صفة غرفاتها ... غرفاتها فِي الجو ينظر بَطنهَا ... من ظهرهَا وَالظّهْر من بطْنَان ... سكانها أهل الْقيام مَعَ الصيا ... م وَطيب الْكَلِمَات والاحسان
ثِنْتَانِ خَالص حَقه سُبْحَانَهُ ... وعبيده أَيْضا لَهُم ثِنْتَانِ ...
روى الطَّبَرَانِيّ عَن أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ ان رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن فِي الْجنَّة غرفا يرى ظَاهرهَا من بَاطِنهَا وباطنها من ظَاهرهَا أعدهَا الله لمن أطْعم الطَّعَام وأدام الصّيام وَصلى باليل وَالنَّاس نيام وَرَوَاهُ ابْن وهب عَن ابْن عَمْرو وَلَفظه لمن أطاب الْكَلَام وَأطْعم الطَّعَام وَبَات قَائِما وَالنَّاس نياما قَالَ مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد وَهَذَا عِنْدِي إِسْنَاد حسن وَفِي حَدِيث ابي سعيد إِن أهل الْجنَّة ليتراؤون أهل الغرف فَوْقهم كَمَا تراؤون الْكَوْكَب الغابر فِي الافق وروى التِّرْمِذِيّ وَاسْتَغْرَبَهُ عَن عَليّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن فِي الْجنَّة لغرفا ترى ظُهُورهَا من بطونها وبطونها من ظُهُورهَا فَقَامَ اعرابي فَقَالَ لمن هِيَ يَا رَسُول الله قَالَ لمن طيب الْكَلَام وَأطْعم الطَّعَام وَصلى بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام
стр. 1017
فصل
فِي خيام اهل الْجنَّة ... للْعَبد فِيهَا خيمة من لُؤْلُؤ ... قد جوفت هِيَ صَنْعَة الرَّحْمَن
سِتُّونَ ميلًا طولهَا فِي الجو فِي ... كل الزوايا أجمل النسوان
يغشى الْجَمِيع فَلَا يُشَاهد بَعضهم ... بَعْضًا وَهَذَا لاتساع مَكَان
فِيهَا مقاصير بهَا الْأَبْوَاب من ... ذهب ودر زين بالمرجان
وخيامها مَنْصُوبَة برياضها ... وشواطيء الْأَنْهَار ذِي الجريان
مَا فِي الْخيام سوى الَّتِي لَو قابلت للنيرين لَقلت منكسفان ... لله هاتيك الْخيام فكم ... بهَا للقلب من علق وَمن أشجان
فِيهِنَّ حور قاصرات الطّرف خيرات حسان هن خير حسان ... خيرات أَخْلَاق حسان أوجها ... فالحسن والاحسان متفقان ...
قد تقدم حَدِيث ابي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن لِلْمُؤمنِ فِي الْجنَّة لخيمة من لُؤْلُؤ وَاحِدَة مجوفة طولهَا سِتُّونَ ميلًا لِلْمُؤمنِ فِيهَا أهلون يطوف عَلَيْهِم الْمُؤمن فَلَا يرى بَعضهم بَعْضًا مُتَّفق عَلَيْهِ وَعَن ابْن مَسْعُود فِي قَوْله ﴿مقصورات فِي الْخيام﴾ الرَّحْمَن قَالَ در مجوف وروى ابْن الْمُبَارك عَن ابي الدَّرْدَاء قَالَ الْخَيْمَة لؤلؤة وَاحِدَة لَهَا سَبْعُونَ بَابا من در
стр. 1018
فصل
فِي أرائكها وسررها ... فِيهَا الأرائك وَهِي من سرر عَلَيْهِنَّ الحجال كَثِيرَة الألوان
لَا تسْتَحقّ اسْم الأرائك دون هَا ... تيك الحجال وَذَاكَ وضع لِسَان
بشخانة يدعونها بِلِسَان فا ... رس وَهُوَ ظهر الْبَيْت ذِي الْأَركان ...
قَالَ تَعَالَى ﴿متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين﴾ الطّور وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثلة من الْأَوَّلين وَقَلِيل من الآخرين على سرر موضونة متكئين عَلَيْهَا مُتَقَابلين﴾ الْوَاقِعَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿فِيهَا سرر مَرْفُوعَة﴾ الغاشية فَأخْبر تَعَالَى عَن سررهم بِأَنَّهَا مصفوفة بَعْضهَا إِلَى جَانب بعض لَيْسَ بَعْضهَا خلف بعض وَلَا بَعيدا من بعض والوضين فِي لغتهم النضة والنسج المضاعف بعضه فَوق بعض وَقَالَ اللَّيْث الوضن نسج السرير وأشباهه قَالُوا موضونة منسوجة بقصبات الذَّهَب مشبكة بالدر والياقوت والزبرجد قَالَ ابْن عَبَّاس سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت والسرير مثل مَا بَين مَكَّة وأيله وَقَالَ الْكَلْبِيّ طول السرير فِي السَّمَاء مائَة ذِرَاع فاذا أَرَادَ الرجل أَن يجلس عَلَيْهِ تواضع لَهُ حَتَّى يجلس عَلَيْهِ فَإِذا جلس عَلَيْهِ ارْتَفع إِلَى مَكَانَهُ وَأما الأرائك فَهِيَ جمع اريكة حَتَّى يكون السرير فِي الحجلة فان كَانَ سَرِير بِغَيْر حجلة لَا يكون أريكة وان كَانَت حجلة بِغَيْر سَرِير لم يكن أريكة وَلَا يكون أريكة إِلَّا والسرير
стр. 1019
فِي الحجلة فَإِذا اجْتمعَا كَانَت أريكة وَقَالَ مُجَاهِد هِيَ الاسرة فِي الحجال وَقَالَ اللَّيْث الأريكة سَرِير حجلة فالحجلة والسرير أريكة وَقَالَ ابو أَبُو اسحق الارائك الْفرش فِي الحجال
قَالَ النَّاظِم فِي حادي الْأَرْوَاح قلت هَاهُنَا ثَلَاثَة أَشْيَاء أَحدهَا السرر وَالثَّانِي الحجلة وَهِي البشخانة الَّتِي تعلق فَوْقه وَالثَّالِثَة الْفراش الَّذِي على السرير وَلَا يُسمى السرير أريكة حَتَّى يجْتَمع ذَلِك كُله وَفِي الصِّحَاح الأريكة سَرِير متخذ مزين فِي قبَّة أَو بَيت فَإِذا لم يكن فِيهِ سَرِير فَهُوَ حجلة وَفِي الحَدِيث أَن خَاتم النَّبِي ﷺ كَانَ مثل زر الحجلة وَهُوَ الزر الَّذِي يجمع بَين طرفيها من جملَة أزرارها قَوْله بشخانة يدعونها الخ أَي إِن الأريكة تسمى بِلِسَان الْفرس بشخانة
فصل
فِي أشجارها وثمارها وظلالها ... أشجارها نَوْعَانِ مِنْهَا مَاله ... فِي هَذِه الدُّنْيَا مِثَال ثَان
كالسدر أصل النبق مخضور مكا ... ن الشوك من ثَمَر ذَوي ألوان
هَذَا وظل السدر من خير الظلا ... ل ونفعه الترويح للأبدان
وثماره أَيْضا ذَوَات مَنَافِع ... من بَعْضهَا تفريح ذِي الأحزان ...
стр. 1020
.. والطلح وَهُوَ الموز منضود كَمَا ... نضدت يَد بأصابع وبنان
أَو أَنه شجر الْبَوَادِي موقرا ... حملا مَكَان الشوك فِي الأغصان
وَكَذَلِكَ الرُّمَّان وَالْأَعْنَاب وَالنَّخْل الَّتِي مِنْهَا القطوف دواني ...
ذكر النَّاظِم فِي هَذَا الْفَصْل ان أَشجَار الْجنَّة نَوْعَانِ مِنْهَا مَاله نَظِير فِي هَذِه الدُّنْيَا وَالنَّوْع الثَّانِي مَا لَا نَظِير لَهُ فِي الدُّنْيَا وَبَدَأَ بالنوع الأول وَهُوَ الَّذِي لَهُ مثل فِي هَذِه الدُّنْيَا وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَصْحَاب الْيَمين مَا أَصْحَاب الْيَمين فِي سدر مخضود وطلح منضود وظل مَمْدُود وَمَاء مسكوب وَفَاكِهَة كَثِيرَة لَا مَقْطُوعَة وَلَا مَمْنُوعَة﴾ الْوَاقِعَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذواتا أفنان﴾ الرَّحْمَن جمع فنن وَهُوَ الْغُصْن وَقَالَ ﴿فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ الرَّحْمَن
قَالَ النَّاظِم فِي حادي الْأَرْوَاح والمخضوض الَّذِي قد خضد شوكه أَي نزع وَقطع فَلَا شوك فِيهِ هَذَا قَول ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَمُقَاتِل وَقَتَادَة وَأبي الْأَحْوَص وقسامة بن زُهَيْر وَاحْتَجُّوا بحجتين الأولى أَن الخضد فِي اللُّغَة الْقطع خضدت الشّجر قطعت شَوْكَة فَهُوَ خضيد ومخضود وَالثَّانيَِة مَا روى ابْن ابي دَاوُد عَن عتبَة السّلمِيّ قَالَ كنت جَالِسا مَعَ رَسُول الله ﷺ فجَاء أَعْرَابِي فَقَالَ أسمعك تذكر فِي الْجنَّة شَجَرَة لَا أعلم شَجَرَة أَكثر شوكا مِنْهَا يَعْنِي الطلح فَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله قد جعل مَكَان كل شَوْكَة مِنْهَا ثَمَرَة مثل خصوة التيس الملبود فِيهَا سَبْعُونَ لونا من الطَّعَام لَا يشبه لونا آخر الملبود الَّذِي قد اجْتمع شعره بعضه إِلَى بعض وروى ابْن الْمُبَارك عَن سليم بن عَامر قَالَ أقبل أَعْرَابِي يَوْمًا فَقَالَ ذكر الله فِي الْجنَّة شَجَرَة مؤذية وَمَا كنت أرى فِي الْجنَّة
стр. 1021
شَجَرَة تؤذي صَاحبهَا قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ السدر فَإِن لَهُ شوكا مُؤْذِيًا قَالَ أَلَيْسَ يَقُول ﴿فِي سدر مخضود﴾ الْوَاقِعَة خضد الله شَوْكَة فَجعل مَكَان كل شَوْكَة ثَمَرَة وَقَالَت طَائِفَة هُوَ الموقر حملا وَلم يصب الَّذِي أَنْكَرُوا هَذَا القَوْل وَهُوَ صَحِيح وأربابه ذَهَبُوا إِلَى أَن الله لما خضد شوكه فأذهبه وَجعل مَكَان كل شَوْكَة ثَمَرَة أوقره بِالْحملِ الحديثان الْمَذْكُورَان يجمعان الْقَوْلَيْنِ وَمن قَالَ المخضود مَا لَا يعقر لَا يرد الْيَد مِنْهُ شوك وَلَا أَذَى فقد فسره بِلَازِم الْمَعْنى وَهَكَذَا غَالب الْمُفَسّرين يذكرُونَ لَازم الْمَعْنى الْمَقْصُود تَارَة وفردا من أَفْرَاده تَارَة ومثالا من أمثلته فيحكيها الجماعون للغث والسمين أقوالا مُخْتَلفَة وَلَا اخْتِلَاف بَينهَا وَأما الطلح فَأكْثر الْمُفَسّرين أنسه شجر الموز وَهَذَا قَول عَليّ وَابْن عَبَّاس وابي هُرَيْرَة وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَقَالَت طَائِفَة بل هُوَ شجر عِظَام طوال من الْبَوَادِي الْكثير الشوك وَله نور ورائحة طيبَة وظل ظَلِيل قَالَ ابْن قُتَيْبَة هُوَ الَّذِي نضد بِالْحملِ أَو بالورق فَلَيْسَ لَهُ سَاق بارز وَقَالَ مَسْرُوق ورق الْجنَّة نضد من أَسْفَلهَا إِلَى أَعْلَاهَا وأنهارها تجْرِي من غير أخدُود وَقَالَ اللَّيْث الطلح شجر أم غيلَان من أعظم الْعضَاة شوكا وأصلبه عودا وأجوده صمعنا قَالَ أَبُو اسحاق لَهُ نور طيب الرَّائِحَة وَلَيْسَ فِي الْجنَّة مِمَّا فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْأَسَامِي وَالظَّاهِر أَن التَّفْسِير بالموز تَمْثِيل بِهِ لحسن نضده والا فالطلح فِي اللُّغَة هُوَ الشّجر الْعِظَام من الْبَوَادِي وَالله أعلم ... هَذَا وَنَوع مَاله فِي هَذِه الدُّنْيَا نَظِير كي يرى بعيان ... يَكْفِي من التعداد قَول إلهنا ... من كل فَاكِهَة بهَا زوجان
وأتو بِهِ متشابها فِي اللَّوْن مُخْتَلف الطعوم فَذَاك ذُو ألوان ...
стр. 1022
.. أَو أَنه متشابها فِي الِاسْم مُخْتَلف الطعوم فَذَاك قَول ثَانِي ...
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أَن لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار كلما رزقوا مِنْهَا من ثَمَرَة رزقا قَالُوا هَذَا الَّذِي رزقنا من قبل وَأتوا بِهِ متشابها﴾ الْبَقَرَة قَالَ النَّاظِم قَالَ مُجَاهِد مَا أشبهه بِهِ وَقَالَ ابْن زيد يعرفونه وَقَالَ آخَرُونَ قيل هَذَا لشدَّة مشابهة بعضه بَعْضًا فِي اللَّوْن والطعم وَهُوَ أعظم من المشابهة الَّتِي بَينهَا وَبَين ثمار الدُّنْيَا ولشدة المشابهة قَالُوا هَذَا هُوَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة كلما نزعت ثَمَرَة عَادَتْ مَكَانهَا أُخْرَى قَالَ الْحسن وَقَتَادَة وَابْن جريج وَجَمَاعَة خِيَار كُله لارذل فِيهِ وعَلى هَذَا فَالْمُرَاد بالمشابهة التوافق والتماثل وَقَالَ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وناس من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ متشابها فِي اللَّوْن والمرئي وَلَيْسَ يشبه الطّعْم الطّعْم وَقَالَ مُجَاهِد متشابها لَونه مُخْتَلفا طعمه وَكَذَلِكَ قَالَ الرّبيع ابْن أنس وَقَالَ يحيى ابْن أبي كثير عشب الْجنَّة الزَّعْفَرَان وكثبانها الْمسك وَيَطوف عَلَيْهِم الْولدَان بالفاكهة فيأكلونها ثمَّ يأْتونَ بِمِثْلِهَا فَيَقُولُونَ هَذَا الَّذِي جئتمونا بِهِ آنِفا فَيَقُول لَهُم الخدم كَلَوْ فَإِن اللَّوْن وَاحِد والطعم مُخْتَلف وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد يعْرفُونَ اسماءه كَمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا التفاح بالتفاح وَالرُّمَّان بالرمان وَلَيْسَ هُوَ مثله فِي الطّعْم وَاخْتَارَهُ ابْن جرير ... أَو أَنه وسط خِيَار كُله فالفحل مِنْهُ لَيْسَ ذَا ثنيان
أَو أَنه لثمارنا ذِي مشبه ... فِي اسْم ولون لَيْسَ يَخْتَلِفَانِ
لَكِن لبهجتها وَلَذَّة طعمها ... أَمر سوى هَذَا الَّذِي تجدان ...
стр. 1023
.. فيلذها فِي الْأكل عِنْد منالها ... وتلذها من قبله العينان
قَالَ ابْن عَبَّاس وَمَا بِالْجنَّةِ الْعليا سوى اسماء مَا تريان ... يَعْنِي الْحَقَائِق لَا تماثل هَذِه ... وَكِلَاهُمَا فِي الِاسْم متحدان ... يَا طيب هاتيك الثِّمَار وغرسها ... فِي الْمسك ذَاك الترب للبستان
وَكَذَلِكَ المَاء الَّذِي يسقى بِهِ ... يَا طيب ذَاك الْورْد للظمآن ...
تقدم شرح مَا تضمنته هَذِه الأبيات ... وَإِذا تناولت الثِّمَار أَتَت نظيرتها فَحلت دونهَا بمَكَان ... لم تَنْقَطِع أبدا وَلم ترقب نزو ... ل الشَّمْس من حمل إِلَى ميزَان ... وكذاك لم تمنع وَلم تحتج إِلَى ... أَن ترتقي للقنو فِي العيدان ...
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَفَاكِهَة كَثِيرَة لَا مَقْطُوعَة وَلَا مَمْنُوعَة﴾ الْوَاقِعَة روى الطَّبَرَانِيّ عَن ثَوْبَان قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الرجل إِذا نزع ثَمَرَة من الْجنَّة عَادَتْ مَكَانهَا أُخْرَى
قَوْله لم تَنْقَطِع أبدا الخ قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا مَقْطُوعَة وَلَا مَمْنُوعَة﴾ أَي لَا تكون فِي وَقت دون وَقت وَلَا يمْنَع من ارادها ... بل ذللت تِلْكَ القطوف فكيفما ... شِئْت انتزعت بأسهل الامكان ...
قَالَ الله تَعَالَى ﴿قطوفها دانية﴾ الحاقة القطوف جمع قطف وَهُوَ مَا يقطف أَي ثمارها دانية قريبَة مِمَّن يَتَنَاوَلهَا فيأخذها كَيفَ شَاءَ قَالَ الْبَراء بن عَازِب يتَنَاوَل الثَّمَرَة وَهُوَ نَائِم وَقَالَ تَعَالَى ﴿ودانية عَلَيْهِم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا﴾ الدَّهْر قَالَ ابْن عَبَّاس إِذا هم أَن يَتَنَاوَلهَا تدلت اليه حَتَّى يتَنَاوَل مَا يُرِيد وَقَالَ غَيره قربت اليهم مذللة كَيفَ شاؤوا فهم
стр. 1024
يتناولونها قيَاما وقعودا ومضجعين فَيكون كَقَوْلِه ﴿قطوفها دانية﴾ الحاقة وَمعنى تذليل القطف تسهيل تنَاوله وَفِي نصب دانية وَجْهَان احدهما أَنه على الْحَال عطفا على قَوْله متكئين وَالثَّانِي أَنه صفة الْجنَّة ... وكذاك لم تمنع وَلم يحْتَج إِلَى ... أَن يرتقي للقنو فِي العيدان ...
القنو وَاحِد الأقناء والعيدان جمع عيدانه وَهِي النّخل الطوَال ... بل ذللت تِلْكَ القطوف فكيفما ... شِئْت انتزعت بأسهل الامكان
وَلَقَد أَتَى خبر بِأَن السَّاق من ... ذهب رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِبَيَان ...
روى التِّرْمِذِيّ وَحسنه عَن ابي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا فِي الْجنَّة شَجَرَة إِلَّا وساقها من ذهب ... قَالَ ابْن عَبَّاس وهاتيك الجذو ... ع زمرد من احسن الألوان
ومقطعاتهم من الْكَرم الَّذِي ... فِيهَا وَمن سَعَة من العقيان
وثمارها مَا فِيهِ عَن عجم كأمثال القلال فجل ذُو الاحسان ...
روى ابْن الْمُبَارك عَن ابْن عَبَّاس قَالَ نخل الْجنَّة جذوعها من زمرد اخضر وكربها ذهب أَحْمَر وسعفها كسْوَة لأهل الْجنَّة فِيهَا مقطعاتهم وحللهم وَثَمَرهَا أَمْثَال القلال والدلاء أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل وألين من الزّبد لَيْسَ لَهُ عجم ... وظلالها ممدودة لَيست تَقِيّ ... حرا وَلَا شمسا وأنى ذان ... أَو مَا سَمِعت بِظِل أصل وَاحِد ... فِيهِ يسير الرَّاكِب العجلان ... مائَة سِنِين قدرت لَا تَنْقَضِي ... هَذَا الْعَظِيم الأَصْل والأفنان ...
стр. 1025
.. وَلَقَد روى الْخُدْرِيّ أَيْضا أَن طو ... بى قدرهَا مائَة بِلَا نُقْصَان
تنفتح الأكمام فِيهَا عَن لبا ... سهم بِمَا شاؤوا من الألوان ...
فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن فِي الْجنَّة شَجَرَة يسير الرَّاكِب فِي ظلها مائَة عَام لَا يقطعهَا واقرؤو ان شِئْتُم وظل مَمْدُود الْوَاقِعَة وروى احْمَد عَن ابي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ان فِي الْجنَّة شَجَرَة يسير الرَّاكِب فِي ظلها سبعين أَو مائَة سنة هِيَ شَجَرَة الْخلد وروى ابْن أبي الدُّنْيَا عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الظل الْمَمْدُود شَجَرَة فِي الْجنَّة على سَاق قدر مَا يسير الرَّاكِب الْمجد فِي ظلها مائَة عَام فِي كل نَوَاحِيهَا فَيخرج اليها اهل الغرف وَغَيرهم فيتحدثون فِي ظلها قَالَ فيشتهي بَعضهم وَيذكر لَهو الدُّنْيَا فَيُرْسل الله ريحًا من الْجنَّة فيحرك تِلْكَ الشَّجَرَة بِكُل لَهو كَانَ فِي الدُّنْيَا وروى ابْن وهب عَن ابي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله مَا طُوبَى قَالَ شَجَرَة فِي الْجنَّة مسير مائَة سنة ثِيَاب أهل الْجنَّة تخرج من أكمامها وَقد رَوَاهُ حَرْمَلَة عَنهُ بِزِيَادَة فِي أَوله أَن رجلا قَالَ طُوبَى لمن آمن بِي وَلم يرني وروى ابو يعلى عَن سلمى بنت ابي بكر قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ وَذكر سِدْرَة الْمُنْتَهى فَقَالَ يسير فِي ظلّ الفنن مِنْهَا الرَّاكِب مائَة سنة أَو قَالَ يستظل فِي الفنن مِنْهَا مائَة رَاكب فِيهَا فرَاش من الذَّهَب كَأَن ثمارها القلال رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ شكّ يحيى وَهُوَ حَدِيث حسن غَرِيب
стр. 1026
فصل
فِي سَماع أهل الْجنَّة ... قَالَ ابْن عَبَّاس وَيُرْسل رَبنَا ... ريحًا تهز ذوائب الأغصان
فتثير أصواتا تلذ لمسمع ال ... انسان كالنغمات بالأوزان
يَا لَذَّة الاسماع لأتتعوضي ... بلذاذة الأوتار والعيدان
أَو مَا سَمِعت سماعهم فِيهَا غنا ... ء الْحور بالاصوات والألحان
واها لذياك السماع فانه ... ملئت بِهِ الأذنان بالاحسان
واها لذياك السماع وطيبه ... من مثل أقمار على أَغْصَان
واها لذياك السماع فكم بِهِ ... للقلب من طرب وَمن أشجان
واها لذياك السماع وَلم اقل ... ذياك تصغيرا لَهُ بِلِسَان
مَا ظن سامعه بِصَوْت اطيب الْأَصْوَات من حور الْجنان حسان ... نَحن النواعم والخوالد خيرا ... ت كاملات الْحسن والاحسان ... لسنا نموت وَلَا نَخَاف ومالنا ... سخط وَلَا ضغن من الأضغان
طُوبَى لمن كُنَّا لَهُ وكذاك طو ... بى للَّذي هُوَ حظنا لفظان
فِي ذَاك آثَار روين وَذكرهَا ... فِي التِّرْمِذِيّ ومعجم الطَّبَرَانِيّ ...
стр. 1027
وَرَوَاهُ يحيى شيخ الاوزاعي تَفْسِيرا للفظة يجبرون أغان ...
قَوْله واها قد تقدم تَفْسِير ذَلِك
قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَيَوْم تقوم السَّاعَة يَوْمئِذٍ يتفرقون فَأَما الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات فهم فِي رَوْضَة يحبرون﴾ الرّوم قَالَ يحيى بن ابي كثير الْحبرَة اللَّذَّة وَالسَّمَاع وَلَا يُخَالف هَذَا قَول ابْن عَبَّاس يكرمون وَقَول مُجَاهِد وَقَتَادَة ينعمون فلذة الاذن بِالسَّمَاعِ من الْحبرَة وَالنعَم وروى التِّرْمِذِيّ وَاسْتَغْرَبَهُ عَن عَليّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن فِي الْجنَّة لمجتمعا للحور الْعين يرفعن أَصْوَاتهم لم تسمع الْخَلَائق بِمِثْلِهَا يقلن نَحن الخالدت فَلَا نبيد وَنحن الناعمات فَلَا نبأس وَنحن الراضيات فَلَا نسخط طُوبَى لمن كَانَ لنا وَكُنَّا لَهُ وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ إِن فِي الْجنَّة نَهرا طول الْجنَّة حافتاه العذارى قيام متقابلات يغنين باصوات حَتَّى يسْمعهَا الْخَلَائق مَا يرَوْنَ فِي الْجنَّة لَذَّة مثلهَا قُلْنَا يَا ابا هُرَيْرَة وَمَا ذَلِك الْغناء قَالَ إِن شَاءَ الله التَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس والتحميد وثناء على الرب هَكَذَا رَوَاهُ مَوْقُوفا جَعْفَر الْفِرْيَانِيُّ وروى ابو نعيم عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن فِي الْجنَّة شَجَرَة جذوعها من ذهب وفروعها من زبرجد ولؤلؤ فتهب لَهَا الرّيح فتصفق فَمَا سمع السامعون بِصَوْت شَيْء قطّ ألذ مِنْهُ وروى جَعْفَر الْفِرْيَانِيُّ عَن خَالِد بن معدان عَن ابي امامة عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ مَا من عبد يدْخل إِلَّا وَيجْلس عِنْد رَأسه وَعند رجلَيْهِ ثِنْتَانِ من الْحور الْعين تغنيانه بِأَحْسَن صَوت سَمعه الانس وَالْجِنّ وَلَيْسَ بمزامير الشَّيْطَان وروى الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن ازواج اهل الْجنَّة ليغنين ازواجهن بِأَحْسَن أصوات سَمعهَا اُحْدُ قطّ إِن مِمَّا
стр. 1028
يغنين بِهِ نَحن الْخيرَات الحسان أَزوَاج قوم كرام ينظرُونَ بقرة أَعْيَان وَإِن مِمَّا يغنين بِهِ نَحن الخالدات فَلَا تمتنه نَحن الآمنات فَلَا تخفنه نَحن المقيمات فَلَا تظعنه تفرد بِهِ ابْن أبي مَرْيَم وروى ابْن وهب أَنه قَالَ رجل من قُرَيْش لِابْنِ شهَاب هَل فِي الْجنَّة سَماع فانه حبب الي السماع فَقَالَ إِي وَالَّذِي نفس ابْن شهَاب بِيَدِهِ ان فِي الْجنَّة شَجرا حمله اللُّؤْلُؤ والزبرجد تحه حور ناهدات يغنين بألوان يقلن نَحن الناعمات فَلَا نبأس وَنحن الخالدات فَلَا نموت فَإِذا سمع ذَلِك الشّجر صفق بعضه بَعْضًا فاجبن الْجَوَارِي فَلَا نَدْرِي أصوات الْجَوَارِي احسن ام اصوات الشّجر وَلَهُم سَماع أَعلَى من هَذَا وروى ابْن ابي الدُّنْيَا عَن الاوزاعي قَالَ بَلغنِي أَنه لَيْسَ من خلق الله أحسن صَوتا من اسرافيل فيأمره الله تَعَالَى فَيَأْخُذ فِي السماع فَمَا يبْقى ملك إِلَّا وَقطع عَلَيْهِ صلَاته فيمكث بذلك مَا شَاءَ الله ان يمْكث فَيَقُول الله وَعِزَّتِي لَو يعلم الْعباد قدر عظمتي مَا عبدُوا غَيْرِي وَعَن مُحَمَّد ابْن الْمُنْكَدر قَالَ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نَادَى مُنَاد ايْنَ الَّذين كَانُوا ينزهون أسماعهم وأنفسهم عَن مجَالِس اللَّهْو وَمَزَامِير الشَّيْطَان أسكنوهم رياض الْمسك ثمَّ يَقُول للْمَلَائكَة اسمعوهم تمجيدي وتحميدي وروى ابْن ابي الدُّنْيَا عَن مَالك بن دِينَار فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن لَهُ عندنَا لزلفى وَحسن مآب﴾ ص قَالَ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أَمر بمنبر رفيع فَيُوضَع فِي الْجنَّة نُودي يَا دَاوُد مجدني بذلك الصَّوْت الْحسن الرخيم الَّذِي كنت تمجدني بِهِ فِي دَار الدُّنْيَا قَالَ فيستفرغ صَوت دَاوُد نعيم أهل الْجنَّة وروى حَمَّاد ابْن سَلمَة عَن شهر بن حَوْشَب أَن الله جلّ ثَنَاؤُهُ يَقُول لملائكته إِن عبَادي كَانُوا يحبونَ الصَّوْت الْحسن فِي الدُّنْيَا فيدعونه من اجلي فأسمعوا عبَادي
стр. 1029
فَيَأْخُذُونَ بِأَصْوَات من تَسْبِيح وتكبير لم يسمعوا بِمثلِهِ قطّ وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ فِي الْجنَّة شَجَرَة على سَاق قدر مَا يسير الرَّاكِب فِي ظلها مائَة عَام فيتحدثون فِي ظلها فيشتهي بَعضهم فيذكر لَهو الدُّنْيَا فَيُرْسل الله ريحًا من الْجنَّة فيحرك تِلْكَ الشَّجَرَة بِكُل لَهو كَانَ فِي الدُّنْيَا وَلَهُم سَماع أَعلَى من هَذَا يضحمل دونه كل سَماع وَذَلِكَ حِين يسمعُونَ كَلَام الرب ﷻ وَسَلَامه عَلَيْهِم وخطابه ومحاضرته لَهُم وَيقْرَأ عَلَيْهِم كَلَامه فَإِذا سَمِعُوهُ مِنْهُ كَأَنَّهُمْ لم يسمعوه قبل ذَلِك روى أَبُو الشَّيْخ عَن عبد الله بن بُرَيْدَة قَالَ إِن أهل الْجنَّة يدْخلُونَ كل يَوْم مرَّتَيْنِ على الْجَبَّار ﷻ فَيقْرَأ عَلَيْهِم الْقُرْآن وَقد جلس كل امريء مِنْهُم مَجْلِسه الَّذِي هُوَ مَجْلِسه على مَنَابِر الدّرّ والياقوت والزبرجد وَالذَّهَب والزمرد فَلم تقر أَعينهم بِشَيْء وَلم يسمعوا شَيْئا قطّ أعظم وَأحسن مِنْهُ ثمَّ يَنْصَرِفُونَ إِلَى رحالهم ناعمين قريرة أَعينهم إِلَى مثلهَا من الْغَد ... نزه سماعك ان اردت سَماع ذياك الْغِنَا عَن هَذِه الألحان
لَا تُؤثر الْأَدْنَى على الْأَعْلَى فَتحرم ذَا وَذَا ياذلة الحرمان ... إِن اختيارك للسماع النَّازِل الْأَدْنَى على الْأَعْلَى من النُّقْصَان
وَالله إِن سماعهم فِي الْقلب وَالْإِيمَان مثل السم فِي الْأَبدَان ... وَالله مَا انْفَكَّ الَّذِي هُوَ دأبه ... أبدا من الْإِشْرَاك بالرحمن ... فالقلب بَيت الرب ﷻ ... حبا وإخلاصا مَعَ الاحسان
فاذا تعلق بِالسَّمَاعِ أصاره ... عبدا لكل فُلَانَة وَفُلَان ...
стр. 1030
.. حب الْكتاب وَحب الحان الْغِنَا ... فِي قلب عبد لَيْسَ يَجْتَمِعَانِ
ثقل الْكتاب عَلَيْهِم لما رَأَوْا ... تَقْيِيده بشرائع الايمان
وَاللَّهْو خف عَلَيْهِم لما رَأَوْا ... مَا فِيهِ من طرب وَمن ألحان
قوت النُّفُوس وأنما الْقُرْآن قو ... ت الْقلب أَنى يَسْتَوِي القوتان
وَلذَا ترَاهُ حَظّ ذِي النُّقْصَان كالجهال والنسوان وَالصبيان ... وألذهم فِيهِ أقلهم من الْعقل الصَّحِيح فسل أَخا الْعرْفَان
يَا لَذَّة الْفُسَّاق لست كلذة الْأَبْرَار فِي عقل وَلَا قُرْآن ...
شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي التحذير من سَماع الأغاني والألحان وللعلماء رَحِمهم الله تَعَالَى فِي هَذِه الْمَسْأَلَة مصنفات مُفْردَة كالامام أبي بكر الطرطوشي وَالْقَاضِي أبي الطّيب الطَّبَرِيّ وللحافظ ابْن رَجَب نزهة الأسماع فِي مَسْأَلَة السماع وَغَيرهم وَهُوَ من مَكَائِد الشَّيْطَان الَّتِي كَاد بهَا من قل نصِيبه من الْعلم وَالْعقل وَالدّين وصاد بهَا قُلُوب المبطلين والجاهلين سَماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات الْمُحرمَة هُوَ الَّذِي يصد الْقُلُوب عَن الْقُرْآن ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان فَهُوَ قُرْآن الشَّيْطَان والحجاب الكثيف عَن الرَّحْمَن وَهُوَ رقية اللواط وَالزِّنَا وَبِه ينَال العاشق الْفَاسِق من معشوقة غَايَة المنى كادبة الشَّيْطَان النُّفُوس المبطلة وَحسنه لَهَا مكرا مِنْهُ وغرورا وَأوحى اليها الشّبَه الْبَاطِلَة على حسنه فَقبلت النُّفُوس وحيه واتخذت لأَجله الْقُرْآن مَهْجُورًا فَلَو رَأَيْتهمْ عِنْد ذَاك السماع وَقد خَشَعت مِنْهُم الْأَصْوَات وهدأت مِنْهُم الحركات وعكفت قُلُوبهم بكليتها عَلَيْهِ وانصبابها انصبابة
стр. 1031
وَاحِدَة اليه فتمايلوا لَهُ كتمايل النشوان وتكسروا فِي حركاتهم ورقصهم وَلَا تحرّك المخانيث والنسوان ويحق لَهُم ذَلِك وَقد خالط خمارة النُّفُوس فَفعل فِيهَا أعظم مِمَّا يَفْعَله حميا الكؤوس فلغير الله بل للشَّيْطَان قُلُوب هُنَاكَ تمزق وأثواب تشقق وأموال فِي غير طَاعَة الله تنْفق حَتَّى إِذا عمل السكر فِي عمله وَبلغ الشَّيْطَان مِنْهُم أمْنِيته وأمله واستفزهم بِصَوْتِهِ وحيله وأجلب عَلَيْهِم بخيله وَرجله وخز فِي صُدُورهمْ وخزا وأزهم إِلَى ضرب الأَرْض بالأقدام أزا فطورا يجعلهم كالحمير حول الْمدَار وَتارَة كالذباب يترقص وسط الديار فيا رحمتا للسقوف وَالْأَرْض من دك تِلْكَ الْأَقْدَام واسوأتا من أشباه الْحمير والأنعام وشماته أَعدَاء الاسلام بالذين يَزْعمُونَ أَنهم خَواص الاسلام قَالَ الامام ابو بكر الطرطوشي فِي خطْبَة كِتَابه فِي تَحْرِيم السماع الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين وَلَا عدوان إِلَّا على الظَّالِمين ونسأل الله ان يرينا الْحق حَقًا فنتبعه وَالْبَاطِل بَاطِلا فنجتنبه وَقد كَانَ النَّاس فِيمَا مضى يتستر أحدهم بالمعصية اذا وَاقعهَا ثمَّ يسْتَغْفر الله وَيَتُوب اليه مِنْهَا ثمَّ كثر الْجَهْل وَقل الْعلم ونناقص الْأَمر حَتَّى صَار أحدهم يَأْتِي بالمعصية جهارا ثمَّ ازْدَادَ الْأَمر إدبارا حَتَّى بلغنَا ان طَائِفَة من اخواننا الْمُسلمين وفقنا الله واياهم استزلهم الشَّيْطَان واستغوى عُقُولهمْ فِي حب الأغاني وَاللَّهْو وَسَمَاع الطقطقة والتغبير واعتقدته من الدّين الَّذِي يقربهُمْ إِلَى الله وجاهرت بِهِ جمَاعَة الْمُسلمين وشاقت سَبِيل الْمُؤمنِينَ وخالفت الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء وَحَملَة الدّين ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ النِّسَاء فَرَأَيْت أَن أوضح الْحق وأكشف من شبه اهل الْبَاطِل بالحجج الَّتِي تضمنها كتاب الله وَسنة رَسُوله وأبدأ بِذكر اقاويل الْعلمَاء الَّذين تَدور
стр. 1032
الْفتيا عَلَيْهِم فِي أقاصي الأَرْض وأدانيها حَتَّى تعلم هَذِه الطَّائِفَة أَنَّهَا قد خَالَفت عُلَمَاء الْمُسلمين فِي بدعتها وَالله ولي التَّوْفِيق ثمَّ قَالَ أما مَالك فَإِنَّهُ نهى عَن الْغناء وَعَن استماعه قَالَ واذا اشْترى جَارِيَة فَوَجَدَهَا مغنية فَلهُ ان يردهَا بِالْعَيْبِ وَسُئِلَ مَالك عَمَّا ترخص فِيهِ أهل الْمَدِينَة من الْغناء فَقَالَ إِنَّمَا يَفْعَله عندنَا الْفُسَّاق قَالَ وَأما أَبُو حنيفَة فَإِنَّهُ يكره الْغناء ويجعله من الذُّنُوب وَكَذَلِكَ مَذْهَب أهل الْكُوفَة سُفْيَان وَحَمَّاد وابراهيم وَالشعْبِيّ وَغَيرهم لَا اخْتِلَاف بَينهم فِي ذَلِك وَلَا نعلم خلافًا أَيْضا بَين أهل الْبَصْرَة فِي الْمَنْع مِنْهُ قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى مَذْهَب أبي حنيفَة فِي ذَلِك من أَشد الْمذَاهب وَقَوله فِيهِ أغْلظ الْأَقْوَال وَقد صرح أَصْحَابه بِتَحْرِيم سَماع الملاهي كلهَا كالمزمار والدف حَتَّى وَالضَّرْب بالقضيب وصرحوا بِأَنَّهُ مَعْصِيّة يُوجب الْفسق وَترد بِهِ الشَّهَادَة وأبلغ من ذَلِك قَالُوا إِن السماع فسق والتلذذ بِهِ كفر هَذَا لَفظهمْ وَرووا فِي ذَلِك حَدِيثا لَا يَصح رَفعه قَالُوا وَيجب عَلَيْهِ أَن يجْتَهد فِي أَن لَا يسمعهُ إِذا مر بِهِ أَو كَانَ فِي جواره وَأما الشَّافِعِي فَقَالَ فِي كتاب أدب الْقَضَاء إِن الْغناء لَهو مَكْرُوه يشبه الْبَاطِل والمحال وَمن استكثر مِنْهُ فَهُوَ سَفِيه ترد شَهَادَته وَصرح أَصْحَابه العارفون بمذهبه بِتَحْرِيمِهِ وأنكروا على من نسب اليه حلّه كَالْقَاضِي أبي الطّيب الطَّبَرِيّ وَالشَّيْخ أبي اسحاق وَابْن الصّباغ قَالَ الشَّيْخ ابو اسحاق فِي التَّنْبِيه وَلَا يَصح يَعْنِي الاجارة على مَنْفَعَة مُحرمَة كالغناء وَالزمر وَحمل الْخمر وَلم يذكر فِيهِ خلافًا وَقَالَ فِي الْمُهَذّب وَلَا يجوز على الْمَنَافِع الْمُحرمَة لِأَنَّهُ محرم فَلَا يجوز أَخذ الْعِوَض عَنهُ كالميته وَالدَّم فقد تضمن كَلَامه أمورا أَحدهَا أَن مَنْفَعَة الْغناء بِمُجَرَّدِهِ مَنْفَعَة مُحرمَة الثَّانِي أَن الِاسْتِئْجَار عَلَيْهَا بَاطِل
стр. 1033
الثَّالِث أَن أكل المَال بِهِ أكل مَال بَاطِل بِمَنْزِلَة أكله عوضا عَن الْميتَة وَالدَّم الرَّابِع أَنه لَا يجوز للرجل بذل مَاله للْمُغني وَيحرم عَلَيْهِ ذَلِك فانه بذل مَاله فِي مُقَابلَة محرم وَأَن بذله فِي ذَلِك كبذله فِي مُقَابلَة الدَّم وَالْميتَة الْخَامِس أَن الزمر حرَام فان كل الزمر الَّذِي هُوَ أخف آلَات اللَّهْو حَرَامًا فَكيف بِمَا هُوَ اشد مِنْهُ كالعود والطنبور واليراع وَلَا يَنْبَغِي لمن شم رَائِحَة الْعلم أَن يتَوَقَّف فِي تَحْرِيم ذَلِك فَأَقل مَا فِيهِ أَنه من شعار الْفُسَّاق وشاربي الْخمر وَقد تَوَاتر عَن الشَّافِعِي ﵀ أَنه قَالَ خلفت بِبَغْدَاد شَيْئا أحدثه الزَّنَادِقَة يسمونه التغبير يصدون بِهِ النَّاس عَن الْقُرْآن فَإِذا كَانَ هَذَا قَوْله فِي التغبير وتعليله أَنه يصد عَن الْقُرْآن وَهُوَ شعر مزهد فِي الدُّنْيَا يُغني بِهِ مغن فَيضْرب بعض الْحَاضِرين بقضيب نطع أَو مخدة على توقيع غناهُ فليت شعري مَا يَقُول فِي سَماع التغبير عِنْده كتفلة فِي بَحر قد اشْتَمَل على كل مفْسدَة وكل محرم فَالله بَين دينه وَبَين كل متعلم مفتون وَعبد جَاهِل وَأما مَذْهَب الامام احْمَد فَقَالَ عبد الله ابْنه سَأَلت أبي عَن الْغناء فَقَالَ الْغناء ينْبت النِّفَاق فِي الْقلب لَا يُعجبنِي ثمَّ يذكر قَول مَالك إِنَّمَا يَفْعَله عندنَا الْفُسَّاق قَالَ عبد الله وَسمعت أبي يَقُول لَو أَن رجلا عمل بِكُل رخصَة بقول أهل الْكُوفَة فِي النَّبِيذ وَأهل مَكَّة فِي الْمُتْعَة لَكَانَ فَاسِقًا قَالَ أَحْمد وَقَالَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ لَو أخذت بِرُخْصَة كل عَالم اجْتمع فِيك الشَّرّ كُله وَنَصّ فِي أَيْتَام ورثوا جَارِيَة مغنية وَأَرَادُوا بيعهَا قَالَ لَا تبَاع إِلَّا على أَنَّهَا ساذجة قَالُوا إِذا بِيعَتْ مغنية ساوت عشْرين ألفا أَو نَحْوهَا واذا بِيعَتْ ساذجة لَا تساوى أَلفَيْنِ فَقَالَ لَا تبَاع إِلَّا على أَنَّهَا ساذجة وَلَو كَانَت
стр. 1034
مَنْفَعَة الْغناء مُبَاحَة لما فَوت هَذَا المَال على الايتام وَقد احسن النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي قَوْله ... تلِي الْكتاب فَأَطْرقُوا لَا خيفة ... لكنه إطراق ساه لاهي ... وأتى الْغناء فكالحمير تناهقوا ... وَالله مَا رقصوا لأجل الله ... دف ومزمار ونغمة شادن ... فَمَتَى شهِدت عبَادَة بملاهي
ثقل الْكتاب عَلَيْهِم لما رَأَوْا ... تَقْيِيده بأوامر ونواهي
سمعُوا لَهُ رعدا وبرقا إِذْ حوى ... زجرا وتخويفا بِفعل مناهي
ورأوه أعظم قَاطع للنَّفس عَن ... شهواتها يَا ويحها المتناهي
وأتى السماع مُوَافقا أغراضها ... فلأجل ذَا غَدا عَظِيم الجاه
أَيْن المساعد للهوى من قَاطع ... أَسبَابه عِنْد الجهول الساهي
إِن لم يكن خمر الجسوم فَإِنَّهُ ... خمر الْعُقُول مماثل ومضاهي
فَانْظُر إِلَى النشوان عِنْد شرابه ... وَانْظُر إِلَى النشوان عِنْد ملاهي
وَانْظُر إِلَى تمزيق ذَا أثوابه ... من بعد تمزيق الْفُؤَاد اللاهي
واحكم بِأَيّ الخمرتين أَحَق بِالتَّحْرِيمِ والتأثيم عِنْد الله ...
وَقد أَكثر الْعلمَاء الْكَلَام على هَذَا السماع الشيطاني الْمُحدث وَلَكِن آثرنا لاختصار وَالله أعلم
стр. 1035
فصل
فِي أَنهَار الْجنَّة
... أنهارها فِي غير أخدُود جرت ... سُبْحَانَ ممسكها عَن الفيضان ... من تَحْتهم تجْرِي كَمَا شاؤوا مفجرة وَمَا للنهر من نُقْصَان
عسل مصفى ثمَّ خمر ثمَّ أَنهَار من الالبان ... وَالله مَا تِلْكَ الْموَاد كهذه ... لَكِن هما فِي اللَّفْظ مجتمعان ... هَذَا وَبَينهمَا يسير تشابه ... وَهُوَ اشْتِرَاك قَامَ بالأذهان ...
روى ابْن ابي الدُّنْيَا عَن انس بن مَالك قَالَ إِنَّكُم تظنون أَن أَنهَار الْجنَّة أخدُود فِي الأَرْض لَا وَالله إِنَّهَا لسائحه على وَجه الأَرْض إِحْدَى حافتيها اللُّؤْلُؤ وَالْآخر الْيَاقُوت وطينه الْمسك الاذفر قَالَ مُعَاوِيَة بن قُرَّة مَا الأذفر قَالَ مُعَاوِيَة بن قُرَّة مَا الأذفر قَالَ الَّذِي لَا خلط لَهُ رَوَاهُ ابْن مَرْوُدَيْهِ فِي تَفْسِيره عَن أنس مَرْفُوعا هَكَذَا وروى ابو خَيْثَمَة عَن انس أَنه قَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر﴾ فَقَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَعْطَيْت الْكَوْثَر فاذا هُوَ نهر يجْرِي وَلم يشق شقا واذا حافتاه قباب اللُّؤْلُؤ فَضربت بيَدي إِلَى تربته فاذا مسك أذفر واذا حصباؤه اللُّؤْلُؤ وروى سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مَسْرُوق فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَاء مسكوب﴾ الْوَاقِعَة قَالَ أَنهَار تجْرِي فِي غير أخدُود ونخل طلعها هضيم من اصلها الى فرعها أَو كلمة نَحْوهَا
стр. 1036
قَوْله من تَحْتهم تجْرِي الخ قد تكَرر فِي الْقُرْآن الْكَرِيم فِي عدَّة مَوَاضِع قَوْله تَعَالَى ﴿جنَّات عدن تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ طه وَفِي مَوضِع ﴿تجْرِي تحتهَا الْأَنْهَار﴾ التَّوْبَة وَفِي مَوضِع ﴿تجْرِي من تَحْتهم الْأَنْهَار﴾ الْأَنْعَام وَهَذَا يدل على أُمُور أَحدهَا وجود الْأَنْهَار فِيهَا حَقِيقَة وَالثَّانِي أَنَّهَا جَارِيَة لَا واقفة وَالثَّالِث أَنَّهَا تَحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كَمَا هُوَ الْمَعْهُود فِي أَنهَار الدُّنْيَا وَقد ظن الْمُفَسّرين أَن معنى ذَلِك جريانها بأمرهم وتصريفهم لَهَا كَيفَ شاؤوا وَهَؤُلَاء أَتَوْ من ضعف الْفَهم فَإِن أنهارها وَإِن جرت فِي غير أخدُود فَهِيَ تَحت الْقُصُور والمنازل والغرف وَتَحْت الْأَشْجَار وَهُوَ سُبْحَانَهُ لم يقل من تَحت أرْضهَا وَقد أخبر عَن جَرَيَان الْأَنْهَار تَحت النَّاس فِي الدُّنْيَا فَقَالَ ﴿ألم يرَوا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم فِي الأَرْض مَا لم نمكن لكم وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مدرارا وَجَعَلنَا الْأَنْهَار تجْرِي من تَحْتهم﴾ الْأَنْعَام فَهَذَا على الْمَعْهُود الْمُتَعَارف وَكَذَلِكَ مَا حَكَاهُ عَن قَول فِرْعَوْن ﴿وَهَذِه الْأَنْهَار تجْرِي من تحتي﴾ الزخرف وَقَالَ تَعَالَى ﴿فيهمَا عينان نضاختان﴾ الرَّحْمَن أَي بِالْمَاءِ والفواكه قَالَه سعيد وَقَالَ انس بالمسك والعنبر تنضخان على دور أهل الْجنَّة كَمَا ينضخ الْمَطَر على دور أهل الدُّنْيَا وَقَالَ الْبَراء اللَّتَان تجريان أفضل من النضاختين رَوَاهَا ابْن ابي شيبَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿مثل الْجنَّة الَّتِي وعد المتقون فِيهَا أَنهَار من مَاء غير آسن وأنهار من لبن لم يتَغَيَّر طعمه وأنهار من خمر لَذَّة للشاربين وأنهار من عسل مصفى وَلَهُم فِيهَا من كل الثمرات ومغفرة من رَبهم﴾ مُحَمَّد فَذكر سُبْحَانَهُ هَذِه الْأَجْنَاس الْأَرْبَعَة وَنفى عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا الآفة الَّتِي تعرض لَهُ فِي الدُّنْيَا فآفة المَاء أَن يأسن ويأجن من طول مكثه وَآفَة اللَّبن أَن يتَغَيَّر طعمه الى الحموضة وَأَن يصير قارصا
стр. 1037
وَآفَة الْخمر كَرَاهَة مذاقها الْمنَافِي للذة شربهَا وَآفَة الْعَسَل عدم تصفيته وَهَذَا من أيات الرب تَعَالَى أَن يجْرِي أَنهَارًا من أَجنَاس لم تجر الْعَادة فِي الدُّنْيَا باجرائها ويجريها فِي غير أخدُود وينفى عَنْهَا الْآفَات الَّتِي تمنع كَمَال اللَّذَّة بهَا كَمَا نفى عَن خمر الْجنَّة جَمِيع آفَات خمر الدُّنْيَا من الصداع والغول واللغو ونزف المَال وتصدع الرَّأْس وَهِي كريهة المذاق وَهِي رِجْس من عمل الشَّيْطَان توقع الْعَدَاوَة والبغضاء بَين النَّاس وتصد عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة وَتَدْعُو الى الزِّنَا وَرُبمَا دعت الى الْوُقُوع على الْبِنْت وَذَوَات الْمَحَارِم وَتذهب الْغيرَة وتورث الخزي والندامة والفضيحة وتلحق شاربها بأنقص نوع الانسان وهم المجانين وتسلبه أحسن الاسماء وَالصِّفَات وتكسوه أقبح الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وآفات الْخمر أَضْعَاف أَضْعَاف مَا ذَكرْنَاهُ وَكلهَا منفية عَن خمر الْجنَّة
فصل
فِي طَعَام أهل الْجنَّة
... وطعامهم مَا تشتهيه نُفُوسهم ... وَلُحُوم طير ناعم وسمان
وفواكه شَتَّى بِحَسب مُنَاهُمْ ... يَا شيعَة كملت لذِي الْأَيْمَان
لحم وخمر والنسا وفواكه ... وَالطّيب مَعَ روح وَمَعَ ريحَان
وصحافهم ذهب يطوف عَلَيْهِم ... بأكف خدام من الْولدَان ...
стр. 1038
.. وَانْظُر إِلَى جعل اللذاذة للعيو ... ن وشهوة للنَّفس فِي الشَّيْطَان
للعين فِيهَا لَذَّة تَدْعُو إِلَى ... شهواتها بِالنَّفسِ والأمران
سَبَب التَّنَاوُل وَهُوَ يُوجب لَذَّة ... أُخْرَى سوى مَا نَالَتْ العينان ...
قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي ظلال وعيون وفواكه مِمَّا يشتهون كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ المرسلات وَقَالَ تَعَالَى ﴿مثل الْجنَّة الَّتِي وعد المتقون تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار أكلهَا دَائِم وظلها﴾ الْوَاقِعَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأمددناهم بفاكهة وَلحم مِمَّا يشتهون يتنازعون فِيهَا كأسا لَا لَغْو فِيهَا وَلَا تأثيم﴾ الرَّعْد وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَأْكُل أهل الْجنَّة وَيَشْرَبُونَ وَلَا يتمخطون وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَبُولُونَ طعامهم ذَلِك جشاء كريح الْمسك يُلْهمُون التَّسْبِيح وَالْحَمْد وَفِي الْمسند وَالنَّسَائِيّ بِسَنَد صَحِيح عَن زيد بن ارقم قَالَ جَاءَ رجل من اهل الْكتاب الى النَّبِي ﷺ فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِم تزْعم أَن اهل الْجنَّة يَأْكُلُون وَيَشْرَبُونَ قَالَ نعم وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ إِن أحدهم ليعطي قُوَّة مائَة رجل فِي الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع والشهوة قَالَ فَإِن الَّذِي يَأْكُل وَيشْرب يكون لَهُ الْحَاجة وَلَيْسَ فِي الْجنَّة أَذَى قَالَ يكون حَاجَة أحدهم رشحا يفِيض من جُلُودهمْ كريح الْمسك فيضمر بَطْنه وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي صَحِيحه بِنَحْوِهِ وروى الْحسن بن عَرَفَة عَن ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ لي رَسُول الله ﷺ إِنَّك لتنظر إِلَى الطير فِي الْجنَّة فتشتهيه فَيخرج من يَديك مشويا وروى الْحَاكِم عَن حُذَيْفَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن فِي الْجنَّة طيرا أَمْثَال البخاتي فَقَالَ أَبُو بكر إِنَّهَا لناعمة يَا رَسُول الله قَالَ أنعم مِنْهَا من
стр. 1039
يأكلها وَأَنت مِمَّن يأكلها وروى الْحَاكِم عَن قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلحم طير مِمَّا يشتهون﴾ الْوَاقِعَة نَحوه بِلَفْظَة أُخْرَى وَعَن ابْن عَمْرو فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يُطَاف عَلَيْهِم بصحاف من ذهب﴾ الزخرف قَالَ بسبعين صَحْفَة كل صَحْفَة فِيهَا لون لَيْسَ فِي الْأُخْرَى وروى الدَّرَاورْدِي عَن أنس بن مَالك أَنه قَالَ فِي الْكَوْثَر وَيَرْفَعهُ فِيهِ طيور أعنافها كأعناق الجزر فَقَالَ عمر إِنَّهَا لناعمة فَقَالَ أكلهَا أنعم مِنْهَا فِي رِوَايَة أَبُو بكر بدل عمر وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَطوف عَلَيْهِم ولدان مخلدون إِذا رَأَيْتهمْ حسبتهم لؤلؤا منثورا﴾ الدَّهْر قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْفراء مخلدون لَا يهرمون وَلَا يتغيرون وَقَالَ آخر مخلدون مقرطون مسورون فِي آذانهم القرطة وَفِي أَيْديهم الأساور وَهَذَا ابْن الْأَعرَابِي قَالَ الْأَولونَ الْخلد هُوَ الْبَقَاء قَالَ ابْن عَبَّاس لَا يموتون وَهَذَا قَول مُجَاهِد وَمُقَاتِل والكلبي وجمعت طَائِفَة بَين الْقَوْلَيْنِ لَا يعرف لَهُم الْكبر والهرم وَفِي آذانهم القرطة وشبههم بِاللُّؤْلُؤِ لما فِيهِ من الْبيَاض وَحسن الْخلقَة وَفِي كَونه منثورا فَائِدَتَانِ احداهما أَنهم غير معطلين بل مثبوثون فِي خدمتهم وجوائحهم وَالثَّانِي أَن اللُّؤْلُؤ إِذا كَانَ منثورا لَا سِيمَا على بِسَاط من ذهب أَو حَرِير كَانَ أحسن لمنظره وأبهى من كَونه مجموعا فِي مَكَان وَفِي حَدِيث انس عَن النَّبِي ﷺ أَنا أول النَّاس إِذا بعثوا وَفِيه يطوف على ألف خَادِم كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤ مَكْنُون الْمكنون المستور المصون الَّذِي لم تبتذله الْأَيْدِي
وَقَول النَّاظِم وَانْظُر إِلَى جعل اللذاذة للعيون الخ أَي انْظُر إِلَى اللذاذة الَّتِي تحصل بالعيون بِسَبَب النّظر إِلَى ألوان الَّذين هم كَاللُّؤْلُؤِ المنثور وشهوة النَّفس لما فِي الصحاف الَّتِي يطوفون بهَا فَاجْتمع لَهُم لَذَّة النّظر وَلَذَّة
стр. 1040
الشَّهْوَة لما فِي الصحاف وَذَلِكَ يُوجب لَذَّة أُخْرَى فتكمل لَهُم اللَّذَّة وَالله اعْلَم
فصل
فِي شرابهم
... يسقون فِيهَا من رحيق خَتمه ... بالمسك أَوله كَمثل الثَّانِي
من خمرة لذت لشاربها بِلَا ... غول وَلَا دَاء وَلَا نُقْصَان
وَالْخمر فِي الدُّنْيَا فَهَذَا وصفهَا ... تغتال عقل الشَّارِب السَّكْرَان
وَبهَا من الأدواء مَا هِيَ أَهله ... وَيخَاف من عدم لذِي الوجدان
فنفى لنا الرَّحْمَن أجمعها عَن الْخمر الَّتِي فِي جنَّة الْحَيَوَان ...
قَالَ تَعَالَى ﴿يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ﴾ المطففين رحيق مختوم أَي الْخمر ختم بالمسك وَعَن ابْن مَسْعُود ختامه مسك أَي خلطه وَلَيْسَ بِخَاتم ختم
قَالَ النَّاظِم قلت يُرِيد وَالله أعلم أَن آخِره مسك يخالطه فَهُوَ من الخاتمة لَيْسَ من الْخَاتم وَهُوَ قَول عَلْقَمَة ومسروق قَالَ يَجدونَ عَاقبَتهَا طعم الْمسك وَقَالَ مُجَاهِد طيبه مسك كَأَنَّهُ يُرِيد مَا يبْقى فِي أَسْفَل الاناء
стр. 1041
من الدردي وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء هُوَ أَي ختامه مسك شراب أَبيض مثل الْفضة يختمون بِهِ آخر شرابهم لَو أَن رجلا من أهل الدُّنْيَا أَدخل يَده فِيهِ ثمَّ أخرجهَا لم يبْق ذُو روح إِلَّا وجد ريح طيبها رَوَاهُ الْحَاكِم
قَوْله من خمرة لذت لشاربها الخ نفى الله سُبْحَانَهُ عَن خمر الْجنَّة جَمِيع آفَات خمر الدُّنْيَا من الصداع والغول واللغو والانزاف وَعدم اللَّذَّة فَهَذِهِ خمس آفَات من آفَات خمر الدُّنْيَا تغتال الْعقل وتكثر اللَّغْو على شربهَا بل وَلَا يطيب شربهَا ذَلِك إِلَّا بِاللَّغْوِ وتنزف فِي نَفسهَا وتنزف المَال وتصدع الرَّأْس وَهِي كريهة المذاق وَقد تقدم بعض آفاتها فِي فصل أَنهَار الْجنَّة وَالله أعلم ... وشرابهم من سلسبيل مزجه الكافور ذَاك شراب ذِي الْإِحْسَان
هَذَا شراب أولي الْيَمين وَلَكِن الْأَبْرَار شربهم شراب ثَانِي ... يدعى بتسنيم سَنَام شرابهم ... شرب المقرب خيرة الرَّحْمَن ... صفى المقرب سَعْيه فصفا لَهُ ... ذَاك الشَّرَاب فَتلك تصفيتان
لَكِن أَصْحَاب الْيَمين فَأهل مز ... ج بالمباح وَلَيْسَ بالعصيان
مزج الشَّرَاب لَهُم كَمَا مزجوا هم الْأَعْمَال ذَاك المزج بالميزان ... هَذَا وَذُو التَّخْلِيط مزجى أمره ... وَالْحكم فِيهِ لرَبه الديَّان ...
قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْأَبْرَار يشربون من كأس كَانَ مزاجها كافورا عينا يشرب بهَا عباد الله يفجرونها تفجيرا﴾ الدَّهْر قَالَ بعض السّلف مَعَهم قضبان الذَّهَب حَيْثُمَا مالوا مَالَتْ مَعَهم قيل الْبَاء بِمَعْنى من أَي يشرب مِنْهَا
стр. 1042
وَقيل يرْوى بهَا وَهَذَا أصح وألطف وَقيل الْبَاء الظَّرْفِيَّة وَالْعين اسْم للمكان وَقَالَ تَعَالَى ﴿ويسقون فِيهَا كأسا كَانَ مزاجها زنجبيلا عينا فِيهَا تسمى سلسبيلا﴾ الدَّهْر فَأخْبر سُبْحَانَهُ عَن الْعين الَّتِي يشرب بهَا المقربون صرفا ان شراب الابرار يمزج مِنْهَا لِأَن اولئك اخلصوا الاعمال كلهَا لله تَعَالَى فأخلص شرابهم وَهَؤُلَاء فمزج شرابهم وَنَظِير هَذَا قَوْله ﴿يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بهَا المقربون﴾ المطففين فَأخْبر سُبْحَانَهُ عَن مزاج شرابهم بشيئين بالكافور وبالزنجبيل فَمَا فِي الكافور من الْبرد وَطيب الرَّائِحَة مَا يحدث لَهُم باجتماع الشرايين ومجيء أَحدهمَا على الآخر حَالَة أُخْرَى أكمل وَأطيب وألذ من كل مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ وتعدل كَيْفيَّة كل مِنْهُمَا بكيفية الآخر وَمَا ألطف ذكر الكافور فِي أول السُّورَة والزنجبيل فِي آخرهَا فان شرابهم مزج أَولا بالكافور والزنجبيل بعده فيعدله وَالظَّاهِر أَن الكأس الثَّانِيَة غير الأولى وَأَنَّهَا نَوْعَانِ لذيذان من الشَّرَاب أَحدهمَا مزج بالكافور وَالثَّانِي بالزنجبيل وَأَيْضًا فانه سُبْحَانَهُ أخبر عَن مزج شرابهم بالكافور وبرده فِي مُقَابلَة مَا وَصفهم بِهِ من حرارة الْخَوْف والايثار وَالصَّبْر وَالْوَفَاء بِجَمِيعِ الْوَاجِبَات الَّتِي نبه على وفائهم بأضعافها وَهُوَ مَا أوجبوه على أنفسهم بِالنذرِ على الْوَفَاء بِجَمِيعِ الْوَاجِبَات الَّتِي نبه على وفائهم بأضعافها وَهُوَ مَا أوجبوه على أنفسهم بِالنذرِ على الْوَفَاء باعلاها وَهُوَ مَا أوجبه الله عَلَيْهِم وَلِهَذَا قَالَ ﴿وجزاهم بِمَا صَبَرُوا جنَّة وَحَرِيرًا﴾ الدَّهْر فان فِي الصَّبْر الخشونة وَحبس النَّفس عَن شهواتها مَا اقْتضى ان يكون فِي إجزائهم من سَعَة الْجنَّة ونعومة الْحَرِير مَا يُقَابل ذَلِك الْحَبْس والخشونة وَجمع لَهُم بَين النضرة وَالسُّرُور وَهَذَا جمال بواطنهم كَمَا جملوا فِي الدُّنْيَا
стр. 1043
ظواهرهم بشرائع الاسلام وبواطنهم بحقائق الايمان أَفَادَهُ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي مصرف طعامهم وشرابهم وهضمه ... هَذَا وتصريف المآكل كل مِنْهُم ... عرق يفيص لَهُم من الابدان ... كروائح الْمسك الَّذِي مَا فِيهِ خل ... ط غَيره من سَائِر الألوان
فتعود هاتيك الْبُطُون ضوامرا ... تبغي الطَّعَام على مدى الازمان
لَا غَائِط فِيهَا وَلَا بَوْل وَلَا ... مخط وَلَا بَصق من الانسان
وَلَهُم جشاء رِيحه مسك يكو ... ن بِهِ تَمام الهضم بالاحسان
هَذَا وَهَذَا صَحَّ عَنهُ فواحد ... فِي مُسلم وَلأَحْمَد الأثران ...
قَوْله هَذَا صَحَّ عَنهُ فواحد فِي مُسلم الخ تقدم الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مُسلم فِي ذَلِك من حَدِيث جَابر وَتقدم الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الامام أَحْمد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث زيد بن أَرقم قَالَ جَاءَ رجل من اهل الْكتاب الى النَّبِي ﷺ الحَدِيث قَوْله هَذَا وَهَذَا أصح عَنهُ الخ أَي أَن تصريف مآكل أهل الْجنَّة قد بَينه النَّبِي ﷺ فَفِي حَدِيث جَابر أَن ذَلِك جشاء وَرشح كَرَشْحِ الْمسك وَفِي حَدِيث زيد بن أَرقم أَن ذَلِك يكون رشحا يفِيض من جُلُودهمْ كَرَشْحِ الْمسك قَوْله وَلأَحْمَد الأثران أَي أَن حَدِيث
стр. 1044
جَابر وَحَدِيث زيد بن أَرقم قد رَوَاهُمَا الامام أَحْمد وَأما مُسلم فَلم يرو الا حَدِيث جَابر وَمَعَ ذَلِك فهما صَحِيحَانِ وَالله أعلم
فصل
فِي لِبَاس أهل الْجنَّة ... وهم الْمُلُوك على الأسرة فَوق هَا ... تيك الرؤوس مرصع التيجان
ولباسهم من سندس خضور وَمن ... إستبرق نَوْعَانِ معروفان
مَا ذَاك من دود بني من فَوْقه ... تِلْكَ الْبيُوت وَعَاد ذُو طيران
كلا وَلَا نسجت على المنوال نس ... ج ثيابنا بالقطن والكتان
لَكِنَّهَا حلل تشق ثمارها ... عَنْهَا رَأَيْت شقائق النُّعْمَان
بيض وخضر ثمَّ صفر ثمَّ حم ... ر كالرباط بِأَحْسَن الالوان
لَا تقرب الدنس المقرب للبلى ... مَا للبلى فِيهِنَّ من سُلْطَان
ونصيف إِحْدَاهُنَّ وَهُوَ خمارها ... لَيست لَهُ الدُّنْيَا من الاثمان
سَبْعُونَ من حلل عَلَيْهَا لَا تعو ... ق الطّرف عَن مخ ورا الساقان
لَكِن يرَاهُ من ورا ذَا كُله ... مثل الشَّرَاب لَدَى زجاج أَوَان ...
قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي مقَام أَمِين فِي جنَّات وعيون يلبسُونَ من سندس وإستبرق مُتَقَابلين﴾ الدُّخان وَقَالَ ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات إِنَّا لَا نضيع أجر من أحسن عملا أُولَئِكَ لَهُم جنَّات عدن تجْرِي من تَحْتهم الْأَنْهَار يحلونَ فِيهَا من أساور من ذهب وَيلبسُونَ ثيابًا خضرًا من سندس وإستبرق متكئين فِيهَا على الأرائك﴾
стр. 1045
الْكَهْف قَالَ جمَاعَة من الْمُفَسّرين السندس من مارق الديباج والاستبرق مَا غلظ مِنْهُ وَقَالَ آخَرُونَ المُرَاد بِهِ الصفيق وَقَالَ الزّجاج هما نَوْعَانِ من الْحَرِير وَأحسن الألوان الْأَخْضَر والبني لملابس الْحَرِير فَجمع لَهُم بَين حسن منظر اللبَاس والتذاذ الْعين بِهِ وَبَين نعومته والتذاذ الْجِسْم بِهِ وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من يدْخل الْجنَّة ينعم فَلَا يبأس لَا تبلى ثِيَابه وَلَا يفنى شبابه فِي الْجنَّة مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر قَالَ النَّاظِم فِي حادي الارواح وَالظَّاهِر أَن الثِّيَاب الْمعينَة لَا يلْحقهَا البلى وَيحْتَمل أَن المُرَاد الْجِنْس بل لَا تزَال عَلَيْهِ الثِّيَاب الجدد كَمَا أَنَّهَا لَا يَنْقَطِع أكلهَا فِي جنسه بل كل مَأْكُول يخلفه مَأْكُول آخر وَالله أعلم وروى أَحْمد عَن ابي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ قيد سَوط أحدكُم من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمثلهَا مَعهَا وَلَقَاب قَوس أحدكُم خير من الدُّنْيَا وَمثلهَا مَعهَا ونصيف امْرَأَة من الْجنَّة خير من الدُّنْيَا وَمثلهَا مَعهَا قلت وَمَا النصيف قَالَ الْخمار وروى ابْن وهب عَن ابي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الرجل فِي الْجنَّة ليتكىء سبعين سنة قبل أَن يتَحَوَّل ثمَّ نأتيه امْرَأَة فَتضْرب على مَنْكِبَيْه فَيظْهر وَجهه فِي خدها أصفى من الْمرْآة وان ادنى لؤلؤة عَلَيْهَا لتضىء مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب فتسلم عَلَيْهِ فَيرد السَّلَام ويسألها من أَنْت فَتَقول انا الْمَزِيد وانه ليَكُون عَلَيْهَا سَبْعُونَ حلَّة ثوبا ادناها مثل النُّعْمَان من طُوبَى فينقدها بَصَره حَتَّى يرى مخ سَاقهَا من وَرَاء ذَلِك وان عَلَيْهَا التيجان وان ادنى لؤلؤة عَلَيْهَا لتضىء مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب
стр. 1046
وروى أَحْمد عَن ابْن عَمْرو مَرْفُوعا وَفِيه فَقَامَ آخر أَي أَعْرَابِي فَقَالَ أَخْبرنِي عَن ثِيَاب أهل الْجنَّة أتخلق خلقا أَو تنسج نسجا فَضَحِك بعض الْقَوْم فَقَالَ ﷺ تضحكون من جَاهِل يسْأَل عَالما فَسكت النَّبِي ﷺ سَاعَة ثمَّ قَالَ أَيْن السَّائِل قَالَ هَا هُوَ ذَا يَا رَسُول الله قَالَ تشقق عَنْهَا ثمار الْجنَّة ثَلَاث مرار وروى الْبَيْهَقِيّ عَن ابي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من قَرَأَ الْقُرْآن فَقَامَ بِهِ آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار وَيحل حَلَاله وَيحرم حرَامه خلطه الله بِلَحْمِهِ وَدَمه وَجعله رَفِيق السفرة البررة واذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة كَانَ الْقُرْآن لَهُ حجيجا فَقَالَ يَا رب كل عَامل يعْمل فِي الدُّنْيَا يَأْخُذ بِعَمَلِهِ من الدُّنْيَا الا فلَانا كَانَ يقوم بِي آنَاء الَّيْلِ وَالنَّهَار وَيحل حلالي وَيحرم حرامي يَقُول رب فأعطه فَيتَوَجَّه الله تَاج الْملك ثمَّ يكسوه من حلل الْكَرَامَة ثمَّ يَقُول هَل رضيت فَيَقُول يَا رب أَرغب فِي أفضل من هَذَا فيعطيه الله الْملك بِيَمِينِهِ والخلد بِشمَالِهِ ثمَّ يَقُول هَل رضيت فَيَقُول نعم يَا رب وروى ابْن وهب عَن ابي سعيد الْخُدْرِيّ ان رَسُول الله ﷺ تَلا قَوْله تَعَالَى ﴿يحلونَ فِيهَا من أساور من ذهب﴾ الْكَهْف فَقَالَ ان عَلَيْهِم التيجان إِن أدنى لؤلؤة فِيهَا لتضىء مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب قَوْله المنوال قَالَ فِي الْقَامُوس والنول الْوَادي السَّائِل وحبل السَّفِينَة وخشبه الحائك كالمنوال والمنوال جمع أنوال انْتهى كَلَامه
стр. 1047
فصل فِي فرشهم وَمَا يتبعهَا
... والفرش من إستبرق قد بطنت ... مَا ظنكم بظهارة لبطان
مَرْفُوعَة فَوق الأسرة يتكي ... هُوَ والحبيب بخلوة وأمان
يتحدثان على الأرائك مَا ترى ... حبين فِي الخلوات ينتحبيان
هَذَا وَكم زريبة ونمارق ... ووسائد صفت بِلَا حسبان ...
قَالَ الله تَعَالَى ﴿متكئين على فرش بطائنها من إستبرق﴾ الرَّحْمَن قَالَ تَعَالَى ﴿وفرش مَرْفُوعَة﴾ الْوَاقِعَة فوصف الْفرش بِكَوْنِهَا مبطنة بالاستبرق وَهَذَا يدل على أَمريْن احدهما أَن طَهَارَتهَا أَعلَى وَأحسن من بطانتها لِأَنَّهَا للْأَرْض وظهائرها للجمال والزينة والمباشرة قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عبد الله فِي قَوْله ﴿بطائنها من إستبرق﴾ قَالَ هَذِه البطائن قد خبرتم عَنْهَا فَكيف بالظهائر الثَّانِي أَنَّهَا فرش عالية لَهَا سمك وحشو بَين البطانة والظهارة وَقد رُوِيَ فِي سمكها وارتفاعها آثَار إِن كَانَت مَحْفُوظَة فَالْمُرَاد ارْتِفَاع محلهَا كَمَا روى التِّرْمِذِيّ عَن ابي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وفرش مَرْفُوعَة﴾ الْوَاقِعَة قَالَ ارتفاعها كَمَا بَين السَّمَاء والارض ومسيرة مَا بَينهمَا خَمْسمِائَة عَام وَاسْتَغْرَبَهُ التِّرْمِذِيّ وَقيل مَعْنَاهُ ان الِارْتفَاع الْمَذْكُور للدرجات والفرش عَلَيْهَا وروى ابْن وهب عَنهُ عَن النَّبِي
стр. 1048
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ بَين الفراشين كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض وَهَذَا أشبه أَن يكون هُوَ الْمَحْفُوظ وروى الطَّبَرَانِيّ عَن كَعْب قَالَ مسيرَة أَرْبَعِينَ سنة وَعَن ابي امامة عِنْد الطَّبَرَانِيّ قَالَ سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْفرش المرفوعة قَالَ لَو طرح فرَاش فِي أَعْلَاهَا لوقع الى قَرَارهَا مائَة خريف وَفِي رفع هَذَا الحَدِيث نظر فقد روى ابْن ابي الدُّنْيَا عَنهُ قَالَ لَو أَن أَعْلَاهَا سقط مَا بلغ أَسْفَلهَا اربعين خَرِيفًا وَأما الْبسط والزرابي فقد قَالَ تَعَالَى ﴿متكئين على رَفْرَف خضر وعبقري حسان﴾ الرَّحْمَن وَقَالَ تَعَالَى ﴿فِيهَا سرر مَرْفُوعَة وأكواب مَوْضُوعَة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة﴾ الغاشية عَن سعيد بن جُبَير قَالَ الرفرف رباض الْجنَّة والعبقري عتاق الزاربي وَقَالَ الْحسن هِيَ الْبسط وَبِه قَالَ أهل الْمَدِينَة وَأما النمارق فَقَالَ الواحدي هِيَ الوسائد وَاحِدهَا نمرقة بِضَم النُّون وَكسرهَا قَالَ مقَاتل هِيَ الوسائد مصفوفة على الطنافس وزرابي يَعْنِي الْبسط والطنافس وَاحِدهَا زريبة فِي قَول جَمِيع أهل اللُّغَة وَالتَّفْسِير مبثوثة مبسوطة منشورة قَوْله فَوق الأسرة يتكي الخ الاسرة جمع سَرِير متكئين قَالَ فِي الْقَامُوس توكأ عَلَيْهِ تحامل وَاعْتمد وانما جعل لَهُ متكأ
وَقَوله ﷺ أما أَنا فَلَا آكل متكأ أَي جَالِسا المنكمش المتربع وَنَحْوه من الهيئات المستدعية لِكَثْرَة الْأكل بل كَانَ جُلُوسه للْأَكْل مستوفزا مقعيا غير تربع وَلَا مُتَمَكن وَلَيْسَ المُرَاد الْميل على شقّ كَمَا يَظُنّهُ عوام الطّلبَة وَذكر الاتكاء لِأَنَّهُ حَال الصَّحِيح الفارغ الْقلب المتنعم الْبدن بِخِلَاف الْمَرِيض المهموم
وَقَوله تَعَالَى ﴿متكئين على فرش﴾ الْآيَة الرَّحْمَن مَنْصُوب على الْحَال من فَاعل قَوْله ﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه﴾ الرَّحْمَن وانما جمع حملا على معنى من وَقيل مَنْصُوب على الْمَدْح وَقيل عاملها مَحْذُوف وَالتَّقْدِير يتنعمون متكئين أَي مضطجعين أَو متربعين
стр. 1049
فصل
فِي حلي اهل الْجنَّة
... والحلي أصفى لُؤْلُؤ وَزَبَرْجَد ... وكذاك أسورة من العقيان
مَا ذَاك يخْتَص الاناث وانما ... هُوَ للاناث كَذَاك للذكران
التاركين لِبَاسه فِي هَذِه الدُّنْيَا لأجل لِبَاسه بجنان ... أَو مَا سَمِعت بِأَن حليتهم الى ... حَيْثُ انْتِهَاء وضوئهم بوزان ... وَكَذَا وضوء ابي هُرَيْرَة كَانَ قد ... فازت بِهِ العضدان والساقان
وسواه أنكر ذَا عَلَيْهِ قَائِلا ... مَا السَّاق مَوضِع حليه الانسان
ماذاك الا مَوضِع الْكَعْبَيْنِ وَال زنديق لَا الساقان والعضدان ...
قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات إِنَّا لَا نضيع أجر من أحسن عملا أُولَئِكَ لَهُم جنَّات عدن تجْرِي من تَحْتهم الْأَنْهَار يحلونَ فِيهَا من أساور من ذهب﴾ الْكَهْف الأية يحْتَمل أَن يكون أساور من لُؤْلُؤ وان تكون مركبة مِنْهُمَا مَعًا وَالله أعلم وروى ابْن ابي الدُّنْيَا عَن وهب قَالَ ان الله مُنْذُ يَوْم خلق يصوغ عَليّ أهل الْجنَّة وَعَن الْحسن الْحلِيّ فِي الْجنَّة على الرِّجَال أحسن مِنْهُ على النِّسَاء وروى أَحْمد ابْن منيع عَن سعد ابْن ابي وَقاص عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَو أَن رجلا من اهل الْجنَّة
стр. 1050
اطلع فَبَدَا سواره لطمس ضوء الشَّمْس كَمَا تطمس الشَّمْس ضوء النُّجُوم وروى ابْن وهب عَن ابي امامة أَن رَسُول الله ﷺ حَدثهمْ وَذكر حلي اهل الْجنَّة فَقَالَ مسورون بِالذَّهَب وَالْفِضَّة مكللون بالدر عَلَيْهِم أكاليل من در وَيَاقُوت متواصلة وَعَلَيْهِم تَاج كتاج الْمُلُوك شباب جرد مكحلون وَفِي الصَّحِيحَيْنِ والسياق لمُسلم عَن ابي حَازِم قَالَ كنت خلف أبي هُرَيْرَة وَهُوَ يتَوَضَّأ للصَّلَاة وَكَانَ يمد يَده حَتَّى يبلغ إبطه فَقلت يَا أَبَا هُرَيْرَة هَذَا الْوضُوء فَقَالَ يَا بني فروخ أَنْتُم هَاهُنَا لَو علمت أَنكُمْ هَا هُنَا مَا تَوَضَّأت هَذَا الْوضُوء سَمِعت خليلي ﷺ يَقُول تبلغ الْحِلْية من الْمُؤمن حَيْثُ يبلغ الْوضُوء ... وكذاك أهل الْفِقْه مُخْتَلفُونَ فِي ... هَذَا وَفِيه عِنْدهم قَولَانِ ... وَالرَّاجِح الْأَقْوَى انْتِهَاء وضوئنا ... للمرفقين كَذَلِك الكعبان ... هَذَا الَّذِي قد حدد الرَّحْمَن فِي الْقُرْآن لَا تعدل عَن الْقُرْآن
واحفظ حُدُود الرب لَا تتعدها ... وكذاك لَا تجنح الى النُّقْصَان ... وَانْظُر الى فعل الرَّسُول تَجدهُ قد ... أبدى المُرَاد وَجَاء بالتبيان ... وَمن اسْتَطَاعَ يُطِيل غرته فمو ... قوف على الرَّاوِي هُوَ الفوقاني
فَأَبُو هُرَيْرَة قَالَ ذَا من كيسه ... فغدا يميزه اولو الْعرْفَان
ونعيم الرَّاوِي لَهُ قد شكّ فِي ... رفع الحَدِيث كَذَا روى الشَّيْبَانِيّ
وإطالة الغرات لَيْسَ بممكن ... أبدا وَذَا فِي غَايَة التِّبْيَان ...
قَالَ النَّاظِم فِي حادي الارواح وَقد سَاق حَدِيث أبي هُرَيْرَة الْمُتَقَدّم وَقد احْتج بِهَذَا من يرى اسْتِحْبَاب غسل الْعَضُد وإطالته وَالصَّحِيح أَنه
стр. 1051
لَا يسْتَحبّ وَهُوَ قَول اهل الْمَدِينَة وَعَن احْمَد رِوَايَتَانِ والْحَدِيث لَا يدل على الاطالة فان الْحِلْية انما تكون زينا فِي الساعد والمعصم لَا فِي الْعَضُد والكتف وَأما قَوْله فَمن اسْتَطَاعَ مِنْكُم أَن يُطِيل غرته فَلْيفْعَل فَهَذِهِ الزِّيَادَة مدرجة فِي الحَدِيث من كَلَام أبي هُرَيْرَة لَا من كَلَام النَّبِي ﷺ بَين ذَلِك غير وَاحِد من الْحفاظ وَفِي مُسْند الامام احْمَد فِي هَذَا الحَدِيث قَالَ نعيم فَلَا أَدْرِي قَوْله فَمن اسْتَطَاعَ أَن يُطِيل غرته فَلْيفْعَل من تَمام كَلَام النَّبِي ﷺ أَو شَيْء قَالَه أَبُو هُرَيْرَة من عِنْده وَكَانَ شَيخنَا ﵀ يَقُول هَذِه اللَّفْظَة لَا يُمكن أَن تكون من كَلَام النَّبِي ﷺ فان الْغرَّة لَا تكون فِي الْيَد لَا تكون الا فِي الْوَجْه وإطالتها غير مُمكنَة إِذْ تدخل فِي الرَّأْس وَلَا يُسمى ذَلِك غرَّة
فصل
فِي صفة عرائس الْجنَّة وحسنهن وجمالهن وَلَذَّة وصالهن ومهورهن
... يَا من يطوف الْكَعْبَة الْحصن الَّتِي ... حفت بِذَاكَ الْحجر والاركان
ويظل يسْعَى دَائِما حول الصَّفَا ... ومحسر مسعاه لَا العلمان
ويروم قرْبَان الْوِصَال على منى ... والخيف يَحْجُبهُ عَن القربان
فلذ ترَاهُ محرما أبدا ومو ... ضع حلّه مِنْهُ فَلَيْسَ بدان
يَبْغِي التَّمَتُّع مُفردا عَن حبه ... متجردا يَبْغِي شَفِيع قرَان ...
стр. 1052
.. فيظل بالجمرات يَرْمِي قلبه ... هذي مَنَاسِكه وكل زمَان
وَالنَّاس قد قضوا مناسكهم وَقد ... حثوا ركائبهم الى الأوطان
وخدت بهم همم لَهُم وعزائم ... نَحْو الْمنَازل أول الْأَزْمَان ...
يَعْنِي الى الْجنَّة الَّتِي أسكنها آدم وحواء ﵉ كَمَا أَشَارَ الى ذَلِك النَّاظِم فِي الميمية بقوله ... وَحي على جنَّات عدن فانها ... منازلك الاولى وفيهَا المخيم
ولكننا سبي الْعَدو فَهَل ترى ... نعود إِلَى أوطاننا ونسلم ...
واشار النَّاظِم بِهَذِهِ الاستعارات ... رفعت لَهُم فِي السّير أَعْلَام الوصا ... ل فشمروا يَا خيبة الكسلان
وَرَأَوا على بعد خياما مشرفا ... ت مشرقات النُّور والبرهان
فَتَيَمَّمُوا تِلْكَ الْخيام فآنسوا ... فِيهِنَّ أقمارا بِلَا نُقْصَان
من قاصرات الطّرف لَا تبغي سوى ... محبوبها من سَائِر الشبَّان
وَقصرت عَلَيْهِ طرفها من حسنه ... والطرف فِي ذَا الْوَجْه للنسوان
أَو أَنَّهَا قصرت عَلَيْهِ طرفه ... من حسنها فالطرف للذكران
وَالْأول الْمَعْهُود من وضع الخطا ... ب فَلَا تحد عَن ظَاهر الْقُرْآن
ولربما دلّت اشارته على الثَّانِي فَتلك اشارة اللمعان ...
قَوْله من قاصرات الطّرف الخ قَالَ الله تَعَالَى ﴿فِيهِنَّ قاصرات الطّرف لم يطمثهن إنس قبلهم وَلَا جَان﴾ الرَّحْمَن ﴿كأنهن الْيَاقُوت والمرجان﴾
стр. 1053
الرَّحْمَن وصفهن سُبْحَانَهُ بقصر الطّرف فِي ثَلَاث مَوَاضِع أَحدهَا هَذَا وَالثَّانِي قَوْله فِي الصافات ﴿وَعِنْدهم قاصرات الطّرف عين﴾ وَالثَّالِث قَوْله فِي سُورَة ص ﴿وَعِنْدهم قاصرات الطّرف أتراب﴾ والمفسرون كلهم على ان الْمَعْنى قصر طرفهن على أَزوَاجهنَّ فَلَا يطمحن الى غَيرهم وَهَذَا معنى قَول النَّاظِم قصر عَلَيْهِ طرفها من حسنه الخ وَقيل قصر طرف أَزوَاجهنَّ عَلَيْهِم فَلَا يدعهم حسنهنَّ وجمالهن ان ينْظرُوا الى غَيْرهنَّ وَهَذَا صَحِيح من جِهَة الْمَعْنى دون اللَّفْظ قَالَ مُجَاهِد وَالله مَا هن متبرجات وَلَا متطلعات وَهَذَا معنى قَول النَّاظِم أَو أَنَّهَا قصرت عَلَيْهِ طرفه الخ قَوْله وَالْأول الْمَعْهُود من وضع الْخطاب أَي أَن القَوْل الأول وَهُوَ ان الْمَعْنى قصرت عَلَيْهِ طرفها من حسنه هُوَ ظَاهر الْقُرْآن ... هَذَا وَلَيْسَ القاصرات كمن غَدَتْ ... مَقْصُورَة فهما اذا صنفان ...
قَالَ تَعَالَى ﴿حور مقصورات فِي الْخيام﴾ الرَّحْمَن أَي محبوسات فِي الْخيام قَالَه مقَاتل وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة خدرن فِي الْخيام وَقَالَ الْفراء محبوسات على ازواجهن لَا يطمحن الى من سواهُم قَالَ النَّاظِم قلت هَذَا معنى قاصرات الطّرف وَهَؤُلَاء مقصورات أَي هن فِي الْخيام قَالَ النَّاظِم ... يَا مُطلق الطّرف المعذب فِي الألى ... جردن عَن حسن وَعَن احسان ... لَا تسبينك صُورَة من تحتهَا الدَّاء الدوي تبوء بالخسران
قحب خلائقها وقبح فعلهَا ... شَيْطَانَة فِي صُورَة الانسان
تنقاد للأنذال والارذال هم ... اكفاؤها من دون ذِي الاحسان ...
стр. 1054
.. مَا ثمَّ من دين وَلَا عقل وَلَا ... خلق وَلَا خوف من الرَّحْمَن
وجمالها زور ومصنوع فَإِن ... تركته لم تطمح لَهَا العينان
طبعت على ترك الْحفاظ فمالها ... بوفاء حق البعل قطّ يدان
إِن قصر السَّاعِي عَلَيْهَا سَاعَة ... قَالَت وَهل أوليت من احسان
أورام تقويما لَهَا اسْتَعْصَتْ وَلم ... تقبل سوى التعويج وَالنُّقْصَان
أفكارها فِي الْمَكْر والكيد الَّذِي ... قد حَار فِيهِ فكرة الانسان
فجمالها قشر رَقِيق تَحْتَهُ ... مَا شِئْت من عيب وَمن نُقْصَان
نقد ردىء فَوْقه من فضَّة ... شَيْء يظنّ بِهِ من الاثمان
فالناقدون يرَوْنَ مَاذَا تَحْتَهُ ... وَالنَّاس أَكْثَرهم من العميان ...
شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي ذكر عُيُوب نسَاء الدُّنْيَا فَقَالَ لَا تسبينك صُورَة من تحتهَا الخ أَي إِن صورتهَا وان حسنت فتحتها مَالا يُحْصى من القبائح قَوْله تنقاد للانذال والارذال الخ قَالَ فِي الْقَامُوس النذل والنذيل الخسيس من النَّاس المحتقر فِي جَمِيع أَحْوَاله جمع انذال ونذول ونذلاء ونذال وَقد نذل ككرم نذالة ونذولة قَالَ والرذل والرذال والرذيل والارذل الدون الخسيس أَو الردىء من كل شَيْء جمع أرذال ورذول ورذلاء ورذال وأرذلون وَقد رذل ككرم وَعلم رذالة ورذولة بِالضَّمِّ انْتهى قَوْله هم اكفاؤها الخ أَي انها لنذالتها ورذالتها تنقاد للانذال والأرذال قَوْله طبعت على ترك الْحفاظ
стр. 1055
الخ أَي أَنَّهَا طبعت على عدم الْوَفَاء بِحَق الزَّوْج قَوْله إِن قصر السَّاعِي عَلَيْهَا سَاعَة الخ يدل على ذَلِك الحَدِيث الصَّحِيح وَهُوَ قَوْله ﷺ يَا معشر النِّسَاء تصدقن وَلَو من حليكن فَانِي اطَّلَعت فِي النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا النِّسَاء فَقَامَتْ امْرَأَة جزلة فَقَالَت وَلم ذَلِك يَا رَسُول الله قَالَ انكن تكفرن العشير وتكثرن اللَّعْن قَوْله أَو رام تقويما لَهَا اسْتَعْصَتْ الخ يُشِير الى مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اسْتَوْصُوا بِالنسَاء خيرا فان الْمَرْأَة خلقت من ضلع وان اعوج مَا فِي الضلع أَعْلَاهُ فان ذهبت تُقِيمهُ كَسرته وان تركته لم يزل أَعْوَج فَاسْتَوْصُوا بِالنسَاء مُتَّفق عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَة فِي الصَّحِيحَيْنِ الْمَرْأَة كالضلع إِن أقمتها كسرتها وان استمعت بهَا استمتعت بهَا وفيهَا عوج وان ذهبت تقيمها كسرتها وَكسرهَا طَلاقهَا قَالَ النَّاظِم ... أما جميلات الْوُجُوه فخائنا ... ت بعولهن وَهن للأخذان ...
الأخدان جمع خدن قَالَ فِي الْقَامُوس الخدن بِالْكَسْرِ وكأمير الصاحب وَمن يخادنك فِي أَمر ظَاهر وباطن والاخذان الاحباب يزنون بِهن فِي السِّرّ قَالَ الْحسن المسافحة هِيَ ان كل من دَعَاهَا تَبعته وَذَات خدن أَي تخْتَص بِوَاحِد لَا تَزني الا مَعَه وَالْعرب تحرم الاولى وَتجوز الثَّانِيَة ... والحافظات الْغَيْب مِنْهُنَّ ... الَّتِي قد أَصبَحت فَردا من النسوان
فَانْظُر مصَارِع من يليك وَمن خلا ... من قبل من شيب وَمن شُبَّان
وارغب بعقلك أَن تبيع العالي ال ... بَاقِي بذا الادنى الَّذِي هُوَ فَانِي ...
следующие страницы →