Полный текст (1 130 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
.. قَالُوا أما بيضت أوجهنا كَذَا ... أَعمالنَا ثقلت فَفِي الْمِيزَان
وكذاك قد أدخلتنا الجنات حِين أجرتنا من مدْخل النيرَان ... فَيَقُول عِنْدِي موعد قد آن أَن ... أعطيكموه برحمتي وحناني ... فيرونه من بعد كشف حجابه ... جَهرا روى ذَا مُسلم بِبَيَان ...
روى مُسلم فِي صَحِيحه عَن صُهَيْب أَن النَّبِي ﷺ قَالَ اذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة وَأهل النَّار النَّار نَادَى مُنَاد يَا أهل الْجنَّة إِن لكم عِنْد الله موعدا يُرِيد أَن ينجزكموه فَيَقُولُونَ مَا هُوَ ألم يثقل موازيننا ألم يبيض وُجُوهنَا ويدخلنا الْجنَّة وينجينا من النَّار فَيكْشف الْحجاب فَيَنْظُرُونَ اليه فوَاللَّه مَا أَعْطَاهُم الله شَيْئا أحب اليهم من النّظر اليه ... وَلَقَد أَتَانَا فِي الصَّحِيحَيْنِ اللَّذين هما أصح الْكتب بعد قرَان ... بِرِوَايَة الثِّقَة الصدوق جرير البَجلِيّ عَمَّن جَاءَ بِالْقُرْآنِ
أَن الْعباد يرونه سُبْحَانَهُ ... رُؤْيا العيان كَمَا يرى القمران ...
قد تقدم حَدِيث جرير فِي الرُّؤْيَة
قَوْله البردين قَالَ فِي الْقَامُوس الأبردان الْغَدَاة والعشي كالبردين ... فان اسْتَطَعْتُم كل وَقت فاحفظوا ... البردين مَا عشتم مدى الْأَزْمَان
وَلَقَد روى بضع وَعِشْرُونَ امْرَءًا ... من صحب احْمَد خيرة الرَّحْمَن
أَخْبَار هَذَا الْبَاب عَمَّن قد اتى ... بِالْوَحْي تَفْصِيلًا بِلَا كتمان
وألذ شَيْء للقلوب فَهَذِهِ ال ... أَخْبَار مَعَ امثالها هِيَ بهجة الايمان ...
стр. 1087
نقل النَّاظِم فِي حادي الارواح قَالَ الطَّبَرَانِيّ فَتحصل فِي الْبَاب مِمَّن روى عَن رَسُول الله ﷺ حَدِيث الرُّؤْيَة ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ نفسا ثمَّ سرد أَسْمَاءَهُم قَالَ وروى الدَّارَقُطْنِيّ عَن يحيى بن معِين قَالَ عِنْدِي سَبْعَة عشر حَدِيثا فِي الرُّؤْيَة كلهَا صِحَاح وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ روينَا فِي اثبات الرُّؤْيَة عَن ابي بكر وَمن تقدم غَيرهم وَلم يرد عَن اُحْدُ نَفيهَا وَلَو كَانُوا فِيهَا مُخْتَلفين لنقل اخْتلَافهمْ الينا فَعلمنَا أَنهم كَانُوا على القَوْل بِرُؤْيَتِهِ بالأبصار فِي الْآخِرَة متفقين وَقد دلّ الْقُرْآن وَالسّنة المتواترة واجماع الصَّحَابَة وائمة الاسلام واهل الحَدِيث عِصَابَة الاسلام ويزك الايمان وخاصة رَسُول الله ﷺ على أَن الله سُبْحَانَهُ يرى يَوْم الْقِيَامَة بالابصار كَمَا يرى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر صحرا وكما ترى الشَّمْس فِي الظهيرة فان كَانَ لما اخبر الله وَرَسُوله عَنهُ من ذَلِك حَقِيقَة فَلَا يُمكن أَن يروه إِلَّا من فَوْقهم لاستحاله أَن يروه أَسْفَل مِنْهُم أَو خَلفهم وأمامهم أَو عَن شمائلهم وان لم يكن لما أخبر بِهِ حَقِيقَة كَمَا تَقوله فروخ الصائبه والفلاسفة وَالْمَجُوس والفرعونية والمعتزلة والرافضة وَغَيرهم من أهل الْبدع بَطل الشَّرْع وَالْقُرْآن فَإِن الَّذِي جَاءَ بِهَذِهِ الاحاديث هُوَ الَّذِي جَاءَ بِالْقُرْآنِ والشريعة وَالَّذِي بلغَهَا هُوَ الَّذِي بلغ الدّين فَلَا يجوز أَن يَجْعَل كَلَام الله وَرَسُوله عضين حَيْثُ يُؤمن بِبَعْض وَيكفر بِبَعْض فَلَا يجْتَمع فِي قلب العَبْد بعد الِاطِّلَاع على هَذِه الاحاديث وَفهم مَعْنَاهَا انكارها وَالشَّهَادَة بِأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله أبدا وَالْحَمْد لله الَّذِي هدَانَا لهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله لقد جَاءَت رسل رَبنَا بِالْحَقِّ والمنحرفون فِي بَاب رُؤْيَة الرب ﵎ نَوْعَانِ أَحدهمَا من يزْعم أَنه يرى فِي الدُّنْيَا ويحاضر ويسامر وَالثَّانِي من يزْعم
стр. 1088
أَنه لَا يرى فِي الْآخِرَة الْبَتَّةَ وَلَا يكلم عباده وَمَا أخبر بِهِ الله وَرَسُوله وَأجْمع عَلَيْهِ الصَّحَابَة والائمة يكذب الْفَرِيقَيْنِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق ... وَالله لَوْلَا رُؤْيَة الرَّحْمَن فِي الجنات مَا طابت لذِي الْعرْفَان ... أَعلَى النَّعيم نعيم رُؤْيَة وَجهه ... وخطابه فِي جنَّة الْحَيَوَان ... وَأَشد شَيْء فِي الْعَذَاب حجابه ... سُبْحَانَهُ عَن سَاكِني النيرَان
وَإِذا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ نسوا الَّذِي ... هم فِيهِ مِمَّا نَالَتْ العينان ...
قَوْله أَعلَى النَّعيم نعيم رُؤْيَة وَجهه الخ أَي ان أَعلَى نعيم اهل الْجنَّة هُوَ نعيم رُؤْيَة وَجه رَبهم تَعَالَى كَمَا فِي حَدِيث صُهَيْب الَّذِي رَوَاهُ مُسلم قَالَ قَرَأَ رَسُول الله ﷺ هَذِه الْآيَة وَقَالَ يكْشف الْحجاب فَيَنْظُرُونَ اليه فَمَا أَعْطَاهُم شَيْئا أحب اليهم من النّظر اليه وَهِي الزِّيَادَة وَفِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ ابْن ماجة مَرْفُوعا بَينا أهل الْجنَّة فِي نعيمهم اذ سَطَعَ لَهُم نور فَرفعُوا رؤوسهم فاذا الرب ﷻ قد اشرف عَلَيْهِم من فَوْقهم فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الْجنَّة وَهُوَ قَول الله ﴿سَلام قولا من رب رَحِيم﴾ يس فَلَا يلتفتون الى شَيْء مِمَّا هم فِيهِ من النَّعيم مَا داموا ينظرُونَ اليه حَتَّى يحتجب عَنْهُم الحَدِيث قَوْله
وَأَشد شَيْء فِي الْعَذَاب حجابه الخ دَلِيله قَوْله تَعَالَى ﴿كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون﴾ المطففين ... فاذا توارى عَنْهُم عَادوا الى ... لذاتهم من سَائِر الألوان ...
стр. 1089
فَلهم نعيم عِنْد رُؤْيَته سوى ... هَذَا النَّعيم فحبذا الْأَمْرَانِ ... أَو مَا سَمِعت سُؤال أعرف خلقه ... بجلاله الْمَبْعُوث بِالْقُرْآنِ ... شوقا اليه وَلَذَّة النّظر الَّذِي ... بِجلَال وَجه الرب ذِي السُّلْطَان
فالشوق لَذَّة روحه فِي هَذِه الدُّنْيَا وَيَوْم الْقِيَامَة الابدان ... تلتذ بِالنّظرِ الَّذِي فازت بِهِ ... دون الْجَوَارِح هَذِه العينان ...
يَعْنِي الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الامام احْمَد وَالْحَاكِم فِي صَحِيحه من حَدِيث زيد بن ثَابت وَفِيه وَأَسْأَلك لَذَّة النّظر إِلَى وَجهك والشوق الى لقائك ... وَالله مَا فِي هَذِه الدُّنْيَا ألذ من اشتياق العَبْد الرَّحْمَن
وكذاك رُؤْيَة وَجهه سُبْحَانَهُ ... هِيَ أكمل اللَّذَّات للانسان
لكنما الجهمي يُنكر ذَا وَذَا ... وَالْوَجْه أَيْضا خشيَة الْحدثَان
تَبًّا لَهُ المخدوع أنكر وَجهه ... ولقاءه ومحبة الديَّان
وَكَلَامه وَصِفَاته وعلوه ... وَالْعرش عطله من الرَّحْمَن
فتراه فِي وَاد ورسل الله فِي ... وَاد وَذَا من أعظم الكفران ...
стр. 1090
فصل
فِي كَلَام الرب ﷻ مَعَ أهل الْجنَّة
... اَوْ مَا سَمِعت بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ ... حَقًا يكلم حزبه بجنان
فَيَقُول ﷻ هَل أَنْتُم ... راضون قَالُوا نَحن ذُو رضوَان
أم كَيفَ لَا نرضى وَقد أعطيناه ... مالم ينله قطّ من انسان
هَل تمّ شَيْء غير ذَا فَيكون أفضل مِنْهُ نَسْأَلهُ من المنان ... فَيَقُول أفضل مِنْهُ رِضْوَانِي فَلَا ... يغشاكم سخط من الرَّحْمَن ... وَيذكر الرَّحْمَن واحدهم بِمَا ... قد كَانَ مِنْهُ سالف الْأَزْمَان
مِنْهُ اليه لَيْسَ ثمَّ وساطة ... مَا ذَاك توبيخا من الرَّحْمَن
لَكِن يعرفهُ الَّذِي قد ناله ... من فَضله وَالْعَفو والاحسان
وَيسلم الرَّحْمَن ﷻ ... حَقًا عَلَيْهِم وَهُوَ فِي الْقُرْآن ...
فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله يَقُول لأهل الْجنَّة يَا أهل الْجنَّة فَيَقُولُونَ لبيْك رَبنَا وَسَعْديك فَيَقُول هَل رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لنا لَا نرضى وَقد أَعطيتنَا مَا لم تعط أحدا من خلقك فَيَقُول أَنا أُعْطِيكُم أفضل من ذَلِك قَالُوا رَبنَا
стр. 1091
وَأي شَيْء أفضل من ذَلِك قَالَ احل عَلَيْكُم رِضْوَانِي فَلَا أَسخط أبدا وَمن تراجم البُخَارِيّ عَلَيْهِ بَاب كَلَام الرب ﵎ مَعَ أهل الْجنَّة وسَاق فِيهِ عدَّة أَحَادِيث وَقد أخبر سُبْحَانَهُ أَنه يسلم على أهل الْجنَّة وَأَن ذَلِك السَّلَام حَقِيقَة وَهُوَ قَوْله ﴿سَلام قولا من رب رَحِيم﴾ يس وَقد فسر النَّبِي ﷺ الْآيَة فِي حَدِيث جَابر فِي الرُّؤْيَة وَأَنه يشرف عَلَيْهِم من فَوْقهم وَيَقُول سَلام عَلَيْكُم يَا أهل الْجنَّة فيرونه عيَانًا وَفِي هَذَا اثبات الرُّؤْيَة والتكليم والعلو والمعطلة تنكر هَذِه الْأُمُور الثَّلَاثَة وتكفر الْقَائِل بهَا وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي سوق الْجنَّة قَالَ النَّبِي ﷺ وَلَا يبْقى اُحْدُ فِي ذَلِك الْمجْلس إِلَّا حاضره الله محاضرة فَيَقُول يَا فلَان أَتَذكر يَوْم فعلت كَذَا وَكَذَا الحَدِيث وَفِي حَدِيث عدي بن حَاتِم مامنكم من اُحْدُ إِلَّا سيكلمه ربه يَوْم الْقِيَامَة وَحَدِيث عدي بن حَاتِم مامنكم من أحد إِلَّا سيكلمه ربه يَوْم الْقِيَامَة وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي الرُّؤْيَة وَفِيه فَيَقُول ﵎ للْعَبد ألم أكرمك وأسودك الحَدِيث وَحَدِيث انس فِي يَوْم الْمَزِيد ومخاطبته فِيهِ لأهل الْجنَّة مرَارًا وَبِالْجُمْلَةِ فَتَأمل أَحَادِيث الرُّؤْيَة تَجِد فِي أَكْثَرهَا التكليم ... وكذاك يسمعهم لذيذ خطابه ... سُبْحَانَهُ بِتِلَاوَة الْفرْقَان
فكأنهم لم يسمعوه قبل ذَا ... هَذَا رَوَاهُ الْحَافِظ الطَّبَرَانِيّ
هَذَا سَماع مُطلق وسماعنا الْقُرْآن فِي الدُّنْيَا فنوع ثَانِي ... وَالله يسمع قَوْله بوساطة ... وبدونها نَوْعَانِ معروفان ... فسماع مُوسَى لم يكن بوساطة ... وسماعنا بتوسط الانسان
من صير النَّوْعَيْنِ نوعا وَاحِدًا ... فمخالف لِلْعَقْلِ وَالْقُرْآن ...
стр. 1092
روى ابو الشَّيْخ عَن صَالح بن حَيَّان عَن عبد الله بن بريده قَالَ إِن أهل الْجنَّة يدْخلُونَ كل يَوْم مرَّتَيْنِ على الْجَبَّار ﷻ فَيقْرَأ عَلَيْهِم الْقُرْآن وَقد جلس كل امرىء مِنْهُم مَجْلِسه الَّذِي هُوَ مَجْلِسه على مَنَابِر الدّرّ والياقوت والزبرجد والزمرد فَلم تقْرَأ أَعينهم بشىء وَلم يسمعوا شَيْئا قطّ أعظم وَلَا أحسن مِنْهُ ثمَّ يَنْصَرِفُونَ الى رحالهم ناعمين قريرة أَعينهم بشىء إِلَى مثلهَا من الْغَد
قَوْله فسماع مُوسَى لم يكن بوساطة أَي ان مُوسَى ﵇ سمع كَلَام الله تَعَالَى بِغَيْر وساطة وَأما سَمَاعنَا كَلَام الله فَهُوَ بوساطة
قَوْله من صير النَّوْعَيْنِ نوعا وَاحِدًا أَي كالجهمية وأتباعهم ومخالفتهم لِلْعَقْلِ وَالْقُرْآن ظَاهِرَة
فصل
فِي يَوْم الْمَزِيد وَمَا أعد الله لَهُم فِيهِ من الْكَرَامَة
... أَو مَا سَمِعت بشأنهم يَوْم الْمَزِيد وَأَنه شَأْن عَظِيم الشان ... هُوَ يَوْم جمعتنَا وَيَوْم زِيَارَة الرَّحْمَن وَقت صَلَاتنَا وأذان
وَالسَّابِقُونَ إِلَى الصَّلَاة هم الألى ... فازوا بِذَاكَ السَّبق بالاحسان
سبق بسبق والمؤخر هَاهُنَا ... مُتَأَخّر فِي ذَلِك الميدان
وَالْأَقْرَبُونَ إِلَى الامام فهم أولو الزلفى هُنَاكَ فها هُنَا قرْبَان ... قرب بِقرب والمباعد مثله ... بعد ببعد حِكْمَة الديَّان ...
стр. 1093
وَلَهُم مَنَابِر لُؤْلُؤ وَزَبَرْجَد ... ومنابر الْيَاقُوت والعقيان
هَذَا وأدناهم وَمَا فيهم دنا ... من فَوق ذَاك الْمسك كالكثبان
مَا عِنْدهم أهل المنابر فَوْقهم ... مِمَّا يرَوْنَ بهم من الاحسان
فيرون رَبهم تَعَالَى جهرة ... نظر العيان كَمَا يرى القمران
ويحاضر الرَّحْمَن واحدهم محا ... ضرَّة الحبيب يَقُول يَا بن فلَان
هَل تذكر الْيَوْم الَّذِي قد كنت فِيهِ مبارزا بالذنب والعصيان ... فَيَقُول رب أما مننت بغفرة ... قدما فانك وَاسع الغفران ... فَيُجِيبهُ الرَّحْمَن مغفرتي الَّتِي ... قد أوصلتك إِلَى الْمحل الداني ...
يُشِير إِلَى حَدِيث أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ أَتَانِي جِبْرِيل ﵇ وَفِي يَده مرْآة بَيْضَاء فِيهَا نُكْتَة سَوْدَاء فَقلت مَا هَذَا يَا جِبْرِيل قَالَ هَذِه الْجُمُعَة يعرضهَا عَلَيْك رَبك لتَكون لَك عيدا ولقومك من بعْدك تكون انت الاول وَتَكون الْيَهُود وَالنَّصَارَى من بعْدك قلت مَا لنا فِيهَا قَالَ لكم فِيهَا خير فِيهَا سَاعَة من دَعَا الله تَعَالَى فِيهَا بِخَير قسم لَهُ أعطَاهُ اياه اَوْ لَيْسَ لَهُ قسم إِلَّا ذخر لَهُ مَا هُوَ أعظم مِنْهُ قلت مَا هَذِه النُّكْتَة السَّوْدَاء فِيهَا قَالَ هِيَ السَّاعَة تقوم يَوْم الْجُمُعَة وَهُوَ سيد الايام عندنَا وَنحن نَدْعُوهُ يَوْم الْمَزِيد فِي الْآخِرَة قلت وَمَا تَدعُونَهُ يَوْم الْمَزِيد قَالَ ان رَبك اتخذ فِي الْجنَّة وَاديا أفيح من مسك ابيض فاذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة نزل ﵎ من عليين على كرسيه ثمَّ
стр. 1094
حف الْكُرْسِيّ بمنابر من نور ثمَّ جَاءَ النَّبِيُّونَ حَتَّى يجلسوا عَلَيْهَا ثمَّ حف المنابر بكراسي من ذهب ثمَّ جَاءَ الصديقون وَالشُّهَدَاء حَتَّى يجلسوا عَلَيْهَا ثمَّ جَاءَ أهل الْجنَّة حَتَّى يجلسوا على الكثب فيتجلى لَهُم رَبهم حَتَّى ينْظرُوا إِلَى وَجهه ثمَّ يَقُول أَنا صدقتكم وعدي وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي وَهَذَا مَحل كَرَامَتِي فيسألونه ويسألونه حَتَّى تَنْتَهِي رغبتهم فَيفتح لَهُم عِنْد ذَلِك مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر الى أَوَان منصرف النَّاس من يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ يصعد على كرسيه ويصعد مَعَه الصديقون وَالشُّهَدَاء وَيرجع أهل الغرف إِلَى غرفهم درة بَيْضَاء لَا فَصم فِيهَا وَلَا نظم أَو ياقوتة حَمْرَاء أَو زبرجدة خضراء فِيهَا غرفها وأبوابها مطردَة فِيهَا أنهارها متدلية فِيهَا ثمارها فِيهَا أزواجها وخدمها فليسوا إِلَى شَيْء أحْوج مِنْهُم إِلَى يَوْم الْجُمُعَة ليزدادوا من كرامته وليزدادوا نظرا الى وَجهه فَلذَلِك دعِي يَوْم الْمَزِيد أخرجه عبد الله ابْن احْمَد فِي كتاب السّنة
قَوْله وَالسَّابِقُونَ الى الصَّلَاة الخ روى أَبُو نعيم وَأَبُو النَّضر وَجَمَاعَة قَالُوا حَدثنَا المَسْعُودِيّ عَن الْمنْهَال بن عَمْرو وَعَن أبي عُبَيْدَة عَن عبد الله قَالَ سارعوا الى الْجُمُعَة فان الله ينزل لأهل الْجنَّة فِي كل جُمُعَة فِي كثب من كافور ابيض فيكونون مِنْهُ فِي الْقرب على قدر تسارعهم إِلَى الْجُمُعَة
стр. 1095
فصل
فِي الْمَطَر الَّذِي يصيبهم هُنَاكَ ... ويظلهم إِذْ ذَاك مِنْهُ سَحَابَة ... تَأتي بِمثل الوابل الهتان
بيناهم فِي النُّور إِذْ اغشيتهم ... سُبْحَانَ منشيها من الرضْوَان
فتظل تمطرهم بِطيب مَا رَأَوْا ... شبها لَهُ فِي سالف الْأَزْمَان
فيزيدهم هَذَا جمالا فَوق مَا ... بهم وَتلك مواهب المنان ...
روى ابْن ابي عَاصِم فِي كتاب السّنة عَن سعيد بن الْمسيب أَنه لَقِي ابا هُرَيْرَة فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة اسْأَل الله أَن يجمع بيني وَبَيْنك فِي سوق الْجنَّة قَالَ سعيد أَو فِيهَا سوق قَالَ نعم أَخْبرنِي رَسُول الله ﷺ أَن أهل الْجنَّة إِذا دخلوها نزلوها بِفضل أَعْمَالهم فَيُؤذن لَهُم فِي مِقْدَار يَوْم الْجُمُعَة من ايام الدُّنْيَا فيزورون الله ﵎ فيبرز لَهُم عَرْشه ويتبدى لَهُم فِي رَوْضَة من رياض الْجنَّة فَيُوضَع لَهُم مَنَابِر من نور ومنابر من لُؤْلُؤ ومنابر من زبرجد ومنابر من ياقوت ومنابر من ذهب ومنابر من فضَّة وَيجْلس أَدْنَاهُم وَمَا فيهم دني على كُثْبَان الْمسك والكافور مَا يرَوْنَ ان أَصْحَاب الكراسي بَافضل مِنْهُم مَجْلِسا قَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَة وَهل نرى رَبنَا قَالَ نعم هَل تمارون فِي رُؤْيَة الشَّمْس وَالْقَمَر ليله الْبَدْر قُلْنَا لَا قَالَ فَكَذَلِك لَا تمارون فِي رُؤْيَة ربكُم وَلَا يبْقى فِي ذَلِك الْمجْلس أحد الا حاضره
стр. 1096
الله محاضرة حَتَّى يَقُول يَا فلَان بن فلَان أَتَذكر يَوْم فعلت كَذَا وَكَذَا فيذكره بِبَعْض عذراته فِي الدُّنْيَا فَيَقُول بلَى أفلم تغْفر لي فَيَقُول بلَى فبمغفرتي بلغت منزلتك هَذِه فبيناهم على ذَلِك غشيتهم سَحَابَة من فَوْقهم فأمطرت عَلَيْهِم طيبا لم يَجدوا مثل رِيحه شَيْئا قطّ قَالَ ثمَّ يَقُول رَبنَا ﵎ قومُوا الى مَا أَعدَدْت لكم من الْكَرَامَة فَخُذُوا مَا اشتهيتم قَالَ فَيَأْتُونَ سوقا قد حفت بهَا الْمَلَائِكَة فِيهِ مالم تنظر الْعُيُون الى مثله وَلم تسمع الآذان وَلم يخْطر على الْقُلُوب قَالَ فَيحمل لنا مَا اشتهينا لَيْسَ يُبَاع وَلَا يشرى وَفِي ذَلِك السُّوق يلقى أهل الْجنَّة بَعضهم بَعْضًا قَالَ فَيقبل ذُو البزة المرتفعة فَيلقى من هُوَ دونه وَمَا فيهم دني فيروعه مَا يرى عَلَيْهِ من اللبَاس والهيئة فَمَا يَنْقَضِي آخر حَدِيثه حَتَّى يتَمَثَّل لَهُ أحسن من ذَلِك وَذَلِكَ أَنه لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يحزن فِيهَا قَالَ ثمَّ ننصرف الى مَنَازلنَا فيلقانا أَزوَاجنَا فيقلن مرْحَبًا وَأهلا لقد جئتنا وَإِن بك من الْجمال وَالطّيب أفضل مِمَّا فارقتنا عَلَيْهِ فَيَقُول انا جالسنا الْيَوْم رَبنَا الْجَبَّار ويحق لنا ان ننقلب بِمثل مَا انقلبنا وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ
فصل
وَابْن ماجة فِي سوق الْجنَّة الَّذِي يَنْصَرِفُونَ اليه من ذَلِك الْمجْلس
... فَيَقُول ﷻ لَهُ قومُوا الى ... مَا قد ذخرت لكم من الاحسان ...
стр. 1097
.. يأْتونَ سوقا لَا يُبَاع وَيَشْتَرِي ... فِيهِ فَخذ مِنْهُ بِلَا أَثمَان
قد اسلف التُّجَّار أَثمَان الْمَبِيع بعقدهم فِي بيعَة الرضْوَان ... لله سوق قد اقامته الملا ... ئكة الْكِرَام بِكُل مَا احسان ... فِيهَا الَّذِي وَالله لَا عين رَأَتْ ... كلا وَلَا سَمِعت بِهِ أذنان
كلا وَلم يخْطر على قلب امرىء فَيكون عَنهُ معبرا بِلِسَان ... فَيرى امْرَءًا من فَوْقه فِي هَيْئَة ... فيروعه مَا تنظر العينان
فاذا عَلَيْهِ مثلهَا اذ لَيْسَ يلْحق أَهلهَا شَيْء من الأحزان ... واها لذا السُّوق الَّذِي من حلّه ... نَالَ التهاني كلهَا بِأَمَان ... يدعى بسوق تعارف مَا فِيهِ من ... صخب وَلَا غش وَلَا ايمان
وتجارة من لَيْسَ تلهيه تجا ر ... ات وَلَا بيع عَن الرَّحْمَن
أهل الْمُرُوءَة والفتوة والتقى ... وَالذكر للرحمن كل أَوَان
يَا من تعوض عَنهُ بِالسوقِ الَّذِي ... ركزت لَدَيْهِ راية الشَّيْطَان
لَو كنت تَدْرِي قدر ذَاك السُّوق لم تركن ... الى سوق الكساد الفاني ...
стр. 1098
فصل
فِي حَالهم عِنْد رجوعهم الى أَهْليهمْ ومنازلهم
... فاذا هم رجعُوا الى اهليهم ... بمواهب حصلت من الرَّحْمَن
قَالُوا لَهُم اهلا ورحبا مَا الَّذِي ... أعطيتم من ذَا الْجمال الثَّانِي
وَالله لَا ازددتم جمالا فَوق مَا ... كُنْتُم عَلَيْهِ قبل هَذَا الْآن
قَالُوا وَأَنْتُم وَالَّذِي أنشأكم ... قد زدتم حسنا على الاحسان
لَكِن يحِق لنا وَقد كُنَّا اذا ... جلساء رب الْعَرْش ذِي الرضْوَان
فهم الى يَوْم الْمَزِيد أَشد شو ... قا من محب للحبيب الداني ...
تقدم حَدِيث ابي هُرَيْرَة فِي شرح مَا تضمنه هَذَا الفصلان فِي الْفَصْل قبلهمَا وَالله أعلم
فصل
فِي خُلُود أهل الْجنَّة ودوام صحتهم ونعيمهم وشبابهم واستحالة النّوم وَالْمَوْت عَلَيْهِم ... هَذَا وخاتمة النَّعيم خلودهم ... ابدا بدار الْخلد والرضوان ...
стр. 1099
.. أَو مَا سَمِعت مُنَادِي الايمان يخبر عَن مناديهم بِحسن بَيَان ... لكم حَيَاة مَا بهَا موت وعا ... فية بِلَا سقم وَلَا أحزان ... وَلكم نعيم مَا بِهِ بؤس وَمَا ... لشبابكم هرم مدى الْأَزْمَان
كلا وَلَا نوم هُنَاكَ يكون ذَا ... نوم وَمَوْت بَيْننَا أَخَوان
هَذَا علمناه اضطرارا من كتا ... ب الله فَافْهَم مُقْتَضى الْقُرْآن
والجهم أفناها وأفني اهلها ... تَبًّا لذاك الْجَاهِل الفتان
طرد النَّفْي دوَام فعل الرب فِي الْمَاضِي وَفِي مُسْتَقْبل الْأَزْمَان ... وابو الْهُذيْل يَقُول يفنى كل مَا ... فِيهَا من الحركات للسكان ... وَتصير دَار الْخلد مَعَ سكانها ... وثمارها كحجارة الْبُنيان
قَالُوا وَلَوْلَا ذَاك لم يثبت لنا ... رب لأجل تسلسل الْأَعْيَان
فالقوم إِمَّا جاحدون لرَبهم ... أَو منكرون حقائق الايمان ...
روى مُسلم عَن ابي سعيد الْخُدْرِيّ وابي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يُنَادي مُنَاد إِن لكم أَن تصحوا فَلَا تسقموا أبدا وان لكم ان تحيوا فَلَا تَمُوتُوا أبدا وان لكم أَن تشبوا فَلَا تهرموا أبدا وان لكم ان تنعموا فَلَا تبأسوا أبدا وَذَلِكَ قَول الله ﴿ونودوا أَن تلكم الْجنَّة أورثتموها بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ الْأَعْرَاف وروى نَحوه عُثْمَان بن ابي شيبَة مُخْتَصرا
قَوْله هَذَا علمناه اضطرارا الخ يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿ونودوا أَن تلكم الْجنَّة أورثتموها بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾
стр. 1100
وروى ابْن مرْدَوَيْه عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ النّوم أَخُو الْمَوْت وَأهل الْجنَّة لَا ينامون وروى الطَّبَرَانِيّ عَنهُ بِلَفْظ قَالَ سُئِلَ نَبِي الله ﷺ فَقيل أَيَنَامُ أهل الْجنَّة فَقَالَ النّوم اخو الْمَوْت وَأهل الْجنَّة لَا ينامون
قَوْله والجهم أفناها الخ تقدم الْكَلَام فِي معنى فنَاء الْجنَّة وَالنَّار عِنْد الْجَهْمِية وفناء حركاتهما عِنْد ابي الْهُذيْل بِمَا أغْنى عَن الاعادة
فصل
فِي ذبح الْمَوْت بَين الْجنَّة وَالنَّار وَالرَّدّ على من قَالَ ان الذّبْح لملك الْمَوْت وان ذَلِك مجَاز لَا حَقِيقَة لَهُ
... أَو مَا سَمِعت بذَبْحه للْمَوْت بَين المنزلين كذبح كَبْش الضان ... حاشا لذا الْملك الْكَرِيم وانما ... هُوَ موتنا المحتوم للانسان ... وَالله ينشىء مِنْهُ كَبْشًا املحا ... يَوْم الْمعَاد يرى لنا بعيان
ينشي من الاعراض أجساما كَذَا ... بِالْعَكْسِ كل قَابل الامكان ...
عَن ابي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يجاء بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَح فَيتَوَقَّف بَين الْجنَّة وَالنَّار فَيُقَال يَا أهل الْجنَّة هَل تعرفُون هَذَا فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُونَ نعم هَذَا الْمَوْت ثمَّ يُقَال يَا أهل النَّار هَل تعرفُون هَذَا فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ نعم هَذَا الْمَوْت قَالَ فَيُؤْمَر بِهِ فَيذْبَح ثمَّ يُقَال يَا أهل الْجنَّة خُلُود فَلَا موت وَيَا أهل
стр. 1101
النَّار خُلُود فَلَا موت ثمَّ قَرَأَ رَسُول الله ﷺ ﴿وَأَنْذرهُمْ يَوْم الْحَسْرَة﴾ مَرْيَم الْآيَة مُتَّفق عَلَيْهِ وَعَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا صَار أهل الْجنَّة إِلَى الْجنَّة وَأهل النَّار إِلَى النَّار أُتِي بِالْمَوْتِ حَتَّى يَجْعَل بَين الْجنَّة وَالنَّار ثمَّ يذبح ثمَّ يُنَادي مُنَاد يَا أهل الْجنَّة لَا موت فَيَزْدَاد أهل الْجنَّة فَرحا الى فَرَحهمْ ويزداد أهل النَّار حزنا الى حزنهمْ وَعَن ابي هُرَيْرَة ان رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة وَأهل النَّار النَّار أُتِي بِالْمَوْتِ ملببا فَيُوقف على السُّور الَّذِي بَين أهل الْجنَّة واهل النَّار ثمَّ يُقَال يَا اهل الْجنَّة فيطلعون خَائِفين ثمَّ يُقَال يَا أهل النَّار فيطلعون مستبشرين يرجون الشَّفَاعَة فَيُقَال لأهل الْجنَّة واهل النَّار هَل تعرفُون هَذَا فَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء قد عَرفْنَاهُ وَهُوَ الْمَوْت الَّذِي وكل بِنَا فيضجع فَيذْبَح ذبحا على السُّور ثمَّ يُقَال يَا أهل الْجنَّة خُلُود لَا موت وَيَا أهل النَّار خُلُود لَا موت رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح
قَالَ النَّاظِم فِي حادي الْأَرْوَاح وَهَذَا الْكَبْش والاضجاع وَالذّبْح ومعاينة الْفَرِيقَيْنِ ذَلِك حَقِيقَة لَا خيال وَلَا تَمْثِيل كَمَا أَخطَأ فِيهِ بعض النَّاس خطأ قبيحا قَالَ الْمَوْت عرض وَالْعرض لَا يتجسم فضلا عَن أَن يذبح وَهَذَا لَا يَصح فان الله سُبْحَانَهُ وينشيء من الْمَوْت صُورَة كَبْش يذبح كَمَا ينشىء من الْأَعْمَال صورا مُعَاينَة يُثَاب بهَا ويعاقب وَالله تَعَالَى ينشئ من الْأَعْرَاض أجساما تكون الْأَعْرَاض مَادَّة لَهَا وينشىء من الْأَجْسَام أعراضا وَمن الْأَجْسَام أجساما فالأقسام الْأَرْبَعَة مُمكنَة مقدورة للرب ﵎ وَلَا يسْتَلْزم جمعا بَين النقيضين وَلَا شَيْئا من الْمحَال وَلَا حَاجَة الى تكلّف من قَالَ إِن الذّبْح لملك الْمَوْت فَهَذَا كُله من الِاسْتِدْرَاك الْفَاسِد على الله
стр. 1102
وَرَسُوله والتأويل الْبَاطِل الَّذِي لَا يُوجِبهُ عقل وَلَا نقل وَسَببه قلَّة الْفَهم لمراد الرَّسُول من كَلَامه فَظن هَذَا الْقَائِل أَن لفظ الحَدِيث دلّ على أَن نفس الْعرض يذبح وَظن غالط آخر أَن الْعرض يعْدم وَيَزُول وَيصير مَكَانَهُ جسم يذبح وَلم يهتد الْفَرِيقَانِ الى هَذَا القَوْل الَّذِي ذَكرْنَاهُ الى آخر مَا ذكره ثمَّ احْتج النَّاظِم لما ذكره بِأَن أَعمال الْعباد توزن فتخف تَارَة وتثقل أُخْرَى فَقَالَ ... أفما تصدق أَن أَعمال العبا ... د تحط يَوْم الْعرض فِي الْمِيزَان
وكذاك تثقل تَارَة وتخف اخرى ذَاك فِي الْقُرْآن ذُو تبيان ... وَله لِسَان كفتاه تُقِيمهُ ... والكتفان اليه ناظرتان ... مَا ذَاك أمرا معنويا بل هُوَ المحسوس حَقًا عِنْد ذِي الايمان ...
أَقُول يدل لما ذكره النَّاظِم أَن الْأَعْمَال توزن يَوْم الْقِيَامَة فتثقل تَارَة وتخف أُخْرَى كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَنَضَع الموازين الْقسْط ليَوْم الْقِيَامَة فَلَا تظلم نفس شَيْئا وَإِن كَانَ مِثْقَال حَبَّة من خَرْدَل أَتَيْنَا بهَا﴾ الْأَنْبِيَاء الْآيَة وَذَلِكَ أَمر محسوس فتوزن الْأَعْمَال بميزان لَهُ كفتان ولسان وَلَيْسَ ذَلِك أمرا معنويا بل هُوَ محسوس وَالله أعلم ... أَو مَا سَمِعت بِأَن تَسْبِيح العبا ... د وَذكرهمْ وَقِرَاءَة الْقُرْآن ... ينشيه رب الْعَرْش فِي صور تجا ... دلّ عَنهُ يَوْم قِيَامَة الْأَبدَان ... أَو مَا سَمِعت بِأَن ذَلِك حول عر ... ش الرب ذُو صَوت وَذُو دوران
يشفعن عَن الرب ﷻ ... ويذكرون بِصَاحِب الاحسان ...
стр. 1103
.. أَو مَا سَمِعت بِأَن ذَلِك مؤنس ... فِي الْقَبْر للملفوف فِي الأكفان
فِي صُورَة الرجل الْجَمِيل الْوَجْه فِي ... سنّ الشَّبَاب كأجمل الشَّبَاب ...
فِي الحَدِيث أَن مَا تذكرُونَ من جلال الله وتسبيحه وتحميده وتهليله يتعاطفن حول الْعَرْش لَهُنَّ دوِي كَدَوِيِّ النَّحْل يذكرن بصاحبهن ذكره أَحْمد وَكَذَلِكَ قَوْله فِي حَدِيث عَذَاب الْقَبْر ونعيمة للصورة الَّتِي يَرَاهَا فَيَقُول من أَنْت فَيَقُول أَنا عَمَلك الصَّالح وَأَنا عَمَلك السيىء وَهَذَا حَقِيقَة لَا خيال وَلَكِن الله أنشأ لَهُ من عمله صُورَة حَسَنَة وَصُورَة قبيحة وَقَالَ قَتَادَة بلغنَا أَن ٠ نَبِي الله ﷺ قَالَ ان الْمُؤمن اذا خرج من قَبره صور لَهُ عمله فِي صُورَة حَسَنَة فَيَقُول لَهُ من أَنْت فوَاللَّه إِنِّي لأرَاك امْرأ الصدْق فَيَقُول لَهُ أَنا عَمَلك فَيكون لَهُ نورا وَقَائِدًا إِلَى الْجنَّة وَأما الْكَافِر اذا خرج من قَبره صور لَهُ عمله فِي صُورَة سَيِّئَة وَبشَارَة سَيِّئَة فَيَقُول مَا أَنْت فوَاللَّه إِنِّي لأرَاك أمرأ السوء فَيَقُول أَنا عَمَلك فَينْطَلق بِهِ حَتَّى يدْخلهُ النَّار ... أَو مَا سَمِعت بِأَن مَا نتلوه فِي ... أَيَّام هَذَا الْعُمر من قُرْآن
يَأْتِي يُجَادِل عَنْك يَوْم الْحَشْر للرحمن كي ينجيك من نيران ... فِي صُورَة الرجل الَّذِي هُوَ شاحب ... يَا حبذا ذَاك الشَّفِيع الداني ... أَو مَا سَمِعت حَدِيث صدق قد أَتَى ... فِي سورتين من اول الْقُرْآن
فرقان من طير صواف بَينهَا ... شَرق وَمِنْه الضَّوْء ذُو تبيان
شبههما بغمامتين وان تشأ ... بغيايتين هما لذا مثلان ...
стр. 1104
هَذَا مِثَال الْأجر وَهُوَ فعالنا كتلاوة الْقُرْآن بالاحسان
فالموت ينشيه لنا فِي صُورَة خلاقة حَتَّى يرى بعيان
وَالْمَوْت مَخْلُوق بِنَصّ الْوَحْي والمخلوق يقبل سَائِر الألوان
فِي نَفسه وبنشأة أُخْرَى بقد رة خَالق الْأَعْرَاض والألوان
أَو مَا سَمِعت بِقَلْبِه سُبْحَانَهُ الْأَعْيَان من لون إِلَى ألوان
وَكَذَلِكَ الْأَعْرَاض يقلب رَبهَا أعيانها وَالْكل ذُو إِمْكَان
لم يفهم الْجُهَّال هَذَا كُله فَأتوا بتأويلات ذِي الْبطلَان
فمكذب ومؤول ومحير مَا ذاق طعم حلاوة الايمان
لما فسا الْجُهَّال فِي آذانه أعموه دون تدبر الْقُرْآن
فَثنى لنا العطفين مِنْهُ تكبرا وتبخترا فِي حلَّة الهذيان
إِن قلت قَالَ الله قَالَ رَسُوله فَيَقُول جهلا أَيْن قَول فلَان ...
فِي الصَّحِيح عَن النواس بن سمْعَان الْكلابِي قَالَ سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول يُؤْتى بِالْقُرْآنِ يَوْم الْقِيَامَة وَأَهله الَّذين كَانُوا يعْملُونَ بِهِ تقدمه سُورَة الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَضرب لَهما رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة أَمْثَال مَا نسيتهن بعد قَالَ كَأَنَّهُمَا غمامتان أَو ظلتان سوداوان بَينهمَا شَرق أَو كَأَنَّهُمَا فرقان من طير صواف تحاجان عَن صَاحبهمَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم قَالَ أهل اللُّغَة الغمامة والغياية كل شَيْء أظل الانسان فَوق رَأسه من سَحَابَة وغبرة وَغَيرهمَا قَالَ الْعلمَاء المُرَاد أَن ثوابهما يَأْتِي كغمامتين وَقَوله ﷺ أَو كَأَنَّهُمَا فرقان من طير صواف وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى كَأَنَّهُمَا
стр. 1105
حزقان من طير صَاف الْفرْقَان بِكَسْر وَإِسْكَان الرَّاء والحزقان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة واسكان الزَّاي ومعناهما وَاحِد وهما قطيعان وجماعتان يُقَال فِي الْوَاحِد فرق وحزق وحزيقة أَي جمَاعَة
قَوْله أَو ظلتان سوداوان بَينهمَا شَرق الشرق بِفَتْح الرَّاء واسكانها أَي ضِيَاء وَنور وَفِي الصَّحِيح عَنهُ ﷺ تَجِيء الْبَقَرَة وَآل عمرَان يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُمَا غمامتان الحَدِيث فَهَذِهِ الْقِرَاءَة ينشئها الله تَعَالَى غمامتين فان الله سُبْحَانَهُ ينشيء من الْأَعْرَاض أجساما ويجعلها مَادَّة لَهَا وَذكر ابْن الْمُبَارك فِي رقائقه أخبرنَا رجل عَن زيد بن أسلم قَالَ بَلغنِي أَن الْمُؤمن يتَمَثَّل لَهُ عمله يَوْم الْقِيَامَة فِي أحسن صُورَة أحسن مَا خلق الله وَجها وثيابا وأطيبه ريحًا فيجلس إِلَى جنبه كلما أفزعه شَيْء أَمنه وَكلما تخوف شَيْئا هون عَلَيْهِ فَيَقُول لَهُ جَزَاك الله من صَاحب خيرا من أَنْت فَيَقُول أما تعرفنِي وَقد صحبتك فِي قبرك وَفِي دنياك أَنا عَمَلك كَانَ وَالله حسنا فَلذَلِك ترَاهُ حسنا وَكَانَ طيبا فَلذَلِك تراني طيبا تَعَالَى فاركبني فطالما ركبتك فِي الدُّنْيَا وَهُوَ قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وينجي الله الَّذين اتَّقوا بمفازتهم﴾ الزمر: ٦١ حَتَّى يَأْتِي إِلَى ربه فَيَقُول رب إِن كل صَاحب عمل فِي الدُّنْيَا قد أصَاب عمله وكل صَاحب تِجَارَة وصانع قد اصاب فِي تِجَارَته غير صَاحِبي قد شغل فِي نَفسه فَيَقُول الرب ﵎ فَمَا تسْأَل قَالَ الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة أَو نَحْو هَذَا فَيَقُول فَإِنِّي غفرت لَهُ ثمَّ يكسى حلَّة الْكَرَامَة وَيجْعَل عَلَيْهِ تَاج الْوَقار وَفِيه لؤلؤة تضيء من مسيرَة يَوْمَيْنِ ثمَّ يَقُول يَا رب إِن أَبَوَيْهِ قد كَانَ شغل عَنْهُمَا وكل صَاحب عمل وتجارة قد كَانَ يدْخل على ابويه من عمله فيعطيان مثل مَا أعطي ويمثل للْكَافِرِ عمله
стр. 1106
فِي صُورَة أقبح مَا خلق الله وَجها وأنتنه ريحًا فيجلس إِلَى جنبه كلما أفزعه شَيْء زَاده وَكلما تخوف من شَيْء زَاده خوفًا فَيَقُول بئس الصاحب أَنْت وَمن أَنْت فَيَقُول وَمَا تعرفنِي فَيَقُول لَا فَيَقُول أَنا عَمَلك كَانَ قبيحا فلذالك تراني قبيحا كَانَ منتنا فَلذَلِك تراني منتنا فطأطيء رَأسك أركبك فطالما ركبتني فِي الدُّنْيَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿ليحملوا أوزارهم كَامِلَة يَوْم الْقِيَامَة﴾ النَّحْل
فصل فِي أَن الْجنَّة قيعان وان اغراسها الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح ... أَو مَا سَمِعت بِأَنَّهَا القيعان فاغرس مَا تشَاء بذا الزَّمَان الفاني ... وغراسها التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير والتحميد والتوحيد للرحمن
تَبًّا لتارك غرسه مَاذَا الَّذِي ... قد فَاتَهُ من مُدَّة الامكان
يَا من يقر بذا وَلَا يسْعَى لَهُ ... بِاللَّه قل لي كَيفَ يَجْتَمِعَانِ
أَرَأَيْت لَو عطلت أَرْضك من غرا ... س مَا الَّذِي تجني من الْبُسْتَان
وكذاك لَو عطلتها من بذرها ... ترجو الْمغل يكون كالكيمان
مَا قَالَ رب الْعَالمين وَعَبده ... هَذَا فراجع مُقْتَضى الْقُرْآن ...
فِي جَامع التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لقِيت إِبْرَاهِيم لَيْلَة أسرِي بِي فَقَالَ يَا مُحَمَّد
стр. 1107
أَقرَأ امتك السَّلَام وَأخْبرهمْ أَن الْجنَّة طيبَة التربة عذبة المَاء وَأَنَّهَا قيعان وَأَن غراسها سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَفِي التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ من قَالَ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ غرست لَهُ نَخْلَة فِي الْجنَّة قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح وروى ابْن ماجة عَن ابي هُرَيْرَة ان رَسُول الله ﷺ مر بِهِ وَهُوَ يغْرس غرسا فَقَالَ يَا ابا هُرَيْرَة مَا الَّذِي تغرس قَالَ غرسا قَالَ أَلا أدلك على غراس خير من هَذَا سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر يغْرس لَك بِكُل وَاحِدَة شَجَرَة فِي الْجنَّة ... وَتَأمل الْبَاء الَّتِي قد عينت ... سَبَب الْفَلاح لحكمة الْفرْقَان
وأظن بَاء النَّفْي قد غرتك فِي ... ذَاك الحَدِيث أَتَى بِهِ الشَّيْخَانِ
لن يدْخل الجنات أصلا كَادِح ... بالسعي مِنْهُ وَلَو على الأجفان
وَالله مَا بَين النُّصُوص تعَارض ... وَالْكل مصدرها عَن الرَّحْمَن
لَكِن بالاثبات والتسبيب وَالْبَاء الَّتِي للنَّفْي بالأثمان ... وَالْفرق بَينهمَا فَفرق ظَاهر ... يدريه ذُو حفظ من الْعرْفَان ...
قَالَ النَّاظِم فِي حادي الْأَرْوَاح روى أَبُو نعيم من حَدِيث جَابر قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَا يدْخل أحدا مِنْكُم عمله الْجنَّة وَلَا يجيره من النَّار وَلَا أَنا إِلَّا بتوحيد الله واسناده على شَرط مُسلم وَأَصله فِي الصَّحِيح وَهَهُنَا أَمر يجب التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَهُوَ أَن الْجنَّة إِنَّمَا تدخل برحمة الله وَلَيْسَ عمل العَبْد مُسْتقِلّا بِدُخُولِهَا وان كَانَ نَبيا وَلِهَذَا أثبت الله دُخُولهَا بِالْأَعْمَالِ فِي
стр. 1108
قَوْله ﴿بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ النَّحْل وَنفى رَسُول الله ﷺ دُخُولهَا بِالْأَعْمَالِ فِي قَوْله لن يدْخل أحد مِنْكُم الْجنَّة بِعَمَلِهِ وَلَا تنَافِي بَين الْأَمريْنِ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا مَا ذكره سُفْيَان وَغَيره قَالَ كَانُوا يَقُولُونَ النجَاة من النَّار بِعَفْو الله وَدخُول الْجنَّة برحمته واقتسام الْمنَازل والدرجات بِالْأَعْمَالِ وَيدل على هَذَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن أهل الْجنَّة إِذا دخلوها نزلُوا فِيهَا بِفضل أَعْمَالهم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ الثَّانِي أَن الْبَاء الَّتِي نفت الدُّخُول هِيَ بَاء الْمُعَارضَة الَّتِي يكون فِيهَا أحد الْعِوَضَيْنِ مُقَابلا للْآخر وَالْبَاء الَّتِي أَثْبَتَت الدُّخُول هِيَ بَاء السَّبَبِيَّة الَّتِي تَقْتَضِي سببيه مَا دخلت عَلَيْهِ لغيره وان لم يكن مُسْتقِلّا بحصوله وَقد جمع النَّبِي ﷺ بَين الْأَمريْنِ فِي قَوْله سددوا وقاربوا وَاعْلَمُوا أَن أحدا مِنْكُم لن ينجو بِعَمَلِهِ قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا يتغمدني الله برحمته وَمن عرف الله سُبْحَانَهُ وَشهد مشْهد حَقه عَلَيْهِ وَشهد تَقْصِيره وذنوبه وَأبْصر هذَيْن المشهدين بِقَلْبِه عرف ذَلِك وَجزم بِهِ وَالله الْمُسْتَعَان انْتهى كَلَامه
فصل فِي أقامة المأتم على المتخلفين عَن رفْقَة السَّابِقين المأتم كمقعد كل مُجْتَمع فِي حزن اَوْ فَرح اَوْ خَاص بِالنسَاء قَالَه فِي الْقَامُوس ... بِاللَّه مَا عذر أمريء هُوَ مُؤمن ... حَقًا بِهَذَا لَيْسَ باليقظان ... بل قلبه فِي رقدة فاذا استفا ... ق فلبسه هُوَ حلَّة الكسلان ...
стр. 1109
.. تالله لَو شاقتك جنَّات النَّعيم طلبتها بنفائس الْأَثْمَان ... وسعيت جهدك فِي وصال نواعم ... وكواعب بيض الْوُجُوه حسان ... جليت عَلَيْك عرائس وَالله لَو ... تجلى على صَخْر من الصوان
رقت حَوَاشِيه وَعَاد لوقته ... ينهال مثل نقى من الكثبان
لَكِن قَلْبك فِي القساوة جَازَ حد الصخر والحصباء فِي اشجان ... لَو هزك الشوق الْمُقِيم وَكنت ذَا ... حسن لما استبدلت بالأدوان
أَو صادفت مِنْك الصِّفَات حَيَاة قلب كنت ذَا طلب لهَذَا الشان ... خود تزف الى ضَرِير مقْعد ... يَا محنة الْحَسْنَاء بالعميان ... شمس تزف اليه مَا ... ذَا حِيلَة الْعنين فِي الغشيان ...
وَمعنى كَلَام النَّاظِم أَنا تلونا عَلَيْك صِفَات الْجنَّة ونعوت عرائسها فَلَو صَادف لَك أدنى حَيَاة قلب مِنْك وايمان لسعيت جهدك فِي طلبَهَا وآثرت النَّعيم الْبَاقِي على الخزف الفاني لَكِن قَلْبك أقسى من الصخر وَلَكِن نَحن بِمَا وَصفنَا لَك من صِفَات الْجنَّة وعرائسها بِمَنْزِلَة من زف خودا وَهِي الْمَرْأَة الْبَيْضَاء الناعمة إِلَى ضَرِير مقْعد أَو زف أجمل النِّسَاء الَّتِي هِيَ كَالشَّمْسِ الى عنين عَاجز عَن الْجِمَاع ... يَا سلْعَة الرَّحْمَن لست رخيصة ... بل أَنْت غَالِيَة على الكسلان
يَا سلْعَة الرَّحْمَن لَيْسَ ينالها ... فِي الْألف الا وَاحِد لَا اثْنَان
يَا سلْعَة الرَّحْمَن مَاذَا كفؤها ... الا اولو التَّقْوَى مَعَ الايمان ...
стр. 1110
.. يَا سلْعَة الرَّحْمَن سوقك كاسد ... بَين الأراذل سلفة الْحَيَوَان
يَا سلْعَة الرَّحْمَن أَيْن المُشْتَرِي ... فَلَقَد عرضت بأيسر الاثمان
يَا سلْعَة الرَّحْمَن هَل من خَاطب ... فالمهر قبل الْمَوْت ذُو إِمْكَان
يَا سلْعَة الرَّحْمَن كَيفَ تصبر الْخطاب عَنْك وهم ذَوُو ايمان ... يَا سلْعَة الرَّحْمَن لَوْلَا أَنَّهَا ... حجبت بِكُل مكاره الانسان ... مَا كَانَ عَنْهَا قطّ من متخلف ... وتعطلت دَار الْجَزَاء الثَّانِي
لَكِنَّهَا حجبت بِكُل كريهة ... ليصد عَنْهَا الْمُبْطل المتواني
وتنالها الهمم الَّتِي تسمو الى ... رب العلى بِمَشِيئَة الرَّحْمَن ...
قَوْله وَلكنهَا حجبت بِكُل كريهة الخ روى البُخَارِيّ وَمُسلم عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ حفت الْجنَّة بالمكاره وحفت النَّار بالشهوات
قَوْله حفت أصل الحفاف الدائر بالشَّيْء الْمُحِيط بِهِ الَّذِي لَا يتَوَصَّل اليه الا بعد أَن يتخطى فَمثل النَّبِي ﷺ المكاره والشهوات بذلك فالجنة لَا تنَال إِلَّا بِقطع مفاوز المكاره وَالصَّبْر عَلَيْهَا وَالنَّار لَا يُنجي مِنْهَا الا بترك الشَّهَوَات وفطام النَّفس عَنْهَا وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه مثل طَرِيق الْجنَّة وَطَرِيق النَّار بتمثيل آخر فَقَالَ طَرِيق الْجنَّة حزن بِرَبْوَةٍ وَطَرِيق النَّار سهل بِسَهْوَةٍ والحزن هُوَ الطَّرِيق الوعر المسلك والربوة الْمَكَان الْمُرْتَفع وَأَرَادَ بِهِ أَعلَى مَا يكون فِي الروابي والسهوة بِالسِّين الْمُهْملَة هُوَ الْموضع السهل الَّذِي لَا غلظ فِيهِ وَلَا وعورة والمكاره كل مَا يشق على النَّفس فعله ويصعب عَلَيْهَا عمله كالطهارة فِي السبرات وَغَيرهَا من
стр. 1111
اعمال الطَّاعَات وَالصَّبْر على المصائب وَجَمِيع المكروهات والشهوات كل مَا يُوَافق النَّفس ويلائمها وَتَدْعُو إِلَيْهِ ويوافقها وَذكر النَّاظِم الْعلَّة فِي حجب الْجنَّة بالمكاره وحف النَّار بالشهوات وَذَلِكَ ليصد عَن الْجنَّة الْمُبْطل المتواني المتقاعد وتنالها الهمم الَّتِي تسمو الى معالي الْأُمُور وتؤثر الْأَعْلَى على الْأَدْنَى وَلَو حصل من ذَلِك أعظم الْمَشَقَّة وَالله أعلم ... فاتعب ليَوْم معادك الْأَدْنَى تَجِد ... راحاته يَوْم الْمعَاد الثَّانِي
واذا أَبَت ذَا الشَّأْن نَفسك فاتهمها ثمَّ رَاجع مطلع الايمان ... فاذا رَأَيْت اللَّيْل بعد وصبحه ... مَا انْشَقَّ عَنهُ عموده لأذان
وَالنَّاس قد صلوا صَلَاة الصُّبْح وَانْتَظرُوا طُلُوع الشَّمْس قرب زمَان ... فَاعْلَم بِأَن الْعين قد عميت فَنًّا ... شدّ رَبك الْمَعْرُوف بالاحسان ...
أَي إِذا كَانَ الصُّبْح قد طلع وَالنَّاس قد صلوا صَلَاة الصُّبْح وَقرب طُلُوع الشَّمْس وَأَنت لجهلك وغفلتك لَا تعلم بِطُلُوع الْفجْر وتظن أَن اللَّيْل لم يزل فَاعْلَم بِأَن عَيْنك قد عميت أَي عين بصيرتك فاسأل رَبك سُبْحَانَهُ ايمانا يُبَاشر قَلْبك المحجوب ... واسأله إِيمَانًا يُبَاشر قَلْبك المحجوب عَنهُ لتنظر العينان
واسأله نورا هاديا يهديك فِي ... طرق الْمسير اليه كل أَوَان
وَالله مَا خوفي الذُّنُوب فانها ... لعلى طَرِيق الْعَفو والغفران
لكنما أخْشَى انسلاخ الْقلب عَن ... تحكيم هَذَا الْوَحْي وَالْقُرْآن
ورضى بآراء الرِّجَال وحرصها ... لَا كَانَ ذَاك بمنة الرَّحْمَن ...
стр. 1112
.. فَبِأَي وَجه ألتقي رَبِّي اذا ... أَعرَضت عَن ذَا الْوَحْي طول زمَان
وعزلته عَمَّا أُرِيد لأَجله ... عزلا حَقِيقِيًّا بِلَا كتمان
صرحت أَن يقيننا لَا يُسْتَفَاد بِهِ وَلَيْسَ لَدَيْهِ من إتقان ... أوليته هجرا وتأويلا وتحريفا وتفويضا بِلَا برهَان
وسعيت جهدي فِي عُقُوبَة مُمْسك ... بعراه لَا تَقْلِيد رَأْي فلَان ...
يَقُول النَّاظِم وَالله مَا أخْشَى الذُّنُوب لِأَن أَسبَاب غفرانها مُتعَدِّدَة وعفو الرب تَعَالَى وَاسع وانما اخشى انسلاخ قلبِي عَن تحكيم الْوَحْي الْمُبين من كَلَام رب الْعَالمين وَقَول نبيه الصَّادِق الْأمين فَبِأَي وَجه ألْقى الله تَعَالَى اذا فعلت ذَلِك وأعرضت عَن الْوَحْي الْمنزل من السَّمَاء ورضيت بآراء الرِّجَال وخرصها وقدمتها على كَلَام الله وَرَسُوله وعزلت الْقُرْآن عَمَّا أُرِيد لأَجله وَهُوَ أَنه أُرِيد بانزاله الْهدى وَالْيَقِين فَمَا حجتي عِنْد الله اذا صرحت بِأَنَّهُ لَا يُفِيد الْيَقِين وأوليته هجرا وتأويلا وتحريفا وتفويضا وَمَعَ ذَلِك سعيت جهدي فِي عُقُوبَة من تمسك بِالْوَحْي النَّازِل من السَّمَاء وَقدمه على التَّقْلِيد والآراء الهراء كَمَا فعل ذَلِك من فعله من المبتدعين عياذا بِاللَّه من ذَلِك ... يَا معرضًا عَمَّا يُرَاد بِهِ وَقد ... جد الْمسير فمنتهاه داني
جذلان يضْحك آمنا متبخترا ... وَكَأَنَّهُ قد نَالَ عقد أَمَان
خلع السرُور عَلَيْهِ أَو فِي حلّه ... طردت جَمِيع الْهم والاحزان
يختال فِي حلل المسرة نَاسِيا ... مَا بعْدهَا من حلَّة الأكفان ...
стр. 1113
.. مَا سَعْيه الا لطيب الْعَيْش فِي الدُّنْيَا وَلَو أفْضى الى النيرَان ... قد بَاعَ طيب الْعَيْش فِي دَار النَّعيم بذا الحطام المضمحل الفاني
اني أَظُنك لَا تصدق كَونه ... بِالْقربِ بل ظن بِلَا إيقان
بل قد سَمِعت النَّاس قَالُوا جنَّة ... أَيْضا ونار بل لَهُم قَولَانِ
وَالْوَقْف مذهبك الَّذِي تختاره ... واذا انْتهى الايمان للرجحان
أم تُؤثر الْأَدْنَى عَلَيْهِ وَقَالَت النَّفس الَّتِي استعلت على الشَّيْطَان ... أتبيع نَقْدا حَاضرا بنسيئة ... بعد الْمَمَات وطي ذِي الأكوان ... لَو أَنه بنسيئة الدُّنْيَا لَهَا ... ن الْأَمر لَكِن فِي معاد ثَان
دع مَا سَمِعت النَّاس قَالُوهُ وَخذ ... مَا قد رَأَيْت مشَاهد بعيان
وَالله لَو جالست نَفسك خَالِيا ... وبحثتها بحثا بِلَا روغان
لرأيت هَذَا كامنا فِيهَا وَلَو ... أمنت لألقته الى الآذان
هَذَا هُوَ السِّرّ الَّذِي من أَجله ... اخْتَارَتْ عَلَيْهِ العاجل المتداني
نقد قد اشتدت اليه حَاجَة ... مِنْهَا وَلم يحصل لَهَا بهوان
أتبيعه بنسيئة فِي غير هذي الدَّار بعد قِيَامَة الْأَبدَان ... هَذَا وان جزمت بهَا قطعا وَلَكِن حظها فِي حيّز الامكان
مَا ذَاك قَطْعِيّ لَهَا وَالْحَاصِل الْمَوْجُود مشهود بِرَأْي عيان ... فتألفت من بَين شهوتها وشبهتها قياسات من الْبطلَان ...
стр. 1114
.. واستنجدت مِنْهَا رضى بالعاجل الْأَدْنَى على الْمَوْعُود بعد زمَان ... وأتى من التَّأْوِيل كل ملائم ... لمرادها يَا رقة الايمان
وصغت الى شُبُهَات أهل الشّرك والتعطيل مَعَ نقص من الْعرْفَان ... واستنقصت اهل التقى ورأتهم ... فِي النَّاس كالغرباء فِي الْبلدَانِ ... وَرَأَتْ عقول النَّاس دَائِرَة على ... جمع الحطام وخدمة السُّلْطَان
وعَلى المليحة والمليح وَعشرَة الأحباب والاصحاب والاخوان ... فاستوعرت ترك الْجَمِيع وَلم تَجِد ... عوضا تلذ بِهِ من الاحسان ... فالقلب لَيْسَ يقر إِلَّا فِي إِنَّا ... ء فَهُوَ دون الْجِسْم ذُو جولان
يَبْغِي لَهُ سكنا يلذ بِقُرْبِهِ ... فتراه شبه الواله الحيران
فيحب هَذَا ثمَّ يهوى غَيره ... فيظل منتقلا مدى الازمان
لَو نَالَ كل مليحة ورياسة ... لم يطمئن وَكَانَ ذَا دوران
بل لَو ينَال بأسرها الدُّنْيَا لما ... قرت بِمَا قد ناله العينان
نقل فُؤَادك حَيْثُ شِئْت من الْهوى ... واختر لنَفسك أحسن الانسان
فالقلب مُضْطَر الى محبوبه الْأَعْلَى فَلَا يُغْنِيه حب ثَانِي ... وصلاحه وفلاحه ونعيمه ... تَجْرِيد هَذَا الْحبّ للرحمن ... فاذا تخلى مِنْهُ أصبح حائرا ... وَيعود فِي ذَا الْكَوْن ذَا هيمان ...
стр. 1115
قَوْله جذلان قَالَ فِي الْقَامُوس جذل جذولا انتصب وَنبت وكفرح فَرح فَهُوَ جذل وجذلان انْتهى
فصل فِي زهد أهل الْعلم والايمان وايثارهم الذَّهَب الْبَاقِي على الخزف الفاني ... لَكِن ذَا الايمان يعلم ان هَذَا كالظلال وكل هَذَا فَانِي ... كخيال طيف مَا استتم زِيَارَة ... الا وصبح رحيله باذان
وسحابة طلعت بِيَوْم صَائِف ... فالظل مَنْسُوخ بِقرب زمَان ... وكزهرة وافى الرّبيع بحسنها ... اَوْ لامعا فكلاهما اخوان
أَو كالسراب يلوح للظمآن فِي ... وسط الهجير بمستوى القيعان
أَو كالأماني طَابَ مِنْهَا ذكرهَا ... بالْقَوْل واستحضارها بجنان
وَهِي الْغرُور رُؤُوس أَمْوَال المفا ... لَيْسَ الألى تجروا بِلَا أَثمَان
أَو كالطعام يلذ عِنْد مساغه ... لَكِن عقباه كَمَا تجدان
هَذَا هُوَ الْمثل الَّذِي ضرب الرسو ... ل لَهَا وَذَا فِي غَايَة التِّبْيَان ...
كَمَا فِي الْمسند أَن النَّبِي ﷺ قَالَ للضحاك بن سُفْيَان أَلَسْت تُؤْتى بطعامك وَقد ملح وقزح ثمَّ تشرب عَلَيْهِ اللَّبن وَالْمَاء قَالَ بلَى قَالَ فالى مَا يصير قَالَ الى مَا قد علمت قَالَ فان الله ضرب مثل
стр. 1116
الدُّنْيَا بِمَا يصير اليه طَعَام ابْن آدم ... واذا أردْت ترى حَقِيقَتهَا فَخذ ... مِنْهُ مِثَالا وَاحِدًا ذَا شان
أَدخل بجهدك أصبعا فِي اليم وَانْظُر مَا تعقله إِذا بعيان ... هَذَا هُوَ الدُّنْيَا كَذَا قَالَ الرَّسُول ... ممثلا وَالْحق ذُو تبيان ...
قَالَ ﷺ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة الا كَمَا يَجْعَل أحدكُم اصبعه فِي اليم فَلْينْظر بِمَ يرجع ... وَكَذَلِكَ مثلهَا بِظِل الدوح فِي ... وَقت الحرور لقَائِل الركْبَان ...
فِي قَوْله ﷺ مَالِي وللدنيا إِنَّمَا أَنا وَالدُّنْيَا كَمثل رَاكب قَالَ تَحت ظلّ شَجَرَة ثمَّ رَاح وَتركهَا ... هَذَا وَلَو عدلت جنَاح بعوضة ... عِنْد الاله الْحق فِي الْمِيزَان ... لم يسق مِنْهَا كَافِرًا من شربة ... مَاء وَكَانَ أَحَق بالحرمان ...
عَن سهل بن سعد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو كَانَت الدُّنْيَا تعدل عِنْد الله جنَاح بعوضة مَا سقى كَافِرًا مِنْهَا شربة مَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث صَحِيح ... تالله مَا عقل امريء قد بَاعَ مَا ... يبْقى بِمَا هُوَ مضمحل فَانِي
هَذَا ويفتى ثمَّ يقْضِي حَاكما ... بِالْحجرِ من سفه لذا الانسان
اذ بَاعَ شَيْئا قدره فَوق الَّذِي ... يعتاضه من هَذِه الْأَثْمَان
فَمن السَّفِيه حَقِيقَة ان كنت ذَا ... عقل واين الْعقل للسكران ...
стр. 1117
معنى كَلَامه أَن السَّفِيه يحكم بِالْحجرِ عَلَيْهِ إِذا بَاعَ شَيْئا بِأَقَلّ من قِيمَته فَأولى بالسفه من بَاعَ الْآخِرَة الَّتِي هَذَا قدرهَا بالدنيا وَهِي لَا تَسَاوِي عِنْد الله جنَاح بعوضة ... وَالله لَو ان الْقُلُوب شهدن منا كَانَ شَأْن غير هَذَا الشان ... نفس من الانفاس هَذَا الْعَيْش ان ... قسناه بالعيش الطَّوِيل الثَّانِي ... يَا خسة الشُّرَكَاء مَعَ عدم الوفا ... ء وَطول جفوتها مَعَ الهجران
هَل فِيك معتر فيسلو عاشق ... بمصارع العشاق كل زمَان
لَكِن على تِلْكَ الْعُيُون غشاوة ... وعَلى الْقُلُوب أكنة النسْيَان
وأخو البصائر حَاضر متيقظ ... متفرد عَن زمرة العميان
يسمو الى ذَاك الرفيق الأرفع الْأَعْلَى وخلى اللّعب للصبيان ... وَالنَّاس كلهم فصبيان وَإِن ... بلغُوا سوى الافراد والوحدان ... واذا رأى مَا يشتهيه قَالَ مو ... عدك الْجنان وجد فِي الْأَثْمَان
واذا أَبَت الا الجماح أعاضها ... بِالْعلمِ بعد حقائق الايمان
وَيرى من الخسران بيع الدَّائِم الْبَاقِي بِهِ يَا ذلة الخسران ... وَيرى مصَارِع أَهلهَا من حوله ... وَقُلُوبهمْ كمراجل النيرَان ... حسراتها هن الْوقُود فان خبت ... زَادَت سعيرا بالوقود الثَّانِي
جاؤوا فُرَادَى مثل مَا خلقُوا بِلَا ... مَال وَلَا أهل وَلَا اخوان ...
стр. 1118
.. مَا مَعَهم شَيْء سوي الاعمال فَهِيَ متاجر للنار اَوْ لجنان ... تسْعَى بهم أَعْمَالهم سوقا إِلَى الدَّاريْنِ سوق الْخَيل بالركبان
صَبَرُوا قَلِيلا فاستراحوا دَائِما ... يَا عزة التَّوْفِيق للانسان
حمدوا التقى عِنْد الْمَمَات كَذَا السرى ... عِنْد الصَّباح فحبذا الحمدان
وخدت بهم عزماتهم نَحْو العلى ... وسروا فَمَا نزلُوا الى نعْمَان
باعوا الَّذِي يفنى من الخزف الخسيس بدائم من خَالص العقيان ... رفعت لَهُم فِي الْيُسْر أَعْلَام السعا ... دة وَالْهدى يَا ذلة الحيران ... فتسابق الاقوام وابتدروا لَهَا ... كتسابق الفرسان يَوْم رهان
وأخو الهوينا فِي الديار مخلف ... مَعَ شكله يَا خيبة الكسلان ...
قَوْله وخدت بهم همم الخ الوخد للبعير الاسراع أَو أَن يَرْمِي بقوائمه كمشي النعام أَو سَعَة الخطو كالوخدان والوخيد وَقد وخد كوعد فَهُوَ واخد ووخاد ووخود قَالَه فِي الْقَامُوس قَوْله خزف الخزف محركة الْجَرّ وكل مَا عمل من طين وشوي بالنَّار حَتَّى يكون فخارا قَالَه فِي الْقَامُوس
стр. 1119
فصل فِي رَغْبَة قَائِلهَا إِلَى من يقف عَلَيْهَا من اهل الْعلم والايمان ان يتجرد لله وَيحكم عَلَيْهَا بِمَا يُوجِبهُ الدَّلِيل والبرهان فان رأى حَقًا قبله وَحمد الله عَلَيْهِ وَإِن رأى بَاطِلا عرف بِهِ وأرشد اليه ... يَا أَيهَا الْقَارِي لَهَا اجْلِسْ مجْلِس الحكم الْأمين أَتَى لَهُ الخصمان ... واحكم هداك الله حكما يشْهد الْعقل الصَّرِيح بِهِ مَعَ الْقُرْآن
واحبس لسَانك بُرْهَة عَن كفره ... حَتَّى تعارضها بِلَا عدوان
فاذا فعلت فَعنده أَمْثَالهَا ... فنزال آخر دَعْوَة الفرسان
فالكفر لَيْسَ سوى العناد ورد مَا ... جَاءَ الرَّسُول بِهِ لقَوْل فلَان
فَانْظُر لَعَلَّك هَكَذَا دون الَّذِي ... قد قَالَهَا فتفوز بالخسران
فَالْحق شمس والعيون نواظر ... لَا تختفي الا على العميان
وَالْقلب يعمى عَن هداه مِثْلَمَا تعمى ... وَأعظم هَذِه العينان ...
يَقُول النَّاظِم يَا أَيهَا القاريء لهَذِهِ الْمَنْظُومَة الْمُبَارَكَة اجْلِسْ مجْلِس الحكم الْأمين غير الخائن جلس اليه الخصمان واحكم حكما يشْهد لَهُ الْعقل الصَّرِيح مَعَ مُحكم الْقُرْآن وَلَا تبادر بتكفير قَائِلهَا بل احْبِسْ لسَانك بُرْهَة أَي عَن أَن تحكم بِكُفْرِهِ بِمُجَرَّد هَوَاك حَتَّى تعَارض مَا قَالَه بِغَيْر
стр. 1120
اعتداء فاذا فعلت فَعنده أَمْثَالهَا وَآخر الْأَمر يَدْعُوك إِلَى المبارزة والمنازلة
قَوْله فلنزال هَذَا وَنَحْوه اسْم مَبْنِيّ على الْكسر كحذام وقطام وَنَحْوهمَا وَهُوَ بِفَتْح أَوله ثمَّ بَين أَن الْكفْر لَيْسَ إِلَّا العناد ورد مَا قَالَ الرَّسُول لأجل قَول فلَان وَفُلَان ثمَّ قَالَ فَانْظُر لَعَلَّك هَكَذَا الخ أَي لَعَلَّك مِمَّن يعاند وَيرد قَول الرَّسُول ﷺ لأجل أَقْوَال النَّاس ثمَّ أَخذ النَّاظِم فِي الشكاية من الْأَرْبَعَة الَّذين ذكرهم فَقَالَ ... هَذَا وَإِنِّي بعد ممتحن بأر ... بعة وَكلهمْ ذَوُو أضغان
فظ غليظ جَاهِل متمعلم ... ضخم الْعِمَامَة وَاسع الأردان
متفيهق متضلع بِالْجَهْلِ ذُو ... ضلع وَذُو جلح من الْعرْفَان
مزجي البضاعة فِي الْعُلُوم وَإنَّهُ ... زاج من الايهام والهذيان
يشكو إِلَى الله الْحُقُوق تظلما ... من جَهله كشكاية الْأَبدَان
من جَاهِل متطبب يفني الورى ... ويحيل ذَاك على قضا الرَّحْمَن ...
قَوْله متفيهق قَالَ فِي الْقَامُوس تفيهق فِي كَلَامه تنطع وَتوسع كَأَنَّهُ مَلأ بِهِ فَمه قَوْله متضلع تضلع امْتَلَأَ شبعا أَو ريا حَتَّى بلغ المَاء أضلاعه قَالَه فِي الْقَامُوس قَوْله ذُو ضلع قَالَ فِي الْقَامُوس ضلع كمنع مَال وجنف جَار وَفُلَانًا ضرب ضلعه وضلع السَّيْف كفرح اعوج والضالع الجائر
стр. 1121
والضلع محركة الاعوجاج خلقه ويسكن وَمِنْه لأقيمن ضلعك بِالْوَجْهَيْنِ قَوْله زاج قَالَ فِي الْقَامُوس وبضاعة مزجاة قَليلَة وَلم يتم صَلَاحهَا والزجاء النَّفاذ فِي الْأَمر وَهُوَ أزجى مِنْهُ أَشد نفاذا قَوْله من جَاهِل متطبب الخ قَالَ النَّاس أفسد مَا يفْسد الدُّنْيَا نصف مُتَكَلم وَنصف متفقه وَنصف متطبب وَنصف نحوي هَذَا يفْسد الْأَدْيَان وَهَذَا يفْسد الابدان وَهَذَا يفْسد اللِّسَان ... عجت فروج الْخلق ثمَّ دِمَاؤُهُمْ وحقوقهم مِنْهُ إِلَى الديَّان ... مَا عِنْده علم سوى التفكير والتبديع والتضليل والبهتان
فَإِذا تَيَقّن أَنه المغلوب عِنْد تقَابل الفرسان فِي الميدان ... قَالَ اشتكوه إِلَى الْقُضَاة فان هم ... حكمُوا وَإِلَّا أشكوا إِلَى السُّلْطَان ... قُولُوا لَهُ هَذَا يحل الْملك بل ... هَذَا يزِيل الْملك مثل فلَان
فاعقره من قبل اشتداد الْأَمر مِنْهُ بِقُوَّة الأتباع والأعوان ... وَإِذا دعَاكُمْ للرسول وَحكمه ... فَادعوهُ كلكُمْ لرأي فلَان ... وَإِذا اجْتَمَعْتُمْ فِي الْمجَالِس فالغطوا ... والغوا إِذا مَا احْتج بِالْقُرْآنِ ...
هَذَا كَمَا قَالَ الشَّيْخ نصر المنبجي لبيبرس الجاشنكير إِن هَذَا يخْشَى على الدولة مِنْهُ كَمَا جرى لِابْنِ التومرت صَاحب الْمغرب يَعْنِي شيخ الاسلام رَحمَه الله تَعَالَى ... واستنصروا بمحاضر وَشَهَادَة ... قد اصلحت بالرفق والاتقان
стр. 1122
.. لَا تسألوا الشُّهَدَاء كَيفَ تحملوا ... وَبِأَيِّ وَقت بل بِأَيّ مَكَان ... وارفوا شَهَادَتهم وَمَشوا حَالهَا ... بل أصلحوها غَايَة الامكان ... فَإِذا هم شهدُوا فزكوهم وَلَا ... تصغوا لقَوْل الْجَارِح الطعان
قُولُوا الْعَدَالَة مِنْهُم قَطْعِيَّة ... لسنا نعارضها بقول فلَان ...
أَي إِذا قدح قَادِح فِي شهودكم فَلَا تلتفتوا لقَوْله وَلَا تصغوا لَهُ وَقُولُوا الاصل فِي النَّاس الْعَدَالَة وَنَحْو ذَلِك ... ثبتَتْ على الْحُكَّام بل حكمُوا بهَا ... فالطعن فِيهَا لَيْسَ ذَا إِمْكَان
من جَاءَ يقْدَح فيهم فليتخذ ... ظهرا كَمثل حِجَارَة الصوان
وَإِذا هُوَ استعداهم فجوابهم ... أتردها بعداوة الْأَدْيَان ...
أَي قُولُوا لَا ترد شَهَادَة الْعُدُول بعداوة الْأَدْيَان
فصل فِي حَال الْعَدو الثَّانِي ... أَو حَاسِد قد بَات يغلي صَدره ... بعداوتي كالمرجل الملآن
لَو قلت هَذَا الْبَحْر قَالَ مُكَذبا هَذَا السراب يكون بالقيعان ... أَو قلت هذي الشَّمْس قَالَ مباهتا ... الشَّمْس لم تطلع إِلَى ذَا الْآن ... أَو قلت قَالَ الله قَالَ رَسُوله ... غضب الْخَبيث وَجَاء بِالْكِتْمَانِ
стр. 1123
أَو حرف الْقُرْآن عَن مَوْضُوعه تَحْرِيف كَذَّاب على الْقُرْآن ... صال النُّصُوص عَلَيْهِ فَهُوَ بدفعها ... متوكل بالدأب والديدان ... فَكَلَامه فِي النَّص عِنْد خِلَافه ... من بَاب دفع الصَّائِل الطعان
فالقصد دفع النَّص عَن مَدْلُوله ... كي لَا يصول إِذا التقى الزحفان ...
فصل فِي حَال الْعَدو الثَّالِث ... وَالثَّالِث الْأَعْمَى الْمُقَلّد ذَيْنك الرجلَيْن قَائِد زمرة العميان ... فاللعن والتكفير والتبديع والتضليل والتفسيق بالعدوان
وَإِذا هم سَأَلُوهُ مُسْتَندا لَهُ ... قَالَ اسمعوا مَا قَالَه الرّجلَانِ ...
هَذَا الْعَدو الثَّالِث وَهُوَ الْجَاهِل الْمُقَلّد للعدوين اللَّذين تقدما وهما الْجَاهِل المتمعلم والحاسد قَوْله قَالَ اسمعوا الخ المُرَاد بِالرجلَيْنِ الْجَاهِل والحاسد
стр. 1124
فصل فِي حَال الْعَدو الرَّابِع ... هَذَا ورابعهم وَلَيْسَ بكلبهم ... حاشا الْكلاب الآكلي الانتان
خِنْزِير طبع فِي خَلِيقَة نَاطِق ... متسوف بِالْكَذِبِ والبهتان
كَالْكَلْبِ يتبعهُم يمشمش أعظما ... يَرْمُونَهَا وَالْقَوْم للحمان
يتفكهون بهَا رخيصا سعرها ... مَيتا بِلَا عوض وَلَا أَثمَان
هُوَ فضلَة فِي النَّاس لَا علم وَلَا ... دين وَلَا تَمْكِين ذِي سُلْطَان
فَإِذا رأى شرا تحرّك يَبْتَغِي ... ذكرا كَمثل تحرّك الثعبان ...
قَوْله كَالْكَلْبِ يتبعهُم الظَّاهِر أَن مُرَاده أَن هَذَا الْعَدو الرَّابِع يتبع الْأَعْدَاء الثَّلَاثَة فِي اكل لُحُوم الْعلمَاء أَتبَاع الْكتاب وَالسّنة والتفكه بهَا قَوْله فاذا رأى شرا أَي إِن هَذَا الْعَدو إِذا رأى شرا رفع رَأسه وتحرك يَبْتَغِي ذكرا كتحرك الثعبان وَهُوَ كَمَا فِي الْقَامُوس الْحَيَّة الضخمة الطَّوِيلَة اَوْ الذّكر خَاصَّة اَوْ عَام ... ليزول عَنهُ أَذَى الكساد فينفق الْكَلْب الْعَقُور على ذُكُور الضان ... فبقاؤه فِي النَّاس أعظم محنة ... من عَسْكَر يعزى إِلَى غازان ...
غازان من مُلُوك التتار ثمَّ أَخذ النَّاظِم فِي التشكي من عدم نفاق بضاعته هَذِه وان الْعلمَاء الَّذين هم أهل لَهَا قد سافروا عَن
стр. 1125
هَذِه الْبلدَانِ والاوطان أَي مَاتُوا وَلم يَجدوا الا الصعافقة وهم كَمَا فِي الْقَامُوس قوم يشْهدُونَ السُّوق للتِّجَارَة بِلَا رَأس مَال فاذا اشْترى التُّجَّار شَيْئا دخلُوا مَعَهم الْوَاحِد صعفقي ووصعفتي صعفوق بِالْفَتْح جمع صعافيق أَيْضا انْتهى ... هذي بضَاعَة ضَارب فِي الأَرْض يَبْغِي تَاجِرًا يبْتَاع بالأثمان
وجد التُّجَّار جَمِيعهم قد سافروا ... عَن هَذِه الْبلدَانِ والاوطان
إِلَّا الصعافقة الَّذين تكلفوا ... أَن يتجروا فِينَا بِلَا أَثمَان
فهم الزبون لَهَا فبالله ارحموا ... من بَيْعه من مُفلس مديان ...
أَي بِاللَّه يَا معشر الْمُسلمين ارحموا تَاجِرًا قد جَاءَ ببضاعة فاذا التُّجَّار قد سافروا وَلم يجحدوا الا هَؤُلَاءِ الصعافقة الَّذين لَا مَال لَهُم بل هم مفاليس مديونين ... يارب فارزقها بحقك تَاجِرًا ... قد طَاف بالآفاق والبلدان
مَا كل منقوش لَدَيْهِ أصفر ... ذَهَبا يرَاهُ خَالص العقيان
وَكَذَا الزّجاج ودرة الغواص فِي ... تَمْيِيزه مَا إِن هما مثلان ...
ثمَّ ختم الْكتاب بالتوجه الى الله وسؤاله بأسمائه وَصِفَاته أَن ينصر كِتَابه وَرَسُوله وَدينه وَأَن ينصر حزب الايمان على حزب الضلال وعسكر الشَّيْطَان فَقَالَ
следующие страницы →