← Акыда

Акыда · id 6362

توضيح المقاصد شرح نونية ابن القيم الكافية الشافية

أحمد بن عيسى

Полный текст (1 130 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الْمُشْركين وشيوخهم من النجشية السَّحَرَة وأمثالهم وَأَنه لما بنى الرصد الَّذِي ب (مراغة) على طَريقَة الصابئة كَانَ أحسن النَّاس نَصِيبا مِنْهُ من كَانَ إِلَى أهل الْملَل أقرب وأوفرهم نَصِيبا من كَانَ أبعد عَن الْملَل مثل الصابئة الْمُشْركين وَمثل المعطلة وَسَائِر الْمُشْركين وَإِن ارتزقوا بالنجوم والطب وَنَحْو ذَلِك وَمن الْمَشْهُور عَنهُ وَعَن أَتْبَاعه الاستهتار بواجبات الاسلام ومحرماته لَا يُحَافِظُونَ على الْفَرَائِض كالصلوات ولايزعمون عَن محارم الله من الْفَوَاحِش وَالْخمر وَغير ذَلِك من الْمُنْكَرَات حَتَّى إِنَّهُم فِي شهر رَمَضَان يذكر عَنْهُم من إِضَاعَة الصَّلَوَات وَالْفَوَاحِش وَشرب الْخُمُور مَا يعرفهُ أهل الْخِبْرَة بهم وَلم يكن لَهُم قُوَّة وَظُهُور إِلَّا مَعَ الْمُشْركين الَّذين دينهم شَرّ من دين الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَلِهَذَا كلما قوي الاسلام فِي المغول وَغَيرهم من التّرْك ضعف أَمر هَؤُلَاءِ لفرط معاداتهم لِلْإِسْلَامِ وَأَهله وَلِهَذَا كَانُوا من أنقص النَّاس منزلَة عِنْد الْأَمِير نوروز الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله الشَّهِيد الَّذِي دَعَا ملك المغول غازان إِلَى الْإِسْلَام وَالْتزم لَهُ أَن ينصره إِذا أسلم وَقتل الْمُشْركين الَّذين لم يسلمُوا من النجشية السَّحَرَة وَغَيرهم وَهدم البدخانان وَكسر الْأَصْنَام ومزق سدنتها كل ممزق وألزم الْيَهُود وَالنَّصَارَى بالجزية وَالصغَار وبسببه ظهر الْإِسْلَام فِي المغول وأتباعهم وَبِالْجُمْلَةِ فَأمر هَذَا الطوسي وَأَتْبَاعه فِي الاسلام وَالْمُسْلِمين أشهر وَأعرف من أَن يعرف ويوصف وَمَعَ هَذَا فقد قيل إِنَّه كَانَ فِي آخر عمره يحافظ على الصَّلَوَات الْخمس ويشتغل بتفسير الْبَغَوِيّ وبالفقه وَنَحْو ذَلِك فَإِن كَانَ قد تَابَ من الْإِلْحَاد فَالله يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات وَالله يَقُول ﴿يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ الزمر ٥٣ لَكِن مَا ذكره

стр. 247

عَنهُ هَذَا إِن كَانَ قبل التَّوْبَة لم يقبل قَوْله وَإِن كَانَ بعد التَّوْبَة لم يكن قد تَابَ من بَاب الرَّفْض بل من الالحاد وَحده وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا يقبل قَوْله وَالْأَظْهَر أَنه كَانَ يجْتَمع بِهِ وبأمثاله لما كَانَ منجما للمغول الْمُشْركين والالحاد مَعْرُوف من حَاله إِذْ ذَاك انْتهى كَلَام شيخ الاسلام وَقَول النَّاظِم آل سِنَان هُوَ سِنَان الْبَصْرِيّ الَّذِي كَانَ بحصون الاسماعيلية بِالشَّام وَكَانَ يَقُول قد رفعت عَنْهُم الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَالزَّكَاة وَأما (الشِّفَاء (فَهُوَ من مصنفات ابْن سينا وَكَذَا (الإشارات (من تصانيفه أَيْضا وَقَوله و (رسائل الاخوان (هِيَ (رسائل إخْوَان الصَّفَا (وَهِي على مافي (كشف الظنون (و (شرح عقيدة السفاريني (إِحْدَى وَخَمْسُونَ رِسَالَة وَهِي أصل مَذْهَب القرامطة وَرُبمَا نسبوها إِلَى جَعْفَر الصَّادِق ﵁ ترويجا وَقد صنفت بعد الْمِائَة الثَّالِثَة فِي دولة بني بويه أملاها أَبُو سُلَيْمَان مُحَمَّد بن نصر البستي الْمَعْرُوف بالمقدسي وَأَبُو الْحسن عَليّ بن هَارُون الزنجاني وَأَبُو أَحْمد النهرجوري والعرفي يزِيد بن رِفَاعَة كلهم حكماء اجْتَمعُوا وصنفوا هَذِه الرسائل على طَرِيق الفلسفة الْخَارِجَة عَن مَسْلَك الشَّرِيعَة المطهرة وَفِي (فَتَاوَى ابْن حجر الحديثية (مَا نَصه نَسَبهَا كثير إِلَى جَعْفَر الصَّادِق وَهُوَ بَاطِل وَإِنَّمَا الصَّوَاب أَن مؤلفها مسلمة بن قَاسم الأندلسي كَانَ جَامعا لعلوم الْحِكْمَة من الالهيات والطبيعيات والهندسة والتنجيم وعلوم الكيمياء وَغَيرهَا وَإِلَيْهِ انْتهى علم الْحِكْمَة بالأندلس وَعنهُ أَخذ حكماؤها وَتُوفِّي سنة ٣٥٣ وَمِمَّنْ ذكره ابْن بشكوال وَكتابه فِيهِ أَشْيَاء حكمِيَّة وفلسفية وشرعية انْتهى

стр. 248

وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِي (الْمِنْهَاج (حَتَّى إِن طَائِفَة من النَّاس يظنون أَن (رسائل إخْوَان الصَّفَا (مَأْخُوذَة عَن جَعْفَر الصَّادِق وَهَذَا من الْكَذِب الْمَعْلُوم فَإِن جعفرا توفّي سنة ١٤٨ ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة وَهَذِه الرسائل وضعت بعد ذَلِك بِنَحْوِ مِائَتي سنة وضعت لما ظَهرت دولة الاسماعلية الباطنية الَّذين بنوا الْقَاهِرَة المعزية سنة بضع وَخمسين وثلاثمائة وَفِي تِلْكَ الْأَوْقَات صنفت هَذِه الرسائل بِسَبَب ظُهُور هَذَا الْمَذْهَب الَّذِي ظَاهره الرَّفْض وباطنه الْكفْر الْمَحْض فأظهروا اتِّبَاع الشَّرِيعَة وَأَن لَهَا بَاطِنا مُخَالفا لظاهرها وباطن أَمرهم مَذْهَب الفلاسفة وعَلى هَذَا الْأَمر وضعت هَذِه الرسائل وَضعهَا طَائِفَة من المتفلسفة معروفون وَقد ذكرُوا فِي أَثْنَائِهَا مَا استولى عَلَيْهِ النَّصَارَى من أَرض الشَّام وَكَانَ أول ذَلِك بعد ثَلَاثمِائَة سنة ٣٠٠ من الْهِجْرَة النَّبَوِيَّة فِي أَوَائِل الْمِائَة الرَّابِعَة اانتهى كَلَامه قَالَ النَّاظِم ... فلذاك حكمنَا عَلَيْهِ وَأَنْتُم قَول الْمعلم أَولا وَالثَّانِي ... الْمعلم الأول أرسطاطاليس والمعلم الثَّانِي هُوَ ابو نصر الفارابي وَهُوَ أَبُو نصر مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن طرخان التركي صَاحب المصنفات الْمَشْهُورَة فِي الْمنطق وَالْحكمَة والموسيقى الَّتِي من ابْتغى الْهدى فِيهَا أضلّهُ الله مَاتَ سنة ٣٣٩ تسع وَثَلَاثِينَ وثلاثمائة ولد نَحْو من ٨٠ سنة قَوْله ... يَا وَيْح جهم وَابْن دِرْهَم والالى ... قَالُوا بقولهمَا من الخوران ... هَذَا على سَبِيل التهكم والزام جهم والجعد بن دِرْهَم التَّنَاقُض أَي إِن الجهم يَقُول إِن الله يسمع وَيرى وَيعلم وَيثبت الْمَشِيئَة وَالْعلم لله وَمَعَ ذَلِك يَنْفِي التجسيم أَي فالتجسيم لَازم لَهُ إِذا أثبت هَذِه الصِّفَات وَهَذَا من الخور أَي الضعْف

стр. 249

قَوْله يَا وَيْح وَيْح كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وَقع فِي هلكة لَا يَسْتَحِقهَا قَالَ فِي (الْقَامُوس (وَيْح لزيد وويحا لَهُ كلمة رَحْمَة وَرَفعه على الِابْتِدَاء ونصبه باضمار فعل وويح ريد وياويحه بنصبهما أَيْضا وويحا زيد بِمَعْنَاهُ وَأَصله وي فوصلت بحاء مرّة وبلام مرّة انْتهى قَالَ شيخ الاسلام فِي كِتَابه (التسعينية (وَكَذَلِكَ الْجَهْمِية على ثَلَاث دَرَجَات فشرها الغالية الَّذين ينفون أَسمَاء الله وَصِفَاته وان سموهُ بِشَيْء من أَسْمَائِهِ الْحسنى قَالُوا هُوَ مجَاز فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة عِنْدهم لَيْسَ بحي وَلَا عَالم وَلَا قَادر وَلَا سميع وَلَا بَصِير وَلَا يكلم وَلَا يتَكَلَّم وَكَذَا وصف الْعلمَاء حَقِيقَة قَوْلهم كَمَا ذكره الامام احْمَد فِيمَا خرجه فِي الرَّد على الزَّنَادِقَة والجهمية قَالَ فَعِنْدَ ذَلِك تبين للنَّاس أَنهم لَا يثبتون شَيْئا لكِنهمْ يدْفَعُونَ عَن أنفسهم الشنعة بِمَا يقرونَ فِي الْعَلَانِيَة فَإِذا قيل لَهُم فَمن تَعْبدُونَ قَالُوا نعْبد من يدبر هَذَا الْخلق فَقُلْنَا فَهَذَا الَّذِي يدبر أَمر هَذَا الْخلق هُوَ مَجْهُول لَا يعرف بِصفة قَالُوا نعم قُلْنَا قد عرف الْمُسلمُونَ انكم لَا تثبتون شَيْئا انما تدفعون عَن انفسكم الشنعة بِمَا تظْهرُونَ فَقُلْنَا لَهُم هَذَا الَّذِي يدبر هُوَ الَّذِي كلم مُوسَى قَالُوا لم يتَكَلَّم وَلَا يتَكَلَّم لَان الْكَلَام لَا يكون إِلَّا بجارحة والجوارح عَن الله منفية واذا سمع الْجَاهِل قَوْلهم يظنّ أَنهم من أَشد النَّاس تَعْظِيمًا لله وَلَا يعلم أَنهم انما يقودهم قَوْلهم الى ضلال وَكفر قَالَ وَقَالَ ابو الْحسن الاشعري فِي فِي (المقالات (الْحَمد لله الَّذِي بصرنا خطأ المخطئين وعمى العمين وحيرة المتحيرين الَّذين نفوا صِفَات رب الْعَالمين وَقَالُوا ان الله جلّ ثَنَاؤُهُ وتقدست أسماؤه لَا صِفَات لَهُ وَلَا علم لَهُ وَلَا قدرَة لَهُ وَلَا حَيَاة لَهُ

стр. 250

وَلَا سمع لَهُ وَلَا بصر لَهُ ولاعزة لَهُ وَلَا جلال لَهُ وَلَا عَظمَة لَهُ وَلَا كبرياء لَهُ وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي سَائِر صِفَات الله تَعَالَى الَّتِي وصف بهَا نَفسه قَالَ وَهَذَا قَول أَخَذُوهُ عَن إخْوَانهمْ من المتفلسفة الَّذين يَزْعمُونَ أَن للْعَالم صانعا لم يزل لَيْسَ بعالم وَلَا قَادر وَلَا حَيّ وَلَا سميع وَلَا بَصِير وَلَا قدير وعبروا عَنهُ بِأَن قَالُوا نقُول عين لم يزل وَلم يزِيدُوا على ذَلِك غير أَن هَؤُلَاءِ الَّذين وَصفنَا قَوْلهم من الْمُعْتَزلَة فِي الصِّفَات لم يستطيعوا أَن يظهروا من ذَلِك مَا كَانَت الفلاسفة تظهره فأظهروا مَعْنَاهُ فنفوا أَن يكون للباري علم وقدرة وحياة وَسمع وبصر وَلَوْلَا الْخَوْف لاظهروا مَا كَانَت الفلاسفة تظهره من ذَلِك وأفصحوا بِهِ غير أَن الْخَوْف يمنعهُم من أظهار ذَلِك قَالَ وَقد أفْصح بذلك رجل يعرف ب (ابْن الايادي) كَانَ ينتحل قَوْلهم فَزعم أَن الْبَارِي عَالم قَادر سميع بَصِير فِي الْمجَاز لَا فِي الْحَقِيقَة وَهَذَا القَوْل الَّذِي هُوَ قَول الغالية النفاة للاسماء حَقِيقَة هُوَ قَول القرامطة الباطنية وَمن سبقهمْ من إخْوَانهمْ الصائبة الفلاسفة والدرجة الثَّانِيَة من التجهم هُوَ تجهم الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم الَّذين يقرونَ بأسماء الله الْحسنى فِي الْجُمْلَة لَكِن ينفون صِفَاته وهم أَيْضا لَا يقرونَ بأسماء الله الْحسنى كلهَا على الْحَقِيقَة بل يجْعَلُونَ كثيرا مِنْهَا على الْمجَاز وَهَؤُلَاء هم الْجَهْمِية المشهورون وَأما الدرجَة الثَّالِثَة فهم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية لَكِن فيهم نوع من التجهم كَالَّذِين يقرونَ بأسماء الله وَصِفَاته فِي الْجُمْلَة لَكِن يردون طَائِفَة من أَسْمَائِهِ وَصِفَاته الخبرية وَغير الخبرية إِلَى آخر مَا ذكره رَحمَه الله تَعَالَى وَقد تقدم مَا ذكره شيخ الاسلام فِي مَوضِع آخر والجهم هُوَ

стр. 251

اعظم النَّاس نفيا للصفات بل وللاسماء الْحسنى قَوْله من جنس قَول الباطنية القرامطة حَتَّى ذكرُوا عَنهُ انه لَا يُسَمِّي الله شَيْئا وَلَا غير ذَلِك من الاسماء الَّتِي يُسمى بهَا الْمَخْلُوق لَان ذَلِك بِزَعْمِهِ من التَّشْبِيه الْمُمْتَنع وَهَذَا قَول القرامطة الباطنية وَحكي عَنهُ أَنه لَا يُسَمِّيه الا قَادِرًا فَاعِلا لَان العَبْد عِنْده لَيْسَ بِقَادِر وَلَا فَاعل إِذْ كَانَ هُوَ رَأس الْمُجبرَة انْتهى كَلَامه رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ النَّاظِم فصل فِي قدوم ركب الايمان وعسكر الْقرَان ... وأتى فريق ثمَّ قَالَ أَلا اسمعوا قد جِئتُكُمْ من مطلع الايمان ... من آرض طيبَة من مهَاجر أَحْمد بِالْحَقِّ والبرهان والتبيان ... سَافَرت فِي طلب الاله فدلني الْهَادِي عَلَيْهِ ومحكم الْقُرْآن ... مَعَ فطْرَة الرَّحْمَن ﷻ وصريح عَقْلِي فاعتلى بِبَيَان ... فتوافق الْوَحْي الصَّرِيح وفطرة الرَّحْمَن والمعقول فِي ايمان ... شهدُوا بِأَن الله ﷻ متفرد بِالْملكِ وَالسُّلْطَان ... وَهُوَ الاله الْحق لَا معبود الا وَجهه الاعلى الْعَظِيم الشان ... بل كل معبود سواهُ فَبَاطِل من عَرْشه حَتَّى الحضيض الداني ...

стр. 252

.. وَعبادَة الرَّحْمَن غَايَة حبه مَعَ ذل عابده هما قطبان ... وَعَلَيْهِمَا فلك الْعِبَادَة دائر مَا دَار حَتَّى قَامَت القطبان ... ومداره بالامر أَمر رَسُوله لَا بالهوى وَالنَّفس والشيطان ... فقيام دين الله بالاخلاص والاحسان إنَّهُمَا لَهُ أصلان ... لم ينج من غضب الاله وناره الا الَّذِي قَامَت بِهِ الاصلان ... ينج بِفَتْح الْيَاء وَضم الْجِيم مَبْنِيّ للْفَاعِل أَي لم ينج من غضب الاله وناره الا الَّذِي قَامَ بِهِ الاخلاص والاحسان ... وَالنَّاس بعد فمشرك بآلهه أَو ذُو ابتداع أَوله الوصفان ... وَالله لَا يرضى بِكَثْرَة فعلنَا لَكِن بأحسنه مَعَ الايمان ... يُشِير الى قَول الفضيل بن عِيَاض فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ الْملك ٢ قَالَ أخلصه وأصوبه قَالُوا يَا أَبَا عَليّ مَا أخلصه وأصوبه فَقَالَ ان الْعَمَل اذا كَانَ خَالِصا وَلم يكن صَوَابا لم يقبل واذا كَانَ صَوَابا وَلم يكن خَالِصا لم يقبل حَتَّى يكون خَالِصا صَوَابا والخالص أَن يكون لله وَالصَّوَاب أَن يكون على السّنة قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... فالعارفون مُرَادهم إحسانه ... والجاهلون عموا عَن الاحسان ... وكذاك قد شهدُوا بِأَن الله ذُو سمع وَذُو بصر هما صفتان ... وَهُوَ الْعلي يرى وَيسمع خلقه من فَوق عرش فَوق سِتّ ثَمَان ...

стр. 253

.. فَيرى دَبِيب النَّمْل فِي غسق الدجى وَيرى كَذَاك تقلب الاجفان ... وضجيج أصوات الْعباد بسمعه ولديه لَا تتشابه الصوتان ... وَهُوَ الْعَلِيم بِمَا يوسوس عَبده فِي نَفسه من غير نطق لِسَان ... بل يَسْتَوِي فِي علمه الداني مَعَ القاصي وَذُو الاسرار والاعلان ... وَهُوَ الْعَلِيم بِمَا يكون غَدا وَمَا قد كَانَ والمعلوم فِي ذَا الْآن ... وَبِكُل شَيْء لم يكن لَو كَانَ كَيفَ يكون مَوْجُودا لذِي الْأَعْيَان وَهُوَ الْقَدِير فَكل شَيْء فَهُوَ مَقْدُور لَهُ طَوْعًا بِلَا عصيان ... وَعُمُوم قدرته تدل بِأَنَّهُ هُوَ خَالق الافعال للحيوان ... هِيَ خلقه حَقًا وأفعال لَهُم حَقًا وَلَا يتناقض الامران ... لَكِن أهل الْجَبْر والتكذيب بَال أقدار مَا انفتحت لَهُم عينان ... نظرُوا بعيني أَعور اذ فاتهم نظر الْبَصِير وَغَارَتْ العينان ... فحقيقة الْقدر الَّذِي حَار الورى فِي شَأْنه هُوَ قدرَة الرَّحْمَن ... وَاسْتحْسن ابْن عقيل ذَا من أَحْمد لما حَكَاهُ عَن الرضى الرباني ... قَالَ الامام شفا الْقُلُوب بِلَفْظِهِ ذَات اخْتِصَار وَهِي ذَات بَيَان ... أَشَارَ ﵀ بِهَذِهِ الابيات الى اثبات صِفَات الله تَعَالَى الَّتِي نطق بهَا كِتَابه وَسنة رَسُوله ﷺ وَمذهب سلف الامة وأئمتها اثبات صِفَات الله

стр. 254

تَعَالَى الَّتِي ورد بهَا الْكتاب وصحيح السّنة وحسنها اثباتا بِلَا تَمْثِيل وتنزيها بِلَا تَعْطِيل خلافًا للجهمية والمعتزلة والاشاعرة والامر كَمَا قَالَ نعيم بن حَمَّاد الْخُزَاعِيّ شيخ البُخَارِيّ من شبه الله بخلقه فقد كفر وَمن جحد مَا وصف الله بِهِ نَفسه فقد كفر وَلَيْسَ مَا وصف الله بِهِ نَفسه اَوْ وَصفه بِهِ رَسُوله تَشْبِيها انْتهى بل هُوَ اثبات على مَا يَلِيق بِجلَال الله وعظمته وكبريائه لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير قَوْله وَبِكُل شَيْء لم يكن لَو كَانَ كَيفَ يكون الخ وَذَلِكَ نَحْو خبر الله عَن أهل النَّار انهم ﴿وَلَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ﴾ الانعام ٢٨ وَأَنه ﴿وَلَو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم﴾ الانفال ٢٣ وَأَنه ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ الانبياء ٢٢ وَأَنه ﴿لَو كَانَ مَعَه آلِهَة كَمَا يَقُولُونَ إِذا لابتغوا إِلَى ذِي الْعَرْش سَبِيلا﴾ الاسراء ٤٢ وَأَنه ﴿لَو خَرجُوا فِيكُم مَا زادوكم إِلَّا خبالا﴾ التَّوْبَة ٤٧ وَأَنه ﴿وَلَوْلَا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته مَا زكى مِنْكُم من أحد أبدا﴾ النُّور ٢١ وَنَحْو ذَلِك وَقد تقدّمت الاشارة الى اثبات الْحَرْف وَالصَّوْت فِي كَلَام الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ تقدم الْكَلَام فِي خلق أَفعَال الْعباد وَأما الْكَلَام فِي الْقدر فَهُوَ طَوِيل وَلَكِن نشِير الى ذَلِك اشارة فَنَقُول قَول النَّاظِم ﵀ لَكِن أهل الْجَبْر والتكذيب بالاقدار الخ أَي ان الجبرية الَّذين غلوا فِي إِثْبَات الْقدر حَتَّى جعلُوا الْعباد مجبورين على أفعالهم من الطَّاعَات والمعاصي فأفعال الْعباد عِنْدهم بِمَنْزِلَة تَحْرِيك الْهَوَاء للأشجار وبمنزلة حَرَكَة المرتعش وقابلهم النفاة للقدر وهم الَّذين جعلُوا أَفعَال الْعباد غير مخلوقة لله تَعَالَى وَقد روى مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة

стр. 255

عَن يحيى بن يعمر قَالَ كَانَ أول من تكلم فِي الْقدر بِالْبَصْرَةِ معبد الْجُهَنِيّ فَانْطَلَقت انا وَحميد بن عبد الرَّحْمَن الْحِمْيَرِي حاجين اَوْ معتمرين فَقُلْنَا لَو فلقينا احدا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُول هَؤُلَاءِ فِي الْقدر فوفق لنا عبد الله بن عمر دَاخِلا الْمَسْجِد فاكتنفته أَنا وصاحبي فَظَنَنْت أَن صَاحِبي سيكل الْكَلَام الي فَقلت ابا عبد الرَّحْمَن انه قد ظهر قبلنَا أنَاس يقرؤون الْقُرْآن ويتقفرون الْعلم يَزْعمُونَ أَن لَا قدر وَأَن الامر أنف فَقَالَ إِذا لقِيت أُولَئِكَ فاخبرهم أَنِّي مِنْهُم بَرِيء وَأَنَّهُمْ مني بُرَآء وَالَّذِي يحلف بِهِ عبد الله بن عمر لَو أَن لاحدهم مثل أحد ذَهَبا فأنفقه فِي سَبِيل الله مَا قبله الله مِنْهُ حَتَّى يُؤمن بِالْقدرِ ثمَّ قَالَ حَدثنِي عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ بَيْنَمَا نَحن جُلُوس عِنْد رَسُول الله ﷺ اذ طلع علينا رجل شَدِيد بَيَاض الثِّيَاب شَدِيد سَواد الشّعْر لَا يرى عَلَيْهِ أثر السّفر وَلَا يعرفهُ منا أحد حَتَّى جلس الى النَّبِي ﷺ فأسند رُكْبَتَيْهِ الى رُكْبَتَيْهِ وَوضع كفيه على فَخذيهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّد أَخْبرنِي عَن الاسلام قَالَ رَسُول الله ﷺ (الاسلام أَن تشهد أَن لَا اله الا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وتقيم الصَّلَاة وتؤتي الزَّكَاة وتصوم رَمَضَان وتحج الْبَيْت أَن اسْتَطَعْت اليه سَبِيلا (قَالَ صدقت فعجبنا لَهُ يسْأَله ويصدقه قَالَ فَأَخْبرنِي عَن الايمان قَالَ (أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر وتؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره (قَالَ صدقت قَالَ فَأَخْبرنِي عَن الاحسان قَالَ (أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فانه يراك (قَالَ فَأَخْبرنِي عَن السَّاعَة قَالَ (مَا المسؤول عَنْهَا بِأَعْلَم من السَّائِل (قَالَ فَأَخْبرنِي عَن أماراتها قَالَ (أَن تَلد الامة ربتها وَأَن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشَّاء بتطاولون فِي الْبُنيان (قَالَ فَانْطَلق فَلَبثت ثَلَاثًا وَفِي رِوَايَة مُسلم مَلِيًّا ثمَّ قَالَ (يَا عمر أَتَدْرِي من

стр. 256

السَّائِل (قلت الله وَرَسُوله اعْلَم قَالَ (فَإِنَّهُ جِبْرِيل أَتَاكُم يعلمكم أَمر دينكُمْ ( وروى الامام أَحْمد وَأَبُو دَاوُد عَن عبَادَة بن الْوَلِيد بن عبَادَة حَدثنِي أبي قَالَ دخلت على عبَادَة وَهُوَ مَرِيض أتخايل فِيهِ الْمَوْت فَقلت يَا أبتاه أوصني واجتهد لي فَقَالَ أجلسوني فَقَالَ يَا بني أَنَّك لن تَجِد طعم الايمان وَلنْ تبلغ حَقِيقَة الْعلم بِاللَّه حَتَّى تؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره قلت يَا أبتاه كَيفَ أعلم مَا خير الْقدر وشره قَالَ أَن تعلم أَن مَا أخطأك لم يكن ليصيبك وَمَا أَصَابَك لم يكن ليخطئك يَا بني سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (إِن أول مَا خلق الله الْقَلَم فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَجرى فِي تِلْكَ السَّاعَة بِمَا هُوَ كَائِن الى يَوْم الْقِيَامَة (يَا بني إِن مت وَلست على ذَلِك دخلت النَّار وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح غَرِيب وَفِي هَذَا الحَدِيث وَنَحْوه بَيَان شُمُول علم الله تَعَالَى واحاطته بِمَا كَانَ وَمَا يكون فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿الله الَّذِي خلق سبع سماوات وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ يتنزل الْأَمر بَينهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَن الله على كل شَيْء قدير وَأَن الله قد أحَاط بِكُل شَيْء علما﴾ الطَّلَاق ١٢ وَقد قَالَ الامام أَحْمد ﵀ لما سُئِلَ عَن الْقدر قَالَ الْقدر قدرَة الرَّحْمَن وَاسْتحْسن ابْن عقيل هَذَا من أَحْمد كَمَا ذكره النَّاظِم وَالْمعْنَى أَنه لَا يمْنَع عَن قدرَة الله شَيْء ونفاة الْقدر قد جَحَدُوا كَمَال قدرَة الله تَعَالَى ٢ فضلوا عَن سَوَاء السَّبِيل وَقد قَالَ بعض السّلف ناظروهم بِالْعلمِ فان أقرُّوا بِهِ خصموا وَأَن جحدوه كفرُوا وَفِي الْمسند (و (سنَن ابي دَاوُد (عَن ابْن الديلمي واسْمه عبد الله

стр. 257

ابْن فَيْرُوز قَالَ لَو أَن الله عذب اهل سمواته وَأهل أرضه لعذبهم وَهُوَ غير ظَالِم لَهُم وَلَو رَحِمهم لكَانَتْ رَحمته خيرا لَهُم من اعمالهم وَلَو انفقت مثل اُحْدُ ذَهَبا مَا قبله الله مِنْك حَتَّى تؤمن بِالْقدرِ وَتعلم أَن مَا أَصَابَك لم يكن ليخطئك وَمَا أخطأك لم يكن ليصيبك وَلَو مت على غير هَذَا لَكُنْت من أهل النَّار قَالَ فَأتيت عبد الله بن مَسْعُود فَقَالَ مثل ذَلِك ثمَّ أتيت حُذَيْفَة بن الْيَمَان فَقَالَ مثل ذَلِك ثمَّ أتيت زيد بن ثَابت قَالَ فَحَدثني عَن النَّبِي ﷺ مثل ذَلِك وَأخرجه ابْن ماجة وَقَالَ الْعِمَاد ابْن كثير ﵀ عَن سُفْيَان عَن مَنْصُور عَن ربعي بن خرَاش عَن رجل عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يُؤمن عبد حَتَّى يُؤمن بِأَرْبَع يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله بَعَثَنِي بِالْحَقِّ ويؤمن بِالْبَعْثِ بعد الْمَوْت ويؤمن بِالْقدرِ خَيره وشره (وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن النَّضر بن شُمَيْل عَن شُعْبَة عَن مَنْصُور بِهِ وَرَوَاهُ من حَدِيث أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة عَن ربعي عَن عَليّ فَذكره وَقد ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم (من رِوَايَة عبد الله بن وهب وَغَيره عَن أبي هانىء الْخَولَانِيّ عَن أبي عبد الرَّحْمَن الحبلي عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن الله كتب مقادير الْخلق قبل أَن يخلق السَّمَوَات والارض بِخَمْسِينَ الف سنة (زَاد ابْن وهب (وَكَانَ عَرْشه على المَاء (رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب وكل هَذِه الاحاديث وَمَا فِي مَعْنَاهَا فِيهَا الْوَعيد الشَّديد على عدم الايمان بِالْقدرِ وَهِي الْحجَّة على نفاة الْقدر من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم وَمن مَذْهَبهم تخليد أهل الْمعاصِي فِي النَّار وَهَذَا الَّذِي اعتقدوه من أكبر الْكَبَائِر

стр. 258

وَأعظم الْمعاصِي وَفِي الْحَقِيقَة إِذا اعْتبرنَا إِقَامَة الْحجَّة عَلَيْهِم بِمَا تَوَاتَرَتْ بِهِ نُصُوص الْكتاب وَالسّنة من اثبات الْقدر فقد حكمُوا على انفسهم بالخلود فِي النَّار إِن لم يتوبوا وَهَذَا لَازم لَهُم على مَذْهَبهم هَذَا وَقد خالفوا مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة من إِثْبَات الْقدر وَعدم تخليد أهل الْكَبَائِر من الْمُوَحِّدين فِي النَّار وَالله اعْلَم قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَله الْحَيَاة كَمَا لَهَا فلأجل ذَا مَا للممات عَلَيْهِ من سُلْطَان ... وَكَذَلِكَ القيوم من أَوْصَافه مَا للمنام لَدَيْهِ من غشيان ... وكذاك أَوْصَاف الْكَمَال جَمِيعهَا ثبتَتْ لَهُ ومدارها الوصفان ... فمصحح الاوصاف والافعال وَال أَسمَاء حَقًا ذَانك الوصفان ... ولاجل ذَا جَاءَ الحَدِيث بِأَنَّهُ فِي آيَة الْكُرْسِيّ وَذي عمرَان ... اسْم الاله الاعظم اشتملا على اسْم الْحَيّ والقيوم مقترنان ... فَالْكل مرجعها الى الاسمين يَد ري ذَاك ذُو بصر بِهَذَا الشان ... أَي ومصحح الاوصاف والافعال والاسماء خقا ذَانك الوصفان وهما الْحَيّ القيوم وَقَوله ولاجل ذَا جَاءَ الحَدِيث الخ أَي جَاءَ الحَدِيث بِأَن الْحَيّ القيوم هما اسْما الله الاعظم يُشِير الى مَا رَوَاهُ ابو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة وَحسنه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ من حَدِيث أَسمَاء بنت يزِيد رَضِي الله

стр. 259

عَنْهَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (اسْم الله الاعظم فِي هاتبن الْآيَتَيْنِ ﴿وإلهكم إِلَه وَاحِد لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ الْبَقَرَة ١٦٣ وفاتحة سُورَة آل عمرَان ﴿الم الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ واخرج الامام أَحْمد وَابْن ماجة من حَدِيث أنس بن مَالك ﵁ قَالَ مر النَّبِي ﷺ بِأبي عَيَّاش زيد بن الصَّامِت وَهُوَ يُصَلِّي وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ اني اسألك بِأَن لَك الْحَمد لَا اله الا أَنْت يَا حنان يَا منان يَا بديع السَّمَوَات والارض يَا ذَا الْجلَال والاكرام فَقَالَ رَسُول الله ﷺ لقد دَعَا الله باسمه الاعظم الَّذِي إِذا دعِي بِهِ أجَاب واذا سُئِلَ بِهِ أعْطى (رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي (صَحِيحه (وَالْحَاكِم وَزَاد هَؤُلَاءِ الاربعة (يَا حَيّ يَا قيوم (وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح على شَرط مُسلم وَزَاد الْحَاكِم فِي رِوَايَة لَهُ (أَسأَلك الْجنَّة وَأَعُوذ بك من النَّار ( وَفِي (جلاء الافهام (للناظم قَالَ وَفِي (مُسْند أبي يعلى (الْموصِلِي عَن بعض الصَّحَابَة أَنه طلب أَن يعرف اسْم الله الاعظم فَرَأى فِي مَنَامه مَكْتُوبًا فِي السَّمَاء بالنجوم يَا بديع السَّمَوَات والارض يَاذَا الْجلَال والاكرام انْتهى ... وَله الارادة وَالْكَرَاهَة والرضى وَله الْمحبَّة وَهُوَ ذُو الاحسان ... وَله الْكَمَال الْمُطلق العاري عَن التَّشْبِيه والتمثيل بالانسان ... وَكَمَال من أعْطى الْكَمَال بِنَفسِهِ أولى وأقدم وَهُوَ أعظم شان ... أَيكُون قد أعْطى الْكَمَال وَمَاله ذَاك الْكَمَال أذاك ذُو إِمْكَان ... أَيكُون إِنْسَان سميعا مبصرا متكلما بِمَشِيئَة وَبَيَان ...

стр. 260

.. وَله الْحَيَاة وقدرة وَإِرَادَة وَالْعلم بالكلي والاعيان ... وَالله قد أعطَاهُ ذَاك وَلَيْسَ هَذَا وَصفه فاعجب من الْبُهْتَان ... بِخِلَاف نوم العَبْد ثمَّ جمَاعَة والاكل مِنْهُ وحاجة الابدان ... إِذْ تِلْكَ ملزومات كَون العَبْد مح تاجا وَتلك لَوَازِم النُّقْصَان ... وَكَذَا لَوَازِم كَونه جسدا نعم ولوازم الاحداث والامكان ... يتقدس الرَّحْمَن ﷻ عَنْهَا وَعَن أَعْضَاء ذِي جثمان ... قَوْله وَله الْكَمَال الْمُطلق الخ اعْلَم أَن الْعلم الالهي لَا يجوز أَن يسْتَدلّ فِيهِ بِقِيَاس تَمْثِيل يَسْتَوِي فِيهِ الاصل وَالْفرع وَلَا بِقِيَاس شُمُول تستوي أَفْرَاده فَإِن الله سُبْحَانَهُ لَيْسَ كمثله شَيْء فَلَا يجوز أَن يمثل بِغَيْرِهِ وَلَا يجوز أَن يدْخل هُوَ وَغَيره فِي قَضِيَّة كُلية تستوي أفرادها وَلِهَذَا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هَذِه الاقيسة فِي المطالب الالهية لم يصلوا بهَا الى الْيَقِين بل تناقضت ادلتهم وَغلب عَلَيْهِم بعد التناهي الْحيرَة وَالِاضْطِرَاب لما يرونه من فَسَاد أدلتهم اَوْ تكافئها وَلَكِن يسْتَعْمل فِي ذَلِك قِيَاس الاولى سَوَاء كَانَ تمثيلا اَوْ شمولا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَللَّه الْمثل الْأَعْلَى﴾ النَّحْل ٦٠ مثل أَن يعلم أَن كل كَمَال ثَبت للمكن اَوْ للمحدث لَا نقص فِيهِ بِوَجْه من الْوُجُوه وَهُوَ مَا كَانَ كمالا للموجود غير مُسْتَلْزم للعدم فَالْوَاجِب الْقَدِيم أولى بِهِ وكل كَمَال لَا نقص فِيهِ بِوَجْه من الْوُجُوه ثَبت نَوعه للمخلوق المربوب الْمَعْلُول الْمُدبر فانما استفاده من خالقه وربه ومدبره فَهُوَ أَحَق بِهِ مِنْهُ وَأَن كل نقص وعيب فِي نَفسه

стр. 261

وَهُوَ مَا تضمن سلب هَذَا الْكَمَال اذا وَجب نَفْيه عَن شَيْء مَا من أَنْوَاع الْمَخْلُوقَات والممكنات والمحدثات فانه يجب نَفْيه عَن الرب ﵎ بطرِيق الاولى وَأَنه أَحَق بالامور الوجودية من كل مَوْجُود وَأما الامور العدمية فالممكن الْمُحدث بهَا أَحَق وَنَحْو ذَلِك وَمثل هَذِه الطّرق هِيَ الَّتِي كَانَ يستعملها السّلف والائمة فِي مثل هَذِه المطالب كَمَا اسْتعْمل نَحْوهَا الامام أَحْمد وَمن قبله وَبعده من أَئِمَّة الاسلام وبمثل ذَلِك جَاءَ الْقُرْآن فِي تَقْرِير أصُول الدّين فِي التَّوْحِيد وَالصِّفَات والمعاد وَنَحْو ذَلِك أَفَادَهُ شيخ الاسلام فِي كتاب الْعقل وَالنَّقْل ... وَالله رَبِّي لم يزل متكلما وَكَلَامه المسموع بالآذان ... صدقا وعدلا أحكمت كَلِمَاته طلبا واخبارا بِلَا نُقْصَان ... شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي إِثْبَات صفة الْكَلَام وَقد ذهب جُمْهُور أهل الحَدِيث وأئمتهم الى أَن الله تَعَالَى لم يزل متكلما إِذا شَاءَ وَأَنه يتَكَلَّم بِصَوْت كَمَا جَاءَت بِهِ الْآثَار وَالْقُرْآن وَغَيره من الْكتب الالهية وَهُوَ كَلَام الله تكلم الله بِهِ بمشيئته وَقدرته لَيْسَ ببائن (وَلَا) مَخْلُوق وَلَا يَقُولُونَ إِنَّه صَار متكلما بعد أَن لم يكن متكلما وَلَا إِن كَلَام الله من حَيْثُ هُوَ هُوَ حَادث بل مَا زَالَ متكلما إِذا شَاءَ وَإِن كَانَ كلم مُوسَى وناداه بمشيئته وَقدرته فَكَلَامه لَا ينْفد كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قل لَو كَانَ الْبَحْر مدادا لكلمات رَبِّي لنفد الْبَحْر قبل أَن تنفد كَلِمَات رَبِّي﴾ الْكَهْف ١٠٩ الْآيَة وَيَقُولُونَ بِمَا جائت بِهِ النُّصُوص النَّبَوِيَّة الصَّحِيحَة ودلت عَلَيْهِ الْعُقُول الزكية الصَّرِيحَة فَلَا ينفون عَن الله صِفَات الْكَمَال ويجعلونه كالجمادات الَّتِي لَا تَتَكَلَّم وَلَا تسمع وَلَا تبصر فَلَا تكلم عابديها وَلَا تهديهم سَبِيلا وَلَا ترجع اليهم قولا وَلَا تملك لَهُم ضرا وَلَا نفعا وَمن

стр. 262

جعل كَلَام الله لَا يقوم الا بِغَيْرِهِ كَانَ المتصف بِهِ هُوَ ذَلِك الْغَيْر فَتكون الشَّجَرَة هِيَ القائلة لمُوسَى ﴿إِنَّنِي أَنا الله﴾ طه ١٤ وَلِهَذَا اشْتَدَّ نَكِير السّلف على من قَالَ ذَلِك وَقَالُوا هَذَا نَظِير قَول فِرْعَوْن ﴿أَنا ربكُم الْأَعْلَى﴾ النازعات ٢٤ أَي هَذَا كَلَام قَائِم بِغَيْر الله وَهَذَا كَلَام قَائِم بِغَيْر الله وَأهل هَذَا القَوْل الموافقون للسف لَا يَقُولُونَ إِن الرب كَانَ مسلوب صِفَات الْكَمَال فِي الازل وَإنَّهُ كَانَ عَاجِزا عَن الْكَلَام حَتَّى حدث لَهُ قدرَة عَلَيْهِ كالطفل وَالَّذين يَقُولُونَ إِن الْقُرْآن مَخْلُوق يجْعَلُونَ الْكَلَام لغيره فيسلبونه صِفَات الْكَمَال وَيَقُولُونَ إِنَّه لَا يقدر على الْكَلَام فِي الازل لَا على كَلَام مَخْلُوق وَلَا غَيره وهم وَإِن لم يصرحوا بِالْعَجزِ عَن الْكَلَام فَهُوَ لَازم لقَولهم قَوْله وَكَلَامه المسموع بالآذان أَي إِن كَلَام الله تَعَالَى يسمع كَمَا يسمعهُ جِبْرِيل ﵇ وكما سمع مُوسَى ﵇ قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَرَسُوله قد عاذ بالكلمات من لدغ وَمن عين وَمن شَيْطَان ... أيعاذ بالمخلوق حاشاه من ال إشراك وَهُوَ معلم الايمان ... بل عاذ بالكلمات وَهِي صِفَاته سُبْحَانَهُ لَيست من الاكوان ... وَكَذَلِكَ الْقُرْآن عين كَلَامه ال مسموع مِنْهُ حَقِيقَة بِبَيَان ... هُوَ قَول رَبِّي كُله لَا بعضه لفظا وَمعنى مَا هما خلقان ... تَنْزِيل رب الْعَالمين وَقَوله اللَّفْظ وَالْمعْنَى بِلَا روغان ...

стр. 263

.. لَكِن أصوات الْعباد وفعلهم كمدادهم وَالرّق مخلوقات ... فالصوت للقاري وَلَكِن الكلا م كَلَام رب الْعَرْش ذِي الاحسان ... هَذَا اذا مَا كَانَ ثمَّ وساطة كَقِرَاءَة الْمَخْلُوق لِلْقُرْآنِ ... فاذا انْتَفَت تِلْكَ الوساطة مِثْلَمَا قد كلم الْمَوْلُود من عمرَان ... فهنالك الْمَخْلُوق نفس المستمع لَا شَيْء من المسموع فإفهم ذان ... هذي مقَالَة أَحْمد وَمُحَمّد وخصومهم من بعد طَائِفَتَانِ ... إِحْدَاهمَا زعمت بِأَن كَلَامه خلق لَهُ أَلْفَاظه وَمَعَان ... وَالْآخرُونَ أَبَوا وَقَالُوا شطره خلق وَشطر قَامَ بالرحمن ... زَعَمُوا الْقرَان عبارَة وحكاية قُلْنَا كَمَا زعموه قرآنان ... هَذَا الَّذِي نتلوه مَخْلُوق كَمَا قَالَ الْوَلِيد وَبعده الفئتان ... وَالْآخر الْمَعْنى الْقَدِيم فقائم بِالنَّفسِ لم يسمع من الديَّان ... والامر عين النَّهْي واستفهامه هُوَ عين اخبار وَذُو وحدان ... وَهُوَ الزبُور وَعين توارة وان جيل وَعين الذّكر وَالْفرْقَان ... الْكل شَيْء وَاحِد فِي نَفسه لايقبل التَّبْعِيض فِي الاذهان ... مَا إِن لَهُ كل وَلَا بعض وَلَا حرف ولاعربي وَلَا عبراني ... ودليلهم فِي ذَاك بَيت قَالَه فِيمَا يُقَال الاخطل النَّصْرَانِي ...

стр. 264

.. يَا قوم قد غلط النَّصَارَى قبل فِي معنى الْكَلَام وَمَا اهتدوا لبَيَان ... ولاجل ذَا جعلُوا الْمَسِيح إلههم اذ قيل كلمة خَالق رحمان ... وَلأَجل ذَا جَعَلُوهُ ناسوتا وَلَا هوتا قَدِيما بعد متحدان ... وَنَظِير هَذَا من يَقُول كَلَامه معنى قديم غير ذِي حدثان ... والشطر مَخْلُوق وَتلك حُرُوفه ناسوته لَكِن هما غيران ... فَانْظُر الى ذَا الِاتِّفَاق فانه عجب وطالع سنة الرَّحْمَن ... وتكايست أُخْرَى وَقَالَت إِن ذَا ... قَول محَال وَهُوَ خمس معَان تِلْكَ الَّتِي ذكرت وَمعنى جَامع ... لجميعها كالأس للبنيان فَيكون أنواعا وَعند نظيرهم ... أَوْصَافه وهما فمتفقان إِن الَّذِي جَاءَ الرَّسُول بِهِ لمخ ... لوق وَلم يسمع من الديَّان وَالْخلف بَينهم فَقيل مُحَمَّد ... أنشاه تعبيرا عَن الْقُرْآن وَالْآخرُونَ أَبَوا وَقَالُوا إِنَّمَا ... جِبْرِيل أنشاه عَن المنان وتكايست أُخْرَى وَقَالَت إِنَّه ... نقل من اللَّوْح الرفيع الشان فاللوح مبدؤه وَرب اللَّوْح قد ... أنشاه خلقا فِيهِ ذَا حدثان هذي مقالات لَهُم فَانْظُر ترى ... فِي كتبهمْ يَا من لَهُ عينان لَكِن أهل الْحق قَالُوا إِنَّمَا ... جِبْرِيل بلغَة عَن الرَّحْمَن ...

стр. 265

.. أَلْقَاهُ مسسوعا لَهُ من ربه ... للصادق المصدوق بالبرهان ... قَوْله وَرَسُوله قد عاذ بالكلمات الخ أَقُول احْتج الامام أَحْمد وَغَيره على أَن كَلَام الله غير مَخْلُوق بِأَن النَّبِي ﷺ استعاذ بِكَلِمَات الله فِي غير حَدِيث فَقَالَ (أعوذ بِكَلِمَات الله التَّامَّة (فَفِي (صَحِيح البُخَارِيّ (عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ يعوذ الْحسن وَالْحُسَيْن (أُعِيذكُمَا بِكَلِمَات الله التَّامَّة (وَذكر الحَدِيث وَفِي (صَحِيح مُسلم (عَن خَوْلَة بنت حَكِيم ان النَّبِي ﷺ قَالَ (لَو أَن أحدكُم إِذا نزل منزلا قَالَ أعوذ بِكَلِمَات الله التامات لم يضرّهُ شيئ حَتَّى يرحل من منزله ذَلِك (وَفِي (صَحِيح مُسلم (عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (من قَالَ حِين يُمْسِي أعوذ بِكَلِمَات الله التامات من شَرّ مَا خلق (وَذكر الحَدِيث وَذَلِكَ فِي أَحَادِيث أخر قَالَ أَحْمد وَغَيره وَلَا يجوز أَن يُقَال أُعِيذك بالسماء أَو بالجبال أَو بالأنبياء أَو بِالْمَلَائِكَةِ أَو بالعرش أَو بالارض أَو بشيئ مِمَّا خلق الله وَلَا يتَعَوَّذ إِلَّا بِاللَّه أَو بكلماته قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَلَا يَصح أَن يستعيذ مَخْلُوق بمخلوق فَدلَّ على أَنه استعاذ بِصفة من صِفَات ذَاته وذاته غير مخلوقة ثمَّ قَالَ وَبَلغنِي عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه كَانَ يسْتَدلّ بذلك على أَن الْقُرْآن غير مَخْلُوق وَقَول النَّاظِم هُوَ قَول رَبِّي كُله لَا بعضه إِلَخ هَذَا إِشَارَة إِلَى قَول أبي مُحَمَّد عبد الله بن سعيد بن كلاب وَمن اتبعهُ كالقلانسي وَأبي الْحسن الْأَشْعَرِيّ وَغَيرهم إِن كَلَام الله معنى قَائِم بِذَات الله هُوَ الْأَمر بِكُل مَأْمُور أَمر بِهِ وَالْخَبَر عَن كل مخبر أخبر الله عَنهُ إِن عبر عَنهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا وَإِن عبر عَنهُ بالعبرية كَانَ توراة وَإِن عبر عَنهُ بالسُّرْيَانيَّة كَانَ إنجيلا وَالْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر لَيست أنواعا لَهُ يَنْقَسِم الْكَلَام إِلَيْهَا وَإِنَّمَا

стр. 266

كلهَا صِفَات لَهُ إضافيه كَمَا يُوصف الشَّخْص وَاحِد بِأَنَّهُ ابْن لزيد وَعم لعَمْرو وخال لبكر والقائلون بِهَذَا الْقبُول موافقون للمعتزلة فِي أَن هَذَا الْقُرْآن الَّذِي بَين دفتي الْمُصحف مَخْلُوق وَإِنَّمَا الْخلاف بَين الطائفتبن ان الْمُعْتَزلَة لم تثبت لله كلَاما سوى هَذَا والأشعرية أَثْبَتَت الْكَلَام النَّفْسِيّ الْقَائِم بِذَاتِهِ تَعَالَى وَأَن الْمُعْتَزلَة يَقُولُونَ إِن الْمَخْلُوق كَلَام الله والأشعرية لَا يَقُولُونَ إِنَّه كَلَام الله نعم يسمونه كَلَام الله مجَازًا هَذَا قَول جُمْهُور متقدميهم وَقَالَت طَائِفَة من متأخريهم لفظ الْكَلَام يُقَال على هَذَا الْكَلَام الْمنزل الَّذِي نقرؤه ونكتبه فِي مَصَاحِفنَا وعَلى الْكَلَام النَّفْسِيّ بالاشتراك اللَّفْظِيّ قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية لَكِن هَذَا ينقصضأصلهم فِي إبِْطَال قيام الْكَلَام بِغَيْر الْمُتَكَلّم بِهِ وهم مَعَ هَذَا لَا يَقُولُونَ إِن الْمَخْلُوق كَلَام الله حَقِيقَة كَمَا يَقُوله الْمُعْتَزلَة مَعَ قَوْلهم إِن كَلَامه حَقِيقَة بل يجْعَلُونَ الْقُرْآن الْعَرَبِيّ كحلاما لغير الله وَهُوَ كَلَامه حَقِيقَة قَالَ شيخ الْإِسْلَام وهذار من قَول الْمُعْتَزلَة وَهَذَا حَقِيقَة قَول الْجَهْمِية وَمن هَذَا الْوَجْه فَقَوْل الْمُعْتَزلَة أقرب قَالَ وَقَول الآخرين وَهُوَ قَول الْجَهْمِية الْمَحْضَة لَكِن الْمُعْتَزلَة فِي الْمَعْنى موافقون لهَؤُلَاء وَإِنَّمَا ينازعونهم فِي اللَّفْظ الثَّانِي إِن هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ كَلَام الله هُوَ معنى قديم قَائِم بِذَاتِهِ والخلقية يَقُولُونَ لَا يقوم بِذَاتِهِ كَلَام وَمن هَذَا الْوَجْه فالكلابية خير من الخلقية فِي الظَّاهِر لَكِن جُمْهُور الْمُحَقِّقين من عُلَمَاء السّلف يَقُولُونَ إِن أَصْحَاب هَذَا القَوْل عِنْد التَّحْقِيق لم يثبتوا كلَاما لَهُ حَقِيقَة غير الْمَخْلُوق لأَنهم يَقُولُونَ عَن الْكَلَام النَّفْسِيّ إِنَّه معنى وَاحِد هُوَ الْأَمر وَالنَّهْي وَالْخَبَر إِن عبر عَنهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا وَإِن عبر عَنهُ بالعبرية

стр. 267

كَانَ توراة وَإِن عبر عَنهُ بالسريانيه كَانَ إنجيلا وَجُمْهُور الْعُقَلَاء يَقُولُونَ إِن فَسَاد هَذَا مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ بعد التَّصَوُّر التَّام فَإنَّا إِذا عربنا التَّوْرَاة والانجيل لم يكن مَعْنَاهُمَا معنى الْقُرْآن بل مَعَاني هَذَا لَيست مَعَاني هَذَا وَكَذَلِكَ ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ لَيْسَ هُوَ معنى ﴿تبت يدا أبي لَهب﴾ وَلَا معنى آيَة الْكُرْسِيّ آيَة الدّين وَقَالُوا إِذا جوزتم أَن تكون الْحَقَائِق المتنوعة شَيْئا وَاحِدًا فجوزوا أَن يكون الْعلم وَالْقُدْرَة الْكَلَام والسمع وَالْبَصَر صفة وَاحِدَة فالتزم أَئِمَّة هَذَا القَوْل بِأَن هَذَا الالزام لَيْسَ لَهُم عَنهُ جَوَاب عَقْلِي ثمَّ مِنْهُم من قَالَ النَّاس فِي الصِّفَات إِمَّا مُثبت لَهَا وَإِمَّا ناف لَهَا وَأما إِثْبَاتهَا واتحادها فخلاف الْإِجْمَاع وَمِمَّنْ اعْترف بِأَن لَيْسَ لَهُ جَوَاب أَبُو الْحسن الْآمِدِيّ وَقَول النَّاظِم لَكِن أصوات الْعباد وفعلهم الخ أَي إِن مَذْهَب أَئِمَّة أهل الحَدِيث كَالْإِمَامِ أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا أَن الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق وَالسَّلَف وَالْأَئِمَّة متفقون على أَن الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق وَالْقُرْآن بلغَة جِبْرِيل عَن الله إِلَى مُحَمَّد وبلغة مُحَمَّد إِلَى الْخلق وَالْكَلَام الْمبلغ عَن قَائِله لَا يخرج عَن كَونه كَلَام الْمبلغ عَنهُ بل هُوَ كَلَام لمن قَالَه مبتدئا لَا كَلَام من بلغه عَنهُ مُؤديا فالنبي ﷺ إِذا قَالَ (إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل إمرئ مانوى (وَبلغ هَذَا الحَدِيث عَنهُ وَاحِد بعد وَاحِد حَتَّى وصل إِلَيْنَا كَانَ من الْمَعْلُوم أَنا إِذا سمعناه من الْمُحدث بِهِ إِنَّمَا سمعنَا كَلَام رَسُول الله ﷺ الَّذِي تكلم بِهِ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ وَإِنَّمَا سمعناه من الْمبلغ عَنهُ بِفِعْلِهِ وصوته وَنَفس الصَّوْت الَّذِي تكلم بِهِ النَّبِي ﷺ لم

стр. 268

نَسْمَعهُ وَإِنَّمَا سمعنَا صَوت الْمُحدث عَنهُ وَالْكَلَام كَلَام رَسُول الله ﷺ لَا كَلَام الْمُحدث فَمن قَالَ إِن هَذَا الْكَلَام لَيْسَ كَلَام رَسُول الله ﷺ كَانَ مفتريا وَكَذَلِكَ من قَالَ إِن هَذَا لم يتَكَلَّم بِهِ رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا أحدثه فِي غَيره وَإِن النَّبِي ﷺ لم يتَكَلَّم بِلَفْظِهِ وحروفه بل كَانَ ساكتا أَو عَاجِزا عَن التَّكَلُّم بذلك فَعلم غَيره مَا فِي نَفسه فنظم هَذِه الْأَلْفَاظ ليعبر عَمَّا فِي نفس النَّبِي ﷺ أَو نَحْو هَذَا الْكَلَام فَمن قَالَ هَذَا كَانَ مفتريا وَمن قَالَ إِن هَذَا الصَّوْت المسموع صَوت النَّبِي ﷺ كَانَ مفتريا فَإِذا كَانَ هَذَا معقولا فِي كَلَام الْمَخْلُوق فَكَلَام الْخَالِق أولى باثبات مَا يسْتَحقّهُ من صِفَات الْكَمَال وتنزيه الله أَن تكون صِفَاته وأفعاله هِيَ صِفَات الْعباد وأفعالهم أَو مثل صِفَات الْعباد وأفعالهم فالسلف وَالْأَئِمَّة كَانُوا يعلمُونَ أَن هَذَا الْقُرْآن الْمنزل المسموع من القارئين كَلَام الله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ التَّوْبَة ٦ لَيْسَ هُوَ كلَاما لغيره لَا لَفظه وَلَا مَعْنَاهُ وَلَكِن ب ٤ لغه عَنهُ جِبْرِيل وبلغه مُحَمَّد عَن جِبْرِيل وَلِهَذَا أَضَافَهُ الله إِلَى كل ٢ من الرسولين لِأَنَّهُ بلغه وَأَدَّاهُ لَا لِأَنَّهُ أحدث لَا لَفظه وَلَا مَعْنَاهُ إِذْ لَو كَانَ أَحدهمَا هُوَ الَّذِي أحدث ذَلِك لم يَصح اضافة الإحداث إِلَى الآخر فَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم وَمَا هُوَ بقول شَاعِر قَلِيلا مَا تؤمنون وَلَا بقول كَاهِن قَلِيلا مَا تذكرُونَ﴾ الحاقة ٤٠ ٤٢ فَهَذَا مُحَمَّد ﷺ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّه لقَوْل رَسُول كريم ذِي قُوَّة عِنْد ذِي الْعَرْش مكين مُطَاع ثمَّ أَمِين﴾ التكوير ١٩ ٢١ فَهَذَا جِبْرِيل ﵇ وَقد توعد تَعَالَى من قَالَ ﴿إِن هَذَا إِلَّا قَول الْبشر﴾ المدثر ٢٥ (وَمن) قَالَ إِن هَذَا الْقُرْآن قَول الْبشر فقد كفر وَقَالَ

стр. 269

بقول الوحيد الَّذِي أوعده سقر وَمن قَالَ إِن شَيْئا مِنْهُ فَوق الْبشر فقد قَالَ بِبَعْض قَوْله وَمن قَالَ إِنَّه لَيْسَ بقول رَسُول كريم وَإِنَّمَا هُوَ قَول شَاعِر أَو مَجْنُون أَو مفتر أَو قَالَ هُوَ قَول شَيْطَان نزل بِهِ عَلَيْهِ وَنَحْو ذَلِك فَهُوَ أَيْضا كَافِر مَلْعُون وَقد علم الْمُسلمُونَ الْفرق بَين أَن يسمع كَلَام الْمُتَكَلّم مِنْهُ أَو من الْمبلغ عَنهُ وَأَن مُوسَى سمع كَلَام الله من الله بِلَا وَاسِطَة وَأَنا نَحن إِنَّمَا نسْمع كَلَام الله من المبلغين عَنهُ وَإِذا كَانَ الْفرق ثَابتا بَين من سمع كَلَام النَّبِي ﷺ مِنْهُ وَمن سَمعه من الصاحب الْمبلغ عَنهُ فَالْفرق هُنَا أولى لِأَن أَفعَال الْمَخْلُوق وَصِفَاته أشبه بِأَفْعَال الْمَخْلُوق وَصِفَاته من أَفعاله وَصِفَاته بِأَفْعَال الله وَصِفَاته قَوْله وخصومهم من بعد طَائِفَتَانِ ... إِحْدَاهمَا زعمت بِأَن كَلَامه ... خلق لَهُ أَلْفَاظه وَمَعَان ... أَقُول هَذَا مَذْهَب الْجَهْمِية والمعتزلة وَقد تقدم حِكَايَة كَلَامهم فِي الْكَلَام بِمَا أغْنى عَن إِعَادَته قَوْله ٣ ... والآ خرون أَبَوا وَقَالُوا شطره ... خلق وَشطر قَامَ بالرحمن ... هَذَا قَول الأشعرية والكلابية كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَام على ذَلِك قَوْله زَعَمُوا الْقُرْآن عبارَة الخ أَي قَالَت الأشاعرة إِن الْقُرْآن عبارَة عَن الْمَعْنى وَابْن كلاب وَمن تَابعه قَالُوا حِكَايَة قَوْله ... ودليلهم فِي ذَاك بَيت قَالَه ... فِيمَا يُقَال الأخطل النَّصْرَانِي ... أَي ودليلهم على إِثْبَات الْكَلَام النَّفْسِيّ قَول الأخطل ... إِن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد وَإِنَّمَا ... جعل اللِّسَان على الْفُؤَاد دَلِيلا ...

стр. 270

وَمن النَّاس من أنكر أَن يكون هَذَا من شعره وَقَالُوا انهم فتشوا ديوانه فَلم يجدوه وَهَذَا يروي عَن أبي مُحَمَّد بن الخشابقال بَعضهم لَفظه إِن الْبَيَان لفي الْفُؤَاد وَمن الْعجب أَنه لواحتج مُحْتَج فِي مَسْأَلَة بِحَدِيث أَخْرجَاهُ فِي (الصحيحن (عَن النَّبِي ﷺ لقالوا هَذَا خبر وَاحِد وَيكون مِمَّا اتّفق الْعلمَاء على تَصْدِيقه وتلقيه بِالْقبُولِ وَهَذَا الْبَيْت لم يثبت نَقله عَن قَائِله بِالْإِسْنَادِ لَا وَاحِد وَلَا أَكثر من وَاحِد وَلَا تَلقاهُ أهل الْعَرَبيَّة بِالْقبُولِ فَكيف يثبت بِهِ أدنى شيئ من اللُّغَة فضلا عَن مُسَمّى الْكَلَام وَيُقَال أَيْضا مُسَمّى الْكَلَام وَالْقَوْل وَنَحْوهمَا لَيْسَ هومما يحْتَاج فِيهِ إِلَى قَول شَاعِر فَإِن هَذَا مِمَّا تكلم بِهِ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ من أهل اللُّغَة وَعرفُوا مَعْنَاهُ فِي لغتهم كَمَا عرفُوا مُسَمّى الرَّأْس وَالْيَد وَالرجل وَأَيْضًا فالناطقون باللغة يحْتَج باستعمالهم للألفاظ فِي مَعَانِيهَا لَا بِمَا يذكرُونَهُ من الْحُدُود فَإِن أهل اللُّغَة الناطقين لَا يَقُول أحد مِنْهُم إِن الرَّأْس كَذَا وَالْيَد كَذَا وَالْكَلَام كَذَا واللون كَذَا بل ينطقون بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ دَالَّة على مَعَانِيهَا فتعرف لغتهم من إستعمالهم فَعلم أَن الأخطل لم يرد بِهَذَا أَن يذكر مُسَمّى الْكَلَام وَلَا أحد من الشُّعَرَاء يقْصد ذَلِك الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا أَرَادَ إِن كَانَ قَالَ ذَلِك مَا فسر بِهِ الْمُفَسِّرُونَ للشعر أَي أصل الْكَلَام من الْفُؤَاد هُوَ الْمَعْنى فَإِذا قَالَ الْإِنْسَان بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قلبه فَلَا تثق بِهِ وَهَذَا كالأقوال الَّتِي ذكرهَا الله عَن الْمُنَافِقين وَذكر أَنهم يَقُولُونَ بألسنتهم ٨ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبهم وَلِهَذَا قَالَ الأخطل قبل ذَلِك ... لَا يعجبنك من خطيب خطْبَة ... حَتَّى يكون مَعَ الْكَلَام أصيلا إِن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد وَإِنَّمَا ... جعل اللِّسَان على الْفُؤَاد دَلِيلا ...

стр. 271

نَهَاهُ أَن يعجب بقوله الظَّاهِر حَتَّى يعلم مَا فِي قبله فِي الأَصْل وَلِهَذَا قَالَ حَتَّى يكون مَعَ الْكَلَام أصيلا وَقَوله مَعَ الْكَلَام دَلِيل على أَن اللَّفْظ الظَّاهِر قد سَمَّاهُ كلَاما وَإِن لم يعلم قيام مَعْنَاهُ بقلب صَاحبه وَهَذَا حجَّة عَلَيْهِم فقد اشْتَمَل شعره على هَذَا وَهَذَا بل قَوْله مَعَ الْكَلَام مُطلق وَقَوله إِن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد أَرَادَ بِهِ أَصله وَمَعْنَاهُ وَالْمَقْصُود بِهِ وَاللِّسَان دَلِيل على ذَلِك وَبِالْجُمْلَةِ فَمن احْتَاجَ إِلَى أَن يعرف مُسَمّى الْكَلَام فِي لُغَة الْعَرَب وَالْفرس وَالروم وَالتّرْك وَسَائِر أَجنَاس بني آدم بقول شَاعِر فَإِنَّهُ من أبعد النَّاس عَن معرفَة طرق الْعلم ثمَّ هُوَ من المولدين لَيْسَ من الشُّعَرَاء القدماء وَهُوَ نَصْرَانِيّ كَافِر مثلث واسْمه الأخطل والأخطل فَسَاد فِي الْكَلَام وَهُوَ نَصْرَانِيّ وَالنَّصَارَى قد أخطؤوا فِي مُسَمّى الْكَلَام فَجعلُوا الْمَسِيح الْقَائِم بِنَفسِهِ هُوَ نفس كلمة الله وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم ... يَا قوم قد غلط النَّصَارَى قبل فِي ... معنى الْكَلَام وَمَا اهتدوا لبَيَان ... قَالَ شيخ الْإِسْلَام فِي (التسعينية (بعد كَلَام سبق وَأَيْضًا فهم يعْنى الأشاعرة فِي لفظ الْقُرْآن الَّذِي حُرُوفه واشتماله على الْمَعْنى لَهُم مضاهاة قَوِيَّة بالنصارى فِي جَسَد الْمَسِيح الَّذِي (هُوَ) متدرع اللاهوت فَإِن هَؤُلَاءِ متفقون على أَن حُرُوف الْقُرْآن لَيست من كَلَام الله بل هِيَ مخلوقة كَمَا أَن النَّصَارَى متفقون على أَن جَسَد الْمَسِيح لم يكن من اللاهوت بل هُوَ مَخْلُوق ثمَّ يَقُولُونَ الْمَعْنى الْقَدِيم لما أنزلهُ بِهَذِهِ الْحُرُوف المخلوقة فَمنهمْ من يُسَمِّي الْحُرُوف كَلَام الله حَقِيقَة كَمَا يُسَمِّي الْمَعْنى كَلَام الله حَقِيقَة وَمِنْهُم من يَقُول بل هِيَ كَلَام الله مجَازًا كَمَا أَن النَّصَارَى مِنْهُم من

стр. 272

يَجْعَل لاهوتا حَقِيقَة لاتحاده باللاهوت واختلاطه بِهِ وَمِنْهُم من يَقُول هُوَ مَحل اللاهوت ودعاؤه ثمَّ النَّصَارَى تَقول هَذَا الْجَسَد إِنَّمَا عبد لكَونه مظهر اللاهوت وَإِن لم يكن هُوَ إِيَّاه وَلَكِن صَار هُوَ إِيَّاه بطرِيق الِاتِّحَاد وَهُوَ مَحَله بطرِيق الْحُلُول فَعظم لذَلِك وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ هَذِه الْحُرُوف لَيست من كَلَام الله وَلَا يجوز أَن يتَكَلَّم الله بهَا وَلَا تكلم بهَا بل لَا يدْخل فِي قدرته أَن يتَكَلَّم بهَا وَلَكِن خلقهَا فأظهر بهَا الْمَعْنى الْقَدِيم وَدلّ بهَا عَلَيْهِ فاستحقت الْإِكْرَام وَالتَّحْرِيم لذَلِك حَيْثُ تدخل فِي حكمه بِحَيْثُ لَا يفصل بَينهمَا أَو يفصل بِأَن يُقَال هَذَا مظهر هَذَا وَدَلِيله وجعلو مَا لَيْسَ هُوَ كَلَام الله وَلَا تكلم الله بِهِ قطّ كلَاما لله مُعظما تَعْظِيم كَلَام الله كَمَا جعلت الناسوت هُوَ الْكَلِمَة إِلَهًا وعظموه تَعْظِيم الاله الَّذِي هُوَ كلمة الله عِنْده وَمِنْهَا أَن النَّصَارَى على مَا حكى عَنْهُم المتكلمون كَابْن الباقلاني أَو غَيره ينفون الصِّفَات وَيَقُولُونَ إِن الأقانيم الَّتِي هِيَ الْوُجُود والحياة وَالْعلم هِيَ خَواص هِيَ صِفَات نفسية للجوهر لَيست صِفَات زَائِدَة على الذَّات وَيَقُولُونَ إِن الْكَلِمَة هِيَ الْعلم لَيست هِيَ كَلَام الله فَإِن كَلَامه صفة فعل وَهُوَ مَخْلُوق فق فِي هَذَا كَقَوْل نَفَاهُ الصفاة من الْجَهْمِية الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم وَهَذَا يكون قَول بَعضهم مِمَّن خاطبه متكلمو الْجَهْمِية من النسطورية وَغَيرهم وَمِمَّنْ تفلسف مِنْهُم على مَذْهَب نفاة الصِّفَات من المتفلسفة وَنَحْو هَؤُلَاءِ وَإِلَّا فَلَا ريب أَن النَّصَارَى مثبتة للصفات بل غَالِيَة فِي ذَلِك كَمَا أَن الْيَهُود أَيْضا فيهم المثبتة والنفاة وَالْمَقْصُود هُنَا أَن تسميتهم للْعلم كلمة دون الْكَلَام الَّذِي هُوَ الْكَلَام ثمَّ ذَلِك الْعلم لَيْسَ هُوَ أمرا معقولا كَمَا نعقل الصغات الْقَائِمَة بالموصوف ضاهاهم فِي ذَلِك هَؤُلَاءِ

стр. 273

الَّذين يَقُولُونَ الْكَلَام هُوَ ذَلِك الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ دون الْكَلَام الَّذِي هُوَ الْكَلَام ثمَّ ذَلِك الْمَعْنى لَيْسَ هُوَ الْمَعْقُول من مَعَاني الْكَلَام فحرفوا اسْم الْكَلَام وَمَعْنَاهُ كَمَا حرفت النَّصَارَى اسْم الْكَلِمَة وَمَعْنَاهَا انْتهى كَلَامه قَوْله ... وتكايست اخرى وَقَالَت إِن ذَا ... قَول محَال وَهُوَ خمس معَان ... تكايست قَالَ فِي (الْقَامُوس (الْكيس خلاف الْحمق وَالْجِمَاع والطب والجود وَالْعقل وَالْغَلَبَة بالكياسة وَقد كاسه يكيسه ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك تكيس تظرف وكايسه غالبه فِي الْكيس قَالَ ألآمدي فِي (ابكار الافكار (فان قيل إِذا قُلْتُمْ إِن الْكَلَام قَضِيَّة وَاحِدَة وان اخْتِلَاف الْعبارَات عَنْهَا بِسَبَب المتعلقات الْخَارِجَة فَلم لم تجوزوا أَن تكون الارادة وَالْعلم وَالْقُدْرَة وَبَاقِي الصِّفَات رَاجِعَة الى معنى وَاحِد وَيكون اخْتِلَاف التعبيرات عَنهُ بِسَبَب المتعلقات لَا بِسَبَب اختلافه فِي ذَاته وَذَلِكَ بِأَن يُسمى ارادة عِنْد تعلقه بالتخصيص وَقدره عِنْد تعلقه بالايجاد وَهَكَذَا سَائِر الصِّفَات وان جَازَ ذَلِك فَلم لَا يجوز أَن يعود ذَلِك كُله الى نفس الذَّات من غير احْتِيَاج الى الصِّفَات وَقَالَ أجَاب الاصحاب عَن ذَلِك بِأَنَّهُ يمْتَنع ان يكون الِاخْتِلَاف بَين الْقُدْرَة والارادة بِسَبَب التعليقات والمتعلقات اذ الْقُدْرَة معنى من شَأْنه تَأتي الايجاد بِهِ والارادة معنى من شَأْنه تَأتي التَّخْصِيص الْحَادِث بِحَال دون حَال وَعند اخْتِلَاف التأثيرات لابد من الِاخْتِلَاف فِي نفس الْمُؤثر وَهَذَا بِخِلَاف الْكَلَام فان تعلقاته بمتعلقاته لَا يُوجب أثرا فضلا عَن كَونه مُخْتَلفا قَالَ وَفِيه نظر وَذَلِكَ انه وان سلم اقناع صُدُور الْآثَار الْمُخْتَلفَة عَن الْمُؤثر الْوَاحِد مَعَ امكان النزاع فِيهِ فَهُوَ مُوجب للِاخْتِلَاف فِي نفس الْقُدْرَة وَذَلِكَ

стр. 274

لِأَن الْقُدْرَة مُؤثرَة فِي الْوُجُود والوجود عِنْد أَصْحَابنَا نفس الذَّات لَا أَنه زَائِد عَلَيْهَا وَإِلَّا كَانَت الذوات ثَابِتَة فِي الْعَدَم وَذَلِكَ مِمَّا لَا نقُول بِهِ واذا كَانَ الْوُجُود هُوَ نفس الذَّات فالذوات مُخْتَلفَة فتأثير الْقُدْرَة فِي آثَار مُخْتَلفَة فَيلْزم أَن تكون مُخْتَلفَة كَمَا قرروه وَلَيْسَ كَذَلِك وَأَيْضًا فان مَا ذَكرُوهُ من الْفرق وَإِن اسْتمرّ فِي الْقُدْرَة والاراد ة فَغير مُسْتَمر فِي بَاقِي الصِّفَات كَالْعلمِ والحياة والسمع وَالْبَصَر لعدم كَونهَا مُؤثرَة فِي اثر مَا قَالَ وَالْحق أَن مَا أوردوه من الاشكال على القَوْل باتحاد الْكَلَام وعود الِاخْتِلَاف الى التعلقات والمتعلقات مُشكل وَعَسَى أَن يكون عِنْد غَيْرِي حلّه ولعسر جَوَابه فر بعض أَصْحَابنَا الى القَوْل بِأَن كَلَام الله الْقَائِم بِذَاتِهِ خمس صِفَات مُخْتَلفَة وَهِي الامر وَالنَّهْي وَالْخَبَر والاستخبار والنداء انْتهى كَلَامه قلت وَهَذَا الَّذِي ذكره الْآمِدِيّ هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ النَّاظِم بقوله وتكايست أُخْرَى الخ فَيكون الامر وَالنَّهْي وَالْخَبَر والاستخبار والنداء صِفَات للمعنى النَّفْسِيّ على مَا ذكره الْآمِدِيّ عَن هَؤُلَاءِ وَالصَّوَاب أَن الامر وَالنَّهْي وَالْخَبَر والاستخبار والنداء أَنْوَاع للْكَلَام وَالله اعْلَم قَوْله ... وتكايست أُخْرَى وَقَالَت إِنَّه ... نقل من اللَّوْح الرفيع الشان ... قَالَ الاصفهاني فِي أوئل تَفْسِيره اتّفق اهل السّنة وَالْجَمَاعَة على أَن الْقُرْآن منزل وَاخْتلفُوا فِي معنى الانزال فَمنهمْ من قَالَ اظهار الْقِرَاءَة وَمِنْهُم من قَالَ إِن الله تَعَالَى ألهم كَلَامه جِبْرِيل وَهُوَ فِي السَّمَاء وَهُوَ عَال عَن

стр. 275

الْمَكَان وَعلمه قِرَاءَته ثمَّ جِبْرِيل أَدَّاهُ فِي الارض وَهُوَ يهْبط فِي الْمَكَان وَفِي التَّنْزِيل طَرِيقَانِ أَحدهمَا ان النَّبِي ﷺ انخلع من صُورَة البشرية الى صُورَة الملكية وَأَخذه من جِبْرِيل وَالثَّانِي أَن الْملك انخلع الى البشرية حَتَّى يَأْخُذهُ الرَّسُول مِنْهُ والاول اصعب الْحَالين انْتهى وَقَالَ القطب الرَّازِيّ فِي حَوَاشِي (الْكَشَّاف (الانزال لُغَة بِمَعْنى الايواء وَبِمَعْنى تَحْرِيك الشَّيْء من علو الى اسفل وَكِلَاهُمَا لَا يتحققان فِي الْكَلَام فَهُوَ مُسْتَعْمل فِيهِ فِي معنى مجازي فَمن قَالَ الْقُرْآن معنى قَائِم بِذَات الله تَعَالَى فانزاله أَن يُوجد الْكَلِمَات والحروف الدَّالَّة على ذَلِك الْمَعْنى ويثبتها فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَمن قَالَ الْقُرْآن هُوَ الالفاظ فانزاله مُجَرّد اثباته فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَهَذَا الْمَعْنى مُنَاسِب لكَونه مَنْقُولًا عَن الْمَعْنيين اللغويين وَيُمكن ان يكون المُرَاد بانزاله اثباته فِي السَّمَاء الدُّنْيَا بعد الاثبات فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَهَذَا مُنَاسِب للمعنى الثَّانِي وَالْمرَاد بانزال الْكتب على الرُّسُل أَن يتلقفها الْملك من الله تلقفا روحانيا أَو يحفظها من اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَينزل بهَا فيلقيها عَلَيْهِم انْتهى وَذكر بَعضهم ان أحرف الْقُرْآن فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ كل حرف مِنْهَا بِقدر جبل قَاف وَأَن تَحت كل حرف مِنْهَا معَان لَا يُحِيط بهَا الا الله انْتهى وَقَالَ بَعضهم فِي الْمنزل على النَّبِي ﷺ ثَلَاثَة أَقْوَال أَحدهَا أَنه اللَّفْظ وَالْمعْنَى وَأَن جِبْرِيل حفظ الْقُرْآن من اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَنزل بِهِ وَالثَّانِي أَن جِبْرِيل انما نزل بالمعاني خَاصَّة وانه ﷺ علم تِلْكَ الْمعَانِي

стр. 276

وَعبر عَنْهَا بلغَة الْعَرَب وَتمسك قَائِل هَذَا بِظَاهِر قَوْله تَعَالَى ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين على قَلْبك﴾ الشُّعَرَاء ١٩٣ وَالثَّالِث أَن جِبْرِيل ألْقى اليه الْمَعْنى وانه عبر بِهَذِهِ الالفاظ بلغَة الْعَرَب وَأَن أهل السَّمَاء يقرؤونه بِالْعَرَبِيَّةِ ثمَّ إِنَّه نزل بِهِ كَذَلِك بعد ذَلِك انْتهى وَلما أَشَارَ النَّاظِم الى هَذِه الاقوال الَّتِي مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان ناسب أَن نذكرها ليعلم حَقِيقَة حَالهَا ويتحقق بُطْلَانهَا وَالله اعْلَم قَوْله ... لَكِن أهل الْحق قَالُوا إِنَّمَا ... جِبْرِيل بلغه عَن الرَّحْمَن ... أَقُول قَالَ ابو الْحسن مُحَمَّد بن عبد الْملك الكرجي الشَّافِعِي فِي كتاب (الْفُصُول فِي الاصول عَن الائمة الفحول (وَذكر اثْنَا عشر إِمَامًا وهم الشَّافِعِي وَمَالك وَالثَّوْري وَأحمد وَالْبُخَارِيّ وَابْن عُيَيْنَة وَابْن الْمُبَارك والاوزاعي وَاللَّيْث بن سعد واسحق بن رَاهَوَيْه وابو زرْعَة وابو حَاتِم سَمِعت الامام ابا مَنْصُور مُحَمَّد بن أَحْمد يَقُول سَمِعت الامام ابا بكر عبد الله بن احْمَد يَقُول سَمِعت الشَّيْخ ابا حَامِد الاسفراييني يَقُول مذهبي وَمذهب الشَّافِعِي وفقهاء الامصار أَن الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق وَمن قَالَ مَخْلُوق فَهُوَ كَافِر وَالْقُرْآن حمله جِبْرِيل ﵇ مسموعا من الله تَعَالَى وَالصَّحَابَة سَمِعُوهُ من رَسُول الله ﷺ وَهُوَ الَّذِي نتلوه نَحن بألسنتنا وَفِيمَا بَين الدفتين وَمَا فِي صدورنا مسموعا ومكتوبا ومحفوظا ومنقوشا وكل حرف مِنْهُ كالباء وَالتَّاء كُله كَلَام الله غير مَخْلُوق وَمن قَالَ مَخْلُوق فَهُوَ كَافِر عَلَيْهِ لعائن الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ انْتهى

стр. 277

قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فصل فِي مجامع طرق أهل الارض وَاخْتِلَافهمْ فِي الْقُرْآن ... وَإِذا أردْت مجامع الطّرق الَّتِي ... فِيهَا افْتِرَاق النَّاس فِي الْقُرْآن فمدارها أصلان قَامَ عَلَيْهِمَا ... هَذَا الْخلاف هما لَهُ ركنان هَل قَوْله بِمَشِيئَة أم لَا وَهل ... فِي ذَاته أم خَارج هَذَانِ أصل اخْتِلَاف جَمِيع أهل الارض فِي ال ... قُرْآن فاطلب مُقْتَضى الْبُرْهَان ثمَّ الالى قَالُوا بِغَيْر مَشِيئَة ... وَإِرَادَة مِنْهُ فطائفتان احداهما جعلته معنى قَائِما ... بِالنَّفسِ اَوْ قَالُوا بِخمْس معَان وَالله أحدث هَذِه الالفاظ كي ... تبديه معقولا الى الاذهان وكذاك قَالُوا انها لَيست هِيَ الْقُرْآن ... بل مخلوقة دلّت على الْقُرْآن ولربما سمي بهَا الْقُرْآن تَسْمِيَة ال ... مجَاز وَذَاكَ وضع ثَان وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فَقيل حِكَايَة ... عَنهُ وَقيل عبارَة لبَيَان اذ كَانَ مَا يحْكى كمحكي ... وَهَذَا اللَّفْظ وَالْمعْنَى فمختلفان وَلذَا يُقَال حكى الحَدِيث بِعَيْنِه ... اذ كَانَ أَوله نَظِير الثَّانِي ...

стр. 278

.. فلذاك قَالُوا لَا نقُول حِكَايَة ... ونقول ذَاك عبارَة الْفرْقَان والاخرون يرَوْنَ هَذَا الْبَحْث ... لفظيان وَمَا فِيهِ كَبِير معَان ... شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي بَيَان طرق أهل الارض وَاخْتِلَافهمْ فِي الْقُرْآن الْعَظِيم وَذكر أَن اخْتلَافهمْ يَدُور على أصلين وهما هَل قَوْله بِمَشِيئَة وَارِدَة ام هُوَ بِغَيْر مَشِيئَة وارادة وَهل كَلَامه تَعَالَى فِي ذَاته ام هُوَ خَارج الذَّات وَذكر ان الْقَائِلين بِأَنَّهُ بِغَيْر مَشِيئَة وارادة طَائِفَتَانِ إِحْدَاهمَا الْكلابِيَّة والاشاعرة والطائفة الثَّانِيَة اقترانية وهم السالمية أَتبَاع ابي الْحسن بن سَالم وَهَذَا هُوَ الْبناء الاصيل والبرهان الَّذِي يقوم عَلَيْهِ الدَّلِيل لَا مَا ذكره الدواني فِي معنى اخْتِلَاف النَّاس فِي الْقُرْآن من الْكَلَام الْجزَاف والهذيان الَّذِي بُطْلَانه غير خَافَ وَذَلِكَ أَنه قَالَ فِي شَرحه (العقائد العضدية (لَا خلاف بَين أهل الْملَّة فِي كَونه تَعَالَى متكلما أَي مَوْصُوفا بِهَذِهِ الصّفة لَكِن اخْتلفُوا فِي تَحْقِيق كَلَامه هَل هُوَ نَفسِي اَوْ لَفْظِي وحدوثه وقدومه وَذَلِكَ انهم لما رَأَوْا قياسين متعارضي النتيجة وهما كَلَام الله تَعَالَى صفة لَهُ وكل مَا هُوَ صفة لَهُ فَهُوَ قديم فَكَلَام الله تَعَالَى قديم وَكَلَام الله تَعَالَى مؤلف من حُرُوف وأصوات مترتبة متعاقبة فِي الْوُجُود وكل مَا هُوَ كَذَلِك فَهُوَ حَادث فَكَلَام الله تَعَالَى حَادث اضطروا الى الْقدح فِي أحد القياسين ضَرُورَة امْتنَاع حقية النقيضين فَمنع كل طَائِفَة بعض الْمُقدمَات فالحنابلة ذَهَبُوا الى أَن كَلَام الله تَعَالَى حُرُوف واصوات وَهِي قديمَة وَمنعُوا أَن كل مَا هُوَ مؤلف من حُرُوف واصوات مترتبة فَهُوَ حَادث بل قَالَ بَعضهم بقدم الْجلد والغلاف قَالَ قلت مَا بالهم لم يَقُولُوا بقدم الْكَاتِب والمجلد قَالَ وَقيل انهم منعُوا اطلاق لفظ الْحَادِث على الْكَلَام

стр. 279

اللَّفْظِيّ رِعَايَة للآدب واحترازا عَن ذهَاب الْوَهم الى حُدُوث الْكَلَام النَّفْسِيّ كَمَا قَالَ بعض الاشاعرة إِن كَلَامه تَعَالَى لَيْسَ قَائِما بِلِسَان اَوْ قلب وَلَا حَالا فِي مصحف أَو لوح وَمنع اطلاق القَوْل بحدوث كَلَامه وان كَانَ المُرَاد هُوَ اللَّفْظِيّ رِعَايَة للأدب واحترازا عَن ذهَاب الْوَهم الى حُدُوث الْكَلَام الازلي والمعتزلة قَالُوا بحدوث كَلَامه وانه مؤلف من اصوات وحروف وَهُوَ قَائِم بِغَيْرِهِ وَمعنى كَونه متكلما عِنْدهم أَنه موجد لتِلْك الْحُرُوف والاصوات فِي الْجِسْم كاللوح الْمَحْفُوظ اَوْ كجبريل اَوْ النَّبِي ﷺ اَوْ غَيرهَا كشجرة مُوسَى ﵇ فهم منعُوا أَن الْمُؤلف من الْحُرُوف والاصوات صفة لله تَعَالَى قديمَة والكرامية لما رَأَوْا أَن مُخَالفَة الضَّرُورَة الَّتِي التزمها الْحَنَابِلَة أشنع من مُخَالفَة الدَّلِيل وَأَن مَا الْتَزمهُ الْمُعْتَزلَة من كَون كَلَامه تَعَالَى صفة لغيره وَأَن معنى كَونه متكلما كَونه خَالِقًا للْكَلَام فِي الْغَيْر مُخَالف للْعُرْف واللغة ذَهَبُوا الى أَن كَلَامه تَعَالَى صفة لَهُ مؤلفة من الْحُرُوف والاصوات الْحَادِثَة الْقَائِمَة بِذَاتِهِ تَعَالَى فهم منعُوا أَن كل مَا هُوَ صفة لَهُ فَهُوَ قديم والاشاعرة قَالُوا كَلَامه تَعَالَى معنى وَاحِد بسيط قَائِم بِذَاتِهِ تَعَالَى قديم فهم منعُوا أَن كَلَامه تَعَالَى مؤلف من الْحُرُوف والاصوات وَلَا نزاع بَين الشَّيْخ والمعتزلة فِي حُدُوث الْكَلَام اللَّفْظِيّ وانما نزاعهم فِي اثبات الْكَلَام النَّفْسِيّ وَعَدَمه وَذهب المُصَنّف الى أَن مَذْهَب الشَّيْخ يَعْنِي الاشعري أَن الالفاظ أَيْضا قديمَة وأفرد فِي ذَلِك مقَالَة ذكر فِيهَا ان لفظ الْمَعْنى يُطلق تَارَة على مَدْلُول اللَّفْظ واخرى على الْقَائِم بِالْغَيْر فالشيخ لما قَالَ هُوَ الْمَعْنى

стр. 280

النَّفْسِيّ فهم الاصحاب مِنْهُ أَن مُرَاده بِهِ مَدْلُول اللَّفْظ وَهُوَ الْقَدِيم عِنْده وَأما الْعبارَات فَإِنَّمَا سميت كلَاما مجَازًا لدلالتها على مَا هُوَ الْكَلَام الْحَقِيقِيّ حَتَّى صَرَّحُوا بِأَن الالفاظ حَادِثَة على مذْهبه وَلكنهَا لَيست كلَاما لَهُ تَعَالَى حَقِيقَة الى غير ذَلِك مِمَّا لَا يخفى على المتفطنين فِي الاحكام الدِّينِيَّة فَوَجَبَ حمل كَلَام الشَّيْخ على أَنه أَرَادَ بِهِ الْمَعْنى الثَّانِي فَيكون الْكَلَام النَّفْسِيّ عِنْده أمرا شَامِلًا للفظ وَالْمعْنَى جَمِيعًا قَائِما بِذَات الله تَعَالَى انْتهى كَلَام الدواني الَّذِي هُوَ فِي الوهي مثل بَيت العنكبوت وَأحسن مِنْهُ الْبكم وَالسُّكُوت وَفِيه اشياء يتَعَيَّن التَّنْبِيه عَلَيْهَا الاول قَوْله ان النَّاس لما رَأَوْا قياسين متعارضي النتيجة الخ يُقَال اكثر أهل الاسلام لم يرفعوا بالْمَنْطق رَأْسا وَلم يراعوا هَذِه الْقَوَاعِد وَإِذا شِئْت ان تعرف ذَلِك فَانْظُر الى ردود متكلمي أهل الاسلام على الْمنطق وَبَيَان فَسَاده وتناقضه كَأبي سعيد السيرافي النَّحْوِيّ وَالْقَاضِي ابي بكر ابْن الطّيب وَالْقَاضِي عبد الْجَبَّار المعتزلي والجبائي وَابْنه وَأبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ وَأبي الْقَاسِم الانصاري وَشَيخ الاسلام ابْن تَيْمِية فَإِن لَهُ فِي نقضه كتابين صَغِير وكبير وَبِاللَّهِ الْعجب اترى المعزلة والكلابية والكرامية أسسوا مذاهبهم على قَوَاعِد الْمنطق فضلا عَن السّلف وأتباعهم هَذَا لَا يَظُنّهُ إِلَّا أَجْهَل الْخلق واشدهم غَفلَة عَن معرفَة ديانات النَّاس ونحلهم الثَّانِي قَوْله بعض الْحَنَابِلَة قَالَ بقدم الْجلد والغلاف ثمَّ تهكم بقوله مَا لَهُم لم يَقُولُوا بقدم الْكَاتِب والمجلد أَقُول انْظُر الى هَذَا الْكَذِب الْمُجَرّد فبالله قل لي من قَالَ هَذَا القَوْل مِنْهُم وَفِي أَي كتاب يُوجد من كتبهمْ وَنَحْو مِمَّا حَكَاهُ الدواني

стр. 281

مَا ذكره أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ قَالَ وَذهب الحشوية المنتمون الى الظَّاهِر الى ان كَلَام الله تَعَالَى قديم أزلي ثمَّ زَعَمُوا أَنه حُرُوف وأصوات وَقَطعُوا بِأَن المسموع من أصوات الْقُرَّاء ونغماتهم عين كَلَام الله تَعَالَى واطلق الرعاع مِنْهُم الْقَوْم بِأَن المسموع صَوت الله تَعَالَى عَن قَوْلهم وَهَذَا قِيَاس جهالاتهم ثمَّ قَالُوا اذا كتب كَلَام الله بجسم من الاجسام رقوما ورسوما واسطرا وكلمات فَهِيَ بِأَعْيَانِهَا كَلَام الله الْقَدِيم فقد كَانَ إِذا كَانَ جسما حَادِثا ثمَّ انْقَلب قَدِيما ثمَّ قضوا بِأَن المرئي من الاسطر هُوَ الْكَلَام الْقَدِيم الَّذِي هُوَ حرف وَصَوت وأصلهم أَن الاصوات على تقطيعها وتواليها كَانَت ثَابِتَة فِي الازل قَائِمَة بِذَات الْبَارِي تَعَالَى وقواعد مَذْهَبهم مَبْنِيَّة على دفع الضرورات انْتهى كَلَامه قَالَ شيخ الاسلام بعد أَن حكى هَذَا الْكَلَام عَن أبي الْمَعَالِي وَمَعْلُوم ان هَذَا القَوْل لَا يَقُوله عَاقل يتَصَوَّر مَا يَقُول وَلَا نَعْرِف هَذَا القَوْل عَن مَعْرُوف بِالْعلمِ من الْمُسلمين وَلَا رَأينَا هَذَا فِي شَيْء من كتب الْمُسلمين وَلَا سمعناه من أحد مِنْهُم فَمَا سمعنَا من اُحْدُ وَلَا رَأينَا فِي كتاب أحد أَن المداد الْحَادِث انْقَلب قَدِيما وَلَا أَن المداد الَّذِي يكْتب بِهِ الْقُرْآن قديم بل رَأينَا عَامَّة المصنفين من أَصْحَاب احْمَد وَغَيرهم يُنكرُونَ هَذَا القَوْل وينسبون ناقله عَن بَعضهم الى الْكَذِب وَأَبُو الْمَعَالِي وَأَمْثَاله أجل من أَن يَقُول الْكَذِب لَكِن القَوْل المحكي قد يسمع من قَائِل لم يضبطه وَقد يكون الْقَائِل نَفسه لم يخبر قَوْلهم بل يذكر كلَاما مُجملا يتَنَاوَل النقيضين وَلَا يُمَيّز فِيهِ بَين لَوَازِم أَحدهمَا ولوازم آخر الى آخر مَا ذكره وأقبح من ذَلِك قَوْله أَي الدواني وَقيل انهم منعُوا إِطْلَاق لفظ الْحَادِث على الْكَلَام اللَّفْظِيّ رِعَايَة للادب واحترازا عَن ذهَاب الْوَهم الى حُدُوث الْكَلَام

стр. 282

النَّفْسِيّ فيا لله الْعجب من هَذَا الِاعْتِذَار الْبَارِد فان الْحَنَابِلَة لَا يَعْتَقِدُونَ ثُبُوت الْكَلَام النَّفْسِيّ بل ينفونه أَشد النَّفْي ويرونه من أعظم الْبَاطِل وَالْكَلَام عِنْدهم اسْم اللَّفْظ وَالْمعْنَى جيمعا كَمَا هُوَ مَذْهَب السّلف رَحْمَة الله عَلَيْهِم وَيسْأل هَذَا المتحذلق هَل يُوجد كَلَام لَفْظِي لَيْسَ لَهُ معنى اللَّهُمَّ الا كَلَام المجانين وَاللَّفْظ المهمل فَهُوَ لَا يُسمى كلَاما إِذْ لَيْسَ لَهُ معنى وَهَذَا معنى قَول النُّحَاة الْكَلَام لفظ مُفِيد فانه لَا يُفِيد حَتَّى يكون لَهُ معنى الثَّالِث قَوْله والكرامية لما رَأَوْا مُخَالفَة الضَّرُورَة الَّتِي التزمها الْحَنَابِلَة الخ يُقَال إِن كَانَ مُخَالفَة الضَّرُورَة ضارا فأصحابك الاشاعرة قد خالفوا الضَّرُورَة فِي إِثْبَات الْمَعْنى النَّفْسِيّ فالتزموا أَن السَّاكِت مُتَكَلم والاخرس مُتَكَلم وَغير ذَلِك من الشناعات الرَّابِع قَوْله والمعتزلة قَالُوا بحدوث كَلَامه وَأَنه مؤلف من أصوات وحروف وَهُوَ قَائِم بِغَيْرِهِ الخ يُقَال هَذَا فِي الْحَقِيقَة هُوَ قَول أَصْحَابك الاشاعرة فانهم قضوا بحدوث الْحُرُوف وَأَنَّهَا مخلوقة وصرحوا بانها إنْشَاء جِبْرِيل اَوْ انشاء مُحَمَّد ﷺ اَوْ أَنَّهَا خلقت فِي مَحل آخر كاللوح الْمَحْفُوظ والشجرة أَو أَن جِبْرِيل أَخذهَا من اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَكَانَ حَقِيقَة قَوْلهم إِذا قَالُوا إِن مُحَمَّدًا ﷺ أنشأه هُوَ قَول من قَالَ ﴿إِن هَذَا إِلَّا قَول الْبشر﴾ المدثر ٢٥ ثمَّ اصحابك أثبتوا شَيْئا لَا دَلِيل على ثُبُوته وَهُوَ الْمَعْنى النَّفْسِيّ وخالفوا إِجْمَاع السّلف والمعتزلة جَمِيعًا فَإِن الْكَلَام عِنْد السّلف والحنابلة اسْم للفظ وَالْمعْنَى جَمِيعًا عندالمعتزلة لَا كَلَام لله تَعَالَى إِلَّا اللَّفْظ الْمَخْلُوق فِي مَحل وَإنَّهُ غير قَائِم بِاللَّه تَعَالَى وإلزم السّلف وَأَصْحَابك الْمُعْتَزلَة أَن الْكَلَام لَا يكون كلَاما إِلَى لمن قَامَ بِهِ الْكَلَام ثمَّ نقض من نقض من أَصْحَابك هَذَا الالزام

стр. 283

وَقَالُوا الْكَلَام يُطلق على الْمَعْنى وَاللَّفْظ بالاشتراك فانهدم أصلهم الَّذِي ردوا بِهِ على الْمُعْتَزلَة وَلَا خلاف بَيْنكُم وَبَين الْمُعْتَزلَة فِي الْحَقِيقَة إِذْ الالفاظ عِنْدهم مخلوقة كَمَا هُوَ قَوْلكُم وَالْمعْنَى الَّذِي اثبتموه وخالفتم بِهِ جَمِيع فرق الامة هُوَ شَيْء لَا حَقِيقَة لَهُ وَلَيْسَ بِأَيْدِيكُمْ الا بَيت الاخطل إِن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد الخ وَهَذَا الْبَيْت لم ينْقل عَن قَائِله باسناد لَا وَاحِد وَلَا أَكثر وَلَو احْتج عَلَيْكُم مُحْتَج بِحَدِيث مخرج فِي (الصَّحِيحَيْنِ) لم تقبلوه وقلتم هَذِه أَخْبَار آحَاد الْخَامِس أَن أَصْحَابك خالفوا فرق الامة فِي إِثْبَات هَذَا الْمَعْنى والامر كَمَا قَالَ الامام أَبُو الْيمن الْكِنْدِيّ النَّحْوِيّ الْحَنَفِيّ قَالَ إِن الاشعري ﵀ سلب الْكَلَام اسْمه وَسَماهُ عبارَة وسلب الْفِكر والروية اسْمهَا وسماهما كلَاما السَّادِس قَوْلك الاشاعرة قَالُوا كَلَامه تَعَالَى معنى وَاحِد بسيط ثمَّ نقلت عَن صَاحب (المواقف (أَنه أفرد لذَلِك مقَالَة حمل فِيهَا كَلَام الشَّيْخ ابي الْحسن الاشعري لما قَالَ هُوَ الْمَعْنى النَّفْسِيّ أَن ذَلِك يكون شَامِلًا للفظ وَالْمعْنَى جَمِيعًا ثمَّ سكت عَن إِنْكَاره فَكيف كَانَ فِي الاول بسيطا ثمَّ صَار مركبا من الْمَعْنى وَاللَّفْظ السَّابِع أَن تلميذك عفيف الدّين الايجي قد رد مَذْهَب أَصْحَابك وقدح فِيهِ غَايَة الْقدح فَقَالَ مَا حَاصله ان هَذَا الَّذِي تدعيه الاشاعرة من أَن الْكَلَام معنى آخر يُسمى النَّفْسِيّ بَاطِل فاذا قُلْنَا زيد قَائِم فهناك أَرْبَعَة اشياء الاول الْعبارَة الصادرة عَنهُ وَالثَّانِي مَدْلُول هَذِه الْعبارَة وَمَا وضعت لَهُ هَذِه الالفاظ من الْمعَانِي الْمَقْصُودَة بهَا الثَّالِث علمه بِثُبُوت تِلْكَ

стр. 284

النِّسْبَة وانتفائها الرَّابِع ثُبُوت تِلْكَ النِّسْبَة وانتفاؤها بالواقع والاخيران ليسَا كلَاما اتِّفَاقًا والاول لَا يُمكن أَن يكون كَلَام الله حَقِيقَة على مَذْهَبهم فَبَقيَ الثَّانِي وَكَذَا نقُول فِي الامر وَالنَّهْي هَا هُنَا ثَلَاثَة أُمُور الاول الارادة وَالْكَرَاهَة الْحَقِيقِيَّة الثَّانِي اللَّفْظ الصا در عَنهُ الثَّالِث مَفْهُوم لَفظه وَمَعْنَاهُ والاول لَيْسَ كلَاما اتِّفَاقًا وَالثَّانِي كَذَلِك على مَذْهَبهم فَبَقيَ الثَّالِث وَبِه صرح اكثر محققيهم وَكَونه كلَاما نفسيا ثَابتا لله تَعَالَى شَأْنه مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأَحْكَام مُخْتَلفَة بَاطِل من وُجُوه الاول أَنه مُخَالف للْعُرْف واللغة فان الْكَلَام فيهمَا لَيْسَ إِلَّا الْمركب من الْحُرُوف الثَّانِي أَنه لَا يُوَافق الشَّرْع إِذْ قد ورد فِيمَا لَا يُحْصى كتابا وَسنة ان الله تَعَالَى يُنَادي عباده وَلَا ريب ان النداء لَا يكون إِلَّا بِصَوْت بل قد صرح بِهِ فِي الاخبار الصَّحِيحَة وَبَاب الْمجَاز وَإِن لم يغلق بعد إِلَّا ان حمل مَا يزِيد على نَحْو مائَة الف من الصرائح على خلاف مَعْنَاهَا مِمَّا لَا يقبله الْعقل السَّلِيم الثَّالِث أَن مَا قَالُوهُ من كَون هَذَا الْمَعْنى النَّفْسِيّ وَاحِدًا يُخَالف الْعقل فَإِنَّهُ لَا شكّ أَن مَدْلُول اللَّفْظ فِي الامر يُخَالف مدلولة فِي النَّهْي ومدلول الْخَبَر يُخَالف مَدْلُول الانشاء بل مَدْلُول أَمر مَخْصُوص غير مَدْلُول أَمر آخر وَكَذَا فِي الْخَبَر وَلَا يرتاب عَاقل أَن مَدْلُول اللَّفْظ لَا يُمكن أَن يكون غير الْقُرْآن وَسَائِر الْكتب السماوية فَيلْزم أَن يكون كل وَاحِد مُشْتَمِلًا على مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الآخر وَلَيْسَ كَذَلِك وَكَيف يكون معنى وَاحِد خَبرا وانشاء مُحْتملا للتصديق والتكذيب وَغير مُحْتَمل وَهُوَ جمع بَين النَّفْي والاثبات انْتهى كَلَامه الثَّامِن قَوْله إِن الكرامية لما رَأَوْا مُخَالفَة الضَّرُورَة الَّتِي التزمها الْحَنَابِلَة يُقَال

стр. 285

كلا لَيْسَ هَذَا مَأْخَذ الكرامية وَإِنَّمَا مأخذهم فِي ذَلِك أَنهم شاركوا الْجَهْمِية والمعتزلة فِي الِاسْتِدْلَال على حُدُوث الْعَالم بِدَلِيل الاكوان الْمَشْهُور الْمَبْنِيّ على منع التسلسل فَلهَذَا جعلُوا لكَلَام الله تَعَالَى اولا كَمَا جعلُوا لفعله اولا خوفًا من القَوْل بالتسلسل فيسد ذَاك عَلَيْهِم اثبات الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَكَلَامه كفعاله الْكل عِنْدهم لَهُ بداية فوضح بطلَان كَلَام الدواني من كل وَجه وَقَول النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... ولربما سمي بهَا الْقُرْآن تَسْمِيَة الْمجَاز وَذَاكَ وضع ثَان ... أَي إِن الْقَائِلين بالْكلَام النَّفْسِيّ اخْتلفُوا فِي الْحُرُوف بعد اتِّفَاقهم على أَنَّهَا مخلوقة هَل تسمى كَلَام الله مجَازًا أَو يُطلق الْكَلَام عَلَيْهَا وعَلى الْمَعْنى بالاشتراك وَقد تقدم أَن القَوْل بالاشتراك يهدم مَذْهَبهم لانهم ألزموا الْمُعْتَزلَة أَن الْكَلَام لَا يكون كلَاما إِلَّا لمن قَامَ بِهِ الْكَلَام فَإِذا كَانَ كَلَام الله يُطلق على الْمَعْنى وعَلى الالفاظ بالاشتراك لَزِمَهُم مَذْهَب الْمُعْتَزلَة وَقَوله وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فَقيل حِكَايَة عَنهُ وَقيل عبارَة لبَيَان أَي إِن الْقَائِلين بالْكلَام النَّفْسِيّ اخْتلفُوا فِي الحروب بعد اتِّفَاقهم على أَنَّهَا مخلوقة هَل تسمى كَلَام الله مجَازًا أَو يُطلق الْكَلَام عَلَيْهَا وعَلى الْمَعْنى بالإشتراك وَقد تقدم أَن القَوْل بالإشتراك يهدم مَذْهَبهم لانهم أزموا الْمُعْتَزلَة أَن الْكَلَام لَا يكون كلَاما إِلَّا لمن قَامَ بِهِ الْكَلَام فَإِذا كَانَ الْكَلَام الله يُطلق على الْمَعْنى وعَلى الْأَلْفَاظ بالإشتراك لَزِمَهُم مَذْهَب الْمُعْتَزلَة وَقَوله وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فَقيل حِكَايَة عَنهُ وَقيل عبارَة لبَيَان أَي إِن الْقَائِلين بالْكلَام النَّفْسِيّ اخْتلفُوا فِي الْأَلْفَاظ الْحَادِثَة على مَذْهَبهم هَل يُقَال هِيَ حِكَايَة عَن الْمَعْنى الْقَدِيم كَمَا قَالَه ابْن كلاب أَو يُقَال عبارَة كَمَا قَالَ الاشعري فَابْن كلاب قَالَ الْحَرْف حِكَايَة عَن كَلَام الله وَلَيْسَت من كَلَام الله لَان الْكَلَام لابد أَن يقوم بالمتكلم وَالله يمْتَنع أَن يقوم بِهِ حُرُوف وأصوات فَوَافَقَ الْجَهْمِية والمعتزلة فِي هَذَا النَّفْي فجَاء الاشعري بعده وَهُوَ مُوَافق لِابْنِ كلاب على عَامَّة أُصُوله فَقَالَ الْحِكَايَة تَقْتَضِي أَن يكون مثل المحكي وَلَيْسَت الْحُرُوف مثل الْمَعْنى بل هِيَ عبارَة عَن الْمَعْنى ودالة وَبَعض الْقَائِلين بِهَذَا القَوْل يرَوْنَ هَذَا الْبَحْث لفظيا لَا طائل تَحْتَهُ كَمَا قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
следующие страницы →