Полный текст (1 130 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
مَا ذكره أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ قَالَ وَذهب الحشوية المنتمون الى الظَّاهِر الى ان كَلَام الله تَعَالَى قديم أزلي ثمَّ زَعَمُوا أَنه حُرُوف وأصوات وَقَطعُوا بِأَن المسموع من أصوات الْقُرَّاء ونغماتهم عين كَلَام الله تَعَالَى واطلق الرعاع مِنْهُم الْقَوْم بِأَن المسموع صَوت الله تَعَالَى عَن قَوْلهم وَهَذَا قِيَاس جهالاتهم ثمَّ قَالُوا اذا كتب كَلَام الله بجسم من الاجسام رقوما ورسوما واسطرا وكلمات فَهِيَ بِأَعْيَانِهَا كَلَام الله الْقَدِيم فقد كَانَ إِذا كَانَ جسما حَادِثا ثمَّ انْقَلب قَدِيما ثمَّ قضوا بِأَن المرئي من الاسطر هُوَ الْكَلَام الْقَدِيم الَّذِي هُوَ حرف وَصَوت وأصلهم أَن الاصوات على تقطيعها وتواليها كَانَت ثَابِتَة فِي الازل قَائِمَة بِذَات الْبَارِي تَعَالَى وقواعد مَذْهَبهم مَبْنِيَّة على دفع الضرورات انْتهى كَلَامه
قَالَ شيخ الاسلام بعد أَن حكى هَذَا الْكَلَام عَن أبي الْمَعَالِي وَمَعْلُوم ان هَذَا القَوْل لَا يَقُوله عَاقل يتَصَوَّر مَا يَقُول وَلَا نَعْرِف هَذَا القَوْل عَن مَعْرُوف بِالْعلمِ من الْمُسلمين وَلَا رَأينَا هَذَا فِي شَيْء من كتب الْمُسلمين وَلَا سمعناه من أحد مِنْهُم فَمَا سمعنَا من اُحْدُ وَلَا رَأينَا فِي كتاب أحد أَن المداد الْحَادِث انْقَلب قَدِيما وَلَا أَن المداد الَّذِي يكْتب بِهِ الْقُرْآن قديم بل رَأينَا عَامَّة المصنفين من أَصْحَاب احْمَد وَغَيرهم يُنكرُونَ هَذَا القَوْل وينسبون ناقله عَن بَعضهم الى الْكَذِب وَأَبُو الْمَعَالِي وَأَمْثَاله أجل من أَن يَقُول الْكَذِب لَكِن القَوْل المحكي قد يسمع من قَائِل لم يضبطه وَقد يكون الْقَائِل نَفسه لم يخبر قَوْلهم بل يذكر كلَاما مُجملا يتَنَاوَل النقيضين وَلَا يُمَيّز فِيهِ بَين لَوَازِم أَحدهمَا ولوازم آخر الى آخر مَا ذكره وأقبح من ذَلِك قَوْله أَي الدواني وَقيل انهم منعُوا إِطْلَاق لفظ الْحَادِث على الْكَلَام اللَّفْظِيّ رِعَايَة للادب واحترازا عَن ذهَاب الْوَهم الى حُدُوث الْكَلَام
стр. 282
النَّفْسِيّ فيا لله الْعجب من هَذَا الِاعْتِذَار الْبَارِد فان الْحَنَابِلَة لَا يَعْتَقِدُونَ ثُبُوت الْكَلَام النَّفْسِيّ بل ينفونه أَشد النَّفْي ويرونه من أعظم الْبَاطِل وَالْكَلَام عِنْدهم اسْم اللَّفْظ وَالْمعْنَى جيمعا كَمَا هُوَ مَذْهَب السّلف رَحْمَة الله عَلَيْهِم وَيسْأل هَذَا المتحذلق هَل يُوجد كَلَام لَفْظِي لَيْسَ لَهُ معنى اللَّهُمَّ الا كَلَام المجانين وَاللَّفْظ المهمل فَهُوَ لَا يُسمى كلَاما إِذْ لَيْسَ لَهُ معنى وَهَذَا معنى قَول النُّحَاة الْكَلَام لفظ مُفِيد فانه لَا يُفِيد حَتَّى يكون لَهُ معنى
الثَّالِث قَوْله والكرامية لما رَأَوْا مُخَالفَة الضَّرُورَة الَّتِي التزمها الْحَنَابِلَة الخ يُقَال إِن كَانَ مُخَالفَة الضَّرُورَة ضارا فأصحابك الاشاعرة قد خالفوا الضَّرُورَة فِي إِثْبَات الْمَعْنى النَّفْسِيّ فالتزموا أَن السَّاكِت مُتَكَلم والاخرس مُتَكَلم وَغير ذَلِك من الشناعات
الرَّابِع قَوْله والمعتزلة قَالُوا بحدوث كَلَامه وَأَنه مؤلف من أصوات وحروف وَهُوَ قَائِم بِغَيْرِهِ الخ
يُقَال هَذَا فِي الْحَقِيقَة هُوَ قَول أَصْحَابك الاشاعرة فانهم قضوا بحدوث الْحُرُوف وَأَنَّهَا مخلوقة وصرحوا بانها إنْشَاء جِبْرِيل اَوْ انشاء مُحَمَّد ﷺ اَوْ أَنَّهَا خلقت فِي مَحل آخر كاللوح الْمَحْفُوظ والشجرة أَو أَن جِبْرِيل أَخذهَا من اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَكَانَ حَقِيقَة قَوْلهم إِذا قَالُوا إِن مُحَمَّدًا ﷺ أنشأه هُوَ قَول من قَالَ ﴿إِن هَذَا إِلَّا قَول الْبشر﴾ المدثر ٢٥ ثمَّ اصحابك أثبتوا شَيْئا لَا دَلِيل على ثُبُوته وَهُوَ الْمَعْنى النَّفْسِيّ وخالفوا إِجْمَاع السّلف والمعتزلة جَمِيعًا فَإِن الْكَلَام عِنْد السّلف والحنابلة اسْم للفظ وَالْمعْنَى جَمِيعًا عندالمعتزلة لَا كَلَام لله تَعَالَى إِلَّا اللَّفْظ الْمَخْلُوق فِي مَحل وَإنَّهُ غير قَائِم بِاللَّه تَعَالَى وإلزم السّلف وَأَصْحَابك الْمُعْتَزلَة أَن الْكَلَام لَا يكون كلَاما إِلَى لمن قَامَ بِهِ الْكَلَام ثمَّ نقض من نقض من أَصْحَابك هَذَا الالزام
стр. 283
وَقَالُوا الْكَلَام يُطلق على الْمَعْنى وَاللَّفْظ بالاشتراك فانهدم أصلهم الَّذِي ردوا بِهِ على الْمُعْتَزلَة وَلَا خلاف بَيْنكُم وَبَين الْمُعْتَزلَة فِي الْحَقِيقَة إِذْ الالفاظ عِنْدهم مخلوقة كَمَا هُوَ قَوْلكُم وَالْمعْنَى الَّذِي اثبتموه وخالفتم بِهِ جَمِيع فرق الامة هُوَ شَيْء لَا حَقِيقَة لَهُ وَلَيْسَ بِأَيْدِيكُمْ الا بَيت الاخطل
إِن الْكَلَام لفي الْفُؤَاد الخ
وَهَذَا الْبَيْت لم ينْقل عَن قَائِله باسناد لَا وَاحِد وَلَا أَكثر وَلَو احْتج عَلَيْكُم مُحْتَج بِحَدِيث مخرج فِي (الصَّحِيحَيْنِ) لم تقبلوه وقلتم هَذِه أَخْبَار آحَاد
الْخَامِس أَن أَصْحَابك خالفوا فرق الامة فِي إِثْبَات هَذَا الْمَعْنى والامر كَمَا قَالَ الامام أَبُو الْيمن الْكِنْدِيّ النَّحْوِيّ الْحَنَفِيّ قَالَ إِن الاشعري ﵀ سلب الْكَلَام اسْمه وَسَماهُ عبارَة وسلب الْفِكر والروية اسْمهَا وسماهما كلَاما
السَّادِس قَوْلك الاشاعرة قَالُوا كَلَامه تَعَالَى معنى وَاحِد بسيط ثمَّ نقلت عَن صَاحب (المواقف (أَنه أفرد لذَلِك مقَالَة حمل فِيهَا كَلَام الشَّيْخ ابي الْحسن الاشعري لما قَالَ هُوَ الْمَعْنى النَّفْسِيّ أَن ذَلِك يكون شَامِلًا للفظ وَالْمعْنَى جَمِيعًا ثمَّ سكت عَن إِنْكَاره فَكيف كَانَ فِي الاول بسيطا ثمَّ صَار مركبا من الْمَعْنى وَاللَّفْظ
السَّابِع أَن تلميذك عفيف الدّين الايجي قد رد مَذْهَب أَصْحَابك وقدح فِيهِ غَايَة الْقدح فَقَالَ مَا حَاصله ان هَذَا الَّذِي تدعيه الاشاعرة من أَن الْكَلَام معنى آخر يُسمى النَّفْسِيّ بَاطِل فاذا قُلْنَا زيد قَائِم فهناك أَرْبَعَة اشياء الاول الْعبارَة الصادرة عَنهُ وَالثَّانِي مَدْلُول هَذِه الْعبارَة وَمَا وضعت لَهُ هَذِه الالفاظ من الْمعَانِي الْمَقْصُودَة بهَا الثَّالِث علمه بِثُبُوت تِلْكَ
стр. 284
النِّسْبَة وانتفائها الرَّابِع ثُبُوت تِلْكَ النِّسْبَة وانتفاؤها بالواقع والاخيران ليسَا كلَاما اتِّفَاقًا والاول لَا يُمكن أَن يكون كَلَام الله حَقِيقَة على مَذْهَبهم فَبَقيَ الثَّانِي وَكَذَا نقُول فِي الامر وَالنَّهْي هَا هُنَا ثَلَاثَة أُمُور الاول الارادة وَالْكَرَاهَة الْحَقِيقِيَّة الثَّانِي اللَّفْظ الصا در عَنهُ الثَّالِث مَفْهُوم لَفظه وَمَعْنَاهُ والاول لَيْسَ كلَاما اتِّفَاقًا وَالثَّانِي كَذَلِك على مَذْهَبهم فَبَقيَ الثَّالِث وَبِه صرح اكثر محققيهم وَكَونه كلَاما نفسيا ثَابتا لله تَعَالَى شَأْنه مَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأَحْكَام مُخْتَلفَة بَاطِل من وُجُوه الاول أَنه مُخَالف للْعُرْف واللغة فان الْكَلَام فيهمَا لَيْسَ إِلَّا الْمركب من الْحُرُوف الثَّانِي أَنه لَا يُوَافق الشَّرْع إِذْ قد ورد فِيمَا لَا يُحْصى كتابا وَسنة ان الله تَعَالَى يُنَادي عباده وَلَا ريب ان النداء لَا يكون إِلَّا بِصَوْت بل قد صرح بِهِ فِي الاخبار الصَّحِيحَة وَبَاب الْمجَاز وَإِن لم يغلق بعد إِلَّا ان حمل مَا يزِيد على نَحْو مائَة الف من الصرائح على خلاف مَعْنَاهَا مِمَّا لَا يقبله الْعقل السَّلِيم الثَّالِث أَن مَا قَالُوهُ من كَون هَذَا الْمَعْنى النَّفْسِيّ وَاحِدًا يُخَالف الْعقل فَإِنَّهُ لَا شكّ أَن مَدْلُول اللَّفْظ فِي الامر يُخَالف مدلولة فِي النَّهْي ومدلول الْخَبَر يُخَالف مَدْلُول الانشاء بل مَدْلُول أَمر مَخْصُوص غير مَدْلُول أَمر آخر وَكَذَا فِي الْخَبَر وَلَا يرتاب عَاقل أَن مَدْلُول اللَّفْظ لَا يُمكن أَن يكون غير الْقُرْآن وَسَائِر الْكتب السماوية فَيلْزم أَن يكون كل وَاحِد مُشْتَمِلًا على مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الآخر وَلَيْسَ كَذَلِك وَكَيف يكون معنى وَاحِد خَبرا وانشاء مُحْتملا للتصديق والتكذيب وَغير مُحْتَمل وَهُوَ جمع بَين النَّفْي والاثبات انْتهى كَلَامه
الثَّامِن قَوْله إِن الكرامية لما رَأَوْا مُخَالفَة الضَّرُورَة الَّتِي التزمها الْحَنَابِلَة يُقَال
стр. 285
كلا لَيْسَ هَذَا مَأْخَذ الكرامية وَإِنَّمَا مأخذهم فِي ذَلِك أَنهم شاركوا الْجَهْمِية والمعتزلة فِي الِاسْتِدْلَال على حُدُوث الْعَالم بِدَلِيل الاكوان الْمَشْهُور الْمَبْنِيّ على منع التسلسل فَلهَذَا جعلُوا لكَلَام الله تَعَالَى اولا كَمَا جعلُوا لفعله اولا خوفًا من القَوْل بالتسلسل فيسد ذَاك عَلَيْهِم اثبات الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَكَلَامه كفعاله الْكل عِنْدهم لَهُ بداية فوضح بطلَان كَلَام الدواني من كل وَجه
وَقَول النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... ولربما سمي بهَا الْقُرْآن تَسْمِيَة الْمجَاز وَذَاكَ وضع ثَان ...
أَي إِن الْقَائِلين بالْكلَام النَّفْسِيّ اخْتلفُوا فِي الْحُرُوف بعد اتِّفَاقهم على أَنَّهَا مخلوقة هَل تسمى كَلَام الله مجَازًا أَو يُطلق الْكَلَام عَلَيْهَا وعَلى الْمَعْنى بالاشتراك وَقد تقدم أَن القَوْل بالاشتراك يهدم مَذْهَبهم لانهم ألزموا الْمُعْتَزلَة أَن الْكَلَام لَا يكون كلَاما إِلَّا لمن قَامَ بِهِ الْكَلَام فَإِذا كَانَ كَلَام الله يُطلق على الْمَعْنى وعَلى الالفاظ بالاشتراك لَزِمَهُم مَذْهَب الْمُعْتَزلَة وَقَوله وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فَقيل حِكَايَة عَنهُ وَقيل عبارَة لبَيَان أَي إِن الْقَائِلين بالْكلَام النَّفْسِيّ اخْتلفُوا فِي الحروب بعد اتِّفَاقهم على أَنَّهَا مخلوقة هَل تسمى كَلَام الله مجَازًا أَو يُطلق الْكَلَام عَلَيْهَا وعَلى الْمَعْنى بالإشتراك وَقد تقدم أَن القَوْل بالإشتراك يهدم مَذْهَبهم لانهم أزموا الْمُعْتَزلَة أَن الْكَلَام لَا يكون كلَاما إِلَّا لمن قَامَ بِهِ الْكَلَام فَإِذا كَانَ الْكَلَام الله يُطلق على الْمَعْنى وعَلى الْأَلْفَاظ بالإشتراك لَزِمَهُم مَذْهَب الْمُعْتَزلَة وَقَوله وَكَذَلِكَ اخْتلفُوا فَقيل حِكَايَة عَنهُ وَقيل عبارَة لبَيَان أَي إِن الْقَائِلين بالْكلَام النَّفْسِيّ اخْتلفُوا فِي الْأَلْفَاظ الْحَادِثَة على مَذْهَبهم هَل يُقَال هِيَ حِكَايَة عَن الْمَعْنى الْقَدِيم كَمَا قَالَه ابْن كلاب أَو يُقَال عبارَة كَمَا قَالَ الاشعري فَابْن كلاب قَالَ الْحَرْف حِكَايَة عَن كَلَام الله وَلَيْسَت من كَلَام الله لَان الْكَلَام لابد أَن يقوم بالمتكلم وَالله يمْتَنع أَن يقوم بِهِ حُرُوف وأصوات فَوَافَقَ الْجَهْمِية والمعتزلة فِي هَذَا النَّفْي فجَاء الاشعري بعده وَهُوَ مُوَافق لِابْنِ كلاب على عَامَّة أُصُوله فَقَالَ الْحِكَايَة تَقْتَضِي أَن يكون مثل المحكي وَلَيْسَت الْحُرُوف مثل الْمَعْنى بل هِيَ عبارَة عَن الْمَعْنى ودالة وَبَعض الْقَائِلين بِهَذَا القَوْل يرَوْنَ هَذَا الْبَحْث لفظيا لَا طائل تَحْتَهُ كَمَا قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
стр. 286
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي مَذْهَب الاقترانية
... والفرقة الاخرى فَقَالَت انه
لفظ وَمعنى لَيْسَ ينفصلان ... وَاللَّفْظ كالمعنى قديم قَائِم
بِالنَّفسِ لَيْسَ بقابل الْحدثَان ... فالسين عِنْد الْبَاء لَا مسبوقة
لَكِن هما حرفان مقترنان ... والقائلون بذا يَقُولُوا انما
ترتيبها فِي السّمع بالآذان ... وَلها اقتران ثَابت لذواتها
فاعجب لذا التَّخْلِيط والهذيان ... لَكِن زاغونيهم قد قَالَ ان
ذواتها ووجودها غيران ... فترتبت بوجودها لاذاتها ... يَا للعقول وزيغة الاذهان
لَيْسَ الْوُجُود سوى حَقِيقَتهَا لذِي ال ... أذهان بل فِي هَذِه الاعيان
لَكِن اذا أَخذ الْحَقِيقَة خَارِجا ... ووجودها ذهنا فمختلفان
وَالْعَكْس أَيْضا مثل ذَا فاذاهما ... اتحدا اعْتِبَارا لم يكن شَيْئَانِ ...
стр. 287
.. وبذا تَزُول جَمِيع اشكالاتهم ... فِي ذَاته ووجوده الرَّحْمَن ...
شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي بَيَان مَذْهَب الاقترانية فِي الْقُرْآن وهم السالمية وَمن وافقهم وَذَلِكَ أَن كَلَام الله عِنْدهم حُرُوف وأصوات قديمَة أزلية وَلها مَعَ ذَلِك معَان تقوم بِذَات الْمُتَكَلّم ثمَّ إِن جُمْهُور هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ إِن تِلْكَ الاصوات هِيَ الاصوات المسموعة من الْقُرَّاء وَلَهُم فِي ذَلِك تفاصيل لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكرهَا
وَقَول النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... لَكِن زاغونيهم قد قَالَ إِن ذواتها ووجودها غيران ...
يَعْنِي ان الزَّاغُونِيّ من أَئِمَّة هَذِه الطَّائِفَة قَالَ إِن وجود هَذِه الْكَلِمَات غير ذواتها فَرد عَلَيْهِ النَّاظِم بقوله ياللعقول وزيغة الاذهان أَي كَيفَ يكون وجود الشَّيْء غير ذَاته ثمَّ قرر النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى مَا هُوَ الْحق فِي الْمَسْأَلَة وَهُوَ ان الْوُجُود والماهية أَن أخذا ذهنين فالوجود الذهْنِي عين الْمَاهِيّة الذهنية وَكَذَلِكَ إِن أخذا خارجيين اتحدا أَيْضا فَلَيْسَ فِي الْخَارِج وجود زَائِد على الْمَاهِيّة الْخَارِجَة بِحَيْثُ يكون كَالثَّوْبِ الْمُشْتَمل على الْبدن هَذَا خيال مَحْض وَكَذَلِكَ حُصُول الْمَاهِيّة فِي الذِّهْن هُوَ عين
стр. 288
وجودهَا فَلَيْسَ فِي الذِّهْن مَاهِيَّة وَوُجُود متغايرين بل إِن اخذا أَحدهمَا ذهنيا والاخر خارجيا فأحدهما غير ألآخر وَلما قرر المُصَنّف هَذَا قَالَ
... وبذا تَزُول جَمِيع اشكالاتهم فِي ذَاته ووجوده الرَّحْمَن ...
قَالَ النَّاظِم
فصل
فِي مَذَاهِب الْقَائِلين بِأَنَّهُ مُتَعَلق بِالْمَشِيئَةِ والارادة
... والقائلون بِأَنَّهُ بِمَشِيئَة
وَارِدَة أَيْضا فهم صنفان ... احدهما جعلته خَارج ذَاته
كمشيئة لِلْخلقِ والاكوان ... قَالُوا وَصَارَ كَلَامه باضافة التشريف
مثل الْبَيْت ذِي الاركان ... مَا قَالَ عِنْدهم وَلَا هُوَ قَائِل
وَالْقَوْل لم يسمع من الديَّان ... فَالْقَوْل مفعول لديهم قَائِم
بِالْغَيْر كالاعراض والاكوان ... هذي مقَالَة كل جهمي وهم
فِيهَا الشُّيُوخ معلمو الصّبيان ... لَكِن أهل الاعتزال قديمهم
لم يذهبوا ذَا الْمَذْهَب الشيطاني ... وهم الالى اعتزلوا عَن الْحسن الرضى
الْبَصْرِيّ ذَاك الْعَالم الرباني ... وكذاك أَتبَاع على منهاجهم
من قبل جهم صَاحب الْحدثَان ...
стр. 289
لكنما متأخروهم بعد ذَا
لَك وافقوا جهما على الكفران ... فهم بذا جهمية أهل اعتزال
ثوبهم أضحى لَهُ علمَان ... وَلَقَد تقلد كفرهم خَمْسُونَ فِي
عشر من الْعلمَاء فِي الْبلدَانِ ... واللالكائي الامام حَكَاهُ عَن
هم بل حَكَاهُ قبله الطَّبَرَانِيّ ...
شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي بَيَان مَذَاهِب الْقَائِلين بِأَن كَلَام الله تَعَالَى مُتَعَلق بِالْمَشِيئَةِ والارادة فَذكر مَذْهَب الْجَهْمِية الْقَائِلين بِخلق الْقُرْآن وَمن تَبِعَهُمْ من الْمُعْتَزلَة وَذَلِكَ ان الْكَلَام عِنْدهم صفة فعل قَالُوا وانما سمي كَلَام الله للتشريف كَمَا يُقَال بَيت الله والا فَالله تَعَالَى عِنْدهم مَا تكلم وَلَا يتَكَلَّم كَمَا قَالَ الامام أَحْمد رَحمَه الله تَعَالَى فِيمَا خرجه فِي الرَّد على الْجَهْمِية بَيَان مَا انكرت الْجَهْمِية ان الله كلم مُوسَى ﷺ وعَلى نَبينَا قُلْنَا لم أنكرتم ذَلِك قَالُوا لَان الله لم يتَكَلَّم وَلَا يتَكَلَّم وانما كَون شَيْئا فَعبر عَن الله وَخلق صَوتا فَسمع فزعمو ان الْكَلَام لَا يكون إِلَّا من جَوف وفم وشفتين ولسان فَقُلْنَا فَهَل يجوز لمكون اَوْ لغير الله أَن يَقُول لمُوسَى ﴿لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني وأقم الصَّلَاة لذكري﴾ طه ١٤ ﴿?﴾ طه ١٢ فَمن زعم ذَلِك فقد زعم أَن غير الله ادّعى الربوبية وَلَو كَانَ كَمَا زعم الْجَهْمِية أَن الله كَون شَيْئا كَأَن يَقُول ذَلِك المكون يَا مُوسَى ان الله رب الْعَالمين لَا يجوز ان يَقُول إِنِّي أَنا الله رب الْعَالمين وَقد قَالَ جلّ ثَنَاؤُهُ ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ النِّسَاء ١٦٤ وَقَالَ ﴿وَلما جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلمه ربه﴾ الاعراف ١٤٣ وَقَالَ ﴿إِنِّي اصطفيتك على النَّاس برسالاتي وبكلامي﴾ الاعراف ١٤٤ فَهَذَا مَنْصُوص
стр. 290
الْقُرْآن قَالَ واما مَا قَالُوا ان الله لم يتَكَلَّم وَلَا يتَكَلَّم فَكيف يصنعون بِحَدِيث سُلَيْمَان الاعمش عَن خَيْثَمَة عَن عدي بن حَاتِم الطَّائِي قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا مِنْكُم من أحد الا سيكلمه الله لَيْسَ بَينه وَبَينه ترجمان (قَالَ واما قَوْلهم إِن الْكَلَام لَا يكون إِلَّا من جَوف وفم وشفتين ولسان أَلَيْسَ قَالَ الله لِلسَّمَوَاتِ والارض ﴿ائتيا طَوْعًا أَو كرها قَالَتَا أَتَيْنَا طائعين﴾ فصلت ١١ أَتَرَى انها قَالَت بجوف وشفتين ولسان وَقَالَ الله ﴿وسخرنا مَعَ دَاوُد الْجبَال يسبحْنَ﴾ الانبياء ٧٩ أتراها أَنَّهَا سبحت بِفَم وجوف ولسان وشفتين والجوارح اذا شهِدت على الْكفَّار فَقَالُوا ﴿لم شهدتم علينا قَالُوا أنطقنا الله الَّذِي أنطق كل شَيْء﴾ فصلت ٢١ أتراها نطقت بجوف وشفتين وفم ولسان وَلَكِن الله انطقها كَيفَ شَاءَ من غير أَن يَقُول فَم ولسان وشفتين قَالَ فَلَمَّا خنقته الْحجَج قَالَ إِن الله كلم مُوسَى الا أَن كَلَامه غَيره فَقُلْنَا وَغَيره مَخْلُوق قَالَ نعم قُلْنَا هَذَا مثل قَوْلكُم الاول الا انكم تدفعون الشنعة عَن أَنفسكُم بِمَا تظْهرُونَ وَحَدِيث الزُّهْرِيّ قَالَ لما سمع مُوسَى كَلَام ربه قَالَ يَا رب هَذَا الْكَلَام الَّذِي سمعته هُوَ كلامك قَالَ نعم يَا مُوسَى هُوَ كَلَامي وانما كلمتك بِقُوَّة عشرَة آلَاف لِسَان ولي قُوَّة الالسن كلهَا وَأَنا أقوى من ذَلِك وانما كلمتك على قدر مَا يُطيق بدنك وَلَو كلمتك باكثر من ذَلِك لمت قَالَ فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى الى قومه قَالُوا لَهُ صف لنا كَلَام رَبك فَقَالَ سُبْحَانَ الله وَهل أَسْتَطِيع أَن
стр. 291
أصفه لكم قَالُوا شبهه قَالَ أسمعتم أَشد مَا يسمع من اصوات الصَّوَاعِق فَكَأَنَّهُ مثله
قَالَ وَقُلْنَا للجهمية من الْقَائِل لعيسى يَوْم الْقِيَامَة ﴿يَا عِيسَى ابْن مَرْيَم أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله﴾ الْمَائِدَة ١١٦ أَلَيْسَ الله هُوَ الْقَائِل قَالُوا يكون الله شَيْئا يعبر عَن الله كَمَا كَون لمُوسَى فَعبر فَقُلْنَا فَمن الْقَائِل ﴿فلنسألن الَّذين أرسل إِلَيْهِم ولنسألن الْمُرْسلين﴾ الاعراف ٦ أَلَيْسَ الله هُوَ الَّذِي يسْأَل قَالُوا هَذَا كُله إِنَّمَا يكون الله شَيْئا فيعبر عَن الله قُلْنَا قد أعظمتم على الله الْفِرْيَة حِين زعمتم أَن الله لَا يتَكَلَّم فشبهتموه بالاصنام الَّتِي تعبد من دون الله لَان الاصنام لَا تَتَكَلَّم وَلَا تتحرك وَلَا تَزُول من مَكَان الى مَكَان فَلَمَّا ظَهرت عَلَيْهِ الْحجَّة قَالَ أَقُول ان الله قد يتَكَلَّم وَلَكِن كَلَامه مَخْلُوق قُلْنَا وَكَذَلِكَ بَنو آدم كَلَامهم مَخْلُوق فَفِي مذهبكم أَن الله قد كَانَ فِي وَقت من الاوقات لَا يتَكَلَّم حَتَّى خلق التَّكَلُّم وَكَذَلِكَ بَنو آدم كَانُوا لَا يَتَكَلَّمُونَ حَتَّى خلق لَهُم كلَاما فقد جمعتم بَين كفر وتشبيه فتعالى الله عَن هَذِه الصّفة بل نقُول إِن الله جلّ ثَنَاؤُهُ لم يزل متكلما إِذا شَاءَ وَلَا نقُول انه كَانَ وَلَا يتَكَلَّم حَتَّى خلق كلَاما وَلَا نقُول انه قد كَانَ لَا يعلم حَتَّى خلق علما فَعلم وَلَا نقُول إِنَّه قد كَانَ وَلَا قدرَة حَتَّى خلق لنَفسِهِ قدرَة وَلَا نقُول إِنَّه قد كَانَ وَلَا نور لَهُ حَتَّى خلق لنَفسِهِ نورا وَلَا نقُول إِنَّه كَانَ وَلَا عَظمَة حَتَّى خلق لنَفسِهِ عَظمَة
فَقَالَت الْجَهْمِية لنا لما وَصفنَا من الله هَذِه الصِّفَات إِن زعمتم أَن الله ونوره وَالله وَقدرته وَالله وعظمته فقد قُلْتُمْ بقول النَّصَارَى حِين زعمتم أَن الله لم يزل ونوره وَلم يزل وَقدرته فَقُلْنَا لَا نقُول ان الله لم يزل
стр. 292
وَقدرته وَلم يزل ونوره وَلَكِن نقُول لم يزل بقدرته ونوره لَا مَتى قدر وَلَا كَيفَ قدر فَقَالُوا لَا تَكُونُونَ مُوَحِّدين أبدا حَتَّى تَقولُوا كَانَ الله وَلَا شَيْء فَقُلْنَا نَحن نقُول كَانَ الله وَلَا شَيْء وَلَكِن إِذا قُلْنَا ان الله لم يزل بصفاته كلهَا أَلَيْسَ انما نصف الها وَاحِدًا بِجَمِيعِ صِفَاته وضربنا لَهُم مثلا فِي ذَلِك فَقُلْنَا أخبرونا عَن هَذِه النَّخْلَة أَلَيْسَ لَهَا جذع وكرب وليف وسعف وخوص وجمار وَاسْمهَا ام وَاحِد سميت نَخْلَة بِجَمِيعِ صفاتها فَكَذَلِك الله جلّ ثَنَاؤُهُ وَله الْمثل الاعلى بِجَمِيعِ صِفَاته إِلَه وَاحِد لَا نقُول إِنَّه قد كَانَ فِي وَقت من الاوقات وَلَا قدرَة لَهُ حَتَّى خلق قدرَة وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ قدرَة هُوَ عَاجز وَلَا نقُول انه قد كَانَ فِي وَقت من الاوقات وَلَا علم لَهُ حَتَّى خلق فَعلم وَالَّذِي لَا يعلم فَهُوَ جَاهِل وَلَكِن تَقول لم يزل الله قَادِرًا عَالما مَالِكًا لَا مَتى وَلَا كَيفَ وَقد سمى الله رجلا كَافِرًا اسْمه الْوَلِيد بن الْمُغيرَة المَخْزُومِي فَقَالَ ﴿ذَرْنِي وَمن خلقت وحيدا﴾ المدثر ١١ وَقد كَانَ لهَذَا الَّذِي سَمَّاهُ الله ﴿وحيدا﴾ عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كَثِيرَة فقد سَمَّاهُ الله وحيدا بِجَمِيعِ صِفَاته فَكَذَلِك الله وَله الْمثل الاعلى هُوَ بجيمع صِفَاته إِلَه وَاحِد
وَفِي (التسعينية (لشيخ الاسلام رَحمَه الله تَعَالَى وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يعلم أَن الْجَهْمِية لما كَانَت فِي نفس الامر قَوْلهَا قَول أهل الشّرك والتعطيل لَيْسَ هُوَ قَول أحد من أهل الْكتب الْمنزلَة وَلَكِن لم يكن لَهُم بُد من مُوَافقَة أهل الْكتاب فِي الظَّاهِر وان كَانُوا فِي ذَلِك منافقين عَالمين بِنفَاق أنفسهم كَمَا عَلَيْهِ طواغيتهم الَّذين علمُوا بمخالفة أنفسهم للرسل وأقدموا على ذَلِك وَهَؤُلَاء) إِمَّا) مُنَافِقُونَ زنادقة وَإِمَّا جهال بِنفَاق أنفسهم صَارُوا فِي الْجمع بَين
стр. 293
تكذيبهم الْبَاطِن وتصديقهم الظَّاهِر جامعين بَين النقيضين مضطرين الى السفسطة فِي العقليات والقرمطة فِي السمعيات مفسدين لِلْعَقْلِ وَالدّين وَقَوْلهمْ بِخلق الْقُرْآن وَنفي الصِّفَات من أصُول نفاقهم وَذَلِكَ أَنه من الْمَعْلُوم ببداية الْعُقُول أَن الْحَيّ لَا يكون حَيا أَلا بحياة تقوم بِهِ لَا يكون حَيا بِلَا حَيَاة أَو بحياة تقوم بِغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ الْعَالم والقادر لَا يكون عَالما مَا وَلَا قَادِرًا الا بِعلم وقدرة تقوم بِهِ لَا يكون عَالما قَادِرًا بِلَا علم وَلَا قدرَة أَو بِعلم وقدرة تقوم بِغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ الْحَكِيم والرحيم والمريد لَا يكون حكيما وَلَا رحِيما اَوْ متكلما اَوْ مرِيدا الا بحكمة وَرَحْمَة تقوم بِغَيْرِهِ وَلَا يكون متكلما وَلَا وَلَا مرِيدا بِلَا كَلَام وَلَا إِرَادَة اَوْ بِكَلَام وارادة تقوم بِغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ من الْمَعْلُوم ببداية الْعُقُول أَن الْكَلَام والارادة وَالْعلم وَالْقُدْرَة لَا تقوم الا بِمحل اذ هَذِه صِفَات لَا تقوم بأنفسها وَمن الْمَعْلُوم ببداية الْعُقُول ان الْمحل الَّذِي يقوم بِهِ الْعلم يكون عَالما وَالَّذِي تقوم بِهِ الْقُدْرَة يكون قَادِرًا وَالَّذِي يقوم بِهِ الْكَلَام يكون متكلما وَالَّذِي تقوم بِهِ الرَّحْمَة يكون رحِيما وَالَّذِي تقوم بِهِ الارادة يكون مرِيدا فَهَذِهِ الامور مُسْتَقِرَّة فِي فطر النَّاس تعلمهَا قُلُوبهم علما فطريا ضَرُورِيًّا والالفاظ المعبرة عَن هَذِه الْمعَانِي هِيَ من اللُّغَات الَّتِي اتّفق عَلَيْهَا بَنو آدم فَلَا يسمون عَالما قَادِرًا الا من قَامَ بِهِ الْعلم وَالْقُدْرَة وَمن قَامَ بِهِ الْعلم وَالْقُدْرَة سموهُ عَالما قَادِرًا وَهَذَا معنى قَول من قَالَ من أهل الاثبات ان الصّفة اذا قَامَت بِمحل عَاد حكمهَا الى ذَلِك الْمحل وَكَانَ ذَلِك الْمحل هُوَ الْعَالم الْمُتَكَلّم دون غَيره وَمعنى قَوْلهم ان الصّفة اذا قَامَت بِمحل اشتق لَهُ مِنْهَا اسْم كَمَا يشتق لم يحمل الْعلم عليم ولمحل الْكَلَام مُتَكَلم وَمعنى قَوْلهم ان صدق الْمُشْتَقّ لَا يَنْفَكّ عَن صدق الْمُشْتَقّ مِنْهُ ان لفظ الْعَلِيم الْمُتَكَلّم مُشْتَقّ من لفظ الْعلم
стр. 294
وَالْكَلَام فاذا صدق فِي الْمَوْصُوف انه عليم لزم ان يصدق حُصُول الْعلم وَالْكَلَام لَهُ وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّة السّلف الَّذين عرفُوا حَقِيقَة من قَالَ مَخْلُوق وان معنى ذَلِك ان الله لم يقم بِهِ كَلَام بل الْكَلَام قَائِم بجسم من الاجسام غَيره وَعَلمُوا ان هَذَا يُوجب بالفظرة الضرورية ان يكون ذَلِك الْجِسْم هُوَ الْمُتَكَلّم بذلك الْكَلَام دون الله وَأَن الله لَا يكون متكلما اصلا صَارُوا يذكرُونَ قَوْلهم بِحَسب مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي نَفسه وَهُوَ ان الله لَا يتَكَلَّم وانما خلق شَيْئا تكلم عَنهُ هَكَذَا كَانَت الْجَهْمِية تَقول اولا ثمَّ انها زعمت ان الْمُتَكَلّم من فعل الْكَلَام وَلَو فِي غَيره وَاخْتلفُوا هَل يُسمى متكلما حَقِيقَة اَوْ مجَازًا على قَوْلَيْنِ فَلهم فِي تَسْمِيَة الله تَعَالَى متكلما بالْكلَام الْمَخْلُوق ثَلَاثَة اقوال
احدها وَهُوَ حَقِيقَة قَوْلهم وهم فِيهِ أصدق لاظهارهم كفرهم ان الله لَا تكلم وَلَا يتَكَلَّم
وَالثَّانِي وهم فِيهِ متوسطون فِي النِّفَاق انه يُسمى متكلما بطرِيق الْمجَاز
وَالثَّالِث وهم فِيهِ مُنَافِقُونَ نفَاقًا مَحْضا انه يُسمى متكلما بطرِيق الْحَقِيقَة واساس النِّفَاق الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ الْكَذِب فَلهَذَا كَانُوا من أكذب النَّاس فِي تَسْمِيَة الله متكلما بِكَلَام لَيْسَ قَائِما بِهِ وانما هُوَ مَخْلُوق فِي غَيره كَمَا كَانُوا كاذبين مفترين فِي تَسْمِيَة الله عَالما قَادِرًا مرِيدا متكلما بِلَا علم يقوم بِهِ وَلَا قدرَة وَلَا ارادة وَلَا كَلَام وَكَانُوا وان نطقوا بأسمائه فهم كاذبون بتسميته بهَا وهم ملحدون فِي الْحَقِيقَة كالحاد الَّذين نفوا عَنهُ أَن يُسمى بالرحمن ﴿وَإِذا قيل لَهُم اسجدوا للرحمن قَالُوا وَمَا الرَّحْمَن أنسجد لما تَأْمُرنَا وَزَادَهُمْ نفورا﴾ الْفرْقَان ٦٠ وَبِذَلِك وَصفهم الائمة وَغَيرهم مِمَّن خبر مقالاتهم كَمَا قَالَ الامام أَحْمد فِيمَا خرجه فِي الرَّد على الْجَهْمِية فَإِذا
стр. 295
قيل لَهُم من تَعْبدُونَ قَالُوا نعْبد من يدبر امْر هَذَا الْخلق قُلْنَا فَهَذَا الَّذِي يدبر امْر هَذَا الْخلق هُوَ مَجْهُول لَا يعرف بِصفة قَالُوا نعم قُلْنَا قد عرف الْمُسلمُونَ انكم لَا تثبتون شَيْئا انما تدفعون عَن انفسكم الشنعة بِمَا تظْهرُونَ وَقُلْنَا لَهُم هَذَا الَّذِي يدبر هُوَ الَّذِي كلم مُوسَى قَالُوا لم يتَكَلَّم وَلَا يتَكَلَّم لَان الْكَلَام لَا يكون الا بجارحة والجوارح عَن الله منفية فاذا سمع الْجَاهِل قَوْلهم يظنّ انهم من أَشد النَّاس تَعْظِيمًا لله وَلَا يعلم انهم انما يقودون قَوْلهم الى ضَلَالَة وَكفر انْتهى كَلَامه
قَوْله
... لَكِن اهل الاعتزال قديمهم ... لم يذهبوا ذَا الْمَذْهَب الشيطاني ...
أَي ان قدماء الْمُعْتَزلَة وَاصل بن عَطاء وَعَمْرو بن عبيد وَغَيرهمَا لم يذهبوا الى القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَلَكِن متأخروهم بعد ذَلِك وافقوا الجهم على القَوْل بِخلق الْقُرْآن وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم
... فهم بذا جهمية أهل اعتزا ... ل ثوبهم أضحى لَهُ علمَان ...
الْعلم رسم الثَّوْب ورقمه قَالَه فِي (الْقَامُوس (
قَوْله وَلَقَد تقلد كفرهم خَمْسُونَ فِي عشر الخ أَي أَن الْقَائِلين بِخلق الْقُرْآن كفرهم خَمْسمِائَة عَالم من عُلَمَاء الْمُسلمين وَهَذَا معنى قَول النَّاظِم وَلَقَد تقلد كفرهم خَمْسُونَ فِي عشر الخ
قَوْله واللالكائي الامام حَكَاهُ عَنْهُم الخ
قَالَ الامام الْحَافِظ ابو الْقَاسِم اللالكائي وَقد ذكر أَقْوَال السّلف والائمة بِأَن الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق وَمَا ورد عَنْهُم من تَكْفِير من يَقُول ذَلِك ثمَّ قَالَ فَهَؤُلَاءِ خَمْسمِائَة وَخَمْسُونَ نفسا واكثر من التَّابِعين وَأَتْبَاع
стр. 296
التَّابِعين والائمة المرضيين سوى الصَّحَابَة الخبيرين على اخْتِلَاف الاعصار ومضي السنين والاعوام وَفِيهِمْ نَحْو من مائَة امام مِمَّن اخذ النَّاس بقَوْلهمْ وتدينوا بمذاهبهم قَالَ وَلَو اشتغلت بِنَقْل قَول الْمُحدثين لبلغت اسماؤهم الوفا كَثِيرَة لَكِن اختصرت فنقلت عَن هَؤُلَاءِ عصرا بعد عصر لَا يُنكر عَلَيْهِم مُنكر وَمن أنكر قَوْلهم استتابوه وَأمرُوا بقتْله أَو نَفْيه أَو صلبه قَالَ وَلَا خلاف بَين الامة أَن أول من قَالَ الْقُرْآن مَخْلُوق الْجَعْد بن دِرْهَم ثمَّ الجهم بن صَفْوَان فَأَما جعد فَقتله خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي وَأما جهم فَقتل بمرو فِي خلَافَة هِشَام بن عبد الْملك وسأذكر قصتهما إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقد حكى نَحوا من هَذَا الطَّبَرَانِيّ كَمَا ذكر النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي مَذَاهِب الكرامية
... والقائلون بِأَنَّهُ بِمَشِيئَة
فِي ذَاته أَيْضا فهم نَوْعَانِ ... إِحْدَاهمَا جعلته مبدوءا بِهِ
نوعا حذار تسلسل الاعيان ... فيسد ذَاك عَلَيْهِم فِي زعمهم
إِثْبَات خَالق هَذِه الاكوان ... فلذاك قَالُوا إِنَّه ذُو أول
مَا للفناء عَلَيْهِ من سُلْطَان ... وَكَلَامه كفعاله وَكِلَاهُمَا
ذُو مبدء بل لَيْسَ ينتهيان ...
стр. 297
.. قَالُوا وَلم ينصف خصوم جعجعوا
وَأتوا بتشنيع بِلَا برهَان ... قُلْنَا كَمَا قَالُوهُ فِي أَفعاله
بل بَيْننَا بون من الْفرْقَان ... بل نَحن أسعد مِنْهُم بِالْحَقِّ إِذْ
قُلْنَا هما بِاللَّه قائمتان ... وهم فَقَالُوا لم يقم بِاللَّه لَا فعل وَلَا قَول فتعطيلان
لفعاله ومقاله شَرّ وأبطل ... من حُلُول حوادث بِبَيَان
تعطيله عَن فعله وَكَلَامه ... شَرّ من التشنيع بالهذيان
هذي مقالات ابْن كرام وَمَا ... ردوا عَلَيْهِ قطّ بالبرهان
أَنى وَمَا قد قَالَ أقرب مِنْهُم ... لِلْعَقْلِ والاثار وَالْقُرْآن
لكِنهمْ جاؤوا لَهُ بجعاجع ... وفراقع وقعاقع بشنان ...
شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي مَذْهَب الْقَائِلين بِأَنَّهُ تَعَالَى يتَكَلَّم بِمَشِيئَة وارادة فَذكر مقَالَة الكرامية بتَشْديد الرَّاء وهم اتِّبَاع أبي عبد الله مُحَمَّد ابْن كرام أَبُو عبد الله السجسْتانِي الزَّاهِد شيخ الطَّائِفَة الكرامية مَاتَ سنة ٢٥٥ وَفِي (الْقَامُوس (وَمُحَمّد بن كرام كشداد امام الكرامية الْقَائِل بِأَن معبوده مُسْتَقر على الْعَرْش وَأَنه جَوْهَر تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كبييرا
مَذْهَب الكرامية ان كَلَام الله تَعَالَى حَادث قَائِم بِذَات الله بعد أَن لم يكن متكلما بِكَلَام بل مَا زَالَ عِنْدهم قَادِرًا على الْكَلَام وَهُوَ عِنْدهم لم يزل متكلما بِمَعْنى أَنه لم يزل قَادِرًا على الْكَلَام والا فوجود الْكَلَام
стр. 298
عِنْدهم فِي الازل مُمْتَنع كوجود الافعال عِنْدهم وَعند من وافقهم من أهل الْكَلَام كالمعتزلة واتباعهم وهم يَقُولُونَ إِنَّه حُرُوف وأصوات حَادِثَة بِذَات الرب بقدرته ومشيئته وَلَا يَقُولُونَ ان الاصوات المسموعة والمداد الَّذِي فِي الْمُصحف قديم بل يَقُولُونَ ان ذَلِك مُحدث
قَوْله إِحْدَاهمَا جعلته مبدوءا بِهِ الى قَوْله
... وَكَلَام كفعاله وَكِلَاهُمَا ... ذُو مبدء بل لَيْسَ ينتهيان ...
أَي ان الكرامية قَالَت ان كَلَام الله تَعَالَى لَهُ اول ولفعاله أول وَلَكِن لَا نِهَايَة لَهما عِنْدهم
وَقَوله حذار تسلسل الاعيان أَي أَن الكرامية قَالُوا هَذَا القَوْل خوفًا من لُزُوم التسلسل وَذَلِكَ لانهم شاركوا الْجَهْمِية والمعتزلة والاشاعرة وَغَيرهم فِي الِاسْتِدْلَال على حُدُوث الْعَالم بِدَلِيل الاعراض الْمَشْهُور بَين الْمُتَكَلِّمين ومبنى الدَّلِيل على منع التسلسل قَالُوا فَلَو كَانَ الْبَارِي تَعَالَى متكلما فِي الازل بِكَلَام لَا أول لَهُ وفاعلا لافعال لَا أول لَهَا لزمنا القَوْل بالتسلسل فَبَطل دليلنا الَّذِي استدللنا بِهِ على حُدُوث الْعَالم
وَقَوله قَالُوا وَلم ينصف خصوم جعجعوا الخ أَي قَالَت الكرامية لمن خالفهم من الْمُتَكَلِّمين الَّذين شنعوا عَلَيْهِم فِي مَسْأَلَة الْكَلَام انا قُلْنَا معشر الكرامية كَمَا قُلْتُمْ فِي أَفعاله تَعَالَى فان لَهَا أَولا عنْدكُمْ فَلْيَكُن كَلَامه كَذَلِك وَأَنْتُم قُلْتُمْ كَلَام الله وأفعاله غير قَائِمَة بِهِ وَهَذَا شَيْء غير مَعْقُول اذ لَا يُسمى متكلما إِلَّا من قَامَ بِهِ الْكَلَام وَلَا فَاعِلا الا من قَامَ بِهِ الْفِعْل وَأَنْتُم قُلْتُمْ هُوَ قَائِل بقول لَا يقوم بِهِ وفاعل بِفعل لَا يقوم
стр. 299
بِهِ فَهَذَا تَعْطِيل لفعاله ومقاله وَهُوَ شَرّ من القَوْل بحلول الْحَوَادِث وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم
... هذي مقالات ابْن كرام وَمَا ... ردوا عَلَيْهِ قطّ بالبرهان ...
وَقد قَالَ الْفَخر الرَّازِيّ فِي (الاربعين (ان مَسْأَلَة حُلُول الْحَوَادِث تلْزم عَامَّة الطوائف وَذكر فِي (الاربعين (أَنَّهَا تلْزم أَصْحَابه الاشاعرة أَيْضا فَقَالَ ان الكرامية يجوزون ذَلِك وينكره سَائِر الطّواف وَقيل اكثر الْعُقَلَاء يَقُولُونَ بِهِ وان انكروه بِاللِّسَانِ فان أَبَا عَليّ وَأَبا هَاشم من الْمُعْتَزلَة وأتباعهما قَالُوا انه يُرِيد بارادة حَادِثَة وَيكرهُ بِكَرَاهَة حَادِثَة لَا فِي مَحل الا أَن صفة المريدية والكارهية محدثة واذا حصل المرئي والمسموع حدث فِي ذَاته تَعَالَى صفة السامعية والمبصرية لكِنهمْ انما يطلقون لفظ التجدد دون الْحَادِث وابو الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ يثبت فِي ذَاته علوما متجددة بِحَسب تجدّد المعلومات والاشعرية يثبتون نسخ الحكم مفسرين ذَلِك بِرَفْعِهِ اَوْ انتهائه والارتفاع والانتهاء عدم بعد الْوُجُود وَيَقُولُونَ انه عَالم بِعلم وَاحِد يتَعَلَّق قبل وُقُوع الْمَعْلُوم بِأَنَّهُ سيقع وَبعده يَزُول ذَلِك الْمُتَعَلّق وَيتَعَلَّق بِأَنَّهُ وَقع وَيَقُولُونَ بِأَن قدرته تتَعَلَّق بايجاد الْمعِين واذا وجد انْقَطع ذَلِك التَّعَلُّق لِامْتِنَاع ايجاد الْمَوْجُود وَكَذَلِكَ تعلق الارادة بترجيح الْمعِين وَأَيْضًا الْمَعْدُوم لَا يكون مرئيا وَلَا مسموعا وَعند الْوُجُود يصير مرئيا مسموعا فَهَذِهِ التعلقات حَادِثَة فان الْتزم جَاهِل كَون الْمَعْدُوم مرئيا مسموعا قُلْنَا الله تَعَالَى يرى الْمَعْدُوم مَعْدُوما لَا مَوْجُودا وَعند وجوده يرَاهُ مَوْجُودا لَا مَعْدُوما لَان رُؤْيَة الْمَوْجُود مَعْدُوما اَوْ بِالْعَكْسِ غلط وانه يُوجب مَا ذكرنَا والفلاسفة مَعَ بعدهمْ
стр. 300
عَن هَذَا يَقُولُونَ بِأَن الاضافات وَهِي الْقبلية والبعيدة والمعية مَوْجُودَة فِي الاعيان فَيكون الله مَعَ كل حَادث وَذَلِكَ الْوَصْف الاضافي حدث ذَاته وابو البركات من الْمُتَأَخِّرين مِنْهُم صرح فِي (الْمُعْتَبر (بارادات محدثة وعلوم محدثة فِي ذَاته تَعَالَى زاعما بِأَنَّهُ لَا يُمكن الِاعْتِرَاف بِكَوْنِهِ الها لهَذَا الْعَالم الا مَعَ هَذَا القَوْل ثمَّ قَالَ الاجلال من هَذَا الاجلال والتنزيه من هَذَا التَّنْزِيه وَاجِب
قَالَ الرَّازِيّ وَاعْلَم أَن الصّفة اما حَقِيقَة عَارِية عَن الاضافة كالسواد وَالْبَيَاض اَوْ حَقِيقَة يلْزمهَا إِضَافَة كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة فانه يلْزمهَا تعلق بالمعلوم والمقدور وَهُوَ اضافة مَخْصُوصَة بَينهمَا واما إضافية مَحْضَة ككون الشَّيْء قبل غَيره وَبعده وَيَمِينه ويساره فان تغير هَذِه الاشياء لَا يُوجب تغيرا فِي الذَّات وَلَا فِي صفة حَقِيقِيَّة مِنْهَا فَنَقُول تغير الإضافات لَا محيص عَنهُ واما تغير الصِّفَات الْحَقِيقِيَّة فالكرامية يثبتونه وَغَيرهم ينكرونه فَظهر الْفرق بَين مَذْهَب الكرامية لَا يُسمى ذَلِك صفة وَلَا نقُول ان ذَلِك تغير فِي الصِّفَات الْحَقِيقِيَّة انْتهى
وَنقل السَّيِّد الشريف فِي (شرح المواقف (قَالَ وَقَالَت الكرامية الْعُقَلَاء يوفقوننا فِي قيام الصّفة الْحَادِثَة بِذَاتِهِ وان انكروا علينا بِاللِّسَانِ فان الجبائية قَالُوا بارادة وكراهية حادثتين لَا فِي مَحل لَكِن المريدية والكارهية (قَالُوا) حادثتان فِي ذَاته تَعَالَى وَكَذَا السامعية والمبصرية تحدث بحدوث المسموع والمبصر وَأَبُو الْحُسَيْن يثبت علوما متجددة والاشعرية يثبتون النّسخ وَهُوَ اما رفع الحكم الْقَائِم بِذَاتِهِ اَوْ انتهاؤه وهما عدم بعد الْوُجُود فيكونان حادثين انْتهى
قَوْله لكِنهمْ جاؤوا لَهُ بجعاجع الخ الجعجعة صَوت الرَّحَى
стр. 301
والقعاقع تتَابع أصوات الرَّعْد فرقع الاصابع نقضهَا فتقرقعت وافرنقعت قَالَه فِي (الْقَامُوس (
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي ذكر مَذْهَب أهل الحَدِيث
... والاخرون اولو الحَدِيث كأحمد ... وَمُحَمّد وأئمة الايمان
قَالُوا بِأَن الله حَقًا لم يزل ... متكلما بِمَشِيئَة وَبَيَان
إِن الْكَلَام هُوَ الْكَمَال فَكيف يَخْلُو ... عَنهُ فِي أزل بِلَا امكان
وَيصير فِيمَا لم يزل متكلما ... مَاذَا اقْتَضَاهُ لَهُ من الامكان ... ٥ وتعاقب الْكَلِمَات أَمر ثَابت
للذات مثل تعاقب الازمان ... وَالله رب الْعَرْش قَالَ حَقِيقَة ...
(حم) مَعَ (طه) بِغَيْر قرَان ... بل أحرف مترتبات مِثْلَمَا
قد رتبت فِي مسمع الانسان ... وقتان فِي وَقت محَال هَكَذَا ... حرفان أَيْضا يوجدا فِي آن
من وَاحِد مُتَكَلم بل يوجدا ... بالرسم أَو بتكلم الرّجلَانِ
هَذَا هُوَ الْمَعْقُول أما الإقتران ... ن فَلَيْسَ معقولا لذِي الاذهان ...
стр. 302
.. وَكَذَا كَلَام من سوى مُتَكَلم ... أَيْضا محَال لَيْسَ فِي الامكان
الا لمن قَامَ الْكَلَام بِهِ فَذا ... ك كَلَامه الْمَعْقُول فِي الاذهان
أَيكُون حَيا سَامِعًا اَوْ مبصرا ... من غير مَا سمع وَغير عيان
والسمع والابصار قَامَ بِغَيْرِهِ ... هَذَا الْمحَال وواضح الْبُهْتَان
وَكَذَا مريدوا الارادة لم تكن ... وَصفا لَهُ هَذَا من الهذيان
وَكَذَا قدير مَاله من قدرَة قَامَت بِهِ من أوضح الْبطلَان ... وَالله ﷻ مُتَكَلم
بِالنَّقْلِ والمعقول والبرهان ... قد أَجمعت رسل الاله عَلَيْهِ لم
يُنكره من أتباعهم رجلَانِ ... فَكَلَامه حَقًا يقوم بِهِ والا
لم يكن متكلما بقران ... وَالله قَالَ وَقَائِل وَكَذَا
يَقُول الْحق لَيْسَ كَلَامه بالفاني ... ويكلم الثقلَيْن يَوْم معادهم
حَقًا فَيسمع قَوْله الثَّقَلَان ... وَكَذَا يكلم حزبه فِي جنَّة
الْحَيَوَان بِالتَّسْلِيمِ والرضوان ... وَكَذَا يكلم رسله يَوْم اللقا
حَقًا فيسألهم عَن التِّبْيَان ... وَيُرَاجع التكليم ﷻ
وَقت الْجِدَال لَهُ من الانسان ... ويكلم الْكفَّار فِي العرصات تو
بيخا وتقريعا بِلَا غفران ... ويكلم الْكفَّار أَيْضا فِي الحجيم
أَن اخسؤوا فِيهَا بِكُل هوان ...
стр. 303
شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي مَذْهَب النَّوْع الثَّانِي الْقَائِلين بِأَنَّهُ تَعَالَى يتَكَلَّم بِمَشِيئَة وارادة وانه سُبْحَانَهُ يتَكَلَّم من ذَاته وهم أهل الحَدِيث فَقَالَ والاخرون أولو الحَدِيث كأحمد وَمُحَمّد الخ أَي أَن اصحاب الحَدِيث كالامام أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا من الائمة قَالُوا بِأَن الله تَعَالَى لم يزل متكلما بمشيئته وَقدرته اذا شَاءَ وَذَلِكَ أَن الْكَلَام من صِفَات الْكَمَال فَالَّذِي لَا يتَكَلَّم اَوْ حدث لَهُ الْكَلَام بعد أَن لم يكن متكلما نَاقص وَهَذَا هُوَ معنى قَول النَّاظِم
... إِن الْكَلَام هُوَ الْكَمَال فَكيف
يَخْلُو عَنهُ فِي أزل بِلَا إِمْكَان ... وَيصير فِيمَا لم يزل متكلما
مَاذَا اقْتَضَاهُ لَهُ من الامكان ...
أَي كَيفَ صَار متكلما بعد أَن لم يكن متكلما
وَقَوله
... وَالله رب الْعَرْش قَالَ حَقِيقَة ...
(حم) مَعَ (طه) بِغَيْر قُرْآن ... بل أحرف مترتبات مِثْلَمَا
قد رتبت فِي مسمع الانسان ...
هَذَا اشارة الى رد مَذْهَب السالمية وَمن وافقهم الْقَائِلين بِأَن كَلَام الله تَعَالَى حُرُوف واصوات قديمَة أزلية وَأَن لَهَا اقترانا ثَابتا لذواتها وان السِّين لَا تسبق الْبَاء الخ
وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم وقتان فِي وَقت محَال هَكَذَا أَي كَمَا أَنه لَا يُمكن أَن يُوجد وقتان فِي وَقت فمحال ان يُوجد حرفان فِي آن أَي فِي وَقت من مُتَكَلم وَاحِد بل يُمكن ذَلِك فِي الرَّسْم أَي فِي الْخط اَوْ بتكلم رجلَيْنِ فَذَلِك يُمكن أَن يكون فِي وَقت
стр. 304
وَاحِد وَأما النُّطْق بحرفين مَعًا فَهُوَ محَال غير مُمكن ثمَّ أَشَارَ الى رد مَذْهَب الْجَهْمِية والمعتزلة الْقَائِلين بِأَن كَلَامه تَعَالَى هُوَ مَا يخلقه فِي غَيره وَذَلِكَ محَال أَيْضا فَلَا يُسمى متكلما الا من قَامَ بِهِ الْكَلَام وَكَذَا لَا يُسمى سَامِعًا اَوْ مبصرا الا من قَامَ بِهِ السّمع وَالْبَصَر والا فَلَا يُسمى سَامِعًا اَوْ مبصرا بسمع اَوْ بصر قَائِم بِغَيْرِهِ وَكَذَا لَا يُسمى مرِيدا وقديرا الا من قَامَت بِهِ الارادة وَالْقُدْرَة لَا يُسمى مرِيدا اَوْ قَدِيرًا بارادة اَوْ قدرَة بِغَيْرِهِ ثمَّ قَالَ النَّاظِم
... وَالله ﷻ مُتَكَلم ... بِالنَّقْلِ والمعقول والبرهان ...
وَقد تقدم بسط الْكَلَام فِي ذَلِك لما ذكرت مَذْهَب الْجَهْمِية والمعتزلة فِي الْقُرْآن بِمَا أغْنى عَن إِعَادَته
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... وَالله قد نَادَى الكليم وَقَبله
سمع الندا فِي الْجنَّة الابوان ... وأتى الندا فِي تسع آيَات لَهُ
وَصفا فَرَاجعهَا من الْقُرْآن ... وَكَذَا يكلم جبرئيل بأَمْره
حَتَّى ينفذهُ بِكُل مَكَان ... وَاذْكُر حَدِيثا (فِي صَحِيح مُحَمَّد (
ذَاك البُخَارِيّ الْعَظِيم الشان ... فِيهِ ندا الله يَوْم معادنا
بالصوت يبلغ قاصيا والداني ... هَب أَن هَذَا اللَّفْظ لَيْسَ بِثَابِت
بل ذكره مَعَ حذفه سيان ... وَرَوَاهُ عنْدكُمْ البُخَارِيّ
المجسم ... بل رَوَاهُ مجسم فوقان
أيصبح فِي عقل وَفِي نقل ندا ... ء لَيْسَ مسموعا لنا بِأَذَان ...
стр. 305
.. أم أجمح الْعلمَاء والعقلاء من ... أهل اللِّسَان وَأهل كل لِسَان
ان الندا الصَّوْت الرفيع وضده ... فَهُوَ النجَاة كِلَاهُمَا صوتان
وَالله مَوْصُوف بِذَاكَ حَقِيقَة ... هَذَا الحَدِيث ومحكم الْقُرْآن
وَاذْكُر حَدِيثا لِابْنِ مَسْعُود صَرِيحًا ... انه ذُو أحرف بِبَيَان
للحرف مِنْهُ فِي الجزا عشر من ال ... حَسَنَات مَا فِيهِنَّ من نُقْصَان
وَانْظُر الى السُّور الَّتِي افتتحت بأحرفها ... ترى سرا عَظِيم الشان
لم يَأْتِ قطّ بِسُورَة الا أَتَى ... فِي إثْرهَا خبر عَن الْقُرْآن
اذ كَانَ إِخْبَارًا بِهِ عَنْهَا وَفِي ... هَذَا الشِّفَاء لطَالب الايمان
وَيدل أَن كَلَامه هُوَ نَفسهَا ... لَا غَيرهَا وَالْحق ذُو تبيان
فَانْظُر الى مبدا الْكتاب وَبعدهَا
(الاعراف) ثمَّ كَذَا الى (لُقْمَان)
... مَعَ تلوها ايضا وَمَعَ (حم) مَعَ
(يس) وافهم مُقْتَضى الْفرْقَان ...
قَوْله وأتى الندا فِي تسع آيَات لَهُ الخ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الاعراف ﴿وناداهما ربهما﴾ الاعراف ٢٢ الْآيَة وَفِي مَرْيَم ﴿وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن وقربناه نجيا﴾ مَرْيَم ٥٢ وَفِي طه ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي يَا مُوسَى إِنِّي أَنا رَبك﴾ طه ١١ ١٢ الْآيَة وَفِي سُورَة الشُّعَرَاء ﴿وَإِذ نَادَى رَبك مُوسَى أَن ائْتِ الْقَوْم الظَّالِمين﴾ الشُّعَرَاء ١٠ وَفِي النَّمْل ﴿فَلَمَّا جاءها نُودي أَن بورك من فِي النَّار﴾ النَّمْل ٨ وَفِي الْقَصَص ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي من شاطئ الواد الْأَيْمن فِي الْبقْعَة الْمُبَارَكَة من الشَّجَرَة﴾ الْقَصَص ٣٠
стр. 306
﴿وَمَا كنت بِجَانِب الطّور إِذْ نادينا﴾ الْقَصَص ٤٦ ﴿وَيَوْم يناديهم فَيَقُول أَيْن شركائي الَّذين كُنْتُم تَزْعُمُونَ﴾ الْقَصَص ٦٢ ٧٤ فِي موضِعين ﴿وَيَوْم يناديهم فَيَقُول مَاذَا أجبتم الْمُرْسلين﴾ الْقَصَص ٦٥ وَفِي الصافات ﴿وناديناه أَن يَا إِبْرَاهِيم قد صدقت الرُّؤْيَا﴾ الصافات ١٠٤ ١٠٥ وَفِي النازعات ﴿هَل أَتَاك حَدِيث مُوسَى إِذْ ناداه ربه بالواد الْمُقَدّس طوى﴾ النازعات ١٥ ١٦
وَقَوله وَكَذَا يكلم جبرئيل بأَمْره يُشِير الى حَدِيث النواس بن سمْعَان قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِذا أَرَادَ الله ﵎ ان يوحي بالامر تكلم بِالْوَحْي فاذا تكلم بِالْوَحْي أخذت السَّمَوَات مِنْهُ رَجْفَة أَو قَالَ رعدة شَدِيدَة خوفًا من الله فَإِذا سمع ذَلِك أهل السَّمَوَات صعقوا وخروا لله سجدا فَيكون أول من يرفع رَأسه جِبْرِيل فيكلمه الله من وحيه بِمَا أَرَادَ ثمَّ يمر جِبْرِيل على الْمَلَائِكَة كلما مر بسماء سَأَلَهُ ملائكتها مَاذَا قَالَ رَبنَا يَا جِبْرِيل فَيَقُول جِبْرِيل قَالَ الْحق وَهُوَ الْعلي الْكَبِير سبأ ٢٣ فَيَقُولُونَ كلهم مثل مَا قَالَ جِبْرِيل فينتهي جِبْرِيل بِالْوَحْي الى حَيْثُ أمره الله من السَّمَاء والارض رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم
وَقَوله وَاذْكُر حَدِيثا فِي (صَحِيح مُحَمَّد (الخ يُشِير الى حَدِيث جَابر بن عبد الله ﵁ فِي الْقصاص وَقد تقدم
وَقَوله وَرَوَاهُ عنْدكُمْ البُخَارِيّ المجسم الخ يحْكى عَن الصاحب بن عباد انه قَالَ عَن البُخَارِيّ انه مجسم سَاقِط
قَوْله أيصح فِي عقل وَفِي نقل ندا قَالَ شيخ الاسلام فِي (منهاج السّنة (النداء لَا يكون الا اصواتا بِاتِّفَاق أهل اللُّغَة وَسَائِر النَّاس
стр. 307
وَقَول النَّاظِم وأتى الندا فِي تسع آيَات لَهُ الخ بل أَتَى النداء فِي عشرَة مَوَاضِع أَو أَكثر كَمَا فِي (الْمِنْهَاج (
قَوْله وَاذْكُر حَدِيثا لِابْنِ مَسْعُود هُوَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من طَرِيق عبد الله بن مَسْعُود عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (من قَرَأَ حرفا من كتاب الله فَلهُ عشر حَسَنَات قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَرَوَاهُ غَيره من الائمة وَفِيه (أما إِنِّي لَا أَقُول (الم) حرف وَلَكِن الف حرف وَلَام حرف وَمِيم حرف (
قَوْله وَانْظُر الى السُّور الَّتِي افتتحت الخ
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب (بَدَائِع الْفَوَائِد (تَأمل سر (الم) كَيفَ اشْتَمَلت على هَذِه الاحرف الثَّلَاثَة فالالف اذا بدىء بهَا أَولا كَانَت همزَة وَهِي أول المخارج من أقْصَى الصَّدْر وَاللَّام من وسط مخارج الْحُرُوف اعْتِمَادًا على اللِّسَان وَالْمِيم آخر الْحُرُوف ومخرجها من الْفَم وَهَذِه الثَّلَاثَة هِيَ أصل مخارج الْحُرُوف أَعنِي الْحلق وَاللِّسَان والشفتين وتنزلت فِي التَّنْزِيل من الْبِدَايَة الى الْوسط الى النِّهَايَة فَهَذِهِ الْحُرُوف تعتمد (على) المخارج الثَّلَاثَة الَّتِي يتَفَرَّع مِنْهَا سِتَّة عشر مخرجا فَيصير مِنْهَا ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ حرفا عَلَيْهَا مدَار كَلَام الامم الاولين والاخرين مَعَ تظمنها سرا عجيبا وَهُوَ ان الالف للبداية وَاللَّام للتوسط وَالْمِيم للنِّهَايَة فاشتملت الاحرف الثَّلَاثَة على الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة والواسطة بَينهمَا وكل سُورَة استفتحت بِهَذِهِ الاحرف الثَّلَاثَة فَهِيَ مُشْتَمِلَة على بَدْء الْخلق ونهايته وتوسطه فمشتملة على تخليق الْعَالم وغايته وعَلى الْمُتَوَسّط بَين الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة من التشريع والاوامر وَتَأمل اقتران الطَّاء بِالسِّين وَالْهَاء فِي الْقُرْآن فَإِن الطَّاء جمعت من صِفَات الْحُرُوف خمس صِفَات لم يجمعها غَيرهَا وَهِي الْجَهْر والشدة
стр. 308
والاستعلاء والقلقلة والاطباق وَالسِّين حرف مهموس رخو مُسْتَقل صَغِير منفتح فَلَا يُمكن أَن يجمع الى الطَّاء الاحرف (الَّتِي) يقابلها كالسين وَالْهَاء فَذكر الحرفين اللَّذين جمعا صِفَات الْحُرُوف وَتَأمل السُّور الَّتِي اجْتمعت على الْحُرُوف المفردة كَيفَ تَجِد السُّورَة مَبْنِيَّة على كلمة ذَلِك الْحَرْف فَمن ذَلِك (ق) وَالسورَة مَبْنِيَّة على الْكَلِمَات القافية من ذكر الْقُرْآن وَذكر الْخلق وتكرر القَوْل مُرَاجعَته مرَارًا والقرب من ابْن آدم وتلقي الْملكَيْنِ قَول العَبْد وَذكر الرَّقِيب وَذكر السَّائِق والقرين وَذكر الْقبل مرَّتَيْنِ وتشقق الارض وإلقاء الرواسِي فِيهَا وبسوق النّخل والرزق وَذكر الْقَوْم وَحُقُوق الْوَعيد وَلَو لم يكن الا تكْرَار القَوْل والمحاورة وسر آخر وَهُوَ أَن كل مَعَاني هَذِه السُّورَة مُنَاسبَة لما فِي حرف الْقَاف من الشدَّة والجهر والعلو والانفتاح
وَإِذا أردْت زِيَادَة ايضاح فَتَأمل مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ سُورَة (ص) من الْخُصُومَات المتعددة فأولها خُصُومَة الْكفَّار مَعَ النَّبِي ﷺ وَقَوْلهمْ ﴿أجعَل الْآلهَة إِلَهًا وَاحِدًا﴾ ص ٥ الى آخر كَلَامهم ثمَّ اختصام الْخَصْمَيْنِ عِنْد دَاوُد ثمَّ تخاصم أهل النَّار ثمَّ اختصام الملا الاعلى فِي الْعلم وَهُوَ الدَّرَجَات وَالْكَفَّارَات ثمَّ مخاصمة إِبْلِيس واعتراضه على ربه فِي أمره بِالسُّجُود لآدَم ثمَّ خصامه ثَانِيًا فِي شَأْن بنيه وحلفه ليغوينهم أَجْمَعِينَ الا أهل الاخلاص مِنْهُم
فَلْيتَأَمَّل اللبيب الفطن هَل يَلِيق بِهَذِهِ السُّورَة غير (ص) وَسورَة (ق) غير حرفها وَهَذِه قَطْرَة من بعض أسرار هَذِه الْحُرُوف وَالله سُبْحَانَهُ اعْلَم آخر كَلَامه
стр. 309
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي الزامهم التشبية للرب بالجماد النَّاقِص اذا انْتَفَت صفة الْكَلَام
... وَالله موص آمُر ... ناه مثيب مُرْسل لبَيَان
ومخاطب ومحاسب ومنبىء ... ومحدث ومخبر بالشان
ومكلم مُتَكَلم بل قَائِل ... ومحذر ومبشر بِأَمَان
هاد يَقُول الْحق يرشد خلقه ... بِكَلَامِهِ للحق والايمان
فاذا انْتَفَت صفة الْكَلَام فَكل هـ ... ذَا مُنْتَفٍ مُتَحَقق الْبطلَان
واذا انْتَفَت صفة الْكَلَام كَذَلِك ال ... إرْسَال منفي بِلَا فرقان
فرسالة الْمَبْعُوث تَبْلِيغ كلا ... م الْمُرْسل الدَّاعِي بِلَا نُقْصَان
وَحَقِيقَة الارسال نفس خطابه ... للمرسلين
وانه نَوْعَانِ ... نوع بِغَيْر وساطة ككلامه
مُوسَى وَجِبْرِيل الْقَرِيب الداني ... مِنْهُ اليه من وَرَاء حجابه
اذ لَا ترَاهُ هَاهُنَا العينان ... والاخر التكليم مِنْهُ بالوسا
طة وَهُوَ أَيْضا عِنْده ضَرْبَان ... وَحي وإرسال اليه وَذَاكَ فِي الشورى
أَتَى فِي أحسن التِّبْيَان ...
стр. 310
مَضْمُون هَذَا الْ فَصْل الزام المعطلة النافين لصفة الْكَلَام نفي الرسَالَة اذ حَقِيقَة الرسَالَة تَبْلِيغ كَلَام الْمُرْسل فَإِذا انْتَفَت صفة الْكَلَام لزم نفي الرسَالَة ثمَّ ذكر أَن حَقِيقَة الارسال نفس خطابه تَعَالَى للمرسلين وَهُوَ نَوْعَانِ بِغَيْر وساطة ككلامه تَعَالَى لجبريل ومُوسَى من وَرَاء حجاب وَالنَّوْع الثَّانِي تكليم بالوساطة كتكليمه سُبْحَانَهُ الانبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام على لِسَان جِبْرِيل كَمَا قالى تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا فَيُوحِي بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء﴾ الشورى ٥١ الْآيَة
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي الزامهم القَوْل بِنَفْي الرسَالَة اذا انْتَفَت صفة الْكَلَام
... فاذا انْتَفَت صفة الْكَلَام فضدها
خرس وَذَلِكَ غَايَة النُّقْصَان ... فلئن زعمتم أَن ذَلِك فِي الَّذِي
هُوَ قَابل من أمة الْحَيَوَان ... والرب لَيْسَ بقابل صفة الكلا
م فنفيها مَا فِيهِ من نُقْصَان ... فَيُقَال سلب كَلَامه وقبوله
صفة الْكَلَام أتم للنقصان ... اذ أخرس الانسان أكمل حَالَة
من ذَا الجماد بأوضح الْبُرْهَان ... فَجحدت أَوْصَاف الْكَمَال مَخَافَة
التجسيم والتشبيه بالانسان ... وَوَقعت فِي تَشْبِيه بالجمادا
ت الناقصات وَذَا من الخذلان ...
стр. 311
.. الله أكبر هتكت أستاركم ... حَتَّى غدوتم ضحكة الصّبيان ...
قَول النَّاظِم
... فاذا انْتَفَت صفة الْكَلَام فضدها ... خرس وَذَلِكَ غَايَة النُّقْصَان ...
لاشك ان الْكَلَام صفة كَمَال وكل كَمَال اتّصف بِهِ الْمَخْلُوق اذا لم يكن فِيهِ نقص بِوَجْه مَا فالخالق أَحَق بِهِ لانه هُوَ الَّذِي خلقه وكل كَمَال اتّصف بِهِ مَوْجُود مُمكن وحادث فالموجود الْوَاجِب الْقَدِيم أولى بِهِ وكل نقص تنزه عَنهُ مَخْلُوق مَوْجُود حَادث فالخالق أولى بتنزيهه عَنهُ
قَوْله فلئن زعمتم ان ذَلِك فِي الَّذِي هُوَ قَابل الخ قَالَت النفاة من الباطنية من المتفلسفة وَغَيرهم لما قيل لَهُم اذا لم يُوصف بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة والحياة وَالْكَلَام لزم أَن يَتَّصِف بِمَا يُقَابل ذَلِك كالعجز وَالْجهل وَالْمَوْت والبكم فَقَالُوا انما يلْزم ذَلِك لَو كَانَ قَابلا للإتصاف بذلك فان المتقابلين تقَابل السَّلب والايجاب كالوجود والعدم اذا عدم أَحدهمَا ثَبت الاخر واما التقابلان تقَابل الْعَدَم والملكة كالحياة وَالْمَوْت والعمى وَالْبَصَر فقد يَخْلُو الْمحل عَنْهُمَا كالجماد فَإِنَّهُ لَا يُوصف لَا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا فَقَالَ لَهُم أهل الاثبات فررتم (من) تَشْبِيه بِالْحَيَوَانِ النَّاقِص الَّذِي لَا يسمع وَلَا يبصر وَلَا يتَكَلَّم مَعَ امكان ذَلِك مِنْهُ فشبهتموه بالجماد الَّذِي لايقبل الاتصاف لَا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا فَكَانَ مَا فررتم اليه شرا مِمَّا فررتم مِنْهُ
стр. 312
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي الزامهم بالْقَوْل بِأَن كَلَام الْخلق حَقه وباطله عين كَلَام الله سُبْحَانَهُ
... أَو لَيْسَ قد قَامَ الدَّلِيل بِأَن أَفعَال
الْعباد خَلِيقَة الرَّحْمَن ... من ألف وَجه أَو قريب الالف يحصيها
الَّذِي يعْنى بِهَذَا الشان ... فَيكون كل كَلَام هَذَا الْخلق عين
كَلَامه سُبْحَانَ ذِي السُّلْطَان ... اذ كَانَ مَنْسُوبا اليه كَلَامه
خلقا كبيت الله ذِي الاركان ... هَذَا ولازم قَوْلكُم قد قَالَه
ذُو الِاتِّحَاد مُصَرحًا بِبَيَان ... حذر التَّنَاقُض إِذْ تناقضتم
وَلَكِن طرده فِي غَايَة الكفران ... فلئن زعمتم أَن تَخْصِيص القرا
ن كبيته وَكِلَاهُمَا خلقان ... فَيُقَال ذَا التَّخْصِيص لَا يَنْفِي العمو
م (وَلَا الْخُصُوص) كرب ذِي الاكوان ... وَيُقَال رب الْعَرْش أَيْضا هَكَذَا
تَخْصِيصه لاضافة الْقُرْآن ... لَا يمْنَع التَّعْمِيم فِي الْبَاقِي وَذَا
فِي غَايَة الايضاح والتبيان ...
هَذَا الالزام الَّذِي ذكره النَّاظِم هُوَ إِلْزَام مَشْهُور للسلف الزموا بِهِ الْجَهْمِية الْقَائِلين بِأَن كَلَام الله مَخْلُوق وَأَن إِضَافَته الى الله اضافة تشريف وتعظيم كَمَا يُقَال بَيت الله وناقة الله فألزمهم السّلف بِأَن جَمِيع كَلَام
стр. 313
الْخلق عين كَلَام الله قَالَ سُلَيْمَان بن دَاوُد الْهَاشِمِي من قَالَ إِن الْقُرْآن مَخْلُوق فَهُوَ كَافِر واذا كَانَ الْقُرْآن مخلوقا كَمَا زَعَمُوا فَلم صَار فِرْعَوْن أولى بِأَن يخلد فِي النَّار اذ قَالَ ﴿أَنا ربكُم الْأَعْلَى﴾ النازعات ٢٤ وَزَعَمُوا أَن هَذَا مَخْلُوق وَقَالَ ﴿إِنَّنِي أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاعبدني﴾ طه ١٤ فقد ادّعى مَا ادّعى فِرْعَوْن فَلَمَّا صَار فِرْعَوْن اولى بِأَن يخلد فِي النَّار اذ قَالَ ﴿أَنا ربكُم الْأَعْلَى﴾ من هَذَا وَكِلَاهُمَا عِنْده مَخْلُوق فَأخْبر بذلك ابو عبيد فَاسْتَحْسَنَهُ وَأَعْجَبهُ ذكر ذَلِك البُخَارِيّ فِي كتاب خلق (أَفعَال الْعباد (وَكَذَلِكَ ذكر نَظِير هَذَا عبد الله بن الْمُبَارك وَعبد الله بن ادريس وَيحيى ابْن سعيد الْقطَّان وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم هَذَا ولازم قَوْلكُم قد قَالَه ذُو الِاتِّحَاد أَي أَن الاتحادية صَرَّحُوا بِهَذَا اللَّازِم فَقَالُوا
... وكل كَلَام فِي الْوُجُود كَلَامه ... سَوَاء علينا نثره ونظامه ...
وَلَكِن طرد هَذَا كَمَا قَالَ النَّاظِم فِي غَايَة الكفران أَي ان القَوْل بِهَذَا هُوَ غَايَة الكفران بل لَا أكفر مِمَّن يَقُول ذَلِك نَعُوذ بِاللَّه
قَوْله فلئن زعمتم ان تَخْصِيص الْقرَان الخ أَي كَمَا أَنه اذا قيل رب الاكوان وَرب الْمَخْلُوقَات فالعرش دَاخل فِي عُمُوم الاكوان والمخلوقات فاذا قُلْتُمْ ان اضافة الْقُرْآن اليه تَعَالَى للتشريف لزمكم أَن جَمِيع كَلَام الْخلق كَلَام الله والتخصيص فِي الْقُرْآن لَا يَنْفِي الْعُمُوم كَمَا اذا قيل رب الْعَرْش وَرب الاكوان كَمَا لَا يخفى وَالله اعْلَم
стр. 314
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي التَّفْرِيق بَين الْخلق والامر
... وَلَقَد أَتَى الْفرْقَان بَين الْخلق وَال
أَمر الصَّرِيح وَذَاكَ فِي الْفرْقَان ... وَكِلَاهُمَا عِنْد المنازع وَاحِد
وَالْكل خلق مَا هُنَا شَيْئَانِ ... والعطف عِنْدهم كعطف الْفَرد من
نوع عَلَيْهِ وَذَاكَ فِي الْقُرْآن ... فَيُقَال هَذَا ذُو امْتنَاع ظَاهر
فِي آيَة التَّفْرِيق ذُو تبيان ... فَالله بعد الْخلق أخبر أَنَّهَا قد سخرت وَالْأَمر للجريان
وَأَبَان عَن تسخيرها سُبْحَانَهُ ... بالامر بعد الْخلق والتبيان
والامر إِمَّا مصدر اَوْ كَانَ مَفْعُولا ... هما فِي ذَاك مستويان
مأموره هُوَ قَابل للامر ... كالمصنوع قَابل صَنْعَة الرَّحْمَن
فَإِذا انْتَفَى الامر انْتَفَى الْمَأْمُور ... كالمخلوق ينفى لانْتِفَاء الْحدثَان
وَانْظُر الى نظم السِّيَاق تَجِد بِهِ ... سرا عجيبا وَاضح الْبُرْهَان
ذكر الْخُصُوص وَبعده مُتَقَدما ... وَالْوَصْف والتعميم فِي ذَا الثَّانِي
فَأتى بنوعي خلقه وبأمره ... فعلا ووصفا موجزا بِبَيَان
فَتدبر الْقُرْآن إِن رمت الْهدى ... فالعلم تَحت تدبر الْقُرْآن ...
стр. 315
قَوْله وَلَقَد أَتَى الْفرْقَان بَين الْخلق والامر الخ أَي ان الله فرق بَين الْخلق والامر فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر﴾ الاعراف ٥٤ فَجعل الْخلق غير الامر وَلَكِن الْجَهْمِية وَمن تَبِعَهُمْ قَالُوا ان الْخلق هُنَا هُوَ الامر وَقَالُوا الْعَطف لَا يَقْتَضِي الْمُغَايرَة بل هُوَ من عطف الْخَاص على الْعَام وَهَذَا معنى قَول النَّاظِم والعطف عِنْدهم كعطف الْفَرد من نوع عَلَيْهِ الخ وَهَذَا مَرْدُود لَان الله سُبْحَانَهُ أخبر فِي هَذِه الْآيَة انها بعد الْخلق قد سخرت بالامر
قَوْله والامر إِمَّا مصدر الخ أَي ان الامر فِي الْآيَة إِمَّا ان يكون مصدرا كَمَا هُوَ الاظهر وَإِمَّا ان يكون المُرَاد بِهِ الْمَأْمُور كَمَا يَقُوله أهل التَّأْوِيل فهما سَوَاء فَإِن الْمَأْمُور لابد لَهُ من آمُر وَلذَلِك سمي مَأْمُورا كَمَا ان الْمَخْلُوق ينفى اذ انْتَفَى الْحدثَان
وَقَالَ الشَّيْخ بدر الدّين مُحَمَّد بن عبد الله الزَّرْكَشِيّ فِي شرح (جمع الْجَوَامِع (قَالَ الْبُوَيْطِيّ عَن الشَّافِعِي انما خلق الله الْخلق ب (كن) فَلَو كَانَت هِيَ مخلوقة فمخلوق خلق مخلوقا قَالَ الْأَئِمَّة وَلَو كَانَ كن الأول مخلوقا فَهُوَ مَخْلُوق بِأُخْرَى وَأُخْرَى الى مَا لَا يتناهى وَهُوَ مُسْتَحِيل وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة ﵁ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر﴾ الاعراف ٥٤ الامر الْقُرْآن ففصل بَين الْمَخْلُوق والامر وَلَو كَانَ الامر مخلوقا لم يكن لتفصيله معنى قَالَ ابْن عُيَيْنَة فرق بَين الامر والخلق فَمن جمع بَينهمَا فقد كفر وَأما ان الْقُرْآن هُوَ الامر فَلقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مباركة إِنَّا كُنَّا منذرين فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم أمرا من عندنَا﴾ الدُّخان ٣ ٥ وَرُوِيَ هَذَا الاستنباط عَن احْمَد بن حَنْبَل وَمُحَمّد ابْن يحيى الذهلي وَاحْمَدْ بن سِنَان وَغَيرهم من الائمة وَذكر الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد
стр. 316
صَحِيح عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ سَمِعت مشيختنا مُنْذُ سبعين سنة يَقُولُونَ الْقُرْآن كَلَام الله لَيْسَ مخلوقا قَالَ ومشيخته جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَجَابِر وَابْن الزبير وأكابر التَّابِعين ثمَّ قَالَ وروينا هَذَا القَوْل عَن اللَّيْث بِهِ سعد وسُفْيَان وَابْن الْمُبَارك وَحَمَّاد ابْن زيد وَابْن مهْدي وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَأبي عبيد وَالْبُخَارِيّ ومشيخة سواهُم وانما أحدث هَذِه الْبِدْعَة الْجَعْد بن دِرْهَم وَعنهُ كَانَ يَأْخُذ الجهم فذبحه خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي يَوْم الاضحى انْتهى
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي التَّفْرِيق بَين مَا يُضَاف الى الرب تَعَالَى من الاوصاف والاعيان
... وَالله أخبر فِي الْكتاب بِأَنَّهُ ... مِنْهُ ومجرور بِمن نَوْعَانِ
عين وَوصف قَائِم بِالْعينِ كال ... أَعْيَان خلق الْخَالِق الرَّحْمَن
وَالْوَصْف بالمجرور قَامَ لانه ... أولى بِهِ فِي عرف كل لِسَان
وَنَظِير ذَا أَيْضا سَوَاء مَا يُضَاف اليه من صفة وَمن أَعْيَان ... فاضافة الاوصاف ثَابِتَة لمن
قَامَت بِهِ كارادة الرَّحْمَن ... وَإِضَافَة الْأَعْيَان ثَابِتَة لَهُ ... ملكا وخلقا مَا هما سيان
فَانْظُر الى بَيت الاله وَعلمه ... لما أضيف كَيفَ يفترقان ...
стр. 317
.. وَكَلَامه كحياته وكعلمه ... فِي ذِي الاضافة اذ هما وصفان
لَكِن نَاقَته وَبَيت الهنا ... فكعبده أَيْضا هما ذاتان
فَانْظُر الى الجهمي لما فَاتَهُ الْحق ... الْمُبين وَاضح الْفرْقَان
كَانَ الْجَمِيع لَدَيْهِ بَابا وَاحِدًا ... وَالصُّبْح لَاحَ لمن لَهُ عينان ...
قَوْله وَالله اخبر فِي الْقرَان بِأَنَّهُ الخ أَي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قل نزله روح الْقُدس من رَبك بِالْحَقِّ﴾ النَّحْل ١٠٢ وَقَالَ ﴿وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعلمُونَ أَنه منزل من رَبك بِالْحَقِّ﴾ الانعام ١١٤ وَقَالَ تَعَالَى عَن الْمَسِيح ﴿وروح مِنْهُ﴾ النِّسَاء ١٧١ وَمن لابتداء الْغَايَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ﴾ الجاثية ١٣ وَمن لابتداء الْغَايَة
قَالَ شيخ الاسلام رَحمَه الله تَعَالَى الْمُضَاف الى الله تَعَالَى اذا كَانَ معنى لَا يقوم بِنَفسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ من الْمَخْلُوقَات وَجب ان يكون ضفة لله تَعَالَى قَائِمَة بِهِ وَامْتنع اضافته اضافة مَخْلُوق مربوب وَإِذا كَانَ الْمُضَاف عينا قَائِمَة بِنَفسِهَا كجبريل وَعِيسَى ﵉ وأرواح بني آدم امْتنع ان يكون صفة لله تَعَالَى لِأَن مَا قَامَ بِنَفسِهِ لَا يكون صفة لغيره لَكِن الاعيان المضافة الى الله تَعَالَى على وَجْهَيْن
أَحدهمَا ان تُضَاف اليه بِكَوْنِهِ خلقهَا وأبدعها فَهَذَا شَامِل لجيمع الْمَخْلُوقَات كَقَوْلِهِم سَمَاء الله وَأَرْض الله فجيمع المخلوقين عبيد الله وجيمع المَال مَال الله
وَالْوَجْه الثَّانِي ان يُضَاف اليه لما خصّه بِهِ من معنى يُحِبهُ وبأمر بِهِ ويرضاه كَمَا خص الْبَيْت الْعَتِيق بِعبَادة فِيهِ لَا تكون فِي غَيره وكما يُقَال
стр. 318
فِي مَال الْخمس والفيء هُوَ مَال الله وَرَسُوله وَمن هَذَا الْوَجْه فَعبَّاد الله هم الَّذين عبدوه أوطاعوا أمره فَهَذِهِ اضافة تَتَضَمَّن ألوهيته وشرعه وَدينه وَتلك اضافة تَتَضَمَّن ربوبيته وخلقه انْتهى مُلَخصا
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
... واتى ابْن حزم بعد ذَاك فَقَالَ مَا ... للنَّاس قُرْآن وَلَا إثنان
بل أَربع كل يُسمى بالقرآ ... ن وَذَاكَ قَول بَين الْبطلَان
هَذَا الَّذِي يُتْلَى وَآخر ثَابت ... فِي الرَّسْم يدعى الْمُصحف العثماني
وَالثَّالِث الْمَحْفُوظ بَين صدورنا ... هذي الثَّلَاث خَلِيقَة الرَّحْمَن
وَالرَّابِع الْمَعْنى الْقَدِيم كعلمه ... كل يعبر عَنهُ بِالْقُرْآنِ
وَأَظنهُ قد رام شَيْئا لم يجد ... عَنهُ عبارَة نَاطِق بِبَيَان
إِن الْمعِين ذُو مَرَاتِب أَربع ... عقلت فَلَا تخفى على إِنْسَان
فِي الْعين ثمَّ الذِّهْن ثمَّ اللَّفْظ ثمَّ ... الرَّسْم حِين تخطه ببنان
وعَلى الْجَمِيع الِاسْم يُطلق لَكِن ال ... أولى بِهِ الْمَوْجُود فِي الاعيان
بِخِلَاف قَول ابْن الْخَطِيب فانه ... قد قَالَ ان الْوَضع للاذهان
فالشيء شَيْء وَاحِد لَا أَربع ... فدهى ابْن حزم قلَّة الْعرْفَان ...
стр. 319
ابْن حزم هُوَ الامام أَبُو مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد بن سعيد بن حزم الْقُرْطُبِيّ الظَّاهِرِيّ الْمَشْهُور عَالم الاندلس صَاحب المصنفات الْمَشْهُورَة ك (الْملَل والنحل (و (الْمحلى شرح المجلى (وَكتاب (الاجماع (وَكتاب (الايصال (وَغير ذَلِك وشهرته تغني عَن الاطناب فِي ذكره والاسهاب فِي أمره وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تذكرة الْحَافِظ (ولد رَحمَه الله تَعَالَى بقرطبة سنة ٣٨٤ أَربع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَسمع من أبي عمر أَحْمد بن الحسور ويحي بن مَسْعُود ويوسف بن عبد الله القَاضِي وحمام بن أَحْمد القَاضِي وَعبد الله ابْن ربيع التَّمِيمِي وَأبي عمر الطلمنكي وَخلق روى عَنهُ ابوعبد الله الْحميدِي فَأكْثر وَابْنه ابو رَافع الْفضل وَطَائِفَة وَكَانَ أليه الْمُنْتَهى فِي الذكاء وَالْحِفْظ وسعة الدائرة فِي الْعُلُوم وَكَانَ شافعيا ثمَّ انْتقل الى القَوْل بِالظَّاهِرِ وَنفى القَوْل بِالْقِيَاسِ وَتمسك بِالْعُمُومِ والبراءة الاصلية وَكَانَ صَاحب فنون فِيهِ دين وتورع وتزهد وتحر للصدق وَكَانَ أَبوهُ وزيرا جَلِيلًا محتشما كَبِير الشَّأْن وَكَانَ لابي مُحَمَّد كتب عَظِيمَة لَا سِيمَا كتب الحَدِيث وَالْفِقْه وَقد صنف كتابا كَبِيرا فِي فقه الحَدِيث سَمَّاهُ (الايصال الى فهم كتاب الْخِصَال الجامعة لجمل شرائع الاسلام والحلال وَالْحرَام (اورد فِيهِ أَقْوَال الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ وَالْحجّة لكل قَول وَله كتاب (الاحكام لاصول الاحكام (مجلدان وَكتاب (المجلى (فِي الْفِقْه على مذْهبه واجتهاده مُجَلد وَشَرحه وَهُوَ (الْمحلى فِي ثَمَانِي مجلدات وَكتاب (الْفَصْل فِي الْملَل والنحل (ثَلَاث مجلدات وَكتاب (إِظْهَار تَبْدِيل الْيَهُود
стр. 320
وَالنَّصَارَى للكتابين التَّوْرَاة والانجيل (وَكتاب (التَّقْرِيب لحد الْمنطق (والمدخل اليه بِأَلْفَاظ أهل الْعلم لَا بِأَلْفَاظ أهل الفلسفة وَمثله بالامثلة الْفِقْهِيَّة أَخذ الْمنطق عَن مُحَمَّد بن الْمذْحِجِي وأمعن فِيهِ فَبَقيَ فِيهِ قسط من نحلة الْحُكَمَاء
قَالَ أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ وجدت فِي اسماء الله تَعَالَى كتابا أَلفه أَبُو مُحَمَّد بن حزم يدل على عظم حفظه وسيلان ذهنه
وَقَالَ صاعد بن أَحْمد كَانَ ابْن حزم أجمع أهل الاندلس قاطبة لعلوم الاسلام وأوسعهم معرفَة مَعَ توسعه فِي علم اللِّسَان ووفور حَظه من البلاغه وَالشعر ومعرفته بالسنن والْآثَار اخبرني وَلَده الْفضل أَنه اجْتمع عِنْده بِخَط أَبِيه أبي مُحَمَّد من تآليفه أَرْبَعمِائَة مُجَلد يحتوي على نَحْو من ثَمَانِينَ الف ورقة
قَالَ الْحميدِي كَانَ أَبُو مُحَمَّد حَافِظًا للْحَدِيث وفقهه مستنبطا للاحكام من الْكتاب وَالسّنة متقنا فِي عُلُوم جمة عَاملا بِعِلْمِهِ مَا رَأينَا مثله فِيمَا اجْتمع لَهُ من الذكاء وَسُرْعَة الْحِفْظ وكرم النَّفس والتدين وَكَانَ لَهُ فِي الادب وَالشعر نفس وَاسع وَبَاعَ طَوِيل مَا رَأَيْت من يَقُول الشّعْر على البديهة أسْرع مِنْهُ وشعره كثير جمعه على حُرُوف المعجم
قَالَ ابو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد المغربي صَحِبت ابْن حزم سَبْعَة أَعْوَام وَسمعت مِنْهُ جَمِيع مصنفاته سوى المجلد الاخير من كتاب (الْفَصْل (وقرأنا عَلَيْهِ من كتاب (الايصال (سبع مجلدات فِي سنة سِتّ وَخمسين وَهُوَ اربعة وَعِشْرُونَ مجلدا وَمن تآليفه كتاب (الصادع (فِي الرَّد على من قَالَ بالتقليد وَكتاب (شرح أَحَادِيث الْمُوَطَّأ (وَكتاب (الْجَامِع (فس صَحِيح الحَدِيث بِاخْتِصَار الاسانيد وَكتاب (منتقى الاجماع (وَكتاب
следующие страницы →