← Акыда

Акыда · id 6362

توضيح المقاصد شرح نونية ابن القيم الكافية الشافية

أحمد بن عيسى

Полный текст (1 130 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

صَحِيح عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ سَمِعت مشيختنا مُنْذُ سبعين سنة يَقُولُونَ الْقُرْآن كَلَام الله لَيْسَ مخلوقا قَالَ ومشيخته جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَجَابِر وَابْن الزبير وأكابر التَّابِعين ثمَّ قَالَ وروينا هَذَا القَوْل عَن اللَّيْث بِهِ سعد وسُفْيَان وَابْن الْمُبَارك وَحَمَّاد ابْن زيد وَابْن مهْدي وَالشَّافِعِيّ وَأحمد بن حَنْبَل وَأبي عبيد وَالْبُخَارِيّ ومشيخة سواهُم وانما أحدث هَذِه الْبِدْعَة الْجَعْد بن دِرْهَم وَعنهُ كَانَ يَأْخُذ الجهم فذبحه خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي يَوْم الاضحى انْتهى قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فصل فِي التَّفْرِيق بَين مَا يُضَاف الى الرب تَعَالَى من الاوصاف والاعيان ... وَالله أخبر فِي الْكتاب بِأَنَّهُ ... مِنْهُ ومجرور بِمن نَوْعَانِ عين وَوصف قَائِم بِالْعينِ كال ... أَعْيَان خلق الْخَالِق الرَّحْمَن وَالْوَصْف بالمجرور قَامَ لانه ... أولى بِهِ فِي عرف كل لِسَان وَنَظِير ذَا أَيْضا سَوَاء مَا يُضَاف اليه من صفة وَمن أَعْيَان ... فاضافة الاوصاف ثَابِتَة لمن قَامَت بِهِ كارادة الرَّحْمَن ... وَإِضَافَة الْأَعْيَان ثَابِتَة لَهُ ... ملكا وخلقا مَا هما سيان فَانْظُر الى بَيت الاله وَعلمه ... لما أضيف كَيفَ يفترقان ...

стр. 317

.. وَكَلَامه كحياته وكعلمه ... فِي ذِي الاضافة اذ هما وصفان لَكِن نَاقَته وَبَيت الهنا ... فكعبده أَيْضا هما ذاتان فَانْظُر الى الجهمي لما فَاتَهُ الْحق ... الْمُبين وَاضح الْفرْقَان كَانَ الْجَمِيع لَدَيْهِ بَابا وَاحِدًا ... وَالصُّبْح لَاحَ لمن لَهُ عينان ... قَوْله وَالله اخبر فِي الْقرَان بِأَنَّهُ الخ أَي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قل نزله روح الْقُدس من رَبك بِالْحَقِّ﴾ النَّحْل ١٠٢ وَقَالَ ﴿وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعلمُونَ أَنه منزل من رَبك بِالْحَقِّ﴾ الانعام ١١٤ وَقَالَ تَعَالَى عَن الْمَسِيح ﴿وروح مِنْهُ﴾ النِّسَاء ١٧١ وَمن لابتداء الْغَايَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وسخر لكم مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مِنْهُ﴾ الجاثية ١٣ وَمن لابتداء الْغَايَة قَالَ شيخ الاسلام رَحمَه الله تَعَالَى الْمُضَاف الى الله تَعَالَى اذا كَانَ معنى لَا يقوم بِنَفسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ من الْمَخْلُوقَات وَجب ان يكون ضفة لله تَعَالَى قَائِمَة بِهِ وَامْتنع اضافته اضافة مَخْلُوق مربوب وَإِذا كَانَ الْمُضَاف عينا قَائِمَة بِنَفسِهَا كجبريل وَعِيسَى ﵉ وأرواح بني آدم امْتنع ان يكون صفة لله تَعَالَى لِأَن مَا قَامَ بِنَفسِهِ لَا يكون صفة لغيره لَكِن الاعيان المضافة الى الله تَعَالَى على وَجْهَيْن أَحدهمَا ان تُضَاف اليه بِكَوْنِهِ خلقهَا وأبدعها فَهَذَا شَامِل لجيمع الْمَخْلُوقَات كَقَوْلِهِم سَمَاء الله وَأَرْض الله فجيمع المخلوقين عبيد الله وجيمع المَال مَال الله وَالْوَجْه الثَّانِي ان يُضَاف اليه لما خصّه بِهِ من معنى يُحِبهُ وبأمر بِهِ ويرضاه كَمَا خص الْبَيْت الْعَتِيق بِعبَادة فِيهِ لَا تكون فِي غَيره وكما يُقَال

стр. 318

فِي مَال الْخمس والفيء هُوَ مَال الله وَرَسُوله وَمن هَذَا الْوَجْه فَعبَّاد الله هم الَّذين عبدوه أوطاعوا أمره فَهَذِهِ اضافة تَتَضَمَّن ألوهيته وشرعه وَدينه وَتلك اضافة تَتَضَمَّن ربوبيته وخلقه انْتهى مُلَخصا قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فصل ... واتى ابْن حزم بعد ذَاك فَقَالَ مَا ... للنَّاس قُرْآن وَلَا إثنان بل أَربع كل يُسمى بالقرآ ... ن وَذَاكَ قَول بَين الْبطلَان هَذَا الَّذِي يُتْلَى وَآخر ثَابت ... فِي الرَّسْم يدعى الْمُصحف العثماني وَالثَّالِث الْمَحْفُوظ بَين صدورنا ... هذي الثَّلَاث خَلِيقَة الرَّحْمَن وَالرَّابِع الْمَعْنى الْقَدِيم كعلمه ... كل يعبر عَنهُ بِالْقُرْآنِ وَأَظنهُ قد رام شَيْئا لم يجد ... عَنهُ عبارَة نَاطِق بِبَيَان إِن الْمعِين ذُو مَرَاتِب أَربع ... عقلت فَلَا تخفى على إِنْسَان فِي الْعين ثمَّ الذِّهْن ثمَّ اللَّفْظ ثمَّ ... الرَّسْم حِين تخطه ببنان وعَلى الْجَمِيع الِاسْم يُطلق لَكِن ال ... أولى بِهِ الْمَوْجُود فِي الاعيان بِخِلَاف قَول ابْن الْخَطِيب فانه ... قد قَالَ ان الْوَضع للاذهان فالشيء شَيْء وَاحِد لَا أَربع ... فدهى ابْن حزم قلَّة الْعرْفَان ...

стр. 319

ابْن حزم هُوَ الامام أَبُو مُحَمَّد عَليّ بن أَحْمد بن سعيد بن حزم الْقُرْطُبِيّ الظَّاهِرِيّ الْمَشْهُور عَالم الاندلس صَاحب المصنفات الْمَشْهُورَة ك (الْملَل والنحل (و (الْمحلى شرح المجلى (وَكتاب (الاجماع (وَكتاب (الايصال (وَغير ذَلِك وشهرته تغني عَن الاطناب فِي ذكره والاسهاب فِي أمره وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تذكرة الْحَافِظ (ولد رَحمَه الله تَعَالَى بقرطبة سنة ٣٨٤ أَربع وَثَمَانِينَ وثلاثمائة وَسمع من أبي عمر أَحْمد بن الحسور ويحي بن مَسْعُود ويوسف بن عبد الله القَاضِي وحمام بن أَحْمد القَاضِي وَعبد الله ابْن ربيع التَّمِيمِي وَأبي عمر الطلمنكي وَخلق روى عَنهُ ابوعبد الله الْحميدِي فَأكْثر وَابْنه ابو رَافع الْفضل وَطَائِفَة وَكَانَ أليه الْمُنْتَهى فِي الذكاء وَالْحِفْظ وسعة الدائرة فِي الْعُلُوم وَكَانَ شافعيا ثمَّ انْتقل الى القَوْل بِالظَّاهِرِ وَنفى القَوْل بِالْقِيَاسِ وَتمسك بِالْعُمُومِ والبراءة الاصلية وَكَانَ صَاحب فنون فِيهِ دين وتورع وتزهد وتحر للصدق وَكَانَ أَبوهُ وزيرا جَلِيلًا محتشما كَبِير الشَّأْن وَكَانَ لابي مُحَمَّد كتب عَظِيمَة لَا سِيمَا كتب الحَدِيث وَالْفِقْه وَقد صنف كتابا كَبِيرا فِي فقه الحَدِيث سَمَّاهُ (الايصال الى فهم كتاب الْخِصَال الجامعة لجمل شرائع الاسلام والحلال وَالْحرَام (اورد فِيهِ أَقْوَال الصَّحَابَة فَمن بعدهمْ وَالْحجّة لكل قَول وَله كتاب (الاحكام لاصول الاحكام (مجلدان وَكتاب (المجلى (فِي الْفِقْه على مذْهبه واجتهاده مُجَلد وَشَرحه وَهُوَ (الْمحلى فِي ثَمَانِي مجلدات وَكتاب (الْفَصْل فِي الْملَل والنحل (ثَلَاث مجلدات وَكتاب (إِظْهَار تَبْدِيل الْيَهُود

стр. 320

وَالنَّصَارَى للكتابين التَّوْرَاة والانجيل (وَكتاب (التَّقْرِيب لحد الْمنطق (والمدخل اليه بِأَلْفَاظ أهل الْعلم لَا بِأَلْفَاظ أهل الفلسفة وَمثله بالامثلة الْفِقْهِيَّة أَخذ الْمنطق عَن مُحَمَّد بن الْمذْحِجِي وأمعن فِيهِ فَبَقيَ فِيهِ قسط من نحلة الْحُكَمَاء قَالَ أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ وجدت فِي اسماء الله تَعَالَى كتابا أَلفه أَبُو مُحَمَّد بن حزم يدل على عظم حفظه وسيلان ذهنه وَقَالَ صاعد بن أَحْمد كَانَ ابْن حزم أجمع أهل الاندلس قاطبة لعلوم الاسلام وأوسعهم معرفَة مَعَ توسعه فِي علم اللِّسَان ووفور حَظه من البلاغه وَالشعر ومعرفته بالسنن والْآثَار اخبرني وَلَده الْفضل أَنه اجْتمع عِنْده بِخَط أَبِيه أبي مُحَمَّد من تآليفه أَرْبَعمِائَة مُجَلد يحتوي على نَحْو من ثَمَانِينَ الف ورقة قَالَ الْحميدِي كَانَ أَبُو مُحَمَّد حَافِظًا للْحَدِيث وفقهه مستنبطا للاحكام من الْكتاب وَالسّنة متقنا فِي عُلُوم جمة عَاملا بِعِلْمِهِ مَا رَأينَا مثله فِيمَا اجْتمع لَهُ من الذكاء وَسُرْعَة الْحِفْظ وكرم النَّفس والتدين وَكَانَ لَهُ فِي الادب وَالشعر نفس وَاسع وَبَاعَ طَوِيل مَا رَأَيْت من يَقُول الشّعْر على البديهة أسْرع مِنْهُ وشعره كثير جمعه على حُرُوف المعجم قَالَ ابو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد المغربي صَحِبت ابْن حزم سَبْعَة أَعْوَام وَسمعت مِنْهُ جَمِيع مصنفاته سوى المجلد الاخير من كتاب (الْفَصْل (وقرأنا عَلَيْهِ من كتاب (الايصال (سبع مجلدات فِي سنة سِتّ وَخمسين وَهُوَ اربعة وَعِشْرُونَ مجلدا وَمن تآليفه كتاب (الصادع (فِي الرَّد على من قَالَ بالتقليد وَكتاب (شرح أَحَادِيث الْمُوَطَّأ (وَكتاب (الْجَامِع (فس صَحِيح الحَدِيث بِاخْتِصَار الاسانيد وَكتاب (منتقى الاجماع (وَكتاب

стр. 321

(كشف الالتباب لما بَين الظَّاهِرِيَّة وَأَصْحَاب الْقيَاس (وَله (السِّيرَة النَّبَوِيَّة (فِي مُجَلد وتصانيفه كَثِيرَة قَالَ أَبُو مَرْوَان بن حَيَّان كَانَ ابْن حزم حَامِل فنون من حَدِيث وَفقه وجدل وَنسب وَمَا يتَعَلَّق بأذيال الادب مَعَ الْمُشَاركَة فِي أَنْوَاع التعاليم الْقَدِيمَة من الْمنطق والفلسفة وَله كتب كَثِيرَة لم يخل فِيهَا من غلط لجراءته فِي التسور على الْفُنُون لاسيما الْمنطق فَإِنَّهُم زَعَمُوا انه زل هُنَالك وضل فِي سلوك المسالك وَخَالف أرسطو وَاضعه مُخَالفَة من لم يفهم غَرَضه وَلَا ارتاض وَمَال اولا فِي النّظر الى الشَّافِعِي وناضل عَنهُ حَتَّى وسم بِهِ فاستهدف بذلك لكثير من الْفُقَهَاء وعيب بالشذوذ ثمَّ عدل عَن ذَلِك الى الظَّاهِر فنقحه وجادل عَنهُ وَلم يكن يلطف صدعه بِمَا عِنْده بتعريض وَلَا بتدريج بل يصك بِهِ معارضه صك الجندل وينشقه انْشِقَاق الْخَرْدَل فتنفر عَنهُ الْقُلُوب وَتَقَع بِهِ الندوب حَتَّى استهدف الى فُقَهَاء وقته فتمالؤوا عَلَيْهِ وَأَجْمعُوا على تضليله وشنعوا عَلَيْهِ وحذروا سلاطينهم من فتنته ونهوا عوامهم عَن الدنو مِنْهُ فَطَفِقَ الْمُلُوك يقصدونه ويسيرونه عَن بِلَادهمْ الى ان انْتَهوا بِهِ مُنْقَطع أَثَره وَهِي بَلْدَة من بادية لبلة وَهُوَ فِي ذَلِك غير مرتدع وَلَا رَاجع الى آخر كَلَام لابي حَيَّان تركته اختصارا انْتهى توفّي ٤٥٦ سنة سِتَّة وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَله اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سنة رَحمَه الله تَعَالَى وَقَوله فِي الْقُرْآن قَول مهجور لَا نعلم قَائِلا بِهِ وَهُوَ من جملَة مجازفته وتهوره ﵀ وَلَكِن النَّاظِم لما ذكر جَمِيع مَا قَالَه النَّاس فِي الْقُرْآن الْعَظِيم ذكر هَذَا القَوْل لِأَنَّهُ من جملَة الْأَقْوَال الَّتِي قيلت وَإِلَّا فَشَيْخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى قد ذكر فِي الْمَسْأَلَة المصرية أَقْوَال النَّاس فِي الْقُرْآن فبلغت

стр. 322

سَبْعَة أَقْوَال أَو ثَمَانِيَة وَلم يذكر قَول ابْن حزم هَذَا وَحَيْثُ ذكره النَّاظِم فَلَا بُد من بَيَان مَعْنَاهُ فَقَوله بل أَربع كل يُسمى بِالْقُرْآنِ هَذَا الَّذِي يُتْلَى وَالثَّانِي الْمَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف وَالثَّالِث الْمَحْفُوظ فِي الصُّدُور وَالْمرَاد بالرسم الْخط وَقَوله هَذِه الثَّلَاث خَلِيقَة الرَّحْمَن وَهَذَا القَوْل من أبطل الاقوال الَّتِي قيلت فِي الْقُرْآن وَلذَلِك قَالَ النَّاظِم وَذَاكَ قَول بَين الْبطلَان قَوْله وَالرَّابِع الْمَعْنى الْقَدِيم الخ كَأَنَّهُ وَالله أعلم وَافق الاشاعرة والكلابية فِي إِثْبَات الْمَعْنى النَّفْسِيّ وَقد تقدم القَوْل فِي الْمَعْنى النَّفْسِيّ بِمَا أغْنى عَن الاعادة وَقَول النَّاظِم وَأَظنهُ قد رام شَيْئا لم يجد الى قَوْله ان الْمعِين ذُو مَرَاتِب أَربع الخ أَي ان الْمعِين كزيد مثلا لَهُ أَربع وجودات وجود خارجي وَوُجُود ذهني وَوُجُود لَفْظِي أَي فِي اللَّفْظ اذا تلفظت بِلَفْظ زيد وَوُجُود رسمي أَي خطي فَهَذِهِ الوجودات الاربعة وَهِي الَّتِي ذكرهَا الله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم﴾ الْقَلَم ١ ٤ فَذكر الْمَرَاتِب الاربعة وَهِي الْوُجُود الْعَيْنِيّ الْخَارِجِي الَّذِي هُوَ خلقه وَذكر الْوُجُود الرسمي المطابق للفظي الدَّال على العلمي فمذهب ابْن حزم أَن الْقُرْآن فِي الْمَرَاتِب الثَّلَاثَة مَخْلُوق وَهِي وجوده الْعَيْنِيّ واللفظي والرسمي وَلَكِن الاولى بِالتَّسْمِيَةِ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ وجوده الْعَيْنِيّ بَقِي عِنْده الْمَعْنى الْقَدِيم فَهُوَ غير مَخْلُوق كَالْعلمِ وَقَول النَّاظِم بِخِلَاف قَول ابْن الْخَطِيب الخ أَي أَن قَول ابْن

стр. 323

الْخَطِيب أَي الْفَخر الرَّازِيّ قَالَ ان الْكَلَام مَوْضُوع لما فِي الذِّهْن وهوالمعنى النَّفْسِيّ على مَا هُوَ مَعْرُوف من مَذْهَب الاشاعرة وَإنَّهُ معنى وَاحِد وَالله أعلم قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَالله أخبر أَنه سُبْحَانَهُ ... مُتَكَلم بِالْوَحْي وَالْفرْقَان وكذاك أخبرنَا بِأَن كَلَامه ... بصدور أهل الْعلم والايمان وكذاك أخبر أَنه الْمَكْتُوب فِي ... صحف المطهرة من الرَّحْمَن وكذاك أخبر أَنه المتلو وَال ... مقروء عِنْد تِلَاوَة الانسان وَالْكل شَيْء وَاحِد لَا انه ... هُوَ أَربع وَثَلَاثَة وَاثْنَانِ وتلاوة الْقُرْآن أَفعَال لنا ... وَكَذَا الْكِتَابَة فَهِيَ خطّ بنان لكنما المتلو والمكتوب وَال ... مَحْفُوظ قَول الْوَاحِد المنان وَالْعَبْد يَقْرَؤُهُ بِصَوْت طيب ... وبضده فهما لَهُ صوتان وكذاك يَكْتُبهُ بِخَط جيد ... وبضده فهما لَهُ خطان أصواتنا ومدادنا وأداتنا ... وَالرّق ثمَّ كِتَابَة الْقُرْآن وَلَقَد أَتَى فِي نظمه من قَالَ قو ... ل الْحق فِيهِ وَهُوَ غير جبان ان الَّذِي هُوَ فِي الْمَصَاحِف مُثبت ... بأنامل الاشياخ والشبان هُوَ قَول رَبِّي آيه وحروفه ... ومدادنا وَالرّق مخلوقان ...

стр. 324

.. فشفى وَفرق بَين متلو ... ومصنوع وَذَاكَ حَقِيقَة الْعرْفَان الْكل مَخْلُوق وَلَيْسَ كَلَامه المتلو ... مخلوقا هما شَيْئَانِ فَعَلَيْك بالتفصيل والتمييز فال ... إِطْلَاق والاجمال دون بَيَان قد أفسدا هَذَا الْوُجُود وخبطا ... الاذهان والآراء كل زمَان وتلاوة الْقُرْآن فِي تَعْرِيفهَا ... بِاللَّامِ قد يعْنى بهَا شَيْئَانِ يعْنى بهَا المتلو فَهُوَ كَلَامه ... هُوَ غير مَخْلُوق كذي الاكوان وَيُرَاد افعال الْعباد كصوتهم ... وأدائهم وَكِلَاهُمَا خلقان هَذَا الَّذِي نصت عَلَيْهِ أَئِمَّة ال ... إِسْلَام اهل الْعلم والعرفان وَهُوَ الَّذِي قصد البُخَارِيّ الرضى ... لَكِن تقاصر قَاصِر الاذهان عَن فهمه كتقاصر الافهام عَن ... قَول الامام الاعظم الشَّيْبَانِيّ فِي اللَّفْظ لما أَن نفى الضدين عَنهُ ... واهتدى للنَّفْي ذُو عرفان فاللفظ يصلح مصدرا هُوَ فعلنَا ... كتلفظ بِتِلَاوَة الْقُرْآن وَكَذَلِكَ يصلح نفس ملفوظ بِهِ ... وَهُوَ الْقُرْآن فذان محتملان فلذاك انكر أَحْمد الاطلاق فِي ... نفي وَإِثْبَات بِلَا فرقان ... شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي بَيَان الْقِرَاءَة والمقروء والتلاوة والمتلو وَا لكتابة والمكتوب وَالْمَحْفُوظ وَاللَّفْظ والملفوظ

стр. 325

وَأَطْنَبَ فِي ذَلِك لِكَثْرَة مَا وَقع فِي ذَلِك من التخبيط والتخليط فَقَالَ وَالله أخبر أَنه سُبْحَانَهُ مُتَكَلم الخ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ التَّوْبَة ٦ وَقَالَ تَعَالَى ﴿بل هُوَ آيَات بَيِّنَات فِي صُدُور الَّذين أُوتُوا الْعلم﴾ العنكبوت ٤٩ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فِي صحف مكرمَة مَرْفُوعَة مطهرة﴾ عبس ١٣ ١٤ وَقَالَ ﴿فَإِذا قرأناه فَاتبع قرآنه﴾ الْقِيَامَة ١٨ ثمَّ قَالَ وَالْكل شَيْء وَاحِد لانه هُوَ أَربع وَثَلَاثَة وَاثْنَانِ ثمَّ قَالَ ... وتلاوة الْقُرْآن أَفعَال لنا ... وَكَذَا الْكِتَابَة فَهِيَ خطّ بنان ... قَالَ شيخ الاسلام بعد كَلَام سبق وَكَانَ أهل الحَدِيث قد افْتَرَقُوا فِي ذَلِك أَي فِي مَسْأَلَة اللَّفْظ فِي الْقُرْآن فَصَارَ طَائِفَة مِنْهُم يَقُولُونَ لفظنا بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق ومرادهم أَن الْقُرْآن المسموع غير مَخْلُوق وَلَيْسَ مُرَادهم صَوت العَبْد كَمَا يذكر ذَلِك عَن أبي حَاتِم الرَّازِيّ وَمُحَمّد بن دَاوُد المصِّيصِي وَطَوَائِف غير هَؤُلَاءِ وَفِي أَتبَاع هَؤُلَاءِ من قد يدْخل صَوت العَبْد أَو فعله فِي ذَلِك أَو يقف فِيهِ ففهم ذَلِك بعض الائمة فَصَارَ يَقُول أَفعَال الْعباد (و) أَصْوَاتهم مخلوقة ردا لهَؤُلَاء كَمَا فعل البُخَارِيّ وَمُحَمّد بن نصر الْمروزِي وَغَيرهمَا من أهل الْعلم وَالسّنة وَصَارَ يحصل بِسَبَب كَثْرَة الْخَوْض فِي ذَلِك الفاظ مُشْتَركَة وَأَهْوَاء للنفوس حصل بِسَبَب ذَلِك نوع من الْفرْقَة والفتنة وَحصل بَين البُخَارِيّ وَبَين مُحَمَّد بن يحيى الذهلي فِي ذَلِك مَا هُوَ مَعْرُوف وَصَارَ قوم مَعَ البُخَارِيّ كمسلم بن الْحجَّاج وَنَحْوه وَقوم عَلَيْهِ كَأبي زرْعَة وَأبي حَاتِم وَنَحْوهمَا وكلا هَؤُلَاءِ من أهل الْعلم وَالسّنة والْحَدِيث وهم من أَصْحَاب أَحْمد بن حَنْبَل وَلِهَذَا قَالَ ابْن قُتَيْبَة إِن أهل السّنة لم يَخْتَلِفُوا فِي شَيْء من أقواهم إِلَّا فِي مَسْأَلَة اللَّفْظ وَصَارَ قوم يطلقون القَوْل بِأَن التِّلَاوَة هِيَ المتلو وَالْقِرَاءَة هِيَ المقروء وَلَيْسَ

стр. 326

مُرَادهم بالتلاوة الْمصدر فَالَّذِينَ قَالُوا التِّلَاوَة هِيَ المتلو من أهل الْعلم وَالسّنة قصدُوا بذلك أَن التِّلَاوَة هِيَ القَوْل وَالْكَلَام المقترن بالحركة وَهِي الْكَلَام المتلو وَآخَرُونَ قَالُوا بل التِّلَاوَة غير المتلو وَالْقِرَاءَة غير المقروء وَالَّذين قَالُوا ذَلِك من أهل السّنة والْحَدِيث أَرَادو بذلك أَن أَفعَال الْعباد لَيست هِيَ كَلَام الله وَلَا أصوات الْعباد هِيَ صَوت الله وَهَذَا الَّذِي قَصده البُخَارِيّ وَهُوَ مَقْصُود صَحِيح انْتهى كَلَامه مُلَخصا من كتاب (الْعقل وَالنَّقْل ( وَقَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي كتاب (الْعُلُوّ (قَالَ عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْحَافِظ حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن الْفضل الصَّيْدَاوِيُّ سَمِعت اسحق بن دَاوُد الشعراني يذكر أَنه عرض على مُحَمَّد بن أسلم الطوسي كَلَام بعض من تكلم فِي الْقُرْآن فَقَالَ مُحَمَّد الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق أَيْن ماتلي وَحَيْثُ ماكتب لَا يتَغَيَّر وَلَا يتَحَوَّل وَلَا يتبدل قَالَ الذَّهَبِيّ صدق وَالله فانك تنقل من الْمُصحف مائَة مصحف وَذَاكَ الاول لايتحول فِي نَفسه وَلَا يتَغَيَّر وتلقن الْقُرْآن ألف نفس وَمَا فِي نَفسك بَاقٍ بهيئته لَا يفصل عَنْك وَلَا يتَغَيَّر وَذَلِكَ لِأَن الْمَكْتُوب وَاحِد وَالْكِتَابَة تعدّدت وَالَّذِي فِي صدرك وَاحِد وَمَا فِي صُدُور المقرئين هُوَ عين مَا فِي صدرك سَوَاء والمتلو وان تعدد التالون بِهِ وَاحِد مَعَ كَونه سور وآيات وأجزاء مُتعَدِّدَة وَهُوَ كَلَام الله ووحيه وتنزيله وإنشاؤه لَيْسَ هُوَ بكلامنا أصلا نعم وتكلمنا بِهِ وتلاوتنا لَهُ ونطقنا بِهِ من أفعالنا وَكَذَلِكَ كتابتنا لَهُ وأصواتنا بِهِ من أَعمالنَا قَالَ الله ﴿وَالله خَلقكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ الصافات ٩٦ فالقرآن المتلو مَعَ قطع النّظر عَن أَعمالنَا كَلَام الله لَيْسَ بمخلوق وَهَذَا إِنَّمَا يحصله الذِّهْن وَأما فِي الْخَارِج فَلَا يَتَأَتَّى وجود الْقُرْآن إِلَّا من تال وَفِي مصحف فَإِذا سَمعه الْمُؤْمِنُونَ فِي الْآخِرَة من

стр. 327

رب الْعَالمين فالتلاوة اذا ذَاك والمتلو ليسَا بمخلوقين وَلِهَذَا يَقُول الامام أَحْمد من قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق يُرِيد بِهِ الْقُرْآن فَهُوَ جهمي فَتَأمل هَذَا فَالْمَسْأَلَة صعبة وَمَا فصلته فِيهَا وَإِن كَانَ حَقًا فَأَحْمَد رَحمَه الله تَعَالَى وعلماء السّلف لم يأذنوا فِي التَّعْبِير عَن ذَلِك وفروا عَن الْجَهْمِية وَمن الْكَلَام بِكُل مُمكن حَتَّى إِن حَرْب بن اسماعيل قَالَ سَمِعت ابْن رَاهَوَيْه وَسُئِلَ عَن الرجل يَقُول الْقُرْآن لَيْسَ بمخلوق وقراءتي إِيَّاه مخلوقة لِأَنِّي أحكيه فَقَالَ هَذَا بِدعَة لَا يقار على هَذَا حَتَّى يدع قَوْله قلت أَظن اسحق نفر من قَوْله لاني أحكيه بِحَيْثُ أَن الْحَافِظ الثبت عبد الله بن الامام أَحْمد ﵁ قَالَ سَأَلت أبي فِي رجل قَالَ التِّلَاوَة مخلوقة وألفاظنا بِالْقُرْآنِ مخلوقة وَالْقُرْآن كَلَام الله لَيْسَ بمخلوق قَالَ هَذَا كَلَام الْجَهْمِية قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن أحد من الْمُشْركين استجارك فَأَجره حَتَّى يسمع كَلَام الله﴾ التَّوْبَة ٦ وَقَالَ النَّبِي ﷺ (حَتَّى أبلغ كَلَام رَبِّي (وَقَالَ (إِن هَذِه الصَّلَاة لَا يصلح فِيهَا شَيْء من كَلَام النَّاس (

стр. 328

وَكَانَ أبي يكره أَن يتَكَلَّم فِي اللَّفْظ بِشَيْء اَوْ يُقَال مَخْلُوق أوغير مَخْلُوق قلت فعل الامام أَحْمد ﵁ هَذَا حسما للمادة والا فالملفوظ كَلَام الله والتلفظ بِهِ فَمن كسبنا انْتهى كَلَام الذَّهَبِيّ وَقَول النَّاظِم وَهُوَ الَّذِي قصد البُخَارِيّ الرضى الى آخِره يَعْنِي ان الامام أَحْمد قَالَ فِيمَا نقل عَنهُ نقلا مستفيضا أَنه قَالَ من قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فَهُوَ جهمي وَمن قَالَ غير مَخْلُوق فَهُوَ مُبْتَدع قَالَ النَّاظِم فِي كتاب (الصَّوَاعِق الْمُرْسلَة (فان قيل فاذا كَانَ الامر كَمَا قررتم فَكيف أنكر الامام احْمَد على من قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق وبدعة وَنسبه الى التجهم وَهل كَانَت محنة أبي عبد الله البُخَارِيّ الا على ذَلِك حَتَّى هجره أهل الحَدِيث ونسبوه الى القَوْل بِخلق الْقُرْآن قيل معَاذ الله أَن يظنّ بأئمة الاسلام هَذَا الظَّن الْفَاسِد فقد صرح البُخَارِيّ فِي كِتَابه (خلق أَفعَال الْعباد (وَفِي آخر (الْجَامِع (بِأَن الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق وَقَالَ حَدثنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ أدْركْت مشيختنا مُنْذُ سبعين سنة مِنْهُم عَمْرو بن دِينَار يَقُولُونَ الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق الى أَن قَالَ فَالْبُخَارِي أعلم بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة وَأولى بِالصَّوَابِ فِيهَا من جَمِيع من خَالفه وَكَلَامه أوضح وأمتن من كَلَام أبي عبد الله فان الامام احْمَد سد الذريعة حَيْثُ منع اطلاق لفظ الْمَخْلُوق نفيا وإثباتا على اللَّفْظ وَهَذَا الْمَنْع فِي النَّفْي والاثبات من كَمَال علمه باللغة وَالسّنة وتحقيقه لهَذَا الْبَاب فَإِنَّهُ امتحن بِمَا لم يمْتَحن بِهِ غَيره وَصَارَ كَلَامه قدوة وإماما لحزب الرَّسُول ﷺ الى يَوْم الْقِيَامَة وَالَّذِي قَصده حمد ن اللَّفْظ يُرَاد بِهِ أَمْرَانِ أَحدهمَا

стр. 329

الملفوظ نَفسه وَهُوَ غير مَقْدُور للْعَبد وَلَا فعل لَهُ وَالثَّانِي التَّلَفُّظ بِهِ والادالة وَفعل العَبْد فاطلاق الْخلق على اللَّفْظ قد يُوهم الْمَعْنى الاول وَهُوَ خطأ واطلاق نفي الْخلق عَلَيْهِ قد يُوهم الْمَعْنى الثَّانِي وَهُوَ خطأ فَمنع الاطلاقين وَأَبُو عبد الله البُخَارِيّ ميز وَفصل وَأَشْبع الْكَلَام فِي ذَلِك وَفرق بَين مَا قَامَ بالرب وَبَين مَا قَامَ بِالْعَبدِ وأوقع الْمَخْلُوق على تلفظ الْعباد وأصواتهم وحركاتهم وأكسابهم وَنفى اسْم الْخلق عَن الملفوظ وَهُوَ الْقُرْآن الَّذِي سَمعه جِبْرِيل من الله تَعَالَى وسَمعه مُحَمَّد ﷺ من جِبْرِيل وَقد شفى فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي كتاب (خلق أَفعَال الْعباد (وأتى فِيهَا من الْفرْقَان وَالْبَيَان بِمَا يزِيل الشُّبْهَة ويوضح الْحق وَيبين مَحَله من الامامة وَالدّين ورد على الطَّائِفَتَيْنِ أحسن الرَّد وَقَالَ أَبُو عبد الله البُخَارِيّ فَأَما مَا احْتج بِهِ الْفَرِيقَانِ لمَذْهَب احْمَد ويدعيه كل لنَفسِهِ فَلَيْسَ بِثَابِت كثير من اخبارهم وَرُبمَا لم يفهموا دقة مذْهبه بل الْمَعْرُوف عَن احْمَد وَأهل الْعلم ان كَلَام الله تَعَالَى غير مَخْلُوق وَمَا سواهُ فَهُوَ مَخْلُوق وانهم كَرهُوا الْبَحْث والتفتيش عَن الاشياء الغامضة و (كَانَ) يجْتَنب اهل الْكَلَام والخوض والتنازع الا فِيمَا جَاءَ بِهِ الْعلم وَبَينه النَّبِي ﷺ وَالْفَرِيقَانِ اللَّذين عناهما البُخَارِيّ وتصدى للرَّدّ عَلَيْهِمَا وابطال قَوْلهمَا ثمَّ أخبر البُخَارِيّ ان كل وَاحِدَة من الطَّائِفَتَيْنِ الزائغتين تحتج بِأَحْمَد وتزعم ان قَوْلهَا قَوْله وَهُوَ كَمَا قَالَ ﵀ فَإِن اولئك اللفظية يَزْعمُونَ أَنه كَانَ يَقُول لَفْظِي بِالْقُرْآنِ غير مَخْلُوق وَأَنه على ذَلِك اسْتَقر أمره وَهَذَا قَول من يَقُول التِّلَاوَة هِيَ المتلو وَالْقِرَاءَة هِيَ المقروء وَالْكِتَابَة هِيَ الْمَكْتُوب والطائفة الثَّانِيَة الَّذين يَقُولُونَ التِّلَاوَة وَالْقِرَاءَة مخلوقة وَيَقُولُونَ ألفاظنا بِالْقُرْآنِ مخلوقة ومرادهم بالتلاوة وَالْقِرَاءَة نفس أَلْفَاظ الْقُرْآن الْعَرَبِيّ الَّذِي

стр. 330

سمع من رَسُول الله ﷺ والمتلو والمقروء عِنْدهم هُوَ الْمَعْنى الْقَائِم بِالنَّفسِ وَهُوَ غير مَخْلُوق وَهُوَ اسْم لِلْقُرْآنِ فاذا قَالُوا الْقُرْآن غير مَخْلُوق أَرَادوا بِهِ ذَلِك الْمَعْنى وَهُوَ المتلو والمقروء واما المقروء والمسموع الْمُثبت فِي الْمَصَاحِف فَهُوَ عبارَة عَنهُ وَهُوَ مَخْلُوق وَهَؤُلَاء يَقُولُونَ التِّلَاوَة غير المتلو وَالْقِرَاءَة غير المقروء وَالْكِتَابَة غير الْمَكْتُوب وَهِي مخلوقة والمتلو المقروء غير مَخْلُوق وَهُوَ غير مسموع فانه لَيْسَ بحروف وَلَا أصوات وَالْفَرِيقَانِ مَعَ كل مِنْهُمَا حق وباطل فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق اما الْفَرِيق الاول فَأَصَابُوا فِي قَوْلهم إِن الله تَعَالَى تكلم بِهَذَا الْقُرْآن على الْحَقِيقَة حُرُوفه ومعانيه تكلم بِهِ بِصَوْتِهِ وأسمعه من شَاءَ من مَلَائكَته وَلَيْسَ هَذَا الْقُرْآن الْعَرَبِيّ مخلوقا من جملَة الْمَخْلُوقَات وأخطؤوا فِي قَوْلهم إِن هَذَا الصَّوْت المسموع من القارىء هُوَ الصَّوْت الْقَائِم بِذَات الرب تَعَالَى وانه غير مَخْلُوق وان تلاوتهم قراءتهم وَأَلْفَاظهمْ الْقَائِمَة بهم غير مخلوقة فَهَذَا غلو فِي الاثبات يجمع بَين الْحق وَالْبَاطِل وَأما الْفَرِيق الثَّانِي فَأَصَابُوا فِي قَوْلهم إِن أصوات الْعباد وتلاوتهم وقراءتهم وَمَا قَامَ بهم من أفعالهم وتلفظهم بِالْقُرْآنِ وكتابتهم لَهُ مَخْلُوق وأخطؤوا فِي قَوْلهم إِن هَذَا الْقُرْآن الْعَرَبِيّ الَّذِي بلغه رَسُول الله ﷺ عَن الله مَخْلُوق وَلم يتَكَلَّم بِهِ الرب وَلَا سمع مِنْهُ وَإِن كَلَام الله هُوَ الْمَعْنى الْقَائِم بِنَفسِهِ لَيْسَ بحروف وَلَا سور وَلَا آيَات وَلَا لَهُ بعض وَلَا كل وَلَيْسَ بعربي وَلَا عبراني بل هَذِه عِبَارَات مخلوقه تدل على هَذَا الْمَعْنى وَالْحَرب وَاقع بَين هذَيْن الْفَرِيقَيْنِ من بعد موت الامام أَحْمد الى الْآن فانه لما مَاتَ الامام أَحْمد قَالَ طَائِفَة مِمَّن ينْسب اليه مِنْهُم مُحَمَّد بن دَاوُد المصِّيصِي وَغَيره ألفاظنا بِالْقُرْآنِ غير مخلوقة وحكوا

стр. 331

ذَلِك عَن الامام أَحْمد فَأنْكر عَلَيْهِم صَاحب الامام أَحْمد وأخص النَّاس بِهِ أَبُو بكر الْمَرْوذِيّ ذَلِك وصنف كتابا مَشْهُورا ذكره الْخلال فِي (السّنة ثمَّ نصر هَذَا القَوْل أَبُو عبد الله بن حَامِد وَأَبُو نصر السجْزِي وَغَيرهمَا ثمَّ نصرهما بعده القَاضِي أَبُو يعلى وَغَيره ثمَّ ابْن الزَّاغُونِيّ وَهُوَ خطأ على أَحْمد فقابل هَؤُلَاءِ الْفَرِيق الثَّانِي وَقَالُوا إِن نفس هَذِه الالفاظ مخلوقة لم يتَكَلَّم الله بهَا وَلم تسمع مِنْهُ وَإِنَّمَا كَلَامه هُوَ الْمَعْنى الْقَائِم بِنَفسِهِ وَقَالُوا هَذَا قَول أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وأئمة السّنة برَاء من هذَيْن الْقَوْلَيْنِ وَالثَّابِت الْمُتَوَاتر عَن الامام أَحْمد هُوَ مَا نَقله عَنهُ خَواص أَصْحَابه وثقاتهم كابنيه صَالح وَعبد الله والمروذي وَغَيرهم الانكار على الطَّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا كَمَا ذكره البُخَارِيّ فَأَحْمَد وَالْبُخَارِيّ على خلاف قَول الْفَرِيقَيْنِ وَكَانَ يَقُول من قَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوق فَهُوَ جهمي وَمن قَالَ غير مَخْلُوق فَهُوَ مُبْتَدع وَإِن الْقُرْآن وَإِن الْقُرْآن الَّذِي يَقْرَؤُهُ الْمُسلمُونَ هُوَ كَلَام الله على الْحَقِيقَة وَحَيْثُ تعرف كَلَام الله فَهُوَ غير مَخْلُوق وَكَانَ يَقُول بِخلق أَفعَال الْعباد وأصواتهم وَأَن الصَّوْت المسموع من القارىء هُوَ صَوته وَهُوَ مَخْلُوق وَيَقُول فِي قَول النَّبِي ﷺ (لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ (مَعْنَاهُ يُحسنهُ بِصَوْتِهِ كَمَا قَالَ (زَينُوا الْقُرْآن بِأَصْوَاتِكُمْ (انْتهى كَلَام النَّاظِم

стр. 332

قَالَ النَّاظِم رَحمَه اله تَعَالَى فصل فِي مقالات الفلاسفة والقرامطة فِي كَلَام الرب ﷻ ... وأتى ابْن سينا القرمطي مصانعا ... للْمُسلمين بافك ذِي بهتان فَرَآهُ فيضا فاض من عقل هُوَ الفعال عِلّة هَذِه الأكوان ... حَتَّى تَلقاهُ زكي فَاضل حسن التخيل جيد التِّبْيَان ... فَأتى بِهِ للْعَالمين خطابة مواعظا عريت عَن الْبُرْهَان ... مَا صرحت أخباره بِالْحَقِّ بل رمزت إِلَيْهِ إِشَارَة لمعان ... وخطاب هَذَا الْحق وَالْجُمْهُور بِالْحَقِّ الصَّرِيح فَغير ذِي إِمْكَان لَا يقبلُونَ حقائق الْمَعْقُول إِلَّا فِي مِثَال الْحس والأعيان ... ومشارب الْعُقَلَاء لَا يردونها إِلَّا إِذا وضعت لَهُم بأوان ... من جنس مَا ألفت طباعهم من المحسوس فِي ذَا الْعَالم الجثمان فَأتوا بتشبيه وتمثيل وتجسيم وتخييل إِلَى الأذهان ... ولذاك يحرم عِنْدهم تَأْوِيله لكنه حل لذِي الْعرْفَان ... فَإِذا تأولناه كَانَ جِنَايَة منا وخرق سياج ذَا الْبُسْتَان ...

стр. 333

.. لَكِن حَقِيقَة قَوْلهم أَن قد أَتَوْ بِالْكَذِبِ عِنْد مصَالح الْإِنْسَان ... والفيلسوف وَذَا الرَّسُول لديهم متفاوتان وَمَا هما عَدْلَانِ ... أما الرَّسُول ففيلسوف عوامهم والفيلسوف نَبِي ذِي الْبُرْهَان ... وَالْحق عِنْدهم فَفِيمَا قَالَه وَأَتْبَاع صَاحب منطق اليونان ... ذكر النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى كَلَام المتفلسفة فِي كَلَام الله تَعَالَى كَابْن سينا وَأَتْبَاعه وَمن وافقهم من متصوف ومتكلم فَإِن كَلَام الله عِنْدهم لَيْسَ لَهُ وجود خَارج عَن نفوس الْعباد بل هُوَ مَا يفِيض على النُّفُوس من الْمعَانِي إعلاما أَو طلبا إِمَّا من الْعقل الفعال كَمَا يَقُوله كثير من المتفلسفة وَإِمَّا مُطلقًا كَمَا يَقُوله بعض متصوفة الفلاسفة أَفَادَهُ شيخ الْإِسْلَام وَقَالَ فِي كَلَامه على حَدِيث النُّزُول بعد كَلَام سبق ثمَّ لما أَرَادوا تَقْرِير النُّبُوَّة جعلوها فيضا يفِيض على نفس النَّبِي من الْعقل الفعال أَو غَيره من غير أَن يكون رب الْعَالمين يعلم لَهُ رَسُولا معينا وَلَا يُمَيّز بَين مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَلَا يعلم الجزئيات وَلَا نزل من عِنْده ملك بل جِبْرِيل هُوَ خيال يتخيل فِي نفس النَّبِي وَهُوَ الْعقل الفعال وأنكروا أَن تكون السَّمَوَات تَنْشَق وتنفطر وَغير ذَلِك مِمَّا أخبر بِهِ الرَّسُول ﷺ وَزَعَمُوا أَن مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ خطاب الْجُمْهُور بِمَا يخيل إِلَيْهِم بِمَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ من غير أَن يكون الْأَمر فِي نَفسه كَذَلِك وَمن غير أَن تكون الرُّسُل بيّنت الْحَقَائِق وَعلمت النَّاس مَا الْأَمر عَلَيْهِ ثمَّ مِنْهُم من يفضل الفيلسوف على النَّبِي وَحَقِيقَة قَوْلهم أَن الْأَنْبِيَاء كذبُوا للْمصْلحَة لما ادعوهُ من نفع النَّاس وَهل كَانُوا جهلاء على

стр. 334

قَوْلَيْنِ لَهُم إِلَى غير ذَلِك من أَنْوَاع الْإِلْحَاد وَالْكفْر الصَّرِيح وَالْكذب على النَّبِي ﷺ وعَلى الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَقد بَين فِي غير هَذَا الْموضع أَن هَؤُلَاءِ أكفر من الْيَهُود وَالنَّصَارَى بعد النّسخ والتبديل وَأَن تظاهروا الْإِسْلَام فَإِنَّهُم يظهرون من مُخَالفَة الْإِسْلَام أعظم مِمَّا كَانَ يظهره المُنَافِقُونَ الَّذين كَانُوا على عهد رَسُول الله ﷺ وَقد قَالَ حُذَيْفَة بن الْيَمَان ﵁ المُنَافِقُونَ الْيَوْم شَرّ من الْمُنَافِقين على عهد رَسُول الله ﷺ قيل وَلم ذَلِك قَالَ لأَنهم كَانُوا يسرون نفاقهم وهم الْيَوْم يعلنونه وَلم يكن على عهد حُذَيْفَة من وصل إِلَى هَذَا النِّفَاق وَلَا إِلَى قريب مِنْهُ انْتهى قَوْله خطابة بِفَتْح الْخَاء مَا ركب من مُقَدمَات مَقْبُولَة أَو من مُقَدمَات مظنونة وَسميت بذلك لِأَن الْقَصْد مِنْهَا ترغيب الْمُخَاطب فِيمَا يَفْعَله الخطباء كَذَا ذكر المنطقيون قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَمضى على هدي الْمقَالة أمة خلف ابْن سينا فاغتذروا بلبان ... مِنْهُم نصير الْكفْر فِي أَصْحَابه الناصرين لملة الشَّيْطَان ... فاسال بهم ذَا خبْرَة تلقاهم أَعدَاء كل موحد رباني ... واسأل بهم ذَا خبْرَة تلقاهم أَعدَاء رسل الله وَالْقُرْآن ... صوفيهم عبد الْوُجُود الْمُطلق الْمَعْدُوم عِنْد الْعقل فِي الْأَعْيَان أَو ملحد بالاتحاد يدين لَا التَّوْحِيد منسلخ من الْأَدْيَان ...

стр. 335

.. معبوده موطوؤه فِيهِ يرى وصف الْجمال ومظهر الاحسان ... الله أكبر كم على ذَا الْمَذْهَب الملعون بَين النَّاس من شَيْخَانِ يَبْغُونَ مِنْهُم دَعْوَة ويقبلو ... ن أياديا مِنْهُم رجا الغفران لَو أَنهم عرفُوا حَقِيقَة أَمرهم ... رجموهم لَا شكّ بالصوان فابذر لَهُم إِن كنت تبغي كشفهم ... وافرش لَهُم كفا من الأتبان وَأظْهر بمظهر قَابل مِنْهُم وَلَا ... تظهر بمظهر صَاحب النكران وَانْظُر إِلَى أَنهَار كفر فجرت وتهم لَوْلَا السَّيْف بالجريان ... يَقُول النَّاظِم إِنَّه قد مضى على هَذِه الْمقَالة أمة خلف ابْن سينا مِنْهُم نصير الْكفْر وَأَصْحَابه يَعْنِي النصير الطوسي وَنَحْوه قَوْله فاغتذروا بلبان اللبان بِكَسْر اللَّام قَالَ الأعلم هُوَ للآدمين وَاللَّبن لغَيرهم وَقد يكون جمع لبن فِي هَذَا الْموضع قَوْله صوفيهم عبد الْوُجُود الْمُطلق الخ أَي أَن صوفيتهم عِنْدهم أَن الرب تَعَالَى عَن قَوْلهم هُوَ الْوُجُود الْمُطلق الساري فِي الموجوات والوجود الْمُطلق لَا يُوجد إِلَّا فِي الذِّهْن وَقد تقدم حِكَايَة مذاهبهم فِي الْفَصْل الَّذِي فِيهِ قدوم ركبهمْ قَوْله معبوده موطوؤه أَي أَن الْقَائِلين بوحدة الْوُجُود يَعْتَقِدُونَ ذَلِك لأَنهم يعْبدُونَ الْوُجُود الْمُطلق قَوْله ... الله أكبر كم على ذَا الْمَذْهَب الم ... لمعون بَين النَّاس من شَيْخَانِ ... أَي كم على هَذَا الْمَذْهَب من مَشَايِخ الضلال المنتحلين لأنواع الْكفْر والمحال قَوْله من شَيْخَانِ بِكَسْر الشين هُوَ جمع شيخ أَي على ذَا الْمَذْهَب مشابخ كَثِيرُونَ وَالنَّاس يعظمونهم لعدم معرفتهم بأقوالهم وَلِأَنَّهُم يظهرون التقى والتقشف ويربطون الْعَوام بالحث على لُزُوم الْكتاب وَالسّنة

стр. 336

وتعظيم الرُّسُل ظَاهرا ويعظمون مَشَايِخ الزّهْد والتصوف وينتحلون أَقْوَالهم ويعظمونها فَلهَذَا الْتبس امرهم على النَّاس وَقد يُوجد فِي كَلَام بَعضهم كَابْن عَرَبِيّ تنقص الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم وَكَذَلِكَ يُوجد فِي كَلَامه تنقص مَشَايِخ الزّهْد والتصوف المتبعين للْكتاب وَالسّنة كالجنيد وَأَمْثَاله ويمدح المذمومين عِنْد الْمُسلمين كالحلاج وَأَمْثَاله وَفِي كتاب (الْفرْقَان (لشيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى وَلما كَانَت أَحْوَال هَؤُلَاءِ شيطانية كَانُوا مناقضين للرسل صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم كَمَا يُوجد فِي كَلَام صَاحب (الفتوحات (المكية و (الفصوص (وَأَشْبَاه ذَلِك بمدح الْكفَّار مثل قوم نوح وَهود وَفرْعَوْن وَغَيرهم ويتنقص بالأنبياء كنوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وهرون ويذم شُيُوخ الْمُسلمين المحمودين عِنْد الْمُسلمين كالجنيد بن مُحَمَّد وَسُهيْل بن عبد الله التسترِي ويمدح المذمومين عِنْد الْمُسلمين كالحلاج وَنَحْوه انْتهى وَقَوله يَبْغُونَ مِنْهُم دَعْوَة ويقبلون اياديا هِيَ جمع يَد أَي أَن النَّاس يقبلُونَ أيادي الْمَشَايِخ الْمَذْكُورين وَيطْلبُونَ مِنْهُم الدُّعَاء وَلَو علمُوا حَقِيقَة قَوْلهم أَي لَو علمُوا مَا يَقُولُونَ بِهِ من وحدة الْوُجُود لرجموهم لَا شكّ بالصوان أَي بِالْحِجَارَةِ الصوانه مُشَدّدَة ضرب من الْحِجَارَة شَدِيد جمع صوان قَالَه فِي (الْقَامُوس ( وَقَوله فابذر لَهُم إِن كنت تبغي كشفهم الخ أَي إِن أردْت أَن

стр. 337

يظهروا لَك حَقِيقَة اعْتِقَادهم فأعطهم شَيْئا من حطام الدُّنْيَا واظهر بمظهر قَابل مِنْهُم وَلَا تبدلهم الانكار فانك إِذا فعلت ذَلِك أظهرُوا لَك أَقْوَالهم الكفرية المتضمنة للكذب والسخرية وَقَوله ... وَانْظُر الى انهار كفر فجرت وتهم لَوْلَا السَّيْف بالجريان ... يُقَال وَالله الْمُسْتَعَان قد جرت تِلْكَ الانهار حَتَّى مَلَأت الديار والقفار وَقد أثقلت كتب هَؤُلَاءِ الملاعين ظهر البسيطة فَانْظُر ترى يَا من لَهُ عينان وَالله الْمُسْتَعَان وان شِئْت أَن تعرف ذَلِك فطالع كتب ابْن عَرَبِيّ ك (الفتوحات المكية (و (الفصوص (وشروحها و (تائية ابْن الفارض (وشروحها وتصانيف الْعَفِيف التلمساني وَالشَّيْخ عبد الْغَنِيّ النابلسي ومؤلفات عبد الرزاق الكاشي وَكتاب (الانساني الْكَامِل (للجيلي وقصيدته العينية وَغَيرهَا وَالله الْموعد وَلَقَد أحسن أَبُو حَيَّان النَّحْوِيّ فِي قَوْله ... حلبت الدَّهْر أشطره زَمَانا وأغناني العيان عَن السُّؤَال ... فَمَا أَبْصرت من خل وَفِي وَلَا ألفيت مشكور الْخلال ... ذئاب فِي ثِيَاب قد تبدت لرائيها بأشكال الرِّجَال ... فَمن يَك يَدعِي مِنْهُم صلاحا فزنديق تغلغل فِي الضلال ... فَيَأْخُذ مَا لَهُم ويصيب مِنْهُم نِسَاءَهُمْ بمقبوح الفعال ...

стр. 338

.. وَيَأْخُذ حَاله زورا فَيَرْمِي ... عمَامَته ويهرب فِي الرمال ويجرون التيوس وَرَاء رِجْس ... تقرمط فِي العقيدة والفعال ... قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فصل فِي مقالات طوائف الاتحادية فِي كَلَام الرب ﷻ ... وَأَتَتْ طوائف الِاتِّحَاد بِملَّة ... طمت على مَا قَالَ كل لِسَان قَالُوا كَلَام الله كل كَلَام هَذَا ... الْخلق من جن وَمن إِنْسَان نظما ونثرا زوره وَصَحِيحه ... صدقا وكذبا وَاضح الْبطلَان فالسب والشتم الْقَبِيح وقذفهم ... للمحصنات وكل نوع أغان وَالنوح والتعزيم وَالسحر الْمُبين ... وَسَائِر الْبُهْتَان والهذيان هُوَ عين قَول الله ﷻ ... وَكَلَامه حَقًا بِلَا نكران هَذَا الَّذِي أدّى اليه أصلهم ... وَعَلِيهِ قَامَ مكسح الْبُنيان إِذْ أصلهم أَن الاله حَقِيقَة ... عين الْوُجُود وَعين ذِي الاكوان فكلامها وصفاتها هُوَ قَوْله ... وَصِفَاته مَا هَا هُنَا قَولَانِ وكذاك قَالُوا إِنَّه الْمَوْصُوف بالضدين ... من قبح وَمن احسان ...

стр. 339

.. وكذاك قد وصفوه أَيْضا بالكما ... ل وضده من سَائِر النُّقْصَان هذي مقالات الطوائف كلهَا ... حملت اليك رخيصة الاثمان وأظن لَو فتشت كتب النَّاس مَا ... ألفيتها أبدا بذا التِّبْيَان زفت اليك فان يكن لَك نَاظر ... أَبْصرت ذَات الْحسن والاحسان ... أَقُول حَاصِل كَلَام الاتحادية كَمَا قَالَ النَّاظِم ان جَمِيع كَلَام الْخلق كَلَام الله نظمه ونثره زوره وَصَحِيحه صدقه وَكذبه جَمِيعه كَلَام الله تَعَالَى عَن ذَلِك كَمَا قَالُوا ... وكل كَلَام فِي الْوُجُود كَلَامه ... سَوَاء كَانَ علينا نثره ونظامه ... عَلَيْهِم لعائن الله المتتابعة الى يَوْم الدّين قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... فاعطف على الْجَهْمِية الْمغل الالى ... خرقوا سياج الْعقل وَالْقُرْآن ... تقدم معنى السياج ... شرد بهم من خَلفهم واكسرهم ... بل نَاد فِي ناديهم بِأَذَان أفسدتم الْمَنْقُول والمعقول والمسموع ... من لُغَة بِكُل لِسَان أيصح وصف الشَّيْء بالمشتق للمسلوب ... مَعْنَاهُ لذِي الاذهان أيصح صبار وَلَا صَبر لَهُ ... وَيصِح شكار بِلَا شكران ...

стр. 340

.. وَيصِح علام وَلَا علم لَهُ ... وَيصِح غفار بِلَا غفران وَيُقَال هَذَا سامع أَو مبصر ... والسمع والابصار مفقودان هَذَا محَال فِي الْعُقُول وَفِي النقول ... وَفِي اللُّغَات وَغير ذِي إِمْكَان فلئن زعمتم انه مُتَكَلم ... لَكِن بقول قَامَ بالانسان اَوْ غَيره فَيُقَال هَذَا بَاطِل ... وَعَلَيْكُم فِي ذَاك محذوران نفي اشتقاق اللَّفْظ للموجود ... مَعْنَاهُ بِهِ وثبوته للثَّانِي أَعنِي الَّذِي مَا قَامَ مَعْنَاهُ بِهِ ... قلب الْحَقَائِق أقبح الْبُهْتَان وَنَظِير ذَا اخوان هَذَا مبصر ... وَأَخُوهُ مَعْدُود من العميان سميتم الْأَعْمَى بَصيرًا إِذْ أَخُو ... هـ مبصر وبعكسه فِي الثَّانِي فلئن زعمتم أَن ذَلِك ثَابت ... فِي فعله كالخلق للاكوان وَالْفِعْل لَيْسَ بقائم بإلهنا ... إِذْ لَا يكون مَحل ذِي حدثان وَيصِح أَن يشتق مِنْهُ خَالق ... فَكَذَلِك الْمُتَكَلّم الوحدان ... هُوَ فَاعل لكَلَامه وَكتابه ... لَيْسَ الْكَلَام لَهُ بِوَصْف معَان ... شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي توضيح مَا تقدم فَقَالَ فاعطف على الْجَهْمِية الْمغل الالى الخ أَي أَن الْجَهْمِية خالفوا الْعقل وَالنَّقْل فَلهَذَا قَالَ شرد بهم من خَلفهم والتشريد التَّفْرِيق مَعَ الِاضْطِرَاب والازعاج قَالَ أَبُو عُبَيْدَة فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿فشرد بهم من خَلفهم﴾ الانفال ٥٧

стр. 341

قَالَ شردهم سمع بهم وَقَالَ الزّجاج افْعَل بهم فعلا من الْقَتْل تفرق بِهِ من خَلفهم يُقَال شَردت بني فلَان قلعتهم عَن مواضعهم وطردتهم عَنْهَا حَتَّى فارقوها وَمِنْه شرد الْبَعِير إِذا فَارق صَاحبه بل نَاد فِي ناديهم بِأَذَان أَي ارْفَعْ صَوْتك فِي ناديهم أَي مجلسهم والنادي قَالَ فِي (الْقَامُوس (النادي والندوة والمنتدى مجْلِس الْقَوْم نَهَارا أَو الْمجْلس مَا داموا مُجْتَمعين فِيهِ والاذان فِي اللُّغَة الاعلام قَالَ الله تَعَالَى ﴿وأذان من الله وَرَسُوله﴾ التَّوْبَة ٣ أَي قل للجهمية أفسدتم الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول واللغة الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن وَقل أيصح وصف الشَّيْء بالمشتق للمسلوب مَعْنَاهُ فَهَل يَصح صبار وَلَا صَبر لَهُ وَهل يَصح شكار وَلَا شكر لَهُ وَيصِح علام وَلَا علم لَهُ وَيصِح غفار بِلَا مغْفرَة وَيصِح ان يُقَال هَذَا سامع اَوْ مبصر لمن لَا سمع لَهُ وَلَا بصر ان هَذَا محَال فِي الْعقل وَالنَّقْل واللغة قَوْله مكسح الْبُنيان هُوَ اسْم مفعول من كسح يكسح كسحا فَهُوَ مكسح قَالَ فِي (الْقَامُوس (الكساحة الكناسة والزمانة فِي الْيَدَيْنِ كسح كفرح وَهُوَ أكسح وكسحان والكساح دَاء لِلْإِبِلِ والمكسح المقشر والكسيح الْعَاجِز والاكسح الاعرج والمقعد جمع كسحان انْتهى ثمَّ قَالَ ... فلئن زعمتم انه مُتَكَلم لَكِن بقول قَامَ بالانسان ... اَوْ غَيره فَيُقَال هَذَا بَاطِل وَعَلَيْكُم فِي ذَاك محذوران ... نفى اشتقاق اللَّفْظ الخ أَي أَنه يلزمكم إِذا قُلْتُمْ بذلك أَن تنفوا اشتقاق اللَّفْظ للموجود مَعْنَاهُ بِهِ الخ لَان لفظ مُتَكَلم مُشْتَقّ من الْكَلَام واذا أضفتم الْكَلَام

стр. 342

الى غير من قَامَ بِهِ كَانَ ذَلِك محالا وَهُوَ قلب للحقائق وَهُوَ بِمَنْزِلَة أَخَوَيْنِ بَصِير واعمى فَهَل يُسمى الاعمى بَصيرًا لَان أَخَاهُ مبصر وَهل يُسمى المبصر أعمى لَان أَخَاهُ أعمى فَهَل فِي قلب الْحَقَائِق مثل هَذَا وَقَوله فلئن زعمتم أَن ذَلِك ثَابت فِي فعله الخ أَي إِن زعمتم أَن ذَلِك ثَابت فِي فعله أَي لَان الْفِعْل عِنْدهم هُوَ الْمَفْعُول والخلق هُوَ الْمَخْلُوق وَالْفِعْل لَيْسَ قَائِما بِاللَّه تَعَالَى عِنْدهم لِئَلَّا تقوم بِهِ الْحَوَادِث عِنْدهم وَلَكِن يَصح أَن يشتق مِنْهُ خَالق فَكَذَلِك الْكَلَام فَهُوَ عِنْدهم فَاعل لكَلَامه وَكتابه وَلم يزدْ النَّاظِم على هَذَا القَوْل هُنَا لانه سيبسط الْكَلَام عَلَيْهِ فِيمَا بعد قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... ومخالف الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول والفطرات والمسموع للانسان ... من قَالَ إِن كَلَامه سُبْحَانَهُ وصف قديم أحرف وَمَعَان ... وَالسِّين عِنْد الْبَاء لَيست بعْدهَا لَكِن هما حرفان مقترنان ... أَو قَالَ إِن كَلَامه سُبْحَانَهُ معنى قديم قَامَ بالرحمن ... مَا إِن لَهُ كل وَلَا بعض وَلَا الْعَرَبِيّ حَقِيقَته وَلَا العبراني والامر عين النَّهْي واستفهامه ... هُوَ عين إِخْبَار بِلَا فرقان وَكَلَامه كحياته مَا ذَاك مَقْدُورًا ... لَهُ بل لَازم الرَّحْمَن هَذَا الَّذِي قد خَالف الْمَعْقُول ... وَالْمَنْقُول والفطرات للانسان ...

стр. 343

.. أما الَّذِي قد قَالَ إِن كَلَامه ... ذُو أحرف قد رتبت بِبَيَان وَكَلَامه بِمَشِيئَة وإدارة ... كالفعل مِنْهُ كِلَاهُمَا سيان فَهُوَ الَّذِي قد قَالَ قولا يعلم الْعُقَلَاء ... صِحَّته بِلَا نكران فلأي شَيْء كَانَ مَا قد قُلْتُمْ ... أولى وَأقرب مِنْهُ للبرهان ولأي شَيْء دَائِما كَفرْتُمْ ... أَصْحَاب هَذَا القَوْل بالعدوان فدعوا الدعاوي وابحثوا مَعنا ... بتحقيق وإنصاف بِلَا عدوان وارفوا مذاهبكم ومدو خرقها ... أَن كَانَ ذَاك الرفو فِي الامكان فاحكم هداك الله بَينهم فقد ... أدلوا اليك بِحجَّة وَبَيَان لَا تنصرن سوى الحَدِيث وَأَهله ... هم عَسْكَر الْقُرْآن والايمان وتحيزن اليهم لَا غَيرهم ... لتَكون منصورا لَدَى الرَّحْمَن ... ذكر النَّاظِم ﵀ مَذْهَب الاقترانية وَمذهب الْكلابِيَّة والاشاعرة فِي كَلَام الله تَعَالَى وَقد تقدم رد مَذْهَبهم بِمَا فِيهِ كِفَايَة ثمَّ بسط الْكَلَام فِي مَسْأَلَة هَل الْفِعْل هُوَ الْمَفْعُول والخلق هُوَ الْمَخْلُوق فَقَالَ ... فَنَقُول هَذَا الْقدر قد اعيى على ... أهل الْكَلَام وقاده أصلان إِحْدَاهمَا هَل فعله مَفْعُوله ... أَو غَيره فهما لَهُم قَولَانِ والقائلون بِأَنَّهُ هُوَ عينه ... فروا من الاوصاف بالحدثان لَكِن حَقِيقَة قَوْلهم وصريحه ... تَعْطِيل خَالق هَذِه الاكوان ...

стр. 344

.. عَن فعله إِذْ فعله مَفْعُوله ... لكنه مَا قَامَ بالرحمن فعلى الْحَقِيقَة مَا لَهُ فعل اذ الْمَفْعُول ... مُنْفَصِل عَن الديَّان والقائلون بِأَنَّهُ غير لَهُ ... متنازعون وهم فطائفتان إِحْدَاهمَا قَالَت قديم قَائِم ... بِالذَّاتِ وَهُوَ كقدرة المنان سموهُ تكوينا قَدِيما قَالَه ... أَتبَاع شيخ الْعَالم النُّعْمَان وخصومهم لم ينصفوا فِي رده ... بل كابروهم مَا أَتَوا بِبَيَان وَالْآخرُونَ رَأَوْهُ أمرا حَادِثا ... بِالذَّاتِ قَامَ وَأَنَّهُمْ نَوْعَانِ إِحْدَاهمَا جعلته مفتتحا بِهِ ... حذر التسلسل لَيْسَ ذَا إِمْكَان هَذَا الَّذِي قالته كرامية ... ففعاله وَكَلَامه سيان وَالْآخرُونَ أولو لنحديث كأحمد ... ذَاك ابْن حَنْبَل الرضى الشَّيْبَانِيّ قد قَالَ إِن الله حَقًا لم يزل ... متكلما ان شَاءَ ذُو إِحْسَان جعل الْكَلَام صِفَات فعل قَائِم ... بِالذَّاتِ لم يفقد من الرَّحْمَن وكذاك نَص على دوَام الْفِعْل بَال ... إِحْسَان أَيْضا فِي مَكَان ثَان وَكَذَا ابْن عَبَّاس فراجع قَوْله ... لما أجَاب مسَائِل الْقُرْآن وكذاك جَعْفَر الامام الصَّادِق المقبول ... عِنْد الْخلق ذِي الْعرْفَان قد قَالَ لم يزل الْمُهَيْمِن محسنا ... برا جوادا عِنْد كل اوان ...

стр. 345

.. وَكَذَا الامام الدَّارمِيّ فانه ... قد قَالَ مَا فِيهِ هدى الحيران قَالَ الْحَيَاة مَعَ الفعال كِلَاهُمَا ... متلازمان فَلَيْسَ يفترقان صدق الامام فَكل حَيّ فَهُوَ فعا ... ل وَذَا فِي غَايَة التِّبْيَان الا اذا مَا كَانَ ثمَّ مَوَانِع ... من آفَة أَو قاسر الْحَيَوَان والرب لَيْسَ لفعله من مَانع ... مَا شَاءَ كَانَ بقدرة الديَّان ومشيئة الرَّحْمَن لَازمه لَهُ ... وكذاك قدرَة رَبنَا الرَّحْمَن هَذَا وَقد فطر الاله عباده ... ان الْمُهَيْمِن دَائِم الاحسان أولست تسمع قَول كل موحد ... يَا دَائِم الْمَعْرُوف وَالسُّلْطَان وقديم الاحسان الْكثير ودائم الْجُود ... الْعَظِيم وَصَاحب الغفران من غير إِنْكَار عَلَيْهِم فطْرَة ... فطروا عَلَيْهَا لَا تواص ثَان اوليس فعل الرب تَابع وَصفه ... وكما لَهُ أفذاك ذُو حدثان وكما لَهُ سَبَب الفعال وخلقه ... أفعالهم سَبَب الْكَمَال الثَّانِي أَو مَا فعال الرب عين كَمَاله ... أفذاك مُمْتَنع على المنان أزلا الى أَن صَار فِيمَا لم يزل ... مُتَمَكنًا وَالْفِعْل ذُو إِمْكَان تالله قد ضلت عقول الْقَوْم إِذا ... قَالُوا بِهَذَا القَوْل ذِي الْبطلَان مَاذَا الَّذِي أضحى لَهُ متجددا ... حَتَّى تمكن فانطقوا بِبَيَان ...

стр. 346

.. والرب لَيْسَ معطلا عَن فعله ... بل كل يَوْم رَبنَا فِي شان ... ذكر النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى النزاع فِي الاصل الْمَشْهُور وَهُوَ أَنه هَل الْخلق هُوَ الْمَخْلُوق وَالْفِعْل هُوَ الْمَفْعُول وَمعنى ذَلِك أَن النَّاس تنازعوا فِي الافعال اللَّازِمَة المضافة الى الرب مثل الْمَجِيء والاتيان والاستواء الى السَّمَاء والى الْعَرْش بل وَفِي الافعال المتعدية مثل الْخلق والاحسان وَالْعدْل وَغير ذَلِك هَل يكون خلقه لِلسَّمَوَاتِ والارض فعلا فعله غير الْمَخْلُوق أم فعله هُوَ الْمَفْعُول والخلق هُوَ الْمَخْلُوق على قَوْلَيْنِ معروفين والاول هُوَ الْمَأْثُور عَن السّلف وَهُوَ الَّذِي ذكره البُخَارِيّ فِي كتاب (خلق الافعال (عَن الْعلمَاء مُطلقًا وَلم يذكرُوا فِيهِ نزاعا قَالَ البُخَارِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب (خلق الافعال (اخْتلف النَّاس فِي الْفَاعِل وَالْفِعْل وَالْمَفْعُول فَقَالَت الْقَدَرِيَّة الافاعيل كلهَا من الْبشر وَقَالَت الجبرية الافاعيل كلهَا من الله وَقَالَت الْجَهْمِية الْفِعْل وَالْمَفْعُول وَاحِد لذَلِك قَالُوا (كن) مَخْلُوق وَقَالَ التخليق فعل الله وأفاعيلنا مخلوقة فَفعل الله صفة الله وَالْمَفْعُول من سواهُ من الْمَخْلُوقَات انْتهى وَكَذَلِكَ ذكره الْبَغَوِيّ وَغَيره عَن مَذْهَب أهل السّنة وَكَذَلِكَ ذكره أَبُو عَليّ الثَّقَفِيّ والضبعي وَغَيرهمَا من أَصْحَاب ابْن خُزَيْمَة فِي العقيدة الَّتِي اتَّفقُوا هم وَابْن خُزَيْمَة على أَنَّهَا مَذْهَب أهل السّنة وَكَذَلِكَ ذكره الكلاباذي فِي كتاب (التعرف لمَذْهَب التصوف (أَنه مَذْهَب الصُّوفِيَّة وَهُوَ مَذْهَب الْحَنَفِيَّة وَهُوَ مَشْهُور عِنْدهم وَهُوَ قَول السّلف وَجُمْهُور الطوائف وَهُوَ قَول جُمْهُور أَصْحَاب أَحْمد متقدميهم وَأكْثر الْمُتَأَخِّرين مِنْهُم

стр. 347

وَهُوَ آخر قولي القَاضِي أبي يعلى وَكَذَلِكَ قَول أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة والمالكية وَأهل الحَدِيث وَأكْثر أهل الْكَلَام كالهشامية والكلابية والكرامية كلهم وَبَعض الْمُعْتَزلَة وَكثير من أساطين الفلاسفة وَذهب متقدموهم ومتأخروهم وَآخَرُونَ من أهل الْكَلَام الْجَهْمِية والمعتزلة والاشعرية الى أَن الْخلق هُوَ نفس الْمَخْلُوق وَلَيْسَ لله عِنْد هَؤُلَاءِ صنع وَلَا خلق وَلَا فعل وَلَا إبداع الا الْمَخْلُوقَات أَنْفسهَا وَهُوَ قَول طَائِفَة من الفلاسفة الْمُتَأَخِّرين اذ قَالُوا بِأَن الرب مبدع كَابْن سيناء وَنَحْوه قَوْله والقائلون بِأَنَّهُ غير أَي الْقَائِلُونَ بِأَن الْخلق هُوَ الْمَخْلُوق فروا من قيام الْحَوَادِث بالرب تَعَالَى وَالْحجّة الْمَشْهُورَة لِلْقَائِلين بِأَن الْخلق هُوَ الْمَخْلُوق أَنه لَو كَانَ خلق الْمَخْلُوقَات بِخلق لَكَانَ ذَلِك الْخلق إِمَّا قَدِيما وَإِمَّا حَادِثا فَإِن كَانَ قَدِيما لزم قدم كل مَخْلُوق وَهَذَا مُكَابَرَة وَإِن كَانَ حَادِثا فَإِن قَامَ بالرب لزم قيام الْحَوَادِث بِهِ وان لم يقم بِهِ كَانَ الْخلق قَائِما بِغَيْر الْخَالِق وَهَذَا مُمْتَنع وَسَوَاء قَامَ بِهِ أَو لم يقم بِهِ يفْتَقر ذَلِك الْخلق الى خلق آخر وَيلْزم التسلسل هَذَا عمدتهم وَقد أجابهم الْقَائِلُونَ بِأَن الْخلق غير الْمَخْلُوق بأجوبة شافية كَافِيَة فلتطلب من المطولات وَأما حجَّة الْقَائِلين بِأَن الْخلق غير الْمَخْلُوق فقد ذكرهَا النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى وَلَكِن الكرامية كَمَا ذكر النَّاظِم جعلت لَهُ اولا خوفًا من القَوْل بالتسلسل وَقَوله إِحْدَاهمَا قَالَت قديم قَائِم الخ أَي إِن أَتبَاع شيخ الْعَالم بِفَتْح اللَّام وَهُوَ الامام أَبُو حنيفَة النُّعْمَان بن ثَابت الْكُوفِي عَالم الْعرَاق رَحمَه الله تَعَالَى قد قَالُوا ان التكوين قديم قَائِم بِالذَّاتِ والمكون حَادث وَهُوَ كقدرته سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ الامام ابو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ الْحَنَفِيّ فِي عقيدته

стр. 348

الْمَشْهُورَة إِن الله تَعَالَى مَا زَالَ بصفاته قَدِيما قبل خلقه لم يَزْدَدْ بكونهم شَيْئا لم يكن قبلهم من صفته وكما كَانَ بصفاته أزليا كَذَلِك لَا يزَال عَلَيْهَا أبديا لَيْسَ مُنْذُ خلق الْخلق اسْتَفَادَ الْخَالِق وَلَا باحداثه الْبَريَّة اس ٤ تفاد الْبَارِي لَهُ معنى الربوبية وَلَا مربوب وَمعنى الخالقية وَلَا مَخْلُوق وكما أَنه محيي الْمَوْتَى بعد مَا أحيى اسْتحق هَذَا الِاسْم قبل إحيائهم كَذَلِك اسْتحق اسْم الْخَالِق قبل إنشائهم ذَلِك أَنه على كل شَيْء قدير وكل شَيْء اليه فَقير وكل أَمر عَلَيْهِ يسير لَا يحْتَاج الى شَيْء لَيْسَ كمثله شَيْء هوه السَّمِيع الْبَصِير انْتهى قَوْله وَالْآخرُونَ رَأَوْهُ أمرا حَادِثا بِالذَّاتِ قَامَ الخ أَي أَن الكرامية رَأَوْا أَن الْفِعْل أَمر حَادث قَائِم بِذَات الله وَلَكِن لَهُ أول وَهُوَ معنى قَول النَّاظِم عَنْهُم ففعاله وَكَلَامه سيان يَعْنِي أَن كَلَامه لَهُ أول وفعاله لَهَا أول عِنْد الكرامية قَوْله وَالْآخرُونَ أولو الحَدِيث كأحمد الخ أَي أَن مَذْهَب أهل الحَدِيث كأحمد بن حَنْبَل وَغَيره أَن الله تَعَالَى لم يزل متكلما وَلم يزل فعالا وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم عَن الامام أَحْمد إِن الله حَقًا لم يزل متكلما إِن شَاءَ قَالَ الامام أَحْمد فِي رِوَايَة حَنْبَل لم يزل الله عَالما متكلما غَفُورًا وَقَالَ فِي الرَّد على الْجَهْمِية لم يزل الله عَالما قَادِرًا مَالِكًا لَا مَتى وَلَا كَيفَ قَوْله وَكَذَا ابْن عَبَّاس فراجع قَوْله الخ يُرِيد مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه (عَن سعيد بن جُبَير أَن رجلا سَأَلَ ابْن عَبَّاس قَالَ إِنِّي أجد

стр. 349

فِي الْقُرْآن أَشْيَاء تخْتَلف عَليّ فَذكر مسَائِله وَمِنْهَا قَالَ وَقَوله ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ النِّسَاء ٩٦ ﴿وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ النِّسَاء ١٥٨ ﴿وَكَانَ الله سميعا بَصيرًا﴾ النِّسَاء ١٣٤ وَكَأَنَّهُ كَانَ ثمَّ مضى فَقَالَ ابْن عَبَّاس وَقَوله ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ سمى نَفسه ذَلِك وَذَلِكَ قَوْله أَي لم أزل كَذَلِك هَذَا لفظ البُخَارِيّ بِتَمَامِهِ وَاخْتصرَ الحَدِيث وَرَوَاهُ البرقاني عَن طَرِيق شيخ البُخَارِيّ بِتَمَامِهِ فَقَالَ ابْن عَبَّاس فَأَما قَوْله ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رحِيما﴾ ﴿وَكَانَ الله عَزِيزًا حكيما﴾ ﴿وَكَانَ الله سميعا بَصيرًا﴾ فان الله جعل نَفسه ذَلِك وسمى نَفسه ذَلِك وَلم ينحله أحدا غَيره وَكَانَ الله أَي لم يزل كَذَلِك هَذَا لفظ الْحميدِي صَاحب (الْجمع (وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن البرقاني من حَدِيث مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم البوشنجي عَن يُوسُف بن عدي شيخ البُخَارِيّ قَالَ إِن الله سمى نَفسه ذَلِك وَلم ينحله غَيره فَذَلِك قَوْله ﴿وَكَانَ الله﴾ أَي لم يزل كَذَلِك وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة يَعْقُوب بن سُفْيَان عَن يُوسُف وَلَفظ ابْن عَبَّاس فَإِن الله سمى نَفسه ذَلِك وَلم يَجعله غَيره فَذَلِك قَوْله ﴿وَكَانَ الله﴾ أَي لم يزل قَوْله وكذاك جَعْفَر الامام الخ يَعْنِي مَا رَوَاهُ الثعالبي فِي تَفْسِيره باسناده عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق أَنه سُئِلَ عَن قَوْله تَعَالَى ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا﴾ الْمُؤْمِنُونَ ١١٥ لم خلق الْخلق فَقَالَ لَان الله كَانَ محسنا بِمَا لم يزل فِيمَا لم يزل الى مَا لم يزل فَأَرَادَ تَعَالَى أَن يفِيض إحسانه الى خلقه وَكَانَ غَنِيا عَنْهُم لم يخلقهم لجر مَنْفَعَة وَلَا لدفع مضرَّة وَلَكِن خلقهمْ وَأحسن اليهم وَأرْسل اليهم الرُّسُل حَتَّى يفصلوا بَين الْحق وَالْبَاطِل فَمن أحسن كافأه بِالْجنَّةِ وَمن عصى كافأه بالنَّار قَوْله وَكَذَا الامام الدَّارمِيّ الخ قَالَ الامام عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ

стр. 350

فِي كتاب (النَّقْض على المريسي (حِين احْتج بقوله تَعَالَى ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ الْبَقَرَة ٢٥٥ وَادّعى أَن تَفْسِير القيوم الَّذِي لَا يَزُول يَعْنِي الَّذِي لَا ينزل وَلَا يَتَحَرَّك وَلَا يقبض وَلَا يبسط قَالَ عُثْمَان وَكَانَ وَاضحا عِنْد الْعلمَاء وَأهل الْبَصَر بِالْعَرَبِيَّةِ أَن معنى لَا يَزُول لَا يفنى وَلَا يبيد لِأَنَّهُ لَا يَتَحَرَّك وَلَا يَزُول من مَكَان الى مَكَان إِذا شَاءَ كَمَا كَانَ يُقَال فِي الشَّيْء الفاني هُوَ زَالَ كَمَا قَالَ لبيد ... الا كل شَيْء مَا خلا الله بَاطِل ... وكل نعيم لَا محَالة زائل ... يَعْنِي فَإِن لَا أَنه متحرك فَإِن أَمارَة مَا بَين الْحَيّ وَالْمَيِّت التحرك وَمَا لَا يَتَحَرَّك فَهُوَ ميت لَا يُوصف بحياة كَمَا لَا تُوصَف الاصنام الْميتَة (بِالْحَيَاةِ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يدعونَ من دون الله لَا يخلقون شَيْئا وهم يخلقون أموات غير أَحيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يبعثون﴾ النَّحْل ٢٠ ٢١ فَالله الْحَيّ القيوم الْقَابِض الباسط يَتَحَرَّك اذا شَاءَ وَيفْعل مَا يَشَاء بِخِلَاف الاصنام الَّتِي لَا تَزُول حَتَّى تزَال وَقَالَ البُخَارِيّ وَلَقَد بَين نعيم بن حَمَّاد أَن كَلَام الرب لَيْسَ بِخلق وَأَن الْعَرَب لَا تعرف الْحَيّ من الْمَيِّت الا بِالْفِعْلِ فَمن كَانَ لَهُ فعل فَهُوَ حَيّ وَمن لم يكن لَهُ فعل فَهُوَ ميت وَأَن أَفعَال الْعباد مخلوقة فضيق عَلَيْهِ حَتَّى مضى لسبيله وتوجع أهل الْعلم لما نزل بِهِ قَالَ وَفِي اتِّفَاق الْمُسلمين دَلِيل على أَن نعيما وَمن نحا نَحوه لَيْسَ بمارق وَلَا مُبْتَدع بل الْبدع والترؤس بِالْجَهْلِ لغَيرهم أولى اذ يفتون بالآراء الْمُخْتَلفَة مِمَّا لم يَأْذَن بِهِ الله انْتهى

стр. 351

قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... والامر والتكوين وصف كَمَا لَهُ ... مَا فقد ذَا ووجوده سيان وتخلف التَّأْثِير بعد تَمام مو ... جبه محَال لَيْسَ فِي الامكان وَالله رَبِّي لم يزل ذَا قدرَة ... ومشيئة ويليهما وصفان الْعلم مَعَ وصف الْحَيَاة وَهَذِه ... اوصاف ذَات الْخَالِق المنان وَبهَا تَمام الْفِعْل لَيْسَ بِدُونِهَا ... فعل يتم بواضح الْبُرْهَان فلأي شَيْء قد تَأَخّر فعله ... مَعَ مُوجب قد تمّ بالاركان مَا كَانَ مُمْتَنعا عَلَيْهِ الْفِعْل بل ... مَا زَالَ فعل الله ذَا إِمْكَان ٥ ... وَالله عَابَ الْمُشْركين بِأَنَّهُم ... عبدُوا الْحِجَارَة فِي رضى الشَّيْطَان ٥ ... ونعى عَلَيْهِم كَونهَا لَيست بخا لقة وَلَيْسَت ذَات نطق بَيَان ... فأبان أَن الْفِعْل والتكليم من أوثانهم لَا شكّ مفقودان ... فَإِذا هما فقدا فَمَا مسلوبها باله حق وَهُوَ ذُو بطلَان ... وَالله فَهُوَ إِلَه حق دَائِما أفعنه ذَا الوصفان مسلوبان ... أزلا وَلَيْسَ لفقدها من غَايَة هَذَا الْمحَال واعظم الْبطلَان ... إِن كَانَ رب الْعَرْش حَقًا لم يزل أبدا إِلَه الْحق ذَا سُلْطَان ... فكذاك أَيْضا لم يزل متكلما بل فَاعِلا مَا شَاءَ ذَا إِحْسَان

стр. 352

وَالله مَا فِي الْعقل مَا يقْضِي لذا ... بِالرَّدِّ والابطال والنكران بل لَيْسَ فِي الْمَعْقُول غير ثُبُوته ... للخالق الازلي ذِي الاحسان هَذَا وَمَا دون الْمُهَيْمِن حَادث ... لَيْسَ الْقَدِيم سواهُ فِي الاكوان وَالله سَابق كل شَيْء غَيره ... مَا رَبنَا والخلق مقترنان وَالله كَانَ وَلَيْسَ شَيْء غَيره ... سُبْحَانَهُ جلّ الْعَظِيم الشان لسنا نقُول كَمَا يَقُول الملحد الزنديق ... صَاحب منطق اليونان بدوام هَذَا الْعَالم الْمَشْهُود وَال ... أَرْوَاح فِي أزل وَلَيْسَ بفان هذي مقالات الْمَلَاحِدَة الالى ... كفرُوا بخالق هَذِه الاكوان ... قَوْله ... وتخلف التَّأْثِير بعد تَمام مو ... جبه محَال لَيْسَ فِي الامكان ... وَالْمولى سُبْحَانَهُ لم يزل ذَا قدرَة ومشيئة وَعلم وحياة وَهَذِه كَمَا قَالَ النَّاظِم أَوْصَاف ذَات الْخَالِق المنان وَبهَا تَمام الْفِعْل وَمَعَ وجود الْمُؤثر التَّام يلْزم وجود الاثر وَقد تقدم بسط الْكَلَام فِي ذَلِك فالرب سُبْحَانَهُ لم يزل فعالا متكلما إِذا شَاءَ وَلِهَذَا لما قَالَ المتكلمون بِوُجُوب تَأَخّر الاثر اورد عَلَيْهِم من الاشكالات مَا لَا جَوَاب لَهُم عَنهُ ثمَّ قَالَ النَّاظِم وَالله عَابَ الْمُشْركين بِأَنَّهُم عبدُوا الْحِجَارَة الخ أَي أَن الله عَابَ على الْمُشْركين عبَادَة الاصنام ونعى عَلَيْهِم كَونهَا لَا تخلق وَلَا تَتَكَلَّم واذا فقد الْفِعْل وَالْكَلَام فَلَيْسَ مسلوبهما بِاللَّه حق وَالله تَعَالَى وتقدس لم يزل متكلما فعالا محسنا وَمَا سواهُ حَادث كَمَا قَالَ النَّاظِم هَذَا وَمَا دون الْمُهَيْمِن حَادث وَقَوله وَالله كَانَ وَلَيْسَ شَيْء غَيره الخ أَي ان الْمولى سُبْحَانَهُ كَانَ

стр. 353

وَلَيْسَ مَعَه شَيْء من خلقه كَمَا قَالَ مَا رَبنَا والخلق مقترنان وَقَوله مَا رَبنَا والخلق مقترنان هَذَا إِشَارَة الى الرَّد على ابْن سينا وَأَتْبَاعه الْقَائِلين بِأَن الْعَالم مَعْلُول لعِلَّة قديمَة أزلية وَأَن الْعَالم لم يزل مَعَ الله أزلا وأبدا وَيَقُولُونَ الْعلَّة مُتَقَدّمَة على الْمَعْلُول وَإِن قارنته بِالزَّمَانِ فَيُقَال لَهُم إِن أردتم بِالْعِلَّةِ مَا هُوَ شَرط فِي وجود الْمَعْلُول لَا مبدعا لَهُ كَانَ حَقِيقَة ذَلِك أَن وَاجِب الْوُجُود لَيْسَ مبدعا للممكنات وَلَا رَبًّا لَهَا بل وجوده شَرط فِي وجودهَا وَهَذَا حَقِيقَة قَول هَؤُلَاءِ فالرب على أصلهم والعالم متلازمان كل مِنْهُمَا شَرط فِي الآخر والرب مُحْتَاج إِلَى الْعَالم كَمَا أَن الْعَالم مُحْتَاج الى الرب وهم يبالغون فِي اثبات غناهُ عَن غَيره وعَلى أصلهم فقره الى غَيره كفقر بعض الْمَخْلُوقَات وَإِن ارادوا بِالْعِلَّةِ مَا هُوَ مبدع للمعلول فَهَذَا لَا يعقل مَعَ كَون زَمَانه زمَان الْمَعْلُول لم يتَقَدَّم على الْمَعْلُول تقدما حَقِيقِيًّا وَهُوَ التَّقَدُّم الْمَعْقُول واذا شبهوا وجود الْفلك مَعَ الرب بالصوت مَعَ الْحَرَكَة والضوء مَعَ الشَّمْس كَانَ هَذَا وَنَحْوه تَشْبِيها بَاطِلا لَا يُفِيد امكان صِحَة قَوْلهم فضلا عَن إِثْبَات صِحَّته فان هَذِه الامور وأمثالها إِمَّا أَن يُقَال فِيهَا إِن الثَّانِي مَوْجُود مُتَّصِل بالاول كاجزاء الزَّمَان وَالْحَرَكَة لانه مَعَه فِي الزَّمَان وَأما أَن يُقَال الثَّانِي مَشْرُوط بالاول لَا أَن الاول مبدع للثَّانِي فَاعل لَهُ فَلَا يُمكنهُم أَن يذكرُوا وجود فَاعل لغيره مَعَ أَن زمانهما مَعًا أصلا وَعَامة الْعُقَلَاء مطبقون على أَن الْعلم بِكَوْن الشَّيْء الْمعِين مرَادا مَقْدُورًا يُوجب الْعلم بِكَوْنِهِ حَادِثا بعد أَن لم يكن بل هَذَا عِنْدهم من الامور الضَّرُورَة وَلِهَذَا كَانَ مُجَرّد تصور الْعُقَلَاء أَن الشَّيْء مَقْدُور للْفَاعِل مُرَاد لَهُ فعله بمشيئته وَقدرته يُوجب الْعلم بِأَنَّهُ حَادث بل مُجَرّد تصورهم كَون الشَّيْء مَفْعُولا أَو مخلوقا أَو مصنوعا أَو نَحْو ذَلِك من

стр. 354

العيارات يُوجب الْعلم بِأَنَّهُ مُحدث كَائِن بعد أَن لم يكن ثمَّ بعد هَذَا ينظر فِي انه فعله بمشيئته وَقدرته وَإِذا علم أَن الْفَاعِل لَا يكون فَاعِلا إِلَّا بمشيئته وَقدرته وَمَا كَانَ مَقْدُورًا ومرادا فَهُوَ مُحدث كَانَ هَذَا أَيْضا دَلِيلا ثَابتا على أَنه مُحدث وَلِهَذَا كَانَ كل من تصور من الْعُقَلَاء أَن الله خلق االسموات وَالْأَرْض أَو خلق شَيْئا من الْأَشْيَاء كَانَ هَذَا مستلزما لكَون ذَلِك الْمُحدث مخلوقا كَائِنا بعد أَن لم يكن وَإِذا قيل لبَعْضهِم هُوَ قديم مَخْلُوق أَو قديم وعنى بالمخلوق مَا يعنيه هَؤُلَاءِ المتفلسفة الدهرية الْمُتَأَخّرُونَ الَّذين يُرِيدُونَ بِلَفْظ الْمُحدث انه مَعْلُول وَيَقُولُونَ إِنَّه قديم ازلي مَعَ كَونه معلولا مُمكنا يقبل الْوُجُود والعدم فَإِذا تصور الْعقل هَذَا الْمَذْهَب جزم بتناقضه وَأَن أَصْحَابه جمعُوا بَين النقيضين حَيْثُ قدرُوا مخلوقا مُحدثا معلولا مَفْعُولا مُمكنا أَن يُوجد وَأَن يعْدم وقدروه مَعَ ذَلِك قَدِيما أزليا وَاجِب الْوُجُود بِغَيْرِهِ يمْتَنع عَدمه قَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى وَقد بسطنا هَذَا فِي الْكَلَام على المحصل وَغَيره وَذكرنَا أَن مَا ذكره الرَّازِيّ عَن أهل الْكَلَام من أَنهم يجوزون وجود مفعول مَعْلُول أزلي للموجب بِذَاتِهِ أَنه لم يقلهُ أحد مِنْهُم بل هم متفقون على أَن كل مفعول فَإِنَّهُ لَا يكون إِلَّا مُحدثا وكل مَا قدر أَنه مَعْلُول لعِلَّة فاعلة فَإِنَّهُ لَا يكون إِلَّا مُحدثا وَمَا ذكره هُوَ وامثاله مُوَافقَة لِابْنِ سينا من أَن الْمُمكن وجوده وَعَدَمه قد يكون قَدِيما أزليا قَول بَاطِل عِنْد جَمَاهِير الْعُقَلَاء من الْأَوَّلين والآخرين حَتَّى عِنْد أرسطو وَأَتْبَاعه القدماء والمتأخرين فَإِنَّهُم موافقون لسَائِر الْعُقَلَاء من أَن كل مُمكن يُمكن وجوده وَعَدَمه لَا يكون إِلَّا مُحدثا كَائِنا بعد أَن لم يكن وأرسطو

стр. 355

إِذا قَالَ إِن الْفلك قديم لم يَجعله مَعَ ذَلِك مُمكنا يُمكن وجوده وَعَدَمه وَالْمَقْصُود ان الْعلم بِكَوْن الشيئ مَقْدُورًا مرَادا يُوجب الْعلم بِكَوْنِهِ مُحدثا بل الْعلم بِكَوْنِهِ مَفْعُولا يُوجب الْعلم بِكَوْنِهِ مُحدثا فَأن الْفِعْل والخلق والإبداع والصنع وَنَحْو ذَلِك لَا يعقل إِلَّا مَعَ قُصُور حُدُوث الْمَفْعُول وَأَيْضًا فالجمع بَين كَون الشَّيْء مَفْعُولا وَبَين كَونه قَدِيما أزليا مُقَارنًا للْفَاعِل فِي الزَّمَان جمع بَين المتناقضين وَلَا يعقل قطّ فِي الْوُجُود فَاعل قارنه مَفْعُوله الْمعِين سَوَاء سمي عِلّة أَو لَو يسم وَلَكِن يعقل كَون الشَّرْط مُقَارنًا للمشروط والمثل الَّذِي يذكرُونَهُ من قَوْلهم حركت يَدي فَتحَرك خَاتمِي أَو كمي أَو الْمِفْتَاح وَنَحْو ذَلِك حجَّة عَلَيْهِم لَا لَهُم فَإِن حَرَكَة الْيَد لَيست هِيَ الْعلَّة التَّامَّة وَلَا الْفَاعِل لحركة الْخَاتم بل الْخَاتم مَعَ الْأصْبع كالإصبع من الْكَفّ فالخاتم مُتَّصِل بالإصبع والإصبع مُتَّصِلَة بالكف لَكِن الْخَاتم يُمكن نَزعه بِلَا ألم بِخِلَاف الْكَفّ وَقد يفْرض بَين الْأصْبع والخاتم تقدم بِيَسِير بِخِلَاف أبعاض الْكَفّ وَلَكِن حَرَكَة الإصبع شَرط فِي حَرَكَة الْخَاتم كَمَا أَن حَرَكَة الْكَفّ شَرط فِي حَرَكَة الإصبع أَعنِي فِي الْحَرَكَة الْمعينَة الَّتِي مبدؤها من الْيَد بِخِلَاف الْحَرَكَة الَّتِي تكون للخاتم أَو الاصبع إبتداء فَإِن هَذِه تتصل مِنْهَا إِلَى الْكَفّ كمن يجر أصْبع غَيره فيجر مَعَه كَفه وَمَا يذكرُونَهُ من أَن التَّقْدِيم يكون بِالذَّاتِ وَالْعلَّة كحركة الاصبع وَيكون بالطبع كتقدم الْوَاحِد على الِاثْنَيْنِ وَتَكون بالمكانة كتقدم الْعَالم على الجاهويكون بِالْمَكَانِ كتقدم الصَّفّ الأول على الثَّانِي وَتقدم مقدم الْمَسْجِد على مؤخره وَتَكون بِالزَّمَانِ كَلَام مُسْتَدْرك فَإِن التَّقَدُّم والتأخر الْمَعْرُوف هُوَ التَّقَدُّم بِالزَّمَانِ فَإِن قبل وَبعد وَمَعَ وَنَحْو ذَلِك مَعَانِيهَا لَازِمَة لتقدم والتأخر الزماني وَأما التَّقَدُّم بالعلية أَو الذَّات مَعَ الْمُقَارنَة فِي الزَّمَان فَهَذَا لَا يعقل الْبَتَّةَ
следующие страницы →