Полный текст (1 130 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... والامر والتكوين وصف كَمَا لَهُ ... مَا فقد ذَا ووجوده سيان
وتخلف التَّأْثِير بعد تَمام مو ... جبه محَال لَيْسَ فِي الامكان
وَالله رَبِّي لم يزل ذَا قدرَة ... ومشيئة ويليهما وصفان
الْعلم مَعَ وصف الْحَيَاة وَهَذِه ... اوصاف ذَات الْخَالِق المنان
وَبهَا تَمام الْفِعْل لَيْسَ بِدُونِهَا ... فعل يتم بواضح الْبُرْهَان
فلأي شَيْء قد تَأَخّر فعله ... مَعَ مُوجب قد تمّ بالاركان
مَا كَانَ مُمْتَنعا عَلَيْهِ الْفِعْل بل ... مَا زَالَ فعل الله ذَا إِمْكَان ٥ ... وَالله عَابَ الْمُشْركين بِأَنَّهُم ... عبدُوا الْحِجَارَة فِي رضى الشَّيْطَان ٥ ... ونعى عَلَيْهِم كَونهَا لَيست بخا
لقة وَلَيْسَت ذَات نطق بَيَان ... فأبان أَن الْفِعْل والتكليم من
أوثانهم لَا شكّ مفقودان ... فَإِذا هما فقدا فَمَا مسلوبها
باله حق وَهُوَ ذُو بطلَان ... وَالله فَهُوَ إِلَه حق دَائِما
أفعنه ذَا الوصفان مسلوبان ... أزلا وَلَيْسَ لفقدها من غَايَة
هَذَا الْمحَال واعظم الْبطلَان ... إِن كَانَ رب الْعَرْش حَقًا لم يزل
أبدا إِلَه الْحق ذَا سُلْطَان ... فكذاك أَيْضا لم يزل متكلما
بل فَاعِلا مَا شَاءَ ذَا إِحْسَان
стр. 352
وَالله مَا فِي الْعقل مَا يقْضِي لذا ... بِالرَّدِّ والابطال والنكران
بل لَيْسَ فِي الْمَعْقُول غير ثُبُوته ... للخالق الازلي ذِي الاحسان
هَذَا وَمَا دون الْمُهَيْمِن حَادث ... لَيْسَ الْقَدِيم سواهُ فِي الاكوان
وَالله سَابق كل شَيْء غَيره ... مَا رَبنَا والخلق مقترنان
وَالله كَانَ وَلَيْسَ شَيْء غَيره ... سُبْحَانَهُ جلّ الْعَظِيم الشان
لسنا نقُول كَمَا يَقُول الملحد الزنديق ... صَاحب منطق اليونان
بدوام هَذَا الْعَالم الْمَشْهُود وَال ... أَرْوَاح فِي أزل وَلَيْسَ بفان
هذي مقالات الْمَلَاحِدَة الالى ... كفرُوا بخالق هَذِه الاكوان ...
قَوْله
... وتخلف التَّأْثِير بعد تَمام مو ... جبه محَال لَيْسَ فِي الامكان ...
وَالْمولى سُبْحَانَهُ لم يزل ذَا قدرَة ومشيئة وَعلم وحياة وَهَذِه كَمَا قَالَ النَّاظِم أَوْصَاف ذَات الْخَالِق المنان وَبهَا تَمام الْفِعْل وَمَعَ وجود الْمُؤثر التَّام يلْزم وجود الاثر وَقد تقدم بسط الْكَلَام فِي ذَلِك فالرب سُبْحَانَهُ لم يزل فعالا متكلما إِذا شَاءَ وَلِهَذَا لما قَالَ المتكلمون بِوُجُوب تَأَخّر الاثر اورد عَلَيْهِم من الاشكالات مَا لَا جَوَاب لَهُم عَنهُ ثمَّ قَالَ النَّاظِم وَالله عَابَ الْمُشْركين بِأَنَّهُم عبدُوا الْحِجَارَة الخ أَي أَن الله عَابَ على الْمُشْركين عبَادَة الاصنام ونعى عَلَيْهِم كَونهَا لَا تخلق وَلَا تَتَكَلَّم واذا فقد الْفِعْل وَالْكَلَام فَلَيْسَ مسلوبهما بِاللَّه حق وَالله تَعَالَى وتقدس لم يزل متكلما فعالا محسنا وَمَا سواهُ حَادث كَمَا قَالَ النَّاظِم هَذَا وَمَا دون الْمُهَيْمِن حَادث
وَقَوله وَالله كَانَ وَلَيْسَ شَيْء غَيره الخ أَي ان الْمولى سُبْحَانَهُ كَانَ
стр. 353
وَلَيْسَ مَعَه شَيْء من خلقه كَمَا قَالَ مَا رَبنَا والخلق مقترنان
وَقَوله مَا رَبنَا والخلق مقترنان هَذَا إِشَارَة الى الرَّد على ابْن سينا وَأَتْبَاعه الْقَائِلين بِأَن الْعَالم مَعْلُول لعِلَّة قديمَة أزلية وَأَن الْعَالم لم يزل مَعَ الله أزلا وأبدا وَيَقُولُونَ الْعلَّة مُتَقَدّمَة على الْمَعْلُول وَإِن قارنته بِالزَّمَانِ فَيُقَال لَهُم إِن أردتم بِالْعِلَّةِ مَا هُوَ شَرط فِي وجود الْمَعْلُول لَا مبدعا لَهُ كَانَ حَقِيقَة ذَلِك أَن وَاجِب الْوُجُود لَيْسَ مبدعا للممكنات وَلَا رَبًّا لَهَا بل وجوده شَرط فِي وجودهَا وَهَذَا حَقِيقَة قَول هَؤُلَاءِ فالرب على أصلهم والعالم متلازمان كل مِنْهُمَا شَرط فِي الآخر والرب مُحْتَاج إِلَى الْعَالم كَمَا أَن الْعَالم مُحْتَاج الى الرب وهم يبالغون فِي اثبات غناهُ عَن غَيره وعَلى أصلهم فقره الى غَيره كفقر بعض الْمَخْلُوقَات وَإِن ارادوا بِالْعِلَّةِ مَا هُوَ مبدع للمعلول فَهَذَا لَا يعقل مَعَ كَون زَمَانه زمَان الْمَعْلُول لم يتَقَدَّم على الْمَعْلُول تقدما حَقِيقِيًّا وَهُوَ التَّقَدُّم الْمَعْقُول واذا شبهوا وجود الْفلك مَعَ الرب بالصوت مَعَ الْحَرَكَة والضوء مَعَ الشَّمْس كَانَ هَذَا وَنَحْوه تَشْبِيها بَاطِلا لَا يُفِيد امكان صِحَة قَوْلهم فضلا عَن إِثْبَات صِحَّته فان هَذِه الامور وأمثالها إِمَّا أَن يُقَال فِيهَا إِن الثَّانِي مَوْجُود مُتَّصِل بالاول كاجزاء الزَّمَان وَالْحَرَكَة لانه مَعَه فِي الزَّمَان وَأما أَن يُقَال الثَّانِي مَشْرُوط بالاول لَا أَن الاول مبدع للثَّانِي فَاعل لَهُ فَلَا يُمكنهُم أَن يذكرُوا وجود فَاعل لغيره مَعَ أَن زمانهما مَعًا أصلا وَعَامة الْعُقَلَاء مطبقون على أَن الْعلم بِكَوْن الشَّيْء الْمعِين مرَادا مَقْدُورًا يُوجب الْعلم بِكَوْنِهِ حَادِثا بعد أَن لم يكن بل هَذَا عِنْدهم من الامور الضَّرُورَة وَلِهَذَا كَانَ مُجَرّد تصور الْعُقَلَاء أَن الشَّيْء مَقْدُور للْفَاعِل مُرَاد لَهُ فعله بمشيئته وَقدرته يُوجب الْعلم بِأَنَّهُ حَادث بل مُجَرّد تصورهم كَون الشَّيْء مَفْعُولا أَو مخلوقا أَو مصنوعا أَو نَحْو ذَلِك من
стр. 354
العيارات يُوجب الْعلم بِأَنَّهُ مُحدث كَائِن بعد أَن لم يكن ثمَّ بعد هَذَا ينظر فِي انه فعله بمشيئته وَقدرته وَإِذا علم أَن الْفَاعِل لَا يكون فَاعِلا إِلَّا بمشيئته وَقدرته وَمَا كَانَ مَقْدُورًا ومرادا فَهُوَ مُحدث كَانَ هَذَا أَيْضا دَلِيلا ثَابتا على أَنه مُحدث وَلِهَذَا كَانَ كل من تصور من الْعُقَلَاء أَن الله خلق االسموات وَالْأَرْض أَو خلق شَيْئا من الْأَشْيَاء كَانَ هَذَا مستلزما لكَون ذَلِك الْمُحدث مخلوقا كَائِنا بعد أَن لم يكن وَإِذا قيل لبَعْضهِم هُوَ قديم مَخْلُوق أَو قديم وعنى بالمخلوق مَا يعنيه هَؤُلَاءِ المتفلسفة الدهرية الْمُتَأَخّرُونَ الَّذين يُرِيدُونَ بِلَفْظ الْمُحدث انه مَعْلُول وَيَقُولُونَ إِنَّه قديم ازلي مَعَ كَونه معلولا مُمكنا يقبل الْوُجُود والعدم فَإِذا تصور الْعقل هَذَا الْمَذْهَب جزم بتناقضه وَأَن أَصْحَابه جمعُوا بَين النقيضين حَيْثُ قدرُوا مخلوقا مُحدثا معلولا مَفْعُولا مُمكنا أَن يُوجد وَأَن يعْدم وقدروه مَعَ ذَلِك قَدِيما أزليا وَاجِب الْوُجُود بِغَيْرِهِ يمْتَنع عَدمه
قَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى وَقد بسطنا هَذَا فِي الْكَلَام على المحصل وَغَيره وَذكرنَا أَن مَا ذكره الرَّازِيّ عَن أهل الْكَلَام من أَنهم يجوزون وجود مفعول مَعْلُول أزلي للموجب بِذَاتِهِ أَنه لم يقلهُ أحد مِنْهُم بل هم متفقون على أَن كل مفعول فَإِنَّهُ لَا يكون إِلَّا مُحدثا وكل مَا قدر أَنه مَعْلُول لعِلَّة فاعلة فَإِنَّهُ لَا يكون إِلَّا مُحدثا وَمَا ذكره هُوَ وامثاله مُوَافقَة لِابْنِ سينا من أَن الْمُمكن وجوده وَعَدَمه قد يكون قَدِيما أزليا قَول بَاطِل عِنْد جَمَاهِير الْعُقَلَاء من الْأَوَّلين والآخرين حَتَّى عِنْد أرسطو وَأَتْبَاعه القدماء والمتأخرين فَإِنَّهُم موافقون لسَائِر الْعُقَلَاء من أَن كل مُمكن يُمكن وجوده وَعَدَمه لَا يكون إِلَّا مُحدثا كَائِنا بعد أَن لم يكن وأرسطو
стр. 355
إِذا قَالَ إِن الْفلك قديم لم يَجعله مَعَ ذَلِك مُمكنا يُمكن وجوده وَعَدَمه وَالْمَقْصُود ان الْعلم بِكَوْن الشيئ مَقْدُورًا مرَادا يُوجب الْعلم بِكَوْنِهِ مُحدثا بل الْعلم بِكَوْنِهِ مَفْعُولا يُوجب الْعلم بِكَوْنِهِ مُحدثا فَأن الْفِعْل والخلق والإبداع والصنع وَنَحْو ذَلِك لَا يعقل إِلَّا مَعَ قُصُور حُدُوث الْمَفْعُول وَأَيْضًا فالجمع بَين كَون الشَّيْء مَفْعُولا وَبَين كَونه قَدِيما أزليا مُقَارنًا للْفَاعِل فِي الزَّمَان جمع بَين المتناقضين وَلَا يعقل قطّ فِي الْوُجُود فَاعل قارنه مَفْعُوله الْمعِين سَوَاء سمي عِلّة أَو لَو يسم وَلَكِن يعقل كَون الشَّرْط مُقَارنًا للمشروط والمثل الَّذِي يذكرُونَهُ من قَوْلهم حركت يَدي فَتحَرك خَاتمِي أَو كمي أَو الْمِفْتَاح وَنَحْو ذَلِك حجَّة عَلَيْهِم لَا لَهُم فَإِن حَرَكَة الْيَد لَيست هِيَ الْعلَّة التَّامَّة وَلَا الْفَاعِل لحركة الْخَاتم بل الْخَاتم مَعَ الْأصْبع كالإصبع من الْكَفّ فالخاتم مُتَّصِل بالإصبع والإصبع مُتَّصِلَة بالكف لَكِن الْخَاتم يُمكن نَزعه بِلَا ألم بِخِلَاف الْكَفّ وَقد يفْرض بَين الْأصْبع والخاتم تقدم بِيَسِير بِخِلَاف أبعاض الْكَفّ وَلَكِن حَرَكَة الإصبع شَرط فِي حَرَكَة الْخَاتم كَمَا أَن حَرَكَة الْكَفّ شَرط فِي حَرَكَة الإصبع أَعنِي فِي الْحَرَكَة الْمعينَة الَّتِي مبدؤها من الْيَد بِخِلَاف الْحَرَكَة الَّتِي تكون للخاتم أَو الاصبع إبتداء فَإِن هَذِه تتصل مِنْهَا إِلَى الْكَفّ كمن يجر أصْبع غَيره فيجر مَعَه كَفه وَمَا يذكرُونَهُ من أَن التَّقْدِيم يكون بِالذَّاتِ وَالْعلَّة كحركة الاصبع وَيكون بالطبع كتقدم الْوَاحِد على الِاثْنَيْنِ وَتَكون بالمكانة كتقدم الْعَالم على الجاهويكون بِالْمَكَانِ كتقدم الصَّفّ الأول على الثَّانِي وَتقدم مقدم الْمَسْجِد على مؤخره وَتَكون بِالزَّمَانِ كَلَام مُسْتَدْرك فَإِن التَّقَدُّم والتأخر الْمَعْرُوف هُوَ التَّقَدُّم بِالزَّمَانِ فَإِن قبل وَبعد وَمَعَ وَنَحْو ذَلِك مَعَانِيهَا لَازِمَة لتقدم والتأخر الزماني وَأما التَّقَدُّم بالعلية أَو الذَّات مَعَ الْمُقَارنَة فِي الزَّمَان فَهَذَا لَا يعقل الْبَتَّةَ
стр. 356
وَلَا لَهُ مِثَال مُطَابق فِي الْوُجُود بل هُوَ مُجَرّد تخييل لَا حَقِيقَة لَهُ وَأما تقدم الْوَاحِد على الأثنين فَإِن عني بِهِ أَن الْوَاحِد الْمُطلق قبل الأثنين الْمُطلق فَيكون مقدما فِي التَّصَوُّر تقدما زمنيا وَإِن لم يعن بِهِ هَذَا فَلَا تقدم بل الْوَاحِد شَرط فِي الأثنين مَعَ كَون الشَّرْط لَا يتَأَخَّر عَن الْمَشْرُوط بل قد يقارنه وَقد يكون مَعَه فَلَيْسَ هُنَا تقدم وَاجِب غير التَّقَدُّم الزماني وَأما التَّقَدُّم بِالْمَكَانِ فَذَاك نوع آخر وَأَصله من التَّقَدُّم بِالزَّمَانِ فَإِن مقدم الْمَسْجِد تكون فِيهِ الْأَفْعَال الْمُتَقَدّمَة بِالزَّمَانِ على مؤخره فالإمام يتَقَدَّم فعله بِالزَّمَانِ لفعل الْمَأْمُوم فَسُمي مَحل الْفِعْل الْمُتَقَدّم مُتَقَدما وَأَصله هَذَا وَكَذَلِكَ التَّقَدُّم بالرتبة فَإِن أهل الْفَضَائِل مقدمون فِي الْأَفْعَال الشَّرِيفَة والأمكنة وَغير ذَلِك على من دونهم فَسُمي ذَلِك تقدما وَأَصله هَذَا
وَحِينَئِذٍ فَإِذا كَانَ الرب هُوَ الأول الْمُتَقَدّم على كل مَا سواهُ كَانَ كل شيئ مُتَأَخِّرًا عَنهُ وَإِن قدر أَنه لم يزل فَاعِلا فَكل فعل معِين فَهُوَ مُتَأَخّر عَنهُ وَإِذا قيل الزَّمَان مِقْدَار الْحَرَكَة فَلَيْسَ هُوَ مِقْدَار حَرَكَة مُعينَة كحركة الشَّمْس أَو الْفلك بل الزَّمَان الْمُطلق مِقْدَار الْحَرَكَة الْمُطلقَة وَقد كَانَ قبل أَن تخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر حركات وأزمنة وَبعد أَن يُقيم الله الْقِيَامَة ت فتذهب الشَّمْس وَالْقَمَر وَيكون فِي الْجنَّة حركات كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَهُم رزقهم فِيهَا بكرَة وعشيا﴾ مَرْيَم ٦٢ وَجَاء فِي الْآثَار أَنهم يعْرفُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار بأنوار تظهر من جِهَة الْعَرْش وَكَذَلِكَ لَهُم فِي الْآخِرَة يَوْم الْمَزِيد يَوْم الْجُمُعَة يعرف بِمَا يظْهر فِيهِ من الْأَنْوَار الجديدة القوية وَإِن كَانَت الْجنَّة كلهَا نورا يزهر ونهرا يطرد لَكِن يظْهر (فِي) بعض الْأَوْقَات نورا آخر يتَمَيَّز بِهِ اللَّيْل عَن النَّهَار فالرب سُبْحَانَهُ إِذا لم يزل متكلما بمشيئته كَانَ مِقْدَار كَلَامه وفعاله الَّذِي لم يزل هُوَ الْوَقْت الَّذِي يحدث مَا يحدث فِيهِ من مفعولاته وَهُوَ سُبْحَانَهُ مُتَقَدم على كل مَا سواهُ التَّقَدُّم الحقي
стр. 357
الْعُقَلَاء من الفلاسفة والمتكلمين وَغَيرهم حَتَّى إِنَّه هُوَ تنَاقض فِي ذَلِك فَوَافَقَ سلفه وَجَمِيع الْعُقَلَاء وَصرح بِأَن الْمُمكن لَا يكون إِلَّا مَا يقبل الْوُجُود والعدم وطريقته هَذِه لم يسلكها سلفه الفلاسفة كارسطو وَأَصْحَابه بل وَلَا سلكها جَمَاهِير الفلاسفة بل كثير من الفلاسفة ينازعونه فِي نَفْيه لقِيَام الصِّفَات بِذَات وَاجِب الْوُجُود وَيَقُولُونَ إِنَّه تقوم بِهِ الصِّفَات والإرادات وَإِن كَونه وَاجِبا بِنَفسِهِ لَا يُنَافِي ذَلِك كَمَا لَا يُنَافِي عِنْدهم جَمِيعًا كَونه قَدِيما وَلَكِن ابْن سينا وَأَتْبَاعه لما شاركوا الْجَهْمِية فِي نفي الصِّفَات وشاركوا سلفهم الدهرية فِي القَوْل بقدم الْعَالم سلكوا فِي إِثْبَات رب الْعَالمين طَرِيقا غير طَريقَة سلفهم الْمَشَّائِينَ كأرسطو وَأَتْبَاعه الَّذين أثبتوا الْعلَّة الأولى بحركة الْفلك الإرادية وَأَن لَهَا محركا يحركها كحركة المعشوق لعاشقه وَهُوَ يُحَرك الْفلك للتشبيه بِالْعِلَّةِ الأولى فَعدل ابْن سينا عَن تِلْكَ الطَّرِيقَة إِلَى هَذِه الطَّرِيقَة الَّتِي سلخها من طَريقَة أهل الْكَلَام الَّذين يحتجون بالمحدث على الْمُحدث وَهُوَ لَا يَقُول بحدوث الْعَالم فَجعل طَرِيقَته الِاسْتِدْلَال بالممكن على الْوَاجِب وَرَأى أُولَئِكَ الْمُتَكَلِّمين قسموا الْوُجُود إِلَى قديم ومحدث فَقَسمهُ هُوَ إِلَى وَاجِب وممكن وَأثبت الْوَاجِب بِهَذَا الطَّرِيق وَابْن سينا يعجب بِهَذِهِ الطَّرِيقَة وَيَقُول إِنَّه أث ٢ بت وَاجِب الْوُجُود من من نفس الْمَوْجُود من غير احْتِيَاج إِلَى الِاسْتِدْلَال بالحركة كَمَا فعل أسلافه
قَالَ شيخ الاسلام فِي كتاب (الْعقل وَالنَّقْل (وكل هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ مَا كَانَ معلولا لَا يُمكن وجوده وَيُمكن عَدمه لَا يكون إِلَّا حَادِثا مَسْبُوقا بِالْعدمِ وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك أرسطو وَأَتْبَاعه حَتَّى ابْن سينا وَأَمْثَاله صَرَّحُوا بذلك لَكِن ابْن سينا تنَاقض مَعَ ذَلِك فَزعم أَن الْفلك هُوَ قديم أزلي مَعَ كَونه مُمكنا يقبل الْوُجُود والعدم وَهَذَا مُخَالف لما صرح بِهِ هُوَ وَصرح
стр. 358
لت التَّقْسِيم أَنه اعْتقد فِي السَّمَاء أَنَّهَا فِي جوهرها وَاجِبَة من غَيرهَا مُمكنَة من ذَاتهَا وَقد قُلْنَا فِي غير مَا مَوضِع ان هَذَا لَا يَصح بالبرهان الَّذِي اسْتَعْملهُ ابْن سينا فِي وَاجِب الْوُجُود مَتى لم يفصل هَذَا التَّفْصِيل وَعين هَذَا التَّعْيِين كَانَ من طبيعة الاقاويل الْعَامَّة الجدلية وَمَتى حصل كَانَ من طبيعة الاقاويل البرهانية انْتهى كَلَامه
قَوْله وَكَذَا أَتَى الطوسي بِالْحَرْبِ الصَّرِيح الخ تقدّمت تَرْجَمَة الطوسي وَذكر شَيْء من أَحْوَاله وَمَا فعله بِالْمُسْلِمين مَعَ هولاكو ملك التتار شَائِع ذائع أَشَارَ النَّاظِم الى ذَلِك بقوله فَأَشَارَ أَن يضع التتار سيوفهم الخ وَذَلِكَ لما قَاتل التتار الْخَلِيفَة المستعصم بِاللَّه وَالْمُسْلِمين فِي بَغْدَاد والقصة مَشْهُورَة فِي التَّارِيخ فَأَما مَا جرى على بَغْدَاد فقد ذكر ذَلِك الذَّهَبِيّ وَغَيره قَالَ الذَّهَبِيّ فِي (تَارِيخ الاسلام (وَفِي سنة ٦٥٦ أحَاط أَمر الله بِبَغْدَاد فَأَصْبَحت خاوية على عروشها وَبقيت حصيدا كَأَن لم تغن بالامس فانا لله وانا اليه رَاجِعُون نازلها المغول فِي أخلاط من السّفل وأوباش من الْمُنَافِقين وكل من لم يُؤمن بالاب قَالَ وَكَانَ ابْن العلقمي الْوَزير واليا على الْمُسلمين وَكَانَ رَافِضِيًّا جلدا فَلَمَّا استداروا بِبَغْدَاد وخارت القوى وجف الرِّيق وانخلعت الافئدة اشار الْوَزير على الْخَلِيفَة المستعصم بِاللَّه بمصانعة الْعَدو وَقَالَ دَعْنِي أخرج اليهم فِي تَقْرِير الصُّلْح فَخرج فاستوثق لنَفسِهِ وَلمن أَرَادَ وَجَاء الى الْخَلِيفَة وَقَالَ إِن الْملك قد رغب أَن يُزَوّج ابْنَته بابنك أبي بكر ويبقيك فِي الْخلَافَة كَمَا كَانَ الْخُلَفَاء مَعَ السلجوقية ويرحل عَنْك فأجبه الى ذَلِك فان فِيهِ حقن الدِّمَاء وَأرى أَن تخرج اليه فَخرج الْخَلِيفَة فِي جمع من الاعيان الى السُّلْطَان هولاكو فأنزله فِي خيمة ثمَّ دخل الْوَزير فاستدعى الاكابر
стр. 359
لحضور العقد فحضرو اوضربت أَعْنَاقهم وَصَارَ كَذَلِك يخرج طَائِفَة بعد طَائِفَة فيقتلون ثمَّ صِيحَ فِي الْبَلَد وبذل السَّيْف وَاسْتمرّ الْقَتْل والسبي والحريق والنهب وَقَامَت قِيَامَة بَغْدَاد فَلَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه بضعا وَثَلَاثِينَ يَوْمًا كل صباح يدْخل فرقة من التتار فيحصدون محلّة حَتَّى جرت السُّيُول من الدِّمَاء وردمت فجاج الْمَدِينَة من الْقَتْلَى حَتَّى قيل إِنَّه رَاح تَحت السَّيْف ألف ألف وَثَمَانمِائَة ألف قَالَ والاصح أَنهم بلغُوا نَحوا من ثَمَانمِائَة ألف وَهَذَا شَيْء لَا يكَاد يَنْضَبِط فَإِنَّهُم قتلوا فِي الطّرق والجوامع والبيوت والاسطحة وبظاهر الْبَلَد مَا لَا يُحْصى بل هِيَ ملحمة مَا جرى قطّ فِي الاسلام مثلهَا وَسبوا من النِّسَاء وَالصغَار مَا مَلأ الفضاء وَمِمَّنْ أسر ولد الْخَلِيفَة الصَّغِير وإخوانه وَقتل الْخَلِيفَة وابناه أَحْمد وَعبد الرَّحْمَن وَمِمَّنْ قتل مَعَ الْخَلِيفَة من الاعيان أَعْمَامه عَليّ وَالْحُسَيْن ويوسف وَجَمَاعَة من أهل بَيته وَأخرج الصاحب محيي الدّين الرئيس الْعَلامَة ابْن الْجَوْزِيّ وَبَنوهُ عبد الله وَعبد الرَّحْمَن وَعبد الْكَرِيم فَضربت أَعْنَاقهم وَمِمَّنْ قتل صبرا جمَاعَة مستكثرون من الْعلمَاء والامراء والاكابر وخلت بَغْدَاد من أَهلهَا ودثرت الْمحَال وَاسْتولى عَلَيْهَا الْحَرِيق واحترقت دَار الْخلَافَة وَالْجَامِع الْكَبِير حَتَّى وصلت النَّار الى خزانَة الْكتب وَعم الْحَرِيق جَمِيع الْبِلَاد وَمَا سلم الا مَا فِيهِ (من) هَؤُلَاءِ الملاعين وَضَاقَتْ بالقتلى وانداسوا بالارجل وَلم يبْق ممر الا على الْقَتْلَى وَكَانَ الاطفال يَتَقَلَّبُونَ فِي الوحل الى أَن يموتوا وعاين من سلم من الاهوال مَا لَا يعبر عَنهُ ثمَّ وَقع الوباء وَكثر الْمَوْت وَكثر الذُّبَاب جدا حَتَّى غطى الجدران وَلزِمَ النَّاس البصل من جيفة الدُّنْيَا وَجَاءَت القوافل بالجلب من (الْحلَّة) بِخبْز وَجبن وبيض وتعوض أهل الجلب بالكتب يَأْخُذُونَ المجلد بفلس
стр. 360
ورميت الْكتب مُدَّة النهب تَحت أرجل الْخَيل وَأُلْقِي خلق من الْقَتْلَى فِي دجلة وحفرت حفائر وطمت على خلق كثير جعل الله ذَلِك كَفَّارَة وتمحيصا وَزعم العلقمي أَنه يحسن لهولاكو أَن يُقيم بِبَغْدَاد خَليفَة علويا فَلم يتهيأ لَهُ ذَلِك ثمَّ لم يلبث أَن هلك وَلم يبْق من بَغْدَاد واهلها الا مِقْدَار الثّمن وَنَحْو ذَلِك وَفِي أثْنَاء ذَلِك الْعَام فسد الْهَوَاء لملحمة بَغْدَاد واتصل الوباء بِالشَّام وَمَات أُمَم بِدِمَشْق وَغَيرهَا انْتهى كَلَامه
وَمعنى مَا ذكره النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي قَوْله فغدا على سيف التتار الالف فِي مثل لَهَا مَضْرُوبَة بوزان وَكَذَا ثَمَان مئينها فِي ألفها الخ أَي أَن الْقَتْلَى فِي بَغْدَاد بلغُوا ألف ألف وَثَمَانمِائَة الف لَكِن فِي هَذَا نظر كَمَا ذكره الذَّهَبِيّ قَالَ والاصح أَنهم بلغُوا نَحوا من ثَمَانمِائَة ألف وَهَذَا معنى قَول النَّاظِم فشفى اللعين النَّفس من حزب الرَّسُول الخ قَوْله وبوده لَو كَانَ فِي اُحْدُ وَقد شهد الوقيعة مَعَ أبي سُفْيَان أَي ان النصير يود لَو أَنه شهد أحدا مَعَ أبي سُفْيَان قَائِد جَيش قُرَيْش حَتَّى يبلغ اربه وَيَقْضِي وطره من الرَّسُول ﷺ واصحابه وَهَذَا نِهَايَة الْعَدَاوَة للرسول وَأَصْحَابه وَحزبه نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان
قَالَ النَّاظِم ﵀
... وشواهد الاحداث ظَاهِرَة على ... ذَا الْعَالم الْمَخْلُوق بالبرهان
وأدلة التَّوْحِيد تشهد كلهَا ... بحدوث كل مَا سوى الرَّحْمَن
لَو كَانَ غير الله ﷻ ... مَعَه قَدِيما كَانَ رَبًّا ثَانِي
إِذْ كَانَ عَن رب العلى مستغنيا ... فَيكون حِينَئِذٍ لنا ربان
والرب باستقلاله متوحد ... أفممكن أَن يسْتَقلّ اثْنَان
لوكان ذَاك تنافيا وتساقطا ... فاذا هما عدمان ممتنعان ...
стр. 361
.. والقهر والتوحيد يشْهد مِنْهُمَا ... كل لصَاحبه هما عَدْلَانِ
وَلذَلِك اقترنا جَمِيعًا فِي صفا ... ت الله فَانْظُر ذَاك فِي الْقُرْآن
فالواحد القهار حَقًا لَيْسَ فِي ال ... إِمْكَان أَن تحظى بِهِ ذاتان ...
أَقُول شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي سِيَاق دَلِيل التمانع الْمَشْهُور بَين الْمُتَكَلِّمين قَالَ شيخ الاسلام رَحمَه الله تَعَالَى فِي كِتَابه (شرح عقيدة الاصبهاني (وَهَذَا التَّوْحِيد يَعْنِي تَوْحِيد الربوبية لم يذهب الى نقيضه طَائِفَة مَعْرُوفَة من بني آدم وَلم يعرف عَن اُحْدُ من الطوائف أَنه قَالَ إِن الْعَالم لَهُ صانعان متماثلان فِي الصِّفَات والافعال قَالَ فان الثنوية من الْمَجُوس والمانوية الْقَائِلين بالاصلين النُّور والظلمة وَأَن الْعَالم صدر عَنْهُمَا متفقون على أَن النُّور خير من الظلمَة وَهُوَ الاله الْمَحْمُود عِنْدهم وَأَن الظلمَة شريرة مذمومة وهم متنازعون فِي الظلمَة هَل هِيَ قديمَة اَوْ محدثة فَلم يسووا بَين ربين متماثلين وهم كفار ضلال وَأما النَّصَارَى الْقَائِلُونَ بالتثليث فانهم لم يثبتوا للْعَالم ثَلَاثَة أَرْبَاب يفضل بَعضهم عَن بعض بل هم متفقون على أَن صانع الْعَالم وَاحِد وَيَقُولُونَ باسم الاب والإبن وَالِابْن وروح الْقُدس اله وَاحِد وَقَوْلهمْ فِي التَّثْلِيث قَول متناقض فِي نَفسه وَقَوْلهمْ فِي الْحُلُول أفسد مِنْهُ وَلِهَذَا كَانُوا يكتمون قَوْلهم عَن كثير من أَصْحَابهم فانهم إِذا فهموه نفروا مِنْهُ بفطرة عُقُولهمْ وَهَذَا دأب كل مضل ملحد فِي كل شَرِيعَة وملة يكتم الالحاد والضلال عَن اكثر أَتْبَاعه لَان المقالات الْفَاسِدَة فِي الهيئات قد فطر الله عباده على الْعلم بفسادها بعد التَّصَوُّر التَّام وَلِهَذَا لَا يكَاد أحد من النَّصَارَى يعبر عَن قَوْلهم بِمَعْنى مَعْقُول وَلَا يكَاد
стр. 362
اثْنَان مِنْهُم يتفقان على قَول وَاحِد فانهم يَقُولُونَ هُوَ وَاحِد بِالذَّاتِ ثَلَاثَة بالاقنوم والاقانيم تفسر تَارَة بالخواص وَتارَة بِالصِّفَاتِ وَتارَة بالاشخاص وَيَقُولُونَ إِن الاقانيم هِيَ أقنوم الاب وأقنوم الابْن وأقنوم روح الْقُدس وَكَلَام النَّصَارَى على غَايَة من الفهاهة والبلادة وهم أمة ضَالَّة تائهة حَتَّى قَالَ بعض الْفُضَلَاء لَو اجْتمع عشرَة من عُلَمَاء النَّصَارَى لَا فترقوا عَن أحد عشر مذهبا وَالْحَاصِل أَنهم لَا يَقُولُونَ خَالق الْخلق ثَلَاثَة بل وَاحِد بِالذَّاتِ وَالله اعْلَم وَالْمَقْصُود هُنَا أَنه لَيْسَ فِي الطوائف من يثبت للْعَالم صانعين متماثلين مَعَ أَن كثيرا من أهل الْكَلَام وَالنَّظَر والفلسفة تعبوا فِي بَيَان هَذَا الْمَطْلُوب وَتَقْرِيره وَمِنْهُم من اعْترف بِالْعَجزِ عَن تَقْرِير هَذَا بِالْعقلِ وَزعم أَنه يتلَقَّى من السّمع وَالْمَشْهُور عِنْد النظار إثْبَاته بِدَلِيل التمانع وَهُوَ دَلِيل صَحِيح فِي نَفسه وَهُوَ أَنه لَو كَانَ للْعَالم صانعان متكافئان فَعِنْدَ اخْتِلَافهمَا مثل أَن يُرِيد أَحدهمَا تَحْرِيك جسم وَيُرِيد الآخر تسكينه أَو يُرِيد (أَحدهمَا) إحياءه وَيُرِيد الاخر إماتته فاما أَن يحصل مرادهما اَوْ مُرَاد أَحدهمَا اَوْ لَا يحصل مُرَاد وَاحِد مِنْهُمَا والاول مُمْتَنع لانه يسْتَلْزم الْجمع بَين الضدين وَالثَّالِث مُمْتَنع لِأَنَّهُ يسْتَلْزم خلو الْجِسْم عَن الْحَرَكَة والسكون ويستلزم أَيْضا عجز كل مِنْهُمَا وَالْعَاجِز لَا يكون إِلَهًا ولان الْمَانِع من فعل أَحدهمَا هُوَ فعل الاخر فَلَو امْتنع مرادهما لزم كَون كل مِنْهُمَا مَانِعا للْآخر وَذَلِكَ يسْتَلْزم كَون كل مِنْهُمَا قَادِرًا غير قَادر لَان كَونه مَانِعا يَقْتَضِي الْقُدْرَة وَكَونه مَمْنُوعًا يَقْتَضِي الْعَجز وَذَلِكَ تنَاقض واذا حصل مُرَاد أَحدهمَا دون الاخر كَانَ هَذَا هُوَ الاله الْقَادِر وَالْآخر عَاجِزا لَا يصلح للالهية وَكثير من أهل النّظر يَزْعمُونَ أَن دَلِيل التمانع هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ الانبياء ٢٢ لاعتقادهم أَن
стр. 363
تَوْحِيد الربوبية الَّذِي قرروه هُوَ تَوْحِيد الالهية الَّذِي بَينه الْقُرْآن ودعت اليه الرُّسُل وَلَيْسَ الامر كَذَلِك وَقَالَ فِي مَوضِع آخر وَقد نقلنا أَنه لَيْسَ فِي أهل الارض من أثبت للْعَالم خالقين متماثلين فِي الصِّفَات والافعال بل هَذَا مُمْتَنع لذاته وامتناعه ظَاهر فِي الْعُقُول بِخِلَاف مَا يَظُنّهُ كثير من أهل الْكَلَام والفلسفة نعم بعض أهل الضلال يزْعم أَن ثمَّ خَالِقًا لبَعض الْعَالم كالثنوية فِي الظلمَة وكالقدرية فِي أَفعَال الْحَيَوَان وكالفلاسفة الدهرية فِي حَرَكَة الافلاك اَوْ حركات النُّفُوس والاجسام الطبيعية فان من هَؤُلَاءِ الْفرق الضَّالة من يثبت امورا محدثة بِدُونِ إِحْدَاث الله تَعَالَى إِيَّاهَا فهم الْمُشْركُونَ فِي بعض الربوبية وَكثير من مُشْركي الْعَرَب وَغَيرهم قد يظنّ فِي إلهته شَيْئا من هَذَا وَأَنَّهَا تَنْفَعهُ وتضره بِدُونِ أَن يخلق الله ذَلِك فَلَمَّا كَانَ هَذَا الشّرك فِي الربوبية مَوْجُودا فِي النَّاس بَين الْقُرْآن بُطْلَانه بقوله تَعَالَى ﴿مَا اتخذ الله من ولد وَمَا كَانَ مَعَه من إِلَه إِذا لذهب كل إِلَه بِمَا خلق ولعلا بَعضهم على بعض﴾ الْمُؤْمِنُونَ ٩١ وَالْمَوْجُود خلاف هَذَا فَإِن الْعَالم مُرْتَبِط بعضه بِبَعْض مَا من مَخْلُوق الا وَهُوَ مُتَّصِل بِغَيْرِهِ من الْمَخْلُوقَات مُحْتَاج اليه فالحيوان الْوَاحِد والنبات الْوَاحِد من أصل وَذَلِكَ الاصل من غَيره وهلم جرا وَهُوَ أَيْضا مفتقرا الى الْهَوَاء وَالْمَاء وَالتُّرَاب بل والى أَنْوَاع النباتات والحيوانات ومفتقر الى أثر الشَّمْس وَالْقَمَر وَاللَّيْل وَالنَّهَار وَغير ذَلِك والفلك مُرْتَبِط بعضه بِبَعْض والافلاك مفتقرة بَعْضهَا الى بعض والعالم الْعلوِي مفتقر الى الْعَالم السفلي فَلَو قدر ان صانع الارض غير صانع السَّمَاء وانه مستغن عَنهُ لَا يُغير أَحدهمَا مَصْنُوع الاخر لزم من ذَلِك أَن لَا يكون مَا فِي السَّمَاء مؤثرا فِي الارض فَلَا تُؤثر الشَّمْس وَالْقَمَر فِي الارض وان يكون مَا يصعد من الادخنة
стр. 364
والابخرة والاغيرة لَا يُؤثر فِي نور الشَّمْس وَالْقَمَر والهواء وَالْوَاقِع خِلَافه وَتَقْرِير هَذَا يطول انْتهى كَلَامه
وَقَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي معنى قَوْله تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ الانبياء ٢٢ الْآيَة قَالَ فان قوام السَّمَوَات والارض والخليقة بِأَن تأله الآله الْحق فَلَو كَانَ فيهمَا آلِهَة أُخْرَى غير الله لم يكن إِلَهًا حَقًا اذ الآله الْحق لَا شريك لَهُ وَلَا سمي لَهُ وَلَا مثل لَهُ فَلَو تألهت غَيره لفسدت كل الْفساد بِانْتِفَاء مَا فِيهِ صَلَاحهَا بتأله الآله الْحق كَمَا أَنَّهَا لَا تُوجد الا باسنادها الى الرب الْوَاحِد القهار ويستحيل أَن تستند فِي وجودهَا الى ربين متكافئين فَكَذَلِك يَسْتَحِيل أَن تستند فِي تألهها الى إِلَهَيْنِ متساويين انْتهى
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي اعتراضهم على القَوْل بدوام فاعلية الرب تَعَالَى وَكَلَامه والانفصال عَنهُ
... فلئن زعمتم ان ذَاك تسلسل ... قُلْنَا صَدقْتُمْ وَهُوَ ذُو إِمْكَان
كتسلسل التَّأْثِير فِي مُسْتَقْبل ... هَل بَين ذَيْنك قطّ من فرقان
وَالله مَا افْتَرقَا لَدَى عقل وَلَا ... نقل وَلَا نظر وَلَا برهَان
فِي سلب إِمْكَان وَلَا فِي ضِدّه ... هذي الْعُقُول وَنحن ذُو أذهان
فليأت بالفرقان من هُوَ فَارق ... فرقا يبين لصالح الاذهان ...
стр. 365
.. وكذاك سوى الجهم بَينهمَا كَذَا ... العلاف فِي الانكار والبطلان
وَلأَجل ذَا حكما بِحكم بَاطِل ... قطعا على الجنات والنيران
فالجهم افنى الذَّات والعلاف ... للحركات أفنى قَالَه الثوران
وَأَبُو عَليّ وَابْنه والاشعري ... وَبعده ابْن الطّيب الرباني
وَجَمِيع أَرْبَاب الْكَلَام الْبَاطِل ... المذموم عِنْد أَئِمَّة الايمان
فرقوا وَقَالُوا ذَاك فِيمَا لم يزل ... حق وَفِي أزل بِلَا إِمْكَان
قَالُوا لاجل تنَاقض الازلي وَال ... احداث مَا هَذَانِ يَجْتَمِعَانِ
لَكِن دوَام الْفِعْل فِي مُسْتَقْبل ... مَا فِيهِ مَحْذُور من النكران
فَانْظُر الى التلبيس فِي ذَا الْفرق تَرَ ... ويجا على العوران والعميان
مَا قَالَ ذُو عقل بِأَن الْفَرد ذُو ... أزل لذِي ذهن وَلَا أَعْيَان
بل كل فَرد فَهُوَ مَسْبُوق بفر ... ذ قبله ابدا بِلَا حسبان
وَنَظِير هَذَا كل فَرد فَهُوَ ملحوق ... بفرد بعده حكمان
النَّوْع والآحاد مَسْبُوق وملحوق ... وكل فَهُوَ مِنْهَا فان
وَالنَّوْع لَا يفنى أخيرا فَهُوَ لَا ... يفنى كَذَلِك اولا بِبَيَان
وتعاقب الآنات أَمر ثَابت ... فِي الذِّهْن وَهُوَ كَذَاك فِي الاعيان ... أما تَعْرِيف التسلسل فَهُوَ تَرْتِيب أُمُور غير متناهية وَاعْلَم أَن التسلسل نَوْعَانِ تسلسل فِي المؤثرين وتسلسل فِي الْآثَار فَأَما الأول فَهُوَ
стр. 366
محَال بِاتِّفَاق الْعُقَلَاء وَأما الثَّانِي فَفِيهِ قَولَانِ للنظار وَغَيرهم وَجوزهُ قَول الاثير الابهري والارموي فَقَوْل النَّاظِم فلئن زعمتم أَن ذَاك تسلسل أَي إِن زعمتم أَن القَوْل بدوام فاعلية الرب تَعَالَى تسلل قُلْنَا نعم وَذَلِكَ صَحِيح كَمَا جوز ارباب الْكَلَام كالأشعري وَابْن الباقلاني وَغَيرهمَا من الصفاتية القَوْل بذلك فِي الابد والمستقبل وَكَذَلِكَ أَئِمَّة الْمُعْتَزلَة كَأبي عَليّ وَابْنه أبي هَاشم وَغَيرهمَا من الْمُعْتَزلَة جوزو ذَلِك فِي الابد فألزمهم النَّاظِم القَوْل بِجَوَاز التسلسل فِي الازل كَمَا جوزوه فِي الابد وَأما الْجَهْمِية وَأَبُو الْهُذيْل العلاف فَقَالُوا بامتناع التسلسل فِي الطَّرفَيْنِ الازل والابد لانهم قَالُوا إِذا قُلْنَا كل خلق قبله لَا الى غَايَة وكل خلق بعده لَا الى نِهَايَة لزمنا القَوْل بِعَدَمِ الْعَالم وانما قَالَ الْجَمِيع بذلك لِئَلَّا يبطل عَلَيْهِم دَلِيل الاكوان الَّذِي استدلوا بِهِ على حُدُوث الْعَالم لَان مبناه على امْتنَاع التسلسل وَسَيَرِدُ النَّاظِم عَلَيْهِم هَذَا القَوْل فِيمَا يَأْتِي والاشعري هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن اسماعيل ابْن أبي بشر بن أسْحَاق بن سَالم بن اسماعيل بن عبد الله بن مُوسَى بن بِلَال ابْن ابي بردة ابْن ابي مُوسَى عبد الله بن قيس الاشعري قدم بَغْدَاد أَخذ الْفِقْه عَن زَكَرِيَّا بن يحيى السَّاجِي وتفقه فضائحهم وقبائحم وَذكر لَهُ من التصانيف (الموجز (وَغَيره وَحكي عَن بِابْن سريح وَقد كَانَ مُعْتَزِلا فَتَابَ بِالْبَصْرَةِ فَوق الْمِنْبَر وَأظْهر ابْن حزم أَنه صنف خَمْسَة وَخمسين تصنيفا وَذكر أَن دخله فِي كل سنة كَانَ سَبْعَة عشر درهما وَأَنه كلن من أَكثر دعابة وَأَنه ولد سنة وَمِائَتَيْنِ وَقيل سنة ٢٦٠ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَمَات سنة ٣٢٤ أَربع وَعشْرين وثلاثمائة وَقيل ٣٠ سنة وَقيل سنة بضع وَثَلَاثِينَ وَالله أعلم
стр. 367
قلت وللحافظ ابْن عَسَاكِر كتاب (تَبْيِين كذب المفتري فِيمَا نسب الى الشَّيْخ ابي الْحسن الاشعري (مُجَلد
وَابْن الطّيب هُوَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن الطّيب الباقلاني القَاضِي رَأس الْمُتَكَلِّمين على مَذْهَب الشَّيْخ أبي الْحسن الاشعري وَمن اكثر النَّاس كلَاما وتصنيفا فِي الْكَلَام يُقَال إِنَّه كَانَ لَا ينَام كل لَيْلَة حَتَّى يكْتب عشْرين ورقة فِي مُدَّة طَوِيلَة من عمره فانتشرت عَنهُ تصانيف كَثِيرَة مِنْهَا كتاب (التَّبْصِرَة (و (دقائق الْحَقَائِق (و (التَّمْهِيد (فِي أصُول الْفِقْه و (شرح الابانة (وَغير ذَلِك من المجاميع الْكِبَار وَالصغَار وَمن أحْسنهَا كتاب الرَّد على الباطنية الَّذِي سَمَّاهُ (كشف الاسرار وهتك الاستار (وَقد اخْتلفُوا فِي مذْهبه على الْفُرُوع فَقيل شَافِعِيّ وَقيل مالكي حكى ذَلِك عَنهُ أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ وَقد قيل إِنَّه كَانَ يكْتب على الفتاوي كتبه مُحَمَّد بن الطّيب الْحَنْبَلِيّ وَقد كَانَ فِي غَايَة الذكاء والفطنة مَاتَ فِي الْحجَّة سنة ٤٠٣ ثَلَاث واربعمائة
وَأَبُو عَليّ هُوَ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن سَلام بن يزِيد بن ابي السكن الجبائي ولد سنة ٢٣٥ خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَهُوَ من معتزلة الْبَصْرَة وَهُوَ الَّذِي ذلل الْكَلَام وسهله وَإِلَيْهِ انْتَهَت رئاسة الْمُعْتَزلَة فِي زَمَانه لَا يدافعه أحد عَن ذَلِك أَخذ عَن أبي يَعْقُوب يُوسُف بن عبد الله الشحام وَتُوفِّي سنة ٣٠٣ ثَلَاث وثلاثمائة فَدفن ب (جبى) وَله خمس وَسَبْعُونَ مصنفا وَابْنه أَبُو هَاشم وَهُوَ عبد السَّلَام ابْن أبي عَليّ الجبائي قدم بَغْدَاد سنة ٣١٤ أَربع عشرَة وثلاثمائة وَتُوفِّي سنة ٣٢١ إِحْدَى وَعشْرين وثلاثمائة وَكَانَ
стр. 368
ذكيا حسن الْفَهم ثاقب الفطنة صانعا للْكَلَام مقتدرا عَلَيْهِ قيمًا بِهِ لَهُ مصنفات
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فاذا أَبَيْتُم ذَا وقلتم
أول الاانات مفتتح بِلَا نكران ... مَا كَانَ ذَاك الْآن مَسْبُوقا يرى
الا بسبل وجوده الحقان ... فَيُقَال مَا تعنون بالانات هَل
تعنون مُدَّة هَذِه الازمان ... من حِين إِحْدَاث السَّمَوَات العلى
والارض والافلاك والقمران ... ونظنكم تعنون ذَاك وَلم يكن
من قبلهَا شَيْء من الاكوان ٥ ... هَل جَاءَكُم فِي ذَاك من أثر وَمن
نَص وَمن نظر وَمن برهَان ... هَذَا الْكتاب وَهَذِه الاثار والمعقول
فِي الفطرات والاذهان ... إِنَّا نحاكمكم الى مَا شِئْتُم
مِنْهَا فَحكم الْحق فِي تبيان ... اوليس خلق الْكَوْن فِي الايام كَا
ن وَذَاكَ مَأْخُوذ من الْقُرْآن ... اَوْ لَيْسَ ذَلِكُم الزَّمَان بِمدَّة
لحدوث شَيْء وَهُوَ عين زمَان ... فحقيقة الازمان نِسْبَة حَادث
لسواه تِلْكَ حَقِيقَة الازمان ... وَاذْكُر حَدِيث السَّبق للتقدير
والتوقيت قبل جَمِيع ذِي الاعيان ... خمسين ألفا من سِنِين عدهَا الْمُخْتَار
سَابِقَة لذِي الاكوان ... هَذَا وعرش الرب فَوق المَاء من
قبل السنين بِمدَّة وزمان
стр. 369
يَقُول النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فاذا أَبَيْتُم مَا ذكرنَا وقلتم ان الانات لَهَا اول وَلَا يصير ذَاك اولا الا بسلب وجوده والا لم يكن أَولا فَنَقُول مَا تعنون بالانات هَل تعنون مُدَّة هَذِه الازمان أَي من حِين خلق الله السَّمَوَات وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم والارض وَأَن عنْدكُمْ لم يكن قبلهَا شَيْء من الاكوان أَي من الْمَخْلُوقَات فَهَل عنْدكُمْ حجَّة على أَنه لَيْسَ قبلهَا شَيْء فهاتوا برهانكم على ذَاك من الاثر وَالنَّظَر وَنحن نحاكمكم الى مَا شِئْتُم من ذَلِك وَيدل على أَن قبلهَا مخلوقات أَن الله أخبر فِي الْقُرْآن بانه خلق السَّمَوَات والارض فِي سِتَّة أَيَّام فَتلك الايام قبل وجود السَّمَوَات والارض والنجوم وَالْجِبَال وَيدل على ذَلِك حَدِيث عبد الله ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِن الله كتب مقادير الْخَلَائق قبل أَن يخلق السَّمَوَات والارض بِخَمْسِينَ ألف سنة وَكَانَ عَرْشه على المَاء (وَهَذَا معنى هَذِه الابيات الَّتِي ذكرهَا النَّاظِم
قَوْله فحقيقة الازمان نِسْبَة حَادث الخ أَي أَن نفس قدر الْفِعْل هُوَ الْمُسَمّى بِالزَّمَانِ فان الزَّمَان إِذا قيل إِنَّه مِقْدَار حَرَكَة الشَّمْس أَو الْفلك وَأهل الْملَل متفقون على أَن الله خلق السَّمَوَات والارض فس سِتَّة أَيَّام وَخلق ذَلِك من مَادَّة كَانَت مَوْجُودَة قبل هَذِه السَّمَوَات وَهُوَ الدُّخان الَّذِي هُوَ البخار كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان فَقَالَ لَهَا وللأرض ائتيا﴾
стр. 370
ني ... هَل كَانَ قبل الْعَرْش أَو هُوَ بعده
قَولَانِ عِنْد أبي العلى الهمذاني ... وَالْحق أَن الْعَرْش قيل لانه
قبل الْكِتَابَة كَانَ ذَا أَرْكَان ... وَكِتَابَة الْقَلَم الشريف تعقبت
إجاده من غير فصل زمَان ... لما براه الله قَالَ اكْتُبْ كَذَا
فغدا بِأَمْر الله ذَا جَرَيَان ... فَجرى بِمَا هُوَ كَائِن ابدا الى
يَوْم الْمعَاد بقدرة الرَّحْمَن ... أَفَكَانَ رب الْعَرْش ﷻ
من قبل ذَا عجز وَذَا نُقْصَان ... أم لم يزل ذَا قدرَة وَالْفِعْل مَقْدُور
لَهُ أبدا وَذُو إِمْكَان ...
قَوْله وَالنَّاس مُخْتَلفُونَ الخ قَالَ شيخ الاسلام قد ذكرنَا أَن للسلف فِي الْعَرْش والقلم أَيهمَا خلق قبل الآخر قَوْلَيْنِ كَمَا ذكر ذَلِك الْحَافِظ أَبُو الْعَلَاء الهمذاني وَغَيره أَحدهمَا أَن الْقَلَم خلق أَولا كَمَا أطلق ذَلِك غير وَاحِد وَهَذَا هُوَ الَّذِي يفهم فِي الظَّاهِر من كتب من صنف فِي الاوائل كَابْن أبي عرُوبَة الْحَرَّانِي وَأبي الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ للْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه (عَن عبَادَة بن الصَّامِت وفيسمعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (أول مَا خلق الله الْقَلَم فَقَالَ اكْتُبْ (الحَدِيث وَالثَّانِي أَن الْعَرْش خلق أَولا قَالَ الامام عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ فِي مُصَنفه فِي
стр. 371
الرَّد على الْجَهْمِية حَدثنَا ابْن كثير الْعَبْدي أَنبأَنَا سُفْيَان الثَّوْريّ حَدثنَا أَبُو هَاشم عَن مُجَاهِد عَن ابْن عَبَّاس قَالَ إِن الله كَانَ على عَرْشه قبل أَن يخلق شَيْئا فَكَانَ أول مَا خلق الله الْقَلَم فَأمره أَن يكْتب مَا هُوَ كَائِن وَإِنَّمَا يجْرِي النَّاس على أَمر قد فرغ مِنْهُ وَكَذَلِكَ ذكر الْحَافِظ الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات لما ذكر بَدْء الْخلق ثمَّ ذكر حَدِيث الْأَعْمَش عَن الْمنْهَال بن عَمْرو عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَنه سُئِلَ عَن قَول الله تَعَالَى ﴿وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾ على أَي شَيْء كَانَ المَاء قَالَ عَن متن الرّيح
وَرُوِيَ حَدِيث الْقَاسِم ابْن أبي بردة عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يحدث أَن رَسُول الله ﷺ أول شَيْء خلقه الله الْقَلَم وَأمره فَكتب كل شَيْء يكون قَالَ الْبَيْهَقِيّ وَإِنَّمَا إأراد وَالله أعلم أول شَيْء خلقه بعد المَاء وَالرِّيح وَالْعرش والقلم وَذَلِكَ فِي حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن ثمَّ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض أَقُول حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ هُوَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ من غير وَجه مَرْفُوعا كَانَ الله وَلم يكن شَيْء قبله وَكَانَ عَرْشه على المَاء ثمَّ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَكتب فِي الذّكر كل شَيْء وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ كَمَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن هَارُون الرويا
стр. 372
فِي (مُسْنده (وَعُثْمَان بن سعيد الدِّرَامِي وَغَيرهمَا من حَدِيث الثِّقَات الْمُتَّفق على ثقتهم عَن أبي إِسْحَاق الْفَزارِيّ عَن الْأَعْمَش عَن جَامع بن شَدَّاد عَن صَفْوَان بن مُحرز عَن عمرَان بن حُصَيْن عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (كَانَ الله وَلم يكن شيئ غَيره وَكَانَ عَرْشه على المَاء ثمَّ كتب فِي الذّكر كل شيئ ثمَّ خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض (وَذكر أَحَادِيث وآثارا ثمَّ قَالَ مَا مَعْنَاهُ فَثَبت بالنصوص الصَّحِيحَة أَن الْعَرْش خلق أَولا قَالَ ابْن كثير قَالَ قَائِلُونَ خلق الْقَلَم أَولا وَهَذَا اخْتِيَار ابْن جرير وَابْن الْجَوْزِيّ وَغَيرهمَا قَالَ ابْن جرير وَبعد الْقَلَم السَّحَاب الرَّقِيق وَبعده الْعَرْش وَاحْتَجُّوا بِحَدِيث عبَادَة وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَن الْعَرْش مَخْلُوق قبل ذلأك كَمَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مُسلم فِي (صَحِيحه (يَعْنِي حَدِيث عبد الله ابْن عَمْرو بن الْعَاصِ الَّذِي تقدم قَالُوا وَهَذَا التَّقْدِير هُوَ كِتَابه بالقلم الْمَقَادِير وَقد دلّ هَذَا الحَدِيث ان ذَلِك بعد خلق الْعَرْش فَثَبت تقدم الْعَرْش على الْقَلَم الَّذِي كتب بِهِ الْمَقَادِير كَمَا ذهب إِلَى ذَلِك الجماهير وحملوا حَدِيث الْقَلَم على أَنه أول الْمَخْلُوقَات من هَذَا الْعَالم انْتهى
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... فلئن سَأَلت وَقلت مَا هَذَا الَّذِي
أداهم لخلاف ذَا التِّبْيَان ... ولاي شَيْء لم يَقُولُوا إِنَّه
سُبْحَانَ هُوَ دَائِم الاحسان ... فَاعْلَم بِأَن الْقَوْم لما أسسوا
أصل الْكَلَام عموا عَن الْقُرْآن
стр. 373
.. وجنوا على الاسلام كل جِنَايَة
إِذْ سلطوا الاعداء بالعدوان ... حملُوا بأسلحة الْمحَال فخانهم
ذَاك السِّلَاح فَمَا اشتفوا بطعان ... وأتى الْعَدو الى سِلَاحهمْ فقا
تلهم بِهِ فِي غيبَة الفرسان ... يَا محنة الاسلام وَالْقُرْآن من
جهد الصّديق وبغي ذِي طغيان ... وَالله لَوْلَا الله نَاصِر دينه
وَكتابه بِالْحَقِّ والبرهان ... لتخطفت أعداؤه أَرْوَاحنَا
ولقطتعت منا عرى الايمان ... أَيكُون حَقًا ذَا الدَّلِيل وَمَا اهْتَدَى
خير الْقُرُون لَهُ محَال ذان ... وفقتم للحق اذ حرمُوهُ فِي
أصل الْيَقِين ومقعد الْعرْفَان ... وهديتمونا للَّذي لم يهتدوا
أبدا بِهِ واشدة الحرمان ... ودخلتم للحق من بَاب وَمَا
دَخَلُوهُ وَاعجَبا لذا الخذلان ... وملكتم طرق الْهدى وَالْعلم دو
ن الْقَوْم وَاعجَبا لذا الْبُهْتَان ... وعرفتم الرَّحْمَن بالاجسام وَال
أَعْرَاض والحركات والالوان ... وهم فَمَا عرفوه مِنْهَا بل من ال آيَات وَهِي فَغير ذِي برهَان
الله أكبر أَنْتُم أَو هم على ... حق وَفِي غي وَفِي خسران
دع ذَا األيس الله قد أبدى لنا ... حق الادلة وَهِي فِي الْقُرْآن
متنوعات صرفت وتظاهرت ... فِي كل وَجه فَهِيَ ذُو أفنان ...
стр. 374
.. مَعْلُومَة لِلْعَقْلِ أَو مَشْهُودَة ... للحس أَو فِي فطْرَة الرَّحْمَن
أسمعتم لدليلكم فِي بَعْضهَا ... خَبرا اَوْ احسستم لَهُ بِبَيَان
أَيكُون أصل الدّين مَا تمّ الْهدى ... إِلَّا بِهِ وَبِه قوى الايمان
وسواه لَيْسَ بِمُوجب من لم يحط ... علما بِهِ لم ينج من كفران
وَالله ثمَّ رَسُوله قد بَينا ... طرق الْهدى فِي غَايَة التِّبْيَان
فلأي شَيْء إعرضا عَنهُ وَلم ... نَسْمَعهُ فِي أثر وَلَا قُرْآن
لَكِن أَتَانَا بعد خير قروننا ... فظهور أَحْدَاث من الشَّيْطَان
وعَلى لِسَان الجهم جَاءَ وَحزبه ... من كل صَاحب بِدعَة حيران
وَلذَلِك اشْتَدَّ النكير عَلَيْهِم ... من سَائِر الْعلمَاء فِي الْبلدَانِ
صاحوا بهم فِي كل قطر بل رموا ... فِي إثرهم بثواقب الشهبان
عرفُوا الَّذِي يُفْضِي اليه قَوْلهم ... ودليلهم بِحَقِيقَة الْعرْفَان
وأخو الْجَهَالَة فِي خفارة جَهله ... وَالْجهل قد يُنجي من الكفران ...
أَقُول قد تقدم الْكَلَام فِي دَلِيل الاكوان مَبْسُوطا فِي الْفَصْل الَّذِي أَوله وَقضى بِأَن الله كَانَ معطلا عَن شيخ الاسلام وَغَيره وَنحن نشِير الى ذَلِك بعض الاشارة
قَالَ شيخ الاسلام فِي كتاب (الْعقل وَالنَّقْل (فِي الْكَلَام على اصول الدّين بعد كَلَام سبق وَأما مَا يدْخلهُ بعض النَّاس فِي هَذَا الْمُسَمّى من الْبَاطِل فَلَيْسَ ذَلِك من أصُول الدّين وان أدخلهُ فِيهِ مثل الْمسَائِل والدلائل الْفَاسِدَة
стр. 375
مثل الِاسْتِدْلَال على حُدُوث الْعَالم بحدوث الاعراض الَّتِي هِيَ صِفَات الاجسام الْقَائِمَة بهَا إِمَّا الاكوان وَإِمَّا غَيرهَا وَتَقْرِير الْمُقدمَات الَّتِي يحْتَاج اليها هَذَا الدَّلِيل من إِثْبَات الاعراض الَّتِي هِيَ الصِّفَات أَولا أَو إِثْبَات بَعْضهَا كالاكوان الَّتِي هِيَ الْحَرَكَة والسكون والاجتماع والافتراق واثبات حدوثها باثبات إبِْطَال ظُهُورهَا بعد الكمون وابطال انتقالها من مَحل الى مَحل ثمَّ اثبات امْتنَاع خلو الْجِسْم إِمَّا عَن كل جنس من أَجنَاس الاعراض باثبات أَن الْجِسْم قَابل لَهَا وان الْقَابِل للشَّيْء لَا يَخْلُو عَنهُ وَعَن ضِدّه وَإِمَّا عَن الاكوان وَامْتِنَاع حوادث لَا أول لَهَا رَابِعا وَهُوَ مَبْنِيّ على مقدمتين احداهما ان الْجِسْم لَا يَخْلُو عَن الاعراض باثبات أَن الْجِسْم لَا يَخْلُو عَن الاعراض الَّتِي هِيَ الصِّفَات وَالثَّانيَِة أَن مَا لَا يَخْلُو عَن الصِّفَات الَّتِي هِيَ الاعراض فَهُوَ مُحدث لِأَن الصِّفَات الَّتِي هِيَ الاعراض لاتكون إِلَّا محدثة وَقد يفرضون ذَلِك فِي بعض الصِّفَات الَّتِي هِيَ الْإِعْرَاض كالالوان وَمَا لَا يخلوا عَن جنس الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث لِامْتِنَاع حوادث لَا تتناهى فَهَذِهِ الطَّرِيقَة مِمَّا يعلم بالاضطرار أَن مُحَمَّد ﷺ لم يدع النَّاس بهَا الى الاقرار بالخالق ونبوة أنبيائه ولهذ اقد اعْترف حذاق أهل الْكَلَام كالاشعري وَغَيره انها لَيست طَريقَة الرُّسُل وأتباعهم وَلَا سلف الامة وأئمتها وَذكروا انها مُحرمَة عِنْدهم بل الْمُحَقِّقُونَ على انها طَريقَة بَاطِلَة وَأَن مقدماتها فِيهَا تَفْصِيل وتقسيم يمْنَع ثُبُوت الْمُدعى بهَا مُطلقًا وَلِهَذَا تَجِد من اعْتمد عَلَيْهَا فِي أصُول دينه فأحد الامرين لَازم لَهُ إِمَّا أَن يطلع على ضعفها ويقابل بَينهَا وَبَين أَدِلَّة الْقَائِلين بقدم الْعَالم فتتكافأ عِنْده الادلة أَو يرجح هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة كَمَا هُوَ حَال طوائف مِنْهُم وَإِمَّا أَن يلْتَزم لاجلها لَوَازِم مَعْلُومَة الْفساد فِي الشَّرْع وَالْعقل كَمَا
стр. 376
الْتزم جهم لاجلها فنَاء الْجنَّة وَالنَّار وَالْتزم لاجلها أَبُو الْهُذيْل انْقِطَاع حركات أهل الْجنَّة وَالْتزم قوم لاجلها كالاشعري وَغَيره ان المَاء والهواء وَالتُّرَاب وَالنَّار لَهُ طعم ولون وريح وَنَحْو ذَلِك وَالْتزم قوم لاجلها وَأجل غَيرهَا ان جَمِيع الاعراض كالطعم واللون وَغَيرهمَا لَا يجوز بَقَاؤُهَا بِحَال لإنهم احتاجوا الى جَوَاب النَّقْض الْوَارِد عَلَيْهِم لما أثبتوا الصِّفَات لله مَعَ الِاسْتِدْلَال على حُدُوث الاجسام بصفاتها فَقَالُوا صِفَات الاجسام أَعْرَاض أَي انها تعرض فتزول بِخِلَاف صِفَات الله فانها بَاقِيَة وَأما مَا اعْتمد عَلَيْهِ طَائِفَة مِنْهُم من أَن الْعرض لَو بَقِي لم يُمكن عَدمه لَان عَدمه إِمَّا أَن يكون باحداث ضد أَو بِفَوَات شَرط اَوْ اخْتِيَار الْفَاعِل وكل ذَلِك مُمْتَنع فَهَذِهِ الْعُمْدَة لَا يختارها آخَرُونَ مِنْهُم بل يجوزون أَن الْفَاعِل الْمُخْتَار بِعَدَمِ الْمَوْجُود كَمَا يحث الْمَعْدُوم وَلَا يَقُولُونَ إِن عدم الاجسام لَا يكون الا بِقطع الاعراض عَنْهَا كَمَا قَالَه أُولَئِكَ وَلَا يخلق ضد هُوَ الفناء لافي مَحل كَمَا قَالَه من قَالَه من الْمُعْتَزلَة وَأما جُمْهُور عقلاء بني آدم فَقَالُوا هَذِه مُخَالفَة للمعلوم بالحس وَالْتزم طوائف من أهل الْكَلَام من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم لأَجلهَا نفي صِفَات الرب مُطلقًا أَو نفي بَعْضهَا لِأَن الدَّال عِنْدهم على حُدُوث هَذِه الاشياء هُوَ قيام الصِّفَات بهَا وَالدَّلِيل يجب طرده فالتزموا حُدُوث كل مَوْصُوف بِصفة قَائِمَة بِهِ وَهُوَ ايضا فِي غَايَة الْفساد والضلال وَلِهَذَا التزموا القَوْل بِخلق الْقُرْآن وانكار رُؤْيَة الله فِي الْآخِرَة وعلوه على عَرْشه الى امثال ذَلِك من اللوازم الَّتِي التزمها من طرد مُقَدمَات هَذِه الْحجَّة الَّتِي جعلهَا الْمُعْتَزلَة وَمن اتبعهم أصل دينهم فَهَذِهِ دَاخِلَة فِيمَا سَمَّاهُ هَؤُلَاءِ أصُول الدّين وَلَكِن لَيست فِي الْحَقِيقَة من أصُول الدّين الَّذِي شَرعه الله لِعِبَادِهِ
стр. 377
وَقَالَ فِي كَلَامه على (حَدِيث النُّزُول (لما تكلم على هَذِه الطَّرِيقَة أما قَوْلكُم إِن هَذَا الطَّرِيق هُوَ الاصل فِي معرفَة دين الاسلام ونبوة الرُّسُل فَهَذَا مِمَّا يعلم بالاضطرار من دين الاسلام فَسَاده فانه من الْمَعْلُوم لكل من علم حَال الرَّسُول وَأَصْحَابه وَمَا جَاءَ بِهِ من الايمان وَالْقُرْآن انه لم يدع النَّاس بِهَذِهِ الطَّرِيقَة أبدا وَلَا تكلم بهَا أحد من الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعين لَهُم باحسان فَكيف تكون هِيَ أصل الايمان وَالَّذِي جَاءَ بالايمان وَأفضل النَّاس إِيمَانًا لم يتكلموا بهَا الْبَتَّةَ وَلَا سلكها مِنْهُم أحد وَالَّذين علمُوا ان هَذِه طَريقَة مبتدعة حزبان حزب ظنُّوا أَنَّهَا صَحِيحَة فِي نَفسهَا لَكِن أعرض السّلف عَنْهَا لطول مقدماتها وغموضها وَمَا يخَاف على سالكها من الشَّك والتطويل وَهَذَا قَول جمَاعَة كالاشعري فِي رسَالَته الى الثغر الْخطابِيّ والحليمي وَالْقَاضِي ابي يعلى وَابْن عقيل وَأبي بكر الْبَيْهَقِيّ وَغير هَؤُلَاءِ وَالثَّانِي قَول من يَقُول بل هَذِه الطَّرِيقَة بَاطِلَة فِي نَفسهَا وَلِهَذَا ذمها السّلف وَعدلُوا عَنْهَا وَهَذَا قَول أَئِمَّة السّلف كَابْن الْمُبَارك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد ابْن حَنْبَل واسحق بن رَاهْوَيْةِ وَأبي يُوسُف وَمَالك بن أنس وَابْن الماجسون عبد الْعَزِيز وَغير هَؤُلَاءِ من السّلف انْتهى
وَقَالَ الامام الْحَافِظ ابو عمر بن عبد الْبر الَّذِي أَقُول إِنَّه إِذا نظر الى إِسْلَام ابي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَسعد وَسَعِيد وَعبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف وَسَائِر الْمُهَاجِرين والانصار وَجَمِيع الْوُفُود الَّذين دخلُوا فِي دين
стр. 378
الله افواجا علم أَن الله لم يعرفهُ وَاحِد مِنْهُم الا بِتَصْدِيق النَّبِيين وأعلام النُّبُوَّة وَدَلَائِل الرسائل لَا من قبل حَرَكَة وَسُكُون وَلَا من بَاب الْكل وَالْبَعْض وَلَا من بَاب كَانَ وَيكون وَلَو كَانَ النّظر فِي الْحَرَكَة والسكون عَلَيْهِم وَاجِبا وَفِي الْجِسْم ونفيه والتشبيه ونفيه لَازِما مَا أضاعوه وَلَو أضاعوا الْوَاجِب لما نطق الْقُرْآن بتزكيتهم وتقديمهم وَلَا أطنب فِي مدحهم وتعظيمهم وَلَو كَانَ من علمهمْ مَشْهُورا وَمن أَخْلَاقهم مَعْرُوفا لاستفاض عَنْهُم وشهروا بِهِ كَمَا شهروا بِالْقُرْآنِ وَالرِّوَايَات انْتهى كَلَامه
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي الرَّد على الْجَهْمِية المعطلة الْقَائِلين بِأَنَّهُ لَيْسَ على الْعَرْش اله يعبد وَلَا فَوق السَّمَوَات اله يصلى لَهُ وَيسْجد وَبَيَان فَسَاد قَوْلهم عقلا ونقلا ولغة وفطرة
... وَالله كَانَ وَلَيْسَ شَيْء غَيره ... وبرى الْبَريَّة وَهِي ذُو حدثان
فسل الْمُعَطل هَل يَرَاهَا خَارِجا ... عَن ذَاته أم فِيهِ حلت ذان
لابد من إِحْدَاهمَا أَو أَنَّهَا ... هِيَ عينه مَا ثمَّ موجودان
مَا ثمَّ مَخْلُوق وخالقه وَمَا ... شَيْء مُغَاير هَذِه الاعيان
لابد من احدى ثَلَاث مَالهَا ... من رَابِع خلو عَن الروغان
ولذاك قَالَ مُحَقّق الْقَوْم الَّذِي ... رفع الْقَوَاعِد مدعي الْعرْفَان ...
стр. 379
.. هُوَ عين هَذَا الْكَوْن لَيْسَ بِغَيْرِهِ ... أَنى وَلَيْسَ مباين الاكوان
كلا وَلَيْسَ مجانبا ايضا لَهَا ... فَهُوَ الْوُجُود بِعَيْنِه وعيان
ان لم يكن فَوق الْخَلَائق رَبهَا ... فَالْقَوْل هَذَا القَوْل فِي الْمِيزَان
اذ لَيْسَ يعقل بعد إِلَّا أَنه ... قد حل فِيهَا وَهِي كالابدان
وَالروح ذَات الْحق ﷻ ... حلت بهَا كمقالة النَّصْرَانِي
فاحكم على من قَالَ لَيْسَ بِخَارِج ... عَنْهَا وَلَا فِيهَا بِحكم بَيَان
بِخِلَافِهِ الوحيين والاجماع وَالْعقل ... الصَّرِيح وفطرة الرَّحْمَن
فَعَلَيهِ اوقع حد مَعْدُوم بلَى ... حد الْمحَال بِغَيْر مَا فرقان
يَا للعقول اذا نفيتم مخبرا ... ونقيض حد ذَاك فِي امكان
ان كَانَ نفي دُخُوله وَخُرُوجه ... لَا يصدقان مَعًا لذى امكان
الا على عدم صَرِيح نَفْيه ... مُتَحَقق ببديهة الانسان
أيصح فِي الْمَعْقُول يَا أهل النهى ... ذاتان لَا بِالْغَيْر قائمتان
لَيست تبَاين مِنْهُمَا ذَات لاخرى ... أَو تحايثها فيجتمعان ...
قَوْله أَو تحايثها قَالَ فِي الْقَامُوس حَيْثُ كلمة دَالَّة على الْمَكَان كحين فِي الزَّمَان ويثلث آخِره انْتهى
... ان كَانَ فِي الدُّنْيَا محَال فَهُوَ ذَا ... فَارْجِع الى الْمَعْقُول والبرهان
فلئن زعمتم ان ذَلِك فِي الَّذِي ... هُوَ قَابل من جسم أَو جثمان ...
стр. 380
.. والرب لَيْسَ كَذَا فنفي دُخُوله ... وَخُرُوجه مَا فِيهِ من بطلَان
فَيُقَال هَذَا أَولا من قَوْلكُم ... دَعْوَى مُجَرّدَة بِلَا برهَان
ذَاك اصْطِلَاح من فريق فارقوا الْوَحْي ... الْمُبين بحكمة اليونان ...
احْتج النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى على بطلَان قَول الْجَهْمِية النفاة لعلو الله سُبْحَانَهُ على خلقه بِهَذِهِ الْحجَج القاطعة والبراهين الساطعة فَقَالَ وَالله كَانَ وَلَيْسَ شَيْء غَيره يُشِير الى الحَدِيث الصَّحِيح الْمَرْفُوع (كَانَ الله وَلم يكن شَيْء غَيره وَكَانَ عَرْشه على المَاء يَقُول إِذا كَانَ الله تَعَالَى فِي الْأَزَل لم يكن مَعَه غَيره وَخلق الْمَخْلُوقَات وَهَذَا معنى قَوْله وبرى الْبَريَّة الخ فسل الْمُعَطل هَل خلقهَا خَارِجا عَن ذَاته المقدسة أَو خلقهَا فِي ذَاته المقدسة تَعَالَى عَن ذَلِك أَو هِيَ عينه كَمَا يَقُوله الوجودية لعنهم الله تَعَالَى وَهَذِه قسْمَة حاصرة لَان الْمَخْلُوقَات إِمَّا أَن تكون خلقهَا فِي ذَاته أَو خَارِجهَا عَنْهَا أَو هِيَ عينه وَلَا قسم غير هَذِه الثَّلَاثَة وَلذَلِك قَالَ النَّاظِم ولذاك قَالَ مُحَقّق الْقَوْم الَّذِي رفع الْقَوَاعِد يَعْنِي الْقَائِلين بوحدة الْوُجُود فانهم قَالُوا وجود الْمَخْلُوقَات هُوَ عين وجود الْخَالِق مَا ثمَّ غير وَلَا سوى الْبَتَّةَ تَعَالَى الله عَن قَوْلهم علوا كَبِيرا وَلِهَذَا قَالَ إِن لم يكن فَوق الْخَلَائق رَبهَا الخ أَي إِن لم يكن الرب تَعَالَى فَوق خلقه فَالْقَوْل هَذَا القَوْل فِي الْمِيزَان أَي فِي الْعدْل وَالْقِيَاس فانه إِذا لم يكن تَعَالَى مباينا للاكوان وَلَا محايثا لَهَا دَاخِلا فِيهَا لم يبْق الا هَذَا القَوْل إِذْ لَيْسَ يعقل الا هَذَا وَأَن الرّوح ذَات
стр. 381
الْحق تَعَالَى حلت بِهَذَا الْعَالم كَمَا تَقوله النَّصَارَى فِي عِيسَى ﵇
قَوْله فاحكم على من قَالَ لَيْسَ بِخَارِج الخ هَذَا الْكَلَام لابي مُحَمَّد عبد الله بن سعيد بن كلاب الْقطَّان حَكَاهُ عَنهُ الامام ابو بكر ابْن فورك فِي كتاب (الْمُجَرّد (فِيمَا جمعه من كَلَام ابْن كلاب أَنه قَالَ وَأخرج من الْخَبَر وَالنَّظَر قَول من قَالَ لَا هُوَ فِي الْعَالم وَلَا خَارِجا مِنْهُ فنفاه نفيا مستويا لانه لَو قيل لَهُ صفة بِالْعدمِ لما قدر أَن يَقُول أَكثر من هَذَا ورد أَخْبَار الله أَيْضا وَقَالَ فِي ذَلِك مَالا يجوز فِي نَص وَلَا مَعْقُول ثمَّ قَالَ وَرَسُول الله ﷺ وَهُوَ صفوة الله من خلقه وَخيرته من بريته أعلمهم بالاين واستصوب قَول الْقَائِل إِنَّه فِي السَّمَاء وَشهد لَهُ بالايمان عِنْد ذَلِك وجهم بن صَفْوَان وَأَصْحَابه لَا يجيزون الاين ويحيلون القَوْل بِهِ قَالَ وَلَو كَانَ خطأ لَكَانَ رَسُول الله ﷺ أَحَق بالانكار لَهُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول لَهَا لَا تقولي ذَلِك فتوهمي أَنه مَحْدُود وَأَنه فِي مَكَان دون مَكَان وَلَكِن قولي إِنَّه فِي كل مَكَان لانه هُوَ الصَّوَاب دون مَا قلت كلا فقد أجَازه رَسُول الله ﷺ مَعَ علمه بِمَا فِيهِ وانه من الايمان بل الامر الَّذِي يجب بِهِ الايمان لقائله وَمن أَجله شهد لَهَا بالايمان حِين قالته وَكَيف يكون الْحق فِي خلاف ذَلِك وَالْكتاب نَاطِق بذلك وَشَاهد لَهُ وَقد غرس فِي نبيه الْفطْرَة ومعارف الْآدَمِيّين من ذَلِك مَا لَا شَيْء أبين مِنْهُ وَلَا أوكد لانك لَا تسْأَل أحدا من النَّاس عَنهُ عَرَبيا وَلَا عجميا وَلَا مُؤمنا وَلَا كَافِرًا فَتَقول أَيْن رَبك إِلَّا قَالَ فِي السَّمَاء أفْصح أَو أَوْمَأ بِيَدِهِ أَو أَشَارَ بطرفه إِن كَانَ لَا يفصح وَلَا يُشِير الى غير ذَلِك وَمَا رَأينَا أحدا إِذا عَن لَهُ دُعَاء الا رَافعا يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء وَلَا وجدنَا أحدا غير الْجَهْمِية يسْأَل عَن ربه فَيَقُول فِي كل مَكَان كَمَا يَقُولُونَ وهم يدعونَ
стр. 382
أَنهم أفضل النَّاس كلهم فتاهت الْعُقُول وَسَقَطت الاخبار واهتدى جهم وَخَمْسُونَ رجلا مَعَه نَعُوذ بِاللَّه من مضلات الْفِتَن انْتهى كَلَامه
قَوْله ياللعقول اذا نفيتم مخبرا الخ بِفَتْح اللَّام اسْم منادى مجرور بِاللَّامِ إِذا استغيث اسْم منادى وَجب كَون الْحَرْف يَا وَكَونهَا مَذْكُورَة وَغلب جَرّه بلام وَاجِبَة الْفَتْح كَقَوْل عمر ﵁ يالله للْمُسلمين معنى كَلَام النَّاظِم إِنَّكُم نفيتم عَنهُ تَعَالَى النقيضين وهما لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يرتفعان فَإِذا كَانَ تَعَالَى عنْدكُمْ لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه فَهَذَا حد الْمَعْدُوم لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه فهم وصفوا وَاجِب الْوُجُود تَعَالَى بِمَا يمْتَنع مَعَه وجوده فضلا عَن وُجُوبه لَان الْمَعْدُوم لَا يُوصف الا بِمَا وصفوا بِهِ وَاجِب الْوُجُود تَعَالَى ثمَّ قَالَ النَّاظِم فلئن زعمتم أَن ذَلِك فِي الَّذِي هُوَ قَابل الخ أَي أَن هَذَا إِنَّمَا يَتَأَتَّى فِي الاجسام الَّتِي تقبل أَن تُوصَف بذلك والرب تَعَالَى لَيْسَ بجسم فوصفه بِأَنَّهُ لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه غير مَحْذُور فأجابهم النَّاظِم بقوله فَيُقَال هَذَا اولا من قَوْلكُم دَعْوَى الخ هَذِه دَعْوَى مُجَرّدَة عَن الْبُرْهَان وَإِنَّمَا هِيَ من اصْطِلَاح فلاسفة اليونان
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... وَالشَّيْء يصدق نَفْيه عَن قَابل ... وسواه فِي مَعْهُود كل لِسَان
أنسيت نفي الظُّلم عَنهُ وقولك ... الظُّلم الْمحَال وَلَيْسَ ذَا إِمْكَان
ونسيت نفي النّوم وَالسّنة الَّتِي ... لَيست لرب الْعَرْش فِي الْإِمْكَان
ونسيت نفي الطّعْم عَنهُ وَلَيْسَ ذَا ... مَقْبُولَة وَالنَّفْي فِي الْقُرْآن ...
стр. 383
.. ونسيت نفي ولادَة أَو زَوْجَة ... وهما على الرَّحْمَن ممتنعان
وَالله قد وسف الجماد بِأَنَّهُ ... ميت أَصمّ وَمَاله عينان
وَكَذَا نفى عَنهُ الشُّعُور ونطقه ... والخلق نفيا وَاضح التِّبْيَان
هَذَا وَلَيْسَ لَهَا قبُول للَّذي ... يَنْفِي وَلَا من جملَة الْحَيَوَان ...
معنى كَلَام النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى أَن الشَّيْء يصدق نَفْيه عَن قَابل وَغير قَابل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم﴾ الْبَقَرَة ٢٥٥ مَعْنَاهُ أَن الرب تَعَالَى لَا يجوز عَلَيْهِ النّوم وَالسّنة كَمَا نفى الطّعْم عَنهُ سُبْحَانَهُ فِي قَوْله ﴿وَهُوَ يطعم وَلَا يطعم﴾ الانعام ١٤ وكما فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون مَا أُرِيد مِنْهُم من رزق وَمَا أُرِيد أَن يطْعمُون﴾ الذاريات ٥٦ ٥٧ وكما نفى سُبْحَانَهُ الظُّلم عَن نَفسه وَهُوَ عنْدكُمْ محَال فِي حق الرب وَلَيْسَ بممكن وَقد تقدم معنى ذَلِك فِي قَول النَّاظِم وَالظُّلم عِنْدهم الْمحَال لذاته الخ بِمَا يُغني عَن الاعادة
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... وَيُقَال أَيْضا ثَانِيًا لَو صَحَّ هَذَا ... الشَّرْط كَانَ لما هما ضدان
لَا فِي النقيضين اللَّذين كِلَاهُمَا ... لَا يثبتان وَلَيْسَ يرتفعان ...
يتَوَقَّف فهم كَلَام النَّاظِم على معرفَة النقيضين والضدين فالنقيضان هما اللَّذَان لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يرتفعان كالحركة والسكون والضدان هما اللَّذَان لَا يَجْتَمِعَانِ وَقد يرتفعان كالسواد وَالْبَيَاض فَمَعْنَى كَلَام النَّاظِم أَن هَذَا الشَّرْط لَو صَحَّ وَهُوَ ان النَّفْي لَا يَصح إِلَّا عَن الْقَابِل لَكَانَ ذَلِك فِي الضدين لَا فِي النقيضين
стр. 384
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... وَيُقَال أَيْضا نفيكم لقبوله ... لَهما يزِيل حَقِيقَة الامكان
بل ذَا كنفي قِيَامه بِالنَّفسِ أَو ... بِالْغَيْر فِي الفطرات والاذهان
فَإِذا الْمُعَطل قَالَ إِن قِيَامه ... بِالنَّفسِ اَوْ بِالْغَيْر ذُو بطلَان
إِذْ لَيْسَ يقبل وَاحِدًا من ذَيْنك ال ... أَمريْن إِلَّا وَهُوَ ذُو إِمْكَان
جسم يقوم بِنَفسِهِ أَيْضا كَذَا ... عرض يقوم بِغَيْرِهِ أَخَوان
فِي حكم إِمْكَان وَلَيْسَ بِوَاجِب ... مَا كَانَ فِيهِ حَقِيقَة الامكان ...
أَي اذا نفيتم قبُوله سُبْحَانَهُ لَان يكون دَاخل الْعَالم أَو خَارجه فَهَذَا كنفي قِيَامه بِالنَّفسِ اَوْ بِالْغَيْر فاذا قَالَ الْمُعَطل إِن قِيَامه بِنَفسِهِ اَوْ بِغَيْرِهِ بَاطِل فعلى هَذَا يَسْتَحِيل وجوده تَعَالَى وتقدس وَمَعْلُوم أَن الْخُلُو عَن النقيضين مُمْتَنع كَمَا أَن الْجمع بَين النقيضين مُمْتَنع لانه قد يُقَال إِن جَمِيع الممتنعات ترجع الى الْجمع بَين النقيضين
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي (الصَّوَاعِق (هَذِه الْحجَّة الْعَقْلِيَّة وَهِي الِاحْتِجَاج بِكَوْن الرب تَعَالَى قَائِما بِنَفسِهِ على كَونه مباينا للْعَالم وَذَلِكَ ملزوم بِكَوْنِهِ فَوْقه عَالِيا عَلَيْهِ بِالذَّاتِ لما كَانَت حجَّة صَحِيحَة لَا يُمكن مدافعتها وَكَانَت مِمَّا نَاظر بهَا الكرامية لأبي اسحق الاسفراييني فر أَبُو اسحاق الى كَون الرب قَائِما بِنَفسِهِ بِالْمَعْنَى الْمَعْقُول وَقَالَ لَا نسلم أَنه قَائِم بِنَفسِهِ إِلَّا بِمَعْنى أَنه غَنِي عَن الْمحل فَجعل قِيَامه بِنَفسِهِ وَصفا عدميا لَا ثبوتيا
стр. 385
وَهَذَا لَازم لسَائِر المعطلة النفاة لعلوه وَمن الْمَعْلُوم أَن كَون الشَّيْء قَائِما بِنَفسِهِ أبلغ من كَونه قَائِما بِغَيْرِهِ وَإِذا كَانَ قيام الْعرض بِغَيْرِهِ يمْتَنع ان يكون عدميا بل وجوديا فقيام الشَّيْء بِنَفسِهِ إحق ان لَا يكون أمرا عدميا بل وجوديا وَإِذا كَانَ قيام الْمَخْلُوق بِنَفسِهِ صفة كَمَال وَهُوَ مفتقر بِالذَّاتِ الى غَيره فقيام الْغَنِيّ بِذَاتِهِ بِنَفسِهِ أَحَق وَأولى انْتهى
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... فكلاكما يَنْفِي الاله حَقِيقَة ... وكلا كَمَا فِي نَفْيه سيان
مَاذَا يرد عَلَيْهِ من هُوَ مثله ... فِي النَّفْي صرفا إِذْ هما عَدْلَانِ
وَالْفرق لَيْسَ بممكن لَك بَعْدَمَا ... ضاهيت هَذَا النَّفْي فِي الْبطلَان
فوزان هَذَا النَّفْي مَا قد قلته ... حرفا بِحرف انتما صنْوَان
والخصم يزْعم أَن مَا هُوَ قَابل ... لكليهما فكقابل لمَكَان
فافرق لنا فرقا يبين مواقع ال ... إِثْبَات والتعطيل بالبرهان
أَولا فاعط الْقوس باريها وخل الفشر عَنْك وَكَثْرَة الهذيان ...
قَالَ الرضي فِي (شرح الكافية (قد يقدر نصب الْيَاء فِي السعَة أَيْضا وَذكر الْمثل فَأن (باريها (مفعول أعْط وَهُوَ سَاكن الْيَاء وَهُوَ فِي هَذَا تَابع للزمخشري فِي (الْمفصل (قَالَ الميداني فِي أَمْثَاله أَي اسْتَعِنْ على عَمَلك بِأَهْل الْمعرفَة والحذق فِيهِ وينشد
... يَا باري الْقوس بريا لست تحسنها ... لَا تفسدنها وَأعْطِ الْقوس باريها ...
قَوْله فكلاكما يَنْفِي الاله حَقِيقَة الخ أَي ان الْمُعَطل إِذا قَالَ
стр. 386
إِن قِيَامه تَعَالَى بِنَفسِهِ اَوْ بِغَيْرِهِ بَاطِل فقولكم إِنَّه تَعَالَى لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه مثله فِي الْبطلَان فكلاكما يَنْفِي الاله حَقِيقَة وكلاكما سَوَاء فِي نَفْيه وَالله أعلم
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي سِيَاق هَذَا الدَّلِيل على وَجه آخر
... وسل الْمُعَطل عَن مسَائِل خَمْسَة
تردي قَوَاعِده من الاركان ... قل للمعطل هَل تَقول إلهنا المعبود
حَقًا خَارج الاذهان ... فَإِذا نفى هَذَا فَذَاك معطل
للرب حَقًا بَالغ الكفران ... وَإِذ أقربه فسله ثَانِيًا
أتراه غير جَمِيع ذِي الاكوان ... فَإِذا نفى هَذَا وَقَالَ بِأَنَّهُ
هُوَ عينهَا مَا هَا هُنَا غيران ... فقد ارتدى بالاتحاد مُصَرحًا
بالْكفْر جَاحد ربه الرَّحْمَن ... حاشا النَّصَارَى أَن يَكُونُوا مثله
وهم الْحمير وعابدو الصلبان ... هم خصصوه بالمسيح وامه ... وأولاء مَا صانوه عَن حَيَوَان
وَإِذ أقرّ بِأَنَّهُ غير الورى ... عبد ومعبود هما شَيْئَانِ ...
стр. 387
.. فَاسْأَلْهُ هَل هَذَا الورى فِي ذَاته ... أم ذَاته فِيهِ هُنَا أَمْرَانِ
فَإِذا اقر بِوَاحِد من ذَيْنك الْأَمريْنِ قبل حَده النَّصْرَانِي ... وَيَقُول أَهلا بِالَّذِي هُوَ مثلنَا
خشداشنا وحبيبنا الحقان ... وَإِذا نفى الامرين فَاسْأَلْهُ اذا
هَل ذَاته استغنت عَن الاكوان ... فلذاك قَامَ بِنَفسِهِ أم قَامَ بَال
أَعْيَان كالاعراض والالوان ... فاذا أقرّ وَقَالَ بل هُوَ قَائِم
بِالنَّفسِ فَاسْأَلْهُ وَقل ذاتان ... بِالنَّفسِ قائمتان أَخْبرنِي هما
مثلان أَو ضدان أَو غيران ... وعَلى التقادير الثَّلَاث فَإِنَّهُ
لَوْلَا التباين لم يكن شَيْئَانِ ... ضدين أَو مثلين أَو غيرين كَا
نابل هما لَا شكّ متحدان ... فلذاك قُلْنَا إِنَّكُم بَاب لمن
بالاتحاد يَقُول بل بَابَانِ ... نقطتم لَهُم وهم خطوا على
نقط لكم كمعلم الصّبيان ...
حَاصِل هَذِه الابيات هُوَ أَن النَّاظِم يَقُول سل الْمُعَطل عَن خمس مسَائِل الاولى هَل تَقول إِن الله تَعَالَى خَارج الاذهان فان نفى ذَلِك فقد كفر حَقًا بِلَا شكّ وَالثَّانيَِة سَله إِن أقرّ بذلك عَن الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَهُوَ أَنه هَل هُوَ الاكوان اَوْ غَيرهَا فَإِنَّهُ لابد ان يَقُول هُوَ الاكوان اَوْ غَيرهَا فاذا قَالَ هُوَ عين الاكوان فقد قَالَ بالاتحاد وَهُوَ أكفر قَول واشنع مَذْهَب بل الْقَائِل بذلك أكفر من النَّصَارَى لَان النَّصَارَى خصصوه بالمسيح وَأمه وَهَؤُلَاء عمموه بِكُل مَوْجُود وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم
стр. 388
حاشا النَّصَارَى ان يَكُونُوا مثله الخ وَإِذا اقر الْمُعَطل بِأَنَّهُ غير الورى فسله ثَالِثا هَل هَذَا الورى فِي ذَاته اَوْ ذَاته فِيهِ فاذا أقرّ بِوَاحِد من هذَيْن فقد قَالَ بالحلول وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم
... فاذا اقر بِوَاحِد من ذَيْنك الامرين قبل خَدّه النَّصْرَانِي ...
وَقَوله خشداشنا هَذِه كلمة تَعْظِيم وَهِي غير عَرَبِيَّة وَإِن نفى الْمُعَطل الامرين أَي أَن نفى ان ذَاته خلت فِي الورى اَوْ حل الورى فِي ذَاته فَاسْأَلْهُ هَل ذَاته تَعَالَى استغنت عَن الاكوان وَلذَلِك قَامَ بِنَفسِهِ ام قَامَ بالاعراض وَا لالوان وَإِن أقرّ وَقَالَ بل هُوَ قَائِم بِالنَّفسِ فَاسْأَلْهُ وَقل ذاتان قامتا بِالنَّفسِ أَخْبرنِي هَل هما مثلان اَوْ ضدان اَوْ غيران الضدان هما اللَّذَان لَا يَجْتَمِعَانِ وَقد يرتفعان كالسواد وَالْبَيَاض والمثلان لَا يَجْتَمِعَانِ ويرتفعان لتساوي الْحَقِيقَة كبياض وَبَيَاض والغيران هما المختلقان وَقيل هما الموجودان اللَّذَان يُمكن أَن يُفَارق أَحدهمَا الاخر بِوَجْه والخلافان مَا قَامَ أَحدهمَا مقَام الاخر وسد مسده وَعمل عمله وَقيل هما اللَّذَان يَشْتَرِكَانِ فِي الصّفة اللَّازِمَة فهما لَا يَجْتَمِعَانِ ويرتفعان لتساوي الْحَقِيقَة كبياض وَبَيَاض كل موجودين غير متفقين فِي جَمِيع صِفَات النَّفس والغيران نَحْو مِنْهُمَا والمثلان ضد لَهما
وَقَول النَّاظِم
... وعَلى التقادير الثَّلَاث فانه
لَوْلَا التباين لم يكن شَيْئَانِ ...
أَي لَان الْمَوْجُودين إِمَّا ان يَكُونَا ضدين اَوْ مثلين اَوْ غيرين وعَلى جَمِيع هَذِه التقادير فلابد من ثُبُوت شَيْئَيْنِ ثمَّ قَالَ فَلِذَا قُلْنَا إِنَّكُم بَاب لمن يَقُول بالاتحاد بل بَابَانِ نقطتم لَهُم وهم خطوا على نقط
стр. 389
لكم أَي كَمَا أَن معلم الصَّبِيَّيْنِ اولا ينقط لَهُم حُرُوف الهجاء ثمَّ يَكْتُبهَا فَكَذَلِك انتم وَمن يَقُول بالاتحاد وَالله أعلم
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي الاشارة الى الطّرق النقلية الدَّالَّة على أَن الله سُبْحَانَهُ فَوق سمواته على عَرْشه
... وَلَقَد اتى فِي عشر أَنْوَاع من الْمَنْقُول فِي فوقية الرَّحْمَن
مَعَ مثلهَا أَيْضا يزِيد بِوَاحِد ... هَا نَحن نسردها بِلَا كتمان
مِنْهَا اسْتِوَاء الرب فَوق الْعَرْش فِي ... سبع أَتَت فِي مُحكم الْقُرْآن
وَكَذَلِكَ اطردت بِلَا لَام وَلَو ... كَانَت بِمَعْنى اللَّام فِي الاذهان
لآتت بهَا فِي مَوضِع كي يحمل الْبَاقِي ... عَلَيْهَا بِالْبَيَانِ الثَّانِي
وَنَظِير ذَا إضمارهم فِي مَوضِع ... حملا على الْمَذْكُور فِي التِّبْيَان
لَا يضمرون مَعَ اطراد دون ذكر ... الْمُضمر الْمَحْذُوف دون بَيَان
بل فِي مَحل الْحَذف يكثر ذكره ... فَإِذا هم الفوه ألف لِسَان
حذفوه تَخْفِيفًا وإيجازا فَلَا ... يخفى المُرَاد بِهِ على الانسان
هَذَا وَمن عشْرين وَجها يبطل التَّفْسِير باستولى لذِي الْعرْفَان ... قد أفردت بمصنف لامام هَذَا الشَّأْن بَحر الْعَالم الْحَرَّانِي ...
стр. 390
هَذَا هُوَ الدَّلِيل الاول من أَدِلَّة علو الله سُبْحَانَهُ على عَرْشه
قَوْله فِي سبع أَتَت فِي مُحكم الْقُرْآن وَهِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الاعراف ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ الاعراف ٥٤ وَفِي سُورَة يُونُس ﴿إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ يُونُس ٣ وَفِي سُورَة الرَّعْد ﴿الله الَّذِي رفع السَّمَاوَات بِغَيْر عمد ترونها ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ الرَّعْد ٢ وَفِي سُورَة الْفرْقَان ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش الرَّحْمَن﴾ الْفرْقَان ٥٩ وَفِي طه ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ وَفِي سُورَة السَّجْدَة ﴿الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ السَّجْدَة ٤ وَفِي سُورَة الْحَدِيد ﴿هُوَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يعلم مَا يلج فِي الأَرْض وَمَا يخرج مِنْهَا﴾ الْحَدِيد ٤ الْآيَة
قَوْله وَكَذَلِكَ اطردت بِلَا لَام الخ أَي أَن لَفْظَة اسْتَوَى اطردت بِلَا لَام أَي بِلَا لَام اسْتَوَى فَلَو كَانَت بِمَعْنى اللَّام لاتمت بِاللَّامِ فِي بعض الْمَوَاضِع كي يحمل الْبَاقِي عَلَيْهَا كَمَا انهم يضمرون فِي مَوضِع ليحمل الْبَاقِي عَلَيْهِ فِي مَوَاضِع أخر وَالله اعْلَم
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي (الصَّوَاعِق الْمُرْسلَة (فِي إبِْطَال تَفْسِير الاسْتوَاء بِالِاسْتِيلَاءِ الْوَجْه الرَّابِع أَن هَذَا اللَّفْظ قد اطرد فِي الْقُرْآن وَالسّنة حَيْثُ ورد لفظ الاسْتوَاء دون الِاسْتِيلَاء وَلَو كَانَ مَعْنَاهُ استولى لَكَانَ اسْتِعْمَاله فِي اكثر موارده كَذَلِك فاذا جَاءَ مَوضِع اَوْ موضعان بِلَفْظ اسْتَوَى حمل على معنى استولى لانه المألوف الْمَعْهُود وَأما أَن ياتي إِلَى لفظ قد اطرد اسْتِعْمَاله فِي جَمِيع موارده على معنى وَاحِد فيدعى صرفه فِي الْجَمِيع الى معنى لم يعْهَد اسْتِعْمَاله فِيهِ فَفِي غَايَة الْفساد هَذَا وَلم يكن
следующие страницы →