Полный текст (1 130 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
إِن قِيَامه تَعَالَى بِنَفسِهِ اَوْ بِغَيْرِهِ بَاطِل فقولكم إِنَّه تَعَالَى لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه مثله فِي الْبطلَان فكلاكما يَنْفِي الاله حَقِيقَة وكلاكما سَوَاء فِي نَفْيه وَالله أعلم
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي سِيَاق هَذَا الدَّلِيل على وَجه آخر
... وسل الْمُعَطل عَن مسَائِل خَمْسَة
تردي قَوَاعِده من الاركان ... قل للمعطل هَل تَقول إلهنا المعبود
حَقًا خَارج الاذهان ... فَإِذا نفى هَذَا فَذَاك معطل
للرب حَقًا بَالغ الكفران ... وَإِذ أقربه فسله ثَانِيًا
أتراه غير جَمِيع ذِي الاكوان ... فَإِذا نفى هَذَا وَقَالَ بِأَنَّهُ
هُوَ عينهَا مَا هَا هُنَا غيران ... فقد ارتدى بالاتحاد مُصَرحًا
بالْكفْر جَاحد ربه الرَّحْمَن ... حاشا النَّصَارَى أَن يَكُونُوا مثله
وهم الْحمير وعابدو الصلبان ... هم خصصوه بالمسيح وامه ... وأولاء مَا صانوه عَن حَيَوَان
وَإِذ أقرّ بِأَنَّهُ غير الورى ... عبد ومعبود هما شَيْئَانِ ...
стр. 387
.. فَاسْأَلْهُ هَل هَذَا الورى فِي ذَاته ... أم ذَاته فِيهِ هُنَا أَمْرَانِ
فَإِذا اقر بِوَاحِد من ذَيْنك الْأَمريْنِ قبل حَده النَّصْرَانِي ... وَيَقُول أَهلا بِالَّذِي هُوَ مثلنَا
خشداشنا وحبيبنا الحقان ... وَإِذا نفى الامرين فَاسْأَلْهُ اذا
هَل ذَاته استغنت عَن الاكوان ... فلذاك قَامَ بِنَفسِهِ أم قَامَ بَال
أَعْيَان كالاعراض والالوان ... فاذا أقرّ وَقَالَ بل هُوَ قَائِم
بِالنَّفسِ فَاسْأَلْهُ وَقل ذاتان ... بِالنَّفسِ قائمتان أَخْبرنِي هما
مثلان أَو ضدان أَو غيران ... وعَلى التقادير الثَّلَاث فَإِنَّهُ
لَوْلَا التباين لم يكن شَيْئَانِ ... ضدين أَو مثلين أَو غيرين كَا
نابل هما لَا شكّ متحدان ... فلذاك قُلْنَا إِنَّكُم بَاب لمن
بالاتحاد يَقُول بل بَابَانِ ... نقطتم لَهُم وهم خطوا على
نقط لكم كمعلم الصّبيان ...
حَاصِل هَذِه الابيات هُوَ أَن النَّاظِم يَقُول سل الْمُعَطل عَن خمس مسَائِل الاولى هَل تَقول إِن الله تَعَالَى خَارج الاذهان فان نفى ذَلِك فقد كفر حَقًا بِلَا شكّ وَالثَّانيَِة سَله إِن أقرّ بذلك عَن الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَهُوَ أَنه هَل هُوَ الاكوان اَوْ غَيرهَا فَإِنَّهُ لابد ان يَقُول هُوَ الاكوان اَوْ غَيرهَا فاذا قَالَ هُوَ عين الاكوان فقد قَالَ بالاتحاد وَهُوَ أكفر قَول واشنع مَذْهَب بل الْقَائِل بذلك أكفر من النَّصَارَى لَان النَّصَارَى خصصوه بالمسيح وَأمه وَهَؤُلَاء عمموه بِكُل مَوْجُود وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم
стр. 388
حاشا النَّصَارَى ان يَكُونُوا مثله الخ وَإِذا اقر الْمُعَطل بِأَنَّهُ غير الورى فسله ثَالِثا هَل هَذَا الورى فِي ذَاته اَوْ ذَاته فِيهِ فاذا أقرّ بِوَاحِد من هذَيْن فقد قَالَ بالحلول وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم
... فاذا اقر بِوَاحِد من ذَيْنك الامرين قبل خَدّه النَّصْرَانِي ...
وَقَوله خشداشنا هَذِه كلمة تَعْظِيم وَهِي غير عَرَبِيَّة وَإِن نفى الْمُعَطل الامرين أَي أَن نفى ان ذَاته خلت فِي الورى اَوْ حل الورى فِي ذَاته فَاسْأَلْهُ هَل ذَاته تَعَالَى استغنت عَن الاكوان وَلذَلِك قَامَ بِنَفسِهِ ام قَامَ بالاعراض وَا لالوان وَإِن أقرّ وَقَالَ بل هُوَ قَائِم بِالنَّفسِ فَاسْأَلْهُ وَقل ذاتان قامتا بِالنَّفسِ أَخْبرنِي هَل هما مثلان اَوْ ضدان اَوْ غيران الضدان هما اللَّذَان لَا يَجْتَمِعَانِ وَقد يرتفعان كالسواد وَالْبَيَاض والمثلان لَا يَجْتَمِعَانِ ويرتفعان لتساوي الْحَقِيقَة كبياض وَبَيَاض والغيران هما المختلقان وَقيل هما الموجودان اللَّذَان يُمكن أَن يُفَارق أَحدهمَا الاخر بِوَجْه والخلافان مَا قَامَ أَحدهمَا مقَام الاخر وسد مسده وَعمل عمله وَقيل هما اللَّذَان يَشْتَرِكَانِ فِي الصّفة اللَّازِمَة فهما لَا يَجْتَمِعَانِ ويرتفعان لتساوي الْحَقِيقَة كبياض وَبَيَاض كل موجودين غير متفقين فِي جَمِيع صِفَات النَّفس والغيران نَحْو مِنْهُمَا والمثلان ضد لَهما
وَقَول النَّاظِم
... وعَلى التقادير الثَّلَاث فانه
لَوْلَا التباين لم يكن شَيْئَانِ ...
أَي لَان الْمَوْجُودين إِمَّا ان يَكُونَا ضدين اَوْ مثلين اَوْ غيرين وعَلى جَمِيع هَذِه التقادير فلابد من ثُبُوت شَيْئَيْنِ ثمَّ قَالَ فَلِذَا قُلْنَا إِنَّكُم بَاب لمن يَقُول بالاتحاد بل بَابَانِ نقطتم لَهُم وهم خطوا على نقط
стр. 389
لكم أَي كَمَا أَن معلم الصَّبِيَّيْنِ اولا ينقط لَهُم حُرُوف الهجاء ثمَّ يَكْتُبهَا فَكَذَلِك انتم وَمن يَقُول بالاتحاد وَالله أعلم
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي الاشارة الى الطّرق النقلية الدَّالَّة على أَن الله سُبْحَانَهُ فَوق سمواته على عَرْشه
... وَلَقَد اتى فِي عشر أَنْوَاع من الْمَنْقُول فِي فوقية الرَّحْمَن
مَعَ مثلهَا أَيْضا يزِيد بِوَاحِد ... هَا نَحن نسردها بِلَا كتمان
مِنْهَا اسْتِوَاء الرب فَوق الْعَرْش فِي ... سبع أَتَت فِي مُحكم الْقُرْآن
وَكَذَلِكَ اطردت بِلَا لَام وَلَو ... كَانَت بِمَعْنى اللَّام فِي الاذهان
لآتت بهَا فِي مَوضِع كي يحمل الْبَاقِي ... عَلَيْهَا بِالْبَيَانِ الثَّانِي
وَنَظِير ذَا إضمارهم فِي مَوضِع ... حملا على الْمَذْكُور فِي التِّبْيَان
لَا يضمرون مَعَ اطراد دون ذكر ... الْمُضمر الْمَحْذُوف دون بَيَان
بل فِي مَحل الْحَذف يكثر ذكره ... فَإِذا هم الفوه ألف لِسَان
حذفوه تَخْفِيفًا وإيجازا فَلَا ... يخفى المُرَاد بِهِ على الانسان
هَذَا وَمن عشْرين وَجها يبطل التَّفْسِير باستولى لذِي الْعرْفَان ... قد أفردت بمصنف لامام هَذَا الشَّأْن بَحر الْعَالم الْحَرَّانِي ...
стр. 390
هَذَا هُوَ الدَّلِيل الاول من أَدِلَّة علو الله سُبْحَانَهُ على عَرْشه
قَوْله فِي سبع أَتَت فِي مُحكم الْقُرْآن وَهِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الاعراف ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ الاعراف ٥٤ وَفِي سُورَة يُونُس ﴿إِن ربكُم الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ يُونُس ٣ وَفِي سُورَة الرَّعْد ﴿الله الَّذِي رفع السَّمَاوَات بِغَيْر عمد ترونها ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ الرَّعْد ٢ وَفِي سُورَة الْفرْقَان ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش الرَّحْمَن﴾ الْفرْقَان ٥٩ وَفِي طه ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ وَفِي سُورَة السَّجْدَة ﴿الله الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ السَّجْدَة ٤ وَفِي سُورَة الْحَدِيد ﴿هُوَ الَّذِي خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش يعلم مَا يلج فِي الأَرْض وَمَا يخرج مِنْهَا﴾ الْحَدِيد ٤ الْآيَة
قَوْله وَكَذَلِكَ اطردت بِلَا لَام الخ أَي أَن لَفْظَة اسْتَوَى اطردت بِلَا لَام أَي بِلَا لَام اسْتَوَى فَلَو كَانَت بِمَعْنى اللَّام لاتمت بِاللَّامِ فِي بعض الْمَوَاضِع كي يحمل الْبَاقِي عَلَيْهَا كَمَا انهم يضمرون فِي مَوضِع ليحمل الْبَاقِي عَلَيْهِ فِي مَوَاضِع أخر وَالله اعْلَم
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي (الصَّوَاعِق الْمُرْسلَة (فِي إبِْطَال تَفْسِير الاسْتوَاء بِالِاسْتِيلَاءِ الْوَجْه الرَّابِع أَن هَذَا اللَّفْظ قد اطرد فِي الْقُرْآن وَالسّنة حَيْثُ ورد لفظ الاسْتوَاء دون الِاسْتِيلَاء وَلَو كَانَ مَعْنَاهُ استولى لَكَانَ اسْتِعْمَاله فِي اكثر موارده كَذَلِك فاذا جَاءَ مَوضِع اَوْ موضعان بِلَفْظ اسْتَوَى حمل على معنى استولى لانه المألوف الْمَعْهُود وَأما أَن ياتي إِلَى لفظ قد اطرد اسْتِعْمَاله فِي جَمِيع موارده على معنى وَاحِد فيدعى صرفه فِي الْجَمِيع الى معنى لم يعْهَد اسْتِعْمَاله فِيهِ فَفِي غَايَة الْفساد هَذَا وَلم يكن
стр. 391
فِي السِّيَاق مَا يَأْبَى حمله على غير مَعْنَاهُ الَّذِي اطرد اسْتِعْمَاله فِيهِ فَكيف وَفِي السِّيَاق مَا يَأْبَى ذَلِك انْتهى
قَوْله هَذَا وَمن عشْرين وَجها يبطل التَّفْسِير باستولى الخ أَي أَن شيخ الاسلام أفرد مصنفا فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ وأبطل تَفْسِير الاسْتوَاء بِالِاسْتِيلَاءِ من عشْرين وَجها وَزَاد النَّاظِم وَجها فَصَارَت إِحْدَى وَعشْرين وَفِي (الصَّوَاعِق الْمُرْسلَة رد تَفْسِير الاسْتوَاء بِالِاسْتِيلَاءِ من أَرْبَعِينَ وَجها
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل ... هَذَا وَثَانِيها صَرِيح علوه ... وَله بِحكم صَرِيحه لفظان
لفظ الْعلي وَلَفظه الاعلى معرفَة
(أتتك هُنَا) لقصد بَيَان
إِن الْعُلُوّ لَهُ بمطلقه على التَّعْمِيم والاطلاق بالبرهان ... وَله الْعُلُوّ من الْوُجُوه جَمِيعهَا
ذاتا وقهرا مَعَ علو الشاني ... لَكِن نفاة علوه سلبوه إكما
ل الْعُلُوّ فَصَارَ ذَا نُقْصَان ... حاشاه من إفْك النفاة وسلبهم
فَلهُ الْكَمَال الْمُطلق الرباني ... وعلوه فَوق الخلقية كلهَا ... فطرت عَلَيْهِ الْخلق والثقلان معطل تبديلها ... أبدا وَذَلِكَ سنة الرَّحْمَن ...
стр. 392
.. كل إِذا مَا نابه أَمر يرى
مُتَوَجها بضرورة الانسان ... نَحْو الْعُلُوّ فَلَيْسَ يطْلب خَلفه
وأمامه أَو جَانب الانسان ... وَنِهَايَة الشُّبُهَات تشكيك وتخميش
وتغيير على الايمان ... لَا يَسْتَطِيع تعَارض الْمَعْلُوم والمعقول عِنْد بداية الاذهان
فَمن الْمحَال الْقدح فِي الْمَعْلُوم بِالشُّبُهَاتِ ... هَذَا بَين الْبطلَان
واذا الْبِدَايَة قابلتها هَذِه الشُّبُهَات ... لم تحتج الى بطلَان
شتان بَين مقَالَة أوصى بهَا ... بعض لبَعض أول للثَّانِي
ومقالة فطر الاله عباده ... حَقًا عَلَيْهَا مَا هما عَدْلَانِ ...
هَذَا هُوَ الدَّلِيل الثَّانِي من أَدِلَّة علو الله على خلقه وَحَاصِل كَلَام النَّاظِم أَن الله تَعَالَى وصف نَفسه بالعلو وأتى فِي ذَلِك لفظان أَحدهمَا لفظ الْعلي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْعلي الْعَظِيم﴾ الْبَقَرَة ٢٥٥ وَالثَّانِي لفظ الاعلى كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى﴾ الاعلى ١ وَذَلِكَ لبَيَان أَن الْعُلُوّ مُطلقًا لَهُ سُبْحَانَهُ أَي علو الذَّات وعلو الْقدر وعلو الْقَهْر وَأما النفاة فَلم يثبتوا لَهُ سُبْحَانَهُ الا علو الْقدر وعلو الْقَهْر وَنَفَوْا علو الذَّات تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ وَقد احْتج النَّاظِم عَلَيْهِم بِمَا فطر الله تَعَالَى عَلَيْهِ الخليقة مسلمها وكافرها بل هُوَ شَيْء فطر الله عَلَيْهِ الثقلَيْن وَلِهَذَا ترى الْخلق مُجْمِعِينَ على ذَلِك فترى من نابه أَمر يتَوَجَّه نَحْو الْعُلُوّ ضَرُورَة وَقد تقدم مَا أوردهُ أَبُو جَعْفَر الْهَمدَانِي على إِمَام الْحَرَمَيْنِ أبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ فِي ذَلِك
стр. 393
وَأَنه قَالَ لَهُ يَا أستاذ أخبرنَا عَن هَذِه الضروة الَّتِي نجدها فِي قُلُوبنَا مَا قَالَ قطّ عَارِف يَا الله الا وجد فِي قلبه ضَرُورَة تطلب الْعُلُوّ لَا يلْتَفت يمنة وَلَا يسرة أَرَادَ الشَّيْخ أَن إِقْرَار الْفطر بِأَن معبودها ومدعوها فَوق هُوَ أَمر ضَرُورِيّ عَقْلِي فطري وَأَنت دليلك فِي نفي الْعُلُوّ نَظَرِي والنطري لَا يُعَارض الضَّرُورِيّ وَذَلِكَ نَحْو مَا يجيبون بِهِ عَن هَذَا الْقَصْد الضَّرُورِيّ مثل قَوْلهم إِن السَّمَاء قبْلَة الدُّعَاء وَمثل معارضتهم ذَلِك بِوَضْع الساجد جَبهته على الارض وَنَحْو ذَلِك كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِك النَّاظِم بقوله وَنِهَايَة الشُّبُهَات تشكيك وتخميش
وَقَوله وَإِذا الْبِدَايَة قابلتها هَذِه الشُّبُهَات أَي أَن علو الرب سُبْحَانَهُ فَوق خلقه أَمر مَعْلُوم بالفطرة والبداهة فَلَا يُعَارض بالنظريات والشبهات فَأَما قَوْلهم إِن السَّمَاء قبْلَة الدُّعَاء فَقَوْل بَاطِل لم يقلهُ أحد من سلف الامة وَلَا أنزل الله بِهِ من سُلْطَان وَالَّذِي صَحَّ أَن قبْلَة الدُّعَاء هِيَ قبْلَة الصَّلَاة وَقد صرح الْعلمَاء بِأَنَّهُ يسْتَحبّ للداعي أَن يسْتَقْبل الْقبْلَة وَقد اسْتقْبل النَّبِي ﷺ الْكَعْبَة فِي دُعَائِهِ فِي مَوَاطِن كَثِيرَة فَمن قَالَ ان للدُّعَاء قبْلَة غير قبْلَة الصَّلَاة فقد ابتدع فِي الدّين وَخَالف جمَاعَة الْمُسلمين وَأما ثَانِيًا فَلِأَن الْقبْلَة مَا يستقبله الدَّاعِي بِوَجْهِهِ كَمَا نستقبل الْكَعْبَة فِي الصَّلَاة وَمَا حاذاه الانسان بيدَيْهِ اَوْ رَأسه مثلا لَا يُسمى قبْلَة اصلا فَلَو كَانَت السَّمَاء قبْلَة الدُّعَاء لَكَانَ الْمَشْرُوع أَن يُوَجه الدَّاعِي وَجهه اليها وَلم يثبت ذَلِك فِي شرع أصلا وَأما النَّقْض بِوَضْع الْجَبْهَة فَمَا أفْسدهُ من نقض فَإِن وَاضع الْجَبْهَة إِنَّمَا قَصده الخضوع لمن فَوْقه بالذل لَا أَن يمِيل اليه إِذْ هُوَ تَحْتَهُ بل هَذَا لَا يخْطر بقلب ساجد وَأَيْضًا فالساجد فِي نفس السُّجُود يُصَرح بِأَن ربه هُوَ الاعلى سُبْحَانَهُ
стр. 394
وَتَعَالَى قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
... هَذَا وَثَالِثهَا صَرِيح الفوق مصحوبا بِمن وبدونها نَوْعَانِ ... إِحْدَاهمَا هُوَ قَابل التَّأْوِيل وَال
اصل الْحَقِيقَة وَحدهَا بِبَيَان ... فَإِذا ادّعى تَأْوِيل ذَلِك مُدع
لم تقبل الدَّعْوَى بِلَا برهَان ... لكنما الْمَجْرُور لَيْسَ بقابل التَّأْوِيل فِي لُغَة وَعرف لِسَان
وأصخ لفائدة جليل قدرهَا ... تهديك للتحقيق والعرفان
إِن الْكَلَام إِذا أَتَى بسياقه ... يُبْدِي المُرَاد لمن لَهُ أذنان
أضحى كنص قَاطع لَا يقبل التَّأْوِيل يعرف ذَا أولو الأذهان ... فسياقه الْأَلْفَاظ مثل شَوَاهِد ال
أَحْوَال إنَّهُمَا لنا صنْوَان ... إِحْدَاهمَا للعين مشهود بهَا
لَكِن ذَاك لمسمع الْإِنْسَان ... فَإِذا أَتَى التَّأْوِيل بعد سِيَاقه
تبدي المُرَاد أَتَى على إستهجان ... وَإِذا أَتَى الكتمان بعد شَوَاهِد ال
أَحْوَال كَانَ كأقبح الكتمان ... فَتَأمل الْأَلْفَاظ وَانْظُر مَا الَّذِي
سيقت لَهُ إِن كنت ذَا عرفان ... والفوق وصف ثَابت بِالذَّاتِ من
كل الْوُجُوه لفاطر الأكوان ...
стр. 395
.. لَكِن نفاة الفوق ماوفوا بِهِ
جَحَدُوا كَمَال الفوق للديان ... بل فسروه بِأَن قدر الله أَعلَى لَا يفوق الذَّات للرحمن
قَالُوا وَهَذَا مثل قَول النَّاس فِي ... ذهب يرى من خَالص العقيان
هُوَ فَوق جنس الْفضة الْبَيْضَاء لَا ... بِالذَّاتِ بل فِي مُقْتَضى الْأَثْمَان
والفوق أَنْوَاع ثَلَاث كلهَا ... لله ثَابِتَة بِلَا نكران
هَذَا الَّذِي قَالُوا وَفَوق الْقَهْر والفوقية الْعليا على الأكوان ...
هَذَا هُوَ الدَّلِيل الثَّالِث من أَدِلَّة علو الله تَعَالَى على خلقه وَهُوَ صَرِيح الفوق مصحوبا ب (من) كَمَا فِي قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾ النَّحْل ٥٠ وأتى صَرِيح الفوق أَيْضا غير مصحوب ب (من) كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ الْأَنْعَام ١٨ ٦١ وَذكر رَحمَه الله تَعَالَى أَن الْمَجْرُور ب (من) لَا يقبل التَّأْوِيل أصلا وَأما غير الْمَجْرُور ب (من) فَإِن ادّعى مُدع تَأْوِيله لم يقبل مِنْهُ لِأَن الأَصْل الْحَقِيقَة فَلَا تقبل دَعْوَى الْمجَاز بِغَيْر دَلِيل وَلَا دَلِيل هُنَاكَ وَهَذَا فِي غَايَة الظُّهُور
قَوْله واصخ لفائدة جليل قدرهَا الخ مَضْمُون هَذِه الْفَائِدَة قد ذكره النَّاظِم فِي مَوضِع آخر فَقَالَ الْمجَاز والتأويل لَا يدْخل فِي النُّصُوص وَإِنَّمَا يدْخل فِي الظَّاهِر الْمُحْتَمل لَهُ وَكَون اللَّفْظ نصا يعرف بشيئين أَحدهمَا عدم إحتماله لغير مَعْنَاهُ وضعا وَالثَّانِي مَا اطرد اسْتِعْمَاله على طَريقَة وَاحِدَة فِي جَمِيع موارده فَإِنَّهُ نَص فِي مَعْنَاهُ لَا يقبل تَأْوِيلا وَلَا مجَازًا وَإِن قدر تطرق ذَلِك إِلَى بعض أَفْرَاده وَصَارَ بِمَنْزِلَة خبر التَّوَاتُر لَا يتَطَرَّق إحتمال الْكَذِب إِلَيْهِ وَإِن تطرق إِلَى كل وَاحِد بمفرده وَهَذِه قَاعِدَة نافعة تدل
стр. 396
على خطأ كثير من التأويلات للسمعيات الَّتِي أطْرد إستعمالها فِي ظَاهرهَا وتأويلها وَالْحَالة هَذِه غلط فَإِن التَّأْوِيل إِنَّمَا يكون لظَاهِر قد ورد شاذا مُخَالفا لغيره من السمعيات فَيحْتَاج إِلَى تَأْوِيله ليوافقها وَأما إِذا إطردت كلهَا على وتيرة وَاحِدَة صَارَت بِمَنْزِلَة النَّص وَأقوى وتأويلها مُمْتَنع انْتهى
قَوْله
... والفوق وصف ثَابت بِالذَّاتِ ... من كل الْوُجُوه لربنا الرَّحْمَن ...
أَي فوقية الذَّات وفوقية الْقدر وفوقية الْقَهْر ثَابِتَة لربنا سُبْحَانَهُ لَكِن المعطلة جَحَدُوا فوقية الذَّات وتأولوها بقَوْلهمْ إِن هَذَا مثل قَول النَّاس فِي الذَّهَب وَإنَّهُ فَوق الْفضة أَي فوقية الْقدر والأمير فَوق الْوَزير وَمَعْلُوم أَن هَذَا مِمَّا تنفر من الْعُقُول السليمة فَإِن قَول الْقَائِل إبتداء الله خير من عباده أَو خير من عَرْشه من جنس قَوْله الثَّلج بَارِد وَالنَّار حارة وَالشَّمْس أضوء من السراج وَالسَّمَاء أَعلَى من سقف الدَّار وَنَحْو ذَلِك وَلَيْسَ فِي ذَلِك أَيْضا تمجيد وَلَا تَعْظِيم لله تَعَالَى بل هُوَ من أرذل الْكَلَام فَكيف يَلِيق حمل الْكَلَام الْمجِيد عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي لَو اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
... هَذَا وَرَابِعهَا عروج الرّوح وَال ... أَمْلَاك صاعدة إِلَى الرَّحْمَن ...
стр. 397
.. وَلَقَد أَتَى فِي سورتين كِلَاهُمَا اشتملا على التَّقْدِير بالأزمان
فِي سُورَة فِيهَا المعارج قدرت ... خمسين ألفا كَامِل الحسبان
وبسجدة التَّنْزِيل ألفا قدرت ... فلأجل ذَا قَالُوا هما يَوْمَانِ
يَوْم الْمعَاد بِذِي المعارج ذكره ... وَالْيَوْم فِي تَنْزِيل فِي ذَا الْآن
وَكِلَاهُمَا عِنْدِي فَيوم وَاحِد ... وعروجهم فِيهِ إِلَى الديَّان
فالألف فِيهِ مَسَافَة لنزولهم ... وصعودهم نَحْو الرفيع الداني
هذي السَّمَاء فَإِنَّهَا قد قدرت ... خمسين فِي عشر وَذَا ضعفان
لكنما الْخَمْسُونَ الف مَسَافَة السَّبع الطباق وَبعد ذِي الأكوان ... من عرش رب الْعَالمين إِلَى الثرى
عِنْد الحضيض الْأَسْفَل التحتاني ... وَاخْتَارَ هَذَا القَوْل فِي تَفْسِيره الْبَغَوِيّ ذَاك الْعَالم الرباني
وَمُجاهد قد قَالَ هَذَا القَوْل لَكِن ابْن إِسْحَاق الْجَلِيل الشان ... قَالَ الْمسَافَة بَيْننَا وَالْعرش ذَا الْمِقْدَار فِي سير من الْإِنْسَان
وَالْقَوْل الأول قَول عِكْرِمَة وقو ... ل قَتَادَة وهما لنا علمَان
وَاخْتَارَ الْحسن الرضى وَرَوَاهُ عَن ... بَحر الْعُلُوم مُفَسّر الْقُرْآن
ويرجح القَوْل الَّذِي قد قَالَه ... سَادَاتنَا فِي فرقهم أَمْرَانِ
إِحْدَاهمَا مَا فِي الصَّحِيح الْمَانِع ... لزكانه من هَذِه الْأَعْيَان ...
стр. 398
.. يكوى بهَا يَوْم الْقِيَامَة ظَهره ... وجبينه وَكَذَلِكَ الجنبان
خَمْسُونَ ألفا قدر ذَاك الْيَوْم فِي ... هَذَا الحَدِيث وَذَاكَ ذُو تبيان
فَالظَّاهِر اليومان فِي الْوَجْهَيْنِ يو ... م وَاحِد مَا أَن هما يَوْمَانِ
قَالُوا قَالُوا وإيراد السِّيَاق يبين المضون مِنْهُ بأوضح التِّبْيَان ... فَانْظُر إِلَى الْإِضْمَار ضمن يرونه ونراه مَا تَفْسِيره بِبَيَان
فاليوم بالتفسير أولى من عذا ... ب وَاقع للقرب وَالْجِيرَان
وَيكون ذكر عروجهم فِي هَذِه الدُّنْيَا وَيَوْم قِيَامَة الْأَبدَان ... فنزولهم أَيْضا هُنَالك ثَابت
كنزولهم أَيْضا هُنَا للشان ... وعروجهم بعد القضا كعروجهم
أَيْضا هُنَا فَلهم إِذا شأنان ... وَيَزُول هَذَا السّقف يَوْم معادنا
فعروجهم للعرش والرحمن ... هَذَا وَمَا نَضِجَتْ لدي وَعلمهَا الموكول بعد لمنزل الْقُرْآن
وَأَعُوذ بالرحمن من جزم بِلَا ... علم وَهَذَا غَايَة الأمكان
وَالله أعلم بالمراد بقوله ... وَرَسُوله الْمَبْعُوث بالفرقان ...
هَذَا هُوَ الدَّلِيل الرَّابِع من أَدِلَّة علو الله تَعَالَى على خلقه وَهُوَ عروج الرّوح وَالْمَلَائِكَة إِلَيْهِ تَعَالَى
قَوْله وَلَقَد أَتَى فِي سورتين كِلَاهُمَا ألخ فَفِي سُورَة المعارج قَالَ ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة﴾ المعارج ٤
стр. 399
وَفِي سُورَة السَّجْدَة قَالَ ﴿يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض ثمَّ يعرج إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره ألف سنة مِمَّا تَعدونَ﴾ السَّجْدَة ٥ وَالْمرَاد بِالروحِ هُنَا جِبْرِيل ﵇ يعرج إِلَى الله تَعَالَى وَاخْتلف الْمُفَسِّرُونَ فِي تَفْسِير الْآيَتَيْنِ وَقد حكى النَّاظِم ذَلِك الإختلاف وَاخْتَارَ أَنَّهُمَا يَوْم وَاحِد وَأَن المُرَاد فِي آيَة السَّجْدَة من الأَرْض إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا ألف سنة مَسَافَة لصعودهم ونزولهم وَذَلِكَ ألف سنة وَأما فِي سُورَة (المعارج) فَالْمَعْنى أَن ذَلِك مَسَافَة السَّبع الطباق من الْعَرْش إِلَى الثرى أَي أَسْفَل الأَرْض السَّابِعَة وَذكر أَن الْبَغَوِيّ اخْتَار هَذَا القَوْل وَهُوَ قَول مُجَاهِد وَالْقَوْل الأول قَول عِكْرِمَة وَقَتَادَة وَالْحسن وَعبارَة الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيره قَالَ قَوْله تَعَالَى ﴿فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة﴾ من سنى الدُّنْيَا لَو صعد غير الْملك وَذَلِكَ أَنَّهَا تصعد من مُنْتَهى أَمر الله من الأَرْض السَّابِعَة إِلَى مُنْتَهى أَمر الله فَوق السَّمَاء السَّابِعَة وروى لَيْث عَن مُجَاهِد أَن مِقْدَار هَذَا خمسين ألف سنة وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق لَو سَار بَنو آدم من الدُّنْيَا الله إِلَى مَوضِع الْعَرْش سَارُوا خمسين ألف سنة وَقَالَ عِكْرِمَة وَقَتَادَة وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة وَأَرَادَ أَن موقفهم لِلْحسابِ حَتَّى يفصل بَين النَّاس خمسين ألف سنة من سني الدُّنْيَا لَيْسَ يعْنى بِهِ أَن مِقْدَار طوله هَذَا دون غَيره لِأَن يَوْم الْقِيَامَة لَهُ أول وَلَيْسَ لَهُ آخر لِأَنَّهُ يَوْم مَحْدُود ولوكان لَهُ آخر كَانَ مُنْقَطِعًا وَرُوِيَ عَن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ يَوْم الْقِيَامَة يكون على الْكَافِر مِقْدَار خمسين ألف سنة ثمَّ روى بِإِسْنَادِهِ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قيل لرَسُول الله ﷺ يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة فَمَا أطول هَذَا الْيَوْم فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّه ليخف على الْمُؤمن حَتَّى يكون أخف عَلَيْهِ من صَلَاة مَكْتُوبَة يُصليهَا فِي الدُّنْيَا (وَقيل معن
стр. 400
قَوْله وَكَذَا صعُود تصدق من طيب الخ يُشِير إِلَى حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (من تصدق بِعدْل تَمْرَة من كسب طيب وَلَا يصعد إِلَى الله إِلَّا الطّيب فَإِن الله يتقبلها بِيَمِينِهِ ثمَّ يُرَبِّيهَا لصَاحِبهَا كَمَا يُربي أحدكُم فلوه حَتَّى تكون مثل الْجَبَل (مُتَّفق عَلَيْهِ وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (الْمَلَائِكَة يتعاقبون فِيكُم مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ ويجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر ثمَّ يعرج الَّذين باتوا فِيكُم فيسألهم وَهُوَ أعلم بهم كَيفَ تركْتُم عبَادي فَيَقُولُونَ أتيناهم وهم يصلونَ وتركناهم وهم يصلونَ (مُتَّفق عَلَيْهِ
قَوْله وكذاك سعي اللَّيْل يرفعهُ الخ يُشِير إِلَى حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن الله لَا ينَام وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن ينَام يخْفض الْقسْط وَيَرْفَعهُ يرفع إِلَيْهِ عمل اللَّيْل قبل عمل النَّهَار وَعمل النَّهَار قبل عمل اللَّيْل حجابه النَّار أوالنور لَو كشفه لأحرقت سبحات وَجهه مَا إنتهى إِلَيْهِ بَصَره من خلقه (رَوَاهُ مُسلم
وكذاك مِعْرَاج الرَّسُول الخ تقدم الْكَلَام فِي الْمِعْرَاج وَقَوله وكذاك رفع الرّوح عِيسَى المرتضى يُشِير إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾ النِّسَاء ك ١٥٨ قَوْله وكذاك تصعد روح كل مُصدق الخ يُشِير إِلَى حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (إِن الْمَيِّت تحضره الْمَلَائِكَة فَإِذا كَانَ الرجل الصَّالح قَالُوا اخْرُجِي أيتها النَّفس الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب أَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى تخرج
стр. 401
ثمَّ يعرج بهَا إِلَى السَّمَاء فيستفتح لَهَا فَيُقَال من هَذَا فَيُقَال فلَان فَيُقَال مرْحَبًا بِالنَّفسِ الطّيبَة فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى ينتهى بهَا إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله تَعَالَى وَذكر الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده (وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه (وَقَالَ هُوَ على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم وَرَوَاهُ أَئِمَّة عَن ابْن أبي ذِئْب
قَوْله وَكَذَا دَعَا الْمَظْلُوم أَيْضا صاعد عَن ابْن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (اتقو دَعْوَة الْمَظْلُوم فَإِنَّهَا تصعد إِلَى الله كَأَنَّهَا شرارة (قَالَ الذَّهَبِيّ غَرِيب وَإِسْنَاده جيد وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (مَا من حافظين يرفعان إِلَى الله مَا حفظا يرى فِي أول الصَّحِيفَة خيرا وَفِي آخرهَا خيرا إِلَّا قَالَ الله لملائكته أشهدكم أَنِّي قد غفرت لعبدي مَا بَين طرفِي الصَّحِيفَة (رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالْبَزَّاز
قَوْله وَقد دنا مِنْهُ إِلَى أَن قدرت قوسان ظَاهر كَلَام النَّاظِم عود الضَّمِير إِلَى الرب وَأَنه هُوَ الَّذِي دنا فَتَدَلَّى وَهَذَا على أحد التفسيرين فِي الْآيَة وَلَكِن هَذَا خلاف مَا اخْتَارَهُ فِي غير هَذَا الْموضع فَإِنَّهُ قَالَ بعد كَلَام ذكره لِأَن جِبْرِيل هُوَ الْمَوْصُوف بِمَا ذكر من أول السُّورَة إِلَى قَوْله ﴿وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى﴾ النَّجْم ١٤ ١٣
стр. 402
هَكَذَا فسره النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح لعَائِشَة قَالَت عَائِشَة ﵂ سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن هَذِه الْآيَة فَقَالَ (ذَاك جِبْرِيل لم أره فِي صورته الَّتِي خلق عَلَيْهَا إِلَّا مرَّتَيْنِ (رَوَاهُ مُسلم قَالَ وَلَفظ الْقُرْآن لَا يدل على غير ذَلِك ثمَّ سَاق سَبْعَة أوجه دَالَّة على ذَلِك قَالَ وَأما مَا وَقع فِي البُخَارِيّ من رِوَايَة شريك عَن أنس (ودنا الْجَبَّار رب الْعِزَّة فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قاب قوسين أَو أدنى (فقد تكلم النَّاس فِيهِ وَقَالُوا إِن شَرِيكا غلط فِيهِ وَذكر فِيهِ أمورا مُنكرَة قَالَ والدنو والتدلي الَّذِي فِي حَدِيث شريك غير هَذَا وَجزم ابْن كثير بِأَن الدنو والتدلي الَّذِي فِي حَدِيث شريك غير الَّذِي فِي الْآيَة وَقَالَ أَيْضا فِي تَفْسِير الَّذِي (دنا فَتَدَلَّى) إِنَّه جِبْرِيل هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي التَّفْسِير كَمَا دلّ عَلَيْهِ كَلَام الصَّحَابَة ﵃ وَاخْتلف فِي المُرَاد من قَوْله تَعَالَى ﴿فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى﴾ أَي حدث الْوتر من الْقوس قَالَه مُجَاهِد وَقَالَ أَبُو عبيده قاب قوسين أَي دَار قوسين أَو أدنى أَو أقرب والقاب مَا بَين القبضة والسية من الْقوس قَالَ الواحدي هَذَا قَول الْجُمْهُور من الْمُفَسّرين أَن المُرَاد بِالْقَوْسِ الَّذِي يرْمى بهَا قَالَ وَهل المُرَاد بهَا الذِّرَاع لِأَنَّهُ يُقَاس بهَا الشيئ قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي (فتح الْبَارِي (وَيَنْبَغِي أَن يكون هَذَا القَوْل هُوَ الرَّاجِح فقد أخرج ابْن مَرْوُدَيْهِ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ القاب الْقدر والقوسان الذراعان وَيُؤَيِّدهُ أَنه لَو كَانَ المُرَاد بِهِ الْقوس الَّتِي يَرْمِي بهَا لم يمثل بذلك ليحتاج إِلَى التَّنْبِيه فَكَانَ يُقَال مثلا قاب رمح أَو نَحْو ذَلِك انْتهى والقاب والقيب والقاد والقيد الْمِقْدَار ذكر مَعْنَاهُ فِي الصِّحَاح انْتهى
стр. 403
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل ...
هَذَا وسادسها وسابعها النز ... ل كَذَلِك التَّنْزِيل لِلْقُرْآنِ
وَالله أخبرنَا بِأَن كِتَابه ... تَنْزِيله بِالْحَقِّ والبرهان
أَيكُون تَنْزِيلا وَلَيْسَ كَلَام من ... فَوق الْعباد أذاك ذُو إِمْكَان
أَيكُون تَنْزِيلا من الرَّحْمَن والرحمن ... لَيْسَ مباين الأكوان
وَكَذَا نزُول الرب جَلَاله ... فِي النّصْف من ليل وَذَاكَ الثَّانِي
من ذَاك يسألني فيعطي سؤله ... من ذَا يَتُوب إِلَيّ من عصيان
فَيَقُول لست بسائل غَيْرِي بأحوال ... الْعباد أَنا الْعَظِيم الشان
من ذَاك يسألني فَأغْفِر ذَنبه ... فَأَنا الْوَدُود الْوَاسِع الغفران
من ذَا يُرِيد شفاءه من سقمه ... فَأَنا الْقَرِيب مُجيب من ناداني
ذَا شَأْنه سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ ... حَتَّى يكون الْفجْر فجرا ثَانِي
يَا قوم لَيْسَ نُزُوله وعلوه ... حَقًا لديكم بل هما عدمان
كَذَاك لَيْسَ يَقُول شَيْئا عنْدكُمْ ... لَا ذَا وَلَا قولا سواهُ ثَان
كل مجَاز لَا حَقِيقَة تَحْتَهُ ... أول وزد وأنقص بِلَا برهَان ...
شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي الدَّلِيل السَّادِس وَالسَّابِع من أَدِلَّة الْعُلُوّ وهما التَّنْزِيل وَالنُّزُول قَالَ الله تَعَالَى ﴿تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْعَلِيم﴾
стр. 404
غَافِر ٢ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل نزله روح الْقُدس من رَبك بِالْحَقِّ﴾ النَّحْل ١٠٢ وَقَالَ تَعَالَى ﴿تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ فصلت ٤٢ قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي (بَدَائِع الْفَوَائِد) فِي الْكَلَام على قَوْله تَعَالَى ﴿تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْعَلِيم﴾ غَافِر ٢ إِلَى قَوْله ﴿الْمصير﴾ غَافِر ٣ افْتتح الْآيَة بقوله تَعَالَى ﴿تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْعَلِيم﴾ والتنزيل يسْتَلْزم علو الْمنزل عِنْد (من) لَا تعقل الْعَرَب من لغاتها بل وَلَا غَيرهَا من الْأُمَم إِلَّا ذَلِك وَقد أخبر أَن تَنْزِيل الْكتاب مِنْهُ فَهَذَا يدل على شَيْئَيْنِ أَحدهمَا علوه ﵎ على خلقه وَالثَّانِي أَنه هُوَ الْمُتَكَلّم بِالْكتاب الْمنزل لَا غَيره فَإِنَّهُ أخبر أَنه مِنْهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون مِنْهُ قولا كَمَا أَنه مِنْهُ تَنْزِيلا فَإِن غَيره لَو كَانَ هُوَ الْمُتَكَلّم بِهِ لَكَانَ الْكتاب من ذَلِك الْغَيْر فَإِن الْكَلَام إِنَّمَا يُضَاف إِلَى الْمُتَكَلّم بِهِ وَمثل هَذَا ﴿وَلَكِن حق القَوْل مني﴾ السَّجْدَة ١٣ وَمثله ﴿نزله روح الْقُدس من رَبك بِالْحَقِّ﴾ النَّحْل ١٠٢ وَمثله ﴿تَنْزِيل من حَكِيم حميد﴾ فصلت ٤٢ فَاسْتَمْسك بِحرف (من) فِي هَذِه الْمَوَاضِع فَإِنَّهُ يقطع شغب الْمُعْتَزلَة والجهمية وَتَأمل كَيفَ قَالَ تَنْزِيل مِنْهُ وَلم يقل تَنْزِيله فتضمنت الْآيَة إِثْبَات علوه وَكَلَامه وَثُبُوت الرسَالَة انْتهى الْمَقْصُود مِنْهُ
وَقَوله وَكَذَا نزُول الرب الخ يُشِير إِلَى حَدِيث النُّزُول وَهُوَ متواتر عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (ينزل رَبنَا ﵎ كل لَيْلَة حِين يبْقى ثلث اللَّيْل فَيَقُول من يدعوني فأستجيب لَهُ من يسألني فَأعْطِيه من يستغفرني فَأغْفِر لَهُ (أخرجه أَصْحَاب الصِّحَاح كالبخاري وَمُسلم وَأخرجه غَيرهمَا قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ وَقد ألفت أَحَادِيث النُّزُول فِي جُزْء وَذَلِكَ متواتر أقطع بِهِ قَالَ الْحَافِظ أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي (شرح الْمُوَطَّأ (لما تكلم على حَدِيث النُّزُول قَالَ هَذَا حَدِيث ثَابت من جِهَة النَّقْل صَحِيح
стр. 405
الْإِسْنَاد لَا يخْتَلف أهل الحَدِيث فِي صِحَّته وَهُوَ مَنْقُول من طرق سوى هَذِه من أَخْبَار الْعُدُول عَن النَّبِي ﷺ وَفِيه دَلِيل على أَن الله فِي السَّمَاء على الْعَرْش من فَوق سبع سموات كَمَا قَالَه الْجَمَاعَة وَهُوَ من حجتهم على الْمُعْتَزلَة فِي قَوْلهم إِن الله تَعَالَى فِي كل مَكَان بِذَاتِهِ المقدسة قَالَ وَالدَّلِيل على صِحَة قَول أهل الْحق قَول الله تَعَالَى وَذكر بعض الْآيَات إِلَى أَن قَالَ وَهَذَا أشهر وَأعرف عِنْد الْعَامَّة والخاصة من أَن يحْتَاج إِلَى أَكثر من حكايته لِأَنَّهُ إضطرار لم يخالفهم عَلَيْهِ أحد وَلَا انكره عَلَيْهِم مُسلم وَقَول النَّاظِم فَيَقُول لست بسائل غَيْرِي الخ يُشِير إِلَى الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَغَيرهمَا بِسَنَد صَحِيح انه تَعَالَى يَقُول لَا يسْأَل عَن عبَادي غَيْرِي
وَقَوله يَا قوم لَيْسَ نُزُوله وعلوه حَقًا لديكم بل هما عدمان يَعْنِي أَن النُّزُول والعلو عِنْدهم باطلين فَلهَذَا حرفوا نُصُوص الْفَوْقِيَّة وَالنُّزُول كَمَا روى بَعضهم حَدِيث النُّزُول (ينزل) بِالضَّمِّ وَهَذَا كَمَا قَرَأَ بَعضهم ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ النِّسَاء ١٦٤ وَنَحْو ذَلِك من تحريفهم اللَّفْظ وَالْمعْنَى وَبَعْضهمْ يُفَسر النُّزُول بنزول الرَّحْمَة أَو نزُول ملك أَو غير ذَلِك فَيُقَال لَهُ الرَّحْمَة الَّتِي تثبتها إِمَّا أَن تكون عينا قَائِمَة بِنَفسِهَا وَإِمَّا أَن تكون صفة قَائِمَة بغَيْرهَا فَإِن كَانَت عينا وَقد نزلت إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا لم يُمكن أَن تَقول (من يدعوني فأستجيب لَهُ كَمَا لَا يُمكن الْملك أَن تَقول ذَلِك وَأَن كَانَت صفة من الصِّفَات فَهِيَ لَا تقوم بِنَفسِهَا بل لَا بُد لَهَا من مَحل ثمَّ لايمكن الصّفة أَن تَقول هَذَا الْكَلَام أَو محلهَا ثمَّ إِذا نزلت الرَّحْمَة إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا وَلم تنزل إِلَيْنَا فَأَي مَنْفَعَة فِي ذَلِك
стр. 406
وَالْحَاصِل كَمَا قَالَ النَّاظِم إِن هَذِه النُّصُوص عِنْد المعطلة مجَاز لَا حَقِيقَة وَلِهَذَا قَالَ عَنْهُم أول وزد وانقص بِلَا برهَان
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
... هَذَا وثامنها بِسُورَة غَافِر ... هُوَ رفْعَة الدَّرَجَات للرحمن
درجاته مَرْفُوعَة كمعارج ... أَيْضا لَهُ وَكِلَاهُمَا رفعان
وفيعيل فِيهَا لَيْسَ معنى فَاعل ... وسياقها يأباه ذُو التِّبْيَان
لَكِنَّهَا مَرْفُوعَة درجاته ... لكَمَال رفعته على الاكوان
هَذَا هُوَ القَوْل الصَّحِيح فَلَا تحد ... عَنهُ وَخذ مَعْنَاهُ فِي الْقُرْآن
فنظيرها المبدي لنا تَفْسِيرهَا ... فِي ذِي المعارج لَيْسَ يفترقان
وَالروح والاملاك تصعد فِي معارجه ... إِلَيْهِ جلّ ذُو السُّلْطَان
ذَا رفْعَة الدَّرَجَات حَقًا مَا هما ... إِلَّا سَوَاء اَوْ هما شبهان
فَخذ الْكتاب بِبَعْضِه بَعْضًا كَذَا ... تَفْسِير أهل الْعلم لِلْقُرْآنِ
ذكر النَّاظِم الدَّلِيل الثَّامِن على الْعُلُوّ وَهُوَ رفْعَة الدَّرَجَات وَمعنى رفْعَة الدَّرَجَات أَن درجاته تَعَالَى مَرْفُوعَة لكَمَال رفعته وَلَيْسَ رفيع هُنَا بِمَعْنى رَافع كَمَا تَقوله المعطلة وَأَشَارَ الى ذَلِك بقوله وفعيل فِيهَا لَيْسَ
стр. 407
معنى فَاعل قَالَ ابْن كثير فِي (تَفْسِيره (تَحت قَوْله تَعَالَى ﴿رفيع الدَّرَجَات ذُو الْعَرْش﴾ غَافِر ١٥ الاية يَقُول تَعَالَى مخبرا عَن عَظمته وكبريائه وارتفاع عَرْشه الْعَظِيم العالي على جَمِيع مخلوقاته كالسقف لَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿من الله ذِي المعارج تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خمسين ألف سنة﴾ المعارج ٣ ٤ وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله بَيَان أَن هَذِه مَسَافَة مَا بَين الْعَرْش الى الارض السَّابِعَة فِي قَول جمَاعَة من السّلف وَالْخلف وَهُوَ الارجح إِن شَاءَ الله وَقد ذكر غير وَاحِد أَن الْعَرْش من ياقوتة حَمْرَاء اتساع مَا بَين قطريه مسيرَة خمسين ألف سنة وارتفاعه من الارض السَّابِعَة مسيرَة خمسين ألف سنة وَفِي حَدِيث الاوعال مَا يدل على ارتفاعه عَن السَّمَوَات السَّبع بِشَيْء عَظِيم انْتهى
قَوْله فنظيرها المبدي لنا تَفْسِيرهَا الْآيَة أَي أَن هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة تَفْسِير آيَة سُورَة هِيَ غَافِر وَقَوله تَعَالَى ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ﴾ المعارج ٤ فَالْمَعْنى أَن الرّوح والاملاك تصعد فِي معارجه اليه تَعَالَى
قَوْله فَخذ الْكتاب بِبَعْضِه أَي فسر بعض الْقُرْآن بِبَعْض كَمَا هُوَ سَبِيل أهل الْعلم والايمان جعلنَا الله مِنْهُم
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
... هَذَا وتاسعها النُّصُوص بِأَنَّهُ
فَوق السَّمَاء وَذَا بِلَا حسبان ... فَاسْتَحْضر الوحيين وَانْظُر ذَاك تَلقاهُ مُبينًا وَاضح التِّبْيَان ...
стр. 408
.. ولسوف نذْكر بعض ذَلِك عَن قريب كي تقوم شَوَاهِد الايمان ... واذا أتتك فَلَا تكن مستوحشا
مِنْهَا وَلَا تَكُ عِنْدهَا بجبان ... لَيست تدل على انحصار إلهنا
عقلا وَلَا عرفا وَلَا بِلِسَان ... إِذْ أجمع السّلف الْكِرَام بِأَن مَعْنَاهَا كمعنى فَوق بالبرهان
اَوْ ان لفظ سمائه يعْنى بِهِ ... نفس الْعُلُوّ الْمُطلق الحقان
والرب فِيهِ وَلَيْسَ يحصره من ... الْمَخْلُوق شَيْء ذُو السُّلْطَان
كل الْجِهَات بأسرها عدمية ... من حَقه هُوَ فَوْقهَا بِبَيَان
قد بَان عَنْهَا كلهَا فَهُوَ الْمُحِيط ... وَلَا يحاط بخالق الاكوان
مَا ذَاك ينقم بعد ذُو التعطيل فِي ... وصف الْعُلُوّ لربنا الرَّحْمَن
ايرد ذُو عقل سليم قطّ ذَا ... بعد التَّصَوُّر يَا اولي الاذهان
وَالله مَا رد امْرُؤ هَذَا بِغَيْر ... الْجَهْل اَوْ بحمية الشَّيْطَان ...
هَذَا هُوَ الدَّلِيل التَّاسِع على علو الرب سُبْحَانَهُ فَوق خلقه وَهَذِه نُصُوص الْفَوْقِيَّة من الْكتاب وَالسّنة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده وَيُرْسل عَلَيْكُم حفظَة﴾ الانعام ٦١ الْآيَة
وروى الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فِي كتاب (الْعُلُوّ (عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ لآتينهم من بَين أَيْديهم﴾ قَالَ لم يَسْتَطِيع أَن يَقُول ﴿من فَوْقهم﴾ علم أَن الله تَعَالَى من فَوْقهم وَأما الاحاديث فَعَن زَيْنَب
стр. 409
بنت جحش أَنَّهَا كَانَت تَقول للنَّبِي ﷺ زوجنيك الرَّحْمَن من فَوق عَرْشه وَفِي لفظ البُخَارِيّ كَانَت تَقول إِن الله أنكحني من فَوق سبع سموات وروى البُخَارِيّ عَن انس ﵁ قَالَ جَاءَ زيد ابْن حَارِثَة يشكو فَجعل رَسُول الله ﷺ يَقُول (اتَّقِ الله الحَدِيث (وَفِيه وَكَانَت تَفْخَر على أَزوَاج النَّبِي ﷺ تَقول زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فَوق سبع سموات وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ عَن انس وَكَانَت تَفْخَر على نسَاء النَّبِي ﷺ وَكَانَت تَقول إِن الله أنكحني فِي السَّمَاء وَعَن سعد ابْن أبي وَقاص أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لسعد يعْنى ابْن معَاذ (لقد حكمت الْيَوْم فيهم يَعْنِي بني قُرَيْظَة بِحكم الْملك من فَوق سبع سموات (قَالَ الذَّهَبِيّ هذاحديث صَحِيح وَقد رَوَاهُ الاموي فِي الْمَغَازِي عَن ابْن عَبَّاس ان سعد بن معَاذ لما حكم فِي بني قُرَيْظَة قَالَ لَهُ رَسُول الله ﷺ (لقد حكمت فيهم بِحكم الْملك من فَوق سبع أَرقعَة (وَعَن جَابر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ (بَينا أهل الْجنَّة فِي نعيمهم إِذْ سَطَعَ لَهُم نور فَرفعُوا رؤوسهم فاذا الرب قد أشرف عَلَيْهِم من فَوْقهم فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الْجنَّة قَالَ وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿سَلام قولا من رب رَحِيم﴾ يس ٥٨ قَالَ فَينْظر اليهم وَيَنْظُرُونَ اليه فَلَا يلفتون إِلَى شَيْء من النَّعيم مَا داموا ينظرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يحتجب عَنْهُم وَيبقى نوره (رَوَاهُ ابْن ماجة وَعَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب قَالَ كُنَّا بالبطحاء جُلُوسًا مَعَ رَسُول الله ﷺ فمرت سَحَابَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (اتدرون مَا هَذَا قُلْنَا السَّحَاب قَالَ (والمزن (قُلْنَا والمزن قَالَ والعنان فسكتنا قَالَ (هَل تَدْرُونَ كم بَين السَّمَاء والارض (قُلْنَا الله وَرَسُوله أعلم قَالَ بَينهمَا مسيرَة خَمْسمِائَة سنة وَمن كل سَمَاء
стр. 410
الى سَمَاء مسيرَة خَمْسمِائَة وكثف كل سَمَاء مسيرَة خَمْسمِائَة سنة وَفَوق السَّمَاء السَّابِعَة بَحر بَين أَسْفَله وَأَعلاهُ كَمَا بَين السَّمَاء والارض وَالله تَعَالَى فَوق ذَلِك وَلَيْسَ يخفى عَلَيْهِ شَيْء من أَعمال بني آدم وَعَن الاحنف بن قيس عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب عَن النَّبِي ﷺ نَحوه أخرجه أَبُو دَاوُد وَأخرجه ابْن ماجة بِلَفْظ آخر وَيَرْوِيه ابراهيم بن طهْمَان وَعَمْرو بن (أبي) قيس عَن سماك وَقد حسنه التِّرْمِذِيّ وَأخرجه الْحَافِظ الضياء فِي (المختارة (وَأخرجه الذَّهَبِيّ من طَرِيق آخر وَفِيه ثمَّ عد سبع سموات كَذَلِك ثمَّ فَوق ذَلِك بَحر بَين أَعْلَاهُ واسفله كَمَا بَين سَمَاء الى سَمَاء وَفَوق ذَلِك ثَمَانِيَة أوعال بَين إظلافهن وركبهن مَا بَين سَمَاء الى سَمَاء وَالْعرش فَوق ذَلِك وَالله فَوق الْعَرْش اخرجه الْحَافِظ ابو عبد الله ابْن مندة فِي كتاب (التَّوْحِيد (قَالَ الذَّهَبِيّ قَرَأَ على عمر بن عبد الْمُنعم ب (عربيل) وَأَنا أسمع عَن ابي الْقَاسِم الحرستاني عَن ابي عبد الله الغراوي قَالَ أنبا أَبُو بكر بن الْحُسَيْن الْبَيْهَقِيّ فِي كتاب (الاسماء وَالصِّفَات (لَهُ قَالَ وأنبأنا أَبُو عبد الله الْحَافِظ وَأَبُو سعيد ابْن أبي عمر وَقَالا ثَنَا مُحَمَّد ثَنَا هَارُون بن سُلَيْمَان ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَاصِم عَن زر عَن عبد الله قَالَ بَين السَّمَاء وَالَّتِي تَلِيهَا خَمْسمِائَة عَام وَبَين كل سماءين خَمْسمِائَة عَام وَبَين السَّابِعَة والكرسي خَمْسمِائَة عَام وَبَين الْكُرْسِيّ وَالْمَاء خَمْسمِائَة عَام والكرسي فَوق المَاء وَالله فَوق الْكُرْسِيّ وَيعلم مَا انتم عَلَيْهِ رَوَاهُ بِنَحْوِهِ المَسْعُودِيّ عَن عَاصِم بن بَهْدَلَة عَن أبي وَائِل بدل (زر) عَن عبد الله وَلَفظه وَالله فَوق ذَلِك
стр. 411
لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من أَعمالكُم وَله طرق انْتهى كَلَامه
قَوْله ولسوف نذْكر بعض ذَلِك عَن قريب الخ يُشِير الى قَوْله تَعَالَى ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ الْملك ١٦ والْحَدِيث الَّذِي فِيهِ (حَتَّى ينتهى بهَا الى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله (وَنَحْو ذَلِك وَذكر رَحمَه الله تَعَالَى أَن هَذِه النُّصُوص لَا تدل على انحصار إلهنا تَعَالَى وتقدس لَا عقلا وَلَا عرفا إِذْ أجمع السّلف على أَن مَعْنَاهَا كمعنى فَوق وَأَن لفظ السَّمَاء يَعْنِي بِهِ نفس الْعُلُوّ الْمُطلق وَسَيَأْتِي بسظ الْكَلَام فِي ذَلِك وَالله اعْلَم
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
... هَذَا وعاشرها اخْتِصَاص الْبَعْض من ... أملاكه بالعند للرحمن
وَكَذَا اخْتِصَاص كتاب رَحمته بعند ... الله فَوق الْعَرْش ذُو تبيان
لَو لم يكن سُبْحَانَهُ فَوق الورى ... كَانُوا جَمِيعًا عِنْد ذِي السُّلْطَان
وَيكون عِنْد الله ابليس وَجِبْرِيل هما فِي العند مستويان ...
هَذَا هُوَ الدَّلِيل الْعَاشِر من أَدِلَّة علو الرب تَعَالَى فَوق خلقه وَهُوَ اخْتِصَاص بعض الْمَخْلُوقَات بالعندية لَهُ سُبْحَانَهُ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الَّذين عِنْد رَبك لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَته﴾ الاعراف ٢٠٦ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَله من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمن عِنْده﴾ الانبياء ٢٩ الْآيَة وَعَن ابي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَنهُ وَسلم (لما قضى الله الْخلق كتب فِي كتاب فَهُوَ عِنْده
стр. 412
فَوق الْعَرْش إِن رَحْمَتي سبقت غَضَبي (وَفِي لفظ عَن ابي هُرَيْرَة سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (ان الله كتب كتابا قبل أَن يخلق الْخلق إِن رَحْمَتي سبقت غَضَبي فَهُوَ عِنْده فَوق الْعَرْش (وَفِي لفظ عَن ابي هُرَيْرَة (لما خلق الله الْخلق كتب فِي كتاب كتبه على نَفسه فَهُوَ مَرْفُوع فَوق الْعَرْش ان رَحْمَتي تغلب غَضَبي (وَفِي لفظ عَن ابي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (لما خلق الله الْخلق كتب بِيَدِهِ على نَفسه ان رَحْمَتي تغلب غَضَبي (فَلَو لم يكن الله جلّ وَعلا فَوق عَرْشه لما كَانَ لتخصيص بعض الْمَلَائِكَة بالعند معنى ولكان إِبْلِيس وَجِبْرِيل فِي العندية سَوَاء نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... وَتَمام ذَاك القَوْل ان محبَّة الرَّحْمَن غير ارادة الاكوان ... وكلامها محبوبه وَمرَاده ... وكلامها هُوَ عِنْده سيان
ان قُلْتُمْ عندية التكوين فالذاتان عِنْد الله مخلوقان ... أَو قُلْتُمْ عندية التَّقْرِيب تقريب الحبيب وَمَا هما عَدْلَانِ
فالحب عنْدكُمْ الْمَشِيئَة نَفسهَا ... وَكِلَاهُمَا فِي حكمهَا مثلان
لَكِن منازعكم يَقُول بِأَنَّهَا ... عندية حَقًا بِلَا روغان
جمعت لَهُ حب الاله وقربه ... من ذَاته وكرامة الْإِحْسَان
وَالْحب وصف وَهُوَ غير مَشِيئَة ... والعند قرب ظَاهر التِّبْيَان ...
стр. 413
حَاصِل هَذِه الابيات أَن محبَّة الله تَعَالَى عنْدكُمْ عين إِرَادَته فَلَا يظْهر وَجه اخْتِصَاص العند بِالْمَلَائِكَةِ لأنكم إِن قُلْتُمْ إِن المُرَاد بالعندية التكوين فإبليس وَجِبْرِيل كِلَاهُمَا عِنْد الله مخلوقان مكونان فَلَا يبْقى لتخصيص بالعندية معنى وان قُلْتُمْ إِن المُرَاد بالعندية عندية الْمحبَّة فَهُوَ أَيْضا لَا يَصح بِنَاء على قَوْلكُم لِأَن الْمحبَّة عنْدكُمْ هِيَ الْمَشِيئَة نَفسهَا وَجِبْرِيل وإبليس فِي نفس الْمَشِيئَة متساويان
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
... هَذَا وحادي عشرهن اشارة ... نَحْو الْعُلُوّ بأصبع وبنان
لله ﷻ لَا غَيره ... إِذْ ذَاك اشراك من الانسان
وَلَقَد أَشَارَ رَسُوله فِي مجمع الْحَج الْعَظِيم بموقف الغفران ... نَحْو السَّمَاء بأصبع قد كرمت
مستشهدا للْوَاحِد الرَّحْمَن ... يَا رب فاشهد انني بلغتهم
وَيُشِير نحوهم لقصد بَيَان ... فغدا البنان مرفعا ومصوبا
صلى عَلَيْك الله ذُو الغفران ... أدّيت ثمَّ نصحت إِذْ بلغتنا
حق الْبَلَاغ الْوَاجِب الشكران ...
هَذَا هُوَ الدَّلِيل الْحَادِي عشر من أَدِلَّة علو الله تَعَالَى على خلقه وَهُوَ إِشَارَته ﷺ بِأُصْبُعِهِ نَحْو السَّمَاء وينكبها الى النَّاس وَيَقُول (اللَّهُمَّ اشْهَدْ (
стр. 414
كَمَا رَوَاهُ مُسلم فِي حَدِيث جَابر الطَّوِيل فِي خطبَته ﷺ يَوْم عَرَفَة وَفِيه (فقد تركت فِيكُم مَا لن تضلوا بعد إِن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كتاب الله وَأَنْتُم تسْأَلُون عني فَمَا أَنْتُم قَائِلُونَ (قَالُوا نشْهد أَنَّك قد بلغت وَأديت وَنَصَحْت فَقَالَ بِأُصْبُعِهِ السبابَة يرفعها الى السَّمَاء وينكبها الى النَّاس اللَّهُمَّ اشْهَدْ (ثَلَاث مَرَّات
قَوْله ينكبها يُقَال نكب أُصْبُعه أمالها الى النَّاس يُرِيد بذلك أَن يشْهد الله عَلَيْهِم قَالَه ابْن الاثير فِي غَرِيب (جَامع الاصول (
قو لَهُ ومصوبا الصوب الْمَجِيء من عل (قَامُوس (
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل ... هَذَا وَثَانِي عشرهَا وصف الظهو
ر لَهُ كَمَا قد جَاءَ فِي الْقُرْآن ... وَالظَّاهِر العالي الَّذِي مَا فَوْقه
شَيْء كَمَا قد قَالَ ذُو الْبُرْهَان ... حَقًا رَسُول الله ذَا تَفْسِيره
وَلَقَد رَوَاهُ مُسلم بِضَمَان ... فاقبله لَا تقبل سواهُ من التفا
سير الَّتِي قيلت بِلَا برهَان ... وَالشَّيْء حِين يتم مِنْهُ علوه
فظهوره فِي غَايَة التِّبْيَان ... أَو مَا ترى هذي السما وعلوها
وظهورها وَكَذَلِكَ القمران ... وَالْعَكْس أَيْضا ثَابت فسفوله
وخفاؤه اذ ذَاك مصطحبان ...
стр. 415
.. فَانْظُر الى علو الْمُحِيط وَأَخذه
صفة الظُّهُور وَذَاكَ ذُو تبيان ... وَانْظُر خَفَاء المركز الادنى وَوصف السّفل فِيهِ وَكَونه تحتاني
وظهوره سُبْحَانَهُ بِالذَّاتِ مثل علوه فهما لَهُ صفتان ... لاتجحدنهما جحود الجهم أَو
صَاف الْكَمَال تكون ذَا بهتان ... وظهوره هُوَ مُقْتَض لعلوه
وعلوه لظُهُوره بِبَيَان ... وكذاك قد دخلت هُنَاكَ الْفَاء للتسبيب مؤذنة بِهَذَا الشان
فتأملن تَفْسِير أعلم خلقه ... بصفاته من جَاءَ بِالْقُرْآنِ
إِذْ قَالَ أَنْت كَذَا فَلَيْسَ لضده ... أبدا اليك تطرق الاتيان ...
ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم (عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (اللَّهُمَّ أَنْت الاول فَلَيْسَ قبلك شَيْء وَأَنت الاخر فَلَيْسَ بعْدك شَيْء وَأَنت الظَّاهِر فَلَيْسَ فَوْقك شَيْء وَأَنت الْبَاطِن فَلَيْسَ دُونك شَيْء (وَعَن مقَاتل بن سُلَيْمَان قَالَ بلغنَا وَالله إعلم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الأول﴾ الْحَدِيد ٣ قَالَ قبل كل شَيْء وَالْآخر قَالَ بعد كل شَيْء وَالظَّاهِر قَالَ فَوق كل شَيْء وَالْبَاطِن قَالَ أقرب من كل شَيْء
قَوْله وَالشَّيْء حِين يتم مِنْهُ علوه الخ أَي ان الشَّيْء اذا كَانَ فِي غَايَة الْعُلُوّ ضوءا ظهر مَا يكون وَالْعَكْس أَيْضا ثَابت أَي كلما سفل الشَّيْء كَانَ فِي غَايَة الخفاء ثمَّ مثل لذَلِك بالمحيط والمركز فَإِن الْمُحِيط لتَمام علوه فِي غَايَة الظُّهُور والمركز لسفوله فِي غَايَة الخفاء وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم وظهوره سُبْحَانَهُ بِالذَّاتِ مثل علوه أَي أَن ظُهُوره سُبْحَانَهُ مُقْتَض لعلوه وعلوه مُقْتَض لظُهُوره
стр. 416
وَقَوله ولذاك قد دخلت هُنَاكَ الْفَاء للتسبيب الخ يَعْنِي الْفَاء الَّتِي فِي قَوْله ﷺ (وانت الظَّاهِر فَلَيْسَ فَوْقك شَيْء (يَعْنِي انها فَاء السَّبَبِيَّة وَالْمرَاد بالمحيط هُنَا الْفلك والمركز وسط الارض
قَالَ النَّاظِم
فصل ... هَذَا وثالث عشرهَا أخباره ... انا نرَاهُ بجنة الْحَيَوَان
فسل الْمُعَطل هَل يرى من تحتنا ... أم عَن شَمَائِلنَا وَعَن أَيْمَان
أم خلفنا وأمامنا سُبْحَانَهُ ... أم هَل يرى من فَوْقنَا بِبَيَان
يَا قوم مَا فِي الامر شَيْء غير ذَا ... أَو أَن رُؤْيَته بِلَا إِمْكَان
إِذْ رُؤْيَة لَا فِي مُقَابلَة من الرَّائِي ... محَال لَيْسَ فِي الامكان
وَمن ادّعى شَيْئا سوى ذَا كَانَ دَعْوَاهُ مُكَابَرَة على الاذهان ...
هَذَا هُوَ الدَّلِيل الثَّالِث عشر من أَدِلَّة علو الله على خلقه وَهُوَ رُؤْيَته تَعَالَى فِي الْجنَّة كَمَا أخبر بذلك رَسُول الله ﷺ عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (بَينا أهل الْجنَّة فِي نعيمهم اذ سَطَعَ لَهُم نور فَرفعُوا رؤوسهم فَإِذا الرب ﷻ قد أشرف عَلَيْهِم من فَوْقهم فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الْجنَّة فَذَلِك قَوْله ﴿سَلام قولا من رب رَحِيم﴾ يس ٥٨ رَوَاهُ ابْن ماجة فِي (سنَنه (وَعَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (أَتَانِي جِبْرِيل ﵇ وَفِي يَده مرْآة بَيْضَاء فِيهَا نُكْتَة سَوْدَاء فَقلت
стр. 417
مَا هَذِه يَا جِبْرِيل قَالَ هَذِه الْجُمُعَة يعرضهَا عَلَيْك رَبك لتَكون لَك عيدا ولقومك من بعْدك تكون أَنْت الاول وَتَكون الْيَهُود وَالنَّصَارَى من بعْدك فَقلت مَا لنا فِيهَا قَالَ لكم فِيهَا خيرفيها سَاعَة من دَعَا الله تَعَالَى فِيهَا بِخَير هُوَ لَهُ قسم إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه أَو لَيْسَ لَهُ يقسم إِلَّا ادخر لَهُ مَا هُوَ أعظم مِنْهُ قلت مَا هَذِه النُّكْتَة السَّوْدَاء فِيهَا قَالَ هِيَ السَّاعَة تقوم يَوْم الْجُمُعَة وَهُوَ سيد الايام عندنَا وَنحن نَدْعُوهُ يَوْم الْمَزِيد فِي الاخرة قلت وَلم تَدعُونَهُ يَوْم الْمَزِيد قَالَ إِن رَبك اتخذ فِي الْجنَّة وَاديا أفيح من مسك أَبيض فاذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة نزل ﵎ من عليين على كرسيه ثمَّ حف الْكُرْسِيّ بمنابر من نور ثمَّ جَاءَ النَّبِيُّونَ حَتَّى يجلسوا عَلَيْهَا ثمَّ حف المنابر بكراسي من ذهب ثمَّ جَاءَ الصديقون وَالشُّهَدَاء حَتَّى يجلسوا عَلَيْهَا ثمَّ جَاءَ أهل الْجنَّة حَتَّى يجلسوا على الْكَثِيب فيتجلى لَهُم رَبهم حَتَّى ينْظرُوا الى وَجهه ثمَّ يَقُول أَنا الَّذِي صدقتكم وعدي وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي وَهَذَا مَحل كَرَامَتِي ويسألونه حَتَّى تَنْتَهِي رغبتهم فَيفتح لَهُم عِنْد ذَلِك مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر إِلَى أَوَان منصرف النَّاس من يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ يصعد على كرسيه ويصعد مَعَه الصديقون وَالشُّهَدَاء وَيرجع أهل الغرف الى غرفهم درة بيضًا لَا فَصم فِيهَا وَلَا وصم أَو ياقوته حَمْرَاء اَوْ زبرجدة خضراء مِنْهَا غرفها وأبوابها مطردَة فِيهَا انهارها متدلية فِيهَا ثمارها فِيهَا أزواجها وخدمها فليسوا الى شَيْء أحْوج مِنْهُم الى يَوْم الْجُمُعَة ليزدادوا نظرا الى وَجهه فَلذَلِك دعِي يَوْم الْمَزِيد (قَالَ الذَّهَبِيّ هَذَا حَدِيث مَشْهُور وافر الطّرق اخرجه عبد الله بن احْمَد فِي كتاب السّنة لَهُ عَن عبد الاعلى بن حَمَّاد النَّرْسِي عَن عمر بن يُونُس
стр. 418
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... ولذاك قَالَ مُحَقّق مِنْكُم لأهل الاعتزال مقالى بِأَمَان ... مَا بَيْننَا خلف وَبَيْنكُم لَدَى التَّحْقِيق فِي معنى فيا إخْوَان ٥ ... شدوا بأجمعنا لنحمل حَملَة
تذر المجسم فِي أذلّ هوان ... اذ قَالَ إِن إلهنا حَقًا يرى
يَوْم الْمعَاد كَمَا يرى القمران ... وَتصير أبصار الْعباد نواظرا
حَقًا اليه رُؤْيَة بعيان ... لَا ريب أَنهم اذا قَالُوا بذا
لزم الْعُلُوّ لفاطر الاكوان ... وَيكون فَوق الْعَرْش ﷻ
فلذاك نَحن وحزبهم خصمان ... لكننا سلم وانتم اذ تساعدنا
على نفي الْعُلُوّ لربنا الرَّحْمَن ... فَعَلُوهُ عين الْمحَال وَلَيْسَ فو
ق الْعَرْش من رب وَلَا ديان ... لَا تنصبوا مَعنا الْخلاف فَمَاله
طعم فَنحْن وَأَنْتُم سلمَان ... هَذَا الَّذِي وَالله مُودع كتبهمْ
فَانْظُر ترى يَا من لَهُ عينان ...
لما ذكر النَّاظِم أَن اهل الْجنَّة يرونه وَأَن رُؤْيَته تَعَالَى لَا تكون الا من فَوق والا فرؤيته سُبْحَانَهُ محَال وَلِهَذَا قَالَ فِي هَذِه الابيات وَلِهَذَا قَالَ مُحَقّق مِنْكُم لاهل الاعتزال الخ قَوْله مِنْكُم أَي من الاشاعرة وَلم اقف على تعْيين هَذَا الْمُحَقق وَقد قَالَ شيخ الاسلام فِي كتاب (الْعقل وَالنَّقْل (وَالْمَقْصُود هُنَا أَن نفاة الرُّؤْيَة من الْجَهْمِية والمعتزلة وَغَيرهم اذا قَالُوا اثباتها يسلتزم أَن يكون الله جسما وَذَلِكَ مُنْتَفٍ
стр. 419
وَادعوا أَن الْعقل دلّ على المقدمتين احْتِيجَ حِينَئِذٍ الى بَيَان بطلَان المقدمتين أَو احداهما فاما ان يبطل نفي التلازم اَوْ نفي اللَّازِم اَوْ المقدمتان جَمِيعًا وَهنا افْتَرَقت طرق مثبتة الرُّؤْيَة فطائفة نازعت فِي الاولى كالاشعري وَأَمْثَاله وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الاشعري عَن أهل الحَدِيث واصحاب السّنة وَقَالُوا لَا نسلم أَن كل مرئي يجب أَن يكون جسما فَقَالَت النفاة لَان كل مرئي فِي جِهَة وَمَا كَانَ فِي جِهَة فَهُوَ جسم فافترقت نفاة الْجِسْم على قَوْلَيْنِ طَائِفَة قَالَت لَا نسلم أَن كل مرئي يكون فِي جِهَة فَهُوَ جسم فادعت نفاة الرُّؤْيَة أَن الْعلم الضَّرُورِيّ حَاصِل بالمقدمتين وَأَن المنازع فِيهَا مكابر وَهَذَا هُوَ الْبَحْث الْمَشْهُور بَين الْمُعْتَزلَة والاشعرية فَلهَذَا صَار الحذاق من متأخري الاشعرية على نفي الرُّؤْيَة وموافقة الْمُعْتَزلَة فاذا اطلقوها مُوَافقَة لأهل السّنة فسروها بِمَا تفسرها بِهِ الْمُعْتَزلَة وَقَالُوا النزاع بَيْننَا وَبَين الْمُعْتَزلَة لَفْظِي
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل ... هَذَا ورابع عشرهَا إِقْرَار سا
ئله بِلَفْظ الاين للرحمن ... وَلَقَد رَوَاهُ أَبُو رزين بَعْدَمَا
سَأَلَ الرَّسُول بِلَفْظِهِ بوزان ... وَرَوَاهُ تبليغا لَهُ ومقررا
لما أقربه بِلَا نكران ... هَذَا وَمَا كَانَ الْجَواب جَوَاب من لَكِن جَوَاب اللَّفْظ بالميزان ...
стр. 420
.. كلا وَلَيْسَ لمن دُخُول قطّ فِي هَذَا السِّيَاق لمن لَهُ أذنان ... دع ذَا فقد قَالَ الرَّسُول بِنَفسِهِ
أَيْن الاله لعالم بِلِسَان ... وَالله مَا قصد الْمُخَاطب غير مَعْنَاهَا
الَّذِي وضعت لَهُ الحقان ... وَالله مَا فهم الْمُخَاطب غَيره
وَاللَّفْظ مَوْضُوع لقصد بَيَان ... ياقوم لفظ الأين مُمْتَنع على الرَّحْمَن عنْدكُمْ وَذُو بطلَان
ويكاد قائلكم يكفرنا بِهِ ... بل قد وَهَذَا غَايَة الْعدوان
لفظ صَرِيح جَاءَ عَن خير الورى ... قولا وإقرارا هما نَوْعَانِ
وَالله مَا كَانَ الرَّسُول بعاجز ... عَن لفظ من مَعَ أَنَّهَا حرفان
والاين أحرفها ثَلَاث وَهِي ذُو ... لبس وَمن فِي غَايَة التِّبْيَان
وَالله مَا الْملكَانِ أفْصح مِنْهُ إِذْ ... فِي الْقَبْر من رب السما يسلان
وَيَقُول أَيْن الله يَعْنِي من فَلَا ... وَالله مَا اللفظان متحدان
كلا وَلَا مَعْنَاهُمَا أَيْضا لذِي ... لُغَة وَلَا شرع وَلَا انسان
هَذَا هُوَ الدَّلِيل الرَّابِع عشر من أَدِلَّة علو الله تَعَالَى على خلقه
قَوْله وَلَقَد رَوَاهُ أَبُو رزين الخ عَن أبي رزين الْعقيلِيّ قَالَ قلت يَا رَسُول الله أَيْن كَانَ رَبنَا قبل أَن يخلق السَّمَوَات والارض قَالَ كَانَ فِي عماء مَا فَوْقه هَوَاء وَمَا تَحْتَهُ هَوَاء ثمَّ خلق الْعَرْش ثمَّ اسْتَوَى عَلَيْهِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة قَالَ الذَّهَبِيّ واسناده حسن رَوَاهُ إِسْحَاق
стр. 421
ابْن رَاهْوَيْةِ عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَن حَمَّاد وَعِنْده (ثمَّ كَانَ الْعَرْش فارتفع على عَرْشه (وروى حَرْب عَن ابْن رَاهْوَيْةِ (تَحْتَهُ هَوَاء وفوقه هَوَاء (يَعْنِي السَّحَاب وَمن الاحاديث المتواترة حَدِيث مُعَاوِيَة ابْن الحكم السّلمِيّ قَالَ كَانَت لي غنم قبل اُحْدُ والجوانية وفيهَا جَارِيَة لي فاطلعت ذَات يَوْم فَإِذا الذِّئْب قد ذهب مِنْهَا بِشَاة وَأَنا رجل من بني آدم فأسفت فصككتها فَأتيت النَّبِي ﷺ فَذكرت ذَلِك لَهُ فَعظم ذَلِك عَليّ فَقلت يَا رَسُول الله أَفلا أعْتقهَا قَالَ ادعها فدعوتها قَالَ فَقَالَ لَهَا (أَيْن الله (قَالَت فِي السَّمَاء قَالَ (من أَنا (قَالَت أَنْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْك وَسلم قَالَ (اعتقها فَإِنَّهَا مُؤمنَة (هَذَا حَدِيث صَحِيح رَوَاهُ جمَاعَة من الثِّقَات عَن يحيى ابْن أبي كثير عَن هِلَال ابْن أبي مَيْمُونَة عَن عَطاء بن يسَار عَن مُعَاوِيَة بن الحكم السّلمِيّ أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَغير وَاحِد من الائمة قَالَ الذَّهَبِيّ أخبرنَا أَحْمد بن ابراهيم الْخَطِيب وَمُحَمّد بن أَحْمد الْعقيلِيّ وَمُحَمّد بن المظفر قَالُوا أَنبأَنَا السخاوي أَنبأَنَا السلَفِي أَنبأَنَا الْخَلِيل بن عبد الْجَبَّار بقزوين أَنا عَليّ بن الْحُسَيْن بن جَابر أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عَليّ النقاش ثَنَا الْقَاسِم بن اللَّيْث ثَنَا الْمعَافى بن سُلَيْمَان ثَنَا فليح بن سُلَيْمَان عَن هِلَال بن عَليّ بن يسَار عَن مُعَاوِيَة بن الحكم السّلمِيّ قَالَ كَانَت لي غنم ترعى بالعذيب فَكنت أتعهدها وفيهَا جَارِيَة لي سَوْدَاء فجئتها يَوْمًا ففقدت شَاة من خِيَار الْغنم فَقلت أَيْن الْفُلَانِيَّة قَالَت أكلهَا الذِّئْب فأسفت وَأَنا من بني آدم فَضربت وَجههَا ثمَّ نَدِمت على مَا صنعت فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ أضربت وَجههَا وَعظم ذَلِك تَعْظِيمًا شَدِيدا فَقلت يَا رَسُول الله إِن من تَوْبَتِي أَن أعْتقهَا قَالَ فائتني بهَا قبل أَن تعتقها فَجِئْته
стр. 422
بهَا فَقَالَ لَهَا (من رَبك (قَالَت الله قَالَ (وَأَيْنَ هُوَ (قَالَت فِي السَّمَاء قَالَ (فَمن أَنا (قَالَت أَنْت رَسُول الله قَالَ (اعتقها فانها مُؤمنَة (هَذَا حَدِيث صَحِيح قَالَ الذَّهَبِيّ وَهَكَذَا رَأينَا كل من يسْأَل أَيْن الله يُبَادر وَيَقُول فِي السَّمَاء فَفِي الْخَبَر مَسْأَلَتَانِ أحداهما شَرْعِيَّة قَول الْمُسلم أَيْن الله وَثَانِيهمَا قَول المسؤول فِي السَّمَاء فَمن أنكر هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ فَإِنَّمَا يُنكر على الْمُصْطَفى ﷺ انْتهى وَقَول النَّاظِم هَذَا وَمَا كَانَ الْجَواب جَوَاب من الخ أَي لِأَن النفاة اولوا قَول النَّبِي ﷺ (ايْنَ الله (بِمَعْنى من الله قَالَ شيخ الاسلام (فِي الْعقل وَالنَّقْل (بعد كَلَام سبق وَهَذَا مِمَّا يبين أَن سُؤال السَّائِل أَيْن كَانَ رَبنَا فِي حَدِيث ابْن رزين لم يكن هَذَا السُّؤَال فَاسِدا عِنْده ﷺ كسؤال السَّائِل من خلق الله فَإِنَّهُ لم ينْه السَّائِل عَن ذَلِك وَلَا أمره بالإستعاذه بل النَّبِي ﷺ سَأَلَ بذلك لغير وَاحِد فَقَالَ لَهُ أَيْن الله وَهُوَ منزه أَن يسْأَل سؤالا فَاسِدا وَسمع الْجَواب عَن ذَلِك وَهُوَ منزه عَن أَن يقر على جَوَاب فَاسد لما سُئِلَ عَن ذَلِك أجَاب فَكَانَ سَائِلًا بِهِ تَارَة ومجيبا عَنهُ أُخْرَى وَلَو كَانَ الْمَقْصُود مُجَرّد التَّمْيِيز بَين الرب والصنم مَعَ علم الرَّسُول ان السُّؤَال وَالْجَوَاب فاسدان كَانَ فِي الاسئلة الصَّحِيحَة مَا يُغني غير الرَّسُول ﷺ عَن الاسئلة الْفَاسِدَة فَكيف يكون الرَّسُول ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ يُمكن أَن يَقُول من رَبك من تعبدين كَمَا قَالَ لحصين الْخُزَاعِيّ يَا حُصَيْن كم تعبد الْيَوْم إِلَهًا قَالَ أعبد سَبْعَة آلِهَة سِتَّة فِي الارض وواحدا فِي السَّمَاء قَالَ فَمن الَّذِي تعد لرغبتك ورهبتك (قَالَ الَّذِي فِي السَّمَاء فَقَالَ (أسلم حَتَّى إعلمك كلمة ينفعك الله بهَا (فَلَمَّا أسلم سَأَلَهُ عَن الدعْوَة فَقَالَ (قل اللَّهُمَّ ألهمني رشدي وقني شَرّ نَفسِي رَوَاهُ أَحْمد فِي (الْمسند (و (رَوَاهُ) غير أَحْمد انْتهى
قَوْله يَا قوم لفظ الاين مُمْتَنع على الرَّحْمَن الخ أَي أَنه لَا يجوز عِنْدهم أَن
стр. 423
يُقَال أَيْن الله ويكاد قائلكم يكفرنا بِهِ بل قد أَي يُقَارب قائلكم أَن يكفرنا بِهِ بل قد أَي كفرنا بِهِ وَهَذَا على طَرِيق الإكتفاء وَقد عرفه عُلَمَاء البديع بِأَنَّهُ هُوَ أَن يَأْتِي الشَّاعِر بِبَيْت من الشّعْر وقافيته مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف فَلم يفْتَقر إِلَى ذكر الْمَحْذُوف لدلَالَة بَاقِي لفظ الْبَيْت عَلَيْهِ ويكتفى بِمَا هُوَ مَعْلُوم فِي الذِّهْن كَقَوْلِه لَا أَنْتَهِي لَا أنثني لَا أرعوي مَا دمت فِي قيد الحياه وَلَا إِذا
وَقَوله وَالله مَا كَانَ الرَّسُول بعاجز عَن لفظ من أَي لَو كَانَ مُرَاده بقوله أَيْن الله السُّؤَال من الله لما كَانَ عَاجِزا عَن ذَلِك وَلَفظ (من) حرفان وَلَفظ أَيْن ثَلَاثَة أحرف
وَقَوله وَالله مَا الْملكَانِ أفْصح مِنْهُ إِذْ أَي مَا الْملكَانِ اللَّذَان يسألان الْمَيِّت فَيَقُولَانِ من رَبك وَمن نبيك وَمَا دينك بأفصح مِنْهُ أفيقول الرَّسُول ﷺ أَيْن الله يَعْنِي من الله فَلَا وَالله مَا اللفظان بِسَوَاء ولامعناهما أَيْضا بِسَوَاء لَا فِي لُغَة وَلَا شرع وَالله أعلم
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
... هَذَا وخامس عشرهَا الْإِجْمَاع من
رسل الْإِلَه الْوَاحِد المنان ... فالمرسلون جَمِيعهم مَعَ كتبهمْ
قد صَرَّحُوا بالفوق للرحمن ... وَحكى لنا إِجْمَاعهم شيخ الورى
وَالدّين عبد الْقَادِر الجيلاني ...
стр. 424
لَا ... وَأَبُو الْوَلِيد الْمَالِكِي أَيْضا حكى
إِجْمَاعهم أَعنِي ابْن رشد الثَّانِي وَكَذَا أَبُو الْعَبَّاس أَيْضا قد حكى ... إِجْمَاعهم علم الْهدى الْحَرَّانِي
وَله إِ طلاع لم يكن من قبله ... لسواه من مُتَكَلم بِلِسَان ...
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام شيخ الْإِسْلَام سيد الوعاأبو مُحَمَّد عبد الْقَادِر ابْن أبي صَالح الجيلي فِي كتاب (الغنية (لَهُ أما معرفَة الصَّانِع بِالْآيَاتِ والإختصار فَهُوَ أَن يعرف ويتيقن أَن الله وَاحِد أحد إِلَى أَن قَالَ وَهُوَ بِجِهَة الْعُلُوّ مستو على الْعَرْش يحنو على الْملك مُحِيط علمه بالأشياء إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض ثمَّ يعرج إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره ألف سنة مِمَّا تَعدونَ وَلَا يجوز وَصفه بِأَنَّهُ فِي كل مَكَان بل يُقَال إِنَّه فِي السَّمَاء على الْعَرْش كَمَا قَالَ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ وَذكر آيَات وَأَحَادِيث إِلَى أَن قَالَ وَيَنْبَغِي إِطْلَاق صفة الإستواء من غير تَأْوِيل وَإنَّهُ إستواء الذَّات على الْعَرْش قَالَ وَكَونه على الْعَرْش مَذْكُور فِي كل كتاب أنزل على كل نَبِي أرسل بِلَا كَيفَ وَذكر كلَاما طَويلا
وَقَالَ النَّاظِم فِي كِتَابه (إغاثة اللهفان (قَالَ أَبُو الْوَلِيد ابْن رشد فِي كتاب (الْكَشْف (عَن مناهج الْأَدِلَّة القَوْل فِي الْجِهَة أما هَذِه الصّفة فَلم يزل أهل الشَّرِيعَة من أول الْأَمر بثبوتها لله سُبْحَانَهُ حَتَّى نفتها الْمُعْتَزلَة ثمَّ تَبِعَهُمْ على نَفيهَا متأخرو الأشاعرة كَأبي الْمَعَالِي وَمن اقْتدى بقوله
стр. 425
عى إِلَى أَن قَالَ والشرائع كلهَا مبينَة على أَن الله فِي السَّمَاء وَأَن مِنْهَا تنزل الْمَلَائِكَة بِالْوَحْي إِلَى النَّبِيين وَأَن من السَّمَوَات أنزلت الْكتب وإليها كَانَ الْإِسْرَاء بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَمِيع الْحُكَمَاء قد اتَّفقُوا على أَن الله وَالْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء كَمَا اتّفق جَمِيع الشَّرَائِع على ذَلِك ثمَّ ذكر تَقْرِير ذَلِك بالمعقول وَبَين بطلَان الشُّبْهَة الَّتِي لأَجلهَا نفتها الْجَهْمِية وَمن وافقهم إِلَى أَن قَالَ فقد ظهر لَك من هَذَا أَن إِثْبَات الْجِهَة وَاجِب بِالشَّرْعِ وَالْعقل وَأَن إِبْطَاله إبِْطَال الشَّرَائِع كلهَا انْتهى
وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى فِي بعض أجوبته بعد كَلَام سبق مَعَ أَن أصل الإستواء على الْعَرْش ثَابت بِالْكتاب وَالسّنة وإتفاق سلف الْأمة وأئمة السّنة بل هُوَ ثَابت فِي كل كتاب أنزل على كل نَبِي أرسل فَهَذَا إِجْمَاع الرُّسُل الَّذِي نقل شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... هَذَا ونقطع نَحن أَيْضا أَنه ... إِجْمَاعهم قطعا على الْبُرْهَان
وكذاك نقطع أَنهم جاؤوا بِإِثْبَات الصِّفَات لخالق الأكوان ... وكذاك نقطع أَنهم جاؤوا بِإِثْبَات الْكَلَام لربنا الرَّحْمَن
وكذاك نقطع أَنهم جاؤوا بِإِثْبَات الْمعَاد لهَذِهِ الْأَبدَان ... وكذاك نقطع أَنهم جاؤوا بتوحيد الْإِلَه وَمَاله من ثَان
وكذاك نقطع أَنهم جاؤوا بِإِثْبَات الْقَضَاء وَمَا لَهُم قون ... فالرسل متفقون قطعا فِي أصُول الدّين دون شرائع الْإِيمَان ...
следующие страницы →