Полный текст (1 130 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
ابْن رَاهْوَيْةِ عَن عبد الصَّمد بن عبد الْوَارِث عَن حَمَّاد وَعِنْده (ثمَّ كَانَ الْعَرْش فارتفع على عَرْشه (وروى حَرْب عَن ابْن رَاهْوَيْةِ (تَحْتَهُ هَوَاء وفوقه هَوَاء (يَعْنِي السَّحَاب وَمن الاحاديث المتواترة حَدِيث مُعَاوِيَة ابْن الحكم السّلمِيّ قَالَ كَانَت لي غنم قبل اُحْدُ والجوانية وفيهَا جَارِيَة لي فاطلعت ذَات يَوْم فَإِذا الذِّئْب قد ذهب مِنْهَا بِشَاة وَأَنا رجل من بني آدم فأسفت فصككتها فَأتيت النَّبِي ﷺ فَذكرت ذَلِك لَهُ فَعظم ذَلِك عَليّ فَقلت يَا رَسُول الله أَفلا أعْتقهَا قَالَ ادعها فدعوتها قَالَ فَقَالَ لَهَا (أَيْن الله (قَالَت فِي السَّمَاء قَالَ (من أَنا (قَالَت أَنْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْك وَسلم قَالَ (اعتقها فَإِنَّهَا مُؤمنَة (هَذَا حَدِيث صَحِيح رَوَاهُ جمَاعَة من الثِّقَات عَن يحيى ابْن أبي كثير عَن هِلَال ابْن أبي مَيْمُونَة عَن عَطاء بن يسَار عَن مُعَاوِيَة بن الحكم السّلمِيّ أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَغير وَاحِد من الائمة قَالَ الذَّهَبِيّ أخبرنَا أَحْمد بن ابراهيم الْخَطِيب وَمُحَمّد بن أَحْمد الْعقيلِيّ وَمُحَمّد بن المظفر قَالُوا أَنبأَنَا السخاوي أَنبأَنَا السلَفِي أَنبأَنَا الْخَلِيل بن عبد الْجَبَّار بقزوين أَنا عَليّ بن الْحُسَيْن بن جَابر أَنبأَنَا مُحَمَّد بن عَليّ النقاش ثَنَا الْقَاسِم بن اللَّيْث ثَنَا الْمعَافى بن سُلَيْمَان ثَنَا فليح بن سُلَيْمَان عَن هِلَال بن عَليّ بن يسَار عَن مُعَاوِيَة بن الحكم السّلمِيّ قَالَ كَانَت لي غنم ترعى بالعذيب فَكنت أتعهدها وفيهَا جَارِيَة لي سَوْدَاء فجئتها يَوْمًا ففقدت شَاة من خِيَار الْغنم فَقلت أَيْن الْفُلَانِيَّة قَالَت أكلهَا الذِّئْب فأسفت وَأَنا من بني آدم فَضربت وَجههَا ثمَّ نَدِمت على مَا صنعت فَذكرت ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ أضربت وَجههَا وَعظم ذَلِك تَعْظِيمًا شَدِيدا فَقلت يَا رَسُول الله إِن من تَوْبَتِي أَن أعْتقهَا قَالَ فائتني بهَا قبل أَن تعتقها فَجِئْته
стр. 422
بهَا فَقَالَ لَهَا (من رَبك (قَالَت الله قَالَ (وَأَيْنَ هُوَ (قَالَت فِي السَّمَاء قَالَ (فَمن أَنا (قَالَت أَنْت رَسُول الله قَالَ (اعتقها فانها مُؤمنَة (هَذَا حَدِيث صَحِيح قَالَ الذَّهَبِيّ وَهَكَذَا رَأينَا كل من يسْأَل أَيْن الله يُبَادر وَيَقُول فِي السَّمَاء فَفِي الْخَبَر مَسْأَلَتَانِ أحداهما شَرْعِيَّة قَول الْمُسلم أَيْن الله وَثَانِيهمَا قَول المسؤول فِي السَّمَاء فَمن أنكر هَاتين الْمَسْأَلَتَيْنِ فَإِنَّمَا يُنكر على الْمُصْطَفى ﷺ انْتهى وَقَول النَّاظِم هَذَا وَمَا كَانَ الْجَواب جَوَاب من الخ أَي لِأَن النفاة اولوا قَول النَّبِي ﷺ (ايْنَ الله (بِمَعْنى من الله قَالَ شيخ الاسلام (فِي الْعقل وَالنَّقْل (بعد كَلَام سبق وَهَذَا مِمَّا يبين أَن سُؤال السَّائِل أَيْن كَانَ رَبنَا فِي حَدِيث ابْن رزين لم يكن هَذَا السُّؤَال فَاسِدا عِنْده ﷺ كسؤال السَّائِل من خلق الله فَإِنَّهُ لم ينْه السَّائِل عَن ذَلِك وَلَا أمره بالإستعاذه بل النَّبِي ﷺ سَأَلَ بذلك لغير وَاحِد فَقَالَ لَهُ أَيْن الله وَهُوَ منزه أَن يسْأَل سؤالا فَاسِدا وَسمع الْجَواب عَن ذَلِك وَهُوَ منزه عَن أَن يقر على جَوَاب فَاسد لما سُئِلَ عَن ذَلِك أجَاب فَكَانَ سَائِلًا بِهِ تَارَة ومجيبا عَنهُ أُخْرَى وَلَو كَانَ الْمَقْصُود مُجَرّد التَّمْيِيز بَين الرب والصنم مَعَ علم الرَّسُول ان السُّؤَال وَالْجَوَاب فاسدان كَانَ فِي الاسئلة الصَّحِيحَة مَا يُغني غير الرَّسُول ﷺ عَن الاسئلة الْفَاسِدَة فَكيف يكون الرَّسُول ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ يُمكن أَن يَقُول من رَبك من تعبدين كَمَا قَالَ لحصين الْخُزَاعِيّ يَا حُصَيْن كم تعبد الْيَوْم إِلَهًا قَالَ أعبد سَبْعَة آلِهَة سِتَّة فِي الارض وواحدا فِي السَّمَاء قَالَ فَمن الَّذِي تعد لرغبتك ورهبتك (قَالَ الَّذِي فِي السَّمَاء فَقَالَ (أسلم حَتَّى إعلمك كلمة ينفعك الله بهَا (فَلَمَّا أسلم سَأَلَهُ عَن الدعْوَة فَقَالَ (قل اللَّهُمَّ ألهمني رشدي وقني شَرّ نَفسِي رَوَاهُ أَحْمد فِي (الْمسند (و (رَوَاهُ) غير أَحْمد انْتهى
قَوْله يَا قوم لفظ الاين مُمْتَنع على الرَّحْمَن الخ أَي أَنه لَا يجوز عِنْدهم أَن
стр. 423
يُقَال أَيْن الله ويكاد قائلكم يكفرنا بِهِ بل قد أَي يُقَارب قائلكم أَن يكفرنا بِهِ بل قد أَي كفرنا بِهِ وَهَذَا على طَرِيق الإكتفاء وَقد عرفه عُلَمَاء البديع بِأَنَّهُ هُوَ أَن يَأْتِي الشَّاعِر بِبَيْت من الشّعْر وقافيته مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف فَلم يفْتَقر إِلَى ذكر الْمَحْذُوف لدلَالَة بَاقِي لفظ الْبَيْت عَلَيْهِ ويكتفى بِمَا هُوَ مَعْلُوم فِي الذِّهْن كَقَوْلِه لَا أَنْتَهِي لَا أنثني لَا أرعوي مَا دمت فِي قيد الحياه وَلَا إِذا
وَقَوله وَالله مَا كَانَ الرَّسُول بعاجز عَن لفظ من أَي لَو كَانَ مُرَاده بقوله أَيْن الله السُّؤَال من الله لما كَانَ عَاجِزا عَن ذَلِك وَلَفظ (من) حرفان وَلَفظ أَيْن ثَلَاثَة أحرف
وَقَوله وَالله مَا الْملكَانِ أفْصح مِنْهُ إِذْ أَي مَا الْملكَانِ اللَّذَان يسألان الْمَيِّت فَيَقُولَانِ من رَبك وَمن نبيك وَمَا دينك بأفصح مِنْهُ أفيقول الرَّسُول ﷺ أَيْن الله يَعْنِي من الله فَلَا وَالله مَا اللفظان بِسَوَاء ولامعناهما أَيْضا بِسَوَاء لَا فِي لُغَة وَلَا شرع وَالله أعلم
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
... هَذَا وخامس عشرهَا الْإِجْمَاع من
رسل الْإِلَه الْوَاحِد المنان ... فالمرسلون جَمِيعهم مَعَ كتبهمْ
قد صَرَّحُوا بالفوق للرحمن ... وَحكى لنا إِجْمَاعهم شيخ الورى
وَالدّين عبد الْقَادِر الجيلاني ...
стр. 424
لَا ... وَأَبُو الْوَلِيد الْمَالِكِي أَيْضا حكى
إِجْمَاعهم أَعنِي ابْن رشد الثَّانِي وَكَذَا أَبُو الْعَبَّاس أَيْضا قد حكى ... إِجْمَاعهم علم الْهدى الْحَرَّانِي
وَله إِ طلاع لم يكن من قبله ... لسواه من مُتَكَلم بِلِسَان ...
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام شيخ الْإِسْلَام سيد الوعاأبو مُحَمَّد عبد الْقَادِر ابْن أبي صَالح الجيلي فِي كتاب (الغنية (لَهُ أما معرفَة الصَّانِع بِالْآيَاتِ والإختصار فَهُوَ أَن يعرف ويتيقن أَن الله وَاحِد أحد إِلَى أَن قَالَ وَهُوَ بِجِهَة الْعُلُوّ مستو على الْعَرْش يحنو على الْملك مُحِيط علمه بالأشياء إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض ثمَّ يعرج إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره ألف سنة مِمَّا تَعدونَ وَلَا يجوز وَصفه بِأَنَّهُ فِي كل مَكَان بل يُقَال إِنَّه فِي السَّمَاء على الْعَرْش كَمَا قَالَ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ وَذكر آيَات وَأَحَادِيث إِلَى أَن قَالَ وَيَنْبَغِي إِطْلَاق صفة الإستواء من غير تَأْوِيل وَإنَّهُ إستواء الذَّات على الْعَرْش قَالَ وَكَونه على الْعَرْش مَذْكُور فِي كل كتاب أنزل على كل نَبِي أرسل بِلَا كَيفَ وَذكر كلَاما طَويلا
وَقَالَ النَّاظِم فِي كِتَابه (إغاثة اللهفان (قَالَ أَبُو الْوَلِيد ابْن رشد فِي كتاب (الْكَشْف (عَن مناهج الْأَدِلَّة القَوْل فِي الْجِهَة أما هَذِه الصّفة فَلم يزل أهل الشَّرِيعَة من أول الْأَمر بثبوتها لله سُبْحَانَهُ حَتَّى نفتها الْمُعْتَزلَة ثمَّ تَبِعَهُمْ على نَفيهَا متأخرو الأشاعرة كَأبي الْمَعَالِي وَمن اقْتدى بقوله
стр. 425
عى إِلَى أَن قَالَ والشرائع كلهَا مبينَة على أَن الله فِي السَّمَاء وَأَن مِنْهَا تنزل الْمَلَائِكَة بِالْوَحْي إِلَى النَّبِيين وَأَن من السَّمَوَات أنزلت الْكتب وإليها كَانَ الْإِسْرَاء بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَمِيع الْحُكَمَاء قد اتَّفقُوا على أَن الله وَالْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء كَمَا اتّفق جَمِيع الشَّرَائِع على ذَلِك ثمَّ ذكر تَقْرِير ذَلِك بالمعقول وَبَين بطلَان الشُّبْهَة الَّتِي لأَجلهَا نفتها الْجَهْمِية وَمن وافقهم إِلَى أَن قَالَ فقد ظهر لَك من هَذَا أَن إِثْبَات الْجِهَة وَاجِب بِالشَّرْعِ وَالْعقل وَأَن إِبْطَاله إبِْطَال الشَّرَائِع كلهَا انْتهى
وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى فِي بعض أجوبته بعد كَلَام سبق مَعَ أَن أصل الإستواء على الْعَرْش ثَابت بِالْكتاب وَالسّنة وإتفاق سلف الْأمة وأئمة السّنة بل هُوَ ثَابت فِي كل كتاب أنزل على كل نَبِي أرسل فَهَذَا إِجْمَاع الرُّسُل الَّذِي نقل شيخ الْإِسْلَام رَحمَه الله تَعَالَى
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... هَذَا ونقطع نَحن أَيْضا أَنه ... إِجْمَاعهم قطعا على الْبُرْهَان
وكذاك نقطع أَنهم جاؤوا بِإِثْبَات الصِّفَات لخالق الأكوان ... وكذاك نقطع أَنهم جاؤوا بِإِثْبَات الْكَلَام لربنا الرَّحْمَن
وكذاك نقطع أَنهم جاؤوا بِإِثْبَات الْمعَاد لهَذِهِ الْأَبدَان ... وكذاك نقطع أَنهم جاؤوا بتوحيد الْإِلَه وَمَاله من ثَان
وكذاك نقطع أَنهم جاؤوا بِإِثْبَات الْقَضَاء وَمَا لَهُم قون ... فالرسل متفقون قطعا فِي أصُول الدّين دون شرائع الْإِيمَان ...
стр. 426
كل لَهُ شرع ومنهاج وَذَا ... فِي الْأَمر لَا التَّوْحِيد فَافْهَم ذان
فالدين فِي التَّوْحِيد دين وَاحِد ... لم يخْتَلف مِنْهُم عَلَيْهِ إثنان
دين الْإِلَه اخْتَارَهُ لِعِبَادِهِ ... ولنفسه هُوَ قيم الْأَدْيَان
فَمن الْمحَال بِأَن يكون لرسله ... فِي وَصفه خبران مُخْتَلِفَانِ ...
شرع النَّاظِم ﵀ فِي ذكر أَشْيَاء مِمَّا يقطع بِأَنَّهَا دين الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وَذَلِكَ كعلو الله تَعَالَى على خلقه وَإِثْبَات صِفَاته تَعَالَى وَكَلَامه وَإِثْبَات معاد الْأَبدَان والتوحيد وَإِثْبَات الْقَضَاء وَالْقدر وَذَلِكَ مِمَّا يقطع بِهِ ضَرُورَة ثمَّ قَالَ فالرسل متفقون قطعا فِي أصُول الدّين وَذَلِكَ بِغَيْر شكّ وَأما شرائعهم فمختلفة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا﴾ الْمَائِدَة ٤٨
قَالَ ابْن كثير قَالَ ابْن ابي حَاتِم وسَاق السَّنَد إِلَى ابْن عَبَّاس ﴿لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة﴾ قَالَ سَبِيلا وسَاق أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس (منهاجا) قَالَ وَسنة وَكَذَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس (شرعة ومنهاجا) أَي سَبِيلا وَسنة وَكَذَا رُوِيَ عَن مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك والس دي وَأبي إِسْحَاق السبيعِي أَنهم قَالُوا فِي قَوْله (شرعة ومنهاجا) أَي سَبِيلا وَسنة وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا وَمُجاهد وَعَطَاء الْخُرَاسَانِي عَكسه أَي سنة وسبيلا وَالْأول أنسب فَإِن الشرعة هِيَ مَا يبتدأ فِيهِ إِلَى الشيئ وَمِنْه يُقَال شرع فِي كَذَا أَي أبتدأ فِيهِ وَكَذَا الشَّرِيعَة وَهِي مَا يشرع فِيهَا المَاء أما الْمِنْهَاج فَهُوَ الطَّرِيق الْوَاضِح السهل وَالسّنَن الطرائق فتفسير قَوْله (شَرّ
стр. 427
.. تِلْكَ الْأُصُول للإعتزال وَكم لَهَا ... فرع فَمِنْهُ الْخلق لِلْقُرْآنِ
وجحود أَوْصَاف الْإِلَه ونفيهم ... لعلوه والفوق للرحمن ... وكذاك نفيهم لرؤيتنا لَهُ
يَوْم اللِّقَاء كَمَا يرى القمران ... وَنَفَوْا قَضَاء الرب وَالْقدر الَّذِي
سبق الْكتاب بِهِ هما حتمان ... من أجل هاتيك الْأُصُول وخلدوا
أهل الْكَبَائِر فِي لظى النيرَان ... ولأجلها نفوا الشَّفَاعَة فيهم
ورموا رُوَاة حَدِيثهَا بطعان ... ولأجلها قَالُوا بِأَن الله لم
يقدر على إصْلَاح ذِي الْعِصْيَان ... ولأجلها قَالُوا بِأَن الله لم
يقدر على إِيمَان ذِي الكفران ... ولأجلها حكمُوا على الرَّحْمَن بِالشَّرْعِ الْمحَال شَرِيعَة الْبُهْتَان
ولأجلها هم يوجبون رِعَايَة للأصلح الْمَوْجُود فِي الْإِمْكَان ... حَقًا على رب الورى بعقولهم
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ذَا السبحان ...
أَي نقطع أَن الرُّسُل دعوا لأصول الْإِيمَان الْخَمْسَة وَهِي الْإِيمَان بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر
وَقَوله
... هذي أصُول الدّين حَقًا لَا الأصو ... ل الْخمس للْقَاضِي هُوَ الهمذاني ...
أَي أَن هَذِه أصُول الدّين لَا الْأُصُول الْخَمْسَة للمعتزلة وَذَلِكَ أَن أصولهم خَمْسَة يسمونها التَّوْحِيد وَالْعدْل والمنزلة بَين المنزلتين وإنفاذ الْوَعيد وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لَكِن معنى التَّوْحِيد عِنْدهم يتَضَمَّن نفي الصِّفَات وَلِهَذَا سمي ابْن التومرت أَصْحَابه الْمُوَحِّدين وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ
стр. 428
إلحاد فِي اسماء الله وآياته وَمعنى الْعدْل عِنْدهم يتَضَمَّن التَّكْذِيب بِالْقدرِ وَهُوَ خلق أَفعَال الْعباد وَإِرَادَة الكائنات أَو الْقُدْرَة على شيئ وَمِنْهُم من يُنكر تقدم الْعلم بِالْكتاب لَكِن هَذَا لَيْسَ قَول أئمتهم وَأما الْمنزلَة بَين المنزلتين فَهِيَ عِنْدهم أَن الْفَاسِق لَا يُسمى مُؤمنا بِوَجْه من الْوُجُوه كَمَا لَا يُسمى كَافِرًا فنزلوه منزلَة بَين منزلتين وإنفاذ الْوَعيد عِنْدهم مَعْنَاهُ أَن فساق الْملَّة مخلدون فِي الدَّار لَا يخرجُون مِنْهَا بشفاعة وَلَا غير ذَلِك كَمَا تَقوله الْخَوَارِج وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر يتَضَمَّن عِنْدهم جَوَاز الْخُرُوج على الْأَئِمَّة وقتالهم بِالسَّيْفِ
وَقَول النَّاظِم تِلْكَ الْأُصُول للإعتزال وَكم لَهَا فرع فَمِنْهُ الخ أَي أَن الْمُعْتَزلَة قَالُوا بِخلق الْقُرْآن وَنَفَوْا صِفَات الله تَعَالَى وعلوه على خلقه وَنَفَوْا رُؤْيَته تَعَالَى فِي الْآخِرَة وَنَفَوْا الْقَضَاء وَالْقدر والشفاعة فِي عصاة الْمُوَحِّدين وَقَالُوا بِأَن الله لَا يقدر على إصْلَاح العصاة وَلَا يقدر على إِيمَان الْكفَّار وأوجبوا على الله رِعَايَة الْأَصْلَح وَنَحْو ذَلِك
وَقَوله للْقَاضِي هُوَ الهمذاني أَي القَاضِي عبد الْجَبَّار بن احْمَد الهمذاني المعتزلي شَافِعِيّ الْفُرُوع معتزلي الْأُصُول وَهُوَ عبد الْجَبَّار بن أَحْمد بن عبد الْجَبَّار بن أَحْمد بن الْخَلِيل أَبُو الْحُسَيْن الهمذاني قَاضِي الرّيّ وأعمالها وَكَانَ شيخ الْمَذْهَب وَهُوَ مَعَ ذَلِك شيخ الإعتزال
قَالَ ابْن كثير فِي (تَارِيخه (وَمن أجل مصنفاته واعظمها كتاب (دَلَائِل النُّبُوَّة (فِي مجلدين ابان فِيهِ عَن علم وبصيرة جَيِّدَة وَقد طَال عمره ورحل النَّاس إِلَيْهِ من الأقطار واستفادوا بِهِ مَاتَ فِي ذِي الْقعدَة سنة ٤١٥ خمس عشرَة وَأَرْبَعمِائَة
стр. 429
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
... هَذَا وسادس عشرهَا إِجْمَاع أهل الْعلم أَعنِي حجَّة الْأَزْمَان
من كل صَاحب سنة شهِدت لَهُ ... أهل الحَدِيث وعسكر الْقُرْآن
لَا عِبْرَة بمخالف لَهُم وَلَو ... كَانُوا عديد الشَّاء والبعران
إِن الَّذِي فَوق السَّمَوَات العلى ... وَالْعرش وَهُوَ مباين الأكوان
هُوَ رَبنَا سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ ... حَقًا على الْعَرْش استو الرَّحْمَن
فاسمع إِذا أَقْوَالهم واشهد عَلَيْهِم بعْدهَا بالْكفْر وَالْإِيمَان ... واقرا تفاسير الْأَئِمَّة ذاكري الْإِسْنَاد فَهِيَ هِدَايَة الحيران ...
هَذَا هُوَ الدَّلِيل السَّادِس عشر من أَدِلَّة علو الله تَعَالَى على خلقه وَهُوَ إِجْمَاع الْعلمَاء من أهل السّنة وَأَصْحَاب الحَدِيث قَالَ
... وَانْظُر إِلَى قَول ابْن عَبَّاس بتفسير اسْتَوَى إِن كنت ذَا عرفان ...
قَالَ الْبَغَوِيّ فِي (تَفْسِيره) الْمَشْهُور قَالَ ابْن عَبَّاس وَأكْثر مفسري السّلف اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء ارْتَفع إِلَى السَّمَاء
... وَانْظُر إِلَى أَصْحَابه من بعده ... كمجاهد وَمُقَاتِل حبران ...
قَالَ البُخَارِيّ فِي (صَحِيحه (بَاب قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَانَ عَرْشه على المَاء﴾ هود ٧ قَالَ أَبُو الْعَالِيَة اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء ارْتَفع وَقَالَ مُجَاهِد فِي
стр. 430
اسْتَوَى علا على الْعَرْش وروى عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد فِي كتاب (السّنة (لَهُ عَن أَبِيه عَن نوح بن مَيْمُون عَن بكير بن مَعْرُوف عَن مقَاتل بن حَيَّان فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ المجادلة ٧ قَالَ هُوَ على عَرْشه وَعلمه مَعَهم وروى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن مقَاتل بن حَيَّان قَالَ بلغنَا وَالله أعلم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الأول وَالْآخر﴾ الْحَدِيد ٣ قَالَ هُوَ الأول قبل كل شيئ وَالْآخر بعد كل شيئ وَالظَّاهِر فَوق كل شيئ وَالْبَاطِن أقرب من كل شيئ وَإِنَّمَا قربه بِعِلْمِهِ وَهُوَ فَوق عَرْشه
... وَانْظُر إِلَى الْكَلْبِيّ ايضا وَالَّذِي ... قد قَالَه من غير مَا نكران ...
روى الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق مُحَمَّد بن مَرْوَان عَن الْكَلْبِيّ عَن أبي صَالح عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ يَقُول اسقر على الْعَرْش
... وَكَذَا رفيع التَّابِعِيّ أَجلهم ... ذَاك الريَاحي الْعَظِيم الشان ...
رفيع بِضَم الرَّاء مُصَغرًا وَهُوَ أَبُو الْعَالِيَة وَقد تقدم مَا نَقله البُخَارِيّ عَنهُ قَالَ أَبُو الْعَالِيَة اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء ارْتَفع
... كم صَاحب ألْقى إِلَيْهِ علمه
فلذاك مَا اخْتلفَا عَلَيْهِ إثنان ... فليهن من قد سبه إِذْ لم يوا
فق قَوْله تَحْرِيف ذِي الْبُهْتَان ... فَلهم عِبَارَات عَلَيْهَا أَربع
قد حصلت للفارس الطعان ... وَهِي اسْتَقر وَقد علا وَكَذَلِكَ ار
تفع الَّذِي مَا فِيهِ من نكران ... وكذاك قد صعد الَّذِي هُوَ رَابِع
وَأَبُو عُبَيْدَة صَاحب الشَّيْبَانِيّ ... يخْتَار هَذَا القَوْل فِي تَفْسِيره
أَدْرِي من الجهمي بِالْقُرْآنِ ...
стр. 431
حكى الْفراء عَن ابْن عَبَّاس (ثمَّ اسْتَوَى) صعد أَبُو عُبَيْدَة هُوَ معمر ابْن الْمثنى التَّيْمِيّ الْبَصْرِيّ
قَوْله صَاحب الشَّيْبَانِيّ هُوَ أَبُو عَمْرو بن العلاءواسمه إِسْحَق كَمَا ذكر ذَلِك الذَّهَبِيّ فِي (تَارِيخ الْإِسْلَام (وَقيل إِنَّمَا قيل لَهُ الشَّيْبَانِيّ لانقطاعه إِلَى أنَاس من بني شَيبَان
... والأشعري يَقُول تَفْسِير اسْتَوَى
بِحَقِيقَة استولى من الْبُهْتَان ... هُوَ قَول أهل الاعتزال وَقَول أَتبَاع لجهم وَهُوَ ذُو بطلَان
فِي كتبه قد قَالَه من موجز ... وإبانة ومقالة بِبَيَان ...
أَي أَن الْأَشْعَرِيّ ذكر إبِْطَال تَأْوِيل الإستواء بِالِاسْتِيلَاءِ فِي كثير من كتبه ك (الموجز (و (الْإِبَانَة (و (المقالات (قَالَ أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ فِي كِتَابه (الْإِبَانَة فِي أصُول الدّيانَة (لَهُ فِي بَاب الاسْتوَاء فَإِن قَالَ قَائِل مَا تَقولُونَ فِي الاسْتوَاء قيل نقُول لَهُ إِن الله مستو على عَرْشه كَمَا قَالَ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ وَقَالَ ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ فاطر ١٠ وَقَالَ ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾ النِّسَاء ١٥٨ وَقَالَ حِكَايَة عَن فِرْعَوْن ﴿وَقَالَ فِرْعَوْن يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا﴾ غَافِر ٣٦ كذب مُوسَى فِي قَوْله إِن الله فَوق السَّمَوَات وَقَالَ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم الأَرْض﴾
стр. 432
الْملك ١٦ فالسموات فَوْقهَا الْعَرْش فَلَمَّا كَانَ الْعَرْش فَوق السَّمَوَات وكل مَا علا فَهُوَ سَمَاء وَلَيْسَ إِذا قَالَ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ يَعْنِي جَمِيع السَّمَوَات وَإِنَّمَا أَرَادَ الْعَرْش الَّذِي هُوَ أَعلَى السَّمَوَات أَلا ترى أَنه ذكر السَّمَوَات فَقَالَ ﴿وَجعل الْقَمَر فِيهِنَّ نورا﴾ نوح ١٦ وَلم يرد أَنه يملأهن جَمِيعًا قَالَ ورأينا الْمُسلمين جَمِيعًا يرفعون أَيْديهم إِذا دعوا نَحْو السَّمَاء لِأَن الله مستو على الْعَرْش الَّذِي هُوَ فَوق السَّمَوَات فلولا أَن الله على الْعَرْش لم يرفعوا أَيْديهم نَحْو الْعَرْش وَقد قَالَ قَائِلُونَ من الْمُعْتَزلَة والجهمية والحرورية إِن معنى اسْتَوَى استولى وَملك وقهر وَإنَّهُ تَعَالَى فِي كل مَكَان وجحدوا أَن يكون على عَرْشه كَمَا قَالَ أهل الْحق وذهبوا فِي الإستواء إِلَى الْقُدْرَة فَلَو كَانَ كَمَا قَالُوا لَا فرق بَين الْعَرْش وَبَين الأَرْض السَّابِعَة لِأَنَّهُ قَادر على كل شيئ وَالْأَرْض فَللَّه قَادر عَلَيْهَا وعَلى الحشوش وَكَذَا لَو كَانَ مستويا على بِمَعْنى الإستيلاء لجَاز أَن يكون مستويا على الْأَشْيَاء كلهَا وَلم يجز عِنْد أحد من الْمُسلمين أَن يَقُول أَن الله مستو على الأخلية والحشوش فَبَطل أَن يكون الأستواء الإستيلاء وَذكر أَدِلَّة من الْكتاب وَالسّنة وَالْعقل سوى ذَلِك وَكتاب (الْإِبَانَة (من أشهر تصانيف أبي الْحسن شهرة والحافظ ابْن عَسَاكِر اعْتمد عَلَيْهِ ونسخه بخطة الإِمَام مُحي الدّين النَّوَوِيّ كَذَا ذكره الْحَافِظ الذَّهَبِيّ
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... وَكَذَلِكَ الْبَغَوِيّ أَيْضا قد حكا ... هـ عَنْهُم بمعالم الْقُرْآن ...
قَالَ الإِمَام مُحي السّنة أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بن مَسْعُود الْبَغَوِيّ الشَّافِعِي صَاحب (معالم التَّنْزِيل (عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ الْأَعْرَاف ٥٤ قَالَ الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل اسْتَقر وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة صعد ثمَّ قَالَ الْبَغَوِيّ وأولت الْمُعْتَزلَة الإستواء بالإستيلاء وَأما أهل السّنة فَيَقُولُونَ الإستواء على الْعَرْش صفة لله بِلَا كَيفَ يجب الْإِيمَان بِهِ
стр. 433
وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ الْبَقَرَة ٢٩ قَالَ ابْن عَبَّاس وَأكْثر مفسري السّلف ارْتَفع إِلَى السَّمَاء وَقَالَ فِي قَوْله ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله﴾ الْبَقَرَة ٢١٠ الأولى فِي هَذِه الْآيَة وَمَا شاكلها أَن يُؤمن الْإِنْسَان بظاهرها ويكل علمهَا إِلَى الله ويعتقد أَن الله أمنزه عَن سمات الْحُدُوث على ذَلِك مَضَت أَئِمَّة السّلف وعلماء السّنة وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ المجادلة ٧ أَي من سرار ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم بِالْعلمِ انْتهى
... وَانْظُر كَلَام إمامنا هُوَ مَالك ... قد صَحَّ عَنهُ قَول ذِي إتقان
فِي الإستواء بِأَنَّهُ الْمَعْلُوم لَكِن كيفه خَافَ على الأذهان ...
روى الْبَيْهَقِيّ وَأَبُو الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ عَن يحيى بن يحيى قَالَ كُنَّا عِنْد مَالك بن أنس فجَاء رجل فَقَالَ يَا أَبَا عبد الله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ كَيفَ اسْتَوَى فَأَطْرَقَ مَالك بِرَأْسِهِ حَتَّى علاهُ الرحضاء ثمَّ قَالَ الإستواء غير مَجْهُول والكيف غير مَعْقُول وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة وَمَا أَرَاك إِلَّا مبتدعا فَأمر بِهِ أَن يخرج وسَاق الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي الرّبيع الرشديني عَن ابْن وهب قَالَ كنت عِنْد مَالك فَدخل رجل فَقَالَ با أَبَا عبد الله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ كَيفَ اسْتَوَى فَأَطْرَقَ مَالك (رَأسه) وأخذته الرحضاء ثمَّ رفع راسه فَقَالَ الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى كَمَا وصف نَفسه وَلَا يُقَال كَيفَ وَكَيف عَنهُ مَرْفُوع وَأَنت صَاحب بِدعَة أَخْرجُوهُ قَالَ الذَّهَبِيّ فِي كتاب (الْعُلُوّ (بعد مَا سَاق كَلَام الإِمَام مَالك وَهَذَا قَول أهل السّنة قاطبة أَن كَيْفيَّة الإستواء لَا نعقلها بل نجهلها وَأَن استواءه
стр. 434
مَعْلُوم كَمَا أخبر بِهِ فِي كِتَابه وَأَنه كَمَا يَلِيق بِهِ لَا نعمق وَلَا نتخذلق وَلَا نَخُوض فِي لَوَازِم ذَلِك نفيا وَلَا إِثْبَاتًا بل نسكت ونقف كَمَا وقف السّلف ونعلم يَقِينا مَعَ ذَلِك أَن الله ﷻ لَا مثل لَهُ فِي صِفَاته وَلَا فِي إستوائه وَلَا فِي نُزُوله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا
... وروى ابْن نَافِع الصدوق سَمَاعه
مِنْهُ على التَّحْقِيق والإتقان ... الله حَقًا فِي السَّمَاء وَعلمه
سُبْحَانَهُ حَقًا بِكُل مَكَان ... فَانْظُر إِلَى التَّفْرِيق بَين الذَّات والمعلوم من ذَا الْعَالم الرباني
فالذات خصت بالسماء وَإِنَّمَا الْمَعْلُوم عَم جَمِيع ذِي الأكوان ... ذَا ثَابت عَن مَالك من رده
فلسوف يلقى مَالِكًا بهوان ...
قَالَ عبد الله بن احْمَد بن حَنْبَل فِي الرَّد على الْجَهْمِية حَدثنِي أبي ثَنَا شُرَيْح بن النُّعْمَان عَن عبد الله بن نَافِع قَالَ قَالَ مَالك بن أنس الله فِي السَّمَاء وَعلمه فِي كل مَكَان لَا يَخْلُو مِنْهُ شيئ فَانْظُر كَيفَ فرق مَالك رَحمَه الله تَعَالَى بَين الذَّات والمعلوم فَخص الذَّات بالسماء وَأما الْمَعْلُوم فَهُوَ عَام كل شيئ وَالْمرَاد بالمعلوم هُنَا الْعلم كَمَا ذكره النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى وَقَوله ذَا ثَابت عَن مَالك الخ يَعْنِي بقوله فلسوف يلقى مَالِكًا خَازِن النَّار نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك وَلَكِن لَا يَخْلُو كَلَامه من مُبَالغَة
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... وكذاك قَالَ التِّرْمِذِيّ بِجَامِع ... عَن بعض أهل الْعلم وَالْإِيمَان ...
стр. 435
.. الله فَوق الْعَرْش لَكِن علمه ... مَعَ خلقه تفسيرذي إِيمَان ...
ذكر الْحَافِظ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي (جَامعه (لما روى حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَهُوَ خبر مُنكر (لَو أَنكُمْ دليتم بِحَبل إِلَى الأَرْض السُّفْلى لهبط على الله (فَقَالَ أهل الْعلم أَرَادَ لهبط على علم الله وَهُوَ على الْعَرْش كَمَا وصف نَفسه فِي كِتَابه وَقَالَ أَبُو عِيسَى إِثْر مَا روى حَدِيث أبي هُرَيْرَة (إِن الله يقبل الصَّدَقَة ويأخذها بِيَمِينِهِ فيربيها (رَوَت عَائِشَة عَن النَّبِي ﷺ نَحوه وَقد قَالَ غير وَاحِد من أهل الْعلم فِي هَذَا وَمَا يُشبههُ من الصِّفَات ونزول الرب نثبت هَذِه الرِّوَايَات فِي هَذَا ونؤمن بِهِ وَلَا يتَوَهَّم وَلَا يُقَال كَيفَ هَذَا رُوِيَ عَن مَالك وَابْن عُيَيْنَة وَابْن الْمُبَارك أَنهم قَالُوا فِي هَذِه الْأَحَادِيث أمروها بِلَا كَيفَ وَهَكَذَا قَول أهل الْعلم من أهل السّنة وَالْجَمَاعَة وَأما الْجَهْمِية فأنكرت هَذِه الرِّوَايَات وَقَالُوا هَذَا تَشْبِيه وفسروها على غير مَا فسر أهل الْعلم وَقَالُوا إِن الله لم يخلق آدم بِيَدِهِ وَإِنَّمَا معنى الْيَد هَاهُنَا النِّعْمَة وَهَذَا القَوْل فِي بَاب فضل الصَّدَقَة من الْجَامِع وَقَالَ نَحوا من ذَلِك أَيْضا فِي تَفْسِير ﴿وَقَالَت الْيَهُود يَد الله مغلولة﴾ الْمَائِدَة ٦٤ ... وكذاك أوزاعيهم أَيْضا حكى
عَن سَائِر الْعلمَاء فِي الْبلدَانِ ... من قرنه وَالتَّابِعِينَ جَمِيعهم
متوافرين وهم أولو الْعرْفَان ... إِيمَانهم بعلوه سُبْحَانَهُ
فَوق الْعباد وَفَوق ذِي الاكوان ...
روى الْبَيْهَقِيّ فِي (الاسماء وَالصِّفَات (باسناد صَحِيح عَن الاوزاعي قَالَ كُنَّا والتابعون متوافرون نقُول أَن الله تَعَالَى ذكره فَوق عَرْشه ونؤمن بِمَا وَردت بِهِ السّنة من صِفَاته وروى أَبُو بكر الْخلال فِي كتاب
стр. 436
(السّنة (عَن الاوزاعي قَالَ سُئِلَ مَكْحُول وَالزهْرِيّ عَن تَفْسِير الاحاديث فَقَالَ أمروها كَمَا جَاءَت وَرُوِيَ أَيْضا عَن الْوَلِيد بن مُسلم قَالَ سَأَلت مَالك بن أنس وسُفْيَان الثَّوْريّ وَاللَّيْث بن سعد والاوزاعي عَن الاخبار الَّتِي جَاءَت فِي الصِّفَات فَقَالُوا أمروها كَمَا جَاءَت وَفِي رِوَايَة فَقَالُوا أمروها كَمَا جَاءَت بِلَا كَيفَ ... وكذاك قَالَ الشَّافِعِي حَكَاهُ عَنهُ الْبَيْهَقِيّ وَشَيْخه الرباني
حَقًا قضى الله الْخلَافَة رَبنَا ... فَوق السَّمَاء لأصدق العبدان
حب الرَّسُول وقائم من بعده ... بِالْحَقِّ لَا فشل وَلَا متوان
فَانْظُر الى الْمقْضِي فِي ذِي الارض لَكِن فِي السَّمَاء قَضَاء ذِي السُّلْطَان ... وقضاؤه وصف لَهُ لم ينْفَصل
عَنهُ وَهَذَا وَاضح الْبُرْهَان ...
قَالَ الشَّافِعِي ﵁ خلَافَة أبي بكر الصّديق ﵁ حق قَضَاهَا الله فِي سمائه وَجمع عَلَيْهَا قُلُوب عباده انْتهى أَي أَن الْمقْضِي فِي الارض وَالْقَضَاء فِي السَّمَاء وَهُوَ فعله المتضمن لمشيئته وَقدرته
قَوْله حَكَاهُ عَنهُ الْبَيْهَقِيّ وَشَيْخه الرباني مُرَاده بشيخ الْبَيْهَقِيّ الْحَافِظ ابو عبد الله الْحَاكِم رحمهمَا الله تَعَالَى
قَوْله العبدان جمع عبد وَقَوله حب الرَّسُول الخ يَعْنِي أَبَا بكر الصّديق ﵁ وَقَالَ الامام ابْن الامام عبد الرَّحْمَن ابْن ابي حَاتِم الرَّازِيّ ﵁ حَدثنَا ابو شُعَيْب وَأَبُو ثَوْر عَن أبي عبد الله مُحَمَّد بن ادريس الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى قَالَ القَوْل فِي السّنة الَّتِي أَنا عَلَيْهَا
стр. 437
وَرَأَيْت أَصْحَابنَا عَلَيْهَا أهل الحَدِيث الَّذين رَأَيْتهمْ وَأخذت عَنْهُم مثل سُفْيَان وَمَالك وَغَيرهمَا الاقرار بِشَهَادَة أَن لَا أَله الا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَأَن الله تَعَالَى على عَرْشه فِي سمائه يقرب من خلقه كَيفَ شَاءَ وَأَن الله تَعَالَى ينزل الى السَّمَاء الدُّنْيَا كَيفَ شَاءَ
قَالَ ... وَكَذَلِكَ النُّعْمَان قَالَ وَبعده
يَعْقُوب والالفاظ للنعمان ... من لم يقر بِعَرْشِهِ سُبْحَانَهُ
فَوق السَّمَاء وَفَوق كل مَكَان ... ويقر أَن الله فَوق الْعَرْش لَا
تخفى عَلَيْهِ هواجس الاذهان ... فَهُوَ الَّذِي لَا شكّ فِي تكفيره
لله دَرك من إِمَام زمَان ... هَذَا الَّذِي فِي الْفِقْه الاكبر عِنْدهم
وَله شُرُوح عدَّة لبَيَان ...
قَوْله النُّعْمَان هُوَ الامام عَالم الْعرَاق أَبُو حنيفَة النُّعْمَان بن ثَابت
وَقَوله يَعْقُوب هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم أَبُو يُوسُف القَاضِي
قلت قَالَ فِي كتاب (الْفِقْه الاكبر (الْمَشْهُور الْمَرْوِيّ بالاسناد عَن ابي مُطِيع الحكم بن عبد الله الْبَلْخِي قَالَ سَأَلت أَبَا حنيفَة عَمَّن يَقُول لَا أعرف رَبِّي فِي السَّمَاء أَو فِي الارض قَالَ قد كفر لِأَن الله يَقُول ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ وعرشه فَوق سمواته فَقلت إِنَّه يَقُول أَقُول على الْعَرْش اسْتَوَى وَلَكِن قَالَ لَا يدْرِي الْعَرْش فِي السَّمَاء أَو فِي الارض فَقَالَ إِذا أنكر أَنه فِي السَّمَاء فقد كفر رَوَاهَا صَاحب الْفَارُوق باسناد عَن أبي بكر نصير بن يحيى عَن الحكم
قَالَ الذَّهَبِيّ وَسمعت القَاضِي الامام تَاج الدّين عِنْد الْخَالِق بن علوان
стр. 438
قَالَ سَمِعت الامام أَبَا مُحَمَّد عبد الله بن احْمَد الْمَقْدِسِي مؤلف (الْمقنع (رحم الله ثراه وَجعل الْجنَّة مثواه يَقُول بَلغنِي عَن ابي حنيفَة ﵀ أَنه قَالَ من أنكر أَن الله فِي السَّمَاء فقد كفر ... وَانْظُر مقَالَة أَحْمد ونصوصه
فِي ذَاك تلقاها بِلَا حسبان ... فجميعها قد صرحت بعلوه
وبالاستوا والفوق للرحمن ... وَله نُصُوص واردات لم تقع
لسواه من فرسَان هَذَا الشان ... اذ كَانَ ممتحنا باعداء الحَدِيث وشيعة التعطيل والكفران
واذا أردْت نصوصه فَانْظُر الى ... مَا قد حكى الْخلال ذُو الاتقان ...
يَعْنِي أَن الامام أَحْمد لَهُ من النُّصُوص وَالْكَلَام فِي صِفَات الله تَعَالَى وَفِي كَلَامه مَا لَيْسَ لغيره من الائمة لِأَنَّهُ كَانَ ممتحنا بالمعطلة والجهمية وَمَا جرى عَلَيْهِ من المحنة فِي ذَلِك وَالضَّرْب مَشْهُور مَذْكُور فِي الْكتب الَّتِي صنفت فِي مناقبه كمناقبه للامام ابي اسماعيل الانصاري وللحافظ ابي الْفرج ابْن الْجَوْزِيّ والحافظ ابي بكر الْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم وَكَذَلِكَ كتب التواريخ
وَقَوله الْخلال هُوَ أَحْمد بن مُحَمَّد بن هَارُون أَبُو بكر الْخلال كَانَ أحد من صرف عنايته الى جمع عُلُوم الامام أَحْمد بن حَنْبَل وسافر الى الْبِلَاد لأَجلهَا وسمعها عالية ونازلة وصنف كتاب (الْجَامِع (وَهُوَ فِي عدَّة مجلدات وَكتاب (السّنة (وَكتاب (الْعِلَل (لِأَحْمَد بن حَنْبَل وَغير ذَلِك قَالَ ابو بكر بن شهرباز كلنا تبع للخلال لِأَنَّهُ لم يسبقنا الى جمع علم أَحْمد أحد قبله قَالَ الْخَطِيب جمع يَعْنِي الْخلال عُلُوم أَحْمد
стр. 439
وطلبها وسافر لأَجلهَا وكتبها وصنفها كتبا وَلم يكن فِيمَن ينتحل مَذْهَب أَحْمد أحد أجمع مِنْهُ لذَلِك توفّي فِي ربيع الاول سنة ٣٢١ إِحْدَى وَعشْرين وثلثمائة وَقد نَيف عَن الثَّمَانِينَ انْتهى مُلَخصا من (تَارِيخ الذَّهَبِيّ (وَأما نُصُوص الامام أَحْمد فِي ذَلِك فَنَذْكُر مِنْهَا قَلِيلا من كثير قَالَ يُوسُف بن مُوسَى الْقطَّان شيخ أبي بكر الْخلال قيل لأبي عبد الله الله فَوق السَّمَاء السَّابِعَة على عَرْشه بَائِن من خلقه وَقدرته وَعلمه بِكُل مَكَان قَالَ نعم هُوَ على عَرْشه وَلَا يَخْلُو شَيْء من علمه وَقَالَ أَبُو طَالب أَحْمد بن حميد سَأَلت أَحْمد بن حَنْبَل عَن رجل قَالَ الله مَعنا وتلا ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ فَقَالَ قد تجهم هَذَا يَأْخُذُونَ بآخر الاية وَيدعونَ أَولهَا قَرَأت عَلَيْهِ ﴿ألم تَرَ أَن الله يعلم﴾ المجادلة ٧ فَعلمه مَعَهم وَقَالَ فِي سُورَة ق ﴿ونعلم مَا توسوس بِهِ نَفسه وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ ق ١٦ فَعلمه مَعَهم قَالَ الْمَرْوذِيّ قلب لابي عبد لله إِن رجلا قَالَ أَقُول كَمَا قَالَ الله ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ أَقُول هَذَا وَلَا أجاوزه الى غَيره فَقَالَ هَذَا كَلَام الْجَهْمِية بل علمه مَعَهم فَأول الاية يدل على أَنه علمه رَوَاهُ ابْن بطة فِي كتاب (الابانة (عَن عمر بن مُحَمَّد بن رَجَاء عَن مُحَمَّد بن دَاوُد عَن الْمَرْوذِيّ وَقَالَ حَنْبَل ابْن اسحق قيل لأبي عبد الله مَا معنى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ﴾ قَالَ علمه مُحِيط بِالْكُلِّ وربنا على الْعَرْش بلاحد وَلَا صفة وَكَلَامه رَحمَه الله تَعَالَى فِي هَذَا كثير شهير وَفِيمَا ذكرنَا كِفَايَة ... وكذاك اسحاق الامام فانه ... قد قَالَ مَا فِيهِ هدى الحيران ...
قَالَ الْخلال انا الْمَرْوذِيّ قَالَ قَالَ اسحق بن ابراهيم بن رَاهَوَيْه
стр. 440
قَالَ الله ﵎ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ اجماع أهل الْعلم أَنه فَوق الْعَرْش اسْتَوَى وَيعلم كل شَيْء فِي أَسْفَل الارض السَّابِعَة وَفِي قعور الْبحار ورؤوس الاكام وبطون الاودية وَفِي كل مَوضِع كَمَا يعلم علم مَا فِي السَّمَوَات السَّبع وَمَا فَوق الْعَرْش أحَاط بِكُل شَيْء علما فَلَا تسْقط من ورقة الا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الْبر وَالْبَحْر الا قد عرف ذَلِك كُله وأحصاه فَلَا تعجزه معرفَة شَيْء عَن معرفَة غَيره ... وَابْن الْمُبَارك قَالَ قولا شافيا ... إِنْكَاره علم على الْبُهْتَان
قَالُوا لَهُ مَا ذَاك نَعْرِف رَبنَا ... حَقًا بِهِ لنكون ذَا ايمان
فَأجَاب نعرفه بِوَصْف علوه ... فَوق السَّمَاء مباين الاكوان
وَبِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ حَقًا على الْعَرْش الرفيع فجل ذُو السُّلْطَان ...
قَالَ الْخلال ثَنَا أَبُو بكر الْمَرْوذِيّ قَالَ سَمِعت أَبَا عبد الله قيل لَهُ روى عَليّ بن الْحسن بن شَقِيق عَن ابْن الْمُبَارك انه قيل لَهُ كَيفَ نَعْرِف الله قَالَ على الْعَرْش بِحَدّ قَالَ قد بَلغنِي ذَلِك عَنهُ وَأَعْجَبهُ ثمَّ قَالَ ابو عبد الله ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾ الْبَقَرَة ٢١٠ ثمَّ قَالَ ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ الْفجْر ٢٢ وروى شيخ الاسلام أَبُو عُثْمَان الصَّابُونِي باسناده الثَّابِت عَن عبد الله بن الْمُبَارك انه قَالَ نَعْرِف رَبنَا بانه فَوق سبع سمواته بَائِنا من خلقه وَلَا نقُول كَمَا قَالَ الْجَهْمِية بِأَنَّهُ هَهُنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ الى الارض وَهُوَ عبد الله بن الْمُبَارك أَبُو عبد الرَّحْمَن الْمروزِي كَانَ أَبوهُ تركيا مولى لرجل من التُّجَّار من بني حَنْظَلَة من أهل هَمدَان فَكَانَ ابْن الْمُبَارك
стр. 441
إِذا قدمهَا أحسن الى ولد مَوْلَاهُم وَكَانَت امهِ خوارزمية ولد سنة ثَمَانِي عشرَة وَمِائَة وَسمع اسماعيل ابْن أبي خَالِد والاعمش وَهِشَام بن عُرْوَة وَحميد الطَّوِيل وَغَيرهم من أَئِمَّة التَّابِعين وَحدث عَنهُ خلائق من النَّاس وَكَانَ مَوْصُوفا بِالْحِفْظِ وَالْفِقْه والعربية والزهد وَالْكَرم والشجاعة وَله التصانيف الحسان وَالشعر المتضمن حكما جمة وَكَانَ كثير الْغَزْو وَالْحج وَكَانَ لَهُ رَأس مَال نَحْو اربعمائة الف تَدور بِتِجَارَة فِي الْبلدَانِ فَحَيْثُ اجْتمع بعالم بَلْدَة أحسن اليه وَكَانَ يَرْبُو كَسبه فِي كل سنة على مائَة الف ينفقها كلهَا فِي اهل الْعلم وَالْعِبَادَة وَرُبمَا انفق من رَأس المَال قَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة نظرت أَمر الصَّحَابَة فَمَا رَأَيْتهمْ يفضلون عَلَيْهِ الا بصحبتهم رَسُول الله ﷺ وَقَالَ اسمعيل بن عَيَّاش مَا أعلم على وَجه الارض مثله وَمَا اعْلَم خصْلَة (من) الْخَيْر الا وَقد جعلهَا الله فِي ابْن الْمُبَارك وَلَقَد حَدثنِي أَصْحَابه انهم صحبوه من مصر الى مَكَّة فَكَانَ يُطعمهُمْ الخبيص وَهُوَ الدَّهْر صَائِم وَقد قدم مرّة الى (الرقة (وَبهَا هَارُون الرشيد فَلَمَّا دَخلهَا الجفل النَّاس يهرعون الى ابْن الْمُبَارك وازدحم النَّاس حوله فاشرفت ام ولد للرشيد من قصر فَقَالَت مَا للنَّاس فَقيل هَذَا رجل من عُلَمَاء خُرَاسَان يُقَال لَهُ ابْن الْمُبَارك فَقَالَت الْمَرْأَة هَذَا هُوَ الْملك لَا ملك هَارُون الَّذِي يجمع النَّاس بِالسَّوْطِ والعصا وَقد قَالَ الشَّيْخ ابو عمر ابْن عبد الْبر أجمع الْعلمَاء على قبُوله وجلالته وإمامته وعدالته توفّي ب (هيت (فِي سنة ١٨١ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة فِي رَمَضَان عَن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة ... وَهُوَ الَّذِي قد شجع ابْن خُزَيْمَة ... اذ سل سيف الْحق والعرفان ...
стр. 442
وَقضى بقتل المنكرين علوه
بعد استتابتهم من الكفران ... وبأنهم يلقون بعد الْقَتْل فو
ق مزابل الميتات والانتان ... فشفى الامام الْعَالم الحبر الَّذِي
يدعى إِمَام أَئِمَّة الازمان ... وَلَقَد حَكَاهُ الْحَاكِم الْعدْل الرضى
فِي كتبه عَنهُ بِلَا نكران ...
قَالَ شيخ الاسلام ابو عُثْمَان اسماعيل بن عبد الرَّحْمَن الصَّابُونِي فِي (عقيدته (أخبرنَا ابو عبد الله الْحَافِظ يَعْنِي الْحَاكِم فِي كتاب (التَّارِيخ (الَّذِي جمعه لأهل نيسابور وَفِي كتاب (معرفَة أصُول الحَدِيث) اللَّذين جَمعهمَا وَلم يسْبق الى مثلهمَا قَالَ سَمِعت ابا جَعْفَر مُحَمَّد بن صَالح بن هانىء سَمِعت الامام أَبَا بكر مُحَمَّد بن اسحق ابْن خُزَيْمَة يَقُول من لم يقر أَن الله على عَرْشه قد اسْتَوَى فَوق سبع سمواته فَهُوَ كَافِر بِهِ حَلَال الدَّم يُسْتَتَاب فان تَابَ والا ضربت عُنُقه وَأُلْقِي على بعض الْمَزَابِل ... وَحكى ابْن عبد الْبر فِي تمهيده
وَكتاب الاستذكار غير جبان ... إِجْمَاع أهل الْعلم أَن الله فو
ق الْعَرْش لم يُنكره ذُو إِيمَان ... وأتى هُنَاكَ بِمَا شفى أهل الْهدى
لكنه مرض على العميان ...
قَالَ الْحَافِظ أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي (شرح الْمُوَطَّأ (لما ذكر حَدِيث النُّزُول قَالَ هَذَا حَدِيث ثَابت من جِهَة النَّقْل صَحِيح الاسناد لَا يخْتَلف أهل الحَدِيث فِي صِحَّته وَهُوَ مَنْقُول من طرق سوى هَذِه من أَخْبَار
стр. 443
الْعُدُول عَن النَّبِي ﷺ وَفِيه دَلِيل على أَن الله تَعَالَى فِي السَّمَاء على الْعَرْش من فَوق سبع سموات كَمَا قَالَ الْجَمَاعَة وَهُوَ من حجتهم على الْمُعْتَزلَة فِي قَوْلهم إِن الله بِكُل مَكَان قَالَ وَالدَّلِيل على صِحَة قَول أهل الْحق قَوْله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ وَقَوله ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ الاعراف ٢٤ وَقَالَ سُبْحَانَهُ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ الْملك ١٦ وَقَالَ ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ فاطر ١٠ وَقَالَ ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم﴾ النَّحْل ٥ وَقَالَ ﴿يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض ثمَّ يعرج إِلَيْهِ﴾ السَّجْدَة ٥ وَقَالَ ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ﴾ المعارج ٤ وَقَالَ ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ الانعام ١٨ ٦١ وَقَالَ لعيسى ﵇ ﴿إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ﴾ آل عمرَان ٥٥ وَقَالَ ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾ النِّسَاء ١٥٨ وَقد أخبر الله تَعَالَى فِي موضِعين من كِتَابه عَن فِرْعَوْن أَنه قَالَ ﴿يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا﴾ غَافِر ٣٦ ٣٧ يَعْنِي أَظن مُوسَى كَاذِبًا أَن لَهُ إِلَهًا فِي السَّمَاء هَذِه الاية تدل على أَن مُوسَى كَانَ يَقُول إلهي فِي السَّمَاء وَفرْعَوْن يَظُنّهُ كَاذِبًا قَالَ وَمن الْحجَّة أَيْضا فِي انه على الْعَرْش فَوق السَّمَوَات السَّبع أَن الْمَوْجُودين أَجْمَعِينَ من الْعَرَب والعجم اذا كربهم امْر أَو نزلت بهم شدَّة رفعوا أَيْديهم ووجوههم الى السَّمَاء ونصبوا أَيْديهم رافعين لَهَا مشيرين بهَا الى السَّمَاء يستغيثون الله رَبهم ﵎ وَهَذَا اشهر وَأعرف عِنْد الْخَاصَّة والعامة من أَن يحْتَاج الى أَكثر من حكايته لِأَنَّهُ اضرار لم يواقفهم عَلَيْهِ اُحْدُ وَلَا أنكرهُ عَلَيْهِم مُسلم وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ للامة الَّتِي اراد مَوْلَاهَا عتقهَا وَكَانَت عَلَيْهِ رَقَبَة مُؤمنَة فاختبرها رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 444
بِأَن قَالَ لَهَا (أَيْن الله (فَأَشَارَتْ الى السَّمَاء قَالَ (من أَنا (قَالَت رَسُول الله قَالَ (اعتقها فَإِنَّهَا مُؤمنَة (فَاكْتفى رَسُول الله ﷺ برفعها رَأسهَا الى السَّمَاء وَاسْتغْنى بذلك عَمَّا سواهُ قَالَ ابو عمر ﵁ أهل السّنة مجمعون على الاقرار بِالصِّفَاتِ الْوَارِدَة كلهَا فِي الْقُرْآن وَالسّنة والايمان بهَا وَحملهَا على الْحَقِيقَة لَا على الْمجَاز وَأما أهل الْبدع الْجَهْمِية والمعتزلة كلهَا والخوارج فكلهم ينكرها وَلَا يحمل مِنْهَا شَيْئا على الْحَقِيقَة ويزعمون أَن من أقربها مشبه وهم عِنْد من أقربها نافون للمعبود وَالْحق فِيمَا قَالَه الْقَائِلُونَ بِمَا نطق بِهِ كتاب الله وَسنة رَسُوله وهم أَئِمَّة الْجَمَاعَة وَالْحَمْد لله انْتهى كَلَامه ... وَكَذَا عَليّ الاشعري فانه
فِي كتبه قد جَاءَ بالتبيان ... من موجز وإبانة ومقالة
ورسائل للثغر ذَات بَيَان ... وأتى بتقرير اسْتِوَاء الرب فو
ق الْعَرْش بالايضاح والبرهان ... وأتى بتقرير الْعُلُوّ بِأَحْسَن التَّقْرِير فَانْظُر كتبه بعيان
وَالله مَا قَالَ المجسم مثل مَا ... قد قَالَه ذَا الْعَالم الرباني
فارموه وَيحكم بِمَا ترموا بِهِ ... هَذَا المجسم يَا أولي الْعدوان
أَولا فَقولُوا إِن ثمَّ حزازة ... وتنفس الصعداء من حران
فَسَلُوا الاله شِفَاء ذَا الدَّاء العضا ... ل مُجَانب الاسلام والايمان ...
стр. 445
يَعْنِي ان الامام أَبَا الْحسن الاشعري قد اوضح فِي كتبه ك (الابانة (و (الموجز (و (مقالات الاسلاميين (ورسائله الى الثغر اسْتِوَاء الرب فَوق عَرْشه وَبرهن على ذَلِك وَقَررهُ بِأَحْسَن تَقْرِير وَذَلِكَ فِي كتبه فانظرها إِن شِئْت وَقد تقدم بعض كَلَامه فِي ذَلِك
قَوْله وَالله مَا قَالَ المجسم مثل مَا قد قَالَه ذَا الْعَالم الرباني أَي مَا قَالَ المنبوذ عنْدكُمْ بالتجسيم مثل مَا قد قَالَ الاشعري
قَوْله فارموه وَيحكم بِمَا ترموا بِهِ هَذَا المجسم الخ أَي فشنعوا بِمثل مَا شنعتم بِهِ على اصحاب الحَدِيث الَّذين هم عنْدكُمْ مجسمة
وَقَوله بِمَا ترموا بِهِ الاصل ترمون بِهِ وَلَكِن حذف النُّون للوزن
وَقَوله تنفس الصعداء كالبرحاء تنفس طَوِيل قَالَه فِي (الْقَامُوس (وَقَوله الدَّاء العضال قَالَ فِي (الْقَامُوس (دَاء عضال كغراب يَعْنِي غَالب
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَأنْظر الى حَرْب وَإِجْمَاع حكى ... لله دَرك من فَتى كرمان ...
حَرْب هُوَ ابو مُحَمَّد حَرْب بن اسماعيل الْكرْمَانِي صَاحب الامام احْمَد صَاحب الْمسَائِل الْمَعْرُوفَة الَّتِي نقلهَا عَن أَحْمد واسحاق وَغَيرهمَا وَذكر مَعهَا من الْآثَار عَن النَّبِي ﷺ وَالصَّحَابَة وَغَيرهم مَا ذكره وَهُوَ كتاب كَبِير صنفه على طَريقَة (الْمُوَطَّأ (وَنَحْوه من المصنفات قَالَ فِي آخِره فِي (الْجَامِع (بَاب القَوْل فِي الْمَذْهَب هَذَا مَذْهَب أَئِمَّة الْعلم وَأَصْحَاب الاثر وَأهل السّنة المعروفين بهَا المقتدى بهم فِيهَا وَأدْركت من أدْركْت من عُلَمَاء أهل الْعرَاق والحجاز وَالشَّام وَغَيرهم عَلَيْهَا
стр. 446
فَمن خَالف شَيْئا من هَذِه الْمذَاهب أَو طعن فِيهَا أَو عَابَ قَائِلهَا فَهُوَ مُبْتَدع خَارج عَن الْجَمَاعَة زائل عَن مَنْهَج السّنة وسبيل الْحق وَهُوَ مَذْهَب أَحْمد واسحق بن ابراهيم بن مخلد وَعبد الله بن الزبيير الْحميدِي وَسَعِيد بن مَنْصُور وَغَيرهم مِمَّن جالسنا وأخذنا عَنْهُم الْعلم وَذكر الْكَلَام فِي الايمان وَالْقدر والوعيد والامامة وَمَا أخبر بِهِ الرَّسُول من أَشْرَاط السَّاعَة وَأمر البرزخ وَالْقِيَامَة وَغير ذَلِك الى أَن قَالَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ بَائِن من خلقه لَا يَخْلُو من علمه مَكَان وَللَّه عرش وللعرش حَملَة يحملونه وَله حد وَالله أعلم بحده وَالله على عَرْشه عز ذكره وَتَعَالَى جده والا اله غَيره وَالله تَعَالَى سميع لَا يشك بَصِير لَا يرتاب عليم لَا يجهل جواد لَا يبخل حَلِيم لَا يعجل حفيظ لَا ينسى يقظان لَا يسهو رَقِيب لَا يغْفل يتَكَلَّم ويتحرك وَيسمع ويبصر وَينظر وَيقبض ويبسط ويفرح وَيُحب وَيكرهُ وَيبغض ويرضى ويسخط ويغضب وَيرْحَم وَيَعْفُو وَيغْفر وَيُعْطِي وَيمْنَع وَينزل كل لَيْلَة الى السَّمَاء الدُّنْيَا كَيفَ شَاءَ وكما شَاءَ لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير الى أَن قَالَ وَلم يزل الله متكلما عَالما فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ ... وَانْظُر الى قَول ابْن وهب اوحد الْعلمَاء مثل الشَّمْس فِي الْمِيزَان ...
ابْن وهب هُوَ الامام عبد الله بن وهب بن مُسلم الْقرشِي الْمصْرِيّ صَاحب الامام مَالك بن انس وَلم أَقف على كَلَامه فأحكيه ... وَانْظُر الى مَا قَالَ عبد الله فِي
تِلْكَ الرسَالَة مفصحا بِبَيَان ... من أَنه سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ
بِالذَّاتِ فَوق الْعَرْش والاكوان ...
стр. 447
قَالَ الإِمَام أَبُو مُحَمَّد ابْن أبي زيد المغربي القيرواني شيخ الْمَالِكِيَّة فِي وقته فِي أول رسَالَته الْمَشْهُورَة فِي مَذْهَب الإِمَام مَالك وَإنَّهُ تَعَالَى فَوق عَرْشه الْمجِيد بِذَاتِهِ وَأَنه فِي كل مَكَان بِعِلْمِهِ وَذكر ابْن أبي زيد أَيْضا فِي كتاب (الْفَرد (فِي السّنة تَقْرِير الْعُلُوّ واستواء الرب على الْعَرْش بِذَاتِهِ وَقَررهُ أتم تَقْرِير وَقَالَ فِي (مُخْتَصر الْمُدَوَّنَة (وَإنَّهُ تَعَالَى فَوق عَرْشه بِذَاتِهِ فَوق سمواته دون أرضه
... وَانْظُر إِلَى مَا قَالَه الْكَرْخِي فِي
شرح لتصنيف امْرِئ رباني ... وَانْظُر إِلَى الأَصْل الَّذِي هُوَ شَرحه
فهما الْهدى لملحد حيران ...
لم اقف على شرح الْكَرْخِي وَلَا أَصله فاسوقه
... وَانْظُر إِلَى تَفْسِير عبد مَا الَّذِي
فِيهِ من الْآثَار فِي ذَا الشان وَانْظُر إِلَى تَفْسِير ذَاك الْفَاضِل الثبت الرضى المتضلع الرباني ... ذَاك الإِمَام ابْن الإِمَام وَشَيْخه
وَأَبوهُ سُفْيَان فرازيان ...
يُرِيد التَّفْسِير الْمَشْهُور تأليف الإِمَام الْحَافِظ الثبت أبي مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن ابْن أبي حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ رحمهمَا الله تَعَالَى وَتَفْسِيره الْمَذْكُور فِي أَربع مجلدات وَالْبَيْت الثَّانِي فِيهِ قلق وَلم يظْهر المُرَاد مِنْهُ
قَوْله وَشَيْخه وَأَبوهُ سُفْيَان أما أَبوهُ فَهُوَ الْحَافِظ أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ الْحَنْظَلِي وَأما قَوْله وَأَبوهُ سُفْيَان فَلَا نعلم مَا المُرَاد بِهِ وَفِي بعض النّسخ فَانْظُر ذان وَفِي بَعْضهَا فرازيان
... وَانْظُر إِلَى النَّسَائِيّ فِي تَفْسِيره ... هُوَ عندنَا سفر جليل معَان
стр. 448
النَّسَائِيّ هُوَ الْحَافِظ أَبُو عبد الرَّحْمَن أَحْمد بن شُعَيْب النَّسَائِيّ صَاحب (السّنَن ( ... وإقرأ كتاب الْعَرْش للعبسي وَهُوَ مُحَمَّد الْمَوْلُود من عُثْمَان ...
قَالَ الْحَافِظ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عُثْمَان بن مُحَمَّد بن أبي شيبَة الْعَبْسِي مُحدث الْكُوفَة فِي وقته قَالَ فِي كتاب (الْعَرْش (وَذكروا أَن الْجَهْمِية يَقُولُونَ لَيْسَ بَين الله وَبَين خلقه حجاب وأنكروا الْعَرْش وَأَن يكون الله فَوْقه وَقَالُوا إِنَّه فِي كل مَكَان ففسرت الْعلمَاء ﴿وَهُوَ مَعكُمْ﴾ الْحَدِيد ٤ يَعْنِي علمه ثمَّ تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار أَن الله تَعَالَى خلق الْعَرْش فَاسْتَوَى عَلَيْهِ فَهُوَ فَوق الْعَرْش متخلصا من خلقه بَائِنا مِنْهُم انْتهى كَلَامه
... واقرأ لمُسْند عَمه ومصنف ... أتراهما نجمين بل شمسان
واقرأ كتاب الإستقامة للرضى ... ذَاك ابْن اصرم حَافظ رباني
واقرأ كتاب الْحَافِظ الثِّقَة الرضى ... فِي السّنة الْعليا فَتى الشَّيْبَانِيّ
ذَاك ابْن أَحْمد أوحد الْحَافِظ قد ... شهِدت لَهُ الْحَافِظ بالإتقان ...
هُوَ الإفمام الْحَافِظ الثِّقَة عبد الله ابْن الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل رحمهمَا الله تَعَالَى وَكتابه الْمَشْهُور فِي (السّنة (نَحْو مُجَلد
... واقرأ كتاب الْأَثْرَم الْعدْل الرضى ... فِي السّنة الأولى إِمَام زمَان ...
هُوَ أَبُو بكر أَحْمد بن مُحَمَّد بن هَانِئ أَبُو بكر الْأَثْرَم
... وَكَذَا الإِمَام ابْن الإِمَام المرتضى ... حَقًا أبي دَاوُد ذِي الْعرْفَان ...
стр. 449
.. ... تصنيفه نثرا ونظما وَاضحا ... فِي السّنة المثلى هما نجمان ...
قَالَ الحافظي الذَّهَبِيّ فِي كتاب (الْعُلُوّ (اُخْبُرْنَا أَحْمد بن عبد الحميد أَنبأَنَا أَبُو مُحَمَّد بن قدامَة سنة ثَمَانِي عشرَة وسِتمِائَة أخبرتنا فَاطِمَة بنت عَليّ أَنبأَنَا عَليّ بن بَيَان أَنبأَنَا الْحُسَيْن بن عَليّ الطناجيري انبأنا أَبُو حَفْص ابْن شاهين قَالَ شَيخنَا أَبُو بكر عبد الله بن سُلَيْمَان هَذِه القصيدة وَجعلهَا محنة
... تمسك بِحَبل الله وَاتبع الْهدى ... وَلَا تَكُ بدعيا لَعَلَّك تفلح
وَدَن بِكِتَاب الله وَالسّنَن الَّتِي ... أَتَت عَن رَسُول لَهُ تنجو وتربح
وَقل غير مَخْلُوق كَلَام مليكنا ... بذلك دَان الأتقياء وأفصحوا
وَلَا تقل الْقُرْآن خلق قِرَاءَة ... فَإِن كَلَام الله بِاللَّفْظِ يُوضح
وَقل يتجلى الله لِلْخلقِ جهرة ... كَمَا الْبَدْر لَا يخفى وَرَبك أوضح
وَلَيْسَ بمولود وَلَيْسَ بوالد ... وَلَيْسَ لَهُ شبه تَعَالَى المسبح
وَقد يُنكر الجهمي هَذَا وَعِنْدنَا ... بمصداق مَا قُلْنَا حَدِيث مُصَرح
رَوَاهُ جرير عَن مقَال مُحَمَّد ... فَقل مثل مَا قد قَالَ فِي ذَاك تنجح
وَقل ينزل الْجَبَّار فِي كل لَيْلَة ... بِلَا كَيفَ جلّ الْوَاحِد المتمدح
إِلَى طبق الدُّنْيَا يمن بفضله ... فتفرج أَبْوَاب السَّمَاء وتفتح
يَقُول أَلا مُسْتَغْفِر يَلِيق غافرا ... ومستمنح خيرا وَرِزْقًا فيمنح
روى ذَاك قوم لَا يرد حَدِيثهمْ ... أَلا خَابَ قوم كذبوهم وقبحوا ...
стр. 450
.. وَقل إِن خير النَّاس بعد مُحَمَّد ... وزيراه قدما ثمَّ عُثْمَان الْأَرْجَح ورابعهم خير الْبَريَّة بعدهمْ
عَليّ حَلِيف الْخَيْر بِالْخَيرِ ممنح ... وَإِنَّهُم والرهط لَا ريب فيهم
على نجب الفردوس بِالنورِ تسرح ... سعيد وَسعد وَابْن عَوْف وَطَلْحَة ... وعامر فهر وَالزُّبَيْر الممدح
وَقل خير قَول فِي الصَّحَابَة كلهم ... وَلَا تَكُ طعانا تعيب وتجرح
فقد نطق الْوَحْي الْمُبين بفضلهم ... وَفِي الْفَتْح آي فِي الصَّحَابَة تمدح
وبالقدر الْمَقْدُور أَيقَن فَإِنَّهُ ... دعامة عقد الدّين وَالدّين أفيح
وَلَا تنكرن جهلا نكيرا ومنكرا ... وَلَا الْحَوْض وَالْمِيزَان إِنَّك تنصح
وَقل يخرج الله الْعَظِيم بفضله ... من النَّار أجسادا من الفحم تطرح
على النَّهر فِي الفردوس تحيى بِمِائَة ... كحبة حمل السَّيْل إِذْ جَاءَ يطفح
وَإِن رَسُول الله لِلْخلقِ شَافِع ... وَقل فِي عَذَاب الْقَبْر حق موضح
وَلَا تكفرن أهل الصَّلَاة وَإِن عصوا ... وَكلهمْ يَعْصِي وَذُو الْعَرْش يصفح
وَلَا تعتقد رَأْي الْخَوَارِج إِنَّه ... مقَال لمن يهواه يردي ويفضح
وَلَا تَكُ مرجيا لعوبا بِدِينِهِ ... أَلا إِنَّمَا المرجي بِالدّينِ يمزح
وَقل إِنَّمَا الْإِيمَان قَول وَنِيَّة ... وَفعل على قَول النَّبِي مُصَرح
وَينْقص طورا بِالْمَعَاصِي وَتارَة ... بِطَاعَتِهِ ينمي وَفِي الْوَزْن يرجح
стр. 451
.. ودع آراء الرِّجَال وَقَوْلهمْ ... فَقَوْل رَسُول الله أزكى وأشرح
وَلَا تَكُ من قوم تلهوا بدينهم ... فتطعن فِي أهل الحَدِيث وتقدح
إذاما اعتقدت الدَّهْر ياصاح هَذِه ... فَأَنت على خير تبيت وتصبح ...
هَذِه قصيدة متواترة عَن ناظمها رَوَاهَا الْآجُرِيّ قلت وَقد شرحها أَيْضا أَبُو عَليّ ابْن الْبَنَّا الْحَنْبَلِيّ وصنف لَهَا شرحا وَأَبُو عبد الله ابْن بطة فِي (الْإِبَانَة (قَالَ ابْن أبي دَاوُد هَذَا قَول أبي وَقَول شُيُوخنَا وَقَول الْعلمَاء مِمَّن لم نرهم كَمَا بلغنَا عَنْهُم فَمن قَالَ غير ذَلِك فقد كذب كَانَ أَبُو بكر من الْحفاظ المبرزين مَا هُوَ بِدُونِ أَبِيه صنف التصانيف انْتَهَت إِلَيْهِ رئاسة الْحَنَابِلَة بِبَغْدَاد توفّي سنة ٣١٦ انْتهى كَلَام الذَّهَبِيّ
... واقرأ كتاب السّنة الأولى الَّذِي ... أرواه مضطلع من الْإِيمَان
ذَاك النَّبِيل ابْن النَّبِيل كِتَابه ... أَيْضا نبيل وَاضح الْبُرْهَان ...
قَالَ الْحَافِظ الإِمَام قَاضِي أَصْبَهَان وَصَاحب التصانيف أَبُو بكر أَحْمد بن عَمْرو ابْن أبي عَاصِم الشَّيْبَانِيّ جَمِيع مَا فِي كتَابنَا كتاب (السّنة الْكَبِير (الَّذِي فِيهِ الْأَبْوَاب من الْأَخْبَار الَّتِي ذكرنَا أَنَّهَا توجب الْعلم فَنحْن نؤمن بهَا لصحتها وعدالة نَاقِلِيهَا وَيجب التَّسْلِيم لَهَا على ظَاهرهَا وَترك تكلّف الْكَلَام فِي كيفيتها فَذكر من ذَلِك النُّزُول إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا والإستواء على الْعَرْش سَمِعت عَاتِكَة بنت أبي بكر هَذَا الْكَلَام من أَبِيهَا وَكَانَت فقيهة عَالِمَة وَكَانَ أَبوهَا شيخ الظَّاهِرِيَّة بأصبهان كَمَا أَن شيخهم بالعراق دَاوُد بن عَليّ روى عَن أَصْحَاب شعبه وَحَمَّاد بن سَلمَة وَقع لنا جملَة من تصانيفه وَمَات سنة سبع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ (٢٨٧) لم يلْحق جده أَبَا عَاصِم النَّبِيل وَلحق
стр. 452
جده لأمه مُوسَى بن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي
... وَانْظُر إِلَى قَول ابْن أَسْبَاط الرضى ... وَانْظُر إِلَى قَول الرضى سُفْيَان ...
أَي سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِي حَدثنِي أَحْمد بن نصر قَالَ سَأَلت سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَأَنا فِي منزله بعد الْعَتَمَة فَجعلت الح عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَة فَقَالَ دَعْنِي أتنفس فَقلت كَيفَ حَدِيث عبد الله عَن النَّبِي ﷺ (أَن الله يحمل السَّمَوَات على أصْبع وَالْأَرضين على أصْبع (وحد يث (إِن قُلُوب الْعباد بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن (وَحَدِيث (أَن الله يعجب أَو يضْحك مِمَّن يذكرهُ فِي الْأَسْوَاق (فَقَالَ سُفْيَان هِيَ كَمَا جَاءَت نقر بهَا ونحدث بهَا بِلَا كَيفَ
... وَانْظُر إِلَى قَول ابْن زيد ذَاك حَمَّاد وَحَمَّاد الإِمَام الثَّانِي ...
حَمَّاد بن زيد بن دِرْهَم الْأَزْدِيّ الْجَهْضَمِي أَبُو إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ مولى آل جرير بن حَازِم وَكَانَ جده دِرْهَم من سبي سجستان روى عَن أنس ابْن سِيرِين وثابت الْبنانِيّ وَحميد الطَّوِيل وَأبي حَازِم مسلمة بن دِينَار وَعَمْرو بن دِينَار وَأبي جَمْرَة نصر بن عمرَان الضبعِي وَهِشَام بن عُرْوَة وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَهَؤُلَاء كلهم تابعيون فِي جمَاعَة آخَرين وَعنهُ الْأسود بن عَامر شَاذان وَسَعِيد بن مَنْصُور وسُفْيَان الثَّوْريّ وَهُوَ أكبر مِنْهُ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَهُوَ من أقرانه وَعبد الله بن مبارك
стр. 453
وَعبد الله بن وهب وَعبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَعلي بن الْمَدِينِيّ ووكيع والهيثم بن سُهَيْل التسترِي وَهُوَ آخر من روى عَنهُ قَالَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي أَئِمَّة النَّاس فِي زمانهم أَرْبَعَة سُفْيَان الثَّوْريّ فِي الْكُوفَة وَمَالك للحجاز والأوازعي بِالشَّام وَحَمَّاد بن زيد بِالْبَصْرَةِ وَقَالَ لم أر أحدا قطّ أعلم بِالسنةِ وَلَا بِالْحَدِيثِ الَّذِي يدْخل فِي السّنة من حَمَّاد بن زيد وَقَالَ مرّة مَا رَأَيْت بِالْبَصْرَةِ أفقه مِنْهُ وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل حَمَّاد بن زيد احب إِلَيْنَا من عبد الْوَارِث حَمَّاد بن زيد من أَئِمَّة الْمُسلمين من أهل الدّين وَالْإِسْلَام وهوأحب إِلَيّ من حَمَّاد بن سَلمَة وفال أَحْمد بن سعيد الدَّارمِيّ سَمِعت أَبَا عَاصِم يَقُول مَاتَ حَمَّاد بن زيد يَوْم مَاتَ ولاأعلم لَهُ فِي الْإِسْلَام نظيرا فِيمَا أَظُنهُ قَالَ وسمعته وَكَانَ عبد الله بن الْمُبَارك ينشد
... أَيهَا الطَّالِب علما
إئت حَمَّاد بن زيد ... فَخذ الْعلم بحلم
ثمَّ قَيده بِقَيْد ... لَا كثور وكجهم
وكعمرو بن عبيد ...
مَاتَ سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة قَالَه جمَاعَة مِنْهُم عَارِم وَالْفَلَّاس زَاد عَارِم يَوْم الْجُمُعَة لعشر لَيَال خلون من رَمَضَان روى لَهُ الْأَئِمَّة السِّتَّة قَالَ عبد الرَّحْمَن ابْن أبي حَاتِم الرَّازِيّ الْحَافِظ فِي كتاب (الرَّد على الْجَهْمِية ثَنَا أبي ثَنَا سُلَيْمَان بن حَرْب سَمِعت حَمَّاد بن زيد يَقُول إِنَّمَا يدورون على أَن يَقُولُوا لَيْسَ فِي السَّمَاء إِلَه يعْنى الْجَهْمِية
قَوْله وَحَمَّاد الإِمَام الثَّانِي وَهُوَ حَمَّاد بن سَلمَة بن دِينَار الإِمَام الْعَالم أَبُو سَلمَة الْبَصْرِيّ عَن أبي عمرَان الْجونِي وثابت وَابْن مليك
стр. 454
وَعبد الله بن كثير وَخلق وَعنهُ مَالك وَشعْبَة وسُفْيَان وَابْن مهْدي وعارم وَعَفَّان وأمم وَكَانَ ثِقَة لَهُ أَوْهَام قَالَ أَحْمد هُوَ أعلم النَّاس بِحَدِيث خَاله حميد الطَّوِيل وأثبتهم فِيهِ وَقَالَ ابْن معِين هُوَ أعلم النَّاس بِثَابِت وَقَالَ آخر إِذا رَأَيْت الرجل يَقع فِي حَمَّاد فاتهمه على الْإِسْلَام قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ كَانَ عِنْد يحيى بن الضَّرِير عَن حَمَّاد عشرَة آلَاف حَدِيث وَقَالَ عَمْرو بن سَلمَة كتبت عَن حَمَّاد بن سَلمَة بضعَة عشرَة الف حَدِيث وَقَالَ ابْن الْمُبَارك مَا رَأَيْت أحدا كَانَ أشبه بِمَالك الأول من حَمَّاد بن زيد وروى الكوسج عَن ابْن معِين ثِقَة وَقَالَ آخر كَانَ من الابدال وعلامة الْإِبْدَال أَن لَا يُولد لَهُم تزوج سبعين إمرأة فَلم يُولد لَهُ قَالَ أَبُو عَمْرو الْجرْمِي مَا رايت فَقِيها قطّ أفْصح من عبد الوارث إِلَّا حَمَّاد ابْن سَلمَة وَقَالَ عَفَّان رَأَيْت من هُوَ أعبد من حَمَّاد لَكِن مَا رايت أَشد مواظبة على الْخَيْر وَقِرَاءَة الْقُرْآن وَالْعَمَل لله مِنْهُ وَلَو قلت إِنَّنِي مَا رايتهضاحكا قطّ صدقت كَانَ مَشْغُولًا بِنَفسِهِ إِمَّا يقْرَأ أَو يسبح أَو يحدث أَو يُصَلِّي وَقَالَ ابْن مهْدي لَو قيل لحماد إِنَّك تَمُوت غَدا مَا قدر أَن يزِيد فِي عمله شَيْئا وَقَالَ يُونُس الْمُؤَدب مَاتَ حَمَّاد فِي الْمَسْجِد وَهُوَ يُصَلِّي وَقَالَ ابْن حبَان لم ينصف من جَانب حَدِيث حَمَّاد وَاحْتج بِأبي بكر ابْن عَيَّاش وَعبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن دِينَار وَكَانَ خزازا من الْعباد المجابي الدعْوَة وَقَالَ وهيب كَانَ حَمَّاد بن سَلمَة سيدنَا وَأَعْلَمنَا وَقَالَ عَفَّان اخْتلف اصحابنا فِي سعيد بن أبي عرُوبَة وَحَمَّاد بن سَلمَة فصرنا إِلَى خَالِد بن الْحَارِث فَسَأَلْنَاهُ فَقَالَ حَمَّاد احسنهما حَدِيثا وأثبتهما لُزُوما للسّنة فرجعنا إِلَى يحيى الْقطَّان فَأَخْبَرنَاهُ فَقَالَ أقَال لكم وأحفظهما قُلْنَا لَا وَقَالَ أَحْمد وَيحيى ثِقَة وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ من
стр. 455
سمعتموه يتَكَلَّم فِي حَمَّاد فاتهموه وَقَالَ رجل لعفان أحَدثك عَن حَمَّاد قَالَ من حَمَّاد وَيلك قَالَ ابْن سَلمَة قَالَ أَلا تَقول امير الْمُؤمنِينَ مَاتَ حَمَّاد رَحمَه الله تَعَالَى سنة ١٦٧ سبع وَسِتِّينَ وَمِائَة انْتهى مُلَخصا من (الْمِيزَان (للذهبي رَحمَه الله تَعَالَى
... وَانْظُر إِلَى مَا قَالَه علم الْهدى
عُثْمَان ذَاك الدِّرَامِي الرباني ... فِي نقضه وَالرَّدّ يَا لَهما كتا
با سنة وهما لنا علمَان ... هدمت قَوَاعِد فرقة جهمية
خرت سقوفهم على الْحِيطَان ...
أَي وَانْظُر إِلَى مَا قَالَه الإِمَام الْعَلامَة عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ فِي كِتَابه الْمُسَمّى (رد عُثْمَان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فِيمَا افترى على الله فِي التَّوْحِيد (وَكتاب (الرَّد على الْجَهْمِية (فَإِنَّهُمَا كِتَابَانِ حافلان بِنَقْض شُبُهَات الْجَهْمِية وقمع اضاليلهم وَقطع أباطيلهم فرحمه الله من إِمَام
... وَانْظُر إِلَى مَا فِي صَحِيح مُحَمَّد
ذَاك البُخَارِيّ الْعَظِيم الشان ... من رده مَا قَالَه الجهمي بِالنَّقْلِ الصَّحِيح الْوَاضِح الْبُرْهَان
وَانْظُر إِلَى تِلْكَ التراجم مَا الَّذِي ... فِي ضمنهَا إِن كنت ذَا عرفان
وَانْظُر إِلَى مَا قَالَه الطَّبَرِيّ فِي الشَّرْح الَّذِي هوعندكم سفران ... أَعنِي الْفَقِيه الشَّافِعِي اللا
لكائي المسدد نَاصِر الْإِيمَان ...
أَي وَانْظُر إِلَى مَا قَالَه أبوالقاسم هبة الله بن الْحسن اللالكائي الطَّبَرِيّ فِي كتاب (شرح إعتقاد اهل السّنة (وَهُوَ مُجَلد ضخم قَالَ الإِمَام
стр. 456
الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن الْحسن الطَّبَرِيّ الشَّافِعِي مُصَنف كتاب (شرح إعتقاد أهل السّنة (سِيَاق مَا رُوِيَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ وَإِن الله على عَرْشه قَالَ الله ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ فاطر ١٠ وَقَالَ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ الْملك ١٦ وَقَالَ ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ الْأَنْعَام ١٨ ٦١ فدلت هَذِه الايات أَنه فِي السَّمَاء وَعلمه بِكُل مَكَان رُوِيَ ذَلِك عَن عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأم سَلمَة وَمن التَّابِعين ربيعَة وَسليمَان التَّيْمِيّ وَمُقَاتِل بن حَيَّان وَبِه قَالَ مَالك وَالثَّوْري وَأحمد ... وَانْظُر الى مَا قَالَه علم الْهدى التميي فِي ايضاح وَبَيَان ... ذَاك الَّذِي هُوَ صَاحب التَّرْغِيب والترهيب ممدوح بِكُل لِسَان
قَالَ الامام الْحَافِظ ابو الْقَاسِم اسماعيل بن مُحَمَّد بن الْفضل التَّيْمِيّ الطلحي الاصبهاني مُصَنف (التَّرْغِيب والترهيب (وَقد سُئِلَ عَن صِفَات الرب فَقَالَ مَذْهَب مَالك وَالثَّوْري والاوزاعي وَالشَّافِعِيّ وَحَمَّاد ابْن سَلمَة وَحَمَّاد بن زيد وَأحمد وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَعبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي واسحاق بن رَاهَوَيْه ان صِفَات الله الَّتِي وصف بهَا نَفسه اَوْ وَصفه بهَا رَسُوله من السّمع وَالْبَصَر وَالْوَجْه وَالْيَدَيْنِ وَسَائِر أَوْصَافه إِنَّمَا هِيَ على ظَاهرهَا الْمَعْرُوف الْمَشْهُور من غير كَيفَ يتَوَهَّم فِيهَا وَلَا تَشْبِيه وَلَا تَأْوِيل قَالَ ابْن عُيَيْنَة كل شَيْء وصف الله بِهِ نَفسه فقراءته تَفْسِيره ثمَّ قَالَ أَي هُوَ على ظَاهره لَا يجوز صرفه الى الْمجَاز بِنَوْع من التَّأْوِيل وَقَالَ رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب (الْحجَّة (قَالَ عُلَمَاء السّنة إِن الله على عَرْشه بَائِن من خلقه وَقَالَت الْمُعْتَزلَة وَهُوَ بِذَاتِهِ
стр. 457
فِي كل مَكَان قَالَ وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ المجادلة ٧ قَالَ هُوَ على عَرْشه وَعلمه فِي كل مَكَان قَالَ وَزعم هَؤُلَاءِ أَن معنى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٢٥ أَي ملكه وَأَنه لَا اخْتِصَاص لَهُ بالعرش أَكثر مِمَّا لَهُ بالأمكنة وَهَذَا إِلْغَاء لتخصيص الْعَرْش وتشريفه قَالَ أهل السّنة اسْتَوَى على الْعَرْش وَبعد خلق السَّمَوَات والارض على مَا ورد بِهِ النَّص وَلَيْسَ مَعْنَاهُ المماسة بل هُوَ مستو على عَرْشه بِلَا كَيفَ كَمَا أخبر عَن نَفسه قَالَ وَزعم هَؤُلَاءِ أَنه لَا يجوز الاشارة الى الله بالرؤوس والاصابع الى فَوق فان ذَلِك يُوجب التَّحْدِيد وَأجْمع الْمُسلمُونَ على أَن الله هُوَ الْعلي الاعلى ونطق بذلك الْقُرْآن فَزعم هَؤُلَاءِ أَن ذَلِك بِمَعْنى علو الْغَلَبَة لَا علو الذَّات وَعند الْمُسلمين أَن لله علو الْغَلَبَة والعلو من سَائِر وُجُوه الْعُلُوّ لِأَن صفة الْعُلُوّ صفة مدح فَثَبت أَن لله تَعَالَى علو الذَّات وعلو الصِّفَات وعلو الْقَهْر وَالْغَلَبَة وَفِي مَنعهم الاشارة الى الله من جِهَة الفوق خلاف لسَائِر الْملَل لَان الْمُسلمين وَقع مِنْهُم الاجماع على الاشارة الى الله من جِهَة الفوق فِي الدُّعَاء وَالسُّؤَال واتفاقهم بأجمعهم على ذَلِك حجَّة وَقد أخبر عَن فِرْعَوْن أَنه قَالَ ﴿يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا﴾ غَافِر ٣٦ ٣٧ فَكَانَ فِرْعَوْن قد فهم عَن مُوسَى أَنه كَانَ يثبت إِلَهًا فَوق السَّمَاء حَتَّى رام بصرحه أَن يطلع اليه واتهم مُوسَى بِالْكَذِبِ فِي ذَلِك والجهمية لَا تعلم أَن الله فَوْقهَا بِوُجُود ذَاته فهم أعجز فهما من فِرْعَوْن بل اضل وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه حكم بايمان الْجَارِيَة حِين قَالَت إِن الله فِي السَّمَاء وَحكم الجهمي
стр. 458
زم يكفر من يَقُول ذَلِك انْتهى كَلَام أبي الْقَاسِم رَحمَه الله تَعَالَى توفّي سنة ٥٣٥
قَالَ النَّاظِم ... وَانْظُر الى مَا قَالَه فِي السّنة الْكُبْرَى سُلَيْمَان هُوَ الطَّبَرَانِيّ ...
صنف الْحَافِظ الْكَبِير أَبُو الْقَاسِم بن أَحْمد بن أَيُّوب اللَّخْمِيّ الشَّامي نزيل أَصْبَهَان كتاب (السّنة (قَالَ فِيهِ بَاب مَا جَاءَ فِي اسْتِوَاء الله على عَرْشه بَائِن من خلقه فساق فِي الْبَاب حَدِيث أبي رزين الْعقيلِيّ قلت يَا رَسُول الله أَيْن كَانَ رَبنَا وَحَدِيث عبد الله بن خَليفَة عَن عمر فِي علو الرب على عَرْشه وَحَدِيث الاوعال وأ الْعَرْش على ظهورهن وَأَن الله فَوْقه وَقَول مُجَاهِد فِي الْمقَام الْمَحْمُود توفّي ﵀ سنة ٣٦٠ سِتِّينَ وثلاثمائة رَحمَه الله تَعَالَى ... وَانْظُر الى مَا قَالَه شيخ الْهدى ... يدعى بطلمنكيهم ذُو شان ...
قَالَ الْحَافِظ الامام أَبُو عمر أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله الاندلسي الطلمنكي الْمَالِكِي فِي كتاب (الْوُصُول الى معرفَة الاصول (وَهُوَ مجلدان أجمع الْمُسلمُونَ من أهل السّنة على أَن معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ الْحَدِيد ٤ وَنَحْو ذَلِك من الْقُرْآن انه علمه وان الله تَعَالَى فَوق السَّمَوَات بِذَاتِهِ مستو على عَرْشه كَيفَ شَاءَ وَقَالَ أهل السّنة فِي قَوْله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ إِن الاسْتوَاء من الله على عَرْشه على الْحَقِيقَة لَا على الْمجَاز فقد قَالَ قوم من الْمُعْتَزلَة والجهمية لَا يجوز أَن يُسمى الله بِهَذِهِ الاسماء على الْحَقِيقَة وَيُسمى بهَا الْمَخْلُوق فنفوا عَن الله الحقا
стр. 459
وأيقنوا أَنه كَلَام الله بِالْحَقِيقَةِ لَيْسَ بمخلوق فَمن سَمعه وَزعم أَنه كَلَام الْبشر فقد كفر والرؤية لأهل الْجنَّة حق بِغَيْر احاطة وَلَا كَيْفيَّة وكل مَا فِي ذَلِك من الصَّحِيح عَن رَسُول الله ﷺ فَهُوَ كَمَا قَالَ وَمَعْنَاهُ على مَا أَرَادَ لَا ندخل فِي ذَلِك متأولين بآرائنا وَلَا يثبت قدم الاسلام الا على التَّسْلِيم والاستسلام فَمن رام مَا حظر عَنهُ علمه وَلم يقنع بِالتَّسْلِيمِ فهمه حجبه مرامه عَن خَالص التَّوْحِيد وصحيح الايمان وَمن لم يتوق النَّفْي والتشبيه زل وَلم يصب التَّنْزِيه الى ان قَالَ وَالْعرش والكرسي حق كَمَا بَين فِي كِتَابه وَهُوَ مستغن عَن الْعَرْش وَمَا دونه مُحِيط بِكُل شَيْء وفوقه انْتهى ... وَكَذَلِكَ القَاضِي ابو بكر هُوَ ابْن الباقلاني قَائِد الفرسان ... قد قَالَ فِي تمهيده ورسائل
وَالشَّرْح مَا فِيهِ جلي بَيَان ... فِي بَعْضهَا حَقًا على الْعَرْش اسْتَوَى
لكنه استولى على الاكوان ... وأتى بتقرير الْعُلُوّ وأبطل اللَّام الَّتِي زيدت على الْقُرْآن
من أوجه شَتَّى وَذَا فِي كتبه ... باد لمن كَانَت لَهُ عينان ...
قَالَ القَاضِي ابو بكر مُحَمَّد بن الطّيب الباقلاني الاشعري فِي كِتَابه (التَّمْهِيد فِي أصُول الدّين (وَهُوَ من أشهر كتبه فا ن قَالَ قَائِل فَهَل تَقولُونَ إِنَّه فِي كل مَكَان قيل معَاذ الله بل هُوَ مستو على عَرْشه كَمَا أخبر فِي كِتَابه فَقَالَ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ وَقَالَ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم الأَرْض﴾ الْملك ١٦ وَلَو كَانَ فِي كل مَكَان لَكَانَ فِي جَوف الانسان وف فَمه وَفِي الحشوش والمواضع القذره الَّتِي يرغب عَن ذكرهَا تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا ثمَّ قَالَ
стр. 460
تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾ الزخرف ٨٤ المُرَاد انه إِلَه عِنْد أهل السَّمَاء وأله عِنْد أهل الارض كَمَا يُقَال فلَان سيد مُطَاع فِي المصرين أَي عِنْد أَهلهَا وَلَيْسَ يعنون أَن ذَات الْمَذْكُور بالحجاز وبالعراق مَوْجُودَة
وَقَوله ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون﴾ النَّحْل ١٢٨ يَعْنِي بِالْحِفْظِ والنصر والتأييد وَلم يرد أَن ذَاته مَعَهم تَعَالَى وَقَوله ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ طه ٤٦ مَحْمُول على هَذَا التَّأْوِيل
وَقَوله ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ المجادلة ٧ إِنَّه عَالم بهم وَبِمَا خَفِي من سرهم ونجواهم وَهَذَا انما يسْتَعْمل كَمَا ورد بِهِ الْقُرْآن فَلَا يجوز أَن يُقَال قِيَاسا على هَذَا إِن الله بالقيروان ومدينة السَّلَام ودمشق وَإنَّهُ مَعَ الثور وَالْحمار وَإنَّهُ مَعَ الْفُسَّاق وَمَعَ المصعدين الى حلوان قِيَاسا على قَوْله ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا﴾ النَّحْل ١٢٨ فَوَجَبَ التَّأْوِيل على مَا وَصفنَا وَلَا يجوز أَن يكون معنى استوائه على الْعَرْش هُوَ استيلاؤه كَمَا قَالَ الشَّاعِر ... قد اسْتَوَى بشر على الْعرَاق ...
لَان الِاسْتِيلَاء هُوَ الْقُدْرَة والقهر وَالله تَعَالَى لم يزل قَادِرًا قاهرا
وَقَوله ﴿ثمَّ اسْتَوَى﴾ يَقْتَضِي استفتاح هَذَا الْوَصْف بعد أَن لم يكن فَبَطل مَا قَالُوهُ وَقَالَ فِي كتاب (الذب عَن أبي الْحسن الاشعري (كَذَلِك قَوْلنَا فِي جَمِيع الْمَرْوِيّ عَن رَسُول الله ﷺ فس صِفَات الله إِذا صَحَّ من اثبات الْيَدَيْنِ وَالْوَجْه والعينين ونقول إِنَّه يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة فِي ظلل من الْغَمَام وَإنَّهُ ينزل الى السَّمَاء الدُّنْيَا وانه مستو على عَرْشه الى أَن
следующие страницы →