← Акыда

Акыда · id 6362

توضيح المقاصد شرح نونية ابن القيم الكافية الشافية

أحمد بن عيسى

Полный текст (1 130 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم هبة الله بن الْحسن الطَّبَرِيّ الشَّافِعِي مُصَنف كتاب (شرح إعتقاد أهل السّنة (سِيَاق مَا رُوِيَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ وَإِن الله على عَرْشه قَالَ الله ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ فاطر ١٠ وَقَالَ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء﴾ الْملك ١٦ وَقَالَ ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ الْأَنْعَام ١٨ ٦١ فدلت هَذِه الايات أَنه فِي السَّمَاء وَعلمه بِكُل مَكَان رُوِيَ ذَلِك عَن عمر وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأم سَلمَة وَمن التَّابِعين ربيعَة وَسليمَان التَّيْمِيّ وَمُقَاتِل بن حَيَّان وَبِه قَالَ مَالك وَالثَّوْري وَأحمد ... وَانْظُر الى مَا قَالَه علم الْهدى التميي فِي ايضاح وَبَيَان ... ذَاك الَّذِي هُوَ صَاحب التَّرْغِيب والترهيب ممدوح بِكُل لِسَان قَالَ الامام الْحَافِظ ابو الْقَاسِم اسماعيل بن مُحَمَّد بن الْفضل التَّيْمِيّ الطلحي الاصبهاني مُصَنف (التَّرْغِيب والترهيب (وَقد سُئِلَ عَن صِفَات الرب فَقَالَ مَذْهَب مَالك وَالثَّوْري والاوزاعي وَالشَّافِعِيّ وَحَمَّاد ابْن سَلمَة وَحَمَّاد بن زيد وَأحمد وَيحيى بن سعيد الْقطَّان وَعبد الرَّحْمَن ابْن مهْدي واسحاق بن رَاهَوَيْه ان صِفَات الله الَّتِي وصف بهَا نَفسه اَوْ وَصفه بهَا رَسُوله من السّمع وَالْبَصَر وَالْوَجْه وَالْيَدَيْنِ وَسَائِر أَوْصَافه إِنَّمَا هِيَ على ظَاهرهَا الْمَعْرُوف الْمَشْهُور من غير كَيفَ يتَوَهَّم فِيهَا وَلَا تَشْبِيه وَلَا تَأْوِيل قَالَ ابْن عُيَيْنَة كل شَيْء وصف الله بِهِ نَفسه فقراءته تَفْسِيره ثمَّ قَالَ أَي هُوَ على ظَاهره لَا يجوز صرفه الى الْمجَاز بِنَوْع من التَّأْوِيل وَقَالَ رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب (الْحجَّة (قَالَ عُلَمَاء السّنة إِن الله على عَرْشه بَائِن من خلقه وَقَالَت الْمُعْتَزلَة وَهُوَ بِذَاتِهِ

стр. 457

فِي كل مَكَان قَالَ وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ المجادلة ٧ قَالَ هُوَ على عَرْشه وَعلمه فِي كل مَكَان قَالَ وَزعم هَؤُلَاءِ أَن معنى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٢٥ أَي ملكه وَأَنه لَا اخْتِصَاص لَهُ بالعرش أَكثر مِمَّا لَهُ بالأمكنة وَهَذَا إِلْغَاء لتخصيص الْعَرْش وتشريفه قَالَ أهل السّنة اسْتَوَى على الْعَرْش وَبعد خلق السَّمَوَات والارض على مَا ورد بِهِ النَّص وَلَيْسَ مَعْنَاهُ المماسة بل هُوَ مستو على عَرْشه بِلَا كَيفَ كَمَا أخبر عَن نَفسه قَالَ وَزعم هَؤُلَاءِ أَنه لَا يجوز الاشارة الى الله بالرؤوس والاصابع الى فَوق فان ذَلِك يُوجب التَّحْدِيد وَأجْمع الْمُسلمُونَ على أَن الله هُوَ الْعلي الاعلى ونطق بذلك الْقُرْآن فَزعم هَؤُلَاءِ أَن ذَلِك بِمَعْنى علو الْغَلَبَة لَا علو الذَّات وَعند الْمُسلمين أَن لله علو الْغَلَبَة والعلو من سَائِر وُجُوه الْعُلُوّ لِأَن صفة الْعُلُوّ صفة مدح فَثَبت أَن لله تَعَالَى علو الذَّات وعلو الصِّفَات وعلو الْقَهْر وَالْغَلَبَة وَفِي مَنعهم الاشارة الى الله من جِهَة الفوق خلاف لسَائِر الْملَل لَان الْمُسلمين وَقع مِنْهُم الاجماع على الاشارة الى الله من جِهَة الفوق فِي الدُّعَاء وَالسُّؤَال واتفاقهم بأجمعهم على ذَلِك حجَّة وَقد أخبر عَن فِرْعَوْن أَنه قَالَ ﴿يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا﴾ غَافِر ٣٦ ٣٧ فَكَانَ فِرْعَوْن قد فهم عَن مُوسَى أَنه كَانَ يثبت إِلَهًا فَوق السَّمَاء حَتَّى رام بصرحه أَن يطلع اليه واتهم مُوسَى بِالْكَذِبِ فِي ذَلِك والجهمية لَا تعلم أَن الله فَوْقهَا بِوُجُود ذَاته فهم أعجز فهما من فِرْعَوْن بل اضل وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه حكم بايمان الْجَارِيَة حِين قَالَت إِن الله فِي السَّمَاء وَحكم الجهمي

стр. 458

زم يكفر من يَقُول ذَلِك انْتهى كَلَام أبي الْقَاسِم رَحمَه الله تَعَالَى توفّي سنة ٥٣٥ قَالَ النَّاظِم ... وَانْظُر الى مَا قَالَه فِي السّنة الْكُبْرَى سُلَيْمَان هُوَ الطَّبَرَانِيّ ... صنف الْحَافِظ الْكَبِير أَبُو الْقَاسِم بن أَحْمد بن أَيُّوب اللَّخْمِيّ الشَّامي نزيل أَصْبَهَان كتاب (السّنة (قَالَ فِيهِ بَاب مَا جَاءَ فِي اسْتِوَاء الله على عَرْشه بَائِن من خلقه فساق فِي الْبَاب حَدِيث أبي رزين الْعقيلِيّ قلت يَا رَسُول الله أَيْن كَانَ رَبنَا وَحَدِيث عبد الله بن خَليفَة عَن عمر فِي علو الرب على عَرْشه وَحَدِيث الاوعال وأ الْعَرْش على ظهورهن وَأَن الله فَوْقه وَقَول مُجَاهِد فِي الْمقَام الْمَحْمُود توفّي ﵀ سنة ٣٦٠ سِتِّينَ وثلاثمائة رَحمَه الله تَعَالَى ... وَانْظُر الى مَا قَالَه شيخ الْهدى ... يدعى بطلمنكيهم ذُو شان ... قَالَ الْحَافِظ الامام أَبُو عمر أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله الاندلسي الطلمنكي الْمَالِكِي فِي كتاب (الْوُصُول الى معرفَة الاصول (وَهُوَ مجلدان أجمع الْمُسلمُونَ من أهل السّنة على أَن معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أَيْن مَا كُنْتُم﴾ الْحَدِيد ٤ وَنَحْو ذَلِك من الْقُرْآن انه علمه وان الله تَعَالَى فَوق السَّمَوَات بِذَاتِهِ مستو على عَرْشه كَيفَ شَاءَ وَقَالَ أهل السّنة فِي قَوْله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ إِن الاسْتوَاء من الله على عَرْشه على الْحَقِيقَة لَا على الْمجَاز فقد قَالَ قوم من الْمُعْتَزلَة والجهمية لَا يجوز أَن يُسمى الله بِهَذِهِ الاسماء على الْحَقِيقَة وَيُسمى بهَا الْمَخْلُوق فنفوا عَن الله الحقا

стр. 459

وأيقنوا أَنه كَلَام الله بِالْحَقِيقَةِ لَيْسَ بمخلوق فَمن سَمعه وَزعم أَنه كَلَام الْبشر فقد كفر والرؤية لأهل الْجنَّة حق بِغَيْر احاطة وَلَا كَيْفيَّة وكل مَا فِي ذَلِك من الصَّحِيح عَن رَسُول الله ﷺ فَهُوَ كَمَا قَالَ وَمَعْنَاهُ على مَا أَرَادَ لَا ندخل فِي ذَلِك متأولين بآرائنا وَلَا يثبت قدم الاسلام الا على التَّسْلِيم والاستسلام فَمن رام مَا حظر عَنهُ علمه وَلم يقنع بِالتَّسْلِيمِ فهمه حجبه مرامه عَن خَالص التَّوْحِيد وصحيح الايمان وَمن لم يتوق النَّفْي والتشبيه زل وَلم يصب التَّنْزِيه الى ان قَالَ وَالْعرش والكرسي حق كَمَا بَين فِي كِتَابه وَهُوَ مستغن عَن الْعَرْش وَمَا دونه مُحِيط بِكُل شَيْء وفوقه انْتهى ... وَكَذَلِكَ القَاضِي ابو بكر هُوَ ابْن الباقلاني قَائِد الفرسان ... قد قَالَ فِي تمهيده ورسائل وَالشَّرْح مَا فِيهِ جلي بَيَان ... فِي بَعْضهَا حَقًا على الْعَرْش اسْتَوَى لكنه استولى على الاكوان ... وأتى بتقرير الْعُلُوّ وأبطل اللَّام الَّتِي زيدت على الْقُرْآن من أوجه شَتَّى وَذَا فِي كتبه ... باد لمن كَانَت لَهُ عينان ... قَالَ القَاضِي ابو بكر مُحَمَّد بن الطّيب الباقلاني الاشعري فِي كِتَابه (التَّمْهِيد فِي أصُول الدّين (وَهُوَ من أشهر كتبه فا ن قَالَ قَائِل فَهَل تَقولُونَ إِنَّه فِي كل مَكَان قيل معَاذ الله بل هُوَ مستو على عَرْشه كَمَا أخبر فِي كِتَابه فَقَالَ ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ وَقَالَ ﴿أأمنتم من فِي السَّمَاء أَن يخسف بكم الأَرْض﴾ الْملك ١٦ وَلَو كَانَ فِي كل مَكَان لَكَانَ فِي جَوف الانسان وف فَمه وَفِي الحشوش والمواضع القذره الَّتِي يرغب عَن ذكرهَا تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا ثمَّ قَالَ

стр. 460

تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه وَفِي الأَرْض إِلَه﴾ الزخرف ٨٤ المُرَاد انه إِلَه عِنْد أهل السَّمَاء وأله عِنْد أهل الارض كَمَا يُقَال فلَان سيد مُطَاع فِي المصرين أَي عِنْد أَهلهَا وَلَيْسَ يعنون أَن ذَات الْمَذْكُور بالحجاز وبالعراق مَوْجُودَة وَقَوله ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون﴾ النَّحْل ١٢٨ يَعْنِي بِالْحِفْظِ والنصر والتأييد وَلم يرد أَن ذَاته مَعَهم تَعَالَى وَقَوله ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى﴾ طه ٤٦ مَحْمُول على هَذَا التَّأْوِيل وَقَوله ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ المجادلة ٧ إِنَّه عَالم بهم وَبِمَا خَفِي من سرهم ونجواهم وَهَذَا انما يسْتَعْمل كَمَا ورد بِهِ الْقُرْآن فَلَا يجوز أَن يُقَال قِيَاسا على هَذَا إِن الله بالقيروان ومدينة السَّلَام ودمشق وَإنَّهُ مَعَ الثور وَالْحمار وَإنَّهُ مَعَ الْفُسَّاق وَمَعَ المصعدين الى حلوان قِيَاسا على قَوْله ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا﴾ النَّحْل ١٢٨ فَوَجَبَ التَّأْوِيل على مَا وَصفنَا وَلَا يجوز أَن يكون معنى استوائه على الْعَرْش هُوَ استيلاؤه كَمَا قَالَ الشَّاعِر ... قد اسْتَوَى بشر على الْعرَاق ... لَان الِاسْتِيلَاء هُوَ الْقُدْرَة والقهر وَالله تَعَالَى لم يزل قَادِرًا قاهرا وَقَوله ﴿ثمَّ اسْتَوَى﴾ يَقْتَضِي استفتاح هَذَا الْوَصْف بعد أَن لم يكن فَبَطل مَا قَالُوهُ وَقَالَ فِي كتاب (الذب عَن أبي الْحسن الاشعري (كَذَلِك قَوْلنَا فِي جَمِيع الْمَرْوِيّ عَن رَسُول الله ﷺ فس صِفَات الله إِذا صَحَّ من اثبات الْيَدَيْنِ وَالْوَجْه والعينين ونقول إِنَّه يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة فِي ظلل من الْغَمَام وَإنَّهُ ينزل الى السَّمَاء الدُّنْيَا وانه مستو على عَرْشه الى أَن

стр. 461

قَالَ وَقد بَينا دين الائمة وَأهل السّنة ان هَذِه الصِّفَات تمر كَمَا جَاءَت بِغَيْر تكييف وَلَا تَحْدِيد وَلَا تجنيس وَلَا تَصْوِير كَمَا رُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ وَعَن مَالك فِي الاسْتوَاء فَمن تجَاوز هَذَا فقد تعدى وابتدع وضل قَالَ الْحَافِظ الذَّهَبِيّ فَهَذَا نفس هَذَا الامام وَأَيْنَ مثله فِي تبحره وذكائه وبصره بالملل والنحل فَلَقَد امْتَلَأَ الْوُجُود بِقوم لَا يَدْرُونَ مَا السّلف وَلَا يعْرفُونَ الا السَّلب وَنفي الصِّفَات وردهَا صم بكم غنم عجم يدعونَ الى الْعقل وَلَا يكونُونَ على النَّقْل فانا لله وانا اليه لااجعون مَاتَ القَاضِي أَبُو بكر ﵀ فِي سنة ثَلَاث وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ فِي عشر السّبْعين وَقد سَارَتْ بمصنفاته الركْبَان ... وَانْظُر الى قَول ابْن كلاب وَمَا يقْضِي بِهِ لمعطل الرَّحْمَن ... أخرج من النَّقْل الصَّحِيح وعقله من قَالَ قَول الزُّور والبهتان ... لَيْسَ الاله بداخل فِي خلقه أَو خَارج من جملَة الاكوان ... قد تقدم نقل كَلَام ابْن كلاب بِمَا يُغني عَن الاعادة ... وَانْظُر الى مَا قَالَه الطَّبَرِيّ فِي التَّفْسِير والتهذيب قَول معَان ... وَانْظُر الى مَا قَالَه فِي سُورَة الاعراف مَعَ طه وَمَعَ سُبْحَانَ ... أَي وَانْظُر الى مَا قَالَه الامام أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ فِي (تَفْسِيره (وَفِي (تَهْذِيب الْآثَار (قَالَ الذَّهَبِيّ فِي كتاب (الْعُلُوّ (أخبرنَا ابو الْفضل أَحْمد بن هبة الله بن عَسَاكِر أنبأ زين الامناء الْحسن بن مُحَمَّد أنبأ أَبُو الْقَاسِم الاسدي أَنبأَنَا أَبُو الْقَاسِم ابْن أبي الْعَلَاء أنبأ عبد الرَّحْمَن ابْن

стр. 462

أبي نصر أنبأ أَبُو سعيد الدينَوَرِي مستملي مُحَمَّد بن جرير قَالَ قرى على أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ وانا أسمع فِي عقيدته قَالَ وَحسب امرىء أَن يعلم أَن ربه هُوَ الَّذِي على الْعَرْش اسْتَوَى فَمن تجَاوز ذَلِك فقد خَابَ وخسر انْتهى (تَفْسِير ابْن جرير (مشحون بأقوال السّلف على الاثبات نقل فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ الْبَقَرَة ٢٩ عَن الرّبيع بن أنس ﴿اسْتَوَى﴾ بِمَعْنى ارْتَفع وَنقل فِي تَفْسِير ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ الاعراف ٥٤ فِي الْمَوَاضِع كلهَا أَي علا وارتفع وَقد روى قَول مُجَاهِد ثمَّ قَالَ لَيْسَ فِي فرق الاسلام من يُنكر هَذَا لَا من يقر أَن الله فَوق الْعَرْش وَلَا من يُنكره من الْجَهْمِية وَنَحْوهم وَقَالَ فِي كتاب (التبصير فِي معالم الدّين (القَوْل فِيمَا أدْرك علمه من الصِّفَات خَبرا وَذَلِكَ نَحْو إخْبَاره انه سميع بَصِير وَأَن لَهُ يدين بقوله ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ الْمَائِدَة ٦٤ وَأَن لَهُ وَجها بقوله ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾ الرَّحْمَن ٢٧ وان لَهُ قدما بقول النَّبِي ﷺ (حَتَّى يضع الرب فِيهَا قدمه (وَأَنه يضْحك بقوله (لَقِي الله وَهُوَ يضْحك إِلَيْهِ (وَأَنه يهْبط الى سَمَاء الدُّنْيَا لخَبر

стр. 463

رَسُول الله ﷺ بذلك وَأَن لَهُ أصبعا بقول رَسُوله (مَا من قلب إِلَّا وَهُوَ بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن (فان هَذِه الْمعَانِي الَّتِي وصفت ونظائرها مِمَّا وصف الله بِهِ نَفسه وَرَسُوله مَا لَا يثبت حَقِيقَة علمه بالفكر والروية لَا نكفر بِالْجَهْلِ بهَا أحدا الا بعد انتهائها اليه أخرج هَذَا الْكَلَام لِابْنِ جرير القَاضِي أَبُو يعلى فِي كتاب (إبِْطَال التَّأْوِيل (لَهُ وَقَالَ فِي قَوْله ﴿وَقَالَ فِرْعَوْن يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا﴾ غَافِر ٣٦ ٣٧ يَقُول وَإِنِّي لاظن مُوسَى كَاذِبًا فِيمَا يَقُول وَيَدعِي أَن لَهُ رَبًّا فِي السَّمَاء ارسله الينا توفّي ابْن جرير ﵀ سنة ٣١٠ عشر وثلاثمائة ... وَانْظُر الى مَا قَالَه الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيره وَالشَّرْح يالاحسان ... فِي سُورَة الاعراف عِنْد الاستوا فِيهَا وَفِي الاولى من الْقُرْآن ... قَالَ الامام محيي السّنة أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بن مَسْعُود الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ الاعراف ٥٤ قَالَ الْكَلْبِيّ

стр. 464

وَمُقَاتِل اسْتَقر وَقَالَ ابو عُبَيْدَة صعد وأولت الْمُعْتَزلَة الاسْتوَاء بِالِاسْتِيلَاءِ وَأما أهل السّنة فَيَقُولُونَ الاسْتوَاء على الْعَرْش صفة لله بِلَا كَيفَ يجب الايمان بِهِ وَقَالَ فِي قَوْله ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ الْبَقَرَة ٢٩ قَالَ ابْن عَبَّاس وَأكْثر مفسري السّلف ارْتَفع الى السَّمَاء وَقَالَ فِي قَوْله ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة﴾ الْبَقَرَة ٢١٠ الاولى فِي هَذِه الاية وَمَا شاكلها أَن يُؤمن الانسان بظاهرها ويكل علمهَا الى الله ويعتقد أَن الله منزه عَن سمات الْحَدث على ذَلِك مَضَت السّلف وعلماء السّنة وَقَالَ فِي قَوْله ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ المجادلة ٧ أَي من سرار ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم بِالْعلمِ كَانَ محيي السّنة من كبار أَئِمَّة مَذْهَب الشَّافِعِيَّة وَهُوَ الْحُسَيْن بن مَسْعُود ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد الْبَغَوِيّ صَاحب (التَّفْسِير (و (شرح السّنة (و (التَّهْذِيب (فِي الْفِقْه و (الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ (و (المصابيح (فِي الصِّحَاح والحسان وَغير ذَلِك تفقه على القَاضِي حُسَيْن وبرع فِي هَذِه الْعُلُوم وَكَانَ عَلامَة زَمَانه فِيهَا وَكَانَ دينا ورعا زاهدا عابدا صَالحا توفّي فِي شَوَّال سنة ٥١٦ سِتّ عشرَة وَخَمْسمِائة وَقيل سنة عشر ... وَانْظُر الى مَا قَالَه ذُو سنة ... وَقِرَاءَة ذَاك الامام الداني ... قَالَ الْحَافِظ امام الْقُرَّاء أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن سعيد الداني صَاحب (التَّيْسِير (فِي أرجوزته الَّتِي فِي عُقُود الدّيانَة ... كلم مُوسَى عَبده تكليما وَلم يزل مُدبرا حكيما ... كَلَامه وَقَوله قديم وَهُوَ فَوق عشره عَظِيم ...

стр. 465

.. وَالْقَوْل فِي كِتَابه الْمفضل بِأَنَّهُ كَلَامه الْمنزل ... على رَسُوله النَّبِي الصَّادِق لَيْسَ بمخلوق وَلَا بخالق ... توفّي الداني ﵀ فِي شَوَّال سنة ٤٤٤ أَربع واربعين وَأَرْبَعمِائَة ب (دانية (من الاندلس وَمَشى السُّلْطَان أَمَام نعشه ... وكذاك سنة الاصبهاني أبي الشَّيْخ الرضى المستل من حَيَّان ... قَالَ مُحدث أَصْبَهَان مَعَ الطَّبَرَانِيّ أَبُو مُحَمَّد ابْن حَيَّان ﵀ فِي كتاب (العظمة (لَهُ ذكر عرش الرب ﵎ وكرسيه وَعظم خلقهما وعلو الرب فَوق عَرْشه ثمَّ سَاق جملَة من الاحاديث فِي ذَلِك أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن حَيَّان الانصاري صَاحب المصنفات السائرة وَيعرف بِأبي الشَّيْخ ولد سنة أَربع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَسمع فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وهلم جرا وَكتب العالي والنازل وَلَقي الْكِبَار وَسمع من جده لامه الزَّاهِد مَحْمُود بن الْفرج وابراهيم بن سَعْدَان وَمُحَمّد بن عبد الله بن الْحسن بن حَفْص الْهَمدَانِي رَئِيس أَصْبَهَان وَأبي بكر ابْن أبي عَاصِم وَأبي يعلي الْموصِلِي وَأبي عرُوبَة الْحَرَّانِي وَكَانَ مَعَ سَعَة علمه وغزارة حفظه صَالحا خيرا قَانِتًا لله صَدُوقًا حدث عَنهُ أَبُو بكر أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن الشِّيرَازِيّ وَأَبُو بكر ابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو سعيد الْمَالِينِي وَأَبُو نعيم وَالْفضل بن مُحَمَّد القاشاني وَأَبُو طَاهِر بن عبد الرَّحِيم الْكَاتِب وَخلق كثير قَالَ ابْن مرْدَوَيْه ثِقَة مَأْمُون صنف (التَّفْسِير (والكتب الْكَثِيرَة فِي الاحكام وَغير ذَلِك وَقَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب كَانَ حَافِظًا ثبتا متقنا وَرُوِيَ عَن بعض الْعلمَاء قَالَ مَا دخلت على الطَّبَرَانِيّ الا وَهُوَ يمزح أَو يضْحك وَمَا دخلت على ابي الشَّيْخ الا وَهُوَ يُصَلِّي قَالَ ابو نعيم

стр. 466

كَانَ أحد الاعلام صنف (الاحكام (و (التَّفْسِير (وَكَانَ يُفِيد عَن الشُّيُوخ ويصنف لَهُم سِتِّينَ سنة وَكَانَ ثِقَة قَالَ الذَّهَبِيّ وَله كتاب (السّنة (وَكتاب (فَضَائِل الاعمال (و (السّنة الْكَبِير (وَكَانَ إِمَامًا فِي الحَدِيث رفيع الاسناد توفّي سنة ٣٦٩ تسع وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَهُوَ فِي عشر الْمِائَة ... وَانْظُر مَا قَالَه ابْن سُرَيج ذَاك الْبَحْر الخضم الشَّافِعِي الثَّانِي ... سُرَيج بِضَم السِّين وَفتح الرَّاء وَبعدهَا يَاء ثمَّ جِيم وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عمر بن سُرَيج فَقِيه الْعرَاق قَالَ أَبُو الْقَاسِم سعد بن عَليّ الزنجاني سَأَلت أيدك الله بَيَان مَا صَحَّ لدي من مَذْهَب السّلف وصالحى الْخلف فِي الصِّفَات فاستخرج فاستخرت الله تَعَالَى وأجبت بِجَوَاب الْفَقِيه أَحْمد بن عمر بن سُرَيج ﵀ وَقد سُئِلَ عَن هَذَا ذكره ابو سعيد عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الْفَقِيه قَالَ سَمِعت بعض شويخنا يَقُول سُئِلَ ابْن سُرَيج ﵀ عَن صِفَات الله تَعَالَى فَقَالَ حرَام على الْعُقُول أَن تمثل الله وعَلى الاوهام أَن تحده وعَلى الالباب أتصفه الا بِمَا وصف بِهِ نَفسه فِي كِتَابه اَوْ على لِسَان رَسُوله وَقد صَحَّ عِنْد جَمِيع أهل الدّيانَة وَالسّنة الى زَمَاننَا هَذَا أَن جَمِيع الْآي والاخبار الصادقة عَن رَسُول الله ﷺ يجب على الْمُسلمين الايمان بِكُل وَاحِد مِنْهُ كَمَا ورد وَأَن السُّؤَال عَن مَعَانِيهَا بِدعَة وَالْجَوَاب كفر وزندقة مثل قَوْله ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾ الْبَقَرَة ٢١٠ وَقَوله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه ٥ ﴿وَجَاء رَبك وَالْملك صفا صفا﴾ الْفجْر ٢٢ ونظائرها مِمَّا نظق بِهِ الْقُرْآن كَا لفوقية وَالنَّفس وَالْيَدَيْنِ والسمع وَالْبَصَر وصعود الْكَلم اليه والضحك والتعجب وَالنُّزُول الى أَن قَالَ اعتقادنا فِيهِ وَفِي

стр. 467

الْآي الْمُتَشَابه فِي الْقُرْآن ان نقبلها وَلَا نردها وَلَا نتأولها بِتَأْوِيل الْمُخَالفين وَلَا نحملها على تَشْبِيه المشبهين وَلَا نترجم عَن صِفَاته بلغَة غير الْعَرَبيَّة ونسلم الْخَبَر الظَّاهِر وَالْآيَة الظَّاهِر تنزيلها كَانَ ابْن سُرَيج اليه الْمُنْتَهى فِي معرفَة الْمَذْهَب بِحَيْثُ انه كَانَ (يفضل) على جَمِيع أَصْحَاب الشَّافِعِي حَتَّى على الْمُزنِيّ قَالَ الامام أَبُو اسحاق صَاحب (التَّنْبِيه (سَمِعت أَبَا الْحسن الشيرجي يَقُول إِن فهرست كتب أبي الْعَبَّاس تشْتَمل على أَرْبَعمِائَة مُصَنف وَكَانَ الْعَلامَة أَبُو حَامِد الاسفراييني يَقُول نَحن نجري مَعَ أبي الْعَبَّاس فِي ظواهر الْفِقْه دون الدقاق توفّي سنة ٣٠٦ سِتّ وثلاثمائة رَحمَه الله تَعَالَى ... وَانْظُر الى مَا قَالَه علم الْهدى ... أَعنِي أَبَا الْخَيْر الرضى النُّعْمَان وَكتابه فِي الْفِقْه وَهُوَ بَيَانه ... يُبْدِي مكانته من الايمان ... قَالَ النَّاظِم فِي (الجيوش الاسلامية (لَهُ كتاب لطيف فِي السّنة على مَذْهَب أهل الحَدِيث صرح فِيهِ فِي مَسْأَلَة الْفَوْقِيَّة والعول والاستواء حَقِيقَة وَتكلم الله بِهَذَا الْقُرْآن الْعَرَبِيّ المسموع بالآذان حَقِيقَة وَأَن جِبْرِيل ﵇ سَمعه من الله سُبْحَانَهُ حَقِيقَة وَصرح فِيهِ باثبات الصِّفَات الخبرية وَاحْتج لذَلِك وَنَصره وَصرح بمخالفة الْجَهْمِية والنفاة ... وَانْظُر الى السّنَن الَّتِي قد صنف الْعلمَاء بالآثار وَالْقُرْآن ... زَادَت على الْمِائَتَيْنِ مِنْهَا مُفْرد أوفى من الْخمسين فِي الحسبان ...

стр. 468

.. مِنْهَا لاحمد عدَّة مَوْجُودَة فِينَا رسائله الى الاخوان ... واللائي فِي ضمن التصانيف الَّتِي شهرت فَلم تحتج الى حسبان ... فكثيرة جدا فَمن يَك رَاغِبًا فِيهَا يجد فِيهَا هدى الْحَيَوَان ... أَصْحَابهَا هم حافظو الاسلام لَا أَصْحَاب جهم حافظو الكفران ... وهم النُّجُوم لكل عبد سَائِر يَبْغِي الاله وجنة الْحَيَوَان ... وسواهم وَالله قطاع الطَّرِيق أَئِمَّة تَدْعُو الى النيرَان مَا فِي الَّذين حكيت عَنْهُم آنِفا ... من حنبلي وَاحِد بِضَمَان بل كلهم وَالله شيعَة أَحْمد ... فأصوله وأصولهم سيان ... أَقُول فِي كَلَامه نظر فان عبد الله ابْن أبي دَاوُد والاثرم والخلال وَعبد الله ابْن الامام أَحْمد وَحرب الْكرْمَانِي كلهم معدودون من الْحَنَابِلَة والاصحاب يذكرونهم فِي (طَبَقَات الْحَنَابِلَة (وَهُوَ رحة الله قد حكى كَلَام الْمَذْكُورين وَهَؤُلَاء وان لم يَكُونُوا متبعين للامام أَحْمد على سَبِيل التَّقْلِيد الصّرْف فهم يعدون فِي الْحَنَابِلَة وَالله أعلم قَوْله ... مِنْهَا لاحمد عدَّة مَوْجُودَة ... فِينَا رسائله الى الاخوان ... مِنْهَا رسَالَته الى مُسَدّد بن مسرهد وَغَيرهَا وَهِي مَذْكُورَة فِي (مَنَاقِب الامام أَحْمد (لِابْنِ الْجَوْزِيّ ... وبذاك فِي كتب لَهُم قد صَرَّحُوا ... وأخو العماية مَاله عينان ...

стр. 469

أتظنهم لفظية جهلية مثل الْحمير تقاد بالارسان ... حاشوهم من ذَاك بل وَالله هم أهل الْعُقُول وَصِحَّة الاذهان ... فَانْظُر الى تقريرهم لعلوه بِالنَّقْلِ والمعقول والبرهان ... عقلان عقل بالنصوص مؤيد ومؤيد بالمنظق اليونان ... وَالله مَا اسْتَويَا وَلنْ يتلاقيا حَتَّى تشيب مفارق الْغرْبَان ... أفتقذفون أولاء بل أضعافهم من سادة الْعلمَاء كل زمَان ... بِالْجَهْلِ والتشبيه والتجسيم والتبديع والتضليل والبهتان يَا قَومنَا الله فِي إسلامكم ... لَا تفسدوه بنخوة الشَّيْطَان يَا قَومنَا اعتبروا بمصرع من خلا ... من قبلكُمْ فِي هَذِه الازمان لم يغن عَنْهُم كذبهمْ ومحالهم ... وقتالهم بالزور والبهتان كلا وَلَا التَّدْلِيس والتلبيس عِنْد النَّاس والحكام وَالسُّلْطَان ... وبدا لَهُم عِنْد انكشاف غطائهم مَا لم يكن للْقَوْم فِي حسبان ... وبدا لَهُم عَن انكشاف حقائق ال ايمان أَنهم على البظلان ... مَا عِنْدهم وَالله غير شكاية فَأتوا بِعلم وانطقوا بِبَيَان ... مَا يشتكي الا الَّذِي هُوَ عَاجز فاشكوا لنعذركم الى الْقُرْآن ... ثمَّ اسمعوا مَاذَا الَّذِي يقْضِي لكم وَعَلَيْكُم فَالْحق فِي الْفرْقَان ...

стр. 470

.. لبستم معنى النُّصُوص وَقَوْلنَا فغدا لكم للحق تلبيسان ... من حرف النَّص الصَّرِيح فَكيف لَا يَأْتِي بتحريف على الانسان ... يَا قوم وَالله الْعَظِيم أساتم بأئمة الاسلام ظن الشان ... مَا ذنبهم ونبيهم قد قَالَ مَا قَالُوا كَذَاك منزل الْفرْقَان ... مَا الذَّنب الا للنصوص لديكم إِذْ جسمت بل شبهت صنفان ... مَا ذَنْب من قد قَالَ مَا نطقت بِهِ من غير تَحْرِيف وَلَا عدوان ... هَذَا كَمَا قَالَ الْخَبيث لصحبه كلب الروافض أَخبث الْحَيَوَان ... لما أفاضوا فِي حَدِيث الرَّفْض عِنْد الْقَبْر لَا تخشون من إِنْسَان يَا قوم أصل بلائكم ومصابكم ... من صَاحب الْقَبْر الَّذِي تريان كم قدم ابْن أبي قُحَافَة بل غَدا ... يثني عَلَيْهِ ثَنَاء ذِي شكران وَيَقُول فِي مرض الْوَفَاة يؤمكم ... عني ابو بكر بِلَا روغان ويظل يمْنَع من إِمَامَة غَيره ... حَتَّى يرى فِي صُورَة الغضبان وَيَقُول لَو كنت الْخَلِيل لوَاحِد ... فِي النَّاس كَانَ هُوَ الْخَلِيل الداني لكنه الاخ والرفيق وصاحبي ... وَله علينا منَّة الاحسان وَيَقُول للصديق يَوْم الْغَار لَا ... تحزن فَنحْن ثَلَاثَة لَا إثنان الله ثالثنا وَتلك فَضِيلَة ... مَا حازها إِلَّا فَتى عُثْمَان ...

стр. 471

يَا قوم مَا ذَنْب النواصب بعد ذَا لم يدهكم الا كَبِير الشان ... فتفرقت تِلْكَ الروافض كلهم قد أطبقت أَسْنَانه الشفتان ... وَكَذَلِكَ الجهمي ذَاك رضيعهم فهما رضيعا كفرهم بلبان ... ثَوْبَان قد نسجا على المنوال يَا عُرْيَان لَا تلبس فَمَا ثَوْبَان ... وَالله شَرّ مِنْهُمَا فهما على أهل الضَّلَالَة والشقا علمَان ... أَقُول لم أَقف على تعْيين هَذَا الرافضي الَّذِي قَالَ هَذَا القَوْل وَالْمعْنَى ان هَذَا الرافضي قَالَ لاصحابه لما أفاضوا فِي حَدِيثهمْ عِنْد الْقَبْر المكرم ﷺ يَا قوم أصل بلائكم ومصابكم من صَاحب هَذَا الْقَبْر لِأَنَّهُ كم قدم ابْن ابي قُحَافَة يعْنى ابا بكر الصّديق ﵁ ويثني عَلَيْهِ وَيَقُول فِي مرض مَوته يؤمكم ابو بكر وَيمْنَع من إِمَامه عمر ﵁ وَيَقُول (لَو كنت متخذا من أهل الارض (خَلِيلًا لاتخذت أَبَا بكر خَلِيلًا وَيَقُول للصديق يَوْم الْغَار (لَا تحزن إِن الله مَعنا (وَتلك فَضِيلَة مَا حازها الا فَتى عُثْمَان يَعْنِي ابا بكر ﵁ فانه عبد الله بن عُثْمَان فَيَقُول ذَلِك الرافضي لاصحابه مَا ذَنْب النواصب بعد هَذَا أَي فان الرَّسُول ﷺ هُوَ الَّذِي قدم أَبَا بكر فَلَا لوم على النواصب قَوْله النواصب قَالَ فِي (الْقَامُوس (النواصب والناصبة وَأهل النصب المتدينون ببغضه عَليّ ﵁ لانهم نصبوا لَهُ أَي عادوه

стр. 472

قَوْله ... وَكَذَلِكَ الجهمي ذَاك رضيعهم ... فهما رضيعا كفرهم بلبان ... رضع أمه كسمع وَضرب رضعا ويحرك ورضاعا ورضاعة ويكسران ورضعا ككتف امتص ثديها قَالَه فِي (الْقَامُوس (واللبان بِكَسْر اللَّام قَالَ الاعلم هُوَ للادميين وَاللَّبن لغَيرهم وَقد يكون جمع لبن فِي هَذَا الْموضع قَالَ ابْن السّكيت يُقَال هُوَ أَخُوهُ بلبان امهِ وَلَا يُقَال بِلَبن أمه انما اللَّبن الَّذِي يشرب انْتهى أَي فعلى زعم الجهمي لَا ذَنْب للمجسمة اذ قَالُوا بالنصوص الدَّالَّة على الاسْتوَاء وَالنُّزُول والمجيء وَالصِّفَات كالوجه وَالْيَدَيْنِ وَالْقُدْرَة والارادة والرضى والسخط وَالْحب وَغَيرهَا مِمَّا تقدم قَوْله أَبُو قُحَافَة قَالَ فِي (الْقَامُوس (وسيل) قحاف كغراب (جراف) وَبَنُو قُحَافَة بطن من خثعم وَأَبُو قُحَافَة عُثْمَان بن عَامر صَحَابِيّ وَالِد الصّديق ﵄ فصل ... هَذَا وسابع عشرهَا أخباره سُبْحَانَهُ فِي مُحكم الْقُرْآن ... عَن عَبده مُوسَى الكليم وحربه فِرْعَوْن ذِي التَّكْذِيب والطغيان ... تَكْذِيبه مُوسَى الكليم بقوله الله رَبِّي فِي السما نباني ...

стр. 473

.. ... وَمن المصائب قَوْلهم إِن اعتقا د الفوق من فِرْعَوْن ذِي الكفران فاذا اعتقم ذَا فأشياع لَهُ ... أَنْتُم وَذَا من أعظم الْبُهْتَان فاسمع اذا من ذَا الَّذِي أولى بفر ... عون الْمُعَطل جَاحد الرَّحْمَن وَانْظُر الى مَا جَاءَ فِي الْقَصَص الَّتِي ... تحكي مقَال امامهم بِبَيَان ... وَالله قد جعل الضَّلَالَة قدوة بأئمة تَدْعُو الى النيرَان ... فامام كل معطل فِي نَفْيه فِرْعَوْن مَعَ نمْرُود مَعَ هامان ... طلب الصعُود الى السَّمَاء مُكَذبا مُوسَى ورام الصرح بالبنيان ... بل قَالَ مُوسَى كَاذِب فِي زَعمه فَوق السَّمَاء الرب ذُو السُّلْطَان ... فابنوا لي الصرح الرفيع لعلني أرقى اليه بحيلة الانسان ... وأظن مُوسَى كَاذِبًا فِي قَوْله الله فَوق الْعَرْش ذُو سُلْطَان ... وكذاك كذبه بِأَن الهه ناداه بالتكليم دون عيان ... هُوَ أنكر التكليم والفوقية الْعليا ... ٥ كَقَوْل الجهم ذِي صَفْوَان فَمن الَّذِي أولى بفرعون اذا ... منا ومنكم بعد ذَا التِّبْيَان ... هَذَا هُوَ الدَّلِيل السَّابِع عشر من أَدِلَّة علو الله على خلقه وَهُوَ أَنه سُبْحَانَهُ أخبر عَن عَبده مُوسَى الكليم وعدوه فِرْعَوْن أَن فِرْعَوْن اللعين كذب مُوسَى فِي قَوْله رَبِّي فِي السَّمَاء وَأَنه بنى الصرح ورام الصعُود الى السَّمَاء وَقَالَ ﴿يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا﴾

стр. 474

غَافِر ٣٦ ٣٧ فِي قَوْله إِن الله فِي السَّمَاء وَقد قَالَ ابو الْحسن الاشعري فِي (الابانة (لما ذكر بعض الآيا ت الدَّالَّة على علو الله تَعَالَى على عَرْشه قَالَ وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَن فِرْعَوْن ﴿يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَاوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا﴾ غَافِر ٣٦ ٣٧ كذب مُوسَى فِي قَوْله إِن الله فَوق السَّمَوَات انْتهى كَلَامه قَوْله وَمن المصائب قَوْلهم إِن اعْتِقَاد الفوق من فِرْعَوْن ذِي الكفران الخ أَي من المصائب قَول النفاة إِن اعْتِقَاد الْعُلُوّ هُوَ مَذْهَب فِرْعَوْن فاذا اعتقدتموه فَأنْتم أشياع لَهُ وعَلى مذْهبه كَمَا قَالَ بَعضهم فِي تَفْسِير قَوْله ﴿وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا﴾ غَافِر ٣٧ فِيمَا يَقُول من أَن لَهُ رَبًّا فِي السَّمَاء وَمَا قَالَ مُوسَى لَهُ ذَلِك قطّ وَلكنه لما قَالَ لَهُ ﴿وَمَا رب الْعَالمين﴾ الشُّعَرَاء ٢٣ قَالَ مُوسَى ﴿رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ الشُّعَرَاء ٢٤ ظن باعتقاده الْبَاطِل أَنه لما لم ير فِي الارض أَنه فِي السَّمَاء فرام الصعُود الى السَّمَاء لرؤية إِلَه مُوسَى انْتهى ثمَّ بَين النَّاظِم وَجه أولويتهم بفرعون وَأَن مذْهبه جحد الْعُلُوّ فانه طلب الصعُود الى السَّمَاء مُكَذبا لمُوسَى ورام بِنَاء الصرح وَقَالَ أَظن مُوسَى كَاذِبًا فِي زَعمه إِن الله فَوق السَّمَاء وَكَذَلِكَ كذب فِرْعَوْن مُوسَى ﵇ فِي قَوْله إِن الله تَعَالَى ناداه وَكَلمه فَكَانَ مذْهبه انكار التكليم وفوقية كَقَوْل جهم وَأَتْبَاعه فقد تبين الْآن من هُوَ أولى بفرعون وان المعطلة اولى بِهِ فِي كل حَالَة وَالله اعْلَم

стр. 475

قَالَ النَّاظِم ... يَا قوم وَالله الْعَظِيم لقولنا ... ألف تدل عَلَيْهِ بل أَلفَانِ عقلا ونقلا مَعَ صَرِيح الْفطْرَة ال ... أولى وذوق حلاوة الايمان كل يدل بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ ... فَوق السَّمَاء مباين الاكوان أَتَرَوْنَ أَنا ناركو ذَا كُله ... لجعاجع التعطيل والهذيان يَا قوم مَا أَنْتُم على شَيْء الى أَن ترجعوا للوحي بالاذعان ... وتحكموه فِي الْجَلِيل ودقه تحكيم تَسْلِيم مَعَ الرضْوَان ... قد أقسم الله الْعَظِيم بِنَفسِهِ ... ٥ قسما يبين حَقِيقَة الايمان أَن لَيْسَ يُؤمن من يكون محكما ... غير الرَّسُول الْوَاضِح الْبُرْهَان بل لَيْسَ يُؤمن غير من قد حكم الوحيين حسب فَذَاك ذُو ايمان ... هَذَا وَمَا ذَاك الْمُحكم مُؤمنا إِن كَانَ ذَا حرج وضيق بطان ... هَذَا وَلَيْسَ بِمُؤْمِن حَتَّى يسلم للَّذي يقْضِي بِهِ الوحيان يَا قوم بِاللَّه الْعَظِيم نشدتكم ... وبحرمة الايمان وَالْقُرْآن هَل حدثتكم قطّ أَنفسكُم بذا ... فَسَلُوا نفوسكم عَن الايمان لَكِن رب الْعَالمين وجنده ... وَرَسُوله الْمَبْعُوث بِالْقُرْآنِ هم يشْهدُونَ بأنكم أَعدَاء من ٥ ... ذَا شَأْنه ابدا بِكُل زمَان ... ٥ ولاي شَيْء كَانَ أَحْمد خصمكم ... ٥ أَعنِي ابْن حَنْبَل الرضى الشَّيْبَانِيّ

стр. 476

.. ولاي شَيْء كَانَ بعد خصومكم أهل الحَدِيث وعسكر الْقُرْآن ... ولاي شَيْء كَانَ أَيْضا خصمكم شيخ الْوُجُود الْعَالم الْحَرَّانِي ... أَعنِي أَبَا الْعَبَّاس نَاصِر سنة الْمُخْتَار قامع سنة الشَّيْطَان وَالله لم يَك ذَنبه شَيْئا سوى ... تجريده لحقيقة الايمان إِذْ جرد التَّوْحِيد عَن شرك كَذَا ... تجريده للوحي عَن بهتان فتجرد الْمَقْصُود عَن قصد لَهُ ... فلذاك لم ينضف الى انسان مَا مِنْهُم أحد دَعَا لمقالة ... غير الحَدِيث وَمُقْتَضى الْفرْقَان فالقوم لم يدعوا الى غير الْهدى ... ودعوتم أَنْتُم لرأي فلَان شتان بَين الدعوتين فحسبكم ... يَا قوم مَا بكم من الخذلان ... قَالُوا لنا لما دعوناهم الى ... هَذَا مقَالَة ذِي هوى ملآن ... ذهبت مقادير الشُّيُوخ وَحُرْمَة الْعلمَاء بل عبرتهم العينان وتركتم أَقْوَالهم هدرا وَمَا ... أصغت اليها مِنْكُم أذنان لَكِن حفظنا نَحن حرمتهم وَلم ... نعد الَّذِي قَالُوهُ قدر بنان يَا قوم وَالله الْعَظِيم كَذبْتُمْ ... وأتيتم بالزور والبهتان ونسبتم الْعلمَاء للامر الَّذِي ... هم مِنْهُ أهل بَرَاءَة وأمان وَالله مَا أوصوكم أَن تتركوا ... قَول الرَّسُول لقَولهم بِلِسَان ...

стр. 477

لَهُ ... كلا وَلَا فِي كتبهمْ هَذَا بِلَا ... بِالْعَكْسِ أوصوكم بِلَا كتمان إِذْ قد أحَاط الْعلم مِنْهُم أَنهم ... لَيْسُوا بمعصومين بالبرهان كلا وَمَا مِنْهُم أحَاط بِكُل مَا ... قد قَالَه الْمَبْعُوث بِالْقُرْآنِ فلذاك أوصوكم بِأَن لَا تجْعَلُوا ... أَقْوَالهم كالنص فِي الْمِيزَان لَكِن زنوها بالنصوص فان توا ... فقها فَتلك صَحِيحَة الاوزان لكنكم قدمتم أَقْوَالهم ... أبدا على النَّص الْعَظِيم الشان وَالله لَا لوَصِيَّة الْعلمَاء نفذتم وَلَا لوَصِيَّة الرَّحْمَن ... وركبتم الجهلين ثمَّ تركْتُم النصين مَعَ ظلم وَمَعَ عدوان قُلْنَا لكم فتعلموا قُلْتُمْ أما ... نَحن الائمة فاضلو الازمان من أَيْن وَالْعُلَمَاء أَنْتُم فاستحوا ... أَيْن النُّجُوم من الثرى التحتاني لم يشبه الْعلمَاء الا انتم ... أشبهتم الْعلمَاء فِي الاذقان وَالله لَا علم وَلَا دين وَلَا ... عقل وَلَا بمروءة الانسان عاملتم الْعلمَاء حِين دعوكم ... للحق بل بالبغي والعدوان إِن أَنْتُم الا الذُّبَاب اذا رأى ... طعما فِي المساقط الذبان واذا رآ فَزعًا تطاير قلبه ... مثل البغاث يساق بالعقبان واذا دعوناكم الى الْبُرْهَان كَا ... ن جوابكم جهلا بِلَا برهَان

стр. 478

.. نَحن المقلدة الالى ألفوا كَذَا ... آبَاءَهُم فِي سالف الازمان قُلْنَا فَكيف تكفرون وَمَا لكم ... علم بتكفير وَلَا ايمان اذ أجمع الْعلمَاء أَن مُقَلدًا ... للنَّاس كالاعمى هما أَخَوان وَالْعلم معرفَة الْهدى بدليله ... مَا ذَاك والتقليد مستويان حرنا بكم وَالله لَا أَنْتُم مَعَ الْعلمَاء تنقادون للبرهان ... كلا وَلَا متعلمون فَمن ترى تَدعُوهُ نحسبكم من الثيران ... لَكِنَّهَا وَالله أَنْفَع مِنْكُم للارض فِي حرث وَفِي دوران ... نَالَتْ بهم خيرا ونالت مِنْكُم الْمَعْهُود من بغي وَمن عدوان فَمن الَّذِي خير وأنفع للورى ... أَنْتُم أم الثيران بالبرهان ... شرع النَّاظِم ﵀ فِي ذكر الادلة الدَّالَّة على ثُبُوت الْعُلُوّ إِجْمَالا فَقَالَ يَا قوم وَالله الْعَظِيم لقولنا الخ أَي أَن الدَّلَائِل الدَّالَّة على علوه تَعَالَى على خلقه ومباينته لَهُم من الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول والفطرة ألف دَلِيل بل ألفا دَلِيل وَذَلِكَ ظَاهر بِحَمْد الله لمن تتبعه ثمَّ شرع فِي بَيَان وجوب تحكيم الرَّسُول ﷺ فِي الدق والجل وَالتَّسْلِيم لَهُ والرضى بِحكمِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ النِّسَاء ٦٥ قَالَ النَّاظِم ﵀ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة أقسم سُبْحَانَهُ بِأَجل مقسم بِهِ وَهُوَ نَفسه على أَنه لَا يثبت لَهُم الايمان وَلَا يكونُونَ من أَهله حَتَّى يحكموا رسو

стр. 479

زه ويذهبون الى رَأْي سُفْيَان فَقَالَ أعجب لقوم سمعُوا الحَدِيث وَعرفُوا الاسناد وَصِحَّته يَدعُونَهُ ويذهبون الى رَأْي سُفْيَان وَغَيره قَالَ الله ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ النُّور ٦٣ أَتَدْرِي مَا الْفِتْنَة الْفِتْنَة الْكفْر قَالَ الله تَعَالَى ﴿والفتنة أكبر من الْقَتْل﴾ الْبَقَرَة ٢١٧ فَيدعونَ الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ وتغلبهم أهواؤهم الى الرَّأْي ذكر ذَلِك شيخ الاسلام وَقَالَ الامام أَحْمد ﵁ لَا تقلدوني وَلَا تقلدوا مَالِكًا وَالثَّوْري والاوزاعي وَلَكِن تعلمُوا كَمَا تعلمنا قَوْله اذ أجمع الْعلمَاء أَن مُقَلدًا الخ قد نقل هَذَا الاجماع الْحَافِظ ابو عمر بن عبد الْبر قَوْله مثل البغاث قَالَ الْفراء بغاث الطير بِفَتْح الْبَاء وضمهوكسرها شِرَارهَا اومالا يصيد مِنْهَا ثمَّ قيل هُوَ جمع بغاثة وَهِي اسْم للذّكر والانثى مثل نعَامَة ونعام وَقيل هُوَ فَرد وَجمعه بفتان كغزال وغزلان قَالَه فِي (مُخْتَار الصِّحَاح (والعقبان جمع عِقَاب بِضَم الْعين طَائِر مَعْرُوف قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فصل ... هَذَا وثامن عشرهَا تنزيهه ... سُبْحَانَهُ عَن مُوجب النُّقْصَان وَعَن الْعُيُوب وَمُوجب التَّمْثِيل والتشبيه جلّ الله ذُو السُّلْطَان ...

стр. 480

.. ولذاك نزه نَفسه سُبْحَانَهُ عَن أَن يكون لَهُ شريك ثَان ... اَوْ أَن يكون لَهُ ظهير فِي الورى سُبْحَانَهُ عَن إفْك ذِي بهتان ... أَو أَن يوالي خلقه سُبْحَانَهُ من حَاجَة أَو ذلة وهوان ... أَو أَن يكون لَدَيْهِ أصلا شَافِع الا بِإِذن الْوَاحِد المنان ... وكذاك نزه نَفسه عَن وَالِد وكذاك عَن ولدهما نسبان ... وكذاك نزه نَفسه عَن زوجه وكذاك عَن كُفْء يكون مدان ... وَلَقَد أَتَى التَّنْزِيه عَمَّا لم يقل كي لَا يَدُور بخاطر الانسان ... فَانْظُر الى التَّنْزِيه عَن طعم وَلم ينْسب اليه قطّ من انسان ... وَكَذَلِكَ التَّنْزِيه عَن موت وَعَن نوم وَعَن سنة وَعَن غشيان ... وكذإلك التَّنْزِيه عَن نسيانه والرب لم ينْسب الى نِسْيَان ... وَكَذَلِكَ التَّنْزِيه عَن ظلم وَفِي الى أَفعَال عَن عَبث وَعَن بطلَان ... وَكَذَلِكَ التَّنْزِيه عَن تَعب وَعَن عجز يُنَافِي قدرَة الرَّحْمَن ... هَذَا هُوَ الدَّلِيل الثَّامِن عشر من أَدِلَّة علو الله تَعَالَى على خلقه وَهُوَ انه سُبْحَانَهُ نزه نَفسه عَن مُوجب النُّقْصَان وَعَما يُوجب التَّمْثِيل والتشبيه ونزه سُبْحَانَهُ نَفسه عَن الشّركَة وَعَن أَن يكون لَهُ ظهير فِي الورى أَو أَن يشفع عِنْده أحد الا باذنه اَوْ ان يوالي خلقه من حَاجَة أَو ذلة وَكَذَا نزه نَفسه سُبْحَانَهُ عَن الْوَالِد وَالْولد وَالزَّوْجَة والكفء وَكَذَا ن

стр. 481

نَفسه سُبْحَانَهُ عَمَّا لم يقل أَي نزه نَفسه سُبْحَانَهُ عَن اشياء لم يقلها أحد فِيهِ تَعَالَى كالطعم وَالْمَوْت وَالنَّوْم وَالسّنة والغشيان وَالنِّسْيَان وَالظُّلم والتعب وَالْعجز فاذا كَانَ سُبْحَانَهُ قد نزه نَفسه عَمَّا يُوجب النَّقْص مِمَّا قيل وَمَا لم يقل وَمَعْلُوم أَن القَوْل بعلو الله تَعَالَى على خلقه ومباينته لَهُم قد طبقت شَرق الْبِلَاد وغربها فلاي شي لم ينزه نَفسه سُبْحَانَهُ عَنْهَا فِي الْقُرْآن وَكَذَا لم ينزه الرَّسُول ربه سُبْحَانَهُ عَنْهَا فِي السّنة بل دَائِما يُبْدِي سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآن إِثْبَاتهَا بأنواع الادلة وَكَذَا رَسُوله ﷺ لَا سِيمَا وَتلك الْمقَالة عِنْد المعطلة كعبادة الاوثان أَو كَقَوْل الْمُثَلَّثَة عباد الصَّلِيب وهم النَّصَارَى فلأي شَيْء لم يحذر الله تَعَالَى خلقه عَنْهَا وينزه نَفسه عَنْهَا كَمَا نزه نَفسه عَمَّا يُوجب النَّقْص اَوْ التَّشْبِيه والتمثيل قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَلَقَد حكى الرَّحْمَن قولا قَالَه فنحَاص ذُو الْبُهْتَان والكفران ... إِن الْإِلَه هُوَ الْفَقِير وَنحن أَصْحَاب الْغَنِيّ ذُو الْجد والامكان ولذاك أضحى رَبنَا مستقرضا ... أَمْوَالنَا سُبْحَانَ ذِي الاحسان ... أما قصَّة فنحَاص الْمَذْكُورَة فَهِيَ على مَا حكى ابْن اسحاق فِي (سيرته (قَالَ دخل ابو بكر بَيت الْمِدْرَاس على يهود فَوجدَ مِنْهُم نَاسا كثيرا كَانُوا قد اجْتَمعُوا الى رجل مِنْهُم يُقَال لَهُ فنحَاص وَكَانَ من عُلَمَائهمْ وَأَحْبَارهمْ وَمَعَهُ حبر من أَحْبَارهم يُقَال لَهُ أشيع فَقَالَ أَبُو بكر لفنحاص وَيلك يَا فنحَاص أسلم فوَاللَّه إِنَّك لتعلم ان مُحَمَّدًا رَسُول الله قد جَاءَكُم بِالْحَقِّ من عِنْد الله تجدونه مَكْتُوبًا عنْدكُمْ فِي التَّوْرَاة والانجيل فَقَالَ فنح

стр. 482

قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى وَحكى مقَالَة قَائِل من قومه ان الْعَزِيز ابْن من الرَّحْمَن ... هَذَا وَمَا الْقَوْلَانِ قطّ مقَالَة منصورة فِي مَوضِع وزمان ... يَعْنِي أَن الله سُبْحَانَهُ قد حكى قَول الْيَهُود إِن عُزَيْر ابْن الله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله﴾ التَّوْبَة ٣٠ وَحكى مقَالَة فنحَاص لَعنه الله وَمَا الْقَوْلَانِ منصورين فَلَو كَانَت الْمقَالة الْمَذْكُورَة وَهِي إِثْبَات علو الله تَعَالَى على خلقه بَاطِلا لحكاه الله سُبْحَانَهُ وَنهى عَنْهَا لَا سِيمَا وَتلك الْمقَالة عِنْد المعطلة كعبادة الاوثان اَوْ كمقالة الْمُثَلَّثَة عباد الصَّلِيب وَلم تزل المعطلة ينبزون المثبتة بالالقاب القبيحة ويرمونهم بالعظائم والبهت وَالْكذب الْفَاحِش وَقد حكى الْحَافِظ ابو الْفرج عبد الرَّحْمَن بن رَجَب فِي (طَبَقَات الْحَنَابِلَة (فِي تَرْجَمَة شيخ الاسلام ابي اسماعيل عبد الله بن مُحَمَّد الانصاري قَالَ قَالَ ابْن طَاهِر وَسمعت بعض أَصْحَابنَا ب (هراة (يَقُولُونَ لما قدم السُّلْطَان ألب ارسلان هراة فِي بعض قدماته اجْتمع مَشَايِخ الْبَلَد ورؤساؤه ودخلوا على الشَّيْخ ابي اسماعيا الأنصارى وسلموا عَلَيْهِ وَقَالُوا قد ورد السُّلْطَان وَنحن عزم أَن خرج ونسلم عَلَيْهِ فأحببنا أَن نبدأ بِالسَّلَامِ على الشَّيْخ الامام ثمَّ نخرج (الى) هُنَا وَقد تواطؤوا على أَن حملُوا مَعَهم صنما صَغِيرا من صفر وجعلوه فِي الْمِحْرَاب تَحت سجادة الشَّيْخ وَخَرجُوا وَخرج الشَّيْخ من ذَلِك الْموضع الى خلوته ودخلوا على السُّلْطَان واستغاثوا من الانصاري وَقَالُوا إِنَّه مجسم وَإنَّهُ يتْرك فِي محرابه صنما يَقُول إِن الله على صورته وَإِن يبْعَث السُّلْطَان الْآن اليه يجد الصَّنَم فِي قبْلَة الْمَسْجِد فَعظم ذَلِك على السُّلْطَان وَبعث غُلَاما وَمَعَهُ جمَاعَة

стр. 483

ودخلوا الدَّار وقصدوا الْمِحْرَاب وَأخذُوا الصَّنَم من تَحت السجادة وَرجع الْغُلَام بالصنم فَوَضعه بَين يَدي السُّلْطَان فَبعث السُّلْطَان بغلمان فأحضروا الانصاري فَلَمَّا دخلُوا رأى شُيُوخ الْبَلَد جُلُوسًا وَرَأى ذَلِك الصَّنَم بَين يَدي السُّلْطَان مطروحا وَالسُّلْطَان قد اشْتَدَّ غَضَبه فَقَالَ لَهُ السُّلْطَان مَا هَذَا قَالَ هَذَا صنم يعْمل من الصفر شبه اللعبة فَقَالَ لست عَن هَذَا أَسأَلك فَقَالَ عَمَّا ذَا يسْأَل السُّلْطَان قَالَ إِن هَؤُلَاءِ يَزْعمُونَ أَنَّك تعبد هَذَا وانك تَقول إِن الله على صورته فَقَالَ الانصاري سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم بِصَوْت جَهورِي وصولة فَوَقع فِي قلب السُّلْطَان أَنهم كذبُوا عَلَيْهِ فَأمر بِهِ فَأخْرج الى دَاره مكرما وَقَالَ لَهُم تصدقوني الْقِصَّة أَو أفعل بكم وأفعل وَذكر تهديدا عَظِيما فَقَالُوا نَحن فِي يَد هَذَا الرجل فِي بلية من استيلائه علينا بالعامة وأردنا ان نقطع شَره عَنَّا فَأمر بهم ووكل بِكُل وَاحِد مِنْهُم فَلم يرجع الى منزله حَتَّى كتب بِخَطِّهِ مبلغا عَظِيما من المَال يُؤَدِّيه الى خزانَة السُّلْطَان جِنَايَة لما فَعَلُوهُ وسلموا بأرواحهم بعد الهوان الْعَظِيم انْتهى وَكَذَلِكَ شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية فَلَا يخفى مَا افتروه عَلَيْهِ ورموه بِهِ من الافك وجعلوه يَقُول بالتجسيم وحاشاه وَذكر ابْن بطوطة فِي رحلته الْمَشْهُورَة قَالَ وَكَانَ دخولي لبعلبك عَشِيَّة النَّهَار وَخرجت مِنْهَا بِالْغُدُوِّ لفرط اشتياقي الى دمشق وصلت يَوْم الْخَمِيس التَّاسِع من شهر رَمَضَان الْمُعظم عَام سِتّ وَعشْرين وَسَبْعمائة الى مَدِينَة دمشق الشَّام فَنزلت فِيهَا بمدرسة الْمَالِكِيَّة الْمَعْرُوفَة ب (الشرابيشية) الى أَن قَالَ وَكَانَ بِدِمَشْق من كبار الْفُقَهَاء الْحَنَابِلَة تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية كَبِير الشَّام يتَكَلَّم فِي الْفُنُون الى أَن قَالَ فحضرته يَوْم الْجُمُعَة وَهُوَ يعظ النَّاس على مِنْبَر الْجَامِع وَيذكرهُمْ فَكَانَ من جملَة كَلَامه أَن قَالَ

стр. 484

إِن الله ينزل الى سَمَاء الدُّنْيَا كنزولي هَذَا وَنزل دَرَجَة من الْمِنْبَر فعارضه فَقِيه مالكي يعرف بِابْن الزهراء الى آخر مَا هَذَا بِهِ ابْن بطوطة أَقُول وأغوثاه بِاللَّه من هَذَا المكذب الَّذِي لم يخف الله كاذبه وَلم يستحي مفتريه وَفِي الحَدِيث (إِذا لم تستح فَاصْنَعْ مَا شِئْت) ووضوح هَذَا الْكَذِب أظهر من أَن يحْتَاج الى الاطناب وَالله حسيب هَذَا المفتري الْكذَّاب فانه ذكر أَنه دخل دمشق فى ٩ رَمَضَان سنة ٧٢٦ وَشَيخ الاسلام ابْن تَيْمِية اذ ذَاك قد حبس فِي القلعة كَمَا ذكر ذَلِك الْعلمَاء الثِّقَات كتلميذه الْحَافِظ مُحَمَّد بن أَحْمد بن عبد الْهَادِي والحافظ ابي الْفرج عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن رَجَب فِي (طَبَقَات الْحَنَابِلَة (قَالَ فى تَرْجَمَة الشَّيْخ من (طبقاته (الْمَذْكُورَة مكث الشَّيْخ فِي القلعة من شعْبَان سنة سِتّ وَعشْرين الى ذِي الْقعدَة سنة ثَمَان وَعشْرين وَزَاد ابْن عبد الْهَادِي انه دَخلهَا فِي سادس شعْبَان فَانْظُر الى هَذَا المفتري يذكر انه حَضَره وَهُوَ يعظ النَّاس على مِنْبَر الْجَامِع فياليت شعري هَل انْتقل مِنْبَر الْجَامِع الى دَاخل قلعة دمشق وَالْحَال أَن الشَّيْخ ﵀ لما دخل القلعة الْمَذْكُورَة فِي التَّارِيخ الْمَذْكُور لم يخرج مِنْهَا الا على النعش وَكَذَا ذكر الْحَافِظ عماد الدّين بن كثير فِي (تَارِيخه (قَالَ وَفِي يَوْم الِاثْنَيْنِ بعد الْعَصْر السَّادِس من شعْبَان سنة ٧٢٦ اعتقل الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية بقلعة دمشق حضر إِلَيْهِ من جِهَة نَائِب السلطنة مشد الاوقاف وَابْن الخطير أحد الْحجاب وأخبراه أَن مرسوم السُّلْطَان حضر

стр. 485

بذلك وأحضر إِلَيْهِ مَعَهُمَا مركوبا وَأظْهر السرُور بذلك وَقَالَ أَنا كنت منتظرا لذَلِك وَفِيه خير كثير وركبوا جَمِيعًا من دَاره الى بَاب القلعة واخليت لَهُ قاعة واجري إِلَيْهَا المَاء ورسم لَهُ بالاقامة فِيهَا وَكَانَ مَعَه اخوه زين الدّين يَخْدمه باذن السُّلْطَان ورسم بِمَا يقوم بكفايته انْتهى كَلَامه فَانْظُر كَلَام تلامذته وَغَيرهم من العارفين بِحَالهِ أهل الْوَرع والامانة والديانة يَتَّضِح لَك كذب هَذَا المغربي عَامله الله بِمَا يسْتَحق وَالله اعْلَم وَكم كذبُوا عَلَيْهِ وبهتوه وقالوه اشياء هُوَ بَرِيء مِنْهَا والامر كَمَا قَالَ تِلْمِيذه النَّاظِم ... فالبهت عنْدكُمْ رخيص سعره ... حثوا بِلَا كيل وَلَا ميزَان ... وَللَّه در الْقَائِل ... إِن كَانَ إِثْبَات الصِّفَات لديكم فِيمَا أَتَى مستوجبا لومي ... وأصير تيميا بذلك عنْدكُمْ فالمسلمون جَمِيعهم تيمى ... وَكَذَا كذبُوا على غَيره من عُلَمَاء الاثبات رَحِمهم الله تَعَالَى وَعَفا عَنْهُم قَالَ النَّاظِم ﵀ ... لَكِن مقَالَة كَونه فَوق الورى وَالْعرش وَهُوَ مباين الاكوان ... قد طبقت شَرق الْبِلَاد وغربها وغدت مقررة لذِي الاذهان ... فلأي شَيْء لم ينزه نَفسه سُبْحَانَهُ فِي مُحكم الْقُرْآن ... عَن ذِي الْمقَالة مَعَ تفاقم أمرهَا وظهورها فِي سَائِر الاديان ...

стр. 486

.. بل دَائِما لنا إِثْبَاتهَا ويعيده بأدلة التِّبْيَان ... لَا سِيمَا تِلْكَ الْمقَالة عنْدكُمْ مقرونة بِعبَادة الاوثان ... أَو انها كمقالة لمثلث عبد الصَّلِيب الْمُشرك النَّصْرَانِي ... إِذْ كَانَ جسما كل مَوْصُوف بهَا لَيْسَ الاله منزل الْفرْقَان ... فالعابدون لمن على الْعَرْش اسْتَوَى بِالذَّاتِ لَيْسُوا عابدي الديَّان ... لكِنهمْ عباد أوثان لَدَى هَذَا الْمُعَطل جَاحد الرَّحْمَن ... ولذاك قد جعل الْمُعَطل كفرهم هُوَ مُقْتَضى الْمَعْقُول والبرهان ... هَذَا رَأَيْنَاهُ بكتبهم وَلم نكذب عَلَيْكُم فعل ذِي الْبُهْتَان ... ولاي شَيْء لم يحذر خلقه عَنْهَا وَهَذَا شَأْنهَا بِبَيَان ... هَذَا وَلَيْسَ فَسَادهَا بمبين حَتَّى يُحَال لنا على الاذهان ... ولذاك قد شهِدت فأفضلكم لَهَا بظهورها للوهم فِي الانسان ... وخفاء مَا قَالُوهُ من نفي على الاذهان بل تحْتَاج للبرهان ... مَضْمُون هَذِه الابيات أَن القَوْل بعلو الله تَعَالَى على خلقه صرحت بِهِ الْكتب الالهية كالتوراه والانجيل وَكَذَا الْفرْقَان يُبْدِي إِثْبَاتهَا ويعيده بِجَمِيعِ انواع الادلة فَلَو كَانَ هَذَا كفرا كَمَا زعمت المعطلة لنهى عَنْهَا الْقُرْآن لانها عِنْد المعطلة كالشرك وَعبادَة الاوثان وَهَذَا أظهر من الشَّمْس لمن لَهُ عينان ونعوذ بِاللَّه من الخذلان قَوْله ولذاك قد شهِدت

стр. 487

أفاضلكم الخ أَي أفاضل النفاة قد شهدُوا بِظُهُور مقَالَة الاثبات فِي الْكتاب وَالسّنة وخفاء مَا قَالُوا من النَّفْي كَمَا قَالَ السعد التَّفْتَازَانِيّ فِي (شرح الْمَقَاصِد (فَإِن قيل إِذا كَانَ الدّين الْحق نفي الحيز والجهة فَمَا بَال الْكتب السماوية والاحايث النَّبَوِيَّة مشعرة فِي مَوَاضِع لَا تحصى بِثُبُوت ذَلِك من غير أَن يَقع فِي مَوضِع مِنْهَا تَصْرِيح بِنَفْي ذَلِك وَتَحْقِيق كَذَا كَمَا كررت الدّلَالَة على وجود الصَّانِع ووحدته وَعلمه وَقدرته وَحَقِيقَة الْمعَاد وَحشر الاجساد فِي عدَّة مَوَاضِع وأكدت غَايَة التَّأْكِيد مَعَ أَن هَذَا أَيْضا حقيق بغاية التَّأْكِيد وَالتَّحْقِيق لما تقرر فِي فطْرَة الْعُقَلَاء مَعَ اخْتِلَاف الاديان والآراء فِي التَّوْحِيد إِلَى الْعُلُوّ عِنْد الدُّعَاء وَرفع الايدي الى السَّمَاء ثمَّ أجَاب عَن ذَلِك التَّفْتَازَانِيّ بِمَا يظْهر ضعفه من اول وهلة وَكَذَا ذكر ذَلِك غَيره قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فصل ... هَذَا وتاسع عشرهَا الزام ذِي التعطيل أفسد لَازم بِبَيَان ... وَفَسَاد لَازم قَوْله هُوَ مُقْتَض لفساد ذَاك القَوْل بالبرهان ... فسل الْمُعَطل عَن ثَلَاث مسَائِل تقضي على التعطيل بِالْبُطْلَانِ مَاذَا تَقول أَكَانَ يعرف ربه ... هَذَا الرَّسُول حَقِيقَة الْعرْفَان أم لَا وَهل كَانَت نصيحة لنا ... كل النَّصِيحَة لَيْسَ بالخوان ...

стр. 488

.. أم لَا وَهل حَاز البلاغة كلهَا ... فاللفظ وَالْمعْنَى لَهُ طوعان فَإِذا انْتَهَت هذي الثَّلَاثَة فِيهِ كَا ... مِلَّة مبرأة من النُّقْصَان فلأي شَيْء عَاشَ فِينَا كَاتِما ... للنَّفْي والتعطيل فِي الازمان بل مفصحا بالضد مِنْهُ حَقِيقَة ال ... إفصاح مُوضحَة بِكُل بَيَان ولأي شَيْء لم يُصَرح بِالَّذِي ... صرحتم فِي رَبنَا الرَّحْمَن ألعجزه عَن ذَاك أم تَقْصِيره ... فِي النصح أم لخفاء هَذَا الشان حاشاه بل ذَا وصفكم يَا أمة التعطيل لَا الْمَبْعُوث بِالْقُرْآنِ ... هَذَا هُوَ الدَّلِيل التَّاسِع عشر من أَدِلَّة علو الله تَعَالَى على خلقه وَحَاصِله أَن النَّاظِم سَأَلَ عَن ثَلَاث مسَائِل وَكلهَا مسلمة عِنْد المنازعين وَهُوَ أَن تسْأَل الْمُعَطل هَل تَقول إِن الرَّسُول ﷺ يعرف ربه فبالضرورة يَقُول نعم ثمَّ سَله هَل كَانَ فِي غَايَة النصح فَلَا بُد أَن يَقُول نعم ثمَّ سَله هَل حَاز البلاغة كلهَا فَلَا بُد ان يَقُول نعم فَإِذا أقرّ بِهَذِهِ الثَّلَاثَة فَقل لَهُ فلأي شَيْء عَاشَ مُنْذُ أرْسلهُ الله تَعَالَى الى أَن توفّي صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ وَهُوَ يفصح بالاثبات وَيُعِيد فِيهِ فِي كل محْضر وَمجمع ولأي شَيْء كتم النَّفْي والتعطيل ولأي شَيْء لم يُصَرح بِمَا صرحتم بِهِ فِي رَبنَا تَعَالَى وَهل كَانَ عَاجِزا عَن أَن يَقُول استولى وَينزل أمره أَو ملك وَيَقُول (من الله) مَوضِع (أَيْن الله) فلازم قَوْلكُم عدم معرفَة الرَّسُول بربه اَوْ عدم النصح اَوْ عدم البلاغة وَهَذَا اللَّازِم من أفسد اللوازم وأبطلها فَيدل على فَسَاد لَازمه وبطلانه لَان فَسَاد اللَّازِم يدل على فَسَاد الْمَلْزُوم

стр. 489

قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... ولأي شَيْء كَانَ يذكر ضد ذَا ... فِي كل مُجْتَمع وكل زمَان ... أتراه أصبح عَاجِزا عَن قَوْله استولى وَينزل أمره وَفُلَان وَيَقُول أَيْن الله يَعْنِي من بِلَفْظ الاين هَل هَذَا من التِّبْيَان ... وَالله مَا قَالَ الائمة كل مَا قد قَالَه من غير مَا كتمان لَكِن لَان عقول أهل زمانهم ... ضَاقَتْ بِحمْل دقائق الايمان وغدت بصائرهم كخفاش أَتَى ... ضوء النَّهَار فَكف عَن طيران حَتَّى اذا مَا اللَّيْل جَاءَ ظلامه ... ابصرته يسْعَى بِكُل مَكَان وَكَذَا عقولكم لَو استشعرتم ... يَا قوم كالحشرات والفئران أنست بايحاش الظلام وَمَا لَهَا ... بمطالع الانوار قطّ يدان ... الخفاش مَعْرُوف تقدم تَعْرِيفه والحشرات قَالَ فِي (الْقَامُوس (الْهَوَام اَوْ الدَّوَابّ الصغار كالحشرة محركة فيهمَا انْتهى والفئران جمع فأر بِالْهَمْز وَهُوَ حَيَوَان مَعْرُوف يَعْنِي النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى أَن هَؤُلَاءِ المعطلة ضَاقَتْ عُقُولهمْ عَن حمل دقائق الايمان فصاروا كالحشرات والخفاش الَّتِي لَا تسْعَى الا بِاللَّيْلِ فان هَؤُلَاءِ المعطلة لم تحمل عُقُولهمْ مَا فِي كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ مِمَّا وصف الرب تَعَالَى بِهِ نَفسه اَوْ وَصفه بِهِ رَسُوله ﷺ فَصَارَ ذَلِك لبصائر المعطلة كالنهار لابصار الخفاش والحشرات وَنَحْوهَا نَعُوذ بِاللَّه من عمى البصائر

стр. 490

قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... لَو كَانَ حَقًا مَا يَقُول معطل ... لعلوه وَصِفَاته الرَّحْمَن لزمتكم شنع ثَلَاث فأرتؤوا ... أَو خلة مِنْهُنَّ أَو ثِنْتَانِ تقديمهم فِي الْعلم أَو فِي نصحهمْ ... أَو فِي الْبَيَان أذاك ذُو إِمْكَان إِن كَانَ مَا قد قُلْتُمْ حَقًا فقد ... ضل الورى بِالْوَحْي وَالْقُرْآن إِذْ فيهمَا ضد الَّذِي قُلْتُمْ وَمَا ... ضدان فِي الْمَعْقُول يَجْتَمِعَانِ بل كَانَ أولى أَن يعطل مِنْهُمَا ... ويحال فِي علم وَفِي عرفان أما على جهم وجعد أَو على النظام أَو ذِي الْمَذْهَب اليونان ... وكذاك أَتبَاع لَهُم فقع الفلا صم وبكم تابعو العميان ... وكذاك أفراخ القرامطة الالى قد جاهزوا بعداوة الرَّحْمَن ... كالحاكمية والالى وألوهم كَأبي سعيد ثمَّ آل سِنَان ... وَكَذَا ابْن سينا والنصير نصير أهل الشّرك والتكذيب والكفران وكذاك أفراخ الْمَجُوس وشبههم ... والصائبين وكل ذِي بهتان إخْوَان ابليس اللعين وجنده ... لَا مرْحَبًا بعساكر الشَّيْطَان أَفَمَن حوالته على التَّنْزِيل وَالْوَحي الْمُبين ومحكم الْقُرْآن ... كمحير أضحت حوالته على أَمْثَاله أم كَيفَ يستويان ...

стр. 491

.. أم كَيفَ يشْعر تائه بمصابه وَالْقلب قد جعلت لَهُ قفلان ... قفل من الْجَهْل الْمركب فَوْقه قفل التعصب كَيفَ ينفتحان ... ومفاتح الاقفال فِي يَد من لَهُ التصريف سُبْحَانَ الْعَظِيم الشان فَاسْأَلْهُ فتح القفل مُجْتَهدا على ال ... أَسْنَان ان الْفَتْح بَال بالأسنان ... أَي إِن كَانَ حَقًا مَا تَقوله المعطلة لعلو الرب وَصِفَاته لزمتم ثَلَاث شناعات وَقَوله فارتؤوا أَي اطْلُبُوا رَأيا تخلصون بِهِ من هَذِه الشنع لَان الْكتاب وَالسّنة ضد لما قَالُوهُ والضدان لَا يَجْتَمِعَانِ فَكَانَ الْكتاب وَالسّنة على هَذَا سَببا لاضلال النَّاس فَكَانَ ترك النَّاس بِلَا كتاب وَلَا سنة أهْدى لَهُم ويحالون فِي الْعلم والعرفان على جهم وجعد والنظام وحكماء اليونان والقرامطة وَنَحْوهم وَهَذَا معنى مَا ذكره شيخ الاسلام فِي مُقَدّمَة (الحموية (قَالَ فَلَو كَانَ الْحق فِيمَا يَقُول هَؤُلَاءِ السالبون النافون للصفات الثَّابِتَة فِي الْكتاب وَالسّنة من هَذِه الْعبارَات وَنَحْوهَا دون مَا يفهم من الْكتاب وَالسّنة إِمَّا نصا وَإِمَّا ظَاهرا فَكيف يجوز على الله ثمَّ على رَسُوله ثمَّ على خير الامة أَنهم يَتَكَلَّمُونَ دَائِما بِمَا هُوَ نَص أَو ظَاهر فِي خلاف الْحق ثمَّ الْحق الَّذِي يجب اعْتِقَاده أَن لَا يبوحوا بِهِ قطّ وَلَا يدلون عَلَيْهِ قطّ لَا نصا وَلَا ظَاهرا حَتَّى يَجِيء انباط الْفرس والروس وفروخ الْيَهُود والفلاسفة يبينون للامة العقيدة الصَّحِيحَة الَّتِي يجب على كل مُكَلّف اَوْ كل فَاضل ان يعتقدها لَئِن كَانَ مَا يَقُوله هَؤُلَاءِ المتكلمون المتكلفون هُوَ الِاعْتِقَاد الْوَاجِب وهم مَعَ ذَلِك احيلوا فِي مَعْرفَته على مُجَرّد عُقُولهمْ وَأَن

стр. 492

يدفعوا بِمُقْتَضى قِيَاس عُقُولهمْ مَا د ل عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة نصا اَوْ ظَاهرا لقد كَانَ ترك النَّاس بِلَا كتاب وَلَا سنة أهْدى لَهُم وانفع على هَذَا التَّقْدِير بل كَانَ وجود الْكتاب وَالسّنة ضَرَرا مَحْضا فِي أصل الدّين فان حَقِيقَة الامر على مَا يَقُوله هَؤُلَاءِ أَنكُمْ يَا معاشر الْعباد لَا تطلبون معرفَة الله وَمَا يسْتَحقّهُ من الصِّفَات نفيا واثباتا لَا من الْكتاب وَلَا من وَالسّنة وَلَا من طَرِيق سلف الامة وَلَكِن انْظُرُوا انتم فَمَا وجدتموه مُسْتَحقّا لَهُ من الصِّفَات فصفوة بِهِ سَوَاء كَانَ مَوْجُودا فِي الْكتاب وَالسّنة أَو لم يكن وَمَا لم تَجِدُوهُ مُسْتَحقّا لَهُ فِي عقولكم فَلَا تصفوه بِهِ ثمَّ هم هُنَا فريقان أَكْثَرهم يَقُولُونَ مَا لم تثبته عقولكم فانفوه وَمِنْهُم من يَقُول بل توقفوا فِيهِ وَمَا نَفَاهُ قِيَاس عقولكم الَّذِي انتم فِيهِ مُخْتَلفُونَ ومضطربون اخْتِلَافا اكثر من جَمِيع اخْتِلَاف (النَّاس) على وَجه الارض فانفوه واليه عِنْد التَّنَازُع فَارْجِعُوا فانه الْحق الَّذِي تعبدتكم بِهِ وَمَا كَانَ مَذْكُورا فِي الْكتاب وَالسّنة مِمَّا يُخَالف مقاييس عقولكم اَوْ يثبت مَا لم تُدْرِكهُ عقولكم على طَريقَة أَكْثَرهم فاعلموا أَنِّي أمتحنتكم بتنزيله لَا لِتَأْخُذُوا الْهدى مِنْهُ لَكِن ليجتهدوا فِي تَخْرِيجه على شواذ اللُّغَة وَوَحْشِي الالفاظ وغرائب الْكَلَام اَوْ ان تسكتوا عَنهُ مفوضين علمه الى الله مَعَ طي دلَالَته على شَيْء من الصِّفَات وَهَذَا حَقِيقَة الامر على رَأْي هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمين وَهَذَا كَلَام رَأَيْته قد صرح بِمَعْنَاهُ طَائِفَة مِنْهُم وَهُوَ لَازم لجماعتهم لُزُوما لَا محيد عَنهُ ومضمونه أَن كتاب الله لَا يَهْتَدِي بِهِ فِي معرفَة الله وَأَن الرَّسُول مَعْزُول عَن التَّعْلِيم والاخبار بِصِفَات من أرْسلهُ وَأَن النَّاس عِنْد التَّنَازُع لَا يردون مَا تنازعوا فِيهِ الى الله وَالرَّسُول بل الى مثل مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الْجَاهِلِيَّة اَوْ الى مثل من يتحاكم اليه من لَا يُؤمن بالانبياء كالبراهمة

стр. 493

والفلاسفة وهم الْمُشْركُونَ وَالْمَجُوس وَبَعض الصابئين وان كَانَ هَذَا الرَّد لَا يزِيد الامر الا شدَّة وَلَا يرْتَفع الْخلاف بِهِ اذ لكل فريق طواغيت يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا اليهم وَقد أمروا ان يكفروا بهم وَقَوله فقع الفلا قَالَ فِي (الْقَامُوس (الفقع وَيكسر الْبَيْضَاء الرخوة من الكمأة جمع كعنبة وَيُقَال للذيل هُوَ أذلّ من فقع بقرقرة لانه لَا يمْتَنع على من اجتناه أَو لانه يُوطأ بالارجل قَوْله أفراخ قَالَ فِي (الْقَامُوس (الفرخ ولد الطَّائِر وكل صَغِير من الْحَيَوَان والنبات جمع أفرخ وافراخ وفراخ وفروخ وأفرخة وفرخان وَالرجل الذَّلِيل المطرود انْتهى قَوْله والحاكمية هم شيعَة الْحَاكِم العبيدي المعتقدون فِيهِ الالهية وَهُوَ ابو عَليّ مَنْصُور بن نزار الْعَزِيز بِاللَّه ابْن معد الْمعز لدين الله العبيدي لاتباعه فِيهِ من الاعتقادات الخبيثة مَا تصم عَنهُ الاذان وَيَقْضِي على معتقده بالزور والبهتان وَقد ذكر طرفا من ذَلِك الْحَافِظ الذَّهَبِيّ والحافظ ابْن كثير فِي (تاريخهما (وَغَيرهمَا والامام أَبُو شامة فِي كتاب (الروضتين فِي أَخْبَار الدولتين (وَأَبُو سعيد هُوَ الْحسن بن بهْرَام القرمطي رَئِيس القرامطة قَالَ الشَّيْخ عز الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِابْن الاثير الْجَزرِي فِي تَارِيخه الْكَبِير الْمُسَمّى ب (الْكَامِل (قَالَ فِي هَذِه السّنة يَعْنِي سنة ثَمَان وَسبعين وَمِائَتَيْنِ تحرّك قوم بسواد الْكُوفَة يعْرفُونَ بالقرامطة ثمَّ بسط القَوْل فِي ابْتِدَاء امرهم وَحَاصِله أَن رجلا اظهر الْعِبَادَة والزهد والتقشف وَكَانَ يسف الخوص وَيَأْكُل من كَسبه كَانَ يَدْعُو النَّاس الى امام من اهل الْبَيْت ﵃ واقام على ذَلِك مُدَّة فَاسْتَجَاب لَهُ خلق كثير وَجَرت لَهُ أَحْوَال اوجبت لَهُ حسن الِاعْتِقَاد فِيهِ وانتشر

стр. 494

ذكرهم بسواد الْكُوفَة ثمَّ قَالَ ابْن الاثير بعد هَذَا فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَفِي هَذِه السّنة ظهر رجل من القرامطة يعرف بِأبي سعيد الجنابي بِالْبَحْرَيْنِ وَاجْتمعَ إِلَيْهِ نَاس كثير من الاعراب والقرامطة وَقَوي أمره فَقتل من حوله من أهل تِلْكَ الْقرى وَكَانَ أَبُو سعيد الْمَذْكُور يَبِيع النَّاس الطَّعَام ويحسب لَهُم بيعهم ثمَّ عظم أَمرهم وقربوا من نواحي الْبَصْرَة فَجهز اليهم الْخَلِيفَة المقتدر بِاللَّه جَيْشًا فَقَاتلهُمْ مقدمه الْعَبَّاس بن عَمْرو الغنوي فتواقعوا وقْعَة شَدِيدَة وَانْهَزَمَ أَصْحَاب الْعَبَّاس واسر الْعَبَّاس وَكَانَ ذَلِك فِي آخر شعْبَان من سنة سبع وَثَمَانِينَ فِيمَا بَين الْبَصْرَة والبحرين وَقتل ابو سعيد الاسرى وَأَحْرَقَهُمْ واستبقى الْعَبَّاس ثمَّ أطلقهُ بعد أَيَّام وَقَالَ لَهُ امْضِ إِلَى صَاحبك وعرفه مَا رَأَيْت فَدخل بَغْدَاد فِي شهر رَمَضَان من السّنة وَحضر بَين يَدي المقتدر فَخلع عَلَيْهِ ثمَّ إِن القراقطة دخلُوا بِلَاد الشَّام فِي سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ وَجَرت بَين الطَّائِفَتَيْنِ وقعات يطول شرحها ثمَّ قتل ابو سعيد الْمَذْكُور فِي سنة إِحْدَى وثلاثمائة فتله خَادِم لَهُ فِي الْحمام وَقَامَ مقَامه وَلَده ابو طَاهِر سُلَيْمَان بن ابي سعيد وَلما قتل ابوه ابو سعيد كَانَ قد استولى على هجر والقطيف والطائف وَسَائِر بِلَاد الْبَحْرين وَفِي سنة احدى عشرَة وثلاثمائة فِي شهر ربيع الآخر مِنْهَا قصد ابو طَاهِر وَعَسْكَره الْبَصْرَة وملكها بِغَيْر قتال بل صعدوا إِلَيْهَا بلَيْل بسلالم الشّعْر فَلَمَّا حصلوا بهَا وأحسوا بهم ثَارُوا اليهم فَقتلُوا مُتَوَلِّي الْبَلَد وَوَضَعُوا السَّيْف فِي النَّاس فَهَرَبُوا مِنْهُم وَأقَام ابو طَاهِر سَبْعَة عشر يَوْمًا يحمل مِنْهُم الاموال ثمَّ عَاد الى بَلَده وَلم يزَالُوا يعيثون فِي الْبِلَاد ويكثرون فِيهَا الْفساد من الْقَتْل والسبي والنهب والحريق الى سنة سبع عشرَة وثلاثمائة فحج النَّاس فِيهَا وسلموا فِي طريقهم

стр. 495

ثمَّ وافاهم ابو طَاهِر القرمطي بِمَكَّة يَوْم التَّرويَة فنهبوا أَمْوَال الْحَاج وقتلوهم حَتَّى فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَفِي الْبَيْت نَفسه وَقلع الْحجر الاسود وانفذه الى هجر فَخرج اليه أَمِير مَكَّة فِي جمَاعَة من الاشراف فقاتلوهم فَقَتلهُمْ أَجْمَعِينَ وَقلع بَاب الْكَعْبَة وأصعد رجلا ليقلع الْمِيزَاب فَسقط فَمَاتَ فَطرح الْقَتْلَى فِي بِئْر زَمْزَم وَدفن البَاقِينَ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام من غير كفن وَلَا غسل وَلَا صَلَاة على أحد مِنْهُم وَأخذ كسْوَة الْبَيْت فَقَسمهَا فِي اصحابه وَنهب دور أهل مَكَّة ثمَّ ذكر ابْن الاثير فِي سنة سِتِّينَ وثلاثمائة ان القرامطة وصلوا الى دمشق فملكوها وَقتلُوا جَعْفَر بن فلاح نَائِب المصريين ثمَّ بلغ عَسْكَر القرامطة الى عين شمس وَهِي على بَاب الْقَاهِرَة وظهروا عَلَيْهِم ثمَّ انتصر أهل مصر عَلَيْهِم فَرَجَعُوا عَنْهُم انْتهى قَالَ ابْن خلكان وعَلى الْجُمْلَة فَالَّذِي فَعَلُوهُ فِي الاسلام لم يَفْعَله أحد قبلهم وَلَا بعدهمْ من الْمُسلمين وملكوا كثيرا من بِلَاد الْعرَاق والحجاز وبلاد الشرق وبلاد الشَّام الى بَاب مصر وَلما أخذُوا الْحجر تَرَكُوهُ عِنْدهم فِي هجر وَقتل أَبُو طَاهِر الْمَذْكُور فِي سنة اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وثلثمائة والقرمطي بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الرَّاء وَكسر الْمِيم وَبعدهَا طاء مُهْملَة والقرمطة فِي اللُّغَة تقَارب الشَّيْء بعضه من بعض يُقَال خطّ مقرمط ومشي مقرمط اذا كَانَ كَذَلِك وَكَانَ أَبُو سعيد الْمَذْكُور قَصِيرا مُجْتَمع الْخلق اسمر كريه المنظر فَلذَلِك قيل لَهُ قرمطي وَقد ذكر القَاضِي ابو بكر البا قلاني فصلا طَويلا من أَحْوَالهم فِي كتاب (كشف اسرار الباطنية (وَأما الجنابي فَإِنَّهُ بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد النُّون وَبعد الالف بَاء مُوَحدَة وَهَذِه النِّسْبَة الى جَنَابَة وَهِي بَلْدَة من اعمال فَارس مُتَّصِلَة بِالْبَحْرَيْنِ عِنْد سيراف والقرامطة مِنْهَا فنسبوا اليها انْتهى كَلَام ابْن خلكان رَحمَه الله تَعَالَى
следующие страницы →