← Акыда

Акыда · id 6362

توضيح المقاصد شرح نونية ابن القيم الكافية الشافية

أحمد بن عيسى

Полный текст (1 130 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

عَن وَأَخُوهُ وَأَصْحَابه وَمن مَعَه من الْغُزَاة قَائِما بجهاده ولأمه حَرْبَة يُوصي النَّاس بالثبات ويعدهم النَّصْر ويبشرهم بِالْغَنِيمَةِ والفوز بِإِحْدَى الحسنيين إِلَى أَن صدق الله وعده وأعز جنده وَهزمَ التتار وَحده وَدخل جَيش الاسلام إِلَى دمشق وَالشَّيْخ فِي أَصَابَهُ شَاك فِي سلاحة وداخلا مَعَهم عالية كَلمته مقبوله شَفَاعَته مكرما مُعظما يَقُول للمداحين أَنه رجل مِلَّة لَا رجل دولة وَأَخْبرنِي حَاجِب من الْحجاب ذُو دين وَأَمَانَة وَصدق قَالَ قَالَ لي الشَّيْخ يَوْم اللِّقَاء يَا فلَان الدّين أوقفني موقف الْمَوْت فسقته إِلَى مُقَابلَة الْعَدو وهم منحدرون كالسيل تلوح أسلحتهم من تَحت الْغُبَار فَرفع طرفه إِلَى السَّمَاء وحرك شَفَتَيْه ثمَّ انْبَعَثَ وَأَقْبل على الْقِتَال ثمَّ حَال الْقِتَال والالتحام وَمَا عدت رَأَيْته حَتَّى فتح الله وانحاز التتار الى جبل صَغِير عصموا أنفسهم بِهِ من سيوف الْمُسلمين آخر النَّهَار وَإِذا بالشيخ وأخيه يصيحان تحريضا على الْقِتَال وتخويفا للنَّاس الْفِرَار فَقلت لَك الْبشَارَة بالنصر فهاهم محصورون بِهَذَا السفح وفغد إِن شَاءَ الله يؤخذون عَن آخِرهم قَالَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ ودعا دُعَاء رَأَيْت بركته فِي ذَلِك الْوَقْت وَبعده وَقَالَ ابْن فضل الله وَحكي من شجاعته فِي مَوَاقِف الحروب نوبَة شقحب ونوبة كسروان مَا لم يسمع الا عَن صَنَادِيد الرِّجَال وأبطال اللِّقَاء وأحلاس الْحَرْب تَارَة يُبَاشر الْقِتَال وَتارَة يحرض عَلَيْهِ وَركب الْبَرِيد الى مهنا بن عِيسَى امير الْعَرَب واستحضره إِلَى الْجِهَاد وَركب بعْدهَا إِلَى السُّلْطَان واستنفره وواجه بالْكلَام الغليظ أمراءه وَعَسْكَره وَلما جَاءَ السُّلْطَان إِلَى شقحب لاقاه إِلَى قرب الْحرَّة وَجعل يشجعه ويثبته فَلَمَّا رأى السُّلْطَان كَثْرَة التتار قَالَ يَا لخَالِد بن الْوَلِيد فَقَالَ لَهُ لَا تقل هَذَا بل قل يَا الله

стр. 527

واستغث بِاللَّه رَبك وَحده وَوَحدهُ تنصر وَقل يَا مَالك يَوْم الدّين إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين ثمَّ صَار تَارَة يقبل على الْخَلِيفَة وَتارَة على السُّلْطَان ويهديهما ويربط جأشهما حَتَّى جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح وَحكي أَنه قَالَ للسُّلْطَان أثبت فانك مَنْصُور فَقَالَ لَهُ بعض الْأُمَرَاء قل ٦ إِن شَاءَ الله فَقَالَ إِن شَاءَ الله تَحْقِيقا لَا تَعْلِيقا فَكَانَ كَمَا قَالَ وَقبل ذَلِك فِي نوبَة غازان فعل من أَنْوَاع الْجِهَاد وأنواع الْخَيْر من انفاق الاموال وإطعام الطَّعَام وَغير ذَلِك مَا هُوَ مَعْرُوف مَشْهُور فرحمه الله وَرَضي عَنهُ ... وَجَمِيع مَا فِي الْكَوْن من بدع وأحداث تخَالف مُوجب الْقُرْآن فأساسها التَّأْوِيل ذُو الْبطلَان لَا تَأْوِيل أهل الْعلم والأيمان ... إِذْ ذَاك تَفْسِير المُرَاد وكشفه ... وَبَيَان مَعْنَاهُ الى الاذهان ... قد كَانَ أعلم خلقه بِكَلَامِهِ ... صلى عَلَيْهِ الله كل أَوَان يتَأَوَّل الْقُرْآن عِنْد رُكُوعه وَسُجُوده تَأْوِيل ذِي برهَان هَذَا الَّذِي قالته أم الْمُؤمنِينَ حِكَايَة عَنهُ لَهَا بِلِسَان ... فَانْظُر إِلَى التَّأْوِيل مَا تَعْنِي بِهِ ... خير النِّسَاء وأفقه النسوان أتظنها تَعْنِي بِهِ صرفا عَن الْمَعْنى الْقوي لغير ذِي الرجحان ... وَانْظُر إِلَى التَّأْوِيل حِين يَقُول علمه لعبد الله فِي الْقُرْآن مَاذَا أَرَادَ بِهِ سوى تَفْسِيره ... وَظُهُور مَعْنَاهُ لَهُ بِبَيَان قَوْله ابْن عَبَّاس هُوَ التَّأْوِيل لَا ... تَأْوِيل جهمي أخي بهتان

стр. 528

.. وَحَقِيقَة التَّأْوِيل مَعْنَاهُ الرُّجُوع الى الْحَقِيقَة لَا الى الْبطلَان ... وكذاك تَأْوِيل الْمَنَام حيقيقة المرئي لَا التحريف بالبهتان وكذاك تَأْوِيل الَّذِي قد أخْبرت ... رسل الْإِلَه بِهِ من الْإِيمَان نفس الْحَقِيقَة إِذْ تشاهدها لَدَى ... يَوْم الْمعَاد بِرُؤْيَة وعيان لَا خلف بَين أَئِمَّة التَّفْسِير فِي ... هَذَا وَذَلِكَ وَاضح الْبُرْهَان هَذَا كَلَام الله ثمَّ رَسُوله وأئمة التَّفْسِير لِلْقُرْآنِ تَأْوِيله هُوَ عِنْدهم تَفْسِيره ... بِالظَّاهِرِ الْمَفْهُوم للأذهان ... مَا قَالَ مِنْهُم قطّ شخص وَاحِد ... تَأْوِيله صرف عَن الرجحان ... كلا وَلَا نفي الْحَقِيقَة لَا وَلَا ... عزل النُّصُوص عَن الْيَقِين فذان تَأْوِيل أهل الْبَاطِل الْمَرْدُود عِنْد أَئِمَّة الْعرْفَان والايمان ... وَهُوَ الَّذِي لَا شكّ فِي بُطْلَانه ... وَالله يقْضِي فِيهِ بِالْبُطْلَانِ فجعلتهم للفظ معنى غير مَعْنَاهُ لديهم باصطلاح ثَان ... وحملتم لفظ الْكتاب عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَكُم من ذَاك محذوران كذب على الالفاظ مَعَ كذب على ... من قَالَهَا كذبان مقبوحان وتلاهما أَمْرَانِ أقبح مِنْهُمَا ... جحد الْهدى وَشَهَادَة الْبُهْتَان إِذْ يشْهدُونَ الزُّور إِن مُرَاده ... غير الْحَقِيقَة وَهِي ذُو بطلَان ...

стр. 529

ووأصوله ان التاويل هُوَ صرف اللَّفْظ عَن الِاحْتِمَال الرَّاجِح إِلَى الِاحْتِمَال الْمَرْجُوح لدَلِيل يقْتَرن بِهِ وَهَذَا الَّذِي عناه اكثر من تكلم من الْمُتَأَخِّرين فِي تَأْوِيل نُصُوص الصِّفَات وَترك تَأْوِيلهَا وَهل ذَلِك مَحْمُود اَوْ مَذْمُوم اَوْ حق اَوْ بَاطِل وَالثَّانِي ان التَّأْوِيل بِمَعْنى التَّفْسِير وَهَذَا هُوَ الْغَالِب على اصْطِلَاح الْمُفَسّرين لِلْقُرْآنِ كَمَا يَقُول ابْن جر وَأَمْثَاله من الْمُفَسّرين وَاخْتلف عُلَمَاء التَّأْوِيل وَمُجاهد إِمَام الْمُفَسّرين قَالَ الثَّوْريّ إِذا جَاءَك التَّفْسِير عَن مُجَاهِد فحسبك بِهِ وعَلى تَفْسِيره يعْتَمد الشَّافِعِي وَالْبُخَارِيّ وَغَيرهمَا فاذا ذكر انه يعلم تَأْوِيل الْمُتَشَابه فَالْمُرَاد معرفَة تَفْسِيره الثَّالِث من مَعَاني التَّأْوِيل هُوَ الْحَقِيقَة الَّتِي يؤول اليها الْكَلَام كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا تَأْوِيله يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله يَقُول الَّذين نسوه من قبل قد جَاءَت رسل رَبنَا بِالْحَقِّ﴾ الاعراف فَتَأْوِيل مَا فِي الْقُرْآن من أَخْبَار الْمعَاد هُوَ مَا أخبر الله بِهِ فِيهِ مِمَّا يكون من الْقِيَامَة والحساب وَالْجنَّة النَّار وَنَحْو ذَلِك كَمَا قَالَ فِي قصَّة يُوسُف لما سجد أَبَوَاهُ وأخوته ﴿يَا أَبَت هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ من قبل﴾ يُوسُف فَجعل عين مَا وجد فِي الْخَارِج هُوَ تَأْوِيل الرُّؤْيَا فالتأويل الثَّانِي هُوَ تَفْسِير الْكَلَام وَهُوَ الْكَلَام الَّذِي يُفَسر بِهِ اللَّفْظ حَتَّى يفهم مَعْنَاهُ اَوْ تعرف علته اَوْ دَلِيله وَهَذَا التَّأْوِيل الثَّالِث هُوَ عين مَا هُوَ مَوْجُود فِي الْخَارِج وَمِنْه قَول عَائِشَة كَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول فِي رُكُوعه وَسُجُوده سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبنَا وَبِحَمْدِك اللَّهُمَّ اغْفِر لي يتَأَوَّل الْقُرْآن يَعْنِي قَوْله ﴿فسبح بِحَمْد رَبك وَاسْتَغْفرهُ﴾ النَّصْر وَقَول سُفْيَان بن عُيَيْنَة السّنة هِيَ تَأْوِيل الْأَمر

стр. 530

وَالنَّهْي فان نفس الْفِعْل الْمَأْمُور بِهِ هُوَ تَأْوِيل الامر بِهِ وَنَفس الْمَوْجُود الْمخبر عَنهُ هُوَ تَأْوِيل الْخَبَر وَالْكَلَام خبر وَأمر وَلِهَذَا يَقُول أَبُو عبيد وَغَيره الْفُقَهَاء اعْلَم بالتأويل من أهل اللُّغَة كَمَا ذكرُوا ذَلِك فِي اشْتِمَال الصماء لِأَن الْفُقَهَاء يعلمُونَ تَفْسِير مَا أَمر بِهِ وَنهى عَنهُ لعلمهم بمقاصد الرَّسُول ﷺ كَمَا يعلم أَتبَاع بقراط وسيبويه وَنَحْوهمَا من مقاصدهما مَا لَا يعلم بِمُجَرَّد اللُّغَة وَلَكِن تَأْوِيل الْأَمر وَالنَّهْي لَا (بُد) من مَعْرفَته بِخِلَاف تَأْوِيل الْخَبَر اذا عرف ذَلِك فَتَأْوِيل مَا اخبر الله تَعَالَى بِهِ عَن نَفسه المقدسة المتصفة بِمَا لَهَا من حقائق الْأَسْمَاء وَالصِّفَات هُوَ حَقِيقَة نَفسه المقدسة المتصفة بِمَا لَهَا من حقائق الصِّفَات وَتَأْويل مَا أخبر الله تَعَالَى بِهِ من الْوَعْد والوعيد هُوَ نفس مَا يكون من الْوَعْد والوعيد وَلِهَذَا مَا يَجِيء فِي الحَدِيث يعْمل بمحكمة ويؤمن بمتشابهه لِأَن مَا أخبر الله عَن نَفسه وَعَن الْيَوْم الاخر فِيهِ أَلْفَاظ متشابهة يشبه مَعَانِيهَا مَا نعلمهُ فِي الدُّنْيَا كَمَا أخبر أَفِي الْجنَّة لَحْمًا ولبنا وَعَسَلًا وخمرا وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا يشبه مَا فِي الدُّنْيَا لفظا وَمعنى وَلَكِن لَيْسَ هُوَ مثله وَلَا حَقِيقَته كحقيقته فاسماء الله تَعَالَى وَصِفَاته أولى وان كَانَ بَينهَا وَبَين اسماء الْعباد وصفاتهم تشابه ان لَا يكون لأَجلهَا الْخَالِق مثل وَلَا حَقِيقَته كحقيقته والاخبار عَن الْغَائِب لَا يفهم إِن لم يعبر عَنهُ بالاسماء الْمَعْلُومَة مَعَانِيهَا فِي الشَّاهِد وَيعلم بهَا مَا فِي الْغَائِب بِوَاسِطَة الْعلم بِمَا فِي الشَّاهِد مَعَ الْعلم بالفارق الْمُمَيز وَأَن مَا أخبر الله بِهِ من الْغَيْب أعظم مِمَّا فِي الشاهوفي الْغَائِب مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر فَنحْن إِذا أخبرنَا بِالْغَيْبِ الَّذِي اخْتصَّ بِهِ من الْجنَّة وَالنَّار علمنَا معنى ذَلِك وفهمنا مَا أُرِيد منا فهمه بذلك الْخطاب

стр. 531

وفسرنا ذَلِك واما نفس الْحَقِيقَة الْمخبر عَنْهَا مثل الَّتِي لم يكن بعد وَإِنَّمَا يكون يَوْم الْقِيَامَة فَذَلِك من التَّأْوِيل الَّذِي لَا يُعلمهُ الا الله وَلِهَذَا لما سُئِلَ مَالك وَغَيره من السّلف عَن قَوْله ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه قَالُوا الاسْتوَاء مَعْلُوم والكيف مَجْهُول والايمان بِهِ وَاجِب وَالسُّؤَال عَنهُ بِدعَة وَكَذَلِكَ قَالَ ربيعَة شيخ مَالك قبله الاسْتوَاء مَعْلُوم والكيف مَجْهُول وَمن الله الْبَيَان وعَلى الرَّسُول الْبَلَاغ وعلينا الايمان فَبين ان الاسْتوَاء مَعْلُوم وَإِن كَيْفيَّة ذَلِك مَجْهُولَة وَمثل هَذَا يُوجد كثيرا فِي كَلَام السّلف وَالْأَئِمَّة ينفون علم الْعباد بكيفية صِفَات الله تَعَالَى وَأَنه لَا يعلم كَيفَ الله الا الله فَلَا يعلم مَا هُوَ إِلَّا هُوَ وَقد قَالَ النَّبِي ص الله سُبْحَانَهُ لى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك انت كَمَا اثنيت على نَفسك وَهَذَا فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره وَقَالَ فِي الحَدِيث الآخر اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك بِكُل اسْم هُوَ لَك سميت بِهِ نَفسك أَو نزلته فِي كتابك أَو عَلمته أحدا من خلقك أَو أستأثرت بِهِ فِي علم الْغَيْب عنْدك والْحَدِيث فِي الْمسند وصحيح أبي حَاتِم وَأطَال الْكَلَام وَهُوَ كَلَام نَفِيس وَهُوَ معنى كَلَام النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فصل فِيمَا يلْزم مدعي التَّأْوِيل لتصحيح دَعْوَاهُ ... وَعَلَيْكُم فِي ذَا وظائف أَربع ... وَالله لَيْسَ لكم بِهن يدان مِنْهَا دَلِيل صَارف للفظ عَن ... مَوْضُوعه الْأَصْلِيّ بالبرهان ...

стр. 532

.. إِذْ مدعى نفس الْحَقِيقَة مُدع ... للْأَصْل لم يحْتَج إِلَى برهَان فاذا استقام لكم دَلِيل الصّرْف يَا ... هَيْهَات طولبتم بِأَمْر ثَان وَهُوَ احْتِمَال اللَّفْظ للمعنى الَّذِي ... قُلْتُمْ هُوَ الْمَقْصُود بالتبيان فاذا أتيتم ذَاك طولبتم بِأَمْر ثَالِث من بعد هَذَا الثَّانِي ... إِذْ قُلْتُمْ إِن المُرَاد كَذَا فَمَا ... ذَا دلكم أتخرص الْكُهَّان هَب أَنه لم يقْصد الْمَوْضُوع لَكِن قد يكون الْقَصْد معنى ثَان ... غير الَّذِي عينتموه وَقد يكو ... ن اللَّفْظ مَقْصُودا بِدُونِ معَان ... كتعبد وتلاوة ويكو ذَا ... ك الْقَصْد أَنْفَع وَهُوَ ذُو إِمْكَان من قصد تَحْرِيف لَهَا يُسمى بتأ ... ويل مَعَ الاتعاب للاذهان وَالله مَا القصدان فِي حدسوا حِكْمَة الْمُتَكَلّم المنان ... بل حِكْمَة الرَّحْمَن تبطل قَصده التحريف حاشا حِكْمَة الرَّحْمَن وكذاك تبطل قَصده إنزالها ... من غير معنى وَاضح التِّبْيَان وهما طَرِيقا فرْقَتَيْن كِلَاهُمَا عَن مقصد الْقُرْآن منحرفان ... حَاصِل كَلَام النَّاظِم فِي هَذَا الْفَصْل إِلْزَام أهل التَّأْوِيل أَرْبَعَة لَوَازِم وَلَا سَبِيل لَهُم إِلَى دَلِيل قَاطع بهَا الأول الْمُطَالبَة بِدَلِيل صَارف للفظ عَن مَوْضُوعه الْأَصْلِيّ وَهُوَ أَن الاصل فِي الْأَلْفَاظ الْحَقِيقِيَّة فالمدعي النَّقْل عَن الْحَقِيقَة يحْتَاج إِلَى دَلِيل قَاطع فاذا أَقَامُوا الدَّلِيل الْمُوجب للصرف

стр. 533

.. فتسلط التَّأْوِيل إبِْطَال لهَذَا الْقَصْد وَهُوَ جِنَايَة من جَان هَذَا الَّذِي قد قَالَه مَعَ نَفْيه ... لحقائق الالفاظ فِي الأذهان وَطَرِيقَة التَّأْوِيل أَيْضا قد غَدَتْ ... مُشْتَقَّة من هَذِه الخلجان وَكِلَاهُمَا اتفقَا على ان الْحَقِيقَة مُنْتَفٍ مضمونها بِبَيَان ... لَكِن قد اخْتلفَا فَعِنْدَ فريقكم ... مَا إِن أريدت قطّ بالتبيان ... لَكِن عِنْدهم اريد ثُبُوتهَا ... فِي الذِّهْن إِذْ عدمت من الْإِحْسَان اذ ذَاك مصلحَة الْمُخَاطب عِنْدهم ... وَطَرِيقَة الْبُرْهَان أَمر ثَان فكلاهما ارتكبا أَشد جِنَايَة ... جنيت على الْقُرْآن وَالْإِيمَان جعلُوا النُّصُوص لأَجلهَا غَرضا لَهُم ... قد خرقوه بأسهم الهذيان ... يَعْنِي النَّاظِم أَن ابْن سينا وَأَمْثَاله من الملاح الفلاسفة لما فتح المتكلمون بَاب التَّأْوِيل الَّذِي هُوَ تَحْرِيف النُّصُوص فَإِن حَقِيقَة قَول الْمُتَكَلِّمين إِن الرب لم يكن قَادِرًا وَلَا كَانَ الْكَلَام وَالْفِعْل مُمكنا لَهُ وَلم يزل كَذَلِك دَائِما مُدَّة أَو تَقْدِير مُدَّة لَا نِهَايَة لَهَا ثمَّ إِنَّه تكلم وَفعل من غير سَبَب اقْتضى ذَلِك وَجعلُوا مَفْعُوله هُوَ فعله وإرادته بعلة أزلية وَالْمَفْعُول مُتَأَخِّرًا وَجعلُوا الْقَادِر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بِلَا مُرَجّح وكل هَذَا خلاف الْمَعْقُول الصَّرِيح وَخلاف الْكتاب وَالسّنة وأنكروا صِفَاته ورؤيته وَقَالُوا كَلَامه مَخْلُوق وَهُوَ خلاف دين الْإِسْلَام وَالَّذين اتبعُوا هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمين وأثبتوا الصِّفَات قَالُوا يُرِيد جَمِيع المرادات بِإِرَادَة وَاحِدَة وكل كَلَام تكلم بِهِ أَو يتَكَلَّم بِهِ إِنَّمَا هُوَ شئ وَاحِد لَا يَتَعَدَّد

стр. 534

وَلَا يَتَبَعَّض وَإِذا رُؤِيَ بِلَا مُوَاجهَة وَلَا مُعَاينَة وَإنَّهُ لم يسمع وَلم ير الْأَشْيَاء حَتَّى وجدت لم يقم بِهِ أَنه مَوْجُود بل حَاله قبل أَن يسمع ويبصر كحاله بعد ذَلِك إِلَى أَمْثَال هَذِه الْأَقْوَال الَّتِي تخَالف الْمَعْقُول الصَّرِيح وَالْمَنْقُول الصَّحِيح فَلَمَّا رَأَتْ الفلاسفة أَن هَذَا مبلغ علم هَؤُلَاءِ وَأَن هَذَا هُوَ الْإِسْلَام الَّذِي عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ وَعَلمُوا فَسَاد هَذَا أظهرُوا قَوْلهم بقدم الْعَالم وَاحْتَجُّوا بِأَن تجدّد الْفِعْل بعد أَن لم يكن مُمْتَنع بل لَا بُد لكل متجدد من سَبَب حَادث فَيكون الْفِعْل دَائِما ثمَّ ادعوا دَعْوَى كَاذِبَة لم يحسن أُولَئِكَ أَن يبينوا فَسَادهَا وَهُوَ انه إِذا كَانَ الْفِعْل دَائِما لزم قدم الأفلاك والعناصر ثمَّ لما أَرَادوا تَقْرِير النُّبُوَّة جعلوها فيضا فاض من الْعقل الفعال أَو غَيره من غير أَن يكون رب الْعَالمين يعلم ان لَهُ رَسُولا معينا وَلَا يُمَيّز بَين مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَلَا يعلم الجزئيات وَلَا نزل من عِنْده ملك بل جِبْرِيل هُوَ خيال يتخيل فِي نفس النَّبِي ﷺ وَهُوَ الْعقل الفعال وأنكروا ان تكون السَّمَاوَات تَنْشَق وتنفطر وَغير ذَلِك مِمَّا أخبرنَا بِهِ الرَّسُول ﷺ وَزَعَمُوا أَن مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ خطاب الْجُمْهُور بِمَا يخيل إِلَيْهِم بِمَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ من غير أَن يكون الامر فِي نَفسه كَذَلِك وَمن غير أَن تكون الرُّسُل بيّنت الْحَقَائِق وَعلمت النَّاس مَا الْأَمر عَلَيْهِ وَهَذَا معنى قَول النَّاظِم حِكَايَة عَن ابْن سينا قَالَ المُرَاد حقائق الْأَلْفَاظ تخييلا وتقريبا إِلَى الأذهان لِأَن الْجُمْهُور لَا يُمكنهُم إِدْرَاك الْمَعْقُول إِلَّا فِي مِثَال محسوس فأبرزت الرُّسُل الْمَعْقُول فِي المحسوس حَتَّى تقبله أذهان الْجُمْهُور فَيَقُول النَّاظِم هَذَا هُوَ الَّذِي قد قَالَه ابْن سينا مَعَ نَفْيه لحقائق الْأَلْفَاظ فِي

стр. 535

الاذهان فالتأويل عِنْد ابْن سينالأجل إبِْطَال هَذَا الْقَصْد وَلِهَذَا يحرم التَّأْوِيل عِنْد الفلاسفة إِلَّا للعارف وَأَشَارَ النَّاظِم إِلَى ذَلِك بقوله ... فلذاك يحرم عِنْدهم تَأْوِيله ... لكنه حل لذِي الْعرْفَان ... قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وتسلط الأوغاد والأوقاح والأرذال بالتحريف والبهتان كل إِذا قابلته بِالنَّصِّ قا ... بله بِتَأْوِيل بِلَا برهَان ... وَيَقُول تأويلي كتأويل الَّذين تأولوا فوقية الرَّحْمَن بل دونه فظهورها فِي الْوَحْي بالنصين مثل الشَّمْس فِي التِّبْيَان أيسوغ تَأْوِيل الْعُلُوّ لكم وَلَا تتأولوا الْبَاقِي بِلَا فرقان ... وكذاك تَأْوِيل الصِّفَات مَعَ انها ... ملْء الحَدِيث وملء ذِي الْقُرْآن وَالله تَأْوِيل الْعُلُوّ اشد من تأويلنا لقيامة الْأَبدَان وَأَشد من تاويلنا لِحَيَاتِهِ ... ولعلمه ومشيئة الاكوان ... وَأَشد من تأويلنا لحدوث هَذَا الْعَالم المحسوس بالإمكان وَأَشد من تأويلنا بعض الشرا ... ئع عِنْد ذِي الانصاف وَالْمِيزَان وَأَشد من تأويلنا لكَلَامه ... بالفيض من فعال ذِي الاكوان وَأَشد من تَأْوِيل اهل الرَّفْض أخبارالفضائل حازها الشَّيْخَانِ ... واشد من تَأْوِيل كل مؤول نصا بَان مُرَاده الوحيان ...

стр. 536

.. إِذْ صرح الوحيان مَعَ كتب الْإِلَه جَمِيعهَا بالفوق للرحمن ... فلأي شَيْء نَحن كفار بذا التَّأْوِيل بل أَنْتُم على الايمان إِنَّا تأويلنا وَأَنْتُم قد تأولتم فهاتوا وَاضح الْفرْقَان ... ألكم على تأويلكم أَجْرَانِ حَيْثُ لنا على تأويلنا وزران هذي مقالتهم لكم فِي كتبهمْ ... مِنْهَا نقلناها بِلَا عدوان ردوا عَلَيْهِم إِن قدرتم أَو فنحوا عَن طَرِيق عَسَاكِر الايمان ... لاتحطمنكم جنودهم كحطم السَّيْل مَا لَاقَى من الديدان ... الأوغاد جمع وغد وَهُوَ الَّذِي يخْدم بملء بَطْنه والأوقاح جمع وقح وَهُوَ الَّذِي لاحياء لَهُ يَعْنِي أَن الأوغاد والأوقاح والأرذال من الباطنية والفلاسفة وَغَيرهم لما رَأَوْا تَأْوِيل الْمُتَكَلِّمين لعلو الرب وفوقيته على خلقه وَكَذَا تأويلهم لصفاته تَعَالَى فَقَالَ أُولَئِكَ للمتكلمين تأويلكم للعلو أعظم من تأويلنا للقيامة واشد من تأويلنا لِحَيَاتِهِ سُبْحَانَهُ وَعلمه ومشيئته وَأَشد من تأويلنا لحدوث الْعَالم بالإمكان وَأعظم من تأويلنا لكَلَامه بِأَنَّهُ فاض من الْعقل الفعال وَأَشد من تَأْوِيل الروافض للْأَخْبَار الَّتِي فِي فَضَائِل الشَّيْخَيْنِ أبي بكر وَعمر ﵄ وَأَشد من تَأْوِيل كل مؤول لِأَنَّهُ قد صرح الوحيان وَجَمِيع الْكتب الإلهية بالفوقية فلأي شَيْء نكفر بتأويلنا وَأَنْتُم مُؤمنُونَ فَنحْن قد تأولنا كَمَا تأولتم فهاتوا فرقا وَاضحا وَهَذَا معنى قَول النَّاظِم هذي مقالتهم لكم فِي كتبهمْ الخ فَردُّوا عَلَيْهِم إِن قدرتم وهيهات وَإِلَّا فتنحوا عَن

стр. 537

طَرِيق عَسَاكِر الْإِيمَان فهم الَّذين يردون على أُولَئِكَ الأوغاد وَذَلِكَ أَنهم قبلوا مَا أخبر الله بِهِ عَن نَفسه أَو أخبر بِهِ رَسُوله إِثْبَاتًا بِلَا تَأْوِيل وتنزيها بِلَا تَعْطِيل وقبلوا مَا جَاءَ عَن الله وَرَسُوله وَقَالُوا آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا وَالْحَمْد لله وَحده قَالَ النَّاظِم ... وَكَذَا نطالبكم بِأَمْر رَابِع ... وَالله لَيْسَ لكم بذا إِمْكَان وَهُوَ الْجَواب عَن الْمعَارض إِذْ بِهِ الد ... عوى تتمّ سليمَة الْأَركان لَكِن ذاعين الْمحَال ولويسا عدكم عَلَيْهِ رب كل لِسَان ... فأدله الْإِثْبَات حَقًا لَا يقو ... م لَهَا الْجبَال وَسَائِر الاكوان تَنْزِيل رب الْعَالمين ووحيه مَعَ فطْرَة الرَّحْمَن والبرهان ... أَنى يعارضها كناسَة هَذِه الأذهان بِالشُّبُهَاتِ والهذيان وجعاجع وفراقع مَا تحتهَا ... إِلَّا السراب لوارد ظمآن فلتهنكم هذي الْعُلُوم اللاء قد ... ذخرت لكم عَن تَابع الاحسان بل عَن مشايخهم جَمِيعًا ثمَّ وفقتم لَهَا من بعد طول زمَان ... وَالله مَا ذخرت لكم لفضيلة ... لكم عَلَيْهِم يَا أولي النُّقْصَان لَكِن عقول الْقَوْم كَانَت فَوق ذَا ... قدرا وشأنهم فأعظم شان وهم اجل وعلمهم أَعلَى وأشرف أَن يشاب بزخرف الهذيان ... فلذاك صانهم الْإِلَه عَن الَّذِي ... فِيهِ وَقَعْتُمْ صون ذِي إِحْسَان ...

стр. 538

.. سميتهم التحريف تَأْوِيلا كَذَا العطيل تَنْزِيها هما لقبان وأضفتم أمرا إِلَى ذَا ثَالِثا ... شرا وأقبح مِنْهُ ذَا بهتان فجعلتم الْإِثْبَات تجسيما وتشبيها وَذَا من أقبح الْعدوان ... فقلبتم تِلْكَ الْحَقَائِق مثل مَا ... قلبت قُلُوبكُمْ عَن الايمان ... وجعلتم الممدوح مذموما كَذَا ... بِالْعَكْسِ حَتَّى اسْتكْمل اللبسان وأردتم ان تحمدوا بالاتبا ... ع نعم لمن يَا فرقة الْبُهْتَان وبغيتم أَن تنسبوا للابتدا ... ع عَسَاكِر الْآثَار وَالْقُرْآن وجعلتم الوحيين غير مفيدة للْعلم وَالتَّحْقِيق والبرهان لَكِن عقول الناكبين عَن الْهدى لَهما تفِيد ومنطق اليونان وجعلتم الايمان كفرا وَالْهدى عين الضلال وَذَا من الطغيان ثمَّ استخفيتم عقولا مَا أرا ... د الله ان تزكو على الْقُرْآن حَتَّى اسْتَجَابُوا مهطعين لدَعْوَة التعطيل قد هربوا من الْإِيمَان ... يَا ويحهم لَو يَشْعُرُونَ بِمن دَعَا وَلما دَعَا قعدوا جبان ... هَذَا هُوَ الرَّابِع من الامور الَّتِي تقدّمت فِي الْفَصْل قبله لِأَنَّهُ طالبهم بِثَلَاثَة أَشْيَاء وَبَقِي الرَّابِع وَهُوَ انا نطالبهم بِالْجَوَابِ عَن الْمعَارض لَهُم وَهُوَ أَدِلَّة الْإِثْبَات وجوابهم عَنْهَا عين الْمحَال وَكَيف يُعَارض النُّصُوص القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة والفطرة كناسَة الآراء والأذهان

стр. 539

هم وجعاجع وفراقع مَا تحتهَا إِلَّا السراب للوارد الظمآن فليهنهم الِاعْتِيَاض بِهَذِهِ الْعُلُوم الَّتِي قد ذخرت عَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ والائمة المهديين فَإِن الله تَعَالَى صانهم ونزههم عَن هَذَا الَّذِي وَقع فِيهِ هَؤُلَاءِ نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان وَقَوله سميتم التحريف تَأْوِيلا الخ أَي أَنهم سموا تحريفاتهم تَأْوِيلا وَسموا التعطيل تَنْزِيها وأضافوا إِلَى ذَلِك أمرا ثَالِثا أقبح واشنع وَهُوَ انهم سموا الاثبات تجسيما وتشبيها فقلبوا الْحَقَائِق وَجعلُوا الممدوح مذموما والمذموم ممدوحا فدلسوا ولبسوا وَقَوله وأردتم أَن تحمدوا بالاتباع الخ أَي أَنهم أَرَادوا ان يحْمَدُوا بِاتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة وهم عَن ذَلِك بمراحل وَهَذَا معنى قَوْله لَكِن لمن وَمَعَ ذَلِك نسبوا للابتداع عَسَاكِر الْآثَار وَالْقُرْآن وصرحوا بِأَن نُصُوص الوحيين لَا تفِيد الْيَقِين وان الْعلم وَالْيَقِين إِنَّمَا يُسْتَفَاد من غَيرهمَا كعقولهم ومنطق اليونان وَقَالُوا إِذا تَعَارَضَت الْأَدِلَّة اللفظية والقواطع الْعَقْلِيَّة بزعمهم قدمنَا القواطع الْعَقْلِيَّة وَجعلُوا الايمان كفرا وَالْهدى ضلالا ثمَّ استخفوا أَصْحَاب الْعُقُول الضعيفة غير الزكية فاستجابواهطعين لدعوتهم واتبعوهم على تحريفهم وتأويلهم فصل فِي شبه المحرفين للنصوص باليهود وإرثهم التحريف مِنْهُم وَبَرَاءَة أهل الْإِثْبَات مِمَّا رموهم بِهِ من هَذِه الشّبَه ... هَذَا وَثمّ بلية مستورة ... فيهم سأبديها لكم بِبَيَان ...

стр. 540

.. ورث المحرف من يهود وهم أولو التحريف والتبديل والكتمان فَأَرَادَ مِيرَاث الثَّلَاثَة مِنْهُم ... فعصت عَلَيْهِ غَايَة الْعِصْيَان ... إِذْ كَانَ لفظ النَّص مَحْفُوظًا فَمَا التبديل والكتمان فِي الْإِمْكَان فَأَرَادَ تَبْدِيل الْمعَانِي إِذْ هِيَ الْمَقْصُود من تَعْبِير كل لِسَان ... فَأتى اليها وَهِي بارزة من ال الْأَلْفَاظ ظَاهِرَة بِلَا كتمان فنفى حقائقها وَأعْطى لَفظهَا ... معنى سوى مَوْضُوعه الحقان فجنى على الْمَعْنى جِنَايَة جَاحد ... وجنى على الْأَلْفَاظ بالعدوان وأتى الى حزب الْهدى أَعْطَاهُم ... شبه الْيَهُود وَذَا من الْبُهْتَان إِذْ قَالَ إِنَّهُم مشبهة وَأَنْتُم مثلهم فَمن الَّذِي يلحاني ... فِي هتك أَسْتَار الْيَهُود وشبههم من فرقة التحريف لِلْقُرْآنِ ... مُرَاد النَّاظِم ﵀ أَن المحرف أَي المؤول ورث التحريف من الْيَهُود وهم اولو التحريف والتبديل والكتمان فَأَرَادَ المحرف مِيرَاث الثَّلَاثَة مِنْهُم فعصت عَلَيْهِ وَلم يُمكنهُ ذَلِك لِأَن لفظ النَّص مَحْفُوظ قد تولى الله حفظه كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون﴾ الْحجر فَعدل إِلَى التبديل الْمعَانِي لِأَنَّهَا هِيَ الْمَقْصُودَة بالتعبير وَلم يُمكنهُ الكتمان أَيْضا فنفى حقائقها وَأعْطى لَفظهَا معنى غير مَعْنَاهُ الْمَوْضُوع لَهُ فَجحد الْمَعْنى وجنى على اللَّفْظ بالعدوان ثمَّ بعد ذَلِك سمى أهل الاثبات وَالْهدى مشبهة وَأَنَّهُمْ مثل الْيَهُود وَهَذَا معنى قَول النَّاظِم فَمن الَّذِي

стр. 541

يلحاني فِي هتك أَسْتَار الْيَهُود وشبههم وَمعنى يلحاني يُنَازعنِي قَالَ فِي الْقَامُوس لاحاه ملاحاة ولحاء نازعه انْتهى أَي من يُنَازعنِي فِي هتك أَسْتَار المعطلة وتشبيههم باليهود ثمَّ شرع النَّاظِم فِي بَيَان شبههم الْمُحَقق باليهود فَقَالَ ... يَا مُسلمين بِحَق ربكُم اسمعوا ... قولي وعوه وعي ذِي عرفان ثمَّ احكموا من بعد من هَذَا الَّذِي أولى بِهَذَا الشّبَه بالبرهان امْر الْيَهُود بِأَن يَقُولُوا حطة فَأَبَوا وَقَالُوا حطة لهوان وَكَذَلِكَ الجهمي قيل لَهُ اسْتَوَى فَأبى وَزَاد الْحَرْف للنقصان قَالَ اسْتَوَى استولى وَذَا من جَهله لُغَة وعقلا مَا هما سيان ... عشرُون وَجها تبطل التَّأْوِيل باستولى فَلَا تخرج عَن الْقُرْآن قد أفردت بمصنف هُوَ عندنَا تصنيف حبر عَالم رباني وَلَقَد ذكرنَا أَرْبَعِينَ طَريقَة قد أبطلت هَذَا بِحسن بَيَان هِيَ فِي الصَّوَاعِق إِن ترد تحقيقها لَا تختفي إِلَّا على العميان نون الْيَهُود وَلَام جهمي هما ... فِي وَحي رب الْعَرْش زائدتان وَكَذَلِكَ الجهمي هما ... ويهود قد وصفوه بِالنُّقْصَانِ فهما اذا فِي نفيهم لصفاته الْعليا كَمَا بَينته أَخَوان ... شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي إِيضَاح مَا ذكره من شبه المعطلة باليهود

стр. 542

وَأَنَّهُمْ ورثوا مِنْهُم التحريف فَذكر ان الْيَهُود قيل لَهُم ﴿وَقُولُوا حطة﴾ الْبَقَرَة والاعراف فَأَبَوا وَقَالُوا حِنْطَة وَكَذَلِكَ الْجَهْمِية قيل لَهُم اسْتَوَى فَأَبَوا وَقَالُوا استولى وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِن هَذَا من جهل الجهمي بِمَعْنى اسْتَوَى لُغَة وعقلا وَذكر ان تَفْسِير الاسْتوَاء بِالِاسْتِيلَاءِ بَاطِل من عشْرين وَجها أفردها شيخ الاسلام فِي مُصَنف مُفْرد وَقد سَاقهَا النَّاظِم فِيمَا تقدم وَزَاد وَجها فَصَارَت إِحْدَى وَعشْرين وَجها قَوْله وَلَقَد ذكرنَا اربعين طَريقَة أَي وَقد أبطلنا تَفْسِير الاسْتوَاء بِالِاسْتِيلَاءِ من اربعين طَرِيقا ذكرهَا النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي كِتَابه الْمُسَمّى ب الصَّوَاعِق الْمُرْسلَة على الْجَهْمِية والمعطلة وَهُوَ فِي مجلدات فِي غَايَة الاجادة والنفاسة فجزاه الله عَن الاسلام خيرا وَقَوله قد أفردت بمصنف هُوَ عندنَا الخ يَعْنِي بِهِ شيخ الاسلام كَمَا تقدم قَوْله ... وَكَذَلِكَ الجهمي عطل وَصفه ... ويهود قد وصفوه بِالنُّقْصَانِ ... أَي أَن الْجَهْمِية شابهوا الْيَهُود أَيْضا فالجهمية نفوا صِفَات الرب سُبْحَانَهُ وَالْيَهُود وصفوه بِالنُّقْصَانِ فوصفوه بِأَنَّهُ فَقير تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَأَن يَد مغلولة ووصفوه بالندم والتعب تَعَالَى الله وتقدس عَن إفْك

стр. 543

فصل فِي بَيَان بهتانهم فِي تَشْبِيه أهل الاثبات بفرعون وَقَوْلهمْ إِن مقَالَة الْعُلُوّ عَنهُ أخذوها وَإِنَّهُم أولى بفرعون وَأَنَّهُمْ أشباهه ... وَمن الْعَجَائِب قَوْلهم فِرْعَوْن مذ ... هبه الْعُلُوّ وَذَاكَ فِي الْقُرْآن ... ولذاك قد طلب الصعُود اليه بالصرح الَّذِي قد رام من هامان هَذَا رَأَيْنَاهُ بكتبهم وَمن ... أَفْوَاههم سمعا إِلَى الآذان فاسمع إِذا من الَّذِي أولى بفر ... عون الْمُعَطل جَاحد الرَّحْمَن وَانْظُر الى من قَالَ مُوسَى كَاذِب ... حِين ادّعى فوقية الرَّحْمَن فَمن المصائب أَن فرعونيكم أضحى يكفر صَاحب الايمان ... وَيَقُول ذَاك مبدل للدّين سا ... ع بِالْفَسَادِ وَذَا من الْبُهْتَان ان الْمُورث ذَا لَهُم فِرْعَوْن حِين رمى بِهِ الْمَوْلُود من عمرَان ... فَهُوَ الامام لَهُم وهاديهم بمتبوع يقودهم الى النيرَان هُوَ انكر الوصفين وصف الفوق والتكليم انكارا على الْبُهْتَان إِذْ قَصده إِنْكَار ذَات الرب فالتعطيل مرقاة لذا النكران وسواه جَاءَ بسلم وبآلة ... وأتى بقانون على بُنيان وأتى بِذَاكَ مفكرا ومقدرا ورث الْوَلِيد العابد الاوثان ...

стр. 544

.. وأتى الى التعطيل من أبوابه لَا من ظُهُور الدَّار والجدران وأتى بِهِ فِي قالب التَّنْزِيه والتعظيم تلبيسا على العميان وأتى إِلَى وصف الْعُلُوّ فَقَالَ ذَا التجسيم لَيْسَ يَلِيق بالرحمن ... فاللفظ قد أنشاه من تلقائه وكساه وصف الْوَاحِد المنان وَالنَّاس كلهم صبي الْعقل لم ... يبلغ وَلَو كَانُوا من الشَّيْخَانِ الا اناسا سلمُوا للوحي هم ... اهل الْبلُوغ وأعقل الانسان فَأتى الصّبيان فانقادوا لَهُ ... كالشاء اذ تنقاد للجوبان فَانْظُر إِلَى عقل صَغِير فِي يَدي شَيْطَان مَا يلقى من الشَّيْطَان ... أَي وَمن الْعَجَائِب ان المعطلة تزْعم ان الْعُلُوّ مَذْهَب فِرْعَوْن وَهَذَا من قلب الْحَقَائِق وَقد تقدم توضيح ذَلِك قَوْله إِذْ قَصده إِنْكَار ذَات الرب تَعَالَى الخ أَي إِن قصد فِرْعَوْن اللعين إِنْكَار ذَات الرب تَعَالَى قَوْله وسواه جَاءَ بسلم وبآلة الخ أَي ان هَؤُلَاءِ النفاة وضعُوا القوانين فِيمَا جَاءَت بِهِ الانبياء عَن الله فَمَا وَافق تِلْكَ القوانين قبلوه وَمَا خالفها لم يتبعوه وتأولوه أَو فوضوه قَوْله وأتى بِذَاكَ مفكرا ومقدرا أَي النَّافِي فكر وَقدر فِيمَا وصف الله بِهِ نَفسه اَوْ وَصفه بِهِ رسله وَأَنه ورث بذلك الْوَلِيد بن الْمُغيرَة الَّذِي ذكره الله تَعَالَى فِي قَوْله ﴿إِنَّه فكر وَقدر﴾ المدثر الْآيَة ورحم الله النَّاظِم فَلَقَد استعظم نسبتهم مَذْهَب الْعُلُوّ إِلَى فِرْعَوْن فَلَو دفع إِلَى زمن من زَاد فِي الطنبور نَغمَة وصنف مصنفا فِي إِيمَان فِرْعَوْن وَإِن كَانَ المحيي ابْن عَرَبِيّ قد زعم ذَلِك

стр. 545

فمذهبه مَعْلُوم ومشربه مَذْمُوم فَالله الْمُسْتَعَان قَوْله إِذْ تنقاد للجوبان وَهُوَ الرَّاعِي فصل فِي بَيَان تدليسهم وتلبيسهم الْحق بِالْبَاطِلِ ... قَالُوا اذا قَالَ المجسم رَبنَا ... حَقًا على الْعَرْش اسْتَوَى بِلِسَان ... فسلوه كم للعرش معنى واستوى ... أَيْضا لَهُ فِي الْوَضع خمس معَان ... وعَلى فكم معنى لَهَا أَيْضا لَدَى ... عَمْرو فَذَاك إِمَام هَذَا الشان بَين لنا تِلْكَ الْمعَانِي وَالَّذِي ... مِنْهَا أُرِيد بواضح التِّبْيَان ... يَعْنِي أَن المعطلة لشدَّة تدليسهم وتلبيسهم قَالُوا إِذا قَالَت المثبتة إِن الله اسْتَوَى على الْعَرْش فسلوه كم للعرش معنى واستوى كم معنى لَهَا لَدَى عَمْرو أَي عِنْد عَمْرو وَهُوَ سِيبَوَيْهٍ إِمَام النُّحَاة فَإِن اسْمه عَمْرو بن عُثْمَان بن قنبر قَالَ صَاحب العواصم والقواصم إِذا قَالَ لَك المجسم ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه فَقل اسْتَوَى على الْعَرْش تسْتَعْمل على خَمْسَة عشر وَجها فأيها تُرِيدُ انْتهى قَالَ شيخ الاسلام فِي تَفْسِير سُورَة الْإِخْلَاص وَمن قَالَ الاسْتوَاء لَهُ معَان مُتعَدِّدَة فقد اجمل كَلَامه فَإِنَّهُم يَقُولُونَ اسْتَوَى فَقَط وَلَا يصلونه بِحرف وَهَذَا لَهُ معنى وَيَقُولُونَ اسْتَوَى على كَذَا وَله معنى واستوى إِلَى كَذَا وَله معنى واستوى مَعَ كَذَا وَله معنى فتنوع مَعَانِيه بِحَسب صلَاته

стр. 546

وَأما اسْتَوَى على كَذَا فَلَيْسَ فِي الْقُرْآن ولغة الْعَرَب الْمَعْرُوفَة إِلَّا بِمَعْنى وَاحِد قَالَ تَعَالَى ﴿فآزره فاستغلظ فَاسْتَوَى على سوقه﴾ الْفَتْح وَقَالَ ﴿واستوت على الجودي﴾ هود وَقَالَ ﴿لتستووا على ظُهُوره ثمَّ تَذكرُوا نعْمَة ربكُم إِذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الزخرف وَقد أُتِي النَّبِي ﷺ بِدَابَّة ليرْكبَهَا فَلَمَّا وضع رجله فِي الغرز قَالَ بِسم الله فَلَمَّا اسْتَوَى على ظهرهَا قَالَ الْحَمد لله وَقَالَ ابْن عمر اهل رَسُول الله ﷺ بِالْحَجِّ فَلَمَّا اسْتَوَى على بعيره وَهَذَا الْمَعْنى يتَضَمَّن شَيْئَيْنِ علوه على مَا اسْتَوَى عَلَيْهِ واعتداله أَيْضا فَلَا يسمون المائل على الشَّيْء مستويا عَلَيْهِ وَمِنْه حَدِيث الْخَلِيل بن احْمَد لما قَالَ اسْتَووا وَقَوله ... قد اسْتَوَى بشر على الْعرَاق ... من غير سيف وَدم مهراق ... هُوَ من هَذَا الْبَاب فان المُرَاد بِهِ بشر بن مَرْوَان واستواؤه عَلَيْهَا أَي على كرْسِي ملكهَا لم يرد بذلك مُجَرّد الِاسْتِيلَاء بل اسْتِوَاء مِنْهُ عَلَيْهَا إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ عبد الْملك الَّذِي هُوَ الْخَلِيفَة قد اسْتَوَى أَيْضا على الْعرَاق وعَلى سَائِر مملكة الاسلام ولكان عمر بن الْخطاب قد اسْتَوَى على الْعرَاق وخراسان وَالشَّام ومصر وَسَائِر مَا فَتحه ولكان رَسُول الله ﷺ قد اسْتَوَى على الْيمن وَغَيرهَا مِمَّا فَتحه وَمَعْلُوم أَنه لم يُوجد فِي كَلَامهم اسْتِعْمَال الاسْتوَاء فِي شَيْء من هَذَا وَإِنَّمَا قيل فِيمَن اسْتَوَى بِنَفسِهِ على بلد فَإِنَّهُ مستو على سَرِير ملكه كَمَا يُقَال جلس فلَان على السرير وَقعد على التخت وَمِنْه قَوْله ﴿وَرفع أَبَوَيْهِ على الْعَرْش وخروا لَهُ سجدا﴾ يُوسُف وَقَوله ﴿إِنِّي وجدت امْرَأَة تملكهم وَأُوتِيت من كل شَيْء وَلها عرش عَظِيم﴾

стр. 547

النَّمْل وَقَول الزَّمَخْشَرِيّ وَغَيره اسْتَوَى على كَذَا بِمَعْنى ملك دَعْوَى مُجَرّدَة فَلَيْسَ لَهَا شَاهد فِي كَلَام الْعَرَب وَلَو قدر ذَلِك لَكَانَ بِهَذَا الْمَعْنى بَاطِلا فِي اسْتِوَاء الله على الْعَرْش لِأَنَّهُ أخبر أَنه خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش وَقد أخبر أَن الْعَرْش كَانَ مَوْجُودا قبل خلق السَّمَاوَات والارض كَمَا دلّ على ذَلِك الْكتاب وَالسّنة فَهُوَ من حِين خلق الْعَرْش مَالك لَهُ مستول عَلَيْهِ فَكيف يكون الِاسْتِيلَاء عَلَيْهِ مُؤَخرا عَن خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَأَيْضًا فَهُوَ مَالك لكل شَيْء مستول عَلَيْهِ لَا يخص الْعَرْش بالاستواء وَلَيْسَ هَذَا كتخصيصه بالربوبية فِي قَوْله ﴿وَرب الْعَرْش﴾ الْمُؤْمِنُونَ فانه قد يخص لعظمته وَلَكِن يجوز ذَلِك فِي سَائِر الْمَخْلُوقَات فَيُقَال رب الْعَرْش وَرب كل شَيْء وَأما الاسْتوَاء الْمُخْتَص بالعرش فَلَا يُقَال اسْتَوَى على الْعَرْش وعَلى كل شئ وَلَا اسْتعْمل ذَلِك أحد من الْمُسلمين فِي كل شَيْء وَلَا وجد فِي كتاب وَلَا سنة كَمَا اسْتعْمل لفظ الربوبية فِي الْعَرْش خَاصَّة وَفِي كل شَيْء عَامَّة وَكَذَلِكَ لفظ الْخلق وَنَحْوه من الْأَلْفَاظ الَّتِي تخص وتعم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق﴾ العلق فالاستواء من الالفاظ المختصة بالعرش لَا تُضَاف إِلَى غَيره لَا خُصُوصا وَلَا عُمُوما وَهَذَا مَبْسُوط فِي مَوضِع آخر انْتهى كَلَامه قَالَ النَّاظِم ... فاسمع فدَاك معطل هذي الجعاجع مَا الَّذِي فِيهَا من الهذيان ... قل للمجعجع وَيحك اعقل مَا الَّذِي ... قد قلته إِن كنت ذَا عرفان ... الْعَرْش عرش الرب ﷻ ... وَاللَّام للمعهود فِي الاذهان ...

стр. 548

.. مَا فِيهِ إِجْمَال وَلَا هُوَ موهم ... نقل الْمجَاز وَلَا لَهُ وضعان وَمُحَمّد والانبياء جَمِيعهم ... شهدُوا بِهِ للخالق الرَّحْمَن مِنْهُم عَرفْنَاهُ وهم عرفوه من ... رب عَلَيْهِ قد اسْتَوَى ديان لم تفهم الأذهان مِنْهُ سَرِير بلقيس وَلَا بَيْتا على الْأَركان ... كلا وَلَا عرشا على بَحر وَلَا عرشا لجبريل بِلَا بُنيان كلا وَلَا الْعَرْش الَّذِي إِن ثل من ... عبد هوى تَحت الحضيض الداني كلا وَلَا عرش الكروم وَهَذِه الأعناب فِي حرث وَفِي بُسْتَان ... لَكِنَّهَا فهمت بِحَمْد الله عرش الرب فَوق جَمِيع ذِي الأكوان وَعَلِيهِ رب الْعَالمين قد اسْتَوَى حَقًا كَمَا قد جَاءَ فِي الْقُرْآن ... أَي أَن قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ الْأَعْرَاف المُرَاد بِهِ عرش الرب سُبْحَانَهُ وَاللَّام للْعهد الذهْنِي وَلَا تفهم الاذهان من الْعَرْش غير ذَلِك كعرش بلقيس الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلها عرش عَظِيم﴾ النَّحْل وَلَا بَيْتا على الاركان كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿خاوية على عروشها﴾ الْبَقَرَة وَلَا عرشا على المَاء الْمَذْكُور فِي حَدِيث رَوَاهُ سنيد بن دَاوُد فِي تَفْسِيره مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ قَالَ إِن إِبْلِيس اتخذ عرشا على المَاء مثل عرش الرَّحْمَن الحَدِيث وَهُوَ حَدِيث مُنكر وَلَا عرشا لجبريل وَلَا الْعَرْش الْمَذْكُور فِي قَوْلهم ثل عَرْشه أَي ذهب سُلْطَانه وجاهه وَنَحْو ذَلِك وَمِنْه قَول عمر ﵁ كَاد عَرْشِي ان يثل وَلَا عرش الكروم قَالَ ابْن عَبَّاس معروشا مَا يعرش

стр. 549

سم من الْكَرم والعروش الْأَبْنِيَة وعرش الْبَيْت سقفه وَلَا العروش الَّتِي هِيَ الْبيُوت من سقف وَنَحْوه وَهَذَا بِحَمْد الله من أظهر المعارف الَّتِي لَا تحْتَاج الى الاسهاب والاطناب قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَكَذَا اسْتَوَى الْمَوْصُول بالحرف الَّذِي ... ظهر المُرَاد بِهِ ظُهُور بَيَان ... لَا فِيهِ إِجْمَال وَلَا هُوَ مفهم ... للاشتراك وَلَا مجَاز ثَانِي تركيبه مَعَ حرف الاستعلاء نَص فِي الْعُلُوّ بِوَضْع كل لِسَان ... فاذا تركب مَعَ الى فالقصد مَعَ ... معنى الْعُلُوّ لوضعه بِبَيَان ... وَإِلَى السَّمَاء قد اسْتَوَى فمقيد ... بِتمَام صنعتها مَعَ الاتقان لَكِن على الْعَرْش اسْتَوَى هُوَ مُطلق ... من بعد مَا قد تمّ بالاركان لكنما الجهمي يقصر فهمه عَن ذَا فَتلك مواهب المنان ... فاذا اقْتضى وَاو الْمَعِيَّة كَانَ مَعْنَاهُ استواه مقدم وَالثَّانِي فاذا أَتَى من غير حرف كَانَ مَعْنَاهُ الْكَمَال فَلَيْسَ ذَا نُقْصَان ... لَا تلبسوا بِالْبَاطِلِ الْحق الَّذِي ... قد بَين الرَّحْمَن فِي الْفرْقَان ... وعَلى للاستعلاء فَهِيَ حَقِيقَة ... فِيهِ لَدَى أَرْبَاب هَذَا الشان ... أما الاسْتوَاء الْمُطلق فَلهُ عدَّة معَان فَإِن الْعَرَب تَقول اسْتَوَى كَذَا أَي انْتهى وكمل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَلما بلغ أشده واستوى﴾ الْقَصَص وَتقول اسْتَوَى وَكَذَا نَحْو قَوْلهم اسْتَوَى المَاء والخشبه واستوى اللَّيْل

стр. 550

وَالنَّهَار إِذا ساواه وَتقول اسْتَوَى إِلَى كَذَا إِذا قصد إِلَيْهِ علوا وارتفاعا نَحْو اسْتَوَى إِلَى السَّطْح والجبل واستوى على كَذَا أَي ارْتَفع عَلَيْهِ وَلَا تعرف الْعَرَب غير هَذَا فالاستواء فِي هَذَا التَّرْكِيب نَص لَا يحْتَمل غير مَعْنَاهُ كَمَا هُوَ نَص فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلما بلغ أشده واستوى﴾ الْقَصَص لَا يحْتَمل غير مَعْنَاهُ وَنَصّ فِي قَوْلهم اسْتَوَى اللَّيْل وَالنَّهَار فِي مَعْنَاهُ لَا يحْتَمل غَيره وَقَول النَّاظِم تركيبه مَعَ حرف الاستعلاء نَص الخ أَي ان اسْتِوَاء الرب سُبْحَانَهُ المعدى بأداة على الْمُعَلق بِعَرْشِهِ الْمُعَرّف بِاللَّامِ الْمَعْطُوف بثم على خلق السَّمَاوَات والارض المطرد فِي موارده على أسلوب وَاحِد لَا يحْتَمل مَعْنيين الْبَتَّةَ فاستواء الرب على عَرْشه الْمُخْتَص بِهِ الْمَوْصُول بأداة على نَص فِي مَعْنَاهُ لَا يحْتَمل سواهُ وَالله أعلم قَالَ النَّاظِم ﵀ ... وَكَذَلِكَ الرَّحْمَن ﷻ ... لم يحْتَمل معنى سوى الرَّحْمَن يَا ويحه بعماه لَو وجد اسْمه الرَّحْمَن مُحْتملا لخمس معَان ... لقضى بِأَن اللَّفْظ لَا معنى لَهُ ... إِلَّا التِّلَاوَة عندنَا بِلِسَان ... فلذاك قَالَ ائمة الاسلام فِي ... مَعْنَاهُ مَا قد ساءكم بِبَيَان وَلَقَد أحلناكم على كتب لَهُم ... هِيَ عندنَا وَالله بالكيمان ... يَقُول النَّاظِم ﵀ وَكَذَلِكَ اسْم الرَّحْمَن لَا يحْتَمل معنى سوى الرَّحْمَن قَوْله يَا ويحه بعماه أَي يَا وَيْح الْمُعَطل بِسَبَب عماه لَو وجد ا

стр. 551

الرَّحْمَن مُحْتملا لخمسة معَان لأظهرها وَقضى أَي حكم بِأَنَّهُ لَا معنى للرحمن الا التِّلَاوَة وَقد قَالَ ائمة الاسلام فِي مَعْنَاهُ مَا ساءكم أَيهَا المعطلة وَهُوَ مَوْجُود فِي كتبهمْ بالكيمان أَي بِالْكَثْرَةِ ولنذكر بعض مَا ذكره الْعلمَاء فِي معنى الرَّحْمَن الرَّحِيم كَمَا أحَال على ذَلِك النَّاظِم فهما اسمان مشتقان من رحم يَجعله لَازِما بنقله إِلَى بَاب فعل بِضَم الْعين وبتنزيله منزلَة اللَّازِم إِذْ هما صفتان مشبهتان وَهِي لَا تشتق من مُتَعَدٍّ والرحمن أبلغ من الرَّحِيم لِأَن زِيَادَة الْبناء تدل على زِيَادَة الْمَعْنى غَالِبا كَمَا فِي قطع وَقطع وَمن غير الْغَالِب قد يُفِيد نقص الْبناء مَا لَا يفِيدهُ زائده من الْمُبَالغَة كحذر وحاذر فان حذر أبلغ من حاذر فالرحمن صفة فِي الاصل بِمَعْنى كثير الرَّحْمَة جدا ثمَّ غلب على الْبَالِغ فِي الرَّحْمَة غايتها وَهُوَ الله والرحيم ذُو الرَّحْمَة الْكَثِيرَة وَقَالَ النَّاظِم فِي بَدَائِع الْفَوَائِد أسماه الرب تَعَالَى أسماه ونعوت فَإِنَّهَا دَالَّة على صِفَات كَمَاله فَلَا تنَافِي فِيهَا بَين العلمية والوصفية فالرحمن اسْمه تَعَالَى وَوَصفه لَا يُنَافِي اسميته ووصفيته فَمن حَيْثُ هُوَ صفة جرى تَابعا على اسْم الله وَمن حَيْثُ هُوَ اسْم فِي الْقُرْآن ورد غير تَابع معنى كَقَوْلِه تَعَالَى الرَّحْمَن علم الْقُرْآن ﴿الرَّحْمَن﴾ الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى ﴿طه﴾ من هَذَا الَّذِي هُوَ جند لكم ينصركم من دون الرَّحْمَن الْملك وَهَذَا شَأْن الِاسْم الْعلم وَلما كَانَ هَذَا الِاسْم مُخْتَصًّا بِهِ تَعَالَى حسن مَجِيئه مُفردا غير تَابع كمجيء اسْمه الله كَذَلِك وَهَذَا لَا يُنَافِي دلَالَته على صفة الرَّحْمَن كاسمه الله فَإِنَّهُ دَال على صفة الألوهية وَلم يَجِيء قطّ تَابعا لغيره بل متبوعا بِخِلَاف الْعَلِيم والقدير والسميع والبصير وَلِهَذَا لَا تَجِيء هَذِه وَنَحْوهَا مُفْردَة بل تَابَ

стр. 552

.. بالمخاطب بِكَسْر الطَّاء فَيكون خطابه عِنْدهم نصا قَاطعا واما الطَّائِفَة الاخرى فهم لنقصهم عَن الْأَوَّلين فِي تِلْكَ الْخِصَال الَّتِي تقدّمت يرَوْنَ ذَلِك ظَاهرا أَي بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم لَا إِلَى غَيرهم وَهَذَا معنى قَول النَّاظِم وَلَيْسَ بقاطع الخ وَأما كَلَام من هُوَ مقتد بِكَلَامِهِ من الْعلمَاء فَهُوَ لإلفه بِكَلَامِهِ يقطع بمره وَكَلَامه عِنْده نَص وَاضح قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... والفتنة الْعُظْمَى من المتسلق المخدوع ذِي الدَّعْوَى أخي الهذيان ... لم يعرف الْعلم الَّذِي فِيهِ الكلا ... م وَلَا لَهُ إلْف بِهَذَا الشان ... لكنه مِنْهُ غَرِيب لَيْسَ من ... سكانه كلا وَلَا وَالْجِيرَان فَهُوَ الزنيم دعِي قوم لم يكن مِنْهُم وَلم يصحبهم بمَكَان وَكَلَامهم أبدا لَدَيْهِ مُجمل ... وبمعزل عَن إمرة الايقان ... شدّ التِّجَارَة بالزيوف يخالها ... نَقْدا صَحِيحا وَهُوَ ذُو بطلَان ... حَتَّى إِذا ردَّتْ إِلَيْهِ ناله ... من ردهَا خزي وَسُوء هوان فَأَرَادَ تَصْحِيحا لَهَا إِذْ لم يكن نقد الزُّيُوف يروج فِي الْأَثْمَان ... وَرَأى اسْتِحَالَة ذَا بِدُونِ الطعْن فِي ... بَاقِي النُّقُود فجَاء بالعدوان ... واستعرض الثّمن الصَّحِيح بجهله ... وبظلمه يبغيه بالبهتان عوجا ليسلم نَقده بَين الورى ... ويروج فيهم كَامِل الأوزان ...

стр. 553

اشار النَّاظِم ﵀ بِهَذِهِ الأبيات إِلَى الْقَائِلين بالإجمال وهم المدعون الَّذين لم يعرفوا الْعلم الَّذِي فِيهِ الْكَلَام وَلَا إلْف لَهُم بِهِ فهم غرباء مِنْهُ لَيْسُوا من سكانه وَلَا جِيرَانه فاذا وجدوا الْكَلَام فَهُوَ لديهم مُجمل وبمعزل عَن الْيَقِين قَوْله فَهُوَ الزنيم دعِي قوم الخ قَالَ فِي الْقَامُوس الزنيم الْمُسْتَلْحق فِي قوم والدعي مزنم كمعظم اللَّئِيم الْمَعْرُوف بلؤمه أَو شَره انْتهى وَفِي مُخْتَار الصِّحَاح الزنيم المستحلق فِي قوم لَيْسَ مِنْهُم لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَكَأَنَّهُ فيهم زنمة وَهِي شَيْء يكون للمعز فِي آذانها كالقرط وَهِي أَيْضا شَيْء يقطع من اذن الْبَعِير وَيتْرك مُعَلّقا وَقَوله تَعَالَى ﴿عتل بعد ذَلِك زنيم﴾ الْقَلَم قَالَ عِكْرِمَة هُوَ اللَّئِيم يعرف بلؤمه كَمَا تعرف الشَّاة بزنمتها انْتهى قَوْله شدّ التِّجَارَة بالزيوف الخ قَالَ فِي الْقَامُوس وَالدَّرَاهِم زُيُوفًا صَارَت مَرْدُودَة لغش دِرْهَم زيف وزائف أَو الأولى ردية جمع زياف وَفُلَان الدَّرَاهِم جعلهَا زُيُوفًا كزيفها هِيَ أَي ان تِجَارَته وبضاعته فِي الْعلم زيوف وَهُوَ يَظُنهَا نقودا صَحِيحَة فَلَمَّا ردَّتْ عَلَيْهِ ناله من ردهَا أَشد الخزي وَأعظم الهوان فاراد تصحيحها وأنى ذَلِك فَصَارَ يطعن فِي بَاقِي النُّقُود الصَّحِيحَة بجهله وظلمه يبغيها عوجا حَتَّى يسلم ذَلِك النَّقْد الزائف بَين النَّاس ويروج بَين الْجُهَّال والطغام ثمَّ قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَالنَّاس لَيْسُوا أهل نقد للَّذي قد قيل إِلَّا الْفَرد فِي الازمان ... والزيف بَينهم هُوَ النَّقْد الَّذِي ... قد راج فِي الْأَسْفَار والبلدان

стр. 554

.. والمفردات بِغَيْر تركيب كَمثل الصَّوْت تنعقه بِتِلْكَ الضان وهنالك الاجمال والتشكيك والتجهيل والتحريف والاتيان بِالْبُطْلَانِ ... فاذا هم فَعَلُوهُ راموا نَقله ... لمركب قد حف بالتبيان ... وقضوا على التَّرْكِيب بالحكم الَّذِي ... حكمُوا بِهِ للمفرد الوحدان جهلا وتجهيلا وتدليسا وتلبيسا وترويجا على العيان ... يَعْنِي النَّاظِم ﵀ أَن اللَّفْظ حِين يساق بالتركيب فمحفوف بِهِ من الْقَرَائِن مَا يبين المُرَاد وَذَلِكَ معنى قَوْله جند يُنَادي عَلَيْهِ الخ أَي فَإِذا أَتَى معاند وَفك تركيب الْكَلَام وقلقل أَرْكَانه وَأَرَادَ مِنْهُ لَفْظَة قد حملت معنى آخر فِي كَلَام ثَان وَقَوله فَيكون دبوس السلاق قَالَ فِي الْقَامُوس دبوس كتنور وَاحِد الدبابيس للمقامع كَأَنَّهُ مُعرب سلق الْعظم التحاه وَفُلَانًا طعنه فَيَقُول يحْتَمل وَيحْتَمل وَهَذَا اللَّفْظ مُجمل فبذاك تفْسد عُلُوم الورى لِأَن أَكثر الْأَلْفَاظ تقبل ذَاك فِي الْإِفْرَاد قبل التَّرْكِيب وَلَكِن الْأَمر كَمَا قَالَ النَّاظِم التَّجْرِيد مُمْتَنع وَإِن فرض فَهُوَ فِي الأذهان وَأما الْمُفْردَات فَهِيَ كَمثل الصَّوْت تنعقه بالضان وقصدهم بذلك التشكيك والتجهيل والتحريف وَالله الْمُسْتَعَان

стр. 555

م فصل فِي بَيَان شبه غلطهم فِي تَجْرِيد الْأَلْفَاظ بغلط الفلاسفة فِي تَجْرِيد الْمعَانِي ... هَذَا هداك الله من إضلالهم ... وضلالهم فِي الْمنطق اليونان ... كمجردات فِي الخيال وَقد بنى ... قوم عَلَيْهَا أوهن الْبُنيان ظنُّوا بِأَن لَهَا وجودا خَارِجا ووجودها لَو صَحَّ فِي الأذهان ... أَنى وَتلك مشخصات حصلت ... فِي صُورَة جزئية بعيان ... لَكِنَّهَا كُلية إِن طابقت ... أفرادها كاللفظ فِي الْمِيزَان يَدعُونَهُ الْكُلِّي وَهُوَ معِين ... فَرد كَذَا الْمَعْنى هما سيان تَجْرِيد ذَا فِي الذِّهْن أَو فِي خَارج ... عَن كل قيد لَيْسَ فِي الْإِمْكَان لَا الذِّهْن يعقله وَلَا هُوَ خَارج ... هُوَ كالخيال لَطِيفَة السَّكْرَان لَكِن تجردها الْمُقَيد ثَابت وسواه مُمْتَنع بِلَا إِمْكَان ... فتجرد الاعيان عَن وصف وَعَن ... وضع وَعَن وَقت لَهَا وَمَكَان ... فرض من الاذهان يفرضه كفر ... ض المستحيل هما لَهَا فرضان الله أكبرهم دهى من فَاضل ... هَذَا التجرد من قديم زمَان تَجْرِيد ذِي الالفاظ عَن تركيبها ... وكذاك تَجْرِيد الْمعَانِي الثَّانِي

стр. 556

ذَا ... وَالْحق أَن كليهمَا فِي الذِّهْن مَفْرُوض فَلَا تحكم عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الأذهان ... فيقودك الْخصم المعاند بِالَّذِي ... سلمته للْحكم فِي الْأَعْيَان ... فَعَلَيْك بالتفصيل إِن هم اطلقوا ... أَو أجملوا فَعَلَيْك بالتبيان ... يَعْنِي النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى أَن غلط اتكلمين فِي تَجْرِيد الْأَلْفَاظ يشبه غلط الفلاسفة فِي تَجْرِيد الْمعَانِي وَذَلِكَ أَن الفلاسفة يَزْعمُونَ أَن الْجَوَاهِر الْعَقْلِيَّة الَّتِي هِيَ الْعقل وَالنَّفس والمادة وَالصُّورَة لَهَا حَقِيقَة فِي الْخَارِج وَالصَّوَاب أَنه لَا حَقِيقَة لَهَا فِي الْخَارِج وَإِنَّمَا هِيَ أُمُور معقوله فِي الذِّهْن يجردها الْعقل من الامور الْمعينَة كَمَا يجوز الْعقل الكليات الْمُشْتَركَة بَين الْأَصْنَاف كالحيوانية الْكُلية والانسانية الْكُلية والكليات إِنَّمَا تكون كليات فِي الأذهان لَا فِي الْأَعْيَان وَهَذَا معنى قَول النَّاظِم يَدعُونَهُ الْكُلِّي وَهُوَ معِين الخ وَمن هَؤُلَاءِ من يظنّ أَنَّهَا تكون فِي الْخَارِج كليات وان فِي الْخَارِج ماهيات كُلية مُقَارنَة للأعيان غير الموجودات الْمعينَة وَكَذَلِكَ مِنْهُم من يثبت كليات مُجَرّدَة عَن الْأَعْيَان يسمونها الْمثل الأفلاطونية مِنْهُم يثبت دهرا مُجَردا عَن المتحرك وَالْحَرَكَة وَيثبت خلاءا مُجَردا لَيْسَ متحيزا لَا قَائِما بمتحيز وَيثبت هيولي مُجَرّدَة عَن جَمِيع الصُّور الهيولي فِي لغتهم بِمَعْنى الْمحل يُقَال لِلْفِضَّةِ هيولي الْخَاتم وَالدِّرْهَم والخشب هيولي الْكُرْسِيّ أَي هَذَا الْمحل الَّذِي تصنع فِيهِ هَذِه الصُّورَة وَهَذِه الصُّورَة الصناعية عرض من الاعراض وَيدعونَ ان الْجِسْم هيولي مَحل الصُّورَة الجسمية غير نفس الْجِسْم الْقَائِم بِنَفسِهِ وَهَذَا غلط وَإِنَّمَا هَذَا يقدر فِي النَّفس كَمَا يقدر امتداد مُجَرّد عَن كل ممتد وَعدد مُجَرّد عَن كل مَعْدُود وَمِقْدَار مُجَرّد عَن كل مُقَدّر وَهَذِه كلهَا امور

стр. 557

مقدرَة فِي الاذهان لَا وجود لَهَا فِي الاعيان وَهَؤُلَاء الَّذين جردوا الْحَقَائِق عَن قيودها وأخذوها مُطلقَة أخرجوها عَن مسمياتها وماهياتها جَمِيع الْقُيُود الْخَارِجَة فَلم يجعلوها دَاخِلَة فِي حَقِيقَتهَا فأثبتوا إنْسَانا لَا طَويلا وَلَا قَصِيرا وَلَا أسود وَلَا أَبيض وَلَا فِي زمَان وَلَا فِي مَكَان وَلَا سَاكِنا وَلَا متحركا وَلَا هُوَ فِي الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا لَهُ لحم وَلَا لَهُ عظم وَلَا عصب وَلَا ظفر وَلَا لَهُ شخص وَلَا ظلّ وَلَا يُوصف بِصفة وَلَا يتَقَيَّد بِقَيْد ثمَّ رَأَوْا الانسان الْخَارِجِي بِخِلَاف ذَلِك كُله فَقَالُوا هَذِه عوارض خَارِجَة عَن حَقِيقَته وَجعلُوا حَقِيقَته تِلْكَ الصُّورَة الخالية الَّتِي جردوها فَهِيَ الْمَعْنى لحقيقة هَؤُلَاءِ الَّذين اعتبروها مُجَرّدَة عَن سَائِر الْقُيُود وجعلهم تِلْكَ الْأُمُور الَّتِي لَا تكون إنْسَانا فِي الْخَارِج لِأَنَّهَا خَارِجَة عَن حَقِيقَته كجعل هَؤُلَاءِ الْقُيُود الَّتِي لَا يكون اللَّفْظ مُقَيّدا إِلَّا بهَا مقتضية لمجازه فَتَأمل هَذَا التشابه والتناسب بَين الْفَرِيقَيْنِ هَؤُلَاءِ فِي تَجْرِيد الْمعَانِي وَهَؤُلَاء فِي تَجْرِيد الْأَلْفَاظ وَتَأمل مَا دخل على هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء من الْفساد فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى وبسبب هَذَا الْغَلَط دخل من الْفساد فِي الْعُلُوم مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى وَهَذَا معنى قَول النَّاظِم فتجرد الْأَعْيَان عَن وصف الخ أَي إِن تجرد الْمعِين عَن الْوَصْف والوضع وَالْوَقْت وَالْمَكَان إِنَّمَا هُوَ شَيْء يفرضه الذِّهْن كفرض المستحيل قَوْله الله أكبركم دهي من فَاضل فاياك والإصغاء إِلَى التجريدين لِأَن الْحق أَنَّهُمَا مفروضان فِي الذِّهْن فَلَا تسلإم مَا ادَّعَاهُ المتكلمون والفلاسفة فيهمَا فيقودك الْخصم المعاند بِهَذَا الَّذِي سلمته وَتصير مَغْلُوبًا مَعَه مقهورا وَالله اع

стр. 558

ذَلِك إبطالا لما قصدوه فلذاك حملُوا نصوصهم على ظواهرها واعتقدوها على حَقِيقَتهَا فياليتهم أجروا نُصُوص الْكتاب وَالسّنة هَذَا المجرى وَلَكِن عِنْدهم ان نُصُوص الْكتاب وَالسّنة ظواهر لفظية لَا تفِيد الْيَقِين وَلذَلِك سطوا عَلَيْهَا بالتحريف وسموه تَأْوِيلا وتأويلهم هَذَا لَيْسَ هُوَ الْمَعْنى بالتأويل فِي الْكتاب وَالسّنة وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم فَانْظُر إِلَى الاعراف الخ يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا تَأْوِيله﴾ الْأَعْرَاف وَقَوله تَعَالَى فِي سُورَة يُوسُف ﴿يَا أَبَت هَذَا تَأْوِيل رُؤْيَايَ من قبل﴾ يُوسُف وَقَوله تَعَالَى فِي سُورَة الْكَهْف عَن الْخضر فِي قصَّة مُوسَى ﴿ذَلِك تَأْوِيل مَا لم تسطع عَلَيْهِ صبرا﴾ الْكَهْف قَوْله فاذا مَرَرْت بآل عمرَان الخ يَعْنِي قَوْله تَعَالَى وَمَا يعلم تَأْوِيله إِلَّا الله والراسخون فِي الْعلم يَقُولُونَ آمنا بِهِ آل عمرَان قَالَ شيخ الاسلام إِن الصَّوَاب قَول من يَجعله مَعْطُوفًا وَتَكون الْوَاو لعطف الْمُفْرد على مُفْرد أَو يكون كلا الْقَوْلَيْنِ حَقًا وَهِي قراءتان والتأويل الْمَنْفِيّ غير التَّأْوِيل الْمُثبت وَأَن الصَّوَاب هُوَ قَول من يَجْعَلهَا وَاو اسْتِئْنَاف فَيكون التاويل الْمَنْفِيّ علمه عَن غير الله هُوَ الكيفيات الَّتِي لَا يعلمهَا غَيره وَهَذَا فِيهِ نظر وَابْن عَبَّاس جَاءَ عَنهُ انه قَالَ أَنا من الراسخين الَّذين يعلمُونَ تَأْوِيله وَجَاء عَنهُ ان الراسخين لَا يعلمُونَ تَأْوِيله وَجَاء عَنهُ انه قَالَ التَّفْسِير على اربعة اوجه تَفْسِير تعرفة الْعَرَب من كَلَامهَا وَتَفْسِير لَا يعْذر اُحْدُ بجهالته وَتَفْسِير يُعلمهُ الْعلمَاء وَتَفْسِير لَا يُعلمهُ إِلَّا الله وَمن ادّعى علمه فَهُوَ كَاذِب وَهَذَا القَوْل يجمع الْقَوْلَيْنِ وَيبين ان الْعلمَاء يعلمُونَ من تَفْسِيره مَا لَا يعل غَيرهم وان فِيهِ مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله فَأَما من جعل الصَّوَاب قَول من جعل الْوَقْف عِنْد قَوْله

стр. 559

الا الله آل عمرَان جعل التَّأْوِيل بِمَعْنى التَّفْسِير فَهَذَا خطأ قطعا انْتهى كَلَامه قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَعلمت ان حَقِيقَة التَّأْوِيل تَبْيِين الْحَقِيقَة لَا الْمجَاز الثَّانِي ... وَرَأَيْت تَأْوِيل النفاة مُخَالفا ... لجَمِيع هَذَا لَيْسَ يَجْتَمِعَانِ اللَّفْظ هم أنشوا لَهُ بِمَعْنى بذا ... ك الِاصْطِلَاح وَذَاكَ امْر دَان وَأتوا الى الالحاد فِي الْأَسْمَاء والتحريف للألفاظ بالبهتان ... فكسوه هَذَا اللَّفْظ تلبيسا وتد ... ليسَا على العميان والعوران تقدم معنى هَذِه الأبيات قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... فاستن كل مُنَافِق إومكذب ... من باطني قرمطي جاني ... فِي ذَا بسنتهم وسمى جَحده ... للحق تَأْوِيلا بِلَا فرقان ... وأتى بِتَأْوِيل كتأويلاتهم ... شبْرًا بشبر صَارِخًا بِأَذَان إِنَّا تأولنا كَمَا اولتم فَأتوا نحاكمكم الى الْوزان ... فِي الكفتين تحط تأويلاتنا ... وكذاك تأويلاتكم بوزان ... هَذَا وَقد أقررتم أَنا بِأَيْدِينَا صَرِيح الْعدْل وَالْمِيزَان وغدوتم فِيهِ تلاميذا لنا ... اَوْ لَيْسَ ذَلِك منطق اليونان

стр. 560

.. منا تعلمتم وَنحن شيوخكم ... لَا تجحدونا مِنْهُ الاحسان ... فَسَلُوا مباحثكم سُؤال تفهم ... وسلوا الْقَوَاعِد ربة الاركان ... من أَيْن جاءتكم وَأَيْنَ أُصُولهَا ... وعَلى يَدي من يَا اولي النكران فلأي شَيْء نَحن كفار وَأَنْتُم مُؤمنُونَ وَنحن متفقان ... إِن النُّصُوص أَدِلَّة لفظية ... لم تفض قطّ بِنَا إِلَى إيقان ... فلذاك حكمنَا الْعُقُول وَأَنْتُم ... أَيْضا كَذَاك فَنحْن مصطلحان فلأي شَيْء قد رميتم بَيْننَا ... حَرْب الحروب وَنحن كالأخوان الاصل مَعْقُول والفظ الْوَحْي مَعْزُول وَنحن وانتم صنْوَان لَا بالنصوص نقُول نَحن وَأَنْتُم ... أَيْضا كَذَاك فَنحْن مصطلحان ... فذروا عداوتنا فان وَرَاءَنَا ... ذَاك الْعَدو الثّقل ذُو الاضغان ... فهم عَدوكُمْ وهم أعداؤنا ... فجميعا فِي حربهم سيان ... تقدم الْكَلَام فِي معنى هَذِه الأبيات وَمعنى ذَلِك ان القرامطة والباطنية وَنَحْوهم من اعداء الشَّرِيعَة كلهم يَقُولُونَ لنفاة علو الرب تَعَالَى على عَرْشه وَصِفَاته تأويلنا مَا فِي الْكتاب وَالسّنة من ذكر الْمعَاد وحياة الرب ومشيئته وَعلمه وتأويلنا لحدوث الْعَالم وَنَحْو ذَلِك كتأويلكم فلأي شَيْء نَحن كفار وانتم مُؤمنُونَ فهاتوا وَاضح الْفرق بَيْننَا وَبَيْنكُم وَلنْ يجد المتكلمون إِلَى ذَلِك سَبِيلا فَإِن القرامطة والباطنية

стр. 561

.. واليه قد عرج الرَّسُول حَقِيقَة وَكَذَا ابْن مَرْيَم مصعد الابدان وكذاك قَالُوا إِنَّه بِالذَّاتِ فو ... ق الْعَرْش قدرته بِكُل مَكَان وكذاك ينزل كل آخر لَيْلَة ... نَحْو السَّمَاء فهاهنا جهتان للابتداء والانتهاء وذان لل أجسام أَيْن الله من هَذَانِ ... وكذاك قَالُوا إِنَّه مُتَكَلم ... قَامَ الْكَلَام بِهِ فيا إخْوَان ... أَيكُون ذَاك بِغَيْر حرف أم بِلَا ... صَوت فَهَذَا لَيْسَ فِي الامكان وكذاك قَالُوا مَا حكينا عَنْهُم ... من قبل قَول مشبه الرَّحْمَن فذروا الحراب لنا وشدوا كلنا ... جمعا عَلَيْهِم حَملَة الفرسان حَتَّى نسوقهم بأجمعنا الى ... وسط العرين ممزقي اللحمان ... قَالَ فِي الْقَامُوس العرين كأمير مأوى الاسد والضبع وَالذِّئْب والحية انْتهى ... وَلَقَد كوونا بالنصوص ومالنا ... بلقائها أَبَد الزَّمَان يدان كم ذَا بقال الله قَالَ رَسُوله ... من فَوق أَعْنَاق لنا وبنان اذ نَحن قُلْنَا قَالَ آرسطو الْمعلم اولا اَوْ قَالَ ذَاك الثَّانِي ... وكذاك ان قُلْنَا ابْن سينا قَالَ ذَا ... اَوْ قَالَه الرَّازِيّ ذُو التِّبْيَان قَالُوا لنا قَالَ الرَّسُول وَقَالَ فِي الْقُرْآن كَيفَ الدّفع لِلْقُرْآنِ ... وكذاك أَنْتُم مِنْهُم أَيْضا بِهَذَا الْمنزل الضنك الَّذِي تريان ...

стр. 562

.. ان جئتموهم بالعقول أَتَوْكُم ... بِالنَّصِّ من اثر وَمن قُرْآن فتحالفوا إِنَّا عَلَيْهِم كلنا ... حزب وَنحن وَأَنْتُم سلمَان فاذا فَرغْنَا مِنْهُم فخلافنا ... سهل فَنحْن وَأَنْتُم اخوان فالعرش عِنْد فريقنا وفريقكم ... مَا فَوْقه اُحْدُ بِلَا كتمان مَا فَوْقه شئ سوى الْعَدَم الَّذِي لَا شئ فِي الاعيان والاذهان مَا الله مَوْجُود هُنَاكَ وانما الْعَدَم الْمُحَقق فَوق ذِي الاكوان ... وَالله مَعْدُوم هُنَاكَ حَقِيقَة ... بِالذَّاتِ عكس مقَالَة الديصان هَذَا هُوَ التَّوْحِيد عِنْد فريقنا ... وفريقكم وَحَقِيقَة الْعرْفَان وَكَذَا جماعتنا على التَّحْقِيق فِي التَّوْرَاة والانجيل وَالْفرْقَان ... لَيست كَلَام الله بل فيض من الفعال اَوْ خلق من الاكوان فالارض مَا فِيهَا لَهُ قَول وَلَا ... فَوق السما لِلْخلقِ من ديان بشر اتى بِالْوَحْي وَهُوَ كَلَامه ... فِي ذَاك نَحن وانتم مثلان ولذاك قُلْنَا إِن رؤيتنا لَهُ عين الْمحَال وَلَيْسَ فِي الامكان ... وزعمتم انا نرَاهُ رُؤْيَة الْمَعْدُوم لَا الْمَوْجُود فِي الاعيان اذ كل مرئي يقوم بِنَفسِهِ ... اَوْ غَيره لَا بُد فِي الْبُرْهَان من ان يُقَابل من يرَاهُ حَقِيقَة ... من غير بعد مفرط وتدان ...

стр. 563

.. وَلَقَد تساعدنا على ابطال ذَا ... أَنْتُم وَنحن فَمَا هُنَا قَولَانِ اما البلية فَهِيَ قَول مجسم ... قَالَ الْقُرْآن بدا من الرَّحْمَن هُوَ قَوْله وَكَلَامه مِنْهُ بدا ... لفظا وَمعنى لَيْسَ يفترقان سمع الامين كَلَامه مِنْهُ وَأَدَّاهُ الى الْمُخْتَار من انسان ... فَلهُ الْأَدَاء كَمَا الأدا لرَسُوله وَالْقَوْل قَول الله ذِي السُّلْطَان هَذَا الَّذِي قُلْنَا وانتم إِنَّه ... عين الْمحَال وَذَاكَ ذُو بطلَان فاذا تساعدنا جَمِيعًا انه مَا ... بَيْننَا لله من قُرْآن إِلَّا كبيت الله تِلْكَ اضافة الْمَخْلُوق لَا الاوصاف للديان ... فعلام هَذَا الْحَرْب فِيمَا بَيْننَا ... مَعَ ذَا الْوِفَاق وَنحن مصطلحان فاذا أَبَيْتُم سلمنَا فتحيزوا لمقالة التجسيم بالاذعان ... عودوا مجسمة وَقُولُوا ... ديننَا ال إِثْبَات دين مشبه الديَّان أَولا فَلَا منا وَلَا مِنْهُم وَذَا شَأْن الْمُنَافِق إِذْ لَهُ وَجْهَان ... هَذَا بقول مجسم وخصومه ... ترميه بالتعطيل والكفران ... هُوَ قَائِم هُوَ قَاعد هُوَ جَاحد ... هُوَ مُثبت تَلقاهُ ذَا لونان يَوْمًا بِتَأْوِيل يَقُول وَتارَة يَسْطُو على التَّأْوِيل بالنكران ...

стр. 564

قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فصل فِي الْمُطَالبَة بِالْفرقِ بَين مَا يتَأَوَّل وَمَا لَا يتَأَوَّل ... فَنَقُول فرق بَين مَا اولته ... ومنعته تَفْرِيق ذِي برهَان ... فَيَقُول مَا يُفْضِي الى التجسيم أَو لناه من خبر وَمن قُرْآن كالاستواء مَعَ التَّكَلُّم هَكَذَا ... لفظ النُّزُول كَذَاك لفظ يدان إِذْ هَذِه أَوْصَاف جسم مُحدث ... لَا يَنْبَغِي للْوَاحِد المنان فَنَقُول أَنْت وَصفته أَيْضا بِمَا ... يُفْضِي الى التجسيم والحدثان فَوَضَعته بِمَشِيئَة مَعَ قدرَة ... وَكَلَامه النَّفْسِيّ وَهُوَ معَان أَو وَاحِد والجسم حَامِل هَذِه ال أَوْصَاف حَقًا فأت بالفرقان ... بَين الَّذِي يُفْضِي الى التجسيم اَوْ لَا يَقْتَضِيهِ بواضح الْبُرْهَان وَالله لَو نشرت شيوخك كلهم ... لم يقدروا أبدا على الْفرْقَان ... شرح النَّاظِم ﵀ فِي مُطَالبَة الْمُتَكَلِّمين فِي الْفرق بَين مَا يتَأَوَّل ومالا يتَأَوَّل من نُصُوص الْكتاب وَالسّنة وَذَلِكَ أَن بعض الْمُتَكَلِّمين يثبت الصِّفَات السَّبْعَة كالحياة وَالْعلم وَالْقُدْرَة والارادة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام وَبَعْضهمْ يزِيد على هَذِه الصِّفَات صفة التكوين فَتَصِير الصِّفَات الثَّابِتَة عِنْدهم ثَمَانِيَة فَيُقَال لهَؤُلَاء لَا فرق بَين مَا أثبتموه ونفيتموه بل القَوْل فِي

стр. 565

أَحدهمَا كالقول فِي الآخر فان قُلْتُمْ إِن ارادته مثل إِرَادَة المخلوقين فَكَذَلِك محبته وَرضَاهُ وغضبه وَهَذَا هُوَ التَّمْثِيل وَإِن قُلْتُمْ لَهُ ارادة تلِيق بِهِ قيل لكم وَكَذَلِكَ لَهُ محبَّة تلِيق بِهِ وللمخلوق محبَّة تلِيق بِهِ وَله سُبْحَانَهُ رضى وَغَضب يَلِيق بِهِ وللمخلوق رضى وَغَضب يَلِيق بِهِ وان قُلْتُمْ الْغَضَب غليان دم الْقلب لطلب الانتقام فَيُقَال لكم الارادة ميل النَّفس الى جلب مَنْفَعَة اَوْ دفع مضرَّة فان قُلْتُمْ هَذِه ارادة الْمَخْلُوق قيل لكم وَهَذَا غضب الْمَخْلُوق وَكَذَلِكَ يلزمون بالْقَوْل فِي كَلَامه وسَمعه وبصره وَعلمه وَقدرته إِن نفوا عَنهُ الْمحبَّة والرضى وَالْغَضَب وَنَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ من خَصَائِص المخلوقين فَهَذَا مُنْتَفٍ عَن السّمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام وَجَمِيع الصِّفَات وان قُلْتُمْ إِنَّه لَا حَقِيقَة لهَذَا إِلَّا مَا يخْتَص بالمخلوقين قيل لكم وَهَكَذَا السّمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام وَالْقُدْرَة وَالْعلم فَهَذَا المفرق بَين بعض الصِّفَات وَبَعض يُقَال لَهُ فِيمَا نَفَاهُ كَمَا يَقُوله هُوَ لمنازعة فِيمَا أثْبته وَهَذَا هُوَ معنى قَول النَّاظِم فَيَقُول مَا يُفْضِي الى التجسيم الخ وَهَذَا الالزام لَازم لَهُم كَمَا ترى وجوابهم عَنهُ فِي غَايَة الصعوبة وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم ... وَالله لَو نشرت شيوخك كلهم ... لم يقدروا أبدا على الْفرْقَان ... وَقَوله فأت الْقُرْآن كَذَا فِي النّسخ وَالصَّوَاب فأت بالفرقان أَي بالفرقان بَين مَا يتَأَوَّل وَمَا لَا يتَأَوَّل
следующие страницы →