Полный текст (1 130 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
.. واليه قد عرج الرَّسُول حَقِيقَة وَكَذَا ابْن مَرْيَم مصعد الابدان
وكذاك قَالُوا إِنَّه بِالذَّاتِ فو ... ق الْعَرْش قدرته بِكُل مَكَان
وكذاك ينزل كل آخر لَيْلَة ... نَحْو السَّمَاء فهاهنا جهتان
للابتداء والانتهاء وذان لل أجسام أَيْن الله من هَذَانِ ... وكذاك قَالُوا إِنَّه مُتَكَلم ... قَامَ الْكَلَام بِهِ فيا إخْوَان ... أَيكُون ذَاك بِغَيْر حرف أم بِلَا ... صَوت فَهَذَا لَيْسَ فِي الامكان
وكذاك قَالُوا مَا حكينا عَنْهُم ... من قبل قَول مشبه الرَّحْمَن
فذروا الحراب لنا وشدوا كلنا ... جمعا عَلَيْهِم حَملَة الفرسان
حَتَّى نسوقهم بأجمعنا الى ... وسط العرين ممزقي اللحمان ...
قَالَ فِي الْقَامُوس العرين كأمير مأوى الاسد والضبع وَالذِّئْب والحية انْتهى ... وَلَقَد كوونا بالنصوص ومالنا ... بلقائها أَبَد الزَّمَان يدان
كم ذَا بقال الله قَالَ رَسُوله ... من فَوق أَعْنَاق لنا وبنان
اذ نَحن قُلْنَا قَالَ آرسطو الْمعلم اولا اَوْ قَالَ ذَاك الثَّانِي ... وكذاك ان قُلْنَا ابْن سينا قَالَ ذَا ... اَوْ قَالَه الرَّازِيّ ذُو التِّبْيَان
قَالُوا لنا قَالَ الرَّسُول وَقَالَ فِي الْقُرْآن كَيفَ الدّفع لِلْقُرْآنِ ... وكذاك أَنْتُم مِنْهُم أَيْضا بِهَذَا الْمنزل الضنك الَّذِي تريان ...
стр. 562
.. ان جئتموهم بالعقول أَتَوْكُم ... بِالنَّصِّ من اثر وَمن قُرْآن
فتحالفوا إِنَّا عَلَيْهِم كلنا ... حزب وَنحن وَأَنْتُم سلمَان
فاذا فَرغْنَا مِنْهُم فخلافنا ... سهل فَنحْن وَأَنْتُم اخوان
فالعرش عِنْد فريقنا وفريقكم ... مَا فَوْقه اُحْدُ بِلَا كتمان
مَا فَوْقه شئ سوى الْعَدَم الَّذِي لَا شئ فِي الاعيان والاذهان
مَا الله مَوْجُود هُنَاكَ وانما الْعَدَم الْمُحَقق فَوق ذِي الاكوان ... وَالله مَعْدُوم هُنَاكَ حَقِيقَة ... بِالذَّاتِ عكس مقَالَة الديصان
هَذَا هُوَ التَّوْحِيد عِنْد فريقنا ... وفريقكم وَحَقِيقَة الْعرْفَان
وَكَذَا جماعتنا على التَّحْقِيق فِي التَّوْرَاة والانجيل وَالْفرْقَان ... لَيست كَلَام الله بل فيض من الفعال اَوْ خلق من الاكوان
فالارض مَا فِيهَا لَهُ قَول وَلَا ... فَوق السما لِلْخلقِ من ديان
بشر اتى بِالْوَحْي وَهُوَ كَلَامه ... فِي ذَاك نَحن وانتم مثلان
ولذاك قُلْنَا إِن رؤيتنا لَهُ عين الْمحَال وَلَيْسَ فِي الامكان ... وزعمتم انا نرَاهُ رُؤْيَة الْمَعْدُوم لَا الْمَوْجُود فِي الاعيان
اذ كل مرئي يقوم بِنَفسِهِ ... اَوْ غَيره لَا بُد فِي الْبُرْهَان
من ان يُقَابل من يرَاهُ حَقِيقَة ... من غير بعد مفرط وتدان ...
стр. 563
.. وَلَقَد تساعدنا على ابطال ذَا ... أَنْتُم وَنحن فَمَا هُنَا قَولَانِ
اما البلية فَهِيَ قَول مجسم ... قَالَ الْقُرْآن بدا من الرَّحْمَن
هُوَ قَوْله وَكَلَامه مِنْهُ بدا ... لفظا وَمعنى لَيْسَ يفترقان
سمع الامين كَلَامه مِنْهُ وَأَدَّاهُ الى الْمُخْتَار من انسان ... فَلهُ الْأَدَاء كَمَا الأدا لرَسُوله وَالْقَوْل قَول الله ذِي السُّلْطَان
هَذَا الَّذِي قُلْنَا وانتم إِنَّه ... عين الْمحَال وَذَاكَ ذُو بطلَان
فاذا تساعدنا جَمِيعًا انه مَا ... بَيْننَا لله من قُرْآن
إِلَّا كبيت الله تِلْكَ اضافة الْمَخْلُوق لَا الاوصاف للديان ... فعلام هَذَا الْحَرْب فِيمَا بَيْننَا ... مَعَ ذَا الْوِفَاق وَنحن مصطلحان
فاذا أَبَيْتُم سلمنَا فتحيزوا لمقالة التجسيم بالاذعان ... عودوا مجسمة وَقُولُوا ... ديننَا ال إِثْبَات دين مشبه الديَّان
أَولا فَلَا منا وَلَا مِنْهُم وَذَا شَأْن الْمُنَافِق إِذْ لَهُ وَجْهَان ... هَذَا بقول مجسم وخصومه ... ترميه بالتعطيل والكفران ... هُوَ قَائِم هُوَ قَاعد هُوَ جَاحد ... هُوَ مُثبت تَلقاهُ ذَا لونان
يَوْمًا بِتَأْوِيل يَقُول وَتارَة
يَسْطُو على التَّأْوِيل بالنكران ...
стр. 564
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي الْمُطَالبَة بِالْفرقِ بَين مَا يتَأَوَّل وَمَا لَا يتَأَوَّل ... فَنَقُول فرق بَين مَا اولته ... ومنعته تَفْرِيق ذِي برهَان ... فَيَقُول مَا يُفْضِي الى التجسيم أَو لناه من خبر وَمن قُرْآن
كالاستواء مَعَ التَّكَلُّم هَكَذَا ... لفظ النُّزُول كَذَاك لفظ يدان
إِذْ هَذِه أَوْصَاف جسم مُحدث ... لَا يَنْبَغِي للْوَاحِد المنان
فَنَقُول أَنْت وَصفته أَيْضا بِمَا ... يُفْضِي الى التجسيم والحدثان
فَوَضَعته بِمَشِيئَة مَعَ قدرَة ... وَكَلَامه النَّفْسِيّ وَهُوَ معَان
أَو وَاحِد والجسم حَامِل هَذِه ال أَوْصَاف حَقًا فأت بالفرقان ... بَين الَّذِي يُفْضِي الى التجسيم اَوْ لَا يَقْتَضِيهِ بواضح الْبُرْهَان
وَالله لَو نشرت شيوخك كلهم ... لم يقدروا أبدا على الْفرْقَان ...
شرح النَّاظِم ﵀ فِي مُطَالبَة الْمُتَكَلِّمين فِي الْفرق بَين مَا يتَأَوَّل ومالا يتَأَوَّل من نُصُوص الْكتاب وَالسّنة وَذَلِكَ أَن بعض الْمُتَكَلِّمين يثبت الصِّفَات السَّبْعَة كالحياة وَالْعلم وَالْقُدْرَة والارادة والسمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام وَبَعْضهمْ يزِيد على هَذِه الصِّفَات صفة التكوين فَتَصِير الصِّفَات الثَّابِتَة عِنْدهم ثَمَانِيَة فَيُقَال لهَؤُلَاء لَا فرق بَين مَا أثبتموه ونفيتموه بل القَوْل فِي
стр. 565
أَحدهمَا كالقول فِي الآخر فان قُلْتُمْ إِن ارادته مثل إِرَادَة المخلوقين فَكَذَلِك محبته وَرضَاهُ وغضبه وَهَذَا هُوَ التَّمْثِيل وَإِن قُلْتُمْ لَهُ ارادة تلِيق بِهِ قيل لكم وَكَذَلِكَ لَهُ محبَّة تلِيق بِهِ وللمخلوق محبَّة تلِيق بِهِ وَله سُبْحَانَهُ رضى وَغَضب يَلِيق بِهِ وللمخلوق رضى وَغَضب يَلِيق بِهِ وان قُلْتُمْ الْغَضَب غليان دم الْقلب لطلب الانتقام فَيُقَال لكم الارادة ميل النَّفس الى جلب مَنْفَعَة اَوْ دفع مضرَّة فان قُلْتُمْ هَذِه ارادة الْمَخْلُوق قيل لكم وَهَذَا غضب الْمَخْلُوق وَكَذَلِكَ يلزمون بالْقَوْل فِي كَلَامه وسَمعه وبصره وَعلمه وَقدرته إِن نفوا عَنهُ الْمحبَّة والرضى وَالْغَضَب وَنَحْو ذَلِك مِمَّا هُوَ من خَصَائِص المخلوقين فَهَذَا مُنْتَفٍ عَن السّمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام وَجَمِيع الصِّفَات وان قُلْتُمْ إِنَّه لَا حَقِيقَة لهَذَا إِلَّا مَا يخْتَص بالمخلوقين قيل لكم وَهَكَذَا السّمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام وَالْقُدْرَة وَالْعلم فَهَذَا المفرق بَين بعض الصِّفَات وَبَعض يُقَال لَهُ فِيمَا نَفَاهُ كَمَا يَقُوله هُوَ لمنازعة فِيمَا أثْبته وَهَذَا هُوَ معنى قَول النَّاظِم فَيَقُول مَا يُفْضِي الى التجسيم الخ وَهَذَا الالزام لَازم لَهُم كَمَا ترى وجوابهم عَنهُ فِي غَايَة الصعوبة وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم ... وَالله لَو نشرت شيوخك كلهم ... لم يقدروا أبدا على الْفرْقَان ...
وَقَوله فأت الْقُرْآن كَذَا فِي النّسخ وَالصَّوَاب فأت بالفرقان أَي بالفرقان بَين مَا يتَأَوَّل وَمَا لَا يتَأَوَّل
стр. 566
فصل
فِي ذكر فرق آخر لَهُم وَبَيَان بُطْلَانه
... فلذاك قَالَ زعيمهم فِي نَفسه ... فرقا سوى هَذَا الَّذِي تريان
هذي الصِّفَات عقولنا دلّت على ... إِثْبَاتهَا مَعَ ظَاهر الْقُرْآن
فلذاك صناها عَن التَّأْوِيل فاعجب يَا أَخا التَّحْقِيق والعرفان ... كَيفَ اعْتِرَاف الْقَوْم ان عُقُولهمْ ... دلّت على التجسيم بالبرهان
فَيُقَال هَل فِي الْعقل تجسيم ام الْمَعْقُول يَنْفِيه كَذَا النُّقْصَان ... إِن قُلْتُمْ يَنْفِيه فانفوا هَذِه ال أَوْصَاف وانسلخوا من الْقُرْآن
أَو قُلْتُمْ يقْضِي باثبات لَهُ ... ففراركم مِنْهَا لأي معَان
أَو قُلْتُمْ يَنْفِيه فِي وصف وَلَا يَنْفِيه فِي وصف بِلَا برهَان ... فَيُقَال مَا الْفرْقَان بَينهمَا وَمَا الْبُرْهَان فَأتوا الْآن بالفرقان
وَيُقَال قد شهد العيان بِأَنَّهُ ... ذُو حِكْمَة وعناية وحنان
مَعَ رأفة ومحبة لِعِبَادِهِ ... أهل الْوَفَاء وتابعي الْقُرْآن
ولذاك خصوا بالكرامة دون اعداء الْإِلَه وشيعة الكفران ... وَهُوَ الدَّلِيل لنا على غضب وبغض مِنْهُ مَعَ مقت لذِي الْعِصْيَان ...
стр. 567
.. وَالنَّص جَاءَ بِهَذِهِ الاوصاف مَعَ ... مثل الصِّفَات السَّبع فِي الْقُرْآن
وَيُقَال سلمنَا بِأَن الْعقل لَا ... يقْضِي اليها فَهِيَ فِي الْفرْقَان
أفنفي آحَاد الدَّلِيل يكون للمدلول نفيا يَا أولي الْعرْفَان ... اَوْ نفي مُطلقَة يدل على انتفا الْمَدْلُول فِي عقل وَفِي قُرْآن
أفبعد ذَا الانصاف وَيحكم سوى ... مَحْض العناد ونخوة الشَّيْطَان
وتحيز مِنْكُم اليهم يَا أولي الْقُرْآن والاثار والايمان ...
ذكر النَّاظِم لمثبتي بعض الصِّفَات دون بعض فرقا آخر وَبَين بُطْلَانه وَذَلِكَ أَنهم إِن قَالُوا أثبتنا تِلْكَ الصِّفَات لِأَن الْعقل دلّ على إِثْبَاتهَا مَعَ النَّقْل فان الْفِعْل الْحَادِث دلّ على الْقُدْرَة والتخصيص دلّ على الْإِرَادَة والإحكام دلّ على الْعلم وَهَذَا الصِّفَات مستلزمة للحياة والحي لَا يَخْلُو عَن السّمع وَالْبَصَر وَالْكَلَام اَوْ ضد ذَلِك لَهُم عَن هَذَا جوابان
أَحدهمَا ان يُقَال عدم الدَّلِيل الْمعِين لَا يسْتَلْزم عدم الْمَدْلُول الْمعِين فَهَب ان مَا سلكتموه من الدَّلِيل الْعقلِيّ لَا يثبت ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يَنْفِيه وَلَيْسَ لكم ان تنفوه بِغَيْر دَلِيل لَان النَّافِي عَلَيْهِ الدَّلِيل كَمَا على الْمُثبت والسمع قد دلّ عَلَيْهِ وَلم يُعَارض ذَلِك معَارض عَقْلِي وَلَا سَمْعِي فَيجب اثبات مَا أثْبته الدَّلِيل السَّالِم عَن الْمعَارض المقاوم
الثَّانِي ان يُقَال يُمكن إِثْبَات هَذِه الصِّفَات بنظير مَا اثبتم بِهِ تِلْكَ من العقليات فَيُقَال نفع الْعباد بالاحسان اليهم يدل على الرَّحْمَة كدلالة التَّخْصِيص على الْمَشِيئَة واكرام الطائعين يدل على محبتهم وعقاب الْكَافرين
стр. 568
يدل على بغضهم كَمَا قد ثَبت بِالشَّهَادَةِ وَالْخَبَر من اكرام أوليائه وعقاب اعدائه والغايات الْمَوْجُودَة فِي مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة تدل على حكمته الْبَالِغَة كَمَا يدل التَّخْصِيص على الْمَشِيئَة وَأولى لقُوَّة الْعلَّة الغائية وَلِهَذَا كَانَ مَا فِي الْقُرْآن من بَيَان مَا فِي الْمَخْلُوقَات من النعم وَالْحكم أعظم مِمَّا فِي الْقُرْآن من بَيَان مَا فِيهَا من الدّلَالَة على مَحْض الْمَشِيئَة وَهَذَا شرح كَلَام النَّاظِم فِي هَذَا الْ فَصْل وَالله أعلم
فصل
فِي بَيَان مُخَالفَة طريقهم لطريق أهل الاسْتقَامَة عقلا ونقلا
... وَاعْلَم بِأَن طريقهم عكس الطَّرِيق الْمُسْتَقيم لمن لَهُ عينان
جعلُوا كَلَام شيوخهم نصا لَهُ الاحكام مَوْزُونا بِهِ النصان ... وَكَلَام رب الْعَالمين وَعَبده ... متشابها متحملا لمعان ... فتولدت من ذَيْنك الْأَصْلَيْنِ أَو ... لاد أَتَت للغي والبهتان
إِذْ من سفاح لَا نِكَاح كَونهَا ... بئس الْوَلِيد وبئست الألوان
عرضوا النُّصُوص على كَلَام شيوخهم ... فَكَأَنَّمَا جَيش لذِي سُلْطَان
والعزل والابقاء مرجعه الى السُّلْطَان دون رعية السُّلْطَان ... وكذاك أَقْوَال الشُّيُوخ فَإِنَّهَا الْمِيزَان دون النَّص وَالْقُرْآن ...
стр. 569
.. إِن وافقا قَول الشُّيُوخ فمرحبا ... أَو خَالَفت فالدفع بِالْإِحْسَانِ
إِمَّا بِتَأْوِيل فَإِن اعيى فتفويض ونتركها لقَوْل فلَان ... إِذْ قَوْله نَص لدينا مُحكم ... فظواهر الْمَنْقُول ذَات معَان ... وَالنَّص فَهُوَ بِهِ عليم دُوننَا ... وبحاله مَا حِيلَة العميان
الا تمسكهم بأيدي مبصر ... حَتَّى يقودهم كذي الأرسان
فاعجب لعميان البصائر أبصروا كَون الْمُقَلّد صَاحب الْبُرْهَان ... ورأوه بالتقليد أولى من سوا ... هـ بغَيْرهَا هدي وَلَا برهَان ... وعموا عَن الوحيين إِذْ لم يفهموا ... مَعْنَاهُمَا عجبا لذِي الحرمان ...
أَشَارَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى لهَذِهِ الأبيات إِلَى ان طَرِيق النفاة عكس طَرِيق أهل الاسْتقَامَة فَإِن النفاة جعلُوا كَلَام شيوخهم نصا محكما وَقَول النَّاظِم جعلُوا كَلَام شيوخهم نصا لَهُ الاحكام هُوَ بِكَسْر الْهمزَة أَي محكما وَكَلَام شيوخهم نصا لَهُ الاحكام هُوَ بِكَسْر الْهمزَة أَي محكما وَكَلَام الله وَرَسُوله متشابها مُجملا فَلَمَّا بنوا الامر على هذَيْن الاصلين الباطلين تولد من ذَلِك انهم يعرضون النُّصُوص على كَلَام مشايخهم فَإِن وافقتها قبلوها وَإِن خالفتها دفعُوا إِمَّا بالتأويل فَإِن عجزوا عَن ذَلِك فالتفويض وَيَقُولُونَ كَلَام الشَّيْخ أولى وَهُوَ أعلم منا بالنصوص وَنحن مقلدون وَنحن كالعميان والاعمى لَا بُد لَهُ من قَائِد وَنَحْو ذَلِك
قَالَ النَّاظِم فاعجب لعميان البصائر أبصروا كَون الْمُقَلّد صَاحب الْبُرْهَان الْمُقَلّد بِفَتْح اللَّام أَي عجبا لعميان البصائر كَيفَ أبصروا ان مقلدهم اولى بِالصَّوَابِ من غَيره من المقلدين فاعجب لهَذَا الحرمان
стр. 570
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... قَول الشُّيُوخ أتم تبيانا على الوحيين لَا وَالْوَاحد المنان ... النَّقْل نقل صَادِق وَالْقَوْل من ... ذِي عصمَة فِي غَايَة التِّبْيَان ... وسواه إِمَّا كَاذِب أَو صَحَّ لم ... يَك قَول مَعْصُوم وَذي تبيان
أفيستوي النقلان يَا أهل النهى ... وَالله لَا يتماثل النقلان
هَذَا الَّذِي القى الْعَدَاوَة بَيْننَا ... فِي الله نَحن لأَجله خصمان ...
أَي أَنهم لما عموا عَن الوحيين وَزَعَمُوا انهم لَا يفهمون مَعْنَاهُمَا فَكيف يفهمون كَلَام الشُّيُوخ مَعَ ان الوحيين اتم بَيَانا من كَلَامهم ولان الوحيين نقل صَادِق عَن قَائِل مَعْصُوم واما قَوَّال الشُّيُوخ فَهِيَ إِمَّا نقل كَاذِب وان صحت فَهِيَ عَن غير مَعْصُوم فَهَل يَسْتَوِي النقلان كلا وهيهات
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... نصروا الضَّلَالَة من سفاهة رَأْيهمْ ... لَكِن نصرنَا مُوجب الْقُرْآن
وَلنَا سلوك ضد مسلكهم فَمَا ... رجلَانِ منا قطّ يَلْتَقِيَانِ
إِنَّا أَبينَا ان ندين بِمَا بِهِ ... دانوا من الآراء والبهتان
إِنَّا عزلناها وَلم نعبأ بهَا ... يَكْفِي الرَّسُول ومحكم الْفرْقَان
من لم يكن ي ٤ كفيه ذان فلاكفا ... هـ الله شَرّ حوادث الْأَزْمَان
من لم يكن يشفيه ذان فَلَا شفا ... هـ الله فِي قلب وَلَا أبدان ...
стр. 571
.. من لم يكن يُغْنِيه ذان رَمَاه رب الْعَرْش بالإعدام والحرمان ... من لم يكن يهديه ذان فَلَا هدا ... هـ الله سبل الْحق وَالْإِيمَان
إِن الْكَلَام مَعَ الْكِبَار وَلَيْسَ مَعَ تِلْكَ الأراذل سفلَة الْحَيَوَان ... أوساخ هَذَا الْخلق بل إنتانه ... جيف الْوُجُود أَخبث الانتان
الطالبين دِمَاء أهل الْعلم بالكفران والعدوان والبهتان ... الشاتمي أهل الحَدِيث عَدَاوَة ... للسّنة الْعليا مَعَ الْقُرْآن
جعلُوا مسبتهم طَعَام حُلُوقهمْ فَالله يقطعهَا من الاذقان ... كبرا وإعجابا وتيها زَائِدا ... وتجاوزا لمراتب الانسان ... لَو كَانَ هَذَا من وَرَاء كِفَايَة ... كُنَّا حملنَا راية الشكران
لكنه من خلف كل مخلف ... عَن رُتْبَة الايمان وَالْإِحْسَان ...
قَوْله كبرا وإعجابا الخ هَذَا مَأْخُوذ من قَول الْقَائِل ... حجاب وَإِعْجَاب وفرط تصلف ... وَمد يَد نَحْو العلى بتكلف
فَلَو كَانَ هَذَا من وَرَاء كِفَايَة ... لهان وَلَكِن من وَرَاء تخلف ...
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... من لي بشبه خوارج قد كفرُوا ... بالذنب تَأْوِيلا بِلَا إِحْسَان
وَلَهُم نُصُوص قصروا فِي فهمها ... فَأتوا من التَّقْصِير فِي الْعرْفَان
وخصومنا قد كفرونا بِالَّذِي ... هُوَ غَايَة التَّوْحِيد وَالْإِيمَان ...
стр. 572
يَقُول النَّاظِم إِن الْخَوَارِج احسن حَالا مِنْكُم ايها الْخُصُوم لِأَن الْخَوَارِج فِي تكفيرهم بِالذنُوبِ أخذُوا بنصوص الْوَعيد لَكِن أخطؤوا فِي ذَلِك وَقصرت أفهامهم وَأما أَنْتُم فخالفتم النُّصُوص وكفرتم من أَخذ بهَا وقدمها على غَيرهَا بل كَفرْتُمْ بِمَا هُوَ غَايَة التَّوْحِيد والايمان
فصل
فِي بَيَان كذبهمْ ورميهم أهل الْحق بِأَنَّهُم أشباه الْخَوَارِج وَبَيَان شبههم الْمُحَقق بالخوارج ... وَمن الْعَجَائِب أَنهم قَالُوا لمن قد حَان بالآثار وَالْقُرْآن ... أَنْتُم بذا مثل الْخَوَارِج إِنَّهُم أخذُوا الظَّوَاهِر اهتدوا لمعان
فَانْظُر الى ذَا البهت هَذَا وَصفهم نسبوا إِلَيْهِ شيعَة الْإِيمَان ... سلوا على سنَن الرَّسُول وَحزبه سيفين سيف يَد وَسيف لِسَان
خَرجُوا عَلَيْهِم مِثْلَمَا خرج الألى من قبلهم بالغي والعدوان ... وَالله مَا كَانَ الْخَوَارِج هَكَذَا وهم الْبُغَاة أَئِمَّة الطغيان
كَفرْتُمْ أَصْحَاب سنته وهم فساق مِلَّته فَمن يلحاني
إِن قلت هم خير واهدى مِنْكُم وَالله مَا الفئتان مستويان
شتان بَين مكفر بِالسنةِ الْعليا وَبَين مكفر الْعِصْيَان ... قُلْتُمْ تأولنا كَذَاك تأولوا ... وكلاكما فئتان باغيتان ...
стр. 573
.. وَلكم عَلَيْهِم ميزة التعطيل والتحريف والتبديل والبهتان
وَلَهُم عَلَيْكُم ميزة الاثبات والتصديق مَعَ خوف من الرَّحْمَن ... ألكم على تأويلكم أَجْرَانِ إِذْ ... لَهُم على تأويلهم وزران ... حاشا رَسُول الله من ذَا الحكم بل ... أَنْتُم وهم فِي حكمه سيان
وكلاكما للنَّص فَهُوَ مُخَالف ... هَذَا وبينكما من الْفرْقَان
هم خالفوا نصا لنَصّ مثله ... لم يفهموا التَّوْفِيق بِالْإِحْسَانِ
لكنكم خالفتم الْمَنْصُوص للشبه الَّتِي هِيَ فكرة الأذهان ... فلأي شئ أَنْتُم خير وَأقرب مِنْهُم للحق والايمان
هم قدمُوا الْمَفْهُوم من لفظ الكتا ... ب على الحَدِيث الْمُوجب التِّبْيَان
لكنكم قدمتم رَأْي الرجا ... ل عَلَيْهِمَا أفأنتم عَدْلَانِ
أم هم إِلَى الْإِسْلَام أقرب مِنْكُم ... لَاحَ الصَّباح لمن لَهُ عينان
وَالله يحكم بَيْنكُم يَوْم الجزا ... بِالْعَدْلِ والإنصاف وَالْمِيزَان
هَذَا وَنحن فَمنهمْ بل مِنْكُم بُرَآء الا من هدى وَبَيَان ...
شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي بَيَان كذبهمْ فِي رميهم أهل الْحق بِأَنَّهُم أشباه الْخَوَارِج وأوضح شبههم الْمُحَقق بالخوارج وَذَلِكَ أَن النفاة قَالُوا للمثبتة انتم اخذتم بالظواهر وَلم تهتدوا للمعاني كالخوارج قَالَ النَّاظِم فَانْظُر إِلَى ذَا البهت هَذَا وَصفهم أَي انهم وصفوا
стр. 574
المثبتة بِمَا هُوَ وَصفهم وَذَلِكَ أَنهم سلوا السيوف على السّنة وَأَهْلهَا وَخَرجُوا عَلَيْهِم كخروج الْخَوَارِج على الامة لَكِن الْخَوَارِج مَعَ بغيهم وطغيانهم كفرُوا فساق المللة واما هم فَكَفرُوا من اتبع الْكتاب وَالسّنة فَيَقُول النَّاظِم فَمن يلحاني أَي يُنَازعنِي إِن قلت إِن الْخَوَارِج خير وَأهْدى مِنْكُم وشتان بَيْنكُم وَبينهمْ لانكم تكفرون بِاتِّبَاع السّنة وَتَقْدِيم النُّصُوص على غَيرهَا وهم يكفرون بِالذنُوبِ والمعاصي وَإِذ قُلْتُمْ تأولنا فهم كَذَلِك تأولوا كلاكما فئتان باغيتان وَلَكِن زدتم عَلَيْهِم بالتعطيل والتحريف والتبديل والبهتان وهم تميزوا عَنْكُم بالإثبات والتصديق وَالْخَوْف من الله أفلكم على تأويلكم أَجْرَانِ إِذْ لَهُم على تأويلهم وزران وحاشا رَسُول الله من هَذَا الحكم بل انتم وهم فِي حكمه سيان وَمَعَ هَذَا فكلاكما مُخَالف للنَّص وَلَكِن بَيْنكُمَا فرق كثير لأَنهم خالفوا نصا لنَصّ آخر لما لم يفهموا التَّوْفِيق بَين النُّصُوص وَأما أَنْتُم فخالفتم النُّصُوص بالعدوان والشبه الَّتِي مَا نزل الله بهَا من سُلْطَان وهم أَيْضا قدمُوا مَا فهموه من الْقُرْآن على الحَدِيث وَأما أَنْتُم فخالفتم الْقُرْآن والْحَدِيث وقدمتم عَلَيْهِمَا آراء الرِّجَال فهم اقْربْ مِنْكُم إِلَى الاسلام وَالله يحكم بَيْنكُم وَبينهمْ يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم وَمَعَ هَذَا فَنحْن مِنْكُم وَمِنْهُم برَاء إِلَّا من هدى وَبَيَان
ثمَّ شرع النَّاظِم فِي بَيَان الموازنة بَينهم وَبَين الْخَوَارِج وترجيح الْخَوَارِج عَلَيْهِم فَقَالَ ... فاسمع إِذا قَول الْخَوَارِج ثمَّ قو ل خصومنا واحكم بِلَا ميلان
من ذَا الَّذِي منا إِذا أشباههم ... إِن كنت ذَا علم وَذَا عرفان ... قَالَ الْخَوَارِج للرسول اعْدِلْ فَلم ... تعدل وَمَا ذِي قسْمَة الديَّان ...
стр. 575
.. وَكَذَلِكَ الجهمي قَالَ نَظِير ذَا ... لكنه قد زَاد فِي الطغيان
قَالَ الصَّوَاب بِأَنَّهُ استولى فَلم ... قلت اسْتَوَى وَعدلت عَن تبيان ...
أَي ان الْخَوَارِج قَالَ قَائِلهمْ وَهُوَ ذُو الْخوَيْصِرَة التَّمِيمِي للنَّبِي ﷺ وَهُوَ يقسم اعْدِلْ يَا رَسُول الله كَمَا فِي الصَّحِيح عَن ابي سعيد قَالَ بَينا النَّبِي ﷺ يقسم جَاءَ عبد الله ذُو الْخوَيْصِرَة التَّمِيمِي فَقَالَ اعْدِلْ يَا رَسُول الله فَقَالَ وَيلك وَمن يعدل إِذا لم أعدل قَالَ عمر بن الْخطاب ائْذَنْ لي فَأَضْرب عُنُقه قَالَ دَعه فَإِن لَهُ أصحابا يحقر أحدكُم صلَاته مَعَ صلَاتهم وصيامه مَعَ صِيَامهمْ يَمْرُقُونَ من الدّين كَمَا يَمْرُق السهْم من الرَّمية الحَدِيث وَكَذَلِكَ الجهمي قَالَ الصَّوَاب استولى على الْعَرْش فَلم قلت يَا رَسُول الله اسْتَوَى ... وكذاك ينزل أمره سُبْحَانَهُ ... لم قلت ينزل صَاحب الغفران
مَاذَا بِعدْل فِي الْعبارَة وَهِي موهمة التحيز وانتقال مَكَان ...
أَي وَكَذَلِكَ الجهمي لما قَالَ الرَّسُول ينزل رَبنَا قَالَ الجهمي بل ينزل امْرَهْ لَان النُّزُول يَقْتَضِي الْحَرَكَة والانتقال ... وكذاك قلت بِأَن رَبك فِي السما أوهمت حيّز خَالق الإكوان ... كَانَ الصَّوَاب بِأَن يُقَال بِأَنَّهُ فَوق السما ... سُلْطَان ذِي سُلْطَان ...
أَي قَالَ الجهمي إِنَّك قلت أَيهَا الرَّسُول عَن الله إِنَّه فِي السَّمَاء وَذَلِكَ يَقْتَضِي
стр. 576
التحيز وَالْمَكَان لله كَانَ الصَّوَاب بِأَن يُقَال بِأَنَّهُ فَوق السَّمَاء سُلْطَانه سُبْحَانَهُ ... وكذاك قلت اليه يعرج والصوا ... ب إِلَى كَرَامَة رَبنَا المنان
أَي ان الجهمي لنفيه علو الرب سُبْحَانَهُ فَوق خلقه يَقُول الصَّوَاب ان العروج إِلَى كَرَامَة الله لَا إِلَى الله
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَكَذَلِكَ قلت بِأَن مِنْهُ ينزل الْقُرْآن تَنْزِيلا من الرَّحْمَن ... كَانَ الصَّوَاب بِأَن يُقَال نُزُوله ... من لوحه اَوْ من مَحل ثَان ...
أَي ان الجهمي قَالَ للرسول لم ذكرت ان الْقُرْآن ينزل من الرَّحْمَن وَالصَّوَاب ان نُزُوله من اللَّوْح الْمَحْفُوظ اَوْ من مَحل آخر ... وَتقول أَيْن الله والأين فممتنع عَلَيْهِ وَلَيْسَ فِي الْإِمْكَان ... لَو قلت من كَانَ الصَّوَاب كَمَا ترى ... فِي الْقَبْر يسْأَل ذَلِك الْملكَانِ ...
أَي يَقُول الجهمي للرسول إِنَّك تَقول أَيْن الله والاين مُمْتَنع على الله تَعَالَى ومحال وَلَيْسَ بممكن وَالصَّوَاب ان تَقول من الله كَمَا يسْأَل الْملكَانِ فِي الْقَبْر الْمَيِّت فَيَقُولَانِ من رَبك وَمَا دينك وَمن نبيك
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... وَتقول الله أَنْت الشَّاهِد الا أَعلَى تُشِير بأصبع وبنان
نَحْو السَّمَاء وَمَا إشارتنا لَهُ ... حسية بل تِلْكَ فِي الأذهان
وَالله مَا نَدْرِي الَّذِي نبديه فِي ... هَذَا من التَّأْوِيل للاخوان ...
стр. 577
.. قُلْنَا لَهُم إِن السما هِيَ قبْلَة الدَّاعِي كبيت الله ذِي الاركان
قَالُوا لنا هَذَا دَلِيل أَنه ... فَوق السما بأوضح الْبُرْهَان ... فَالنَّاس طرا إِنَّمَا يَدعُونَهُ من فَوق هذي فطْرَة الرَّحْمَن
لَا يسْأَلُون الْقبْلَة الْعليا وَلَكِن يسْأَلُون الرب ذَا الاحسان ... قَالُوا وَمَا كَانَت إِشَارَته إِلَى غير الشَّهِيد منزل الْفرْقَان
أتراه أَمْسَى للسما مستشهدا حاشاه من تَحْرِيف ذِي الْبُهْتَان ...
أَي ان الجهمي يَقُول للرسول إِنَّك تُشِير بأصبعك إِلَى السَّمَاء فِي خطبَته بِعَرَفَة فِي الْموقف الْعَظِيم وَتقول اللَّهُمَّ أشهد وَنحن لَا نَدْرِي مَا تبديه من التَّأْوِيل فِي هَذَا فَإِن قُلْنَا للنَّاس ان السَّمَاء قبْلَة الدَّاعِي كبيت الله قَالُوا لنا هَذَا دَلِيل أَنه فَوق السَّمَاء لَان النَّاس إِنَّمَا يَدعُونَهُ من فَوق وعَلى هَذَا فطر الله الْخلق وَمَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ أَنهم لَا يسْأَلُون الْقبْلَة وَكَذَلِكَ مَعْلُوم أَنهم لَا يستشهدون السَّمَاء وَإِنَّمَا يستشهدون من فَوْقهَا سُبْحَانَهُ
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... وكذاك قلت بِأَنَّهُ مُتَكَلم ... وَكَلَامه المسموع بالآذان ... نَادَى الكليم بِنَفسِهِ وكذاك قد ... سمع الندا فِي الْجنَّة الأبوان ... وَكَذَا يُنَادي الْخلق يَوْم معادهم ... بالصوت يسمع صَوته الثَّقَلَان
إِنِّي أَنا الديَّان آخذ حق مظلوم من العَبْد الظلوم الْجَانِي ...
стр. 578
.. وَتقول إِن الله قَالَ وَقَائِل ... وَكَذَا يَقُول وَلَيْسَ فِي الْإِمْكَان ... قَول بِلَا حرف وَلَا صَوت يرى ... من غير مَا شفة وَغير لِسَان ... أوقعت فِي التَّشْبِيه والتجسيم من لم ينف مَا قد قلت فِي الرَّحْمَن
لَو لم تقل فَوق السَّمَاء وَلم تشر ... باشارة حسية بِبَيَان ... وَسكت عَن تِلْكَ الْأَحَادِيث الَّتِي ... قد صرحت بالفوق للديان
وَذكرت أَن الله لَيْسَ بداخل فِينَا وَلَا هُوَ خَارج الأكوان ... كُنَّا أنتصفنا من أولي التجسيم بل ... كَانُوا لنا أسرى عبيد هوان ... لَكِن منحتهم سِلَاحا كلما ... شاؤوا لنا مِنْهُم أَشد طعان
وغدوا بأسهمك الَّتِي اعطيتهم ... يرموننا غَرضا بِكُل مَكَان
لَو كنت تعدل فِي الْعبارَة بَيْننَا ... مَا كَانَ يُوجد بَيْننَا رجفان
هَذَا لِسَان الْحَال مِنْهُم وَهُوَ فِي ... ذَات الصُّدُور يغل الكتمان
يَبْدُو على فلتات ألسنهم وَفِي ... صفحات أوجههم يرى بعيان
سِيمَا إِذا قرىء الحَدِيث عَلَيْهِم ... وتلوت شَاهده من الْقُرْآن
فهناك بَين النازعات وكورت ... تِلْكَ الْوُجُوه كَثِيرَة الألوان
ويكاد قَائِلهمْ يُصَرح لَو يرى ... من قَابل فتراه ذَا كتمان ...
يَعْنِي ان الجهمي يَقُول إِنَّك يَا رَسُول الله قلت بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُتَكَلم
стр. 579
بِكَلَام مسموع وَذكرت انه نَادَى الكليم وَكَذَا نَادَى الْأَبَوَيْنِ فِي الْجنَّة وانه يُنَادي الْخلق يَوْم الْمعَاد وَتقول إِن الله قَالَ وَقَائِل وَيَقُول وَلَا يُمكن قَول بِلَا حرف وَلَا صَوت وَلَا شفة وَلَا لِسَان فَإِذا نَحن لم ننف مَا قلته فِي الرَّحْمَن وقعنا فِي التَّشْبِيه والتجسيم وَلَكِن لَو لم تقل فَوق السَّمَاء وَلم تشر إِلَيْهِ الْإِشَارَة الحسية وَلم تنطق بالأحاديث الَّتِي صرحت بالفوقية وَذكرت ان الله لَيْسَ بداخل الْعَالم وَلَا خَارجه كُنَّا انتصفنا من المجسمة وَكَانُوا لنا اسرى وَلَكِنَّك منحتهم سِلَاحا كلما شاؤوا طاعنونا بِهِ اشد المطاعنة وغدوا يرموننا بِتِلْكَ الاسهم الَّتِي اعطيتهم وصرنا لَهُم غَرضا بِكُل مَكَان وَالْغَرَض قَالَ فِي الْقَامُوس الْغَرَض محركة هدف يرْمى فِيهِ جمعه أغراض فَلَو كنت عدلت بَيْننَا فِي الْعبارَة لم يُوجد بَيْننَا رجفان قَالَ فِي الْقَامُوس رجف حرك وتحرك واضطراب شَدِيدا رجفا ورجفانا ورجوفا ورجيفا
قَوْله هَذَا لِسَان الْحَال مِنْهُم الخ أَي انهم يَقُولُونَ هَذَا بِلِسَان حَالهم وَلكنه مَكْتُوم فِي صُدُورهمْ مغلول وَمَعَ ذَلِك فَهُوَ يَبْدُو على فلتات السنتهم وَيرى فِي صفحات وُجُوههم لَا سِيمَا إِذا قرىء الحَدِيث عَلَيْهِم وتلي شَاهده من الْقُرْآن فهناك بَين النازعات وكورت أَي إِنَّك إِذا قَرَأت عَلَيْهِم الحَدِيث وتلوت مَا يصدقهُ من الْقُرْآن تلونت وُجُوههم فَتَارَة تظلم وَتارَة تصفر وَتغَير كحالة من فِي نزع الْمَوْت والنازعات فِي قَوْله تَعَالَى ﴿والنازعات غرقا﴾ النازعات هِيَ الْمَلَائِكَة الَّتِي تنْزع ارواح الْعباد عَن اجسادهم على قَول اكثر الْمُفَسّرين وَقَوله تَعَالَى ﴿إِذا الشَّمْس كورت﴾ التكوير قَالَ ابْن عَبَّاس اظلمت وَقَالَ مقَاتل والكلبي ذهب ضوؤها وَقَالَ مُجَاهِد اضمحلت وَقيل غورت وَالله أعلم
стр. 580
قَوْله ويكاد قَائِلهمْ يُصَرح أَي بِمَا فِي نَفسه لَو يرى قَابلا بل ذكر شيخ الاسلام فِي بعض رسائله ان بعض من خاطبه صرح بانه لَا يقبل من الرَّسُول ﷺ مَا يَقُوله فِي هَذَا الْبَاب
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... يَا قوم شاهدنا رؤوسكم على ... هَذَا وَلم نشهده من إِنْسَان
إِلَّا وحشو فُؤَاده غل على ... سنَن الرَّسُول وشيعة الْقُرْآن ...
أَي إِنَّا رَأينَا رؤوسهم على هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَلم نشهده من اُحْدُ الا وفؤاده محشو غلا على سنَن الرَّسُول ﷺ وشيعة الْقُرْآن
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... وَهُوَ الَّذِي فِي كتبهمْ لَكِن بلطف عبارَة مِنْهُم وَحسن بَيَان
واخو الْجَهَالَة نِسْبَة للفظ وَالْمعْنَى فنسب الْعَالم الرباني ...
يَقُول النَّاظِم إِن هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ عَنْهُم هُوَ الَّذِي فِي كتبهمْ لكِنهمْ يلطفون الْعبارَة ويحسنون الْكَلَام وَلَكِن الْجَاهِل نِسْبَة للفظ وَالْمعْنَى فنسب الْعَالم الرباني أَي ان الْعَالم الرباني نظره إِلَى مَا يتضمنه اللَّفْظ واما الْجَاهِل فنظره مَقْصُور على اللَّفْظ
وَقَوله نِسْبَة بِفَتْح النُّون وَإِسْكَان السِّين وَضم الْبَاء أَي ان الْعَالم ينْسب إِلَى الْمعَانِي واما الْجَاهِل فَهُوَ ينْسب الى الالفاظ فَهُوَ دائر مَعهَا ثمَّ اعتذر النَّاظِم عَمَّا لَعَلَّه ينْسبهُ من لَا علم عِنْده الى الحيف عَلَيْهِم فِيمَا نسبه إِلَيْهِم فَقَالَ ... يَا من يظنّ بأننا حفنا عَلَيْهِم كتبهمْ تنبيك عَن ذَا الشان ...
стр. 581
أَي ظلمناهم وجرنا عَلَيْهِم قَالَ فِي الْقَامُوس الحيف الْجور وَالظُّلم ... فَانْظُر ترى لَكِن نرى لَك تَركهَا ... حذرا عَلَيْك مصائد الشَّيْطَان
فشباكها وَالله لم يعلق بهَا ... من ذِي جنَاح قَاصِر الطيران
أَلا رَأَيْت الطير فِي قفص الردى ... يبكي لَهُ نوح على الاغصان
ويظل يخبط طَالبا لخلاصه فتضيق عَنهُ فرجه العيدان ... والذنب ذَنْب الطير خلى أطيب الثمرات فِي عَال من الافنان
وأتى الى تِلْكَ الْمَزَابِل يَبْتَغِي الفضلات كالحشرات والديدان ... يَا قوم وَالله الْعَظِيم نصيحة ... من مُشفق وَأَخ لكم معوان ... جربت هَذَا كُله وَوَقعت فِي تِلْكَ ... الشباك وَكنت ذَا طيران ...
يَقُول النَّاظِم ﵀ يَا من يظنّ بِأَنا حفنا عَلَيْهِم أَي على النفاة أَي جرنا عَلَيْهِم وظلمناهم كتبهمْ تنبئك عَمَّا ذكرنَا وَقد أثقلت ظهر البسيطة فطالعها إِن شِئْت لَكِن نرى لَك تَركهَا حذرا عَلَيْك ان تصيدك شبههم الشيطانية فكم وَقع فِي تِلْكَ الشباك من قَاصِر الطيران فتراه عِنْد وُقُوعه فِي تِلْكَ المصائد حائرا ندمانا يبكي لوُقُوعه فِي مهامه الْحيرَة والشكوك وكل هَذَا على طَرِيق النصح من النَّاظِم فجزاه الله تَعَالَى خير الْجَزَاء عملا بقوله ﷺ الدّين النَّصِيحَة ثمَّ بيني انه قد جرب ذَلِك وانه وَقع
стр. 582
فِي بعض تِلْكَ الشباك والمصائد حَتَّى اتاح لَهُ الْمولى بفضله من اوضح لَهُ تِلْكَ الشّبَه وازاح عَنهُ تِلْكَ الشكوك وَهُوَ شيخ الاسلام واشار إِلَى ذَلِك بقوله ... حَتَّى أتاح لي الْإِلَه بفضله ... من لَيْسَ تجزيه يَدي ولساني
حبره أَتَى من أَرض حران فيا أَهلا بِمن قد جَاءَ من حران ... فَالله يجْزِيه الَّذِي هُوَ أَهله من جنَّة المأوى مَعَ الرضْوَان
أخذت يَدَاهُ يَدي وَسَار فَلم يرم ... حَتَّى أَرَانِي مطلع الايمان
وَرَأَيْت اعلام الْمَدِينَة حولهَا ... نزل الْهدى وعساكر الْقُرْآن
وَرَأَيْت آثارا عَظِيما شَأْنهَا محجوبة عَن زمرة العميان ... ووردت رَأس المَاء أَبيض صافيا حصباؤه كلالئ التيجان
وَرَأَيْت أكوابا هُنَاكَ كَثِيرَة مثل النُّجُوم لوارد ظمآن ... وَرَأَيْت حَوْض الْكَوْثَر الصافي الَّذِي ... لَا زَالَ يشخب فِيهِ مِيزَابَانِ ... ميزاب سنته وَقَول إلهه ... وهما مدى الايام لَا ينيان
وَالنَّاس لَا يردونه إِلَّا من الالآف أفرادا ذَوُو إِيمَان ... وردوا عَذَاب مناهل أكْرم بهَا ... ووردتم أَنْتُم عَذَاب هوان ...
قَوْله حران قَالَ فِي الْقَامُوس حران كشداد مَوضِع بِالشَّام وَالنِّسْبَة حرناني وَلَا تقل حراني وان كَانَ قِيَاسا
قَوْله حَتَّى أتاح لي الْإِلَه بفضله الخ قَالَ فِي الْقَامُوس تاح لَهُ الشَّيْء
стр. 583
يتيح يتهيأ انْتهى وَكم أنقذ الله بشيخ الاسلام ومصنفاته الْعِظَام من حيرة تِلْكَ الشُّبُهَات والأضاليل وَكَاد يخرج بهَا عَن سَوَاء السَّبِيل
قَالَ الشَّيْخ الامام أَبُو حَفْص عمر بن عَليّ الْبَزَّاز اُحْدُ تلامذة شيخ الاسلام فِي تَرْجَمته حَدثنِي غير وَاحِد من الْعلمَاء الْفُضَلَاء النبلاء الممعنين بالخوض فِي أقاويل الْمُتَكَلِّمين لاصابة الصَّوَاب وتمييز القشر من اللّبَاب إِن كلا مِنْهُم لم يزل حائرا فِي تجاذب أَقْوَال الاصوليين ومعقولاتهم وَإنَّهُ لم يسْتَقرّ فِي قلبه مِنْهَا قَول وَلم يبن لَهُ من مضمونها حق بل رَآهَا كلهَا موقعة فِي الْحيرَة والتضليل وجلها مذعن بتكافىء الْأَدِلَّة والتعطيل وَإنَّهُ كَانَ خَائفًا على نَفسه من الْوُقُوع بِسَبَبِهَا فِي التشكيك والتعطيل حَتَّى من الله عَلَيْهِ بمطالعة مؤلفات هَذَا الامام احْمَد بن تَيْمِية شيخ الاسلام مِمَّا اورده من النقليات والعقليات فِي هَذَا النظام فَمَا هُوَ إِلَّا ان وقف عَلَيْهَا وفهمها فرآها مُوَافقَة لِلْعَقْلِ السَّلِيم وَعلمهَا حَتَّى انجلى مَا كَانَ قد غشيه من اقوال الْمُتَكَلِّمين من الظلام وَزَالَ عَنهُ مَا خَافَ ان يَقع فِيهِ من الشَّك فظفر بالمرام انْتهى
قَوْله وَرَأَيْت أكوابا وَهِي جمع كوب وَهِي أقداح بِلَا عرى
وَقَوله وردوا عَذَاب الخ بِكَسْر الْعين وَعَذَاب هوان بِالْفَتْح أَي وردوا المناهل الحلوة العذبة من الْكتاب وَالسّنة ووردتم الشكوك والحيرة وَهِي الْعَذَاب بِعَيْنِه بل رُبمَا تُفْضِي الى الْعَذَاب الاكبر نَعُوذ بِاللَّه من مُوجبَات غَضَبه
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... فَبِحَق من اعطاكم ذَا الْعدْل وَال انصاف والتخصيص بالعرفان
من ذَا على دين الْخَوَارِج بعدذا ... أَنْتُم ام الحشوي مَا تريان ...
стр. 584
.. وَالله مَا أَنْتُم لَدَى الحشوي أَهلا ان يقدمكم على عُثْمَان ... فضلا عَن الْفَارُوق وَالصديق فضلا عَن رَسُول الله وَالْقُرْآن
وَالله لَو أبصرتم لرأيتم الحشوي حَامِل راية الْإِيمَان ... وَكَلَام رب الْعَالمين وَعَبده ... فِي قلبه اعلى واكبر شان
من ان يحرف عَن موَاضعه وان يقْضِي لَهُ بِالْعَزْلِ عَن إيقان ... وَيرى الْولَايَة لِابْنِ سينا اَوْ ابي نصر اَوْ الْمَوْلُود من صَفْوَان
اَوْ من يتابعهم على كفرانهم ... اَوْ من يقلدهم من العميان
يَا قَومنَا بِاللَّه قومُوا وانظروا ... وتفكروا فِي السِّرّ والاعلان
نظرا وَإِن شِئْتُم مناظرة فَمن ... مثنى على هَذَا وَمن وحدان
أَي الطوائف بعد ذَا ادنى إِلَى ... قَول الرَّسُول ومحكم الْقُرْآن
فاذا تبين ذَا فإمَّا تتبعوا ... أَو تعذروا اَوْ تؤذنوا بطعان ...
اقْسمْ النَّاظِم على النفاة بِحَق الله الَّذِي اعطاهم الْعدْل والانصاف وَهَذَا على طَرِيق التهكم أَي إِذا سَمِعْتُمْ مَا تقدم فَهَل انتم مثل الخواج اَوْ اعظم مِنْهُم مضرَّة على الدّين ام المنبوذ عنْدكُمْ بالحشو ثمَّ اقْسمْ قسما آخر انكم لَسْتُم بَاهل ان يقدمكم على عُثْمَان ﵁ فضلا عَن الْفَارُوق وَالصديق فضلا عَن رَسُول الله وَالْقُرْآن وان كَلَام رب الْعَالمين وَعَبده اعلى فِي قلبه من ان يحرفه عَن موَاضعه وان يرميه بانها نُصُوص لفظية لَا تفِيد الْيَقِين وَيرى الْولَايَة لِابْنِ سينا اَوْ ابي نصر هُوَ الفارابي اَوْ الْمَوْلُود من صَفْوَان وهم الجهم
стр. 585
فصل
فِي تلقيبهم اهل السّنة بالحشوية وَبَيَان من اولى بِالْوَصْفِ المذموم من هَذَا اللقب من الطائفين وَذكر اول من لقب بِهِ اهل السّنة من اهل الْبِدْعَة
... وَمن الْعَجَائِب قَوْلهم لمن اقْتدى ... بِالْوَحْي من أثر وَمن قُرْآن
حشوية يعنون حَشْوًا فِي الْوُجُود وفضله فِي أمة الانسان ... ويظن جاهلهم بانهم حَشْو ... ارب الْعباد بداخل الاكوان ... إِذْ قَوْلهم فَوق الْعباد وَفِي السما ... ء الرب ذُو الملكوت وَالسُّلْطَان
ظن الْحمير بِأَن فِي للظرف والرحمن محوي بظرف مَكَان ... وَالله لم يسمع بذا من فرقة ... قالته فِي زمن من الْأَزْمَان
لَا تبهتوا اهل الحَدِيث بِهِ فَمَاذَا قَوْلهم تَبًّا لذِي الْبُهْتَان ... بل قَوْلهم إِن السَّمَاوَات العلى ... فِي كف خَالق هَذِه الأكوان
حَقًا كخردلة ترى فِي كف ممسكها تَعَالَى الله ذُو السُّلْطَان ... أترونه المحصور بعد ام السما ... يَا قَومنَا ارتدعوا عَن الْعدوان ...
شرع النَّاظِم ﵀ فِي بَيَان عدوان النفاة وتلقيبهم اهل السّنة والْحَدِيث بالالقاب الشنيعة لتنفير الطغام وَأَشْبَاه الْأَنْعَام كَمَا لقبوهم بالحشوية وَغير ذَلِك من الالقاب الْآتِيَة والحشوية قَالَ فِي شرح مُخْتَصر
стр. 586
التَّحْرِير سموا حشوية لأَنهم كَانُوا يَجْلِسُونَ فِي حَلقَة الْحسن الْبَصْرِيّ امامه فَلَمَّا انكر كَلَامهم قَالَ جردوهم إِلَى حَشْو الْحلقَة أَي جَانبهَا وَقَالَ ابْن الصّلاح فتح الشين غلط وَإِنَّمَا هُوَ بالاسكان وَكَذَلِكَ قَالَ الْبرمَاوِيّ بِالسُّكُونِ لِأَنَّهُ إِمَّا من الحشو لانهم يَقُولُونَ بِوُجُود الحشو فِي كَلَام الْمَعْصُوم اَوْ نَحْو ذَلِك وَرَأَيْت كلَاما لشيخ الاسلام فِي معنى الحشو فِيهِ مُخَالفَة لهَذَا
وَقد فسر النَّاظِم معنى الحشوية بقوله يعنون حَشْوًا فِي الْوُجُود وفضله الخ أَي ان المعطلة يعنون بقَوْلهمْ حشوية ان المثبتة حَشْو فِي الْوُجُود وفضله فِي النَّاس وجهالهم يظنون ان معنى الحشو انهم بقَوْلهمْ ان الله سُبْحَانَهُ فِي السَّمَاء وَفَوق خلقه قد حَشْوًا رب الْعباد بالأكوان وَهَذَا معنى قَوْله ظن الْحمير الخ
قَوْله ظن الْحمير بِأَن فِي للظرف أَي اذا ظنُّوا انا إِذا قُلْنَا الله فِي السَّمَاء فَفِي للظرفية تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَلِهَذَا قَالَ وَالله لم يسمع بذا من فرقة قالته فِي زمن من الازمان وَقد صنف ابو اسحاق ابراهيم بن عُثْمَان ابْن درباس الشَّافِعِي مصنفا سَمَّاهُ تَنْزِيه ائمة الشَّرِيعَة عَن الالقاب الشنيعة
وَقَوله بل قَوْلهم إِن السَّمَاوَات العلى الخ أَي ان قَول اهل السّنة والْحَدِيث إِن السَّمَاوَات السَّبع فِي كف الرَّحْمَن جلّ وَعلا كخردلة فِي كف ممسكها كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ يقبض الله تَعَالَى الارض يَوْم الْقِيَامَة ويطوي السَّمَاء بِيَمِينِهِ ثمَّ يَقُول انا الْملك ايْنَ مُلُوك الارض وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّفْظ لمُسلم عَن عبد الله بن عمر ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله
стр. 587
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يطوي الله السَّمَاوَات يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ يأخذهن بِيَدِهِ الْيُمْنَى ثمَّ يَقُول أَنا الْملك أَيْن الجبارون ايْنَ المتكبرون ثمَّ يطوي الْأَرْضين بِشمَالِهِ ثمَّ يَقُول انا الْملك أَيْن الجبارون ايْنَ المتكبرون وَفِي لفظ فِي الصَّحِيح عَن عبد الله بن مقسم انه نظر إِلَى عبد الله بن عمر كَيفَ يَحْكِي النَّبِي ﷺ قَالَ يَأْخُذ الله سماواته وأرضيه بيدَيْهِ وَيَقُول انا الله وَيقبض أَصَابِعه ويبسطها انا الْملك حَتَّى نظرت إِلَى الْمِنْبَر يَتَحَرَّك من اسفل شَيْء مِنْهُ حَتَّى إِنِّي أَقُول أساقط هُوَ برَسُول الله ﷺ وَفِي لفظ قَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ على الْمِنْبَر وَهُوَ يَقُول يَأْخُذ الْجَبَّار سماواته وأرضيه وَقبض بِيَدِهِ وَجعل يقبضهَا ويبسطها وَيَقُول انا الرَّحْمَن انا الْملك انا السَّلَام انا الْمُؤمن انا الْعَزِيز انا الْجَبَّار انا المتكبر انا الَّذِي بدأت الدُّنْيَا وَلم تَكُ شَيْئا انا الَّذِي أعيدها ايْنَ الْمُلُوك ايْنَ الجبارون وَفِي لفظ أَيْن الجبارون ايْنَ المتكبرون ويتميل رَسُول الله ﷺ على يَمِينه وعَلى شِمَاله حَتَّى نظرت إِلَى الْمِنْبَر يَتَحَرَّك من اسفل شَيْء مِنْهُ حَتَّى إِنِّي أَقُول أساقط هُوَ برَسُول الله ﷺ
والْحَدِيث مَرْوِيّ فِي الصَّحِيح وَالْمَسَانِيد وَغَيرهَا بِأَلْفَاظ يصدق بَعْضهَا بَعْضًا وَفِي بعض الفاظه قَالَ قَرَأَ على الْمِنْبَر ﴿وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبضته يَوْم الْقِيَامَة﴾ الزمر الْآيَة قَالَ مطوية فِي كَفه يَرْمِي بهَا كَمَا يَرْمِي الْغُلَام بالكرة وَفِي لفظ يَأْخُذ الْجَبَّار سمواته وأرضه بِيَدِهِ فيجعلهما فِي كَفه ثمَّ يَقُول بهما هَكَذَا كَمَا يَقُول الصّبيان بالكرة أَنا الله الْوَاحِد وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ مَا السَّمَاوَات السَّبع ولأرضون السَّبع وَمَا فِيهِنَّ وَمَا بَينهُنَّ فِي يَد الرَّحْمَن إِلَّا كخردلة
стр. 588
فِي يَد أحدكُم قَالَ شيخ الاسلام فِي كتاب الْعَرْش وَهَذِه الْآثَار مَعْرُوفَة
قَالَ النَّاظِم
... كم ذَا مشبهة وَكم حشوية ... فالبهت لَا يخفى على الرَّحْمَن
يَا قوم إِن كَانَ الْكتاب وَسنة الْمُخْتَار حَشْوًا فَاشْهَدُوا بِبَيَان ... إِنَّا بِحَمْد إلهنا حشوية ... صرف بِلَا جحد وَلَا كتمان
تَدْرُونَ من سمت شيوخكم بِهَذَا الِاسْم فِي الْمَاضِي من الْأَزْمَان ... سمي بِهِ ابْن عبيد عبد الله ذَا ... ك بن الْخَلِيفَة طارد الشَّيْطَان
فورثتم عمرا كَمَا ورثوا لعبد الله أَنى يستوى الارثان ... تَدْرُونَ من اولى بِهَذَا الِاسْم وَهُوَ مُنَاسِب احواله بوزان
من قد حشى الأوراق والأذهان من بدع تخَالف مُوجب الْقُرْآن ... هَذَا هُوَ الحشوي لَا أهل الحَدِيث أَئِمَّة الاسلام وَالْإِيمَان
وردوا عَذَاب مناهل السّنَن الَّتِي لَيست زبالة هَذِه الأذهان ... ووردتم القلوط مجْرى كل ذِي الأوساخ والاقذار والانتان
وكسلتم ان تصعدوا للورد من ... رَأس الشَّرِيعَة خيبة الكسلان ...
يَقُول النَّاظِم كم ذَا تنبزون اهل الْإِثْبَات بِهَذَا البهت وَالْكذب الصَّرِيح فَإِن كَانَ الْكتاب وَالسّنة حَشْوًا فَاشْهَدُوا انا حشوية بِلَا جحد وَلَا كتمان
стр. 589
وَنَحْو من هَذَا قَوْله ﵀ ... فان كَانَ تجسيما ثُبُوت صِفَاته ... وتنزيها عَن كل تَأْوِيل مفتري
فَانِي بِحَمْد الله رَبِّي مجسم ... هلموا شُهُودًا واملؤوا كل محْضر ...
قَوْله سمي بِهِ ابْن عبيد عبد الله أَي اول من نطق بِهَذَا الِاسْم هُوَ عَمْرو بن عبيد المعتزلي قَالَ كَانَ عبد الله بن عمر حشويا يَعْنِي عبد الله بن عمر بن الْخطاب ﵄ وَهَذَا معنى قَول النَّاظِم ذَاك ابْن الْخَلِيفَة طارد الشَّيْطَان وَمرَاده بالخليفة عمر بن الْخطاب ﵁
وَقَوله طارد الشَّيْطَان يُشِير إِلَى قَوْله ﷺ لعمر مَا رآك الشَّيْطَان سالكا فجا إِلَّا سلك فجا غير فجك
قَوْله تَدْرُونَ من أولى بِهَذَا الِاسْم الخ أَي ان الاولى والاحق بِهَذَا الِاسْم مِنْهُ حَشْو الأوراق والأذهان من الْبدع المضلة والآراء المضمحلة الْمُخَالفَة لِلْقُرْآنِ وَالسّنة فَهَذَا هُوَ الحشوي على الْحَقِيقَة لَا أَئِمَّة الحَدِيث وأئمة الْإِسْلَام وَالْإِيمَان
قَوْله مُوجب الْقُرْآن هُوَ بِفَتْح الْجِيم
قَوْله وردوا عَذَاب مناهل السّنَن الَّتِي لَيست زبالة هَذِه الأذهان أَي ان اهل الحَدِيث وَالسّنة وردوا مناهل السّنَن العذبة الَّتِي لَيست زبالة الأذهان والزبالة قَالَ فِي الْقَامُوس زبل زرْعَة يزبله سمده وككتاب مَا تحمله النحلة
ووردتم القلوط الخ سَيَأْتِي بَيَان القلوط فِي الْفَصْل الْمَعْقُود لَهُ
стр. 590
فصل
فِي بَيَان عداوتهم فِي تلقيب أهل الْقُرْآن والْحَدِيث بالمجسمة وَبَيَان أَنهم اولى بِكُل لقب خَبِيث ... كم ذَا مشبهة مجسمة نوا ... بتة مشبة جَاهِل فتان
أَسمَاء سميتم بهَا أهل الحَدِيث وناصري الْقُرْآن والايمان ... سميتموهم أَنْتُم وشيوخكم ... بهتا بهَا من غير مَا سُلْطَان ... وجعلتموها سبة لتنفروا ... عَنْهُم كَفعل السَّاحر الشَّيْطَان
مَا ذنبهم وَالله إِلَّا أَنهم ... أخذُوا بِوَحْي الله وَالْفرْقَان
وأبوا بِأَن يتحيزوا لمقالة ... غير الحَدِيث وَمُقْتَضى الْقُرْآن
وَأَبُو يدينوا بِالَّذِي دنتم بِهِ ... من هَذِه الآراء والهذيان
وصفوه بالأوصاف فِي النصين من ... خبر صَحِيح ثمَّ من قُرْآن
إِن كَانَ ذَا التجسيم عنْدكُمْ فيا ... أَهلا بِهِ مَا فِيهِ من نكران
إِنَّا مجسمة بِحَمْد الله لم ... نجحد صِفَات الْخَالِق الرَّحْمَن
وَالله مَا قَالَ امْرُؤ منا بِأَن الله جسم يَا أولي الْبُهْتَان ... وَالله يعلم أننا فِي وَصفه ... لم نعو مَا قد قَالَ فِي الْقُرْآن ...
стр. 591
.. أَو قَالَه أَيْضا رَسُول الله فَهُوَ الصَّادِق المصدوق بالبرهان
أَو قَالَه أَصْحَابه من بعده ... فهم النُّجُوم مطالع الْإِيمَان
سموهُ تجسيما وتشبيها فلسنا جاحديه لذَلِك الهذيان ...
أَي أَن النفاة والمعطلة سموا اهل الْإِثْبَات بأسماء بشعة قصدا للتنفير عَنْهُم فَإِنَّهُم يسمونهم مشبهة أَي أَنهم يشبهون الله بخلقه وسموهم مجسمة أَي يَقُولُونَ بِأَن الله جسم تَعَالَى عَن ذَلِك وسموهم نوابت والنوابت هم كَمَا قَالَ فِي الْقَامُوس الأغمار من الْأَحْدَاث ونبتت لَهُم نابتة نَشأ لَهُم نَشأ صغَار وَقد قَالَ الإِمَام أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الْحَنْظَلِي الرَّازِيّ عَلامَة اهل الْبدع الوقيعة فِي اهل الْأَثر وعلامة الْجَهْمِية ان يسموا أهل السّنة مشبهة ونابتة وعلامة الْقَدَرِيَّة أَن يسموا أهل السّنة مجبرة وعلامة الزَّنَادِقَة أَن يسموا أهل الْأَثر حشوية انْتهى نَقله عَنهُ الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ
قَوْله لتنفروا عَنْهُم الخ أَي انهم سموا اهل الحَدِيث بِهَذِهِ الْأَسْمَاء ولقبوهم بِهَذِهِ الألقاب للتنفير عَنْهُم وَإِلَّا فهم لم يتعدوا مَا قَالَ الله وَرَسُوله وَلم يقل اُحْدُ مِنْهُم إِن الله تَعَالَى جسم جلّ عَن ذَلِك وَمَعَ ذَلِك فَأهل الْأَثْبَات لما أثبتوا مَا أثْبته الله وَرَسُوله لنَفسِهِ من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَلَا تَمْثِيل وَإِن سمت المعطلة ذَلِك تَشْبِيها وتجسيما فَأهل الْإِثْبَات لَا يجحدونه لأجل تشنيعاتهم وهذيانهم
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... بل بَيْننَا فرق لطيف بل هُوَ الْفرق الْعَظِيم لمن لَهُ عينان ...
стр. 592
.. إِن الْحَقِيقَة عندنَا مَقْصُودَة ... بِالنَّصِّ وَهُوَ مُرَاده التِّبْيَان ... لَكِن لديكم فَهِيَ غير مُرَادة ... أَنى يُرَاد مُحَقّق الْبطلَان
فَكَلَامه فِيمَا لديكم لَا حَقِيقَة تَحْتَهُ تبدو الى الأذهان ... فِي ذكر آيَات الْعُلُوّ وَسَائِر الْأَوْصَاف وَهِي الْقلب لِلْقُرْآنِ
بل قَول رب النَّاس لَيْسَ حَقِيقَة فِيمَا لديكم يَا أولي الْعرْفَان ... وَإِذا جعلتم ذَا مجَازًا صَحَّ ان ... ينفى على الأطلاق والامكان ... وحقائق الْأَلْفَاظ بِالْعقلِ انْتَفَت ... فِيمَا زعمتم فَاسْتَوَى النفيان
نفي الْحَقِيقَة وَانْتِفَاء اللَّفْظ إِن ... دلّت عَلَيْهِ فحظكم نفيان
ونصيبنا اثبات ذَاك جَمِيعه ... لفظا وَمعنى ذَاك اثباتان
فَمن الْمُعَطل فِي الْحَقِيقَة غَيْركُمْ ... لقب بِلَا كذب وَلَا عدوان
وَإِذا سببتم بالمحال فسبنا ... بأدلة وحجاج ذِي برهَان
تبدي فضائحكم وتهتك ستركم ... وَتبين جهلكم مَعَ الْعدوان
يَا بعد مَا بَين السباب بذاكم ... وسبابكم بِالْكَذِبِ والطغيان
من سبّ بالبرهان لَيْسَ بظالم ... وَالظُّلم سبّ العَبْد بالبهتان
فحقيقة التجسيم ان يَك عنْدكُمْ ... وصف الْإِلَه الْخَالِق الديَّان
بصفاته الْعليا الَّتِي شهِدت بهَا ... آيَاته وَرَسُوله العدلان ...
стр. 593
.. فَتَحملُوا عَنَّا الشَّهَادَة واشهدوا ... فِي كل مُجْتَمع وكل مَكَان
انا مجسمة بِفضل الله وليشهد بذلك مَعكُمْ الثَّقَلَان ... الله أكبر كشرت عَن نابها الْحَرْب الْعوَان وصيح بالأقران
وتقابل الصفان وانقسم الورى ... قسمَيْنِ واتضحت لنا القسمان ...
معنى كَلَام النَّاظِم ان الْحَقِيقَة عِنْد المثبتة مَقْصُودَة بِالنَّصِّ وَالْمرَاد بِهِ التِّبْيَان وَأما عنْدكُمْ أَيهَا النفاة فَهِيَ غير مُرَادة لِأَن الْحَقِيقَة عنْدكُمْ لم تدل إِلَّا على التَّشْبِيه والتجسيم فَكَلَام الله وَرَسُوله فِي آيَات الْعُلُوّ وَالصِّفَات وَكَذَا كَلَام رَسُوله ﷺ لَيْسَ بِحَقِيقَة بل هُوَ مجَاز وَالْمجَاز هُوَ مَا يَصح نَفْيه وحقائق الْأَلْفَاظ دلّ الْعقل بزعمكم على نَفيهَا فَاسْتَوَى أَي تمّ عنْدكُمْ نفيان نفي الْحَقِيقَة وَنفي الدّلَالَة اللَّفْظ عَلَيْهَا واما المثبتة فهم أثبتوا اللَّفْظ وَالْمعْنَى بِغَيْر تَشْبِيه وَلَا تَمْثِيل فَلهم اثباتان فَأنْتم المعطلة حَقًا وَإِذا سببتم بِالْكَذِبِ والمحال فسبنا بالأدلة والحجج وَيَا بعد مَا بَين السبابين لأنكم تسبون بِالْكَذِبِ والطغيان وَنحن نسب بالبرهان فَمن سبّ بالبرهان فَلَيْسَ بظالم وَإِنَّمَا الظُّلم هُوَ السب بالبهتان
وَقَوله كشرت عَن نابها الخ قَالَ فِي الْقَامُوس كشر عَن أَسْنَانه يكشر كشرا أبدى يكون فِي الضحك وَغَيره
قَوْله الْعوَان هِيَ الْحَرْب بعد الْحَرْب قَالَ فِي مُخْتَار الصِّحَاح الْعوَان النّصْف فِي سنّهَا من كل شَيْء وَالْجمع عون والعوان من الْحَرْب الَّتِي قوتل فِيهَا مرّة بعد مرّة كَأَنَّهُمْ جعلو الاولى بكر
стр. 594
فصل
فِي بَيَان مورد أهل التعطيل وانهم تعرضوا بالقلوط عَن مورد السلسبيل ... يَا وَارِد القلوط وَيحك لَو ترى ... مَاذَا على شفتيك والاسنان
أَو مَا ترى آثارها فِي الْقلب والنيات والاعمال والاركان ... لَو طَابَ مِنْك الْورْد طابت كلهَا ... أَنى تطيب موارد الانتان ... يَا وَارِد القلوط طهر فَاك من ... خبث بِهِ واغسله من انتان
ثمَّ اشتم الحشوي حَشْو الدّين وَالْقُرْآن والْآثَار والايمان ... اهلا بهم حَشْو الْهدى وسواهم ... حَشْو الضلال فَمَا هما سيان ... أَهلا بهم حَشْو الْيَقِين وَغَيرهم ... حَشْو الشكوك فَمَا هما صنْوَان
أَهلا بهم حَشْو الْمَسَاجِد والسوى ... حَشْو الكنيف فَمَا هما عَدْلَانِ
أَهلا بهم حَشْو الْجنان وَغَيرهم ... حَشْو الْجَحِيم أيستوي الحشوان
يَا وَارِد القلوط وَيحك لَو ترى الحشوي وَارِد منهل الْقُرْآن ... وتراه من رَأس الشَّرِيعَة شاربا ... من كف من قد جَاءَ بالفرقان ... وتراه يسْقِي النَّاس فضلَة كأسه ... وختامها مسك على ريحَان
لعذرته إِن بَال فِي القلوط لم ... يشرب بِهِ مَعَ جملَة العميان ...
стр. 595
.. يَا وَارِد القلوط لَا تكسل فرا ... س المَاء فاقصده قريب دَان
هُوَ منهل سهل قريب وَاسع ... كَاف اذا نزلت بِهِ الثَّقَلَان
وَالله لَيْسَ بأصعب الوردين بل ... هُوَ أسهل الوردين للظمآن ...
القلوط بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد اللَّام وبالطاء الْمُهْملَة هُوَ نهر بِدِمَشْق الشَّام يحمل أقذار الْبَلَد وأوساخه وإنتانه وَيُسمى فِي هَذَا الْوَقْت قليطا بِالتَّصْغِيرِ وَالله أعلم
فصل
فِي بَيَان هدمهم لقواعد الْإِسْلَام وَالْإِيمَان بعزلهم نُصُوص السّنة وَالْقُرْآن ... يَا قوم بِاللَّه انْظُرُوا وتفكروا ... فِي هَذِه الْأَخْبَار وَالْقُرْآن
مثل التدبر والتفكر للَّذي ... قد قَالَه ذُو الرَّأْي والحسبان
فَأَقل شَيْء أَن يَكُونُوا عنْدكُمْ ... حدا سَوَاء يَا أولي الْعدوان
وَالله مَا اسْتَويَا لَدَى زعمائكم ... فِي الْعلم وَالتَّحْقِيق والعرفان
عزلوهما بل صَرَّحُوا بِالْعَزْلِ عَن ... نيل الْيَقِين ورتبة الْبُرْهَان
قَالُوا وَتلك أَدِلَّة لفظية ... لسنا نحكمها على الايقان
مَا أنزلت لينال مِنْهَا الْعلم با ل إِثْبَات للأوصاف للرحمن ...
стр. 596
.. بل بالعقول ينَال ذَاك وَهَذِه ... عَنهُ بمعزل غير ذِي سُلْطَان ... فبجهدنا تَأْوِيلهَا وَالدَّفْع فِي ... أكنافها دفعا لذِي الصولان ...
أَشَارَ النَّاظِم ﵀ الى انهم بِمَا فَعَلُوهُ وَهُوَ عزلهم النُّصُوص عَن إِفَادَة الْيَقِين هدموا قَوَاعِد الْإِسْلَام وَالْإِيمَان فَقَالَ يَا قوم بِاللَّه انْظُرُوا الخ أَي تَفَكَّرُوا وتدبروا فِي الْكتاب وَالسّنة كتدبركم وتفكركم فِي كَلَام الْمَشَايِخ فَأَقل شَيْء أَن يَكُونَا عنْدكُمْ سَوَاء ثمَّ أقسم أَنَّهُمَا مَا اسْتَويَا عِنْد زعمائكم فِي الْعلم وَالتَّحْقِيق والعرفان بل يَقُولُونَ تِلْكَ أَدِلَّة لفظية وَمَا وَضعه مَشَايِخنَا قواطع عقلية وَتلك الظَّوَاهِر اللفظية لم تنزل لتعلم مِنْهَا صِفَات الرب وَإِنَّمَا يعلم ذَلِك بِالْعقلِ وَمَعَ ذَلِك فنجتهد فِي دَفعهَا كدفع الصَّائِل فَإِن امكن تَأْوِيلهَا فَذَاك وَإِلَّا فآخر الْأَمر التَّفْوِيض
قَوْله فِي أكنافها الكنف الْجَانِب والظل والناحية قَالَه فِي الْقَامُوس ثمَّ ضرب النَّاظِم لذَلِك مثلا فَقَالَ ... ككبير قوم جَاءَ يشْهد عِنْد ذِي ... حكم يُرِيد دفاعه بليان ... فَيَقُول قدرك فَوق ذَا وَشَهَادَة ... لسواك تصلح فاذهبن بِأَمَان
وبوده لَو كَانَ شَيْء غير ذَا ... لَكِن مَخَافَة صَاحب السُّلْطَان ...
أَي أَن مثل نُصُوص الْكتاب وَالسّنة الدَّالَّة على إِثْبَات الْعُلُوّ وَالصِّفَات عِنْدهم كَرجل كَبِير ذِي منصب جَاءَ يشْهد عِنْد بعض الْحُكَّام وَهُوَ يُرِيد ان لَا يقبل شَهَادَته وَيُرِيد دَفعه بالأسهل فَيَقُول أَنْت جليل الْقدر عَظِيم لمنصب وقدرك فَوق هَذَا وَالشَّهَادَة تصلح لسواك مَعَ أَن ذَلِك الْحَاكِم يود أَن
стр. 597
يردهُ بِغَيْر هَذَا الرَّد لَكِن لأجل مَخَافَة صَاحب السُّلْطَان يَدْفَعهُ بِهَذَا الدّفع
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... فَلَقَد أَتَانَا عَن كَبِير فيهم ... وَهُوَ الحقير مقَالَة الكفران
لَو كَانَ يمكني وَلَيْسَ بممكن ... لحككت من ذَا الْمُصحف العثماني
ذكر اسْتِوَاء الرب فَوق الْعَرْش لَكِن ذَاك مُمْتَنع على الانسان ...
يَعْنِي جَهَنَّم بن صَفْوَان وَقد تقدّمت قصَّته هَذِه أول الشَّرْح وَقد رَوَاهَا ابْن ابي حَاتِم كَمَا ذكره الذَّهَبِيّ فِي كتاب الْعُلُوّ
قَالَ ابي حَاتِم ثَنَا عبد الله بن مُحَمَّد بن الْفضل الْأَسدي ثَنَا يحيى بن أَيُّوب ثَنَا أَبُو نعيم الْبَلْخِي وَكَانَ قد أدْرك جهما قَالَ كَانَ لجهم صَاحب يُكرمهُ ويقدمه على غَيره فَإِذا هُوَ قد صِيحَ بِهِ وندر بِهِ وَوَقع فِيهِ فَقلت لَهُ قد كَانَ يكرمك فَقَالَ إِنَّه قد جَاءَ مِنْهُ مَا لَا يحْتَمل بَينا هُوَ يقْرَأ طه والمصحف فِي حجره فَلَمَّا أَتَى على هَذِه الْآيَة ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه قَالَ لَو وجدت السَّبِيل إِلَى أَن أحكها من الْمُصحف لفَعَلت فاحتملت هَذِه ثمَّ إِنَّه بَينا هُوَ يقْرَأ آيَة إِذْ قَالَ مَا أظرف مُحَمَّدًا إِذْ قَالَهَا ثمَّ إِنَّه بَينا هُوَ يقْرَأ طسم الْقَصَص والمصحف فِي حجره إِذْ مر بِذكر مُوسَى فَرفع الْمُصحف بِيَدِهِ وَرجلَيْهِ وَقَالَ أَي شَيْء هَذَا ذكره هُنَا فَلم يتم ذكره ثمَّ قَالَ الذَّهَبِيّ أخرجهَا عبد الله بن احْمَد عَن الصَّنْعَانِيّ عَن يحيى بن ايوب انْتهى
стр. 598
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَالله لَوْلَا هَيْبَة الاسلام وَالْقُرْآن والأمراء وَالسُّلْطَان
لأتوا بِكُل مُصِيبَة ولدكدكوا ال إِسْلَام فَوق قَوَاعِد الاركان ... فَلَقَد رَأَيْتُمْ مَا جرى لأئمة ال إِسْلَام من محن على الازمان
لَا سِيمَا لما استمالوا جَاهِلا ... ذَا قدرَة فِي النَّاس مَعَ سُلْطَان
وَسعوا إِلَيْهِ بِكُل إفْك بَين ... بل قاسموه بأغلظ الْأَيْمَان
أَن النَّصِيحَة قصدهم كنصيحة الشَّيْطَان حِين خلا بِهِ الأبوان ...
يُشِير النَّاظِم بِهَذِهِ الأبيات إِلَى أَنه لَوْلَا هَيْبَة الْإِسْلَام وَالْقُرْآن والأمراء لأتت المبتدعة بِكُل مُصِيبَة ولدكدوا الْإِسْلَام وَشَاهد هَذَا أَنهم لما استمالوا الْمَأْمُون عبد الله بن الرشيد العباسي وَقَامَ بامتحان النَّاس بِأَن الْقُرْآن مَخْلُوق وَحصل للأئمة مَا حصل من الكروب والمشاق وَلَكِن أعجلته الْمنية فأوصى الى أَخِيه أبي اسحق المعتصم وَحصل مَا حصل من المحن وحبسوا الامام احْمَد وضربوه وَبعد ذَلِك فِي خلَافَة الواثق قتل احْمَد ابْن نصر الْخُزَاعِيّ وامتحن الإِمَام مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الأدرمي وَكَانُوا لايولون قَاضِيا وَلَا غَيره إِلَّا إِن كَانَ مِمَّن يَقُول بِخلق الْقُرْآن وَذَلِكَ مَشْهُور فِي كتب التواريخ مَعَ ان الْمَأْمُون قبل ذَلِك لم يزل يُدَارِي الْعلمَاء فِي القَوْل بِهَذِهِ الْمَسْأَلَة ثمَّ صدع بذلك
قَالَ الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخ الاسلام أَخْبرنِي جمَاعَة إجَازَة أَن الْكِنْدِيّ أخْبرهُم أَنبأَنَا الْقَزاز أنبأ الْخَطِيب أنبأ أَبُو بكر الْحِيرِي ثَنَا الْأَصَم
стр. 599
ثَنَا يحيى بن أبي طَالب أَخْبرنِي الْحسن بن شَاذان الوَاسِطِيّ الْحَافِظ حَدثنِي ابْن عرْعرة حَدثنِي يحيى بن اكثم قَالَ قَالَ لنا الْمَأْمُون لَوْلَا مَكَان يزِيدُونَ هَارُون لأظهرت الْقُرْآن مَخْلُوق فَقيل وَمن يزِيد حَتَّى يتقى فَقَالَ وَيحك إِنِّي لَا أتقيه لِأَن لَهُ سلطنة وَلَكِن أَخَاف إِن أظهرته فَيرد عَليّ فيختلف النَّاس وَيكون فتْنَة وَأما الْمَأْمُون فَهُوَ عبد الله الْمَأْمُون بن هَارُون الرشيد بن مُحَمَّد بن الْمهْدي بن عبد الله الْمَنْصُور ابو الْعَبَّاس الْهَاشِمِي الْهَاشِمِي ولد سنة سبعين وَمِائَة عِنْدَمَا اسْتخْلف ابوه الرشيد وَقَرَأَ الْعلم فِي صغره وَسمع من هشيم وَعباد بن الْعَوام ويوسف بن عطيه وَأبي مُعَاوِيَة الضَّرِير وطبقتهم وبرع فِي الْفِقْه والعربية وَأَيَّام النَّاس وَلما كبر عني بالفلسفة وعلوم الاوائل وَمهر فِيهَا فمجره ذَلِك إِلَى القَوْل بِخلق الْقُرْآن روى عَنهُ وَلَده الْفضل وَيحيى بن أَكْثَم والأمير عبد الله بن طَاهِر ودعبل الخزعلي وَآخَرُونَ وَكَانَ من رجال بني الْعَبَّاس حزما وعزما وحلما وعلما ورأيا ودهاء وهيبة وشجاعة وسؤددا وسماحة وَله محَاسِن وسيرة طَوِيلَة وَأما مَسْأَلَة خلق الْقُرْآن فَلم يرجع عَنْهَا وصمم عَلَيْهَا فِي سنة ٢١٨ وامتحن الْعلمَاء فعوجل وَلم يُمْهل مَاتَ لِاثْنَتَيْ عشرَة لَيْلَة بقيت من رَجَب سنة ٢١٨ انْتهى مُلَخصا من تَارِيخ الاسلام للذهبي رَحمَه الله تَعَالَى
قَوْله بل قاسموه بأعظم الْأَيْمَان ان النَّصِيحَة قصدهم الخ أَي يحلفُونَ لَهُ بأعظم الايمان أَن قصدهم النَّصِيحَة كَمَا قَاسم ابليس الْأَبَوَيْنِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وقاسمهما إِنِّي لَكمَا لمن الناصحين﴾ الْأَعْرَاف
стр. 600
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... فَيرى عمائم ذَات أَذْنَاب على ... تِلْكَ الفشور طَوِيلَة الأردان ... وَيرى هيولي لَا تهول لمبصر ... وتهول أعمى فِي ثِيَاب جبان ... فَإِذا أصاخ بسمعة ملؤوه من ... كذب وتلبيس وَمن بهتان
فَيرى وَيسمع فشرهم وفشارهم ... يَا محنة الْعَينَيْنِ والآذان
فتحُوا جراب الْجَهْل مَعَ كذب فَخذ ... واحمل بِلَا كيل وَلَا ميزَان
وَأتوا إِلَى قلب المطاع ففتشوا ... عَمَّا هُنَاكَ ليدخلوا بِأَمَان
فاذا بدا غَرَض لَهُم دخلُوا بِهِ ... مِنْهُ اليه كحيلة الشَّيْطَان
فاذا رَأَوْهُ هش نَحْو حَدِيثهمْ ... ظفروا وَقَالُوا وَيْح آل فلَان
هوفي الطَّرِيق يعوق مَوْلَانَا عَن الْمَقْصُود وَهُوَ عَدو هَذَا الشان ... فَإِذا هم غرسوا الْعَدَاوَة واظبوا ... سقِِي الْغِرَاس كَفعل ذِي الْبُسْتَان ... حَتَّى إِذا مَا أثمرت ودنا لَهُم ... وَقت الْجذاذ وَصَارَ ذَا إِمْكَان
ركبُوا على جرد لَهُم وحمية ... واستنجدوا بعساكر الشَّيْطَان
فهنالك ابْتليت جنود الله من ... جند اللعين بِسَائِر الالوان
ضربا وحبسا ثمَّ تكفيرا وتبعيدا وشتما ظَاهر الْبُهْتَان ...
تقدم الْكَلَام فِي تَفْسِير الهيولي
следующие страницы →