Полный текст (1 130 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
شَيْء هُوَ نَفسه فيهمَا وَلَكِن لفظ الْوُجُود وَمَعْنَاهُ الَّذِي فِي الذِّهْن والخط الَّذِي يدل على اللَّفْظ يتَنَاوَل الْمَوْجُودين ويعمهما يَشْتَرِكَانِ فِيهِ فشمول معنى الْوُجُود الَّذِي فِي الذِّهْن لَهما كشمول لفظ الْوُجُود والخط الَّذِي يكْتب بِهِ هَذَا اللَّفْظ لَهما فهما مشتركان فِي هَذَا فَأَما نفس مَا يُوجد فِي الْخَارِج فانما يشتبهان فِيهِ من بعض الْوُجُوه فاما ان تكون نفس هَذَا وَصفته فِيهَا شَيْء من ذَات هَذَا وَصفته فَهَذَا مِمَّا يعلم فَسَاده كل من تصَوره وَمن توقف فِيهِ فلعدم تصَوره لَهُ وَحِينَئِذٍ فَالْقَوْل فِي اسْم الْوُجُود كالقول فِي اسْم الذَّات وَالْعين والماهية وَالنَّفس والحقيقة وكما ان الْحَقِيقَة تَنْقَسِم الى حَقِيقَة وَاجِبَة وَحَقِيقَة مُمكنَة وَكَذَلِكَ لفظ الْمَاهِيّة وَلَفظ الذَّات وَنَحْو ذَلِك فَكَذَلِك لفظ الْوُجُود فاذا قُلْنَا إِن الْحَقِيقَة أَو الْمَاهِيّة تَنْقَسِم الى وَاجِبَة وممكنة لم يلْزم أَن تكون مَاهِيَّة الْوَاجِب فِيهَا شَيْء من مَاهِيَّة الْمُمكن فَكَذَلِك اذا قيل الْوُجُود يَنْقَسِم الى وَاجِب وممكن لم يلْزم أَن يكون مَاهِيَّة الْوَاجِب فِيهَا شئ من مَاهِيَّة الْمُمكن فَكَذَلِك اذا قيل الْوُجُود يَنْقَسِم الى وَاجِب وممكن لم يلْزم أَن يكون الْوُجُود الْوَاجِب فِيهِ شَيْء من وجود غَيره بل لَيْسَ فِيهِ وجود مُطلق وَلَا مَاهِيَّة مُطلقَة بل ماهيته هِيَ حَقِيقَته وَهِي وجوده واذا كَانَ الْمَخْلُوق الْمعِين وجوده الَّذِي فِي الْخَارِج هُوَ نفس ذَاته وَحَقِيقَته وماهيته الَّتِي فِي الْخَارِج لَيْسَ فِيهِ من الْخَارِج شَيْئَانِ فالخالق تَعَالَى أولى أَن تكون حَقِيقَته هِيَ وجوده الثَّابِت الَّذِي لَا يشركهُ فِيهِ أحد وَهُوَ نفس ماهيته الَّتِي هِيَ حَقِيقَته الثابته فِي نفس الْأَمر وَلَو قدر أَن الْوُجُود الْمُشْتَرك بَين الْوَاجِب والممكن مَوْجُود فيهمَا فِي الْخَارِج وَأَن الجوانية الْمُشْتَركَة هِيَ بِعَينهَا فِي النَّاطِق والأعجم كَأَن يُمَيّز أَحدهمَا عَن الآخر بِوُجُود خَاص كَمَا يتَمَيَّز الانسان بحيوانية تخصه وكما ان السوَاد وَالْبَيَاض اذا اشْتَركَا فِي مُسَمّى اللَّوْن تميز أَحدهمَا بلونه الْخَاص عَن الآخر وَهَؤُلَاء
стр. 702
لضالون يجْعَلُونَ الْوَاحِد اثْنَيْنِ والاثنين وَاحِدًا فيجعلون هَذِه الصّفة هِيَ هَذِه الصّفة ويجعلون الصّفة هِيَ الْمَوْصُوف فيجعلون الِاثْنَيْنِ وَاحِدًا كَمَا قَالُوا إِن الْعلم هُوَ الْقُدْرَة وَهُوَ الْإِرَادَة وَالْعلم هُوَ الْعَالم ويجعلون الْوَاحِد اثْنَيْنِ كَمَا يجْعَلُونَ الشَّيْء الْمعِين الَّذِي هُوَ هَذَا الانسان هُوَ عدَّة جَوَاهِر انسان وحيوان وناطق وحساس ومتحرك بالارادة ويجعلون كلا من هَذِه الْجَوَاهِر غير الآخر وَمَعْلُوم انه جَوْهَر وَاحِد لَهُ صِفَات مُتعَدِّدَة وكما يفرقون بَين الْمَادَّة وَالصُّورَة ويجعلونهما جوهرين عقليين قَائِمين بأنفسهما وانما الْمَعْقُول هُوَ قيام الصِّفَات بالموصوفات والأعراض بالجواهر كالصورة الصناعية مثل صُورَة الْخَاتم وَالدِّرْهَم والسرير وَالثَّوْب فانه عرض قَائِم بجوهر هُوَ الْفضة والخشب والغزل وَكَذَلِكَ الِاتِّصَال والانفصال قائمان بِمحل هُوَ الْجِسْم وَهَكَذَا يجْعَلُونَ الصُّورَة الذهنية ثَابِتَة فِي الْخَارِج كَقَوْلِهِم فِي المجردات المفارقات للمادة وَلَيْسَ مَعَهم مَا يثبت أَنه مفارق لَا النَّفس الناطقة اذا فَارَقت الْبدن بِالْمَوْتِ والمجردات هِيَ الكليات الَّتِي تجردها النَّفس من الاعيان المشخصة فَيرجع الامر الى النَّفس وَمَا يقوم بهَا ويجعلون الْمَوْجُود فِي الْخَارِج فِي الذِّهْن كَمَا يجْعَلُونَ الْوُجُود الْوَاجِب هُوَ الْوُجُود الْمُطلق فَهَذِهِ الْأُمُور من أصُول ضلالهم حَيْثُ جعلُوا مَا فِي الْخَارِج فِي الذِّهْن وَلزِمَ من ذَلِك أَن يجْعَلُوا الثَّابِت منتفيا والمنتفي ثَابتا فَهَذِهِ الْأُمُور من أَجنَاس ضلالهم وَهَذَا كُله مَبْسُوط فِي غيرهذا الْموضع انْتهى كَلَامه
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... حَتَّى اتى من ارْض امدا خرا ... ثَوْر كَبِير بل حقير الشان ...
стр. 703
.. قَالَ الصَّوَاب الْوَقْف فِي ذَا كُله ... وَالشَّكّ فِيهِ ظَاهر التِّبْيَان
هَذَا قصارى بَحثه وعلومه ... إِن شكّ فِي الله الْعَظِيم الشان ...
الْآمِدِيّ هُوَ أَبُو الْحسن عَليّ بن عَليّ بن مُحَمَّد بن سَالم الثَّعْلَبِيّ سيف الدّين ولد بآمد سنة ٥٥١ قَرَأَ على مَشَايِخ بَلَده القراآت وَحفظ كتابا على مَذْهَب احْمَد بن حَنْبَل وَبَقِي على ذَلِك مُدَّة فَكَانَ فِي أول اشْتِغَاله حنبلي الْمَذْهَب انْتقل الى مَذْهَب الشَّافِعِي ثمَّ رَحل الى الْعرَاق وَأقَام فِي الطّلب مُدَّة بِبَغْدَاد وَحصل علم الجدل وَالْخلاف والمناظرة ثمَّ انْتقل الى الشَّام واشتغل بفنون الْمَعْقُول وَحفظ مِنْهُ الْكثير وتمهر فِيهِ وَلم يكن فِي زَمَانه أحفظ مِنْهُ لهَذِهِ الْعُلُوم وصنف فِي أصُول الدّين والمنطق وَالْحكمَة وَالْخلاف وكل تصانيفه مفيدة وَكَانَ قد أَخذ عُلُوم الاوائل من نَصَارَى الكرخ ويهودها فاتهم لذَلِك فِي عقيدته ففر الى مصر خوفًا من الْفُقَهَاء سنة ٥٩٣ وناظر بهَا وحاضر واظهر تصانيف فِي عُلُوم الْأَوَائِل تعصبوا عَلَيْهِ فَخرج من الْقَاهِرَة مستخفيا ثمَّ استوطن حماة أَو دمشق وَتَوَلَّى بهَا التدريس وَمَات فِيهَا سنة ٦٣١ وَمن مصنفاته الماهر فِي عُلُوم الْأَوَائِل والأواخر خمس مجلدات وَكتب أبكار الأفكار فِي أصُول الدّين أَربع مجلدات وَكتاب دقائق الْحَقَائِق فِي الفلسفة وَقد دفن فِي سفح قاسيون وَكَانَت وِلَادَته سنة ٥٥١ والآمدي نِسْبَة الى آمد وَهِي مَدِينَة كَبِيرَة فِي ديار بكر مجاورة لبلاد الرّوم
قَوْله آخرا هُوَ بِكَسْر الْخَاء أَي آخر الْأَمر أَي أَن الْآمِدِيّ قوتف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَلم اطلع انا على كَلَامه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَالله أعلم
стр. 704
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي أَحْكَام هَذِه التراكيب السِّتَّة
... فالأولان حَقِيقَة التَّرْكِيب لَا ... تعدوهما فِي اللَّفْظ والأذهان
وَكَذَلِكَ الْأَعْيَان أَيْضا إِنَّمَا التَّرْكِيب فِيهَا ذَانك النوعان ...
أَي الْأَوَّلَانِ اللَّذَان هما تركيب الامتزاج والاختلاط وتركيب الْجواد أَي التَّرْكِيب حَقِيقَة فِي هذَيْن النَّوْعَيْنِ ...
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... والأوسطان هما اللَّذَان تنَازع الْعُقَلَاء فِي تركيب ذِي الجثمان
وَلَهُم أقاويل ثَلَاث قد حكيناها وَبينا أتم بَيَان ...
وَلَهُم أقاويل ثَلَاث قد حكيناها وبيناها أتم بَيَان أَي التَّرْكِيب من الْجَوَاهِر المنفردة وَمن الْمَادَّة وَالصُّورَة ... والآخران هما اللَّذَان عَلَيْهِمَا ... دارت رحى الْحَرْب الَّتِي تريان ... أَنْتُم جعلتم وَصفه سُبْحَانَهُ ... بعلوه من فَوق ذِي الأكوان
وَصِفَاته الْعليا الَّتِي ثبتَتْ لَهُ ... بِالنَّقْلِ والمعقول ذِي الْبُرْهَان
من جملَة التَّرْكِيب ثمَّ نفيتم ... مضمونها من غير مَا برهَان ...
стр. 705
.. فجعلتم الْمرقاة للتعطيل هَذَا الِاصْطِلَاح وَذَا من الْعدوان ... لَكِن إِذا قيل اصْطِلَاح حَادث ... لَا حجر فِي هَذَا على إِنْسَان
فَنَقُول نفيكم بِهَذَا الِاصْطِلَاح صِفَاته هُوَ أبطل الْبطلَان ... وكذاك نفيكم بِهِ لعلوه ... فَوق السَّمَاء وَفَوق كل مَكَان ... وكذاك نفيكم بِهِ لكَلَامه ... بِالْوَحْي كالتوراة وَالْقُرْآن
وكذك نفيكم لرؤيتنا لَهُ ... يَوْم الْمعَاد كَمَا يرى القمران
وكذاك نفيكم لسَائِر مَا أَتَى ... فِي النَّقْل من وصف بِغَيْر معَان
كالوجه وَالْيَد والاصابع وَالَّذِي ... أبدا يسوؤكم بِلَا كتمان
وبودكم لَو لم يقلهُ رَبنَا ... وَرَسُوله الْمَبْعُوث بالبرهان
وبودكم وَالله لما قَالَه ... أَن لَيْسَ يدْخل مسمع الانسان
قَامَ الدَّلِيل على استناد الْكَوْن أجمعه الى خلاقه الرَّحْمَن ... مَا قَامَ قطّ على انْتِفَاء صِفَاته ... وعلوه من فَوق ذِي الأكوان ... هُوَ وَاحِد فِي وَصفه وعلوه ... ماللورى رب سواهُ ثَان
فلأي معنى يجحدون علوه ... وَصِفَاته بالفشر والهذيان
هَذَا وَمَا الْمَحْذُور الا إِن يقا ... ل مَعَ الْإِلَه لنا إِلَه ثَان
أَو أَن يعطل عَن صِفَات كَمَاله ... هَذَانِ محذوران محظوران
أما إِذا مَا قيل رب وَاحِد ... أَوْصَافه أربت على الحسبان ...
стр. 706
.. وَهُوَ الْقَدِيم فَلم يزل بصفاته ... متوحدا بل دَائِم الْإِحْسَان ...
أَي لَا مَحْذُور فِي إِثْبَات صِفَات الْكَمَال لله سُبْحَانَهُ وَإنَّهُ وَاحِد لم يزل بصفاته إِلَهًا وَاحِدًا وانما الْمَحْذُور أَن يَجْعَل مَعَ الله إِلَه آخر وتعطل صِفَات كَمَاله فهذان كَمَا قَالَ النَّاظِم محذوران محظوران
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... فَبِأَي برهَان نفيتم ذَا وقلتم لَيْسَ هَذَا قطّ فِي الامكان
فلئن زعمتم انه نقص فَذا ... بهت فَمَا فِي ذَاك من نُقْصَان ... النَّقْص فِي أَمريْن سلب كَمَاله ... أَو شركه بِالْوَاحِدِ الرَّحْمَن ... أتكون أَوْصَاف الْكَمَال نقيصة ... فِي أَي عقل ذَاك أم قُرْآن
إِن الْكَمَال بِكَثْرَة الْأَوْصَاف لَا ... فِي سلبها ذَا وَاضح الْبُرْهَان
مَا النَّقْص غير السَّلب حسب وكل نقص أَصله سلب هَذَا وَاضح التِّبْيَان ... فالجهل سلب الْعلم وَهُوَ نقيصة ... وَالظُّلم سلب الْعدْل والاحسان ... متنقص الرَّحْمَن سالب وَصفه ... حَقًا تَعَالَى الله عَن نُقْصَان
وَكَذَا الثَّنَاء عَلَيْهِ ذكر صِفَاته ... وَالْحَمْد والتمجيد كل اوان
ولذاك أعلم خلقه أدراهم ... بصفاته من جَاءَ بِالْقُرْآنِ
وَله صِفَات لَيْسَ يحصيها سوا ... هـ من مَلَائِكَة وَلَا انسان
ولذاك يثني فِي الْقِيَامَة سَاجِدا ... لما يرَاهُ الْمُصْطَفى بعيان ...
стр. 707
.. بثناء حمد لم يكن فِي هَذِه الدُّنْيَا ليحصيه مدى الازمان ... وثناؤه بصفاته لَا بالسلو ... ب كَمَا يَقُول العادم الْعرْفَان ...
حَاصِل هَذِه الأبيات أَنكُمْ أَيهَا المعطلة لماذا نقيتم الصِّفَات فان زعمتم انها نقص فَهَذَا كذب وبهت وانما النَّقْص فِي امرين إِمَّا سلب الْكَمَال أون إِثْبَات شريك لله تَعَالَى وَأما أَوْصَاف الْكَمَال فحاشا أَن تكون نقصا والكمال بِكَثْرَة الْأَوْصَاف لَا فِي سلبها اذ السَّلب الْمَحْض لَا كَمَال فِيهِ الا إِذا تضمن تَنْزِيها عَن نقص كَمَا فِي سلب النّوم وَالسّنة واللغوب والطعم عَنهُ تَعَالَى وتقدس
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... وَالْعقل دلّ على انْتِهَاء الْكَوْن أجمعه الى رب عَظِيم الشان
وَثُبُوت أَوْصَاف الْكَمَال لذاته ... لَا يَقْتَضِي إبِْطَال ذَا الْبُرْهَان
والكون يشْهد أَن خالقه تعا ... لى ذُو الْكَمَال ودائم السُّلْطَان
وكذاك يشْهد أَنه سُبْحَانَهُ فَوق الْوُجُود وَفَوق كل مَكَان ... وكذاك يشْهد أَنه سُبْحَانَهُ المعبود لَا شَيْء من الاكوان
وكذاك يشْهد أَنه سُبْحَانَهُ ... ذُو حِكْمَة فِي غَايَة الاتقان
وكذاك يشْهد أَنه ذُو قدرَة ... حَيّ عليم دَائِم الاحسان
وكذاك يشْهد أَنه الفعال حَقًا كل يَوْم رَبنَا فِي شان ... وكذاك يشْهد أَنه الْمُخْتَار فِي ... أَفعاله حَقًا بِلَا نكران ...
стр. 708
.. وكذاك يشْهد أَنه الْحَيّ الَّذِي ... مَا للممات عَلَيْهِ من سُلْطَان ... وكذاك يشْهد انه القيوم قا ... م بِنَفسِهِ ومقيم ذِي الأكوان
وكذاك يشْهد أَنه وَرَحْمَة ... وَإِرَادَة ومحبة وحنان
وكذاك يشْهد أَنه سُبْحَانَهُ ... مُتَكَلم بِالْوَحْي وَالْقُرْآن
وكذاك يشْهد أَنه سُبْحَانَهُ الخلاق باعث هَذِه الْأَبدَان ... لَا تجعلوه شَاهدا بالزور والتعطيل تِلْكَ شَهَادَة الْبطلَان
واذا تَأَمَّلت الْوُجُود رَأَيْته ... إِن لم تكن من زمرة العميان
بِشَهَادَة الاثبات حَقًا قَائِم ... لله لَا بِشَهَادَة النكران
وكذاك رسل الله شاهدة بِهِ ... أَيْضا فسل عَنْهُم عليم زمَان
وكذاك كتب الله شاهدة بِهِ ... أَيْضا فَهَذَا مُحكم الْقُرْآن
وَكَذَلِكَ الْفطر الَّتِي مَا غيرت ... عَن أصل خلقتها بِأَمْر ثَان
وَكَذَا الْعُقُول المستنيرات الَّتِي ... فِيهَا مصابيح الْهدى الرباني
أَتَرَوْنَ أَنا تاركو ذَا كُله ... لشهادة الجهمي واليونان
هذي الشُّهُود فان طلبتم شَاهدا ... من غَيرهَا سيقوم بعد زمَان
إِذْ ينجلي هَذَا الْغُبَار فَيظْهر الْحق الْمُبين مشاهدا بعيان ...
هَذِه الابيات وَاضِحَة بِحَمْد الله
стр. 709
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... فاذا نفيتم ذَا وقلتم إِنَّه ... ملزوم تركيب فَمن يلحاني ... إِن قلت لَا عقل وَلَا سمع لكم ... وصرخت فِيمَا بَيْنكُم بِأَذَان
هَل يَجْعَل الْمَلْزُوم عين اللَّازِم الْمَنْفِيّ هَذَا بَين الْبطلَان ... فالشيء لَيْسَ لنَفسِهِ يَنْفِي لَدَى ... عقل سليم يَا ذَوُو الْعرْفَان ... قُلْتُمْ نَفينَا وَصفه وعلوه ... من خشيَة التَّرْكِيب والامكان
لَو كَانَ مَوْصُوفا لَكَانَ مركبا ... فالوصف والتركيب متحدان
أَو كَانَ فَوق الْعَرْش كَانَ مركبا ... فالفوق والتركيب متفقان
فنفيتم التَّرْكِيب بالتركيب مَعَ ... تَغْيِير إِحْدَى اللفظتين بثان
بل صُورَة الْبُرْهَان أصبح شكلها ... شكلا عقيما لَيْسَ ذَا برهَان
فاذا جعلتم لَفْظَة التَّرْكِيب بِالْمَعْنَى الصَّحِيح امارة الْبطلَان ... جِئْنَا الى الْمَعْنى فخلصناه مِنْهَا واطرحناها اطراح مهان
هِيَ لَفْظَة مقبوحة بدعية ... مذمومة منا بِكُل لِسَان
وَاللَّفْظ بِالتَّوْحِيدِ نجعله مكا ... ن اللَّفْظ بالتركيب فِي التِّبْيَان
وَاللَّفْظ بِالتَّوْحِيدِ اولى بالصفا ... ت وبالعلو لمن لَهُ أذنان ...
стр. 710
.. هَذَا هُوَ التَّوْحِيد عِنْد الرُّسُل لَا ... أَصْحَاب جهم شيعَة الكفران ...
أَي ان الفلاسفة والجهمية يَقُولُونَ إِن اثبات الصِّفَات يلْزم مِنْهُ التَّرْكِيب
قَالَ النَّاظِم فاذا نفيتم الصِّفَات وقلتم إِنَّه ملزوم التَّرْكِيب فَكيف تَجْعَلُونَ الْمَلْزُوم الَّذِي هُوَ أثبات الصِّفَات عين اللَّازِم الَّذِي هُوَ إِثْبَات الصِّفَات فَصَارَ الْمَعْنى إِثْبَات الصِّفَات يسْتَلْزم إِثْبَات الصِّفَات فَيجب نَفسه فهم على هَذَا نفوا التَّرْكِيب بالتركيب فاذا نفوا التَّرْكِيب بِكَوْنِهِ تركيبا فَفِيهِ إبِْطَال الشَّيْء بِنَفسِهِ وَهُوَ محَال فان الشَّيْء لَا يَنْفِيه عينه
قَالَ النَّاظِم
بل صُورَة الْبُرْهَان أصبح شكلها ... شكلا عقيما لَيْسَ ذَا برهَان ...
وَحَاصِل مَا ابطلوا بِهِ إِثْبَات الصِّفَات بِأَن الْمَعْنى لَو كَانَ مَوْصُوفا لَكَانَ مَوْصُوفا فَتَأمل قَوْله فاذا جعلتم لَفْظَة التَّرْكِيب الخ أَي إِذا جعلتم لَفْظَة التَّرْكِيب إِمَارَة الْبطلَان خلصنا الْمَعْنى الصَّحِيح مِنْهَا واطرحنا تِلْكَ اللَّفْظَة وَهِي لَفْظَة التَّرْكِيب لِأَنَّهَا لَفْظَة مقبوحة بدعية مذمومة وأبدلنا وَكَأَنَّهَا التَّوْحِيد لِأَنَّهُ أولى بِالصِّفَاتِ وبالعلو وَهَذَا هُوَ التَّوْحِيد عِنْد الرُّسُل وأتباعهم لَا أَصْحَاب جَهَنَّم شيعَة الكفران وَالله أعلم
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي أَقسَام التَّوْحِيد وَالْفرق بَين تَوْحِيد الْمُرْسلين وتوحيد النفاة المعطلين ... فاسمع إِذا أَنْوَاعه هِيَ خَمْسَة
قد حصلت أقسامها بِبَيَان ...
стр. 711
.. تَوْحِيد أَتبَاع ابْن سينا وَهُوَ مَنْسُوب لآرسطو من اليونان
مَا للاله لديهم مَاهِيَّة ... غير الْوُجُود الْمُطلق الواجدان
مسلوب أَوْصَاف الْكَمَال جَمِيعهَا ... لَكِن وجود حسب لَيْسَ بفان
مَا أَن لَهُ ذَات سوى نفس الوجو ... د الْمُطلق المسلوب كل معَان
فلذاك لاسمع ولابصر وَلَا ... علم ولاقول من الرَّحْمَن
ولذاك قَالُوا لَيْسَ ثمَّ مَشِيئَته ... وَإِرَادَة لوُجُود ذِي الأكوان
بل تِلْكَ لَازِمَة لَهُ بِالذَّاتِ لم ... تنفك عَنهُ قطّ فِي الْأَزْمَان
مَا اخْتَار شَيْئا قطّ يَفْعَله وَلَا هَذَا لَهُ أبدا بِذِي إِمْكَان ... وبنوا على هَذَا اسْتِحَالَة خرق ذَا الأفلاك يَوْم قِيَامَة الْأَبدَان
ولذاك قَالُوا لَيْسَ يعلم قطّ شَيْئا مَا من الْمَوْجُود فِي الْأَعْيَان ... لَا يعلم الأفلاك كم أعدادها ... وَكَذَا النُّجُوم وذانك القمران ... بل لَيْسَ يسمع صَوت كل مصوت ... كلا وَلَيْسَ يرَاهُ رَأْي عيان
بل لَيْسَ يعلم حَالَة الانسان تَفْصِيلًا من الطَّاعَات والعصيان ... كلا وَلَا علم لَهُ بتساقط الأوراق أَو بمنابت الأغصان
علما على التَّفْصِيل هَذَا عِنْدهم ... عين الْمحَال ولازم الامكان
بل نفس آدم عِنْدهم عين المحا ... ل وَلم يكن فِي سالف الْأَزْمَان ...
стр. 712
.. مَا زَالَ نوع النَّاس مَوْجُودا وَلَا ... ينفى كَذَاك الدَّهْر والملوان
هَذَا هُوَ التَّوْحِيد عِنْد فريقهم ... مثل ابْن سينا والنصير الثَّانِي
قَالُوا وألجأنا الى ذَا خشيَة التَّرْكِيب والتجسيم ذِي الْبطلَان ... ولذاك قُلْنَا مَاله سمع وَلَا ... بصر وَلَا علم فَكيف يدان
وكذاك قُلْنَا لَيْسَ فَوق الْعَرْش إِلَّا المستحيل وَلَيْسَ ذَا إِمْكَان ... جسم على جسم كلا الجسمين مَحْدُود يكون كِلَاهُمَا صنْوَان
فبذاك حَقًا صَرَّحُوا فِي كتبهمْ ... وهم الفحول أَئِمَّة الكفران
لَيْسُوا مخانيث الْوُجُود فَلَا إِلَى الكفران ينحازوا وَلَا الْإِيمَان ... والشرك عِنْدهم ثُبُوت الذَّات والأوصاف إِذْ يبْقى هُنَاكَ اثْنَان
غير الْوُجُود فَصَارَ ثمَّ ثَلَاثَة ... فَلِذَا نَفينَا اثْنَيْنِ بالبرهان
نفي الْوُجُود فَلَا يُضَاف اليه شَيْء ... غَيره فَيصير ذَا إِمْكَان ...
قَالَ النَّاظِم فِي الصَّوَاعِق فِي بَيَان تَوْحِيد الفلاسفة هُوَ إِنْكَار مَاهِيَّة الرب الزَّائِد على وجوده وإنكار صِفَات كَمَاله وَأَنه لَا سمع لَهُ وَلَا بصر وَلَا قدرَة وَلَا حَيَاة وَلَا ارادة وَلَا كَلَام وَلَا وَجه وَلَا يدين وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنيانِ يتَمَيَّز احدهما عَن الآخر الْبَتَّةَ قَالُوا لانه لَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ مركبا وَكَانَ جسما مؤلفا وَلم يكن وَاحِدًا من كل وَجه فجعلوه من جنس الْجَوْهَر الْفَرد الَّذِي لَا يحس وَلَا يرى
стр. 713
وَلَا يتَمَيَّز مِنْهُ جَانب عَن جَانب بل الْجَوْهَر الْفَرد يُمكن وجوده وَهَذَا الْوَاحِد الَّذِي جَعَلُوهُ حَقِيقَة رب الْعَالمين يَسْتَحِيل وجوده وَقَالُوا لَو كَانَ لَهُ صفة اَوْ كَلَام أَو مَشِيئَة أَو علم أَو حَيَاة أَو قدرَة أَو سمع أَو بصر لم يكن وَاحِدًا وَكَانَ مركبا مؤلفا فسموا أعظم التعطيل بِأَحْسَن الْأَسْمَاء وَهُوَ التَّوْحِيد وَسموا أصح الْأَشْيَاء وأحقها بالثبوت وَهُوَ صِفَات الرب بأقبح الْأَسْمَاء وَهُوَ التَّرْكِيب والتأليف فتولد من بَين هَذِه التَّسْمِيَة الصَّحِيحَة للمعنى الْبَاطِل جحد حقائق أَسمَاء الرب وَصِفَاته بل وَجحد ماهيته وذاته وَتَكْذيب رسله وَنَشَأ من نَشأ على اصطلاحهم مَعَ إعراضه عَن استفادة الْهدى وَالْحق من الْوَحْي فَلم يعرف سوى الْبَاطِل الَّذِي اصْطَلحُوا عَلَيْهِ فجعلوه أصلا لدينِهِ فَلَمَّا رأى مَا جَاءَت بِهِ الرُّسُل بعارضه قَالَ إِذا تعَارض الْعقل وَالنَّقْل قدم الْعقل انْتهى كَلَامه
قَوْله بل نفس آدم عِنْدهم عين الْمحَال أَي أَن نوع الانسان لم يزل وَلَا يزَال فَلَا بداية لَهُ وَلَا نِهَايَة فَلم يُوجد آدم فضلا عَن أَن يكون النَّوْع الانساني نَسْلًا لَهُ
قَوْله والشرك عِنْدهم ثُبُوت الذَّات والأوصاف الخ أَي أَنهم يَقُولُونَ إِذا أثبتنا ذاتا وصفات ووجودا لزم التَّرْكِيب فَلهَذَا نَفينَا اثْنَيْنِ بالبرهان فَيبقى الْوُجُود فَقَط فوجود الرب عِنْدهم وجود مُطلق كَمَا تقدم ذَلِك فِي كَلَام النَّاظِم وَالله أعلم
стр. 714
فصل
فِي النَّوْع الثَّانِي من أَنْوَاع التَّوْحِيد لأهل الالحاد
... هَذَا وَثَانِيها فتوحيد ابْن سبعين وشيعته أولي الْبُهْتَان ... كل اتحادي خَبِيث عِنْده ... معبوده موطوؤه الحقان ... توحيدهم إِن الْإِلَه هُوَ الوجو ... د الْمُطلق المثبوت فِي الْأَعْيَان
هُوَ عينهَا لَا غير هَا مَا هَاهُنَا ... رب وَعبد كَيفَ يفترقان
لَكِن وهم العَبْد ثمَّ خياله فِي ذِي الْمظَاهر ظَاهر دَائِما يلجان ... فلذاك حكمهمَا عَلَيْهِ نَافِذ ... فَابْن الطبيعة ظَاهر النُّقْصَان ... فاذا تجرد علمه عَن حسه ... وخياله بل ثمَّ تجريدان
تجريده عَن عقله أَيْضا فان الْعقل لَا يُدْنِيه من ذَا الشان ... بل يخرق الْحجب الكثيفة كلهَا ... وهما وحسا ثمَّ عقل وان ... فالوهم مِنْهُ وحسه وخياله ... وَالْعلم والمعقول فِي الاذهان
حجب على ذَا الشان فاخرقها والا ... كنت محجوبا عَن الْعرْفَان
هداوأكثفها حجاب الْحس والمعقول ذَانك صَاحب الْفرْقَان ... فهناك صرت موحدا حَقًا ترى ... هَذَا الْوُجُود حَقِيقَة الديَّان ...
стр. 715
.. والشرك عِنْدهم فتنويع الوجو ... د وَقَوْلنَا إِن الْوُجُود اثْنَان ... وَاحْتج يَوْمًا بِالْكتاب عَلَيْهِم ... شخص فَقَالُوا الشّرك فِي الْقُرْآن
لكنما التَّوْحِيد عِنْد الْقَائِلين بالاتحاد فهم اولو الْعرْفَان ... رب وَعبد كَيفَ ذَاك وانما ال ... مَوْجُود فَرد مَاله من ثَان ...
هَذَا هُوَ النَّوْع الثَّانِي من انواع التَّوْحِيد للملحدين وَهُوَ تَوْحِيد الوجودية الْقَائِلين بوحدة الْوُجُود لعنهم الله تَعَالَى وَقد بَينا مذاهبهم عِنْد ذكر ركبهمْ فِي اول هَذَا النّظم ونشير الى ذَلِك هُنَا بعض الاشارة فالتوحيد عِنْدهم كَمَا قَالَ النَّاظِم إِن الاله هُوَ الْوُجُود الْمُطلق الثُّبُوت فِي الْأَعْيَان وَإنَّهُ عينهَا لَا غَيرهَا وَإنَّهُ لَيْسَ ثمَّ عبد وَرب بل الرب هُوَ العَبْد وَالْعَبْد هُوَ الرب كَمَا قَالَ صَاحب الفتوحات المكية فِي أَولهَا ... الرب حق وَالْعَبْد حق ... ياليت شعري من الْمُكَلف ... إِن قلت عبد فَذَاك ميت ... أَو قلت رب أَنى يُكَلف ...
قَالُوا وَلَكِن الْوَهم والخيال يلجآن دَائِما فِي الْمظَاهر فاذا تجرد الانسان عَن الْعلم وَالْعقل والحس وَالوهم والخيال حصل لَهُ هَذَا الْعرْفَان وأكثفها حجاب الْحس والمعقول فاذا خرق هَذِه الْحجب صَار موحدا حَقًا يرى هَذَا الْوُجُود حَقِيقَة الديَّان تَعَالَى الله عَن إفْك الزائغين والملحدين علوا كَبِيرا
قَوْله وَاحْتج يَوْمًا بِالْكتاب عَلَيْهِم الخ الَّذِي قَالَ هَذَا الْكَلَام هُوَ
стр. 716
الْعَفِيف التلمساني لَعنه الله تَعَالَى فقد ذكر شيخ الاسلام والذهبي وَغَيرهمَا عَنهُ أَنه لما قَرَأَ الفصوص قيل لَهُ الْقُرْآن يُخَالف فصوصكم فَقَالَ الْقُرْآن كُله شرك وَإِنَّمَا التَّوْحِيد فِي كلامنا فَقيل لَهُ فَمَا بَال نِكَاح الْبِنْت وَالْأُخْت وَالأُم حرَام فَقَالَ هُوَ عندنَا حَلَال وَلَكِن هَؤُلَاءِ المحجوبون قَالُوا حرَام فَقُلْنَا حرَام عَلَيْكُم نَعُوذ بِاللَّه من مُوجبَات غَضَبه وأليم عِقَابه والشرك عِنْد هَؤُلَاءِ هُوَ تنويع الْوُجُود وَأَن قَالَ الْوُجُود اثْنَان
فصل
فِي النَّوْع الثَّالِث من أَنْوَاع التَّوْحِيد لأهل الالحاد
... هَذَا وَثَالِثهَا هُوَ التَّوْحِيد عِنْد الجهم تَعْطِيل بِلَا إِيمَان ... نفي الصِّفَات مَعَ الْعُلُوّ كَذَاك نفي كَلَامه بِالْوَحْي وَالْقُرْآن
فالعرش لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء بتة ... لكنه خلو من الرَّحْمَن
مَا فَوْقه رب يطاع وَلَا عَلَيْهِ للورى من خَالق رَحْمَن ... بل حَظّ عرش الرب عِنْد فريقهم ... مِنْهُ كحظ الْأَسْفَل التحتاني ... فَهُوَ الْمُعَطل عَن نعوت كَمَاله ... وَعَن الْكَلَام وَعَن جَمِيع معَان
وَانْظُر الى مَا قد حكينا عَنهُ فِي ... مبدأ القصيد حِكَايَة التِّبْيَان ...
стр. 717
.. هَذَا هُوَ التَّوْحِيد عِنْد فريقهم ... تلو الفحول مقدمي الْبُهْتَان
والشرك عِنْدهم فاثبات الصَّفَا ... ت لربنا وَنِهَايَة الكفران
إِن كَانَ شركا ذَا وكل الرُّسُل قد ... جاؤوا بِهِ يَا خيبة الانسان ...
هَذَا وَثَالِثهَا هُوَ التَّوْحِيد عِنْد الجهم تَعْطِيل بِلَا إِيمَان
وَقد تقدم شرح مَذْهَبهم وَأَتْبَاعه فِي الصِّفَات والعلو وَالْقُرْآن مِمَّا أغْنى عَن إِعَادَته فِي اول هَذَا النّظم
فصل
فِي النَّوْع الرَّابِع من أَنْوَاعه
... هَذَا وَرَابِعهَا فتوحيد لَدَى ... جبريهم هُوَ غَايَة الْعرْفَان
العَبْد ميت مَاله فعل وَلَكِن مَا ترى هُوَ فعل ذِي السُّلْطَان ... وَالله فَاعل فعلنَا من طَاعَة ... وَمن الفسوق وَسَائِر الْعِصْيَان ... هِيَ فعل رب الْعَالمين حَقِيقَة ... لَيست بِفعل قطّ للْإنْسَان
فَالْعَبْد ميت وَهُوَ مجبور على ... أَفعاله كالميت فِي الأكفان
وَهُوَ الملوم على فعال إلهه ... فِيهِ وداخل جاحم النيرَان
يَا ويحة الْمِسْكِين مظلوم يرى ... فِي صُورَة العَبْد الظلوم الْجَانِي
لَكِن نقُول بِأَنَّهُ هُوَ ظَالِم ... فِي نَفسه أدبا مَعَ الرَّحْمَن ...
стр. 718
.. هَذَا هُوَ التَّوْحِيد عِنْد فريقهم ... من كل جبري خَبِيث جنان
وَالْكل عِنْد غلاتهم طاعاتنا ... مَا ثمَّ فِي التَّحْقِيق من عصيان
والشرك عِنْدهم اعتقادك فَاعِلا ... غير الْإِلَه الْمَالِك الديَّان
فَانْظُر الى التَّوْحِيد عِنْد الْقَوْم مَا ... فِيهِ من الْإِشْرَاك والكفران
مَا عِنْدهم وَالله شَيْء غَيره ... هاتيك كتبهمْ بِكُل مَكَان
أَتَرَى أَبَا جهل وشيعته رؤوه ... من خَالق ثَان لذِي الأكوان
أم كلهم جمعا أقرُّوا أَنه ... هُوَ وَحده الخلاق للانسان
فاذا ادعيتم أَن هَذَا غَايَة التَّوْحِيد صَار الشّرك ذَا بطلَان ... فَالنَّاس كلهم أقرُّوا أَنه ... هُوَ وَحده الخلاق لَيْسَ اثْنَان ... إِلَّا الْمَجُوس فانهم قَالُوا بِأَن الشّرك خالقه إِلَه ثَان ...
وَقد تقدم الْكَلَام فِي ذَلِك أول هَذَا الشَّرْح بِمَا أغْنى عَن الاعادة
فصل
فِي تَوْحِيد الانبياء وَالْمُرْسلِينَ ومخالفته لتوحيد الْمَلَاحِدَة والمعطلين
... فاسمع إِذا تَوْحِيد رسل الله ثمَّ اجْعَلْهُ دَاخل كفة الْمِيزَان ... مَعَ هَذِه الْأَنْوَاع وَانْظُر أَيهَا ... اولى لَدَى الْمِيزَان بالرجحان ...
стр. 719
.. توحيدهم نَوْعَانِ قولي وفعلي كلا نوعيه ذُو برهَان ... فَالْأول القولي ذُو نَوْعَيْنِ أَيْضا فِي كتاب الله موجودان
إِحْدَاهمَا سلب وَذَا نَوْعَانِ أَيْضا فِي كتاب الله مذكوران ... سلب النقائص والعيوب جَمِيعهَا ... عَنهُ هما نَوْعَانِ معقولان ... سلب لمتصل ومنفصل هما ... نَوْعَانِ معروفان أما الثَّانِي ...
شرع النَّاظِم ﵀ فِي بَيَان تَوْحِيد الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَذكر أَنه نَوْعَانِ قولي وفعلي ثمَّ ذكر أَن القولي نَوْعَانِ أَيْضا فِي الْقُرْآن أَحدهمَا سلب وَهُوَ نَوْعَانِ أَيْضا سلب النقائص والعيوب وَهُوَ نَوْعَانِ أَيْضا أَحدهمَا سلب النقائص والعيوب الْمُتَّصِلَة وَالثَّانِي سلب النقائص والعيوب الْمُنْفَصِلَة وَأَشَارَ بقوله أما الثَّانِي الى سلب النقائص والعيوب الْمُنْفَصِلَة فَقَالَ ... سلب الشَّرِيك مَعَ الظهير مَعَ الشَّفِيع بِدُونِ إِذن الْمَالِك الديَّان ...
وَهَذَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قل ادعوا الَّذين زعمتم من دون الله لَا يملكُونَ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الأَرْض وَمَا لَهُم فيهمَا من شرك وَمَا لَهُ مِنْهُم من ظهير وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة عِنْده إِلَّا لمن أذن لَهُ﴾ سبأ
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... وكذاك سلب الزَّوْج وَالْولد الَّذِي ... نسبوا اليه عابدو الصلبان ... وكذاك نفي الْكَفّ أَيْضا وَالْوَلِيّ ... لنا سوى الرَّحْمَن ذِي الغفران ...
أَي وَمن الْعُيُوب الْمُنْفَصِلَة سلب الزَّوْج عَنهُ تَعَالَى وَالْولد اما نفي الزَّوْج وَالْولد فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَنى يكون لَهُ ولد وَلم تكن لَهُ صَاحِبَة﴾ الْأَنْعَام وَنفي الْوَلَد كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى
стр. 720
﴿وَقَالَت الْيَهُود عُزَيْر ابْن الله وَقَالَت النَّصَارَى الْمَسِيح ابْن الله﴾ الْآيَة التَّوْبَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ الاخلاص واما نفي الْوَلِيّ فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿أم اتَّخذُوا من دونه أَوْلِيَاء فَالله هُوَ الْوَلِيّ﴾ الشورى
ثمَّ أَشَارَ النَّاظِم الى سلب النقائص والعيوب الْمُتَّصِلَة بقوله ... وَالْأول التَّنْزِيه للرحمن عَن ... وصف الْعُيُوب وكل ذِي نُقْصَان ... كالموت والإعياء والتعب الَّذِي ... يَنْفِي اقتدار الْخَالِق المنان
وَالنَّوْم وَالسّنة الَّتِي هِيَ أَصله ... وعزوب شَيْء عَنهُ فِي الأكوان
وَكَذَلِكَ الْعَبَث الَّذِي تنفيه حكمته وَحمد الله ذِي الاتقان ... وكذاك ترك الْخلق إهمالا سدى ... لَا يبعثون الى معاد ثَان ... كلا وَلَا أَمر وَلَا نهي عَلَيْهِم من إِلَه قَادر ديان
... وكذاك ظلم عباده وَهُوَ الْغَنِيّ ... فَمَا لَهُ وَالظُّلم للانسان
وكذاك غفلته تَعَالَى وَهُوَ علام الغيوب فَظَاهر الْبطلَان ... وَكَذَلِكَ النسْيَان جلّ إلهنا ... لَا يَعْتَرِيه قطّ من نِسْيَان ... وكذاك حَاجته الى طعم ورز ... ق وَهُوَ رزاق بِلَا حسبان ...
وَذَلِكَ ظَاهر فِي كتاب الله تَعَالَى أما سلب الْمَوْت فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وتوكل على الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت﴾ الْفرْقَان الْآيَة وَأما الإعياء والتعب فَفِي قَوْله ﴿وَلَقَد خلقنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مسنا من لغوب﴾ فاطر وَهُوَ التَّعَب والاعياء وَأما النّوم وَالسّنة فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم﴾ الْبَقَرَة والعبث كَمَا فِي قَوْله
стр. 721
تَعَالَى ﴿أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم إِلَيْنَا لَا ترجعون﴾ الْمُؤْمِنُونَ واما ترك الْخلق هملا فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى﴾ الْقِيَامَة وَأما نفي الظُّلم فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يظلم النَّاس شَيْئا﴾ يُونُس الْآيَة وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يظلم مِثْقَال ذرة﴾ النِّسَاء وَأما نفي النسْيَان والغفلة فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ رَبك نسيا﴾ مَرْيَم وَأما نفي الطّعْم فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿قل أغير الله أَتَّخِذ وليا فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَهُوَ يطعم وَلَا يطعم﴾ الْأَنْعَام وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خلقت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا ليعبدون مَا أُرِيد مِنْهُم من رزق وَمَا أُرِيد أَن يطْعمُون إِن الله هُوَ الرَّزَّاق ذُو الْقُوَّة المتين﴾ الذاريات
ثمَّ أَشَارَ النَّاظِم إِلَى النَّوْع الثَّانِي من نَوْعي السَّلب فَقَالَ ... هَذَا وَثَانِي نَوْعي السَّلب الَّذِي ... هُوَ أول الْأَنْوَاع فِي الاوزان ...
أَي فِي قَوْله فِي اول الْفَصْل إِحْدَاهمَا سلب وَذَا نَوْعَانِ فَذكر الأول وَهُوَ سلب النقائص والعيوب ثمَّ ذكر الثَّانِي بقوله هَذَا وَثَانِي نَوْعي السَّلب الخ ... تَنْزِيه اوصاف الْكَمَال لَهُ عَن التَّشْبِيه والتمثيل والنكران ... لسنا نشبه وَصفه بصفاتنا ... ان الْمُشبه عَابِد الْأَوْثَان ... كلا وَلَا نخليه من أَوْصَافه ... إِن الْمُعَطل عَابِد الْبُهْتَان
من مثل الله الْعَظِيم بخلقه ... فَهُوَ النسيب لِمُشْرِكٍ نَصْرَانِيّ
أَو عطل الرَّحْمَن من أَوْصَافه ... فَهُوَ الكفور وَلَيْسَ ذَا إِيمَان ...
هَذَا هُوَ الثَّانِي من نَوْعي السَّلب وَهُوَ تَنْزِيه صِفَات الرب تَعَالَى الَّتِي
стр. 722
وصف بهَا نَفسه اَوْ وَصفه بهَا رَسُوله عَن التَّشْبِيه والتمثيل وَعَن التحريف والتعطيل بل ثبتَتْ إِثْبَاتًا بِلَا تَشْبِيه وينزه تَنْزِيها بِلَا تَعْطِيل كَمَا قَالَ نعيم ابْن حَمَّاد الْخُزَاعِيّ من شبه الله بخلقه فقد كفر وَمن جحد مَا وصف الله بِهِ نَفسه فقد كفر وَلَيْسَ مَا وصف الله بِهِ نَفسه وَلَا مَا وَصفه رَسُوله بِهِ تَشْبِيها
قَوْله فَهُوَ النسيب الخ قَالَ فِي الْقَامُوس النّسَب وَالنِّسْبَة بِالْكَسْرِ الْقَرَابَة والمناسبة المشاكلة انْتهى وَالْمرَاد هُنَا المشاكلة
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
فِي النَّوْع الثَّانِي من النَّوْع الأول وَهُوَ الثُّبُوت
أَي من نَوْعي التَّوْحِيد القولي الَّذِي ذكره أول الْفَصْل
... هَذَا وَمن توحيدهم إِثْبَات أَو ... صَاف الْكَمَال لربنا الرَّحْمَن
كعلوه سُبْحَانَهُ فَوق السَّمَاوَات العلى بل فَوق كل مَكَان ... فَهُوَ الْعلي بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ ... إِذْ يَسْتَحِيل خلاف ذَا بِبَيَان ... وَهُوَ الَّذِي حَقًا على الْعَرْش اسْتَوَى ... قد قَامَ بِالتَّدْبِيرِ للأكوان
حَيّ مُرِيد قَادر مُتَكَلم ... ذُو رَحْمَة وَإِرَادَة وحنان
هُوَ اول هُوَ آخر هُوَ ظَاهر ... هُوَ بَاطِن هِيَ أَربع بوزان ...
стр. 723
.. مَا قبله شَيْء كَذَا مَا بعده ... شَيْء تَعَالَى ذُو السُّلْطَان
مَا فَوْقه شَيْء كَذَا مَا دونه ... شَيْء وَذَا تَفْسِير ذِي الْبُرْهَان
فَانْظُر الى تَفْسِيره بتدبر ... وتبصر وتعقل لمعان
وَانْظُر إِلَى مَا فِيهِ من أَنْوَاع معرفَة لخالقنا الْعَظِيم الشان ... وَهُوَ الْعلي فَكل أَنْوَاع الْعُلُوّ لَهُ فثابتة لَهُ بِلَا نكران ...
تقدم الْكَلَام على مَعَاني هَذِه الأبيات
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... وَهُوَ الْعَظِيم بِكُل معنى يُوجب التَّعْظِيم لَا يُحْصِيه من إِنْسَان ... وَهُوَ الْجَلِيل فَكل أَوْصَاف الجلا ... ل لَهُ مُحَققَة بِلَا بطلَان ... وَهُوَ الْجَمِيل على الْحَقِيقَة كَيفَ لَا ... وجمال سَائِر هَذِه الأكوان
من بعض آثَار الْجَمِيل فربها ... أولى وأجدر عِنْد ذِي الْعرْفَان
فجماله بِالذَّاتِ والأوصاف وَالْأَفْعَال والأسماء بالبرهان ...
ذكر النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي هَذِه الْفُصُول كثيرا من اسماء الرب سُبْحَانَهُ وَقد أفرد الْعلمَاء للْكَلَام على مَعَانِيهَا مصنفات مَعْرُوفَة ككتاب الْكَلَام على أَسمَاء الله الْحسنى للناظم والأسنى فِي شرح أَسمَاء الله الْحسنى للشَّيْخ أبي عبد الله الْقُرْطُبِيّ وَالْإِمَام ابي حَامِد الْغَزالِيّ وَشرح الْأَسْمَاء الحسني للحليمي وَشرح اسماء الله الْحسنى لأبي حَكِيم ابْن برجان وَشرح اسماء الله الْحسنى لِلْحَافِظِ ابي بكر الْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم
стр. 724
.. لَا شَيْء يشبه ذَاته وَصِفَاته ... سُبْحَانَهُ عَن إفْك ذِي الْبُهْتَان ... وَهُوَ الْمجِيد صِفَاته أَوْصَاف تَعْظِيم فشأن الْوَصْف أعظم شان
وَهُوَ السَّمِيع يرى وَيسمع كل مَا ... فِي الْكَوْن من سر وَمن إعلان
وَلكُل صَوت مِنْهُ سمع حَاضر ... فالسر والإعلان مستويان
والسمع مِنْهُ وَاسع الْأَصْوَات لَا ... يخفى بعيدها والداني
وَهُوَ الْبَصِير يرى دَبِيب النملة السَّوْدَاء تَحت الصخر والصوان ... وَيرى خيانات الْعُيُون بلحظها ... وَيرى كَذَاك تقلب الأجفان
وَهُوَ الْعَلِيم أحَاط علما بِالَّذِي فِي الْكَوْن من سر وَمن اعلان ... وَبِكُل شَيْء علمه سُبْحَانَهُ ... فَهُوَ الْمُحِيط وَلَيْسَ ذَا نِسْيَان ... وكذاك يعلم مَا يكون غَدا وَمَا ... قد كَانَ وَالْمَوْجُود فِي ذَا الْآن
وكذاك أَمر لم يكن لَو كَانَ كَيفَ يكون ذَاك الامر ذَا إِمْكَان ...
فصل ... وَهُوَ الحميد فَكل حمد وَاقع ... أَو كَانَ مَفْرُوضًا مدى الْأَزْمَان ... مَلأ الْوُجُود جمعيه وَنَظِيره ... من غير مَا عدا وَلَا حسبان ... هُوَ أَهله سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ ... كل المحامد وصف ذِي الاحسان ...
стр. 725
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي بَدَائِع الْفَوَائِد تَنْبِيهَات الاول مَا يجْرِي صفة اَوْ خَبرا على الرب ﵎ أَقسَام احدها مَا يرجع الى نفس الذَّات كَقَوْلِك ذَات وَوُجُود وَشَيْء الثَّانِي مَا يرجع الى صِفَات معنوية كالعليم والقدير والسميع والبصير الثَّالِث مَا يرجع إِلَى افعاله نَحْو الْخَالِق والرازق الرَّابِع مَا يرجع الى التَّنْزِيه الْمَحْض وَلَا بُد من تضمنه ثبوتا اذ لَا كَمَال فِي الْعَدَم الْمَحْض كالقدوس السَّلَام الْخَامِس مَا دلّ على جملَة اوصاف عديدة لَا تخْتَص بِصفة مُعينَة بل هُوَ دَال على معَان نَحْو الْمجِيد الْعَظِيم الصَّمد فان الْمجِيد من اتّصف بِصِفَات مُتعَدِّدَة من صِفَات الْكَمَال وَلَفظه يدل على هَذَا فانه مَوْضُوع للسعة وَالْكَثْرَة وَالزِّيَادَة وَمِنْه قَوْلهم فِي كل شَجَرَة نَار واستمجد المرخ والعفار وامجد النَّاقة علفا وَمِنْه رب الْعَرْش الْمجِيد لسعة الْعَرْش وعظمته والعظيم من اتّصف بِصِفَات كَثِيرَة من صِفَات الْكَمَال وَكَذَلِكَ الصَّمد السَّادِس صفة تحصل من اقتراب اُحْدُ الاسمين والوصفين بِالْآخرِ وَذَلِكَ قدر زَائِد على مفرديهما نَحْو الْغَنِيّ الْعَفو الْقَدِير الحميد الْمجِيد وَنَحْو ذَلِك فان الْغَنِيّ من صِفَات الْكَمَال وَالْحَمْد كَذَلِك واجتماع الْغنى مَعَ الْحَمد كَمَال آخر فَلهُ ثَنَاء من غناهُ وثناء من حَمده وثناء من اجْتِمَاعهمَا وَكَذَلِكَ نظائرها وَأما صِفَات السَّلب الْمَحْض فَلَا تدخل فِي أَوْصَافه تَعَالَى الا ان تكون متضمنة لثُبُوت كالأحد المتضمن لسلامته من كل نقص وبراءته من كل مَا يضاد كَمَاله وَكَذَلِكَ الاخبار عَنهُ بالسلوب إِنَّمَا هُوَ لتضمنها ثبوتا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لَا تَأْخُذهُ سنة وَلَا نوم﴾ الْبَقَرَة فانه مُتَضَمّن لكَمَال حَيَاته وقيوميته وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَمَا مسنا من لغوب﴾ فاطر مُتَضَمّن لكَمَال قدرته وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿وَمَا يعزب عَن رَبك من مِثْقَال ذرة فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء﴾
стр. 726
يُونُس مُتَضَمّن لكَمَال علمه ونظائر ذَلِك الثَّانِي يجب ان يعلم مَا يدْخل فِي بَاب الاخبار عَنهُ تَعَالَى أوسع مِمَّا يدْخل فِي بَاب أَسْمَائِهِ وَصِفَاته كالشيء وَالْمَوْجُود والقائم بِنَفسِهِ فان هَذَا يخبر بِهِ عَنهُ وَلَا يدْخل فِي أَسْمَائِهِ الْحسنى وَصِفَاته العلى الثَّالِث اسماؤه الْحسنى اعلام واوصاف فالوصف فِيهَا لَا يُنَافِي العلمية وَهَذَا بِخِلَاف أَوْصَاف الْعباد ثمَّ إِن الِاسْم من أَسْمَائِهِ لَهُ دلالات دلَالَة على الذَّات وَالصّفة بالمطابقة وَدلَالَة على احداهما بالتضمن وَدلَالَة على الصّفة الْأُخْرَى باللزوم ولأسمائه الْحسنى اعتباران احدهما من حَيْثُ الذَّات وَالثَّانِي من حَيْثُ الصِّفَات فَهِيَ بِالِاعْتِبَارِ الأول مترادفة وبالاعتبار الثَّانِي متباينة انْتهى كَلَامه وَهُوَ كَلَام نَفِيس جدا آثرت نَقله لنفاسته
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
... وَهُوَ المكلم عَبده مُوسَى بِتَكْلِيم الْخطاب وَقَبله الأبوان ... كَلِمَاته جلت عَن الاحصاء والتعداد بل عَن حصر ذِي الحسبان
لَو أَن أَشجَار الْبِلَاد جَمِيعهَا ال اقلام تَكْتُبهَا بِكُل بنان ... وَالْبَحْر تلقى فِيهِ سَبْعَة أبحر ... لكتابة الْكَلِمَات كل زمَان ... نفدت وَلم تنفد بهَا كَلِمَاته ... لَيْسَ الْكَلَام من الاله بفان ...
стр. 727
.. وَهُوَ الْقَدِير وَلَيْسَ يعجزه اذا ... مَا رام شَيْئا قطّ ذُو سُلْطَان
وَهُوَ الْقوي لَهُ القوى جمعا تَعَالَى رب ذِي الأكوان والأزمان ... وَهُوَ الْغَنِيّ بِذَاتِهِ فغناه ذَا ... تي لَهُ كالجود والاحسان ... وَهُوَ الْعَزِيز فَلَنْ يرام جنابه ... أَنى يرام جناب ذِي السُّلْطَان
وَهُوَ الْعَزِيز القاهر الغلاب لم ... يغلبه شَيْء هَذِه صفتان
وَهُوَ الْعَزِيز بِقُوَّة هِيَ وَصفه ... فالعز حِينَئِذٍ ثَلَاث معَان
وَهِي الَّتِي كملت لَهُ سُبْحَانَهُ ... من كل وَجه عادم النُّقْصَان ...
قد شرح النَّاظِم ﵀ جَمِيع هَذِه الأبيات فِي نفس النّظم بِمَا هُوَ وَاضح
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
... وَهُوَ الْحَكِيم وَذَاكَ من اوصافه نَوْعَانِ أَيْضا مَا هما عدمان ... حكم واحكام فَكل مِنْهُمَا ... نَوْعَانِ أَيْضا ثَابتا الْبُرْهَان ... وَالْحكم شَرْعِي وكوني وَلَا ... يتلازمان وَمَا هما سيان
بل ذَاك يُوجد دون هَذَا مُفردا ... وَالْعَكْس أَيْضا ثمَّ يَجْتَمِعَانِ
لن يَخْلُو المربوب من إِحْدَاهمَا ... أَو مِنْهُمَا بل لَيْسَ ينتفيان
لكنما الشَّرْعِيّ مَحْبُوب لَهُ ... أبدا وَلنْ يَخْلُو من الأكوان
هُوَ أمره الديني جَاءَت رسله ... بقيامه فِي سَائِر الْأَزْمَان
لكنما الكوني فَهُوَ قَضَاؤُهُ ... فِي خلقه بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان ...
стр. 728
.. هُوَ كُله حق وَعدل ذُو رضى ... والشأن فِي الْمقْضِي كل الشان
فلذاك نرضى بِالْقضَاءِ ونسخط الْمقْضِي حِين يكون بالعصيان ... فَالله يرضى بِالْقضَاءِ ويسخط الْمقْضِي مَا الْأَمْرَانِ متحدان
فقضاؤه صفة بِهِ قَامَت وَمَا الْمقْضِي الا صنعه الْإِنْسَان ... والكون مَحْبُوب ومبغوض لَهُ ... وَكِلَاهُمَا بِمَشِيئَة الرَّحْمَن ... هَذَا الْبَيَان يزِيل لبسا طالما ... هَلَكت عَلَيْهِ النَّاس كل زمَان
وَيحل مَا قد عقدوا بأصولهم ... وبحوثهم فافهمه فهم بَيَان
من وَافق الكوني وَافق سخطه ... أفلم يُوَافق طَاعَة الديَّان
فلذاك لَا يعدوه ذمّ أَو فوا ... ت الْحَمد مَعَ أجر وَمَعَ رضوَان
وموافق الديني لَا يعدوه أجر بل لَهُ عِنْد الصَّوَاب اثْنَان ...
حَاصِل مَا ذكره النَّاظِم فِي هَذِه الأبيات أَن الْحَكِيم من أَوْصَافه سُبْحَانَهُ وان ذَاك نَوْعَانِ احدهما حكم وَالثَّانِي احكام ثمَّ ذكر ان الحكم شَرْعِي وكوني وأنهما لَا يتلازمان وَهَذَا لَا يتمشى على أصُول من يَجْعَل محبَّة الرب وَرضَاهُ ومشيئته وَاحِدَة فان من قَالَ كل مَا شاءه الله تَعَالَى وقضاة فقد أحبه ورضيه لَا يحسن مِنْهُ وَلَا عِنْده هَذَا التَّفْصِيل كَمَا لَا يخفى وَأَيْضًا هَذَا إِنَّمَا يَصح عِنْد من جعل الْقَضَاء غير الْمقْضِي وَالْفِعْل غير الْمَفْعُول وَهُوَ مَذْهَب السّلف وَأما من لم يفرق بَينهمَا فَكيف يَصح هَذَا عِنْده
قَالَ النَّاظِم فِي شرح منَازِل السائرين إِنَّمَا نَشأ الاشكال من جعلهم
стр. 729
الْمَشِيئَة نفس الْمحبَّة ثمَّ زادوه بجعلهم الْفِعْل نفس الْمَفْعُول وَالْقَضَاء عين الْمقْضِي فَنَشَأَ من ذَلِك إلزامهم بِكَوْنِهِ تَعَالَى رَاضِيا محبا لذَلِك وَالْتزم رضاهم بِهِ وَالَّذِي يكْشف هَذِه الْغُمَّة وينجي من هَذِه الورطة التَّفْرِيق بَين مَا فرق الله بَينه وَهُوَ الْمَشِيئَة والمحبة فليسا وَاحِدًا وَلَا هما متلازمان بل قد يَشَاء مَا لَا يُحِبهُ وَيُحب مَا لَا يَشَاء كَونه فَالْأول كمشيئته وجود إِبْلِيس وَجُنُوده ومشيئته الْعَامَّة لجَمِيع مَا فِي الْكَوْن مَعَ بغضه لبعضه وَالثَّانِي كمحبة إِيمَان الْكفَّار وطاعات الْفجار وَعدل الظَّالِمين وتوبة الْفَاسِقين وَلَو شَاءَ ذَلِك لوجد كُله فانه مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن
فَإِذا تقرر هَذَا الأَصْل ان الْفِعْل غير الْمَفْعُول وَالْقَضَاء غير الْمقْضِي وان الله جلّ شَأْنه لم يَأْمر عباده بالرضى بِكُل مَا خلقه وشاءه وَقد زَالَت الشُّبُهَات وانحلت الاشكالات إِذا عرف هَذَا فالرضى بِالْقضَاءِ الديني الشَّرْعِيّ وَاجِب وَهُوَ أساس الاسلام وَقَاعِدَة الايمان فَيجب على العَبْد ان يكون رَاضِيا بِهِ بِلَا حرج وَلَا مُنَازعَة وَلَا مُعَارضَة وَلَا اعْتِرَاض قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ النِّسَاء فأقسم الله تَعَالَى أَنهم لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يحكموا رَسُوله ويرتفع الْحَرج من نُفُوسهم من حكمه ويسلموا لحكمه وَهَذَا حَقِيقَة الرضى بِحكمِهِ فالتحكيم فِي مقَام الاسلام وَانْتِفَاء الْحَرج فِي مقَام الايمان وَالتَّسْلِيم فِي مقَام الاحسان وَمَتى خالطت الْقلب بشاشة الايمان واكتحلت بصيرته بِحَقِيقَة الْيَقِين وحيي بِروح الْوَحْي وتمهدت طَبِيعَته وانقلبت النَّفس الامارة مطمئنة راضية وَادعَة وتلقى الاسلام بصدر منشرح فقد رَضِي كل الرضى بِهَذَا الْقَضَاء المحبوب لله وَرَسُوله انْتهى
стр. 730
.. وَقد أَحْبَبْت ان اذكر هُنَا الأبيات الَّتِي أظهرها بعض الزَّنَادِقَة على لِسَان بعض أهل الذِّمَّة وَبَعض جَوَاب شيخ الاسلام عَنْهَا وَقد ذكرهَا الْحَافِظ مُحَمَّد ابْن عبد الْهَادِي فِي مَنَاقِب الشَّيْخ وَذكرهَا ابْن السُّبْكِيّ فِي طبقاته قَالَ ابْن السُّبْكِيّ فِي تَرْجَمَة الشَّيْخ عَلَاء الدّين الْبَاجِيّ وَلما ظهر السُّؤَال الَّذِي أظهره بعض الْمُعْتَزلَة وكتم اسْمه وَجعله على لِسَان بعض أهل الذِّمَّة وَهُوَ ... أيا عُلَمَاء الدّين ذمِّي دينكُمْ ... تحير دلوه بأوضح حجَّة
إِذا مَا قضى رَبِّي بكفري بزعمكم ... وَلم يرضه مني فَمَا وَجه حيلتي
دَعَاني وسد الْبَاب عني فَهَل إِلَى ... دخولي سَبِيل بينوا لي قضيتي
قضا بضلالي ثمَّ قَالَ ارْض بالقضا ... فَمَا أَنا رَاض بِالَّذِي فِيهِ شقوتي
فَإِن كنت بالمقضي يَا قوم رَاضِيا ... فربي لَا يرضى بشؤم شكيتي
وَهل لي رضى مَا لَيْسَ يرضاه سَيِّدي ... فقد حرت دلوني على كشف حيرتي
إِذا شَاءَ رَبِّي الْكفْر مني مَشِيئَة ... فَهَل أَنا عَاص فِي اتِّبَاع الْمَشِيئَة
وَهل لي اخْتِيَار أَن أُخَالِف حكمه ... فبالله فاشفوا بالبراهين علتي ...
قَالَ أجَاب الشَّيْخ عَلَاء الدّين الْبَاجِيّ الشَّافِعِي فَقَالَ ... أيا عَالما أبدى دَلَائِل حيرة ... يروم اهتداء من أهيل فَضِيلَة
لقد سرني أَن كنت للحق طَالبا ... عَسى نفحة للحق من سحب رَحْمَة
فبالحق نيل الْحق فالجأ بِبَابِهِ ... كَأَهل النهى واترك حبائل حِيلَة
قضى الله قدما بالضلالة وَالْهدى بقدرة فعال بِأَحْكَم حِكْمَة ...
стр. 731
.. إِذا الْعقل بل تحسينه بعض خلقه ... وَلَيْسَ على الخلاق حكم الخليقة ... وأفعالنا من خلقه كذواتنا ... وَمَا فيهمَا خلق لنا بِالْحَقِيقَةِ ... وَلكنه أجْرى على الْخلق خلقه ... دَلِيل على تِلْكَ الْأُمُور الْقَدِيمَة
عرفنَا بِهِ أهل السَّعَادَة والشقا ... كَمَا شاءه فِينَا بمحض الْمَشِيئَة
لِبَاس أَثوَاب جعلن أَمارَة ... على حالتي حب وَسخط لرؤية
تصاريفه فِينَا تصاريف مَالك ... سما عَن سُؤال الكيف والسببية
أمات وأحيى ثمَّ صَار معافيا ... وقبح تَحْسِين الْعُقُول الضعيفة
فَكُن رَاضِيا نفس الْقَضَاء وَلَا تكن ... بمقضي كفر رَاضِيا ذَا خَطِيئَة
وتكليفنا بِالْأَمر وَالنَّهْي قَاطع ... بأعذارنا فِي يَوْم بعث البربة
فَعبر بسد أَو بِفَتْح وعد عَن ... ضَلَالَة تشكيك بأوضح حجَّة
وَقد بَان وَجه الامر وَالنَّهْي وَاضحا ... وَلَا شكّ فِيهِ بل وَلَا وهم شُبْهَة ...
قلت هَذَا الْجَواب مَبْنِيّ على انكار التحسين والتقبيح العقليين كَمَا هُوَ مَذْهَب الأشاعرة وَمن وافقهم من اصحاب أبي حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَأهل الحَدِيث وَغَيرهم
وَأجَاب شيخ الاسلام رَحمَه الله تَعَالَى فَقَالَ ... سؤالك يَا هَذَا سُؤال معاند ... تخاصم رب الْعَرْش باري الْبَريَّة
وَهَذَا سُؤال خَاصم الْمَلأ العلى ... قَدِيما بِهِ إِبْلِيس أصل البلية ...
стр. 732
.. وأصل ضلال الْخلق من كل فرقة ... هُوَ الْخَوْض فِي فعل الاله بعلة
فان جَمِيع الْكَوْن أوجب فعله ... مَشِيئَة رب الْعَرْش باري الخليقة
وَذَات إِلَه الْخلق وَاجِبَة بِمَا ... لَهَا من صِفَات وَاجِبَات قديمَة
فقولك لم قد شَاءَ مثل سُؤال من ... يَقُول فَلم قد كَانَ فِي الأزلية
وَذَاكَ سُؤال يبطل الْعقل وَجهه ... وتحريمه قد جَاءَ فِي كل شرعة
وَفِي الْكَوْن تَخْصِيص كثير يدل من ... لَهُ نوع عقل أَنه بارادة
وإصداره عَن وَاحِد بعد وَاحِد ... أَو القَوْل بالتجويز رمية حيرة
وَلَا ريب فِي تَعْلِيق كل مسبب بِمَا قبله من عِلّة موجبية ... بل الشَّأْن فِي الْأَسْبَاب أَسبَاب مَا ترى ... وإصدارها عَن حكم مَحْض الْمَشِيئَة ... وقولك لم شَاءَ الاله هُوَ الَّذِي ... ازل عقول الْخلق فِي قَعْر حُفْرَة
فان الْمَجُوس الْقَائِلين بخالق ... لنفع وَرب مبدع للمضرة
سُؤَالهمْ عَن عِلّة الشَّرّ أوقعت ... رؤوسهم فِي شُبْهَة المثنوية
وَإِن ملاحيد الفلاسفة الألى ... يَقُولُونَ بِالْفِعْلِ الْقَدِيم بعلة
بغواعله للكون بعد انعدامه ... فَلم يَجدوا ذَا كم فضلوا بضلة
وَإِن مباديء الشَّرّ فِي كل أمة ... ذَوي مِلَّة مَيْمُونَة نبوية
بخوضهم فِي ذاكم صَار شركهم ... وَجَاء دروس الْبَينَات لفترة
وَيَكْفِيك نقضا أَن مَا قد سَأَلته ... من الْعذر مَرْدُود لَدَى كل فطْرَة ...
стр. 733
.. وهبك كَفَفْت اللوم عَن كل كَافِر ... وكل غوي خَارج عَن محجة
فيلزمك الْإِعْرَاض عَن كل ظَالِم ... من النَّاس فِي نفس وَمَال وَحُرْمَة
فَلَا تغضبن يَوْمًا على سافك دَمًا ... وَلَا سَارِق مَالا لصَاحب فاقة
وَلَا شاتم عرضا مصونا وان علا ... وَلَا ناكح فرجا على وَجه غية
وَلَا قَاطع للنَّاس نهج سبيلهم ... وَلَا مُفسد فِي الأَرْض من كل وجهة
وَلَا شَاهد بالزور إفكا وفرية ... وَلَا قَاذف للمحصنات بريبة
وَلَا مهلك للحرث والنسل عَامِدًا ... وَلَا حَاكم للْعَالمين برشوة
وكف لِسَان اللوم عَن كل مُفسد ... وَلَا تأخذن ذَا جرمة بعقوبة
وَسَهل سَبِيل الْكَاذِبين تعمدا ... على رَبهم من كل جَاءَ بفرية
وَهل فِي عقول النَّاس أَو فِي طباعهم ... قيول لقَوْل النذل مَا وَجه حيلتي
كآكل سم أوجب الْمَوْت أكله ... وكل بِتَقْدِير لرب الْبَريَّة
فكفرك يَا هَذَا كسم أَكلته ... وتعذيب نَار مثل جرعة غُصَّة
أَلَسْت ترى فِي هَذِه الدَّار من جنى ... يُعَاقب إِمَّا بالقضا أَو بشرعة
وَلَا عذر للجاني بِتَقْدِير خَالق ... كَذَلِك فِي الْأُخْرَى بِلَا مثنوية
فان كنت ترجو أَن تجاب بِمَا عَسى ... ينجيك من نَار الاله الْعَظِيمَة
فدونك رب الْعَرْش فاقصده ضارعا ... مرِيدا لَان يهديك نَحْو الْحَقِيقَة
وذلل قياد النَّفس للحق واسمعن ... وَلَا تعرضن عَن فكرة مُسْتَقِيمَة ...
стр. 734
.. وَمَا بَان حق فَلَا تتركنه ... وَلَا تعص من يَدْعُو لأَقوم ريعة
وَأما رضانا بِالْقضَاءِ فَإِنَّمَا ... أمرنَا بِأَن نرضى بِمثل الْمُصِيبَة
كسقم وفقر ثمَّ ذل وغربة ... وَمَا كَانَ من سوء بِدُونِ جريمة
وَأما الأفاعيل الَّتِي كرهت لنا ... فَلَا تَرْتَضِي مسخوطة لمشيئة
وَقد قَالَ قوم من أولي الْعلم لَا رضى ... بِفعل الْمعاصِي والذنُوب الكريهة
وَقَالَ فريق نرتضي بِقَضَائِهِ وَلَا نرتضي الْمُقْتَضِي لأقبح خلة ... وَقَالَ فريق نرتضي باضافة اليه وَمَا فِينَا فنلقي بسخطه
فنرضى من الْوَجْه الَّذِي هُوَ خلقه ونسخط من وَجه اكْتِسَاب بحيلة ...
وَأطَال رَحمَه الله تَعَالَى وَهُوَ جَوَاب فِي غَايَة النفاسة وَالْوَفَاء بِالْمَقْصُودِ تركنَا نقل جَمِيعه اختصارا
قَول النَّاظِم هَذَا الْبَيَان يزِيل لبسا طالما هَلَكت عَلَيْهِ النَّاس الخ أَي إِن هَذَا الَّذِي ذكره فِي هَذِه الْمَسْأَلَة يزِيل جَمِيع الاشكالات فِيهَا قَوْله
أَي من وَافق الحكم القدري الكوني وَافق سخطَة الله إِذْ لم يُوَافق الحكم الديني الشَّرْعِيّ فَلَا يعدوه أجر إِن خطأ أَو أَجْرَانِ إِن أصَاب وَالله أعلم
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
وَالْحكمَة الْعليا على نَوْعَيْنِ أَيْضا حصلا بقواطع الْبُرْهَان
стр. 735
.. إِحْدَاهمَا فِي خلقه سُبْحَانَهُ ... نَوْعَانِ أَيْضا لَيْسَ يفترقان ... أَحْكَام هَذَا الْخلق إِذْ إيجادة ... فِي غَايَة الإحكام والاتقان ... وصدوره من أجل غايات لَهُ ... وَله عَلَيْهَا حمد كل لِسَان
وَالْحكمَة الْأُخْرَى فحكمة شَرعه ... أَيْضا وفيهَا ذَلِك الوصفان
غاياتها اللَّاتِي حمدن وَكَونهَا ... أَيْضا وفيهَا الإتقان وَالْإِحْسَان ...
قَالَ شيخ الاسلام ﵀ لأهل السّنة فِي تَعْلِيل افعال الله تَعَالَى وَأَحْكَامه قَولَانِ وَالْأَكْثَرُونَ على التَّعْلِيل وَالْحكمَة وَهل هِيَ مُنْفَصِلَة عَن الرب لَا تقوم بِهِ أَو قَائِمَة مَعَ ثُبُوت الحكم الْمُنْفَصِل لَهُم فِيهِ أَيْضا قَولَانِ وَهل يتسلسل الحكم أَو لَا يتسلسل أَو يتسلسل فِي الْمُسْتَقْبل دون الْمَاضِي فِيهِ اقوال قَالَ احْتج المثبتون للحكمة وَالْعلَّة بقوله تَعَالَى ﴿من أجل ذَلِك كتبنَا على بني إِسْرَائِيل﴾ الْمَائِدَة وَقَوله كي لَا يكون دولة الْحَشْر وَقَوله ﴿وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا﴾ الا لنعلم الْبَقَرَة ونظائرها لِأَنَّهُ تَعَالَى حَكِيم شرع الْأَحْكَام لحكمة ومصلحة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين﴾ الْأَنْبِيَاء والاجماع وَاقع على اشْتِمَال الْأَفْعَال على الحكم والمصالح جَوَازًا عِنْد اهل السّنة ووجوبا عِنْد الْمُعْتَزلَة فيفعل مَا يُرِيد بِحِكْمَتِهِ والنافون للحكمة وَالْعلَّة احْتَجُّوا أَنه يلْزم من قدم الْعلَّة قدم الْمَعْلُول وَهُوَ محَال وَمن حدوثها افتقارها الى عِلّة أُخْرَى وَأَنه يلْزم التسلسل وَقد أجلب النَّاظِم وَأَطْنَبَ فِي كِتَابه شرح منَازِل السائرين ومفتاح السَّعَادَة وَغَيرهمَا فمما احْتج بِهِ فِي مِفْتَاح دَار السَّعَادَة قَوْله
стр. 736
تَعَالَى ﴿أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سَاءَ مَا يحكمون﴾ فَدلَّ على ان هَذَا الحكم بِشَيْء قَبِيح يتنزه الله عَنهُ فَأنكرهُ من جِهَة قبحه فِي نَفسه لَا من جِهَة كَونه انه لَا يكون وَمن هَذَا إِنْكَاره سُبْحَانَهُ على من جوز أَن يتْرك عباده سدى لَا يَأْمُرهُم وَلَا ينهاهم وَلَا يثيبهم وَلَا يعاقبهم وَأَن هَذَا الْحساب بَاطِل وَالله يتعالى عَنهُ لمنافاته لحكمته فَقَالَ تَعَالَى ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى﴾ الْقِيَامَة فَأنْكر سُبْحَانَهُ على من زعم أَنه يتْرك سدى إِنْكَار من جعل فِي الْعقل استقباح ذَلِك واستهجانه وَأَنه لَا يَلِيق أَن ينْسب ذَلِك إِلَى أحكم الْحَاكِمين وَمثله قَوْله تَعَالَى أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم الينا لَا ترجعون فتعالى الله الْملك الْحق لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رب الْعَرْش الْكَرِيم الْمُؤْمِنُونَ فنزه نَفسه سُبْحَانَهُ وباعدها عَن هَذَا الحسبان وَأَنه متعال عَنهُ فَلَا يَلِيق بِهِ لقبحه ومنافاته الْحِكْمَة ثمَّ إِنَّه ﵀ بسط القَوْل فِي ذَلِك بسطا كثيرا لَا يحْتَملهُ هَذَا الْموضع وَالله أعلم
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
... وَهُوَ الْحَيِي فَلَيْسَ يفضح عَبده ... عِنْد التجاهر مِنْهُ بالعصيان
لكنه يلقِي عَلَيْهِ ستره ... فَهُوَ الستير وَصَاحب الغفران
وَهُوَ الْحَلِيم فَلَا يعاجل عَبده ... بعقوبة ليتوب من عصيان
وَهُوَ الْعَفو فعفوه وسع الورى ... لولاه غَار الأَرْض بالسكان ...
стр. 737
.. وَهُوَ الصبور على أَذَى أعدائه ... شتموه بل نسبوه للبهتان
قَالُوا لَهُ ولد وَلَيْسَ يعيدنا ... شتما وتكذيبا من الْإِنْسَان
هَذَا وَذَاكَ بسمعه وبعلمه ... لَو شَاءَ عاجلهم بِكُل هوان
لَكِن يعافيهم ويرزقهم وهم ... يؤذونه بالشرك والكفران ...
فصل
... وَهُوَ الرَّقِيب على الخواطر واللوا ... حَظّ كَيفَ بالأفعال بالاركان
وَهُوَ الحفيظ عَلَيْهِم وَهُوَ الْكَفِيل بحفظهم من كل أَمر عان ... وَهُوَ اللَّطِيف بِعَبْدِهِ ولعبده ... واللطف فِي أَوْصَافه نَوْعَانِ ... إِدْرَاك أسرار الْأُمُور بخبرة ... وَاللَّفْظ عِنْد مواقع الاحسان
فيريك عزته ويبدي لَفظه ... وَالْعَبْد فِي الغفلات عَن ذَا الشان ...
قَوْله وَهُوَ اللَّطِيف الخ فسر النَّاظِم اللطف فِي أَوْصَافه سُبْحَانَهُ بنوعين من اللطف أَحدهمَا إِدْرَاك اسرار الْأُمُور بخبرة وَالثَّانِي اللطف عِنْد مواقع الاحسان وَهَذَا معنى قَول من فسر اللطف بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُوصل اليك أربك فِي رفق وَقيل هُوَ الَّذِي لطف عَن ان يدْرك بالكيفية
стр. 738
فصل
... وَهُوَ الرفيق يحب اهل الرِّفْق بل ... يعطيهم بالرفق فَوق أَمَان
وَهُوَ الْقَرِيب وقربه الْمُخْتَص بالداعي وعابده على الايمان ... وَهُوَ الْمُجيب يَقُول من يَدْعُو أجبه أَنا الْمُجيب لكل من ناداني
وَهُوَ الْمُجيب لدَعْوَة الْمُضْطَر اذ ... يَدعُوهُ فِي سر وَفِي اعلان
وَهُوَ الْجواد فجوده عَم الْوُجُود جَمِيعه بِالْفَضْلِ والاحسان ... وَهُوَ الْجواد فَلَا يخيب سَائِلًا ... وَلَو أَنه من امة الكفران ... وَهُوَ المغيث لكل مخلوقاته ... وَكَذَا يُجيب اغاثة اللهفان ...
قَوْله وَهُوَ الْقَرِيب وقربه الْمُخْتَص بالداعي وعابده على الايمان
يَعْنِي ان الْقرب الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب﴾ الْبَقَرَة إِن هَذَا الْقرب مُخْتَصّ بالداعي فَهُوَ سُبْحَانَهُ قريب مِمَّن دَعَاهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنهم كَانُوا مَعَ النَّبِي ﷺ فِي سفر فَكَانُوا يرفعون أَصْوَاتهم بِالتَّكْبِيرِ فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس أربعوا على أَنفسكُم فانكم لَا تدعون أَصمّ وَلَا غَائِبا إِنَّمَا تدعون سميعا قَرِيبا إِن الَّذِي تَدعُونَهُ أقرب الى احدكم من عنق رَاحِلَته وَكَذَلِكَ قَول صَالح ﵇ وان اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا اليه إِن رَبِّي قريب مُجيب فَقَوله قريب مُجيب مقرون بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَار أَرَادَ قريب مُجيب لاستغفار المستغفرين التائبين اليه كَمَا انه رَحِيم ودود وَقد قرن الْقَرِيب
стр. 739
بالمجيب وَمَعْلُوم أَنه لَا يُقَال إِنَّه مُجيب لكل مَوْجُود وانما الاجابة لمن سَأَلَهُ وَدعَاهُ
فصل
... وَهُوَ الْوَدُود يُحِبهُمْ وَيُحِبهُ ... أحبابه وَالْفضل للمنان
وَهُوَ الَّذِي جعل الْمحبَّة فِي قلو ... بهم وجازاهم بحب ثَان
هَذَا هُوَ الاحسان حَقًا لامعا ... وضه وَلَا لتوقع الشكران
لَكِن يحب شكورهم وَهُوَ شكورهم ... لَا لاحتياج مِنْهُ للشكران
وَهُوَ الشكُور فَلَنْ يضيع سَعْيهمْ ... لَكِن يضاعفه بِلَا حسبان
مَا للعباد عَلَيْهِ حق وَاجِب ... هُوَ اوجب الاجر الْعَظِيم الشان
كلا وَلَا عمل لَدَيْهِ ضائع ... إِن كَانَ بالاخلاص والاحسان
ان عذبُوا فبعدله اَوْ نعموا فبفضله وَالْحَمْد للمنان ...
قَوْله وَهُوَ الْوَدُود قَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الغفور الْوَدُود﴾ والبروج أَي بَالغ الْمَغْفِرَة لذنوب عباده الْمُؤمنِينَ لَا يفضحهمم بهَا بَالغ الْمحبَّة للمطيعين من أوليائه قَالَ مُجَاهِد الواد لأوليائه فَهُوَ فعول بِمَعْنى فَاعل وَقَالَ ابْن زيد معنى الْوَدُود الرَّحِيم وَقيل الْوَدُود بِمَعْنى المورود أَي يوده عباده الصالحون وَيُحِبُّونَهُ كَذَا قَالَ الْأَزْهَرِي قَالَ وَيجوز أَن يكون فعولًا بِمَعْنى فَاعل أَي يكون محبا لَهُم قَالَ وكلتا الصفتين مدح لِأَنَّهُ جلّ ذكره إِن احب عباده المطيعين فَهُوَ فضل مِنْهُ وَإِن احبه عباده
стр. 740
العارفون فَلَمَّا تقرر عِنْدهم من كريم إحسانه قَالَ ابْن عَبَّاس الْوَدُود الحبيب
قَوْله يحب شكورهم الخ الاول بِفَتْح الشين اسْم فَاعل من شكر يشْكر شكرا فَهُوَ شكور وَالثَّانِي بِضَم الشين مصدر
فصل
... وَهُوَ الغفور فَلَو أَتَى بقرابها من غير شرك بل من الْعِصْيَان ... لأتاه بالغفران ملْء قرابها ... سُبْحَانَهُ هُوَ وَاسع الغفران
وَكَذَلِكَ التواب من أَوْصَافه ... والتوب فِي أَوْصَافه نَوْعَانِ
إِذن بتوبة عَبده وقبولها ... بعد المتاب بمنة المنان ...
يُشِير الى الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وحسنة عَن أنس قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول قَالَ الله ﵎ يَا ابْن آدم إِنَّك مَا دعوتني ورجوتني غفرت لَك على مَا كَانَ مِنْك وَلَا أُبَالِي يَا ابْن آدم لَو بلغت ذنوبك عنان السَّمَاء ثمَّ استغفرتني غفرت لَك وَلَا أُبَالِي يَا ابْن آدم إِنَّك لَو أتيتني بقراب الأَرْض خَطَايَا ثمَّ لقيتني لَا تشرك بِي شَيْئا لأتيتك بقرابها مغْفرَة
فصل
... وَهُوَ الاله السَّيِّد الصَّمد ... الَّذِي صمدت اليه الْخلق بالاذعان ...
следующие страницы →