Полный текст (1 130 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
تَعَالَى ﴿أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سَاءَ مَا يحكمون﴾ فَدلَّ على ان هَذَا الحكم بِشَيْء قَبِيح يتنزه الله عَنهُ فَأنكرهُ من جِهَة قبحه فِي نَفسه لَا من جِهَة كَونه انه لَا يكون وَمن هَذَا إِنْكَاره سُبْحَانَهُ على من جوز أَن يتْرك عباده سدى لَا يَأْمُرهُم وَلَا ينهاهم وَلَا يثيبهم وَلَا يعاقبهم وَأَن هَذَا الْحساب بَاطِل وَالله يتعالى عَنهُ لمنافاته لحكمته فَقَالَ تَعَالَى ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى﴾ الْقِيَامَة فَأنْكر سُبْحَانَهُ على من زعم أَنه يتْرك سدى إِنْكَار من جعل فِي الْعقل استقباح ذَلِك واستهجانه وَأَنه لَا يَلِيق أَن ينْسب ذَلِك إِلَى أحكم الْحَاكِمين وَمثله قَوْله تَعَالَى أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم الينا لَا ترجعون فتعالى الله الْملك الْحق لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رب الْعَرْش الْكَرِيم الْمُؤْمِنُونَ فنزه نَفسه سُبْحَانَهُ وباعدها عَن هَذَا الحسبان وَأَنه متعال عَنهُ فَلَا يَلِيق بِهِ لقبحه ومنافاته الْحِكْمَة ثمَّ إِنَّه ﵀ بسط القَوْل فِي ذَلِك بسطا كثيرا لَا يحْتَملهُ هَذَا الْموضع وَالله أعلم
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل
... وَهُوَ الْحَيِي فَلَيْسَ يفضح عَبده ... عِنْد التجاهر مِنْهُ بالعصيان
لكنه يلقِي عَلَيْهِ ستره ... فَهُوَ الستير وَصَاحب الغفران
وَهُوَ الْحَلِيم فَلَا يعاجل عَبده ... بعقوبة ليتوب من عصيان
وَهُوَ الْعَفو فعفوه وسع الورى ... لولاه غَار الأَرْض بالسكان ...
стр. 737
.. وَهُوَ الصبور على أَذَى أعدائه ... شتموه بل نسبوه للبهتان
قَالُوا لَهُ ولد وَلَيْسَ يعيدنا ... شتما وتكذيبا من الْإِنْسَان
هَذَا وَذَاكَ بسمعه وبعلمه ... لَو شَاءَ عاجلهم بِكُل هوان
لَكِن يعافيهم ويرزقهم وهم ... يؤذونه بالشرك والكفران ...
فصل
... وَهُوَ الرَّقِيب على الخواطر واللوا ... حَظّ كَيفَ بالأفعال بالاركان
وَهُوَ الحفيظ عَلَيْهِم وَهُوَ الْكَفِيل بحفظهم من كل أَمر عان ... وَهُوَ اللَّطِيف بِعَبْدِهِ ولعبده ... واللطف فِي أَوْصَافه نَوْعَانِ ... إِدْرَاك أسرار الْأُمُور بخبرة ... وَاللَّفْظ عِنْد مواقع الاحسان
فيريك عزته ويبدي لَفظه ... وَالْعَبْد فِي الغفلات عَن ذَا الشان ...
قَوْله وَهُوَ اللَّطِيف الخ فسر النَّاظِم اللطف فِي أَوْصَافه سُبْحَانَهُ بنوعين من اللطف أَحدهمَا إِدْرَاك اسرار الْأُمُور بخبرة وَالثَّانِي اللطف عِنْد مواقع الاحسان وَهَذَا معنى قَول من فسر اللطف بِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُوصل اليك أربك فِي رفق وَقيل هُوَ الَّذِي لطف عَن ان يدْرك بالكيفية
стр. 738
فصل
... وَهُوَ الرفيق يحب اهل الرِّفْق بل ... يعطيهم بالرفق فَوق أَمَان
وَهُوَ الْقَرِيب وقربه الْمُخْتَص بالداعي وعابده على الايمان ... وَهُوَ الْمُجيب يَقُول من يَدْعُو أجبه أَنا الْمُجيب لكل من ناداني
وَهُوَ الْمُجيب لدَعْوَة الْمُضْطَر اذ ... يَدعُوهُ فِي سر وَفِي اعلان
وَهُوَ الْجواد فجوده عَم الْوُجُود جَمِيعه بِالْفَضْلِ والاحسان ... وَهُوَ الْجواد فَلَا يخيب سَائِلًا ... وَلَو أَنه من امة الكفران ... وَهُوَ المغيث لكل مخلوقاته ... وَكَذَا يُجيب اغاثة اللهفان ...
قَوْله وَهُوَ الْقَرِيب وقربه الْمُخْتَص بالداعي وعابده على الايمان
يَعْنِي ان الْقرب الْمَذْكُور فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب﴾ الْبَقَرَة إِن هَذَا الْقرب مُخْتَصّ بالداعي فَهُوَ سُبْحَانَهُ قريب مِمَّن دَعَاهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَنهم كَانُوا مَعَ النَّبِي ﷺ فِي سفر فَكَانُوا يرفعون أَصْوَاتهم بِالتَّكْبِيرِ فَقَالَ يَا أَيهَا النَّاس أربعوا على أَنفسكُم فانكم لَا تدعون أَصمّ وَلَا غَائِبا إِنَّمَا تدعون سميعا قَرِيبا إِن الَّذِي تَدعُونَهُ أقرب الى احدكم من عنق رَاحِلَته وَكَذَلِكَ قَول صَالح ﵇ وان اسْتَغْفرُوا ربكُم ثمَّ تُوبُوا اليه إِن رَبِّي قريب مُجيب فَقَوله قريب مُجيب مقرون بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَار أَرَادَ قريب مُجيب لاستغفار المستغفرين التائبين اليه كَمَا انه رَحِيم ودود وَقد قرن الْقَرِيب
стр. 739
بالمجيب وَمَعْلُوم أَنه لَا يُقَال إِنَّه مُجيب لكل مَوْجُود وانما الاجابة لمن سَأَلَهُ وَدعَاهُ
فصل
... وَهُوَ الْوَدُود يُحِبهُمْ وَيُحِبهُ ... أحبابه وَالْفضل للمنان
وَهُوَ الَّذِي جعل الْمحبَّة فِي قلو ... بهم وجازاهم بحب ثَان
هَذَا هُوَ الاحسان حَقًا لامعا ... وضه وَلَا لتوقع الشكران
لَكِن يحب شكورهم وَهُوَ شكورهم ... لَا لاحتياج مِنْهُ للشكران
وَهُوَ الشكُور فَلَنْ يضيع سَعْيهمْ ... لَكِن يضاعفه بِلَا حسبان
مَا للعباد عَلَيْهِ حق وَاجِب ... هُوَ اوجب الاجر الْعَظِيم الشان
كلا وَلَا عمل لَدَيْهِ ضائع ... إِن كَانَ بالاخلاص والاحسان
ان عذبُوا فبعدله اَوْ نعموا فبفضله وَالْحَمْد للمنان ...
قَوْله وَهُوَ الْوَدُود قَالَ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الغفور الْوَدُود﴾ والبروج أَي بَالغ الْمَغْفِرَة لذنوب عباده الْمُؤمنِينَ لَا يفضحهمم بهَا بَالغ الْمحبَّة للمطيعين من أوليائه قَالَ مُجَاهِد الواد لأوليائه فَهُوَ فعول بِمَعْنى فَاعل وَقَالَ ابْن زيد معنى الْوَدُود الرَّحِيم وَقيل الْوَدُود بِمَعْنى المورود أَي يوده عباده الصالحون وَيُحِبُّونَهُ كَذَا قَالَ الْأَزْهَرِي قَالَ وَيجوز أَن يكون فعولًا بِمَعْنى فَاعل أَي يكون محبا لَهُم قَالَ وكلتا الصفتين مدح لِأَنَّهُ جلّ ذكره إِن احب عباده المطيعين فَهُوَ فضل مِنْهُ وَإِن احبه عباده
стр. 740
العارفون فَلَمَّا تقرر عِنْدهم من كريم إحسانه قَالَ ابْن عَبَّاس الْوَدُود الحبيب
قَوْله يحب شكورهم الخ الاول بِفَتْح الشين اسْم فَاعل من شكر يشْكر شكرا فَهُوَ شكور وَالثَّانِي بِضَم الشين مصدر
فصل
... وَهُوَ الغفور فَلَو أَتَى بقرابها من غير شرك بل من الْعِصْيَان ... لأتاه بالغفران ملْء قرابها ... سُبْحَانَهُ هُوَ وَاسع الغفران
وَكَذَلِكَ التواب من أَوْصَافه ... والتوب فِي أَوْصَافه نَوْعَانِ
إِذن بتوبة عَبده وقبولها ... بعد المتاب بمنة المنان ...
يُشِير الى الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وحسنة عَن أنس قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول قَالَ الله ﵎ يَا ابْن آدم إِنَّك مَا دعوتني ورجوتني غفرت لَك على مَا كَانَ مِنْك وَلَا أُبَالِي يَا ابْن آدم لَو بلغت ذنوبك عنان السَّمَاء ثمَّ استغفرتني غفرت لَك وَلَا أُبَالِي يَا ابْن آدم إِنَّك لَو أتيتني بقراب الأَرْض خَطَايَا ثمَّ لقيتني لَا تشرك بِي شَيْئا لأتيتك بقرابها مغْفرَة
فصل
... وَهُوَ الاله السَّيِّد الصَّمد ... الَّذِي صمدت اليه الْخلق بالاذعان ...
стр. 741
.. الْكَامِل الاوصاف من كل الوجو ... هـ كَمَاله مافيه من نُقْصَان ...
قَالَ شيخ الاسلام فِي مَسْأَلَة حسن إِرَادَة الله تَعَالَى روينَا من طَرِيق غير وَاحِد كعثمان بن سعيد الدَّارمِيّ وابي جَعْفَر الطَّبَرِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهم فِي تَفْسِير عَليّ ابْن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبَّاس ﵄ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الصَّمد﴾ قَالَ السَّيِّد الَّذِي كمل فِي سؤدده والشريف الَّذِي قد كمل فِي شرفه والعظيم الَّذِي قد كمل فِي عَظمته والحكيم الَّذِي قد كمل فِي حكمته والغني الَّذِي قد كمل فِي غناهُ والجبار الَّذِي قد كمل فِي جبروته والعالم الَّذِي قد كمل فِي علمه والحليم الَّذِي قد كمل فِي حلمه وَهُوَ الَّذِي قد كمل فِي أَنْوَاع الشّرف والسؤدد وَهُوَ الله هَذِه صفته لَا تنبغي إِلَّا لَهُ لَيْسَ لَهُ كفاء وَلَيْسَ كمثله شَيْء سُبْحَانَ الله الْوَاحِد القهار ... وَكَذَلِكَ القهار من اوصافه ... فالخلق مقهورون بالسلطان
لَو لم يكن حَيا عَزِيزًا قَادِرًا ... مَا كَانَ من قهر وَلَا سُلْطَان
وَكَذَلِكَ الْجَبَّار من أَوْصَافه ... والجبر فِي أَوْصَافه قِسْمَانِ
جبر الضَّعِيف وكل قلب قد غَدا ... ذَا كسرة فالجبر مِنْهُ دَان
وَالثَّانِي جبر الْقَهْر بالعز الَّذِي ... لَا يَنْبَغِي لسواه من انسان
وَله مُسَمّى ثَالِث وَهُوَ الْعُلُوّ فَلَيْسَ يدنو مِنْهُ من انسان
من قَوْلهم جبارَة للنخلة الْعليا الَّتِي فَاتَت لكل بنان ...
قَوْله والجبر فِي أَوْصَافه قِسْمَانِ ذكر للجبر معنين فِي أَوْصَاف الرب سُبْحَانَهُ أَحدهمَا جبر الضَّعِيف وكل قلب قد غَدا الخ وَمِنْه
стр. 742
الحَدِيث أَنا عِنْد المنكسرة قُلُوبهم من اجلي وَالثَّانِي جبر الْقَهْر بالعز الَّذِي لَا يَنْبَغِي لسواه سُبْحَانَهُ
قَوْله وَله مُسَمّى ثَالِث وَهُوَ الْعُلُوّ وَالْمعْنَى أَنه لَا يدنو مِنْهُ انسان وَمِنْه قَوْلهم جبارَة للنخلة الْعليا المرتفعة وَالله اعْلَم
فصل
... وَهُوَ الحسيب كِفَايَة وحماية ... والحسب كَافِي العَبْد كل أَوَان ... وَهُوَ الرشيد فَقَوله وفعاله ... رشد وَرَبك مرشد الحيران
وَكِلَاهُمَا حق فَهَذَا وَصفه ... وَالْفِعْل للارشاد ذَاك الثَّانِي
وَالْعدْل من اوصافه فِي فعله ... ومقاله وَالْحكم بالميزان
فعلى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم إلهنا ... قولا وفعلا ذَاك فِي الْقُرْآن ...
تقدم الْكَلَام على قَوْله تَعَالَى ﴿إِن رَبِّي على صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ فِي أَوَائِل هَذَا النّظم
فصل
... هَذَا وَمن أَوْصَافه القدوس ذُو التَّنْزِيه بالتعظيم للرحمن
وَهُوَ السَّلَام على الْحَقِيقَة سَالم ... من كل تَمْثِيل وَمن نُقْصَان ...
стр. 743
وَالْبر فِي أَوْصَافه سُبْحَانَهُ ... هُوَ كَثْرَة الْخيرَات والاحسان ... صدرت عَن الْبر الَّذِي هُوَ وَصفه ... فالبر حِينَئِذٍ لَهُ نَوْعَانِ
وصف وَفعل فَهُوَ بر محسن مولى الْجَمِيل ودائم الْإِحْسَان ... وَكَذَلِكَ الْوَهَّاب من أَسْمَائِهِ ... فَانْظُر مواهبه مدى الازمان ... اهل السَّمَاوَات العلى والارض عَن ... تِلْكَ الْمَوَاهِب لَيْسَ ينفكان
وَكَذَلِكَ الفتاح من اسمائه ... وَالْفَتْح فِي اوصافه امران
فتح بِحكم وَهُوَ شرع إلهنا ... وَالْفَتْح بالاقدار فتح ثَان
والرب فتاح بذين كليهمَا ... عدلا واحسانا من الرَّحْمَن
وَكَذَلِكَ الرَّزَّاق من اسمائه والرزق من افعاله نَوْعَانِ ... رزق على يَد عَبده وَرَسُوله ... نَوْعَانِ أَيْضا ذان معروفان
رزق الْقُلُوب الْعلم والايمان والرزق الْمعد لهَذِهِ الابدان ... هَذَا هُوَ الرزق الْحَلَال وربنا ... رزاقه وَالْفضل للمنان ... وَالثَّانِي سوق الْقُوت للأعضاء فِي ... تِلْكَ المجاري سوقه بوزان
هَذَا يكون من الْحَلَال كَمَا يكون من الْحَرَام كِلَاهُمَا رزقان
وَالله رازقه بِهَذَا الاعتبا ... ر وَلَيْسَ بالاطلاق دون بَيَان ...
ذكر النَّاظِم ﵀ فِي هَذِه الأبيات أَن الرزق نَوْعَانِ رزق الْقُلُوب الْعلم والايمان على يَد عَبده وَرَسُوله مُحَمَّد ﷺ وَالنَّوْع الثَّانِي
стр. 744
الرزق الْمعد للأبدان وَالله تَعَالَى هُوَ رازقه لكنه يساق الى الاعضاء وَيكون من الْحَلَال وَالْحرَام وَالله رازقه بِهَذَا الِاعْتِبَار وَهَذِه الْمَسْأَلَة قد اخْتلف فِيهَا فَقيل إِن الْحَرَام رزق وكل يَسْتَوْفِي رزقه حَلَالا كَانَ أَو حَرَامًا لحُصُول التغذي بهَا جَمِيعًا غير ان العَبْد يسْتَحق الذَّم وَالْعِقَاب على أكل الْحَرَام خلافًا للمعتزلة فانهم قَالُوا الْحَرَام لَيْسَ برزق وفسروه تَارَة بمملوك يَأْكُلهُ الْمَالِك وَتارَة بِمَا لَا يمْنَع عَن الِانْتِفَاع بِهِ وَذَلِكَ لَا يكون الا حَلَالا فيلزمهم على التَّفْسِير الأول أَن مَا يَأْكُلهُ الدَّوَابّ لَيْسَ برزق مَعَ ظَاهر قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها﴾ هود فَيكون مصادما لِلْقُرْآنِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن تكون كل دَابَّة مرزوقة وَلَا يَنْفَعهُمْ زعمهم ان تَسْمِيَة مَا يَأْكُلهُ الدَّوَابّ رزقا مَبْنِيّ على تشبيهه بِمَا هُوَ مَمْلُوك الانسان فيأكله فَيكون لفظ الرزق مجَازًا عَمَّا تَأْكُله الدَّوَابّ فَلَا يلْزم أَن تكون كل دَابَّة مرزوقة حَقِيقَة لأَنا نقُول هَذَا التَّأْوِيل مُخَالف لظَاهِر الْقُرْآن وَهُوَ خلاف الْمُتَعَارف فِي اللُّغَة فَلَا يَصح ارتكابه من غير ضَرُورَة ثمَّ إِن تفسيرهم الرزق بذلك لَيْسَ بمطرد وَلَا منعكس لدُخُول ملك الله تَعَالَى وَخُرُوج رزق الدَّوَابّ وَالْعَبِيد وَالْإِمَاء يلْزمهُم أَيْضا على الْوَجْهَيْنِ أَن من اكل الْحَرَام طول عمره لم يرزقه الله تَعَالَى أصلا وَهُوَ خلاف الاجماع الْحَاصِل من الامة قبل ظُهُور الْمُعْتَزلَة ان لَا رَازِق الا الله وَإِن اسْتحق العَبْد اللوم والذم على اكل الْحَرَام وَالْإِضَافَة إِلَى الله تَعَالَى مُعْتَبرَة فِي مَفْهُوم الرزق وكل أحد مستوف رزق نَفسه حَلَالا كَانَ اَوْ حَرَامًا وَلَا يتَصَوَّر ان يَأْكُل الانسان رزقه أَو يَأْكُل غير رزقه لِأَن مَا قدر الله تَعَالَى غذَاء لشخص يجب أَن يَأْكُلهُ وَيمْتَنع أَن يَأْكُلهُ غَيره وَالله أعلم
стр. 745
فصل
... هَذَا وَمن اوصافه القيوم والقيوم فِي أَوْصَافه أَمْرَانِ ... احداهما القيوم قَامَ بِنَفسِهِ ... والكون قَامَ بِهِ هما الامران
فَالْأول استغناؤه عَن غَيره ... والفقر من كل اليه الثَّانِي
وَالْوَصْف بالقيوم ذُو شَأْن عَظِيم هَكَذَا موصوفه أَيْضا عَظِيم الشان ... والحي يتلوه فأوصاف الكما ... ل هما لأفق سمائها قطبان
فالحي والقيوم لن تتختلف ال اوصاف أصلا عَنْهُمَا بِبَيَان ... هُوَ قَابض هُوَ باسط هُوَ خافظ ... هُوَ رَافع بِالْعَدْلِ وَالْمِيزَان ... وَهُوَ الْمعز لأهل طَاعَته وَذَا ... عز حَقِيقِيّ بِلَا بطلَان
وَهُوَ المذل لمن يَشَاء بذلة الدَّاريْنِ ذل شقا وذل هوان ... هُوَ مَانع معط فَهَذَا فَضله ... وَالْمَنْع عين الْعدْل للمنان ... يُعْطي برحمته من يشا ... ء بحكمة وَالله ذُو سُلْطَان ...
قَوْله والقيوم فِي أَوْصَافه أَمْرَانِ الخ أَي إِن القيوم هُوَ الَّذِي قَامَ بِنَفسِهِ وَقَامَ بِهِ الْكَوْن فالاول هُوَ استغناؤه عَن غَيره وَالثَّانِي افتقار كل شَيْء اليه قَالَ الْمُفَسِّرُونَ ﴿القيوم﴾ الْقَائِم على كل نفس بِمَا كسبت وَقيل الْقَائِم بِذَاتِهِ الْمُقِيم لغيره وَقيل الْقَائِم بتدبير خلقه وَحفظه وَقيل هُوَ الَّذِي لَا ينَام وَقيل الَّذِي لَا بديل لَهُ وَقَرَأَ جمَاعَة
стр. 746
﴿الْقيام﴾ بِالْألف وَرُوِيَ ذَلِك عَن عمر ﵁ و ﴿الْحَيّ﴾ يتلوه ﴿القيوم﴾ فهما كَمَا قَالَ النَّاظِم لأفق سمائها أَي الصِّفَات قطبان فالصفات لاتتخلف عَنْهُمَا كَمَا مثل بِهِ من قَوْله هُوَ قَابض هُوَ باسط هُوَ خافض الخ
فصل
... والنور من أَسْمَائِهِ ايضا وَمن ... اوصافه سُبْحَانَ ذِي الْبُرْهَان
قَالَ ابْن مَسْعُود كلَاما قد حكا ... هـ الدَّارمِيّ عَنهُ بِلَا نكران
مَا عِنْده ليل يكون ولانها ... ر قلت تَحت الْفلك يُوجد ذان
نور السَّمَاوَات العلى من نوره ... وَالْأَرْض كَيفَ النَّجْم والقمران
من نور وَجه الرب ﷻ ... وَكَذَا حَكَاهُ الْحَافِظ الطَّبَرَانِيّ
فبه استنار الْعَرْش والكرسي مَعَ ... سبع الطباق وَسَائِر الاكوان ...
قَالَ عبد الله بن مَسْعُود لَيْسَ عِنْد ربكُم ليل وَلَا نَهَار نور السَّمَاوَات من نور وَجهه ... وَكتابه نور كَذَلِك شَرعه ... نور كَذَا الْمَبْعُوث بالفرقان
وَكَذَلِكَ الايمان فِي قلب الْفَتى ... نور على نور مَعَ الْقُرْآن
وحجابه نور فَلَو كشف الحجا ... ب لأحرق السبحات للاكوان ...
تقدم حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 747
إِن الله لَا ينَام وَلَا يَنْبَغِي لَهُ ان ينَام يخْفض الْقسْط وَيَرْفَعهُ يرفع اليه عمل النَّهَار قبل اللَّيْل وَعمل اللَّيْل قبل النَّهَار حجابه النُّور لَو كشفه لأحرقت سبحات وَجهه كل شئ أدْركهُ بَصَره رَوَاهُ مُسلم ... وَإِذا أَتَى للفصل يشرق نوره ... فِي الأَرْض يَوْم قِيَامَة الابدان ...
قَالَ تَعَالَى ﴿وأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا﴾ الزمر فَأخْبر ان الارض يَوْم الْقِيَامَة تشرق بنوره وَهُوَ نوره الَّذِي نوره فانه سُبْحَانَهُ ياتي لفصل الْقَضَاء بَين عباده وَينصب كرسيه بِالْأَرْضِ فَإِذا جَاءَ الله تَعَالَى أشرقت الأَرْض وَحقّ لَهَا أَن تشرق بنوره وَعند المعطلة لَا يَأْتِي وَلَا يَجِيء وَلَا لَهُ نور تشرق لَهُ الارض كَذَا أَفَادَهُ النَّاظِم فِي كتاب الصَّوَاعِق ... وكذاك دَار الرب جنَّات العلى ... نور تلألأ لَيْسَ ذَا بطلَان
والنور ذُو نَوْعَيْنِ مَخْلُوق وَوصف ماهما وَالله متحدان ... وَكَذَلِكَ الْمَخْلُوق ذُو نَوْعَيْنِ محسوس ومعقول هما شَيْئَانِ
أحذر تزل فتحت رجلك هوة ... كم قد هوى فِيهَا على الازمان
من عَابِد بِالْجَهْلِ زلت رجله فِيهِ الى قَعْر الحضيض الداني ... لاحت لَهُ أنوار آثَار العبا ... دة ظَنّهَا الانوار للرحمن ... فَأتى بِكُل مُصِيبَة وبلية ... ماشئت من شطح وَمن هذيان
وَكَذَا الحلولي الَّذِي هُوَ خدنه ... من هَاهُنَا حَقًا هما أَخَوان
ويقابل الرجلَيْن ذُو التعطيل والحجب الكثيفة ماهما سيان ...
стр. 748
.. ذافي كَثَافَة طبعه وظلامه ... وبظلمة التعطيل هَذَا الثَّانِي ... والنور حجوب فَلَا هَذَا وَلَا ... هَذَا لَهُ من ظلمَة يريان ...
قَوْله احذر تزل فتحت رجلك هوة الخ قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي شرح منَازِل السائرين فِي شرح الدرجَة الثَّالِثَة من منزلَة الْعَطش على قَول صَاحب الْمنَازل وَلَا يعرج دونهَا على انْتِظَار بعد كَلَام سبق وَلَا سَبِيل لأحد قطّ فِي الدُّنْيَا إِلَى مُشَاهدَة الْحق وَإِنَّمَا وُصُوله الى شَوَاهِد الْحق وَمن زعم غير هَذَا فلغلبة الْوَهم عَلَيْهِ وَحسن ظَنّه بترهات الْقَوْم وخيالاتهم وَللَّه در الشبلي حَيْثُ سُئِلَ عَن الْمُشَاهدَة فَقَالَ من أَيْن لنا مُشَاهدَة الْحق لنا شَاهد الْحق هَذَا وَهُوَ صَاحب الشطحات الْمَعْرُوفَة وَهَذَا من أحسن كَلَامه وأبينه وَأَرَادَ بِشَاهِد الْحق مَا يغلب على الْقُلُوب الصادقة العارفة الصافية من ذكره ومحبته واجلاله وتعظيمه ووقاره بِحَيْثُ يكون ذَلِك حَاضرا فِيهَا مشهودا لَهَا غير غَائِب عَنْهَا وَمن أَشَارَ الى غير ذَلِك فمغرور مخدوع وغايته ان يكون فِي حقارة صدقه وَضعف تَمْيِيزه وَعلمه وَلَا ريب ان الْقُلُوب تشاهد أنوارا بِحَسب استعدادها تقوى تَارَة وتضعف أُخْرَى وَلَكِن تِلْكَ انوار الاعمال والايمان والمعارف وصفاء البواطن والاسرار لَا أَنَّهَا نور الذَّات المقدسة فان الْجَبَل لم يثبت للسير من ذَلِك النُّور حَتَّى تدكدك وخر الكليم صعقا مَعَ عدم تجليه لَهُ فَمَا الظَّن بِغَيْرِهِ فإياك ثمَّ إياك وترهات الْقَوْم وخيالاتهم وأوهامهم فَإِنَّهَا عِنْد العارفين أعظم من حجاب النَّفس وأحكامها فَإِن المحجوب بِنَفسِهِ معترف بِأَنَّهُ فِي ذَلِك الْحجاب وَصَاحب هَذِه الخيالات والأوهام يرى ان الْحَقِيقَة قد تجلت لَهُ أنوارها
стр. 749
وَلم يحصل ذَلِك لمُوسَى بن عمرَان كليم الرَّحْمَن فحجاب هَؤُلَاءِ أغْلظ بِلَا شكّ من حجاب أُولَئِكَ وَلَا يقر لنا بِهَذَا إِلَّا عَارِف قد اشرق فِي بَاطِنه نور المحمدية فَرَأى مَا للنَّاس فِيهِ وَمَا اعز ذَلِك فِي الدُّنْيَا وَمَا أغربه بَين الْخلق وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَان انْتهى كَلَامه
وَقَوله هوة قَالَ فِي الْقَامُوس الهوة كقوة مَا انهبط من الارض أَو الوهدة الغامضة مِنْهَا كالهوانة كرمانة انْتهى
قَوْله والنور ذُو نَوْعَيْنِ الخ
قَالَ النَّاظِم فِي الصَّوَاعِق الْمُرْسلَة قد ورد النَّص بِتَسْمِيَة الرب نورا وَبِأَن لَهُ نورا مُضَافا اليه وَبِأَنَّهُ نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَبِأَن حجابه نوره فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَنْوَاع
فالاول يُقَال عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ بالاطلاق فانه النُّور الْهَادِي
وَالثَّانِي يُضَاف اليه كَمَا يُضَاف اليه حَيَاته وسَمعه وبصره وعزته وَقدرته وَعلمه وَتارَة يُضَاف الى وَجهه وَتارَة يُضَاف الى ذَاته فالاول كَقَوْلِه اعوذ بِنور وَجهك وَقَوله نور السَّمَاوَات والارض من وَجهه وَالثَّانِي كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا﴾ الزمر وَقَول ابْن عَبَّاس ذَاك نوره الَّذِي اذا تجلى بِهِ
وَقَوله ﷺ فِي حَدِيث عبد الله بن عمر وَإِن الله خلق خلقه فِي ظلمَة ثمَّ ألْقى عَلَيْهِم من نوره الحَدِيث وَالثَّالِث وَهُوَ إِضَافَة نوره الى السَّمَاوَات والارض كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ النُّور الرَّابِع كَقَوْلِه حجابه النُّور فَهَذَا النُّور الْمُضَاف اليه يَجِيء على اُحْدُ الْوُجُوه الاربعة والنور الَّذِي احتجت بِهِ سمي نورا وَنَارًا كَمَا وَقع التَّرَدُّد فِي لَفظه فِي الحَدِيث الصَّحِيح حَدِيث أبي مُوسَى الاشعري وَهُوَ قَوْله
стр. 750
حجابة النُّور وَالنَّار فان هَذِه النَّار هِيَ نور وَهِي الَّتِي كلم الله كليمه مُوسَى مِنْهَا وَهِي نَار صَافِيَة لَهَا إشراق بِلَا احراق فالاقسام ثَلَاثَة إشراق بِلَا إحراق كنور الْقَمَر وإحراق بِلَا إشراق وَهِي نَار جَهَنَّم فانها سَوْدَاء محرقة لَا تضيء وإشراق باحراق وَهِي هَذِه النَّار المضيئة وَكَذَلِكَ نور الشَّمْس لَهُ الاشراق والاحراق فَهَذَا فِي الْأَنْوَار المشهودة المخلوقة وحجاب الرب ﵎ نور وَهُوَ نَار وَهَذِه الْأَنْوَاع كلهَا حَقِيقَة بِحَسب مراتبها فنور وَجهه حَقِيقَة لَا مجَاز واذا كَانَ نور مخلوقاته كَالشَّمْسِ وَالْقَمَر وَالنَّار حَقِيقَة فَكيف يكون نوره الَّذِي نِسْبَة الْأَنْوَار المخلوقة اليه اقل من نِسْبَة سراج ضَعِيف ألى قرص الشَّمْس فَكيف لَا يكون هَذَا النُّور حَقِيقَة انْتهى كَلَامه
فصل
... وَهُوَ الْمُقدم والمؤخر ذَانك الصفان للأفعال تابعان
وهما صِفَات الذَّات أَيْضا إِذْ هما ... بِالذَّاتِ لَا بِالْغَيْر قائمتان
ولذاك قد غلط الْمقسم حِين ظن صِفَاته نَوْعَيْنِ مُخْتَلفين ... إِن لم يرد هَذَا وَلَكِن قد أرا ... د قِيَامهَا بِالْفِعْلِ ذِي الامكان
وَالْفِعْل وَالْمَفْعُول شَيْء وَاحِد عِنْد الْمقسم ماهما شَيْئَانِ ... فلذاك وصف الْفِعْل لَيْسَ لَدَيْهِ إِلَّا نِسْبَة عدمية بِبَيَان
فَجَمِيع اسماء الفعال لَدَيْهِ لَيست قطّ ثَابِتَة ذَوَات معَان ... مَوْجُودَة لَكِن امور كلهَا ... نسب ترى عدمية الوجدان ...
стр. 751
.. هَذَا هُوَ التعطيل للأفعال كالتعطيل للأوصاف بالميزان
فَالْحق أَن الْوَصْف لَيْسَ بمورد التَّقْسِيم هَذَا مُقْتَضى الْبُرْهَان ... بل مورد التَّقْسِيم مَا قد قَامَ بِالذَّاتِ الَّتِي للْوَاحِد الرَّحْمَن
فهما اذا نَوْعَانِ اوصاف وأفعال فهذي قسْمَة التِّبْيَان ... فالوصف بالافعال يَسْتَدْعِي قيا ... م الْفِعْل بالموصوف بالبرهان ... فالوصف بِالْمَعْنَى سوى الافعال مَا ... إِن بَين ذَيْنك قطّ من فرقان
وَمن الْعَجَائِب أَنهم ردوا على ... من أثبت الْأَسْمَاء دون معَان
قَامَت بِمن هِيَ وَصفه هَذَا محا ... ل غير مَعْقُول لذِي الأذهان
وأتو الى الاوصاف باسم الْفِعْل قا ... لوا لم تقم بِالْوَاحِدِ الديَّان
فَانْظُر اليهم أبطلوا الاصل الَّذِي ... ردوا بِهِ أَقْوَالهم بوزان
ان كَانَ هَذَا مُمكنا فكذاك قو ل خصومكم أَيْضا فذو إِمْكَان ... وَالْوَصْف بالتقديم وَالتَّأْخِير كو ... ني وديني وهما نَوْعَانِ
وَكِلَاهُمَا أَمر حَقِيقِيّ ونسبي وَلَا يخفى الْمِثَال على أولي الأذهان ... وَالله قدر ذَاك أجمعه باحكام واتقان من الرَّحْمَن ...
قَوْله وَلذَلِك قد غلط الْمقسم أَي إِن الْجَهْمِية وَمن تَبِعَهُمْ من الْمُعْتَزلَة والاشعرية قَالُوا إِن الْفِعْل هُوَ الْمَفْعُول والخلق هُوَ الْمَخْلُوق وَقد أَشَرنَا إِلَى ذَلِك فِيمَا تقدم ولنزد ذَلِك أيضاحا فَنَقُول قَالَ النَّسَفِيّ
стр. 752
رَحمَه الله فِي عقائده الْمَشْهُورَة والتكوين صفة لله أزلية وَهُوَ تكوينه للْعَالم وكل جُزْء من أَجْزَائِهِ وَهُوَ غير المكون عندنَا قَالَ شارحها الْمُحَقق سعد الدّين التَّفْتَازَانِيّ التكوين هُوَ معنى الْمعبر عَنهُ بِالْفِعْلِ والخلق والتخليق والايجاد والاحداث والاختراع وَنَحْو ذَلِك ويفسر باخراج الْمَعْدُوم من الْعَدَم الى الْوُجُود صفة لله تَعَالَى لإطباق الْعقل وَالنَّقْل على أَنه خَالق للْعَالم مكون لَهُ وَامْتِنَاع اطلاق اسْم الْمُشْتَقّ على الشَّيْء من غير أَن يكون مَأْخَذ الِاشْتِقَاق وَصفا قَائِما بِهِ أزلية لوجوه
الأول أَن يمْتَنع قيام الْحَوَادِث بِذَاتِهِ تَعَالَى
الثَّانِي أَنه وصف ذَاته فِي كَلَامه الأزلي بِأَنَّهُ الْخَالِق فَلَو لم يكن فِي الازل خَالِقًا للَزِمَ الْكَذِب أَو الْعُدُول الى الْمجَاز أَي الْخَالِق فِيمَا يسْتَقْبل اَوْ الْقَادِر على الْخلق من غير تعذر الْحَقِيقَة على أَنه لَو جَازَ إِطْلَاق الْخَالِق عَلَيْهِ بِمَعْنى الْقَادِر لجَاز اطلاق كل مَا يقدر عَلَيْهِ من الاعراض
الثَّالِث أَنه لَو كَانَ حَادِثا فاما بتكوين آخر فَيلْزم التسلسل وَهُوَ محَال وَيلْزم مِنْهُ اسْتِحَالَة تكون مَعَ أَنه مشَاهد وَإِمَّا بِدُونِهِ فيستغني الْحَادِث عَن الْمُحدث والاحداث وَفِيه تَعْطِيل الصَّانِع
الرَّابِع أَنه لَو حدث لحَدث إِمَّا فِي ذَاته تَعَالَى فَيصير محلا للحوادث أَو فِي غَيره كَمَا ذهب اليه أَبُو الْهُذيْل من ان تكوين كل جسم قَائِم بِهِ فَيكون كل جسم خَالِقًا ومكونا لنَفسِهِ ولاخفاء فِي استحالته ومبني هَذِه الادلة أَن التكوين صفة حَقِيقِيَّة كَالْعلمِ وَالْقُدْرَة قَالَ والمحققون من الْمُتَكَلِّمين على أَنه من الاضافات والاعتبارات الْعَقْلِيَّة مثل كَون الصَّانِع تَعَالَى وتقدس قبل كل شَيْء وَمَعَهُ وَبعده ومذكورا بالسنتنا ومعبودا لنا ومميتا ومحييا وَنَحْو ذَلِك قَالَ وَالْحَاصِل فِي الازل هُوَ مبدأ التخليق والترزيق والإماتة والإحياء
стр. 753
وَغير ذَلِك وَلَا دَلِيل على كَونه صفة أُخْرَى سوى الْقُدْرَة والارادة وان كَانَت نسبتها الى وجود المكون وَعَدَمه على السوَاء لَكِن مَعَ انضمام الارادة بتخصيص أحد الْجَانِبَيْنِ قَالَ وَلما اسْتدلَّ الْقَائِلُونَ بحدوث التكوين بِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر بِدُونِ المكون كالضرب بِدُونِ الْمَضْرُوب فَلَو كَانَ قَدِيما لزم قدم المكونات وَهُوَ محَال أَشَارَ النَّسَفِيّ الى الْجَواب بقوله وَهُوَ أَي التكوين تكوينه للْعَالم وَلكُل من أَجْزَائِهِ لَا فِي الْأَزَل بل لوقت وجوده على حسب علمه وارادته فالتكوين بَاقٍ أزلا وأبدا والمكون حَادث بحدوث التَّعَلُّق كَمَا فِي الْعلم وَالْقُدْرَة وَغَيرهمَا من الصِّفَات الْقَدِيمَة الَّتِي لَا يلْزم من قدمهَا قدم متعلقاتها لكَون تعلقاتها حَادِثَة وَهَذَا تَحْقِيق مَا يُقَال إِن وجود الْعَالم إِن لم يتَعَلَّق بِذَات الله تَعَالَى أَو صفة من صِفَاته لزم تَعْطِيل الصَّانِع واستغناء الْحَوَادِث عَن الموجد وَهُوَ محَال وَإِن تعلق فإمَّا أَن يسْتَلْزم ذَلِك قدم مَا يتَعَلَّق وجوده بِهِ فَيلْزم قدم الْعَالم وَهُوَ بَاطِل أَولا فَلْيَكُن التكوين أَيْضا قَدِيما مَعَ حُدُوث المكون الْمُتَعَلّق بِهِ وَمَا يُقَال بِأَن القَوْل بتعلق وجود المكون بالتكوين قَول بحدوثه إِذْ الْقَدِيم مَا لَا يتَعَلَّق وجوده بِالْغَيْر والحادث مَا يتَعَلَّق بِهِ فمنظور فِيهِ لِأَن هَذَا معنى الْقَدِيم والحادث بِالذَّاتِ على مَا يَقُول بِهِ الفلاسفة وَأما عِنْد الْمُتَكَلِّمين فالحادث مَا لوُجُوده بداية أَي يكون مَسْبُوقا بِالْعدمِ وَالْقَدِيم بِخِلَافِهِ وَمُجَرَّد تعلق وجوده بِالْغَيْر لَا يسْتَلْزم حُدُوثه بِهَذَا الْمَعْنى لجَوَاز أَن يكون مُحْتَاجا الى الْغَيْر صادرا عَنهُ دَائِما بدوامه كَمَا ذهب اليه الفلاسفة فِيمَا ادعوا قدمه من الممكنات كالهيولي مثلا نعم إِذا أثبتنا صُدُور الْعَالم عَن الصَّانِع بِالِاخْتِيَارِ دون الايجاب بِدَلِيل لَا يتَوَقَّف على حُدُوث الْعَالم كَانَ القَوْل بتعلق وجوده بتكوين الله تَعَالَى قولا بحدوثه وَمن هُنَا يُقَال ان التَّنْصِيص
стр. 754
على كل جُزْء من أَجزَاء الْعَالم إِشَارَة الى الرَّد على من زعم قدم بعض الْأَجْزَاء كالهيولي وَإِلَّا فهم إِنَّمَا يَقُولُونَ بقدمها بِمَعْنى عدم المسبوقية بِالْعدمِ لَا بِمَعْنى عدم تكونه بِالْغَيْر
وَالْحَاصِل أَنا لَا نسلم أَنه لَا يتَصَوَّر التكوين بِدُونِ المكون وَأَن وازنه مَعَه وزان الضَّرْب مَعَ الْمَضْرُوب فان الضَّرْب صفة إضافية لَا يتَصَوَّر بِدُونِ المضافين اعني الضَّارِب والمضروب وَقد بَينا أَن التكوين صفة حَقِيقِيَّة هِيَ مبدأ الاضافة الَّتِي هِيَ إِخْرَاج الْمَعْدُوم من الْعَدَم الى الْوُجُود لَا عينهَا حَتَّى لَو كَانَت عينهَا على مَا وَقع فِي عبارَة بعض الْمَشَايِخ لَكَانَ القَوْل بتحققها بِدُونِ المكون مُكَابَرَة وانكارا للضَّرُورَة فَلَا ينْدَفع بِمَا يُقَال من ان الضَّرْب مُسْتَحِيل الْبَقَاء فَلَا بُد لتَعَلُّقه بالمفعول ووصول الْأَلَم اليه من وجود الْمَفْعُول مَعَه إِذْ لَو تَأَخّر لانعدم كَذَا قيل وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لفعل الْمَخْلُوق وَهُوَ بِخِلَاف فعل الْبَارِي فانه ازلي الدَّوَام يبْقى الى وَقت وجود الْمَفْعُول فالتكوين غير المكون عندنَا لِأَن الْفِعْل يغاير الْمَفْعُول بِالضَّرُورَةِ كالضرب مَعَ الْمَضْرُوب وَالْأكل مَعَ الْمَأْكُول وَلِأَنَّهُ لَو كَانَ نفس المكون لزم أَن يكون المكون مكونا مخلوقا بِنَفسِهِ ضَرُورَة أَنه مكون بالتكوين الَّذِي هُوَ عينه فَيكون قَدِيما مستغنيا عَن الصَّانِع وَهُوَ محَال وان لَا يكون للخالق تعلق بالعالم سوى أَنه أقدم مِنْهُ وقادر عَلَيْهِ من غير صنع وتأثير فِيهِ ضَرُورَة تكونه بِنَفسِهِ وَهَذَا لَا يُوجب كَونه خَالِقًا للْعَالم والعالم مخلوقا فَلَا يَصح القَوْل بِأَنَّهُ خَالق الْعَالم وصانعه وَهَذَا خلق وَأَن لَا يكون الله مكونا للاشياء ضَرُورَة أَنه لَا معنى للمكون إِلَّا من قَامَ بِهِ التكوين والتكوين اذا كَانَ عين المكون لَا يكون قَائِما بِذَات الله تَعَالَى وَإِن يَصح القَوْل بِأَنَّهُ خَالق سَواد هَذَا الْحجر أسود وَهَذَا الْحجر خَالق السوَاد
стр. 755
إِذْ لَا معنى للخالق وَالْأسود إِلَّا من قَامَ بِهِ الْخلق والسواد وهما وَاحِد فمحلهما وَاحِد هَذَا كُله تَنْبِيه على كَون الحكم بتغاير الْفِعْل وَالْمَفْعُول ضَرُورِيًّا ثمَّ قَالَ السعد التَّفْتَازَانِيّ وَهَذَا يَعْنِي إبِْطَال القَوْل بِأَن الْفِعْل هُوَ الْمَفْعُول لَا يتم إِلَّا بِإِثْبَات أَن تكون الْأَشْيَاء وصدورها عَن الْبَارِي تَعَالَى يتَوَقَّف على صفة حَقِيقِيَّة قَائِمَة بِالذَّاتِ مُغَايرَة للقدرة والارادة قَالَ وَالتَّحْقِيق أَن تعلق الْقُدْرَة على وفْق الارادة بِوُجُود الْمَقْدُور لوقت وجوده إِذا نسب للقدرة يُسمى أيجابها لَهُ واذا نسب الى الْقَادِر يُسمى الْخلق والتكوين وَنَحْو ذَلِك فحقيقة كَون الذَّات بِحَيْثُ تعلّقت قدرته بِوُجُود الْمَقْدُور لوقته ثمَّ يتَحَقَّق بِحَسب خصوصيات المقدورات خصوصيات الافعال كالترزيق والتصوير والاحياء والإماتة وَغير ذَلِك الى مَا لَا نِهَايَة لَهُ قَالَ وَأما كَون كل من ذَلِك صفة حَقِيقِيَّة أزلية فمما تفرد بِهِ عُلَمَاء مَا وَرَاء النَّهر وَفِيه تَكْثِير للقدماء جدا وَإِن لم تكن مُتَغَايِرَة قَالَ وَالْأَقْرَب مَا ذهب اليه الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُم وَهُوَ ان مرجع الْكل الى التكوين فانه ان تعلق بِالْحَيَاةِ سمي إحْيَاء وبالموت سمي إماتة وبالصورة تصويرا وبالرزق ترزيقا الى غير ذَلِك فَالْكل تكوين وانما الْخُصُوص بِخُصُوص التعلقات انْتهى
قلت مُرَاده بقوله مِمَّا تفرد بِهِ بعض عُلَمَاء مَا وَرَاء النَّهر عُلَمَاء الْكَلَام والا فَهُوَ مَذْهَب السّلف كَمَا تقدّمت الاشارة اليه وَهُوَ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وَلِهَذَا قَالَ شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية رَحمَه الله تَعَالَى فِي شرح العقائد الاصفهانية الصَّوَاب ان الْخلق غير الْمَخْلُوق قَالَ وَالَّذين يَقُولُونَ الْخلق هُوَ الْمَخْلُوق قَوْلهم فَاسد وَبَين وَجه فَسَاده وَمَا ذكر من الْآيَات القرآنية وَالْأَخْبَار النَّبَوِيَّة الدَّالَّة على هَذَا الاصل شَيْئا
стр. 756
كثيرا مثل ﴿كل يَوْم هُوَ فِي شَأْن﴾ الرَّحْمَن ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم﴾ مُحَمَّد وَقَوله ﴿إِن تكفرُوا فَإِن الله غَنِي عَنْكُم وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر وَإِن تشكروا يرضه لكم﴾ الزمر فَأخْبر أَن طَاعَته سَبَب لمحبته وَرضَاهُ ومعصيته سَبَب لسخطه وغضبه وَقَالَ تَعَالَى ﴿فاذكروني أذكركم﴾ الْبَقَرَة وَجَوَاب الشَّرْط كالمسبب مَعَ السَّبَب وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ فِيمَا يروي عَن ربه ﵎ أَنه قَالَ من ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي وَمن ذَكرنِي فِي مَلأ ذكرته فِي مَلأ خير مِنْهُم وَمن تقرب الي شبْرًا تقربت اليه ذِرَاعا وَمن تقرب الي ذِرَاعا تقربت اليه باعا وَمن اتاني يمشي أَتَيْته هرولة وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا لله أَشد فَرحا بتوبة عَبده الْمُؤمن مِمَّن أضلّ رَاحِلَته بِأَرْض دوية مهلكة عَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه فَنَامَ تَحت شَجَرَة ينْتَظر الْمَوْت فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ إِذا هُوَ بدابته عَلَيْهَا طَعَامه وَشَرَابه فَالله أَشد فَرحا بتوبة عَبده من هَذَا براحلته وَفِي الصَّحِيح يضْحك الله الى الرجلَيْن يقتل احدهما الآخر كِلَاهُمَا يدْخل الْجنَّة وَفِي الصِّحَاح وَالسّنَن والمساند من هَذَا شَيْء كثير يتَعَذَّر أَو يتعسر إحصاؤه وَقد ذكر من ذَلِك شَيْئا كثيرا ثمَّ قَالَ وَبِهَذَا الاصل الْعَظِيم وَكَانَ عَلَيْهِ سلف الامة وأئمتها بل وَعَلِيهِ جَمَاهِير الْعُقَلَاء وأكابرهم من جَمِيع الطوائف حَتَّى من الفلاسفة يظْهر بطلَان مَذْهَب الْقَائِلين بالقدماء الْخَمْسَة انْتهى
قَول النَّاظِم فلذاك وصف الْفِعْل لَيْسَ الا نِسْبَة عدمية الخ يَعْنِي ان الْقَائِلين بِأَن الْفِعْل هُوَ الْمَفْعُول عِنْدهم أَن صفة الْفِعْل نِسْبَة وَالنّسب أُمُور عدمية فَجَمِيع أَسمَاء الفعال عِنْدهم نسب وَالنّسب أَمر عدمي
стр. 757
فَهَذَا مِنْهُم تَعْطِيل للأفعال كَمَا عطلوا الصِّفَات
قَوْله وَالْحق ان الْوَصْف لَيْسَ بمورد التَّقْسِيم أَي بل مورد التَّقْسِيم مَا قَامَ بِالذَّاتِ وَهِي اوصاف وأفعال فالوصف بالافعال يَسْتَدْعِي قيام الْفِعْل بالموصوف بالبراهين القاطعة عقلا ونقلا
قَوْله وَمن الْعَجَائِب انهم ردوا على من أثبت الاسماء دون معَان أَي وَمن الْعَجَائِب أَن الأشاعرة ردوا على الْمُعْتَزلَة فِي اثباتهم الاسماء دون مَعَانِيهَا كَقَوْلِهِم قدير بِلَا قدرَة سميع بِلَا سمع بَصِير بِلَا بصر مُرِيد بِلَا إِرَادَة وَنَحْو ذَلِك ثمَّ أَتَوا الى الاوصاف باسم الْفِعْل فَقَالُوا لم يقم بِاللَّه تَعَالَى فأبطلوا الاصل الَّذِي ردوا بِهِ على الْمُعْتَزلَة وَالله أعلم
فصل ... هَذَا وَمن أَسْمَائِهِ مَا لَيْسَ يفرد بل يفال إِذا أَتَى بقران ... وَهِي الَّتِي تدعى بمزدواجتها ... أفرادها خطر على الْإِنْسَان
إِذْ ذَاك موهم نوع نقص جلّ رب الْعَرْش عَن عيب وَعَن نُقْصَان ... كالمانع الْمُعْطِي وكالضار الَّذِي ... هُوَ نَافِع وكماله الْأَمْرَانِ
وَنَظِير هَذَا الْقَابِض المقرون باسم الباسط اللفظان مقترنان ... وَكَذَا الْمعز مَعَ المذل وخافض ... مَعَ رَافع لفظان مزدوجان ... وَحَدِيث افراد اسْم منتقم فمو ... قوف كَمَا قد قَالَ ذُو الْعرْفَان ...
стр. 758
.. مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن غير مُقَيّد ... بالمجرمين وجابذو نَوْعَانِ ...
قَالَ النَّاظِم فِي بَدَائِع الْفَوَائِد بعد كَلَام سبق السَّادِس صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بِالْآخرِ وَذَلِكَ قدر زَائِد على مفرديهما نَحْو الْغَنِيّ الغفور الْقَدِير الحميد الْمجِيد وَهَكَذَا عَامَّة الصِّفَات المقترنة والاسماء المزدوجة فِي الْقُرْآن فان الْغناء صفة كَمَال وَالْحَمْد كَذَلِك واجتماع الْغناء مَعَ الْحَمد كَمَال آخر فَلهُ ثَنَاء من غناهُ وثناء من حَمده وثناء من اجْتِمَاعهمَا وَكَذَلِكَ الغفور الْقَدِير والحميد الْمجِيد والعزيز الْحَكِيم فَتَأَمّله فانه من أشرف المعارف وَقَالَ فِي مَوضِع أخر وَمِنْهَا مَا لَا يُطلق عَلَيْهِ بمفرده بل مَقْرُونا بمقابله كالمانع والضار والمنتقم فَلَا يجوز أَن يفرد هَذَا عَن مُقَابِله فانه مقرون بالمعطي والنافع وَالْعَفو فَهُوَ الْمُعْطِي الْمَانِع الضار النافع الْعَفو المنتقم الْمعز المذل لِأَن الْكَمَال فِي اقتران كل اسْم من هَذِه بِمُقَابلَة لِأَنَّهُ يُرَاد بِهِ أَنه الْمُنْفَرد بالربوبية وتدبير الْخلق وَالتَّصَرُّف فيهم عَطاء ومنعا ونفعا وضرا وعفوا وانتقاما واما ان يثني عَلَيْهِ بِمُجَرَّد الْمَنْع والإنتقام والإضرار فَلَا يسوغ فَهَذِهِ الْأَسْمَاء المزدوجة يجْرِي الاسمان مجْرى الِاسْم الْوَاحِد الَّذِي يمْتَنع فصل بعض حُرُوفه عَن بعض فَهِيَ وَإِن تعدّدت جَارِيَة مجْرى الِاسْم الوحد وَلذَلِك لم تَجِيء مُفْردَة وَلم تطلق عَلَيْهِ الا مقترنة فاعلمه فَلَو قلت يَا مذل يَا ضار يَا مَانع أَو اخبرت بذلك لم تكن مثنيا عَلَيْهِ وَلَا حامدا حى تذكر مُقَابِله وَأما الحَدِيث الَّذِي فِيهِ إِفْرَاد اسْم المنتقم فَهُوَ مَوْقُوف كَمَا قَالَ النَّاظِم وَالله أعلم
стр. 759
فصل ... وَدلَالَة الاسماء أَنْوَاع ثلا ... ث كلهَا مَعْلُومَة بِبَيَان
دلّت مُطَابقَة كَذَاك تضمنا ... وَكَذَا التزاما وَاضح الْبُرْهَان
أما مُطَابقَة الدّلَالَة فَهِيَ ان الِاسْم يفهم مِنْهُ مفهومان ... ذَات الْإِلَه وَذَلِكَ الْوَصْف الَّذِي ... يشتق مِنْهُ الِاسْم بالميزان ... لَكِن دلَالَته على إِحْدَاهمَا ... بتضمن فافهمه فهم بَيَان
وَكَذَا دلَالَته على الصّفة الَّتِي ... مَا اشتق مِنْهَا فالتزام دَان
وَإِذا أردْت لذا مِثَالا بَينا ... فمثال ذَلِك لَفْظَة الرَّحْمَن
ذَات الْإِلَه وَرَحْمَة مدلولها ... فهما لهَذَا اللَّفْظ مدلولان
إِحْدَاهمَا بعض لذا الْمَوْضُوع فَهِيَ تضمن ذَا وَاضح التِّبْيَان ... لَكِن وصف الْحَيّ لَازم ذَلِك الْمَعْنى لُزُوم الْعلم للرحمن
فَلِذَا دلَالَته عَلَيْهِ بِالْتِزَام ... بَين وَالْحق ذُو تبيان ...
شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي بَيَان أَنْوَاع الدلالات الثَّلَاثَة وَهِي الْمُطَابقَة والتضمن والالتزام وَذَلِكَ مثل مَا مثل بِهِ النَّاظِم وَهُوَ لَفْظَة الرَّحْمَن فانها دلّت على الصّفة الْمُشْتَقّ مِنْهَا وعَلى ذَات الرب سُبْحَانَهُ لَكِن دلَالَته على أحداهما بالتضمن وَأما دلالتها على الصّفة الَّتِي لم يشتق مِنْهَا اللَّفْظ كالحياة وَالْعلم فَهِيَ بالالتزام وَالله أعلم
стр. 760
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي شرح الْمنَازل الِاسْم من أَسْمَائِهِ ﵎ كَمَا يدل على الذَّات وَالصّفة الَّتِي اشتق مِنْهُ بالمطابقة فانه يدل دلالتان آخرتان بالتضمن واللزوم فَيدل على الصّفة بمفردها بالتضمن وَكَذَلِكَ على الذَّات الْمُجَرَّدَة عَن الصّفة وَيدل على الصّفة الْأُخْرَى باللزوم فان اسْم السَّمِيع يدل على ذَات الرب وسَمعه بالمطابقة وعَلى الذَّات وَحدهَا والسمع وَحده بالتضمن وَيدل على اسْم الْحَيّ وَصفَة الْحَيَاة بالالتزام انْتهى وَهَذَا وَاضح فِي بَيَان كَلَام النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل فِي بَيَان حَقِيقَة الالحاد فِي أَسمَاء رب الْعَالمين وَذكر انقسام الْمُلْحِدِينَ ... أسماؤه أَوْصَاف مدح كلهَا ... مُشْتَقَّة قد حملت لمعان
إياك والإلحاد فِيهَا إِنَّه ... كفر معَاذ الله من كفران
وَحَقِيقَة الالحاد فِيهَا الْميل بالاشراك والتعطيل والنكران ... فالملحدون اذا ثَلَاث طوائف ... فَعَلَيْهِم غضب من الرَّحْمَن
الْمُشْركُونَ لأَنهم سموا بهَا ... أوثانهم قَالُوا إِلَه ثَان
هم شبهوا الْمَخْلُوق بالخلاق عكس مشبه الخلاق بالانسان ... وكذاك أهل الِاتِّحَاد فانهم ... اخوانهم من اقْربْ الإخوان ...
стр. 761
.. أعْطوا الْوُجُود جَمِيعه اسماءه ... إِذْ كَانَ عين الله ذِي السُّلْطَان ... وَالْمُشْرِكُونَ أقل شركا مِنْهُم ... هم خصصوا ذَا الِاسْم بالأوثان
ولذاك كَانُوا أهل شرك عِنْدهم ... لَو عمموا مَا كَانَ من كفران ...
ذكر النَّاظِم ﵀ فِي أول الأبيات أَن أسماءه سُبْحَانَهُ أَوْصَاف مدح فَهِيَ أَعْلَام وأوصاف وَالْوَصْف فِيهَا لَا يُنَافِي العلمية بِخِلَاف اوصاف الْعباد فانها تنَافِي علميتهم لَان اوصافهم مُشْتَركَة ففاتتها العلمية المختصة بِخِلَاف اوصافه تَعَالَى
قَوْله مُشْتَقَّة الخ أَي إِذا أطلق الِاسْم عَلَيْهِ تَعَالَى جَازَ ان يشتق مِنْهُ الْمصدر وَالْفِعْل فيخبر عَنهُ فعلا أَو مصدرا نَحْو السَّمِيع الْبَصِير الْقَدِير يُطلق عَلَيْهِ من اسْم السّمع وَالْبَصَر وَالْقُدْرَة ويخبر عَنهُ بالأفعال من ذَلِك نَحْو قد سمع الله المجادلة وَقد رأى الله فَنعم القادرون المرسلات هَذَا إِذا كَانَ الْفِعْل مُتَعَدِّيا فَإِن كَانَ لَازِما لم يخبر عَنهُ بِهِ نَحْو الْحَيّ بل يُطلق عَلَيْهِ الِاسْم والمصدر دون الْفِعْل فَلَا يُقَال حَيّ كَذَا أَفَادَهُ النَّاظِم فِي بَدَائِع الْفَوَائِد وَيَنْبَغِي ان يعلم ان الاسماء الْحسنى لَهَا اعتباران اعْتِبَار من حَيْثُ الاسماء وَاعْتِبَار من حَيْثُ الصِّفَات فَهِيَ بِالِاعْتِبَارِ الأول مترادفة وبالاعتبار الثَّانِي متباينة وَالله اعْلَم
قَوْله إياك والالحاد فِيهَا الخ اعْلَم ان الالحاد فِي اسمائه سُبْحَانَهُ هُوَ الْعُدُول بهَا وبجهاتها ومعانيها عَن الْحق الثَّابِت لَهَا وَهُوَ مَأْخُوذ من الْميل كَمَا يدل عَلَيْهِ مَادَّة لحد وَمِنْه اللَّحْد وَهُوَ الشق فِي جَانب الْقَبْر الَّذِي قد مَال عَن الْوسط وَمِنْه الملحد فِي الدّين المائل عَن الْحق الى الْبَاطِل قَالَ ابْن السّكيت الملحد المائل عَن الْحق الْمدْخل فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَمِنْه الملتحد وَهُوَ مفتعل وَمن ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَلنْ تَجِد من دونه ملتحدا﴾ الْجِنّ
стр. 762
أَي من تعدل اليه وتهرب اليه وتلتجيء اليه وتبتهل اليه غَيره تَقول الْعَرَب التحد فلَان الى فلَان اذا عدل اليه
إاذ عرف هَذَا فالالحاد فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى انواع احدها ان تسمى الاصنام بهَا كتسميتهم اللات من الْإِلَه والعزى من الْعَزِيز وتسميتهم الصَّنَم إِلَهًا وَهَذَا إلحاد حَقِيقَة فانهم عدلوا بأسمائه الى اوثانهم وآلهتهم الْبَاطِلَة
قَوْله وكذاك اهل الِاتِّحَاد الخ أَي ان اهل الِاتِّحَاد الْقَائِلين بوحدة الْوُجُود أعْطوا الْوُجُود اسماءه تَعَالَى وَالْمُشْرِكُونَ أقل مِنْهُم شركا لَان الْمُشْركين خصصوا الْعِبَادَة بالأوثان وَهَؤُلَاء عمموا كل شَيْء بِالْعبَادَة قَالُوا وَإِنَّمَا كَانُوا مُشْرِكين تَعَالَى الله عَن قَوْلهم كَمَا قَالَ فِي الفصوص فِي قوم نوح ﵇ إِنَّهُم لَو تركُوا عِبَادَتهم لود وسواع ويغوث ويعوق ونسر لجهلوا من الْحق بِقدر مَا تركُوا من هَؤُلَاءِ ثمَّ قَالَ فَإِن للحق فِي كل معبود وَجها يعرفهُ من عرفه ويجهله من عرفه ويجهله من جَهله فالعالم يعلم من عبد وَفِي أَي صُورَة يظْهر ظهر حَتَّى عبد
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... والملحد الثَّانِي فذو التعطيل إِذْ ... ينفى حقائقها بِلَا برهَان
مَا ثمَّ غير الِاسْم أَوله بِمَا ... يَنْفِي الْحَقِيقَة ذِي بطلَان
فالقصد دفع النَّص عَن معنى الْحَقِيقَة فاجتهد فِيهِ بِلَفْظ بَيَان ... عطل وحرف ثمَّ أول وانفها ... واقذف بتجسيم وبالكفران
للمثبتين حقائق الاسماء والأوصاف بالأخبار وَالْقُرْآن ... فاذا هم احْتَجُّوا عَلَيْك فَقل لَهُم ... هَذَا مجَاز وَهُوَ وضع ثَان ...
стр. 763
.. فاذا غلبت عَن الْمجَاز فَقل لَهُم ... لَا يُسْتَفَاد حَقِيقَة الايقان
اني وَتلك أَدِلَّة لفظية ... عزلت عَن الايقان مُنْذُ زمَان ... فاذا تضافرت الْأَدِلَّة كَثْرَة ... وغلبت عَن تَقْرِير ذَا بِبَيَان
فَعَلَيْك حِينَئِذٍ بقانون وضعناه لدفع أَدِلَّة الْقُرْآن ... وَلكُل نَص لَيْسَ يقبل أَن يؤو ... ل بالمجاز وَلَا بِمَعْنى ثَان ... قل عَارض الْمَنْقُول مَعْقُول وَمَا الْأَمْرَانِ عِنْد الْعقل يتفقان
مَا ثمَّ إِلَّا وَاحِد من أَربع ... متقابلات كلهَا بوزان ... اعمال ذين وَعَكسه أَو تلْغي الْمَعْقُول مَا هَذَا بِذِي إِمْكَان
الْعقل أصل النَّقْل وَهُوَ أَبوهُ أَن تبطله يبطل فَرعه التحتاني ... فَتعين الاعمال للمعقول وَال إِلْغَاء للمنقول ذِي الْبُرْهَان
إعماله يُفْضِي الى إلغائه ... فاهجره هجر التّرْك وَالنِّسْيَان
وَالله لم نكذب عَلَيْهِم اننا وهم لَدَى الرَّحْمَن مختصمان ... وَهُنَاكَ يَجْزِي الْمُلْحِدُونَ وَمن نفي ال إلحاد يَجْزِي ثمَّ بالغفران
فاصبر قَلِيلا انما هِيَ سَاعَة ... يَا مُثبت الْأَوْصَاف للرحمن
فلسوف تجني أجر صبرك حِين يجني الْغَيْر وزر الاثم والعدوان ... فَالله سائلنا وسائلهم عَن ال إِثْبَات والتعطيل بعد زمَان
فأعد حِينَئِذٍ جَوَابا كَافِيا ... عِنْد السُّؤَال يكون ذَا تبيان ...
стр. 764
قَوْله والملحد الثَّانِي فذو التعطيل الخ هَذَا الحاد الطَّائِفَة الثَّانِيَة من الْمُلْحِدِينَ وَهُوَ إلحاد أهل التعطيل الَّذين عطلوا الاسماء الْحسنى من مَعَانِيهَا وجحدوا حقائقها كَقَوْل من يَقُول من الْجَهْمِية وأتباعهم إِنَّهَا أَلْفَاظ مُجَرّدَة لَا تَتَضَمَّن صِفَات وَلَا معَان فيطلقون عَلَيْهِ اسْم السَّمِيع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد وَيَقُولُونَ لَا حَيَاة لَهُ وَلَا سمع وَلَا بصر وَلَا كَلَام وَلَا إِرَادَة تقوم بِهِ وَهَذَا من أعظم الالحاد فِيهَا عقلا وَشرعا ولغة وفطرة وَهُوَ مُقَابل لإلحاد الْمُشْركين فان أُولَئِكَ أعْطوا اسماءه وَصِفَاته لآلهتهم وَهَؤُلَاء سلبوه صِفَات كَمَاله وجحدوا وعطلوها فكلاهما ملحد فِي أَسْمَائِهِ ثمَّ الْجَهْمِية وفروخهم متفاوتون فِي هَذَا الْإِلْحَاد فيهم العالي والمتوسط والمتلون وكل من جحد شَيْئا مِمَّا وصف الله بِهِ نَفسه أَو وَصفه بِهِ رَسُوله فقد ألحد فِي ذَلِك فليستقل أَو ليستكثر
قَوْله فالقصد دفع النَّص عَن معنى الْحَقِيقَة أَي ان هَذَا الْقسم من الْمُلْحِدِينَ قصدهم دفع النَّص عَن معنى الْحَقِيقَة بالتحريف والتعطيل وَالنَّفْي وَقذف المثبتة ونبزهم بالتجسيم ورميهم بالْكفْر وَيَقُولُونَ إِذا احتجت المثبتة عَلَيْك بالنصوص القرأنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة فادفعها بضروب من الدّفع مثل دَعْوَى أَنَّهَا مجَاز فاذا غلبت على الْمجَاز فَقل هِيَ أَدِلَّة لفظية لَا تفِيد الْعلم وَالْيَقِين فاذا تكاثرت الْأَدِلَّة وتضافرت فَعَلَيْك بالقوانين الْمَوْضُوعَة لدفع أَدِلَّة الْقُرْآن وَلكُل نَص لَا يقبل التَّأْوِيل وَقل عَارض الْمَنْقُول مَعْقُول واذا تعَارض الْعقل وَالنَّقْل فَمَا ثمَّ إِلَّا وَاحِد من أَربع إِمَّا أَن نعملها وَإِمَّا أَن نهملها وَإِمَّا ان نعمل النَّقْل ونلغي الْعقل وَهُوَ غير مُمكن لِأَن الْعقل أصل النَّقْل وَالنَّقْل فَرعه فان أبطلناها أبطلنا النَّقْل لأَنا صدقنا النَّقْل بِهِ فأعماله إِلَى الغائه فَتعين الإعمال للمعقول وإلغاء
стр. 765
الْمَنْقُول بالقانون ذِي الْبُرْهَان وَقد بسط شيخ الاسلام ﵀ الْكَلَام على هَذَا أتم بسط فِي أول كتاب دَرْء تعَارض الْعقل وَالنَّقْل فَارْجِع اليه إِن شِئْت وَكَذَلِكَ الْعَلامَة النَّاظِم فانه بسط ذَلِك وَأَطْنَبَ فِي كِتَابه الصَّوَاعِق الْمُرْسلَة
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... هَذَا وثالثهم فنافيها ونا ... فِي مَا تدل عَلَيْهِ بالبهتان
ذَا جَاحد الرَّحْمَن رَأْسا لم يقر بخالق أبدا وَلَا رَحْمَن
هَذَا هُوَ الالحاد فاحذره لَعَلَّ الله أَن ينجيك من نيران
وتفوز بالزلفى لَدَيْهِ وجنة المأوى مَعَ الغفران والرضوان ... لَا توحشنك غربَة بَين الورى ... فَالنَّاس كالأموات فِي الْحَيَّانِ
أَو ماعلمت بِأَن أهل السّنة الغرباء حَقًا عِنْد كل زمَان ... قل لي مَتى سلم الرَّسُول وَصَحبه ... والتابعون لَهُم على الاحسان ... من جَاهِل ومعاند ومنافق ... ومحارب بالبغي والعدوان
وتظن أَنَّك وَارِث لَهُم وَمَا ... ذقت الْأَذَى فِي نصْرَة الرَّحْمَن
كلا وَلَا جاهدت حق جهاده ... فِي الله لَا بيد وَلَا بِلِسَان
منتك وَالله الْمحَال النَّفس فاستحدث سوى ذَا الرَّأْي والحسبان
لَو كنت وَارثه لآذتك الألى ... ورثوا عداهُ بِسَائِر الألوان ...
ذكر فِي هَذَا الْفَصْل إلحاد الطَّائِفَة الثَّالِثَة من أهل الْإِلْحَاد وَهُوَ إلحاد النفاة
стр. 766
الجاحدين لله ولكتبه وَرُسُله وَهَذَا هُوَ الْإِلْحَاد حَقًا كَمَا قَالَ النَّاظِم نَعُوذ بِاللَّه من مُوجبَات غَضَبه وأليم عِقَابه شرع النَّاظِم فِي تَعْزِيَة أهل السّنة وَأَنَّهُمْ هم الغرباء فِي كل زمَان وَلَقَد أحسن الْقَائِل ... قد عرف الْمُنكر واستن ... كرّ الْجَهْل فِي رُتْبَة ... فَقلت للأبرار أهل التقى ... وَالدّين لما اشتدت الْكُرْبَة ... لَا تنكروا أحوالكم قد أَتَت ... نوبتكم فِي زمن الغربة ...
وللحافظ عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن رَجَب كتاب كشف الْكُرْبَة فِي وصف حَال اهل الغربة
فصل فِي النَّوْع الثَّانِي من نَوْعي تَوْحِيد الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ الْمُخَالف لتوحيد المعطلين وَالْمُشْرِكين ... هَذَا وَثَانِي نَوْعي التَّوْحِيد تو ... حيد الْعِبَادَة مِنْك للرحمن
أَن لَا تكون لغيره عبدا وَلَا ... تعبد بِغَيْر شَرِيعَة الايمان
فتقوم بالاسلام وَالْإِيمَان وَالْإِحْسَان فِي سر وَفِي إعلان
والصدق والاخلاص ركنا ذَلِك التَّوْحِيد كالركنين للبنيان
وَحَقِيقَة الاخلاص تَوْحِيد المُرَاد فَلَا يزاحمه مُرَاد ثَان ... لَكِن مُرَاد العَبْد يبْقى وَاحِدًا مَا فِيهِ تَفْرِيق لَدَى الانسان ...
стр. 767
.. إِن كَانَ رَبك وَاحِدًا سُبْحَانَهُ ... فاخصصه بِالتَّوْحِيدِ مَعَ إِحْسَان
إِن كَانَ رَبك وَاحِدًا أنشاك لم ... يشركهُ اذ أنشأك رب ثَان
فكذاك أَيْضا وَحده فاعبده لَا ... تعبد سواهُ يَا أَخا الْعرْفَان
والصدق تَوْحِيد الارادة وَهُوَ بذ ... ل الْجهد لَا كسلا وَلَا متوان
وَالسّنة المثلى لسالكها فتو ... حيد الطَّرِيق الْأَعْظَم السُّلْطَان
فلواحد كن وَاحِدًا فِي وَاحِد ... أعنى سَبِيل الْحق والايمان
هذي ثَلَاث مسعدات للَّذي ... قد نالها وَالْفضل للمنان
فاذا هِيَ اجْتمعت لنَفس حرَّة ... بلغت من العلياء كل مَكَان
لله قلب شام هاتيك البرو ... ق من الْخيام فهم بالطيران
لَوْلَا التعلل بالرجاء تصدعت ... أعشاره كتصدع الْبُنيان
وتراه يبسطه الرَّجَاء فينثني ... متمايلا كتمايل النشوان
وَيعود يقبضهُ الاياس لكَونه ... مُتَخَلِّفًا عَن رفْقَة الْإِحْسَان
فتراه بَين الْقَبْض والبسط اللذا ... ن هما لأفق سمائه قطبان
وبدا لَهُ سعد السُّعُود فَصَارَ مسراه عَلَيْهِ لاعلى الدبران ... لله ذياك الْفَرِيق فانهم ... خصوا بخالصة من الرَّحْمَن ... شدت ركائبهم الى معبودهم ... وَرَسُوله يَا خيبة الكسلان ...
شرع النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي النَّوْع الثَّانِي من تَوْحِيد الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَهُوَ تَوْحِيد الْعِبَادَة وَالْعِبَادَة فِي اللُّغَة الذل يُقَال بعير معبد أَي مذلل وَطَرِيق معبد إِذا كَانَ مذللا قد وطئته الْأَقْدَام
стр. 768
وَأما الْعِبَادَة فِي اصْطِلَاح الْعلمَاء فقد عرفهَا طَائِفَة بقَوْلهمْ الْعِبَادَة مَا أَمر بِهِ شرعا من غير اطراد عرفي وَلَا اقْتِضَاء عَقْلِي وَعرفهَا طَائِفَة بانها كَمَال الْحبّ مَعَ كَمَال الخضوع
وَقَالَ شيخ الاسلام هِيَ اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَصدق الحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وبر الْوَالِدين وصلَة الْأَرْحَام وَالْوَفَاء بالعهود وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالْجهَاد للْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ والاحسان الى الْجَار واليتيم الْمِسْكِين والمملوك من الْآدَمِيّين والبهائم وَالدُّعَاء وَالذكر وَالْقِرَاءَة وأمثال ذَلِك من الْعِبَادَة وَكَذَلِكَ حب الله وَرَسُوله وخشية الله والانابة إِلَيْهِ وإخلاص الدّين لَهُ وَالصَّبْر لحكمه وَالشُّكْر لنعمه والرضى بِقَضَائِهِ والتوكل عَلَيْهِ والرجاء لِرَحْمَتِهِ وَالْخَوْف من عَذَابه وأمثال ذَلِك فالدين كُله دَاخل فِي الْعِبَادَة انْتهى وكل هَذِه التعريفات لِلْعِبَادَةِ مَعْنَاهَا وَاحِد
وَإِذا عرفت معنى الْعِبَادَة فَاعْلَم أَن التَّوْحِيد نَوْعَانِ تَوْحِيد فِي الْمعرفَة والاثبات وَهُوَ تَوْحِيد الربوبية والأسماء وَالصِّفَات وتوحيد فِي الطّلب وَالْقَصْد وَهُوَ تَوْحِيد الالهية وَالْعِبَادَة
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى وَأما التَّوْحِيد الَّذِي دعت اليه الرُّسُل
стр. 769
وَنزلت بِهِ الْكتب فَهُوَ نَوْعَانِ تَوْحِيد فِي الْمعرفَة والاثبات وتوحيد فِي الطّلب وَالْقَصْد فَالْأول هُوَ إِثْبَات حَقِيقَة ذَات الرب تَعَالَى وَصِفَاته وأفعاله وأسمائه وتكلمه بكتبه وتكليمه من شَاءَ من عباده وَإِثْبَات عُمُوم قَضَائِهِ وَقدره وحكمته وَقد أفْصح الْقُرْآن عَن هَذَا النَّوْع حد الافصاح كَمَا فِي أول الْحَدِيد وَسورَة طه وَآخر الْحَشْر وَأول تَنْزِيل السَّجْدَة وَسورَة الاخلاص بكمالها وَغير ذَلِك
النَّوْع الثَّانِي مَا تضمنه سُورَة ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿قل يَا أهل الْكتاب تَعَالَوْا إِلَى كلمة سَوَاء بَيْننَا وَبَيْنكُم أَلا نعْبد إِلَّا الله وَلَا نشْرك بِهِ شَيْئا﴾ آل عمرَان الْآيَة وَأول سُورَة تَنْزِيل الْكتاب وَآخِرهَا وَأول سُورَة الْمُؤمن ووسطها وَآخِرهَا وَأول سُورَة الْأَعْرَاف وَآخِرهَا وَجُمْلَة سُورَة الْأَنْعَام وغالب سور الْقُرْآن بل كل سُورَة فِي الْقُرْآن فَهِيَ متضمنة لنوعي التَّوْحِيد شاهدة بِهِ دَاعِيَة اليه فان الْقُرْآن إِمَّا خبر عَن الله واسمائه وَصِفَاته وأفعاله وأقواله فَهُوَ التَّوْحِيد العلمي الخبري وَإِمَّا دَعْوَة الى عِبَادَته وَحده لَا شريك لَهُ وخلع مَا يعبد من دونه فَهُوَ التَّوْحِيد الارادي الطلبي وَإِمَّا أَمر وَنهي وإلزام بِطَاعَتِهِ وَأمره وَنَهْيه فَهُوَ حُقُوق التَّوْحِيد ومكملاته وَإِمَّا خبر عَن إكرام أهل التَّوْحِيد وَمَا فعل بهم فِي الدُّنْيَا ويكرمهم بِهِ فِي الْآخِرَة فَهُوَ جَزَاء أهل توحيده وَإِمَّا خبر عَن أهل الشّرك وَمَا فعل بهم فِي الدُّنْيَا من النكال وَمَا يحل بهم فِي العقبى من الْعَذَاب فَهُوَ جَزَاء من خرج عَن حكم التَّوْحِيد فالقرآن كُله فِي التَّوْحِيد وحقوقه وجزائه وَفِي شَأْن الشّرك وَأَهله وجزائهم انْتهى
قَالَ شيخ الاسلام التَّوْحِيد الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُول إِنَّمَا يتَضَمَّن إِثْبَات الإلهية لله وَحده بِأَن يشْهد أَن لَا إِلَه الا الله فَلَا يعبد إِلَّا إِيَّاه وَلَا يتوكل
стр. 770
إِلَّا عَلَيْهِ وَلَا يوالي الا لَهُ وَلَا يعادي إِلَّا فِيهِ وَلَا يعْمل الا لأَجله وَذَلِكَ يتَضَمَّن أثبات مَا أثْبته لنَفسِهِ من الاسماء وَالصِّفَات قَالَ تَعَالَى ﴿وإلهكم إِلَه وَاحِد لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ الْبَقَرَة وَقَالَ تَعَالَى وَقَالَ الله ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَه وَاحِد فإياي فارهبون﴾ النَّحْل وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يدع مَعَ الله إِلَهًا آخر لَا برهَان لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حسابه عِنْد ربه إِنَّه لَا يفلح الْكَافِرُونَ﴾ الْمُؤْمِنُونَ وَقَالَ تَعَالَى ﴿واسأل من أرسلنَا من قبلك من رسلنَا أجعلنا من دون الرَّحْمَن آلِهَة يعْبدُونَ﴾ الزخرف وَأخْبر عَن كل نَبِي من الْأَنْبِيَاء أَنهم دعوا النَّاس الى عبَادَة الله وَحده لَا شريك لَهُ وَقَالَ ﴿قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ قَالُوا لقومهم إِنَّا بُرَآء مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده﴾ الممتحنة وَقَالَ عَن الْمُشْركين ﴿إِنَّهُم كَانُوا إِذا قيل لَهُم لَا إِلَه إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أئنا لتاركوا آلِهَتنَا لشاعر مَجْنُون﴾ الصافات وَهَذَا فِي الْقُرْآن كثير وَلَيْسَ المُرَاد بِالتَّوْحِيدِ مُجَرّد تَوْحِيد الربوبية وَهُوَ اعْتِقَاد أَن الله وَحده خلق الْعَالم كَمَا يظنّ ذَلِك من يَظُنّهُ من اهل الْكَلَام والتصوف ويظن هَؤُلَاءِ أَنهم اذا أثبتوا ذَلِك بِالدَّلِيلِ فقد أثبتوا غَايَة التَّوْحِيد وَأَنَّهُمْ اذا أشهدوا هَذَا وفنوا فِيهِ فقد فنوا فِي غَايَة التَّوْحِيد فان الرجل لَو أقرّ بِمَا يسْتَحق الرب تَعَالَى من الصِّفَات ونزهه عَن كل مَا يتنزه عَنهُ وَأقر بِأَنَّهُ وَحده خَالق كل شئ لم يكن موحدا حَتَّى يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده فَيقر بِأَن الله وَحده هُوَ الْإِلَه الْمُسْتَحق لِلْعِبَادَةِ ويلتزم بِعبَادة الله وَحده لَا شريك لَهُ والإله هُوَ المألوه المعبود الَّذِي يسْتَحق الْعِبَادَة وَلَيْسَ هُوَ الْإِلَه بِمَعْنى الْقَادِر على الاختراع فاذا فسر الْمُفَسّر الْإِلَه بِمَعْنى الْقَادِر على الاختراع واعتقد أَن
стр. 771
هَذَا الْمَعْنى هُوَ اخص وصف الْإِلَه وَجعل إِثْبَات هَذَا هُوَ الْغَايَة فِي التَّوْحِيد كَمَا يفعل ذَلِك من يَفْعَله من متكلمة الصفاتية وَهُوَ الَّذِي يَقُولُونَهُ عَن ابي الْحسن وَأَتْبَاعه لم يعرفوا حَقِيقَة التَّوْحِيد الَّذِي بعث الله بِهِ رَسُوله ﷺ فان مُشْركي الْعَرَب كَانُوا مقرين بِأَن الله وَحده خَالق شَيْء وَكَانُوا مَعَ هَذَا مُشْرِكين قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون﴾ يُوسُف قَالَ طَائِفَة من السّلف تَسْأَلهُمْ من خلق السَّمَاوَات والارض فَيَقُولُونَ الله وهم مَعَ هَذَا يعْبدُونَ غَيره قَالَ تَعَالَى ﴿قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا إِن كُنْتُم تعلمُونَ سيقولون لله قل أَفلا تذكرُونَ﴾ الى قَوْله فَأنى تسحرون الْمُؤْمِنُونَ فَلَيْسَ كل من أقل بَان الله تَعَالَى رب كل شَيْء وخالقه يكون عابدا لَهُ دون مَا سواهُ دَاعيا لَهُ دون مَا سواهُ راجيا لَهُ خَائفًا مِنْهُ دون مَا سواهُ يوالي فِيهِ ويعادي فِيهِ ويطيع رَسُوله وَيَأْمُر بِمَا أَمر بِهِ وَينْهى عَمَّا نهى عَنهُ وَعَامة الْمُشْركين أقرُّوا بِأَن الله خَالق كل شئ وابتغوا الشفعاء الَّذين يشركونهم بِهِ وَجعلُوا لَهُ أندادا قَالَ الله تَعَالَى ﴿أم اتَّخذُوا من دون الله شُفَعَاء قل أولو كَانُوا لَا يملكُونَ شَيْئا وَلَا يعْقلُونَ قل لله الشَّفَاعَة جَمِيعًا لَهُ ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ الزمر وَقَالَ تَعَالَى ﴿ويعبدون من دون الله مَا لَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شفعاؤنا عِنْد الله﴾ الى قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ يُونُس وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَد جئتموها فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أول مرّة وتركتم مَا خولناكم وَرَاء ظهوركم وَمَا نرى مَعكُمْ شفعاؤكم الَّذين زعمتم أَنهم فِيكُم شُرَكَاء لقد تقطع بَيْنكُم وضل عَنْكُم مَا كُنْتُم تَزْعُمُونَ ﴿الْأَنْعَام﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾ الْبَقَرَة وَلِهَذَا كَانَ من أَتبَاع هَؤُلَاءِ من يسْجد للشمس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب ويدعوها ويصوم وينسك لَهَا ويتقرب اليها
стр. 772
ثمَّ يَقُول إِن هَذَا لَيْسَ بشرك إِنَّمَا الشّرك إِذا اعتقدت أَنَّهَا الْمُدبرَة لي فاذا جَعلتهَا سَببا وواسطة لم أكن مُشْركًا وَمن الْمَعْلُوم بالاضطرار من دين الاسلام ان هَذَا شرك انْتهى كَلَامه قَوْله والصدق والاخلاص ركنا ذَلِك التَّوْحِيد جعل الاخلاص أحد ركني تَوْحِيد الْعِبَادَة والصدق رُكْنه الآخر وَفسّر الصدْق بِمَا ذكر وَقَالَ النَّاظِم فِي بعض كَلَامه ومقام الصدْق جَامع للاخلاص والعزم فباجتماعهما يَصح لَهُ مقَام الصدْق فَظهر من كَلَامه أَن تَوْحِيد الْعِبَادَة أَعم من الاخلاص قَوْله فلواحد يُرِيد بِهِ الاخلاص لله الْوَاحِد وَهَذَا هُوَ تَوْحِيد المُرَاد قَوْله كن وَاحِدًا يُرِيد بِهِ الصدْق وَهُوَ تَوْحِيد الارادة قَوْله فِي وَاحِد يُرِيد بِهِ تَوْحِيد الطَّرِيق وَهُوَ اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة وَذَلِكَ معنى قَوْله وَالسّنة المثلى لسالكها فتوحيد الطَّرِيق الخ قَوْله شام هُوَ فعل مَاض يُقَال شام يشيم شيما اذا نظر من بعد
فصل ... والشرك فاحذره فشرك ظَاهر ... ذَا قسم لَيْسَ بقابل الغفران
وَهُوَ اتِّخَاذ الند للرحمن أيا كَانَ من حجر وَمن انسان ... يَدعُوهُ اَوْ يرجوه ثمَّ يخافه ... وَيُحِبهُ كمحبة الديَّان ...
стр. 773
.. وَالله مَا ساووهم بِاللَّه فِي ... خلق وَلَا رزق وَلَا إِحْسَان
فَالله عِنْدهم هُوَ الخلاق والرزاق مولى الْفضل وَالْإِحْسَان ... لكِنهمْ ساووهم بِاللَّه فِي ... حب وتعظيم وَفِي ايمان ... جعلُوا محبتهم مَعَ الرَّحْمَن مَا ... جعلُوا الْمحبَّة قطّ للرحمن
لَو كَانَ حبهم لأجل الله مَا ... عَادوا أحبته على الايمان
وَلما أَحبُّوا سخطه وتجنبوا ... محبوبه ومواقع الرضْوَان
شَرط الْمحبَّة أَن توَافق من تحب على محبته بِلَا عصيان
فاذا ادعيت لَهُ الْمحبَّة مَعَ خلا ... فك مَا يحب فَأَنت ذُو بهتان ... أَتُحِبُّ أَعدَاء الحبيب وتدعي ... حبا لَهُ مَا ذَاك فِي إِمْكَان ... وَكَذَا تعادي جاهدا أحبابه ... إِن الْمحبَّة يَا أَخا الشَّيْطَان
لَيْسَ الْعِبَادَة غير تَوْحِيد الْمحبَّة مَعَ خضوع الْقلب والأركان ... وَالْحب نفس وفاقه فِيمَا يحب وَيبغض مَا لَا يرتضي بجنان
ووفاقه نفس اتباعك أمره ... وَالْقَصْد وَجه الله ذِي الْإِحْسَان
هَذَا هُوَ الأحسان شَرط فِي قبو ... ل السَّعْي فافهمه من الْقُرْآن
والاتباع بِدُونِ شرع رَسُوله ... عين الْمحَال وأبطل الْبطلَان
فاذا نبذت كِتَابه وَرَسُوله ... وتبعت أَمر النَّفس والشيطان
وتخذت أندادا تحبهم كحب الله كنت مُجَانب الْإِيمَان ...
стр. 774
.. وَلَقَد رَأينَا من فريق يدعى الْإِسْلَام شركا ظَاهر التِّبْيَان
جعلُوا لَهُ شُرَكَاء وَالوهم وسووهم بِهِ فِي الْحبّ لَا السُّلْطَان ... وَالله مَا ساووهم بِاللَّه بل ... زادوهم حبا بِلَا كتمان ... وَالله مَا غضبوا إِذا انتهكت محا ... رم رَبهم فِي السِّرّ والإعلان
حَتَّى إِذا مَا قيل فِي الوثن الَّذِي ... يَدعُونَهُ مَا فِيهِ من نُقْصَان
فأجارك الرَّحْمَن من غضب وَمن ... حَرْب وَمن شتم وَمن وعدوان
وأجارك الرَّحْمَن من ضرب وتعزيز وَمن سبّ وَمن سجان ... وَالله لَو عطلت كل صِفَاته ... مَا قابلوك بِبَعْض ذَا الْعدوان ... وَالله لَو خَالَفت نَص رَسُوله ... نصا صَرِيحًا وَاضح التِّبْيَان
وتبعت قَول شيوخهم أَو غَيرهم ... كنت الْمُحَقق صَاحب الْعرْفَان
حَتَّى إِذا خَالَفت آراء الرجا ... ل لسنة الْمَبْعُوث بِالْقُرْآنِ
نادوا عَلَيْك ببدعة وضلالة ... قَالُوا وَفِي تكفيره قَولَانِ
قَالُوا تنقصت الْكِبَار وَسَائِر الْعلمَاء بل جاهرت بالبهتان ... هَذَا وَلم نسلبهم حَقًا لَهُم ... ليَكُون ذَا كذب وَذَا عدوان ... وَإِذا سلبت صِفَاته وعلوه ... وَكَلَامه جَهرا بِلَا كتمان
لم يغضبوا بل كَانَ ذَلِك عِنْدهم ... عين الصَّوَاب وَمُقْتَضى الْإِحْسَان
وَالْأَمر وَالله الْعَظِيم يزِيد فو ... ق الْوَصْف لَا يخفى على العميان ...
стр. 775
.. وَإِذا ذكرت الله توحيدا رَأَيْت وُجُوههم مكسوفة الألوان ... بل ينظرُونَ اليك شزرا مثل مَا ... نظر التيوس الى عَصا الجوبان ... وَإِذا ذكرت بمدحه شركاءهم ... يستبشرون تباشر الفرحان
وَالله مَا شتموا رَوَائِح دينه ... يَا زكمة أعيت طَبِيب زمَان ...
ذكر النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى هَذِه فِي الأبيات الشّرك وَذكر أَن الله لَا يغفره كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ النِّسَاء
وَقَوله وَهُوَ اتِّخَاذ الند للرحمن الخ أَي إِن الشّرك هُوَ اتِّخَاذ ند من دون الله يَدعُوهُ كَمَا يَدْعُو الله ويرجوه كَمَا يَرْجُو الله ويخافه كَمَا يخَاف الله وَيُحِبهُ كَمَا يحب الله وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا هُوَ الشّرك الْأَكْبَر الَّذِي أرسل الله الرُّسُل وَأنزل الْكتب للنَّهْي عَنهُ وتكفير أَهله واستباحة دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ
قَوْله وَالله مَا ساووهم بِاللَّه فِي خلق الخ أَي إِن الْمُشْركين مَا ساووا معبوديهم بِاللَّه فِي الْخلق والرزق والاحسان وَإِنَّمَا ساووهم بِاللَّه فِي الْمحبَّة وَالْخَوْف والرجاء وَالدُّعَاء وَنَحْو ذَلِك كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن الْمُشْركين إِنَّهُم يَقُولُونَ لآلهتهم ﴿تالله إِن كُنَّا لفي ضلال مُبين إِذْ نسويكم بِرَبّ الْعَالمين﴾ الشُّعَرَاء وَمَعْلُوم أَنهم مَا ساووهم بِاللَّه فِي الْخلق والرزق وانما ساووهم بِهِ فِي الْمحبَّة والتعظيم وَإِلَّا فهم يَعْتَقِدُونَ أَنهم مخلوقون مربوبون كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا إِن كُنْتُم تعلمُونَ﴾ الأيات الْمُؤْمِنُونَ وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُم ﴿مَا نعبدهم إِلَّا ليقربونا إِلَى الله زلفى﴾ الزمر وَكَانَ الْمُشْركُونَ يَقُولُونَ فِي تلبيهم لبيْك لَا
следующие страницы →