Полный текст (1 130 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
هَذَا الْمَعْنى هُوَ اخص وصف الْإِلَه وَجعل إِثْبَات هَذَا هُوَ الْغَايَة فِي التَّوْحِيد كَمَا يفعل ذَلِك من يَفْعَله من متكلمة الصفاتية وَهُوَ الَّذِي يَقُولُونَهُ عَن ابي الْحسن وَأَتْبَاعه لم يعرفوا حَقِيقَة التَّوْحِيد الَّذِي بعث الله بِهِ رَسُوله ﷺ فان مُشْركي الْعَرَب كَانُوا مقرين بِأَن الله وَحده خَالق شَيْء وَكَانُوا مَعَ هَذَا مُشْرِكين قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون﴾ يُوسُف قَالَ طَائِفَة من السّلف تَسْأَلهُمْ من خلق السَّمَاوَات والارض فَيَقُولُونَ الله وهم مَعَ هَذَا يعْبدُونَ غَيره قَالَ تَعَالَى ﴿قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا إِن كُنْتُم تعلمُونَ سيقولون لله قل أَفلا تذكرُونَ﴾ الى قَوْله فَأنى تسحرون الْمُؤْمِنُونَ فَلَيْسَ كل من أقل بَان الله تَعَالَى رب كل شَيْء وخالقه يكون عابدا لَهُ دون مَا سواهُ دَاعيا لَهُ دون مَا سواهُ راجيا لَهُ خَائفًا مِنْهُ دون مَا سواهُ يوالي فِيهِ ويعادي فِيهِ ويطيع رَسُوله وَيَأْمُر بِمَا أَمر بِهِ وَينْهى عَمَّا نهى عَنهُ وَعَامة الْمُشْركين أقرُّوا بِأَن الله خَالق كل شئ وابتغوا الشفعاء الَّذين يشركونهم بِهِ وَجعلُوا لَهُ أندادا قَالَ الله تَعَالَى ﴿أم اتَّخذُوا من دون الله شُفَعَاء قل أولو كَانُوا لَا يملكُونَ شَيْئا وَلَا يعْقلُونَ قل لله الشَّفَاعَة جَمِيعًا لَهُ ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ الزمر وَقَالَ تَعَالَى ﴿ويعبدون من دون الله مَا لَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شفعاؤنا عِنْد الله﴾ الى قَوْله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يشركُونَ يُونُس وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَد جئتموها فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أول مرّة وتركتم مَا خولناكم وَرَاء ظهوركم وَمَا نرى مَعكُمْ شفعاؤكم الَّذين زعمتم أَنهم فِيكُم شُرَكَاء لقد تقطع بَيْنكُم وضل عَنْكُم مَا كُنْتُم تَزْعُمُونَ ﴿الْأَنْعَام﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾ الْبَقَرَة وَلِهَذَا كَانَ من أَتبَاع هَؤُلَاءِ من يسْجد للشمس وَالْقَمَر وَالْكَوَاكِب ويدعوها ويصوم وينسك لَهَا ويتقرب اليها
стр. 772
ثمَّ يَقُول إِن هَذَا لَيْسَ بشرك إِنَّمَا الشّرك إِذا اعتقدت أَنَّهَا الْمُدبرَة لي فاذا جَعلتهَا سَببا وواسطة لم أكن مُشْركًا وَمن الْمَعْلُوم بالاضطرار من دين الاسلام ان هَذَا شرك انْتهى كَلَامه قَوْله والصدق والاخلاص ركنا ذَلِك التَّوْحِيد جعل الاخلاص أحد ركني تَوْحِيد الْعِبَادَة والصدق رُكْنه الآخر وَفسّر الصدْق بِمَا ذكر وَقَالَ النَّاظِم فِي بعض كَلَامه ومقام الصدْق جَامع للاخلاص والعزم فباجتماعهما يَصح لَهُ مقَام الصدْق فَظهر من كَلَامه أَن تَوْحِيد الْعِبَادَة أَعم من الاخلاص قَوْله فلواحد يُرِيد بِهِ الاخلاص لله الْوَاحِد وَهَذَا هُوَ تَوْحِيد المُرَاد قَوْله كن وَاحِدًا يُرِيد بِهِ الصدْق وَهُوَ تَوْحِيد الارادة قَوْله فِي وَاحِد يُرِيد بِهِ تَوْحِيد الطَّرِيق وَهُوَ اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة وَذَلِكَ معنى قَوْله وَالسّنة المثلى لسالكها فتوحيد الطَّرِيق الخ قَوْله شام هُوَ فعل مَاض يُقَال شام يشيم شيما اذا نظر من بعد
فصل ... والشرك فاحذره فشرك ظَاهر ... ذَا قسم لَيْسَ بقابل الغفران
وَهُوَ اتِّخَاذ الند للرحمن أيا كَانَ من حجر وَمن انسان ... يَدعُوهُ اَوْ يرجوه ثمَّ يخافه ... وَيُحِبهُ كمحبة الديَّان ...
стр. 773
.. وَالله مَا ساووهم بِاللَّه فِي ... خلق وَلَا رزق وَلَا إِحْسَان
فَالله عِنْدهم هُوَ الخلاق والرزاق مولى الْفضل وَالْإِحْسَان ... لكِنهمْ ساووهم بِاللَّه فِي ... حب وتعظيم وَفِي ايمان ... جعلُوا محبتهم مَعَ الرَّحْمَن مَا ... جعلُوا الْمحبَّة قطّ للرحمن
لَو كَانَ حبهم لأجل الله مَا ... عَادوا أحبته على الايمان
وَلما أَحبُّوا سخطه وتجنبوا ... محبوبه ومواقع الرضْوَان
شَرط الْمحبَّة أَن توَافق من تحب على محبته بِلَا عصيان
فاذا ادعيت لَهُ الْمحبَّة مَعَ خلا ... فك مَا يحب فَأَنت ذُو بهتان ... أَتُحِبُّ أَعدَاء الحبيب وتدعي ... حبا لَهُ مَا ذَاك فِي إِمْكَان ... وَكَذَا تعادي جاهدا أحبابه ... إِن الْمحبَّة يَا أَخا الشَّيْطَان
لَيْسَ الْعِبَادَة غير تَوْحِيد الْمحبَّة مَعَ خضوع الْقلب والأركان ... وَالْحب نفس وفاقه فِيمَا يحب وَيبغض مَا لَا يرتضي بجنان
ووفاقه نفس اتباعك أمره ... وَالْقَصْد وَجه الله ذِي الْإِحْسَان
هَذَا هُوَ الأحسان شَرط فِي قبو ... ل السَّعْي فافهمه من الْقُرْآن
والاتباع بِدُونِ شرع رَسُوله ... عين الْمحَال وأبطل الْبطلَان
فاذا نبذت كِتَابه وَرَسُوله ... وتبعت أَمر النَّفس والشيطان
وتخذت أندادا تحبهم كحب الله كنت مُجَانب الْإِيمَان ...
стр. 774
.. وَلَقَد رَأينَا من فريق يدعى الْإِسْلَام شركا ظَاهر التِّبْيَان
جعلُوا لَهُ شُرَكَاء وَالوهم وسووهم بِهِ فِي الْحبّ لَا السُّلْطَان ... وَالله مَا ساووهم بِاللَّه بل ... زادوهم حبا بِلَا كتمان ... وَالله مَا غضبوا إِذا انتهكت محا ... رم رَبهم فِي السِّرّ والإعلان
حَتَّى إِذا مَا قيل فِي الوثن الَّذِي ... يَدعُونَهُ مَا فِيهِ من نُقْصَان
فأجارك الرَّحْمَن من غضب وَمن ... حَرْب وَمن شتم وَمن وعدوان
وأجارك الرَّحْمَن من ضرب وتعزيز وَمن سبّ وَمن سجان ... وَالله لَو عطلت كل صِفَاته ... مَا قابلوك بِبَعْض ذَا الْعدوان ... وَالله لَو خَالَفت نَص رَسُوله ... نصا صَرِيحًا وَاضح التِّبْيَان
وتبعت قَول شيوخهم أَو غَيرهم ... كنت الْمُحَقق صَاحب الْعرْفَان
حَتَّى إِذا خَالَفت آراء الرجا ... ل لسنة الْمَبْعُوث بِالْقُرْآنِ
نادوا عَلَيْك ببدعة وضلالة ... قَالُوا وَفِي تكفيره قَولَانِ
قَالُوا تنقصت الْكِبَار وَسَائِر الْعلمَاء بل جاهرت بالبهتان ... هَذَا وَلم نسلبهم حَقًا لَهُم ... ليَكُون ذَا كذب وَذَا عدوان ... وَإِذا سلبت صِفَاته وعلوه ... وَكَلَامه جَهرا بِلَا كتمان
لم يغضبوا بل كَانَ ذَلِك عِنْدهم ... عين الصَّوَاب وَمُقْتَضى الْإِحْسَان
وَالْأَمر وَالله الْعَظِيم يزِيد فو ... ق الْوَصْف لَا يخفى على العميان ...
стр. 775
.. وَإِذا ذكرت الله توحيدا رَأَيْت وُجُوههم مكسوفة الألوان ... بل ينظرُونَ اليك شزرا مثل مَا ... نظر التيوس الى عَصا الجوبان ... وَإِذا ذكرت بمدحه شركاءهم ... يستبشرون تباشر الفرحان
وَالله مَا شتموا رَوَائِح دينه ... يَا زكمة أعيت طَبِيب زمَان ...
ذكر النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى هَذِه فِي الأبيات الشّرك وَذكر أَن الله لَا يغفره كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ النِّسَاء
وَقَوله وَهُوَ اتِّخَاذ الند للرحمن الخ أَي إِن الشّرك هُوَ اتِّخَاذ ند من دون الله يَدعُوهُ كَمَا يَدْعُو الله ويرجوه كَمَا يَرْجُو الله ويخافه كَمَا يخَاف الله وَيُحِبهُ كَمَا يحب الله وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا هُوَ الشّرك الْأَكْبَر الَّذِي أرسل الله الرُّسُل وَأنزل الْكتب للنَّهْي عَنهُ وتكفير أَهله واستباحة دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ
قَوْله وَالله مَا ساووهم بِاللَّه فِي خلق الخ أَي إِن الْمُشْركين مَا ساووا معبوديهم بِاللَّه فِي الْخلق والرزق والاحسان وَإِنَّمَا ساووهم بِاللَّه فِي الْمحبَّة وَالْخَوْف والرجاء وَالدُّعَاء وَنَحْو ذَلِك كَمَا قَالَ تَعَالَى عَن الْمُشْركين إِنَّهُم يَقُولُونَ لآلهتهم ﴿تالله إِن كُنَّا لفي ضلال مُبين إِذْ نسويكم بِرَبّ الْعَالمين﴾ الشُّعَرَاء وَمَعْلُوم أَنهم مَا ساووهم بِاللَّه فِي الْخلق والرزق وانما ساووهم بِهِ فِي الْمحبَّة والتعظيم وَإِلَّا فهم يَعْتَقِدُونَ أَنهم مخلوقون مربوبون كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا إِن كُنْتُم تعلمُونَ﴾ الأيات الْمُؤْمِنُونَ وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُم ﴿مَا نعبدهم إِلَّا ليقربونا إِلَى الله زلفى﴾ الزمر وَكَانَ الْمُشْركُونَ يَقُولُونَ فِي تلبيهم لبيْك لَا
стр. 776
شريك لَك هُوَ لَك تملكه وَمَا ملك وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل ادعوا الَّذين زعمتم من دون الله لَا يملكُونَ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الأَرْض﴾ الاية سبأ
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي شرح الْمنَازل فِي الْكَلَام على هَذِه الْآيَات وَقد قطع الله الاسباب الَّتِي يتَعَلَّق بهَا الْمُشْركُونَ جَمِيعهَا قطعا يعلم من تَأمله وعرفه أَن من اتخذ من دون الله وليا اَوْ شَفِيعًا فَهُوَ كَمثل العنكبوت اتَّخذت بَيْتا وان أوهن الْبيُوت لبيت العنكبوت فَقَالَ تَعَالَى ﴿قل ادعوا الَّذين زعمتم من دون الله لَا يملكُونَ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الأَرْض وَمَا لَهُم فيهمَا من شرك وَمَا لَهُ مِنْهُم من ظهير وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة عِنْده إِلَّا لمن أذن لَهُ﴾ سبأ فالمشرك انما يَتَّخِذهُ معبوده لما يحصل لَهُ من النَّفْع والنفع لَا يكون الا مِمَّن خصْلَة من هَذِه الاربع اما مَالِكًا لما يُرِيد عابده مِنْهُ فان لم يكن مَالِكًا كَانَ شَرِيكا للْمَالِك فان لم يكن شَرِيكا لَهُ كَانَ معينا وظهيرا فان لم يكن معينا وَلَا ظهيرا كَانَ شَفِيعًا عِنْده فنفى سُبْحَانَهُ الْمَرَاتِب الاربع نفيا مُرَتبا منتقلا من الاعلى الى الادنى فنفى الْملك وَالشَّرِكَة والمظاهرة والشفاعة الَّتِي يطْلبهَا الْمُشرك أثبت شَفَاعَة لَا نصيب فِيهَا لِمُشْرِكٍ وَهِي الشَّفَاعَة باذنه فَكفى بِهَذِهِ الْآيَة نورا وبرهانا وَتَجْرِيد للتوحيد وقطعا لأصول الشّرك ومواده لمن عقلهَا وَالْقُرْآن مَمْلُوء من أَمْثَالهَا ونظائرها وَلَكِن أَكثر النَّاس لَا يَشْعُرُونَ بِدُخُول الْوَاقِع تَحْتَهُ وتضمنه لَهُ ويظنه فِي نوع وَقوم قد خلوا من قبل وَلم يعقبوا وَارِثا وَهَذَا هُوَ الَّذِي يحول بَين الْقلب وَبَين فهم الْقُرْآن ولعمر الله إِن كَانَ أُولَئِكَ قد خلوا فقد ورثهم من هُوَ مثلهم أَو شَرّ مِنْهُم اَوْ دونهم وَتَنَاول الْقُرْآن لَهُم كتناوله لأولئك ثمَّ قَالَ وَمن أَنْوَاعه أَي الشّرك طلب الْحَوَائِج
стр. 777
من الْمَوْتَى والاستغاثة بهم وَهَذَا أصل شرك الْعَالم فان الْمَيِّت قد انْقَطع عمله وَهُوَ لَا يملك لنَفسِهِ نفعا وَلَا ضرا فضلا لمن اسْتَغَاثَ بِهِ وَسَأَلَهُ أَن يشفع لَهُ الى الله وَهَذَا من جَهله بالشافع والمشفوع عِنْده كَأَنَّهُ لَا يقدر أَن يشفع عِنْد الله الا باذنه وَالله لم يَجْعَل استغاثته وسؤاله سَببا لاذنه وانما السَّبَب كَمَال التَّوْحِيد فجَاء هَذَا الْمُشرك بِسَبَب يمْنَع الاذن وَهُوَ بِمَنْزِلَة من اسْتَعَانَ فِي حَاجته بِمَا يمْنَع حُصُولهَا وَهَذِه حَالَة كل مُشْرك فَجمعُوا بَين الشّرك بالمعبود وَتغَير دينه ومعادات أهل التَّوْحِيد وَنسبَة أَهله الى التنقيص بالأموات وهم قد تنقصوا الْخَالِق بالشرك وأوليائه الْمُوَحِّدين بذمهم وعيبهم ومعاداتهم وتنقصوا من أشركوا بِهِ غَايَة التنقص إِذْ ظنُّوا أَنهم راضون مِنْهُم بِهَذَا وَأَنَّهُمْ أمروهم بِهِ وَأَنَّهُمْ يوالونهم عَلَيْهِ وَهَؤُلَاء هم اعداء الرُّسُل فِي كل زمَان وَمَكَان وَمَا أَكثر المستجيبين لَهُم ومانجا من شرك هَذَا الشّرك الْأَكْبَر إِلَّا من جرد توحيده لله وعادى الْمُشْركين فِي الله وتقرب سمعتهم الى الله وَاتخذ الله وَحده وليه والهه ومعبوده فَجرد حبه لله وخوفه لله ورجاءه لله وتوكله على الله واستعانته بِاللَّه والتجاءه الى الله واستغاثته بِاللَّه وقصده لله مُتبعا لأَمره متطلبا لمرضاته اذا سَأَلَ سَأَلَ الله واذا اسْتَعَانَ اسْتَعَانَ بِاللَّه واذا عمل عمل لله فَهُوَ لله وَبِاللَّهِ وَمَعَ الله انْتهى كَلَامه
قَوْله وَلَقَد راينا من فريق يَدعِي الاسلام الخ قد ذكر النَّاظِم فِي شرح الْمنَازل كلَاما كالشرح لكَلَامه هَذَا قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى وَأما الشّرك فَهُوَ نَوْعَانِ أكبر وأصغر فالاكبر لَا يغفره الله الا بِالتَّوْبَةِ مِنْهُ وَهُوَ أَن يتَّخذ من دون الله ندا يُحِبهُ كَمَا يحب الله وَهُوَ الشّرك الَّذِي تضمن تَسْوِيَة آلِهَة الْمُشْركين بِرَبّ الْعَالمين وَلِهَذَا قَالُوا لآلهتهم فِي النَّار
стр. 778
﴿تالله إِن كُنَّا لفي ضلال مُبين إِذْ نسويكم بِرَبّ الْعَالمين﴾ الشُّعَرَاء مَعَ اقرارهم بِأَن الله وَحده خَالق كل شَيْء وربه وملكيه وان آلِهَتهم لَا تخلق وَلَا ترزق وَلَا تميت وَلَا تحيي وَإِنَّمَا كَانَت هَذِه التَّسْوِيَة فِي الْمحبَّة والتعظيم وَالْعِبَادَة كَمَا هُوَ حَال مُشْركي الْعَالم بل كلهم يحبونَ معبوديهم ويعظمونها ويوالونها من دون الله وَكثير مِنْهُم بل أَكْثَرهم يحبونَ آلِهَتهم اعظم من محبَّة الله ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إِذا ذكر الله وَحده ويغضبون لتنقص معبوديهم وآلهتهم من الْمَشَايِخ أعظم مِمَّا يغضبون اذ انْتقصَ أحد رب الْعَالمين واذا انتهكت حُرْمَة من حرمات آلِهَتهم ومعبوديهم غضبوا غضب اللَّيْث واذا انتهكت حرمات الله لم يغضبوا لَهَا بل اذا قَامَ المنتهك لَهَا باطعامهم شَيْئا اعرضوا عَنهُ وَلم تتنكر لَهُ قُلُوبهم وَقد شاهدنا هَذَا نَحن وغيرنا مِنْهُم جهرة وَترى احدهم قد اتخذ ذكر آلهه ومعبوده من دون الله على لِسَانه ان قَامَ وان قعد وان عثر وان استوحى فَذكر الهه ومعبوده من دون الله هُوَ الْغَالِب على قلبه وَلسَانه وَهُوَ لَا يُنكر ذَلِك وَيَزْعُم انه بَاب حَاجته الى الله وشفيعه عِنْده ووسيلته اليه وَهَكَذَا كَانَ عباد الْأَصْنَام سَوَاء وَهَذَا الْقدر هُوَ الَّذِي قَامَ بقلوبهم وتوارثه الْمُشْركُونَ بِحَسب اخْتِلَاف آلِهَتهم فَأُولَئِك كَانَت من الْحجر وَغَيرهم اتخذها من الْبشر قَالَ تَعَالَى حاكيا عَن اسلاف هَؤُلَاءِ الْمُشْركين ﴿وَالَّذين اتَّخذُوا من دونه أَوْلِيَاء مَا نعبدهم إِلَّا ليقربونا إِلَى الله زلفى إِن الله يحكم بَينهم فِيمَا هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ الزمر ثمَّ شهد عَلَيْهِم بِالْكَذِبِ وَالْكفْر وَأخْبر أَنه لَا يهْدِيهم فَقَالَ ﴿إِن الله لَا يهدي من هُوَ كَاذِب كفار﴾ الزمر فَهَذِهِ حَال من اتخذ من دون الله وليا يزْعم أَنه يقرب الى الله وَمَا أعز من تخلص من هَذَا بل
стр. 779
مَا اعز من لَا يعادي من انكره وَالَّذِي فِي قُلُوب هَؤُلَاءِ الْمُشْركين وسلفهم أَن آلِهَتهم تشفع لَهُم عِنْد الله وَهَذَا عين الشّرك وَقد أنكر الله عَلَيْهِم ذَلِك فِي كِتَابه وأبطله وَاخْبَرْ أَن الشَّفَاعَة كلهَا لَهُ وَأَنه لَا يشفع عِنْده اُحْدُ الا لمن أذن الله أَن يشفع فِيهِ وَرَضي قَوْله وَعَمله وهم أهل التَّوْحِيد الَّذين لم يتخذوا من دون الله شُفَعَاء فَإِنَّهُ يَأْذَن سُبْحَانَهُ لمن يَشَاء فِي الشَّفَاعَة لَهُم حَيْثُ لم يتخذوا شُفَعَاء من دونه فَيكون أسعد النَّاس بشفاعة من يَأْذَن لَهُ صَاحب التَّوْحِيد الَّذِي لم يتَّخذ شَفِيعًا من دون الله
والشفاعة الَّتِي أثبتها الله وَرَسُوله الشَّفَاعَة الصادرة عَن اذنه لمن وَحده والشفاعة الَّتِي نفاها الله الشَّفَاعَة الشركية فِي قُلُوب الْمُشْركين المتخذين من دون الله شُفَعَاء فيعاملون بنقيض قصدهم من شفاعتهم ويفوز بهَا الموحدون فَتَأمل قَول النَّبِي ﷺ لأبي هُرَيْرَة وَقد سَأَلَهُ من أسعد النَّاس بشفاعتك يَا رَسُول الله قَالَ أسعد النَّاس بشفاعتي من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله كَيفَ جعل اعظم الاسباب الَّتِي تنَال بهَا شَفَاعَته تَجْرِيد التَّوْحِيد عكس مَا عِنْد الْمُشْركين أَن الشَّفَاعَة تنَال باتخاذهم شُفَعَاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله فَقلب النَّبِي ﷺ مَا فِي زعمهم الْكَاذِب وَأخْبر ان سَبَب الشَّفَاعَة تَجْرِيد التَّوْحِيد فَحِينَئِذٍ يَأْذَن الله للشافع أَن يشفع وَمن جهل الْمُشرك اعْتِقَاده أَن من اتخذ وليا أَو شَفِيعًا أَنه يشفع لَهُ وينفعه عِنْد الله كَمَا يكون خَواص الْمُلُوك والولاة تَنْفَع من والاهم وَلم يعلمُوا ان الله لَا يشفع عِنْده اُحْدُ فِي الشَّفَاعَة الا بِإِذْنِهِ وَلَا يَأْذَن فِي الشَّفَاعَة الا لمن رَضِي قَوْله وَعَمله كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْفَصْل الأول ﴿من ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ الْبَقَرَة وَفِي الْفَصْل الثَّانِي ﴿وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى﴾ الْأَنْبِيَاء وَبَقِي فصل ثَالِث وَهُوَ أَنه لَا يرضى من القَوْل وَالْعَمَل إِلَّا التَّوْحِيد وَاتِّبَاع الرَّسُول وَعَن هَاتين الْكَلِمَتَيْنِ يسْأَل الألون وَالْآخرُونَ كَمَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَة كلمتان يسْأَل عَنْهُمَا الاولون وَالْآخرُونَ مَاذَا كُنْتُم تَعْبدُونَ وماذا أجبتم الْمُرْسلين فَهَذِهِ
стр. 780
ثَلَاثَة أصُول تقطع شَجَرَة الشّرك من قلب من وعاها وعقلها لَا شَفَاعَة إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا يَأْذَن إِلَّا لمن رَضِي قَوْله وَعَمله وَلَا يرضى من القَوْل الا توحيده وَاتِّبَاع رَسُوله فان الله تَعَالَى لَا يغْفر شرك العادلين بِهِ غَيره فِي الْعِبَادَة والموالاة والمحبة كَمَا فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿تالله إِن كُنَّا لفي ضلال مُبين إِذْ نسويكم بِرَبّ الْعَالمين﴾ الشُّعَرَاء وكما فِي آيَة الْبَقَرَة ﴿يحبونهم كحب الله﴾ الْبَقَرَة وَترى الْمُشرك يكذب حَاله وَعَمله قَوْله فانه يَقُول لَا نحبهمْ كحب الله وَلَا نسويهم بِاللَّه ثمَّ يغْضب لَهُم ولحرماتهم إِذا انتهكت أعظم مِمَّا يغضبه لله ويستبشر بذكرهم سِيمَا إِذا ذكر عَنْهُم مَا لَيْسَ فيهم من إغاثة اللهفات وتفريج الكربات وَقَضَاء الْحَاجَات وَأَنَّهُمْ بَاب بَين الله وعباده فترى الْمُشرك يفرح وَيسر ويحن قلبه ويهبج مِنْهُ لواعج التَّعْظِيم والخضوع لَهُم والموالاة وَإِذا ذكرت الله وَحده وجردت توحيده لحقته وَحْشَة وضيق وحرج ورماك بتنقص الْآلهَة الَّتِي لَهُ وَرُبمَا عاداك رَأينَا هَذَا وَالله مِنْهُم عيَانًا ورمونا بعداوتهم وبغوا لنا الغوائل وَالله مخزيهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلم يكن حجتهم إِلَّا أَن قَالُوا كَمَا قَالَ إخْوَانهمْ عَابَ آلِهَتنَا فَقَالَ هَؤُلَاءِ تنقصتم مَشَايِخنَا وأبواب حوائجنا الى الله وَهَكَذَا قَالَ النَّصَارَى للنَّبِي ﷺ لما قَالَ لَهُم ان الْمَسِيح عبد تنقصت الْمَسِيح وعبته وَهَكَذَا أشباه المشوكين لمن منع اتِّخَاذ الْقُبُور أوثانا تعبد ومساجد وَأمر بزيارتها على الْوَجْه الَّذِي أذن الله فِيهِ وَرَسُوله قَالُوا تنقصت أَصْحَابهَا فَانْظُر الى هَذَا التشابه بَين قُلُوبهم حَتَّى كَأَنَّهُمْ قد تواصوا بِهِ وَمن يهد الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشدا انْتهى كَلَامه
стр. 781
قَوْله حَرْب يحْتَمل أَنه يكون بِسُكُون الرَّاء وَهُوَ مَعْرُوف جمعه حروب وَيحْتَمل أَنه بِفَتْح الرَّاء مصدر حَرْب قَالَ فِي الْقَامُوس حَرْب كفرح كلب وَاشْتَدَّ غَضَبه فَهُوَ حَرْب
قَوْله مكسوفة الالوان هُوَ بِالسِّين الْمُهْملَة قَالَ فِي الْقَامُوس وَرجل كاسف البال سيء الْحَال وكاسف الْوَجْه عابسه
قَوْله شزر الخ قَالَ فِي الْقَامُوس شزره واليه يشزره نظر مِنْهُ فِي اُحْدُ شقيه وَهُوَ نظر فِيهِ إِعْرَاض أَو نظر الغضبان بمؤخر الْعين اَوْ النّظر يَمِينا وَشمَالًا قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل فِي صف العسكرين وتقابل الصفين واستدارة رحى الْحَرْب الْعوَان وتصاول الأقران الْعوَان بِفَتْح الْعين أَي حَرْب بعد حَرْب ... يَا من يشب الْحَرْب جهلا مالكم ... بِقِتَال حزب الله قطّ يدان
أَنى يُقَاوم جندكم لجنودهم ... وهم الهداة وعسكر الْقُرْآن
وجنودكم مَا بَين كَذَّاب ودجا ... ل ومحتال وَذي بهتان
من كل أرعن يَدعِي الْمَعْقُول وَهُوَ مُجَانب لِلْعَقْلِ والايمان ...
стр. 782
قَالَ فِي الْقَامُوس الأرعن الأهوج فِي مَنْطِقه الأحمق المسترخي وَقد رعن مثلثه رعونة ورعنا محركة وَمَا أرعنه انْتهى ... أَو كل مُبْتَدع وجهمي غَدا فِي قلبه حرج من الْقُرْآن
أَو كل من قد دَان دين شُيُوخ أهل الاعتزال الْبَين الْبطلَان ... أَو قَائِل بالاتحاد وَأَنه ... عين الاله وَمَا هما شيآن ... أَو من غَدا فِي دينه متحيرا ... أَتبَاع كل ملدد حيران
وجنودهم جِبْرِيل مَعَ ميكال مَعَ ... بَاقِي الملائك ناصري الْقُرْآن
وَجَمِيع رسل الله من نوح الى ... خير الورى الْمَبْعُوث من عدنان
فالقلب خمستهم اولو الْعَزْم الألى ... فِي سُورَة الشورى أَتَوا بِبَيَان
فِي أول الْأَحْزَاب أَيْضا ذكرهم ... هم خير خلق الله من إِنْسَان ...
قَوْله فِي سُورَة الشورى الخ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى﴾ الْآيَة الاحزاب ﴿وَإِذ أَخذنَا من النَّبِيين ميثاقهم ومنك وَمن نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى ابْن مَرْيَم﴾ الاحزاب الْآيَة ... ولواؤهم بيد الرَّسُول مُحَمَّد ... وَالْكل تَحت لِوَاء ذِي الْفرْقَان
وَجَمِيع اصحاب الرَّسُول عِصَابَة الاسلام اهل الْعلم والايمان ... والتابعون لَهُم بِإِحْسَان على ... طبقاتهم فِي سَائِر الْأَزْمَان ... أهل الحَدِيث جَمِيعهم وأئمة ال ... فَتْوَى وأصل حقائق الْعرْفَان ...
стр. 783
.. العارفون برَبهمْ ونبيهم ... ومراتب الْأَعْمَال فِي الرجحان
صوفية سنية نبوية لَيْسُوا أولي شطح وَلَا هذيان ... هَذَا كَلَامهم لدينا حَاضر ... من غير مَا كذب وَلَا كتمان ... فاقبل حِوَالَة من أحَال عَلَيْهِم ... هم أملياؤهم اولو إِمْكَان ...
أَي إِن كَلَام الْمَذْكُورين لدينا حَاضر وَقد أحلنا كم عَلَيْهِ فاقبل ايها الْمحَال الْحِوَالَة كَمَا قَالَ ﷺ من أُحِيل على مليئ فَليتبعْ ... فاذا بعثنَا غَارة من أخريا ... ت الْعَسْكَر الْمَنْصُور بِالْقُرْآنِ
طحنتكم طحن الرَّحَى للحب حَتَّى صرتم كالبعر فِي القيعان ... أَنى يُقَاوم ذَا العساكر طمطم ... اَوْ تنكلوشا أَو أَخُو اليونان ...
طمطم وتنكلوشا من فلاسفة الْهِنْد ... أَعنِي أرسطو عَابِد الْأَوْثَان أَو ... ذَاك الكفور معلم الالحان
ذَاك الْمعلم أَولا للحرف وَالثَّانِي لصوت بئست العلمان ... هَذَا أساس الْفسق والحرف الَّذِي ... وضعُوا اساس الْكفْر والهذيان ...
يَعْنِي ان ارسطو هُوَ معلم الْحَرْف وَالْمرَاد بِهِ الْمنطق لِأَنَّهُ اول من وضع التعاليم المنطقة والمعلم الثَّانِي هُوَ الفارابي وَهُوَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد أَبُو نصر الفارابي التركي الفيلسوف وَكَانَ من أعلم النَّاس بالموسيقى بِحَيْثُ كَانَ يتَوَصَّل بصناعته الى التَّأْثِير فِي الْحَاضِرين من مستمعيه إِن شَاءَ حرك مَا يبكي اَوْ مَا يضْحك أَو مَا ينوم كَانَ حاذقا فِي الفلسفة وَمن كتبه تفقه ابْن سينا وَكَانَ يَقُول بالمعاد الروحاني لَا الجسماني وَتَخْصِيص الْمعَاد للأرواح العالمة
стр. 784
لَا الجاهلة وَله مَذَاهِب فِي ذَلِك تخَالف الْمُسلمين والفلاسفة من سلفه الأقدمين فَعَلَيهِ ان مَاتَ على ذَلِك لعنة رب الْعَالمين وَقد كَانَت وَفَاته بِدِمَشْق فِيمَا قَالَه ابْن الاثير فِي كَامِله فِي سنة ٣٣٩ ... أَو ذَلِك المخدوع حَامِل راية ال ... لحاد ذَاك خَليفَة الشَّيْطَان ... أَعنِي ابْن سينا ذَلِك المحلول من ... أَدْيَان أهل الأَرْض ذَا الكفران
وَكَذَا نصير الشّرك فِي أَتْبَاعه ... أَعدَاء رسل الله والايمان
نصروا الضَّلَالَة من سفاهة رَأْيهمْ ... وغزوا جيوش الدّين وَالْقُرْآن
فَجرى على الاسلام أعظم محنة ... لم تجر قطّ بسالف الْأَزْمَان
أَو جعد أوجهم وَأَتْبَاع لَهُم ... هم أمة التعطيل والبهتان
أَو حَفْص أَو بشر أَو النظام ذَا ... ك مقدم الْفُسَّاق والمجان
والجعفران كَذَاك شَيْطَان وَيَد ... عى الطاق لَا حييت من شَيْطَان
وَكَذَلِكَ الشحام والعلاف والنجار أهل الْجَهْل بِالْقُرْآنِ ... وَالله مَا فِي الْقَوْم شخص رَافع ... بِالْوَحْي رَأْسا بل بِرَأْي فلَان ... وَخيَار عسكركم فَذَاك الْأَشْعَرِيّ ... القرم ذَاك مقدم الفرسان
لكنكم وَالله مَا أَنْتُم على ... إثْبَاته وَالْحق ذُو برهَان
هُوَ قَالَ إِن الله فَوق الْعَرْش وَاسْتولى مقَالَة كل ذِي بهتان ... فِي كتبه طرا وَقرر قَول ذِي الْإِثْبَات تقريرا عَظِيم الشان ...
стр. 785
.. لكنكم أكفرتموه وقلتمم من قَالَ هَذَا فَهُوَ ذُو كفران ... فخيار عسكركم فَأنْتم مِنْهُم بُرَآء إِذْ قربوا من الايمان ...
تقدّمت تَرْجَمَة ابْن سينا والنصير الطوسي والجعفران هما جَعْفَر بن مُبشر وجعفر بن حَرْب وَحَفْص هُوَ حَفْص الْفَرد الَّذِي كَانَ يناظر الشَّافِعِي وَهُوَ من تلاميذ حُسَيْن النجار وَبشر هُوَ ابْن غياث المريسي والنظام هُوَ ابراهيم بن سيار النظام وَشَيْطَان الطاق هُوَ أَبُو جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ بن النُّعْمَان الْكُوفِي المعتزلي الشيعي الصَّيْرَفِي الْمَعْرُوف بِشَيْطَان الطاق من أجل أَنه كَانَ صيرفيا بطاق المخامل من بَغْدَاد فَاخْتلف هُوَ وصيرفي فِي نقد دِرْهَم فغلبه فَقَالَ متبجحا أَنا شَيْطَان الطاق فغلب عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم والرافضة تنتحله وتسميه مَيْمُون الطاق وَله قَضِيَّة مَعَ ابي حنيفَة ﵀ وَله شعر جيد قَالَ بشار بن برد شَيْطَان الطاق أشعر مني ومذهبه ان الامامة لم تزل الى مُوسَى بن جَعْفَر الصَّادِق فَلَمَّا مَاتَ مُوسَى قطع الامامة وَوَافَقَ هِشَام ابْن الحكم فِي قَوْله ان الله تَعَالَى يعلم الاشياء بعد وُقُوعهَا وَلَا يعلم أَنَّهَا ستقع وَزعم ان الله تَعَالَى على صُورَة الانسان لقَوْله ﵇ إِن الله تَعَالَى خلق آدم على صُورَة الرَّحْمَن لَيْسَ بجسم وَله كتب عديدة مِنْهَا
стр. 786
كتاب افْعَل لما فعلت وَكتاب افْعَل لَا تفعل وَعِنْده أَن كبار الْفرق أَرْبَعَة الْقَدَرِيَّة والخوارج والعامة والشيعة فالناجي فِي الْآخِرَة من الْفرق الشِّيعَة وَمن رَأْيه ورأي هِشَام الامساك عَن الْكَلَام فِي الله تَعَالَى بقوله تَعَالَى ﴿وَأَن إِلَى رَبك الْمُنْتَهى﴾ النَّجْم أَي اذا بلغ الْكَلَام الى الله تَعَالَى فأمسكوا قَالَا وَلذَلِك أمسكنا عَن القَوْل فِي الله والتكفير فِيهِ وَقيل لَهُ وَيحك أما استحيت أما اتَّقَيْت الله تَعَالَى أَن تَقول فِي كتاب الامامة إِن الله لم يقل قطّ فِي الْقُرْآن ﴿ثَانِي اثْنَيْنِ إِذْ هما فِي الْغَار﴾ فَضَحِك طَويلا وَكَانَت وَفَاته فِي حُدُود الثَّمَانِينَ وَمِائَة وَمن شعره ... وَلَا تكن فِي حب الأخلاء مفرطا ... وَإِن أَنْت أبغضت البغيض فأجمل
فَإنَّك لَا تَدْرِي مَتى أَنْت مبغض ... صديقك أَو تعذر عَدوك فاعقل ...
وَأَبُو الْهُذيْل مُحَمَّد بن الْهُذيْل العلاف والنجار هُوَ الْحُسَيْن بن مُحَمَّد النجار قَوْله القرم السَّيِّد أَصله فَحل الابل قَالَ الْخطابِيّ مَعْنَاهُ الْمُقدم فِي الْمعرفَة بالأمور والرأي وَقَوله لكنكم كفرتموه الخ هَذَا تَكْفِير باللزوم أَي لأَنهم كفرُوا من قَالَ بِهَذَا القَوْل
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... هذي العساكر قد تلاقت جهرة ... ودنا الْقِتَال وصيح بالأقران
صفوا الجيوش وعبئوها وابرزوا ... للحرب واقتربوا من الفرسان ...
стр. 787
.. فهم الى لقياكم بالشوق كي ... يوفوا بنذرهم من القربان
وَلَهُم اليكم شوق ذِي قرم فَمَا ... يشفيه غير مَوَائِد اللحمان ...
قَالَ فِي الْقَامُوس القرم محركة شدَّة شَهْوَة اللَّحْم كثر حَتَّى قيل فِي الشوق الى الحبيب ... تَبًّا لكم لَو تعقلون لكنتم ... خلف الْخُدُور كأضعف النسوان
من أَيْن أَنْتُم والْحَدِيث وَأَهله ... وَالْوَحي والمعقول بالبرهان
ماعندكم الا الدعاوي والشكا ... وي أَو شَهَادَات على الْبُهْتَان
هَذَا الَّذِي وَالله نلنا مِنْكُم ... فِي الْحَرْب إِذْ يتقابل الصفان
وَالله مَا جئْتُمْ بقال الله أَو ... قَالَ الرَّسُول وَنحن فِي الميدان
إِلَّا بجعجعة وفرقعة وغمغمة ... وَقَعْقَعَة بِكُل شنان
ويحق ذَاك لكم وَأَنْتُم أَهله ... أَنْتُم بحاصلكم أَو لَو عرفان
وبحقكم تحموا مناصبكم وان ... تحموا مآكلكم بِكُل سِنَان
وبحقنا نحمي الْهدى ونذب عَن ... سنَن الرَّسُول وَمُقْتَضى الْقُرْآن
قبح الْإِلَه مناصبا ومآكلا ... قَامَت على الْعدوان والطغيان
وَالله لَو جئْتُمْ بقال الله اَوْ ... قَالَ الرَّسُول كَفعل ذِي الايمان
كُنَّا لكم شاويش تَعْظِيم وإجلال كشاويش لذِي سُلْطَان ... لَكِن هجرتم ذَا وجئتم بِدعَة وأردتم التَّعْظِيم بالبهتان ...
стр. 788
فصل ... الْعلم قَالَ الله قَالَ رَسُوله ... قَالَ الصَّحَابَة هم أولو الْعرْفَان
مَا الْعلم نصبك للْخلاف سفاهة ... بَين الرَّسُول وَبَين رَأْي فلَان
كلا وَلَا جحد الصِّفَات لربنا ... فِي قالب التَّنْزِيه والسبحان
كلا وَلَا نفي الْعُلُوّ لفاطر الأكوان فَوق جَمِيع الأكوان ... كلا وَلَا عزل النُّصُوص وانها ... لَيست تفِيد حقائق الايمان ... إِذْ لَا تفيدكم يَقِينا لَا وَلَا ... علما فقد عزلت عَن الإيقان
وَالْعلم عنْدكُمْ ينَال بغَيْرهَا ... بزبالة الأفكار والأذهان ...
قَالَ فِي الْقَامُوس الزبل بِالْكَسْرِ وكأمير السرقين والزبلة بِضَم الْبَاء ملقاه وموضعه وزبل زرعه يزبله سمده وككتاب مَا تحمله النَّخْلَة ... سميتموه قواطعا عقلية ... وَهِي الظَّوَاهِر حاملات معَان ...
أَي إِنَّكُم سميتم مَا وضعتموه من الفعليات قواطع عقلية بزعمكم وَأما الْكتاب وَالسّنة فَهِيَ أَدِلَّة لفظية مُحْتَملَة لمعان وَهِي الِاحْتِمَالَات التِّسْعَة أَو الْعشْرَة وَقد تقدّمت فَلذَلِك لَا تفِيد الْيَقِين ... كلا وَلَا إحصاء آراء الرجا ... ل وضبطها بالحصر والحسبان ...
стр. 789
.. كلا وَلَا التَّأْوِيل والتبديل والتحريف للوحيين بالبهتان ... كلا وَلَا الاشكال والتشكيك وَالْوَقْف الَّذِي مَا فِيهِ من عرفان
هذي علومكم الَّتِي من أجلهَا ... عاديتمونا يَا أولي الْعرْفَان ...
هَذِه الأبيات الَّتِي صدر بهَا النَّاظِم هَذَا الْفَصْل تشابه مَا أنْشدهُ الْحَافِظ مؤرخ الاسلام أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد الذَّهَبِيّ رَحمَه الله تَعَالَى ... الْعلم قَالَ الله قَالَ رَسُوله ... قَالَ الصَّحَابَة لَيْسَ خلف فِيهِ
مَا الْعلم نصبك للْخلاف سفاهة ... بَين الرَّسُول وَبَين رَأْي سَفِيه
كلا وَلَا نصب الْخلاف جَهَالَة ... بَين النُّصُوص وَبَين رَأْي فَقِيه
كلا وَلَا رد النُّصُوص تعمدا ... حذرا من التجسيم والتشبيه
حاشا النُّصُوص من الَّذِي رميت بِهِ ... من فرقة التعطيل والتمويه ...
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل فِي عقد الْهُدْنَة والأمان الْوَاقِع بَين المعطلة واهل الالحاد حزب جنكسخان قَالَ فِي الْقَامُوس الْهُدْنَة بِالضَّمِّ الْمُصَالحَة كالمهادنة ... يَا قوم صالحتم نفات الذَّات والأوصاف صلحا مُوجبا لأمان ... وأغرتم وَهنا عَلَيْهِم غَارة ... قعقعتم فِيهَا لَهُم بشنان ... مَا كَانَ فِيهَا من قَتِيل مِنْهُم ... كلا وَلَا فِيهَا أَسِير عان
ولطفتم فِي القَوْل أوصانعتم ... وأتيتم فِي بحثكم بدهان
وجلستم مَعَهم مجالسكم مَعَ الْأُسْتَاذ بالآداب وَالْمِيزَان ...
стр. 790
.. وضرعتم لِلْقَوْلِ كل ضراعة ... حَتَّى أعاروكم سلَاح الْجَانِي ... فغزو ثمَّ بسلاحهم لعساكر الْإِثْبَات والْآثَار وَالْقُرْآن
وَلأَجل ذَا صانعتموهم عِنْد حر بكم لَهُم باللطف والإذعان ... وَلأَجل ذَا كُنْتُم مخانيثا لَهُم ... لم تنفتح مِنْكُم لَهُم عينان ... حذرا من استرجاعهم لسلاحهم فترون ... بعد السَّلب كالنسوان ...
يَعْنِي النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى أَن الْمُكَلّفين من الْجَهْمِية والمعتزلة وَمن تَبِعَهُمْ لما ابتدعوا دَلِيل الاكوان الْمَعْرُوف وقصدوا بذلك الرَّد على الفلاسفة قَالَ شيخ الاسلام وَقَالُوا إِن دين الاسلام إِنَّمَا يقوم على هَذَا الأَصْل وانه لَا يعرف ان مُحَمَّدًا رَسُول الله الا بِهَذَا الأَصْل فان معرفَة الرَّسُول متوقفة على معرفَة الْمُرْسل فَلَا بُد من إِثْبَات الْعلم الصَّانِع اولا وَمَعْرِفَة مَا يجوز عَلَيْهِ وَمَا لَا يجوز عَلَيْهِ قَالُوا وَهَذَا لَا يُمكن مَعْرفَته الا بِهَذَا الطَّرِيق وَيَقُول كثير مِنْهُم إِن هَذِه طَريقَة ابراهيم الْخَلِيل الْمَذْكُورَة فِي قَوْله لَا احب الآفلين الْأَنْعَام قَالُوا فان ابراهيم اسْتدلَّ بالأفول وَهُوَ الْحَرَكَة والانتقال على ان المتحرك لَا يكون إِلَهًا قَالُوا وَلِهَذَا يجب تَأْوِيل مَا ورد عَن الرَّسُول مُخَالفا لذَلِك عَن وصف الرب بالاتيان والمجيء وَالنُّزُول وَغير ذَلِك فَإِن كَونه نَبيا لم يعرف إِلَّا بِهَذَا الدَّلِيل الْعقلِيّ فَلَو قدح فِي ذَلِك لزم الْقدح فِي دَلِيل نبوته فَلم يعرف أَنه رَسُول الله وَهَذَا وَنَحْوه هُوَ الدَّلِيل الْعقلِيّ الَّذِي نقُول إِنَّه عَارض السّمع ونقول إِذا تعَارض السّمع وَالْعقل امْتنع تصديقهما وتكذيبهما وتصديق السّمع دون الْعقل لِأَن الْعقل هُوَ اصل السّمع فَلَو جرح أصل الشَّرْع كَانَ جرحا لَهُ وَلأَجل
стр. 791
هَذَا الطَّرِيق نفت الْجَهْمِية والمعتزلة الصِّفَات والرؤية وَقَالُوا الْقُرْآن مَخْلُوق ولأجلها قَالَت الْجَهْمِية بِفنَاء الْجنَّة وَالنَّار ولأجلها قَالَ العلاف بِفنَاء حركتها وَالْتزم قوم لأَجلهَا أَن كل جسم لَهُ طعم ولون وريح فَقَالَ لَهُم النَّاس أما قَوْلكُم إِن هَذِه الطَّرِيقَة هُوَ الاصل فِي معرفَة الاسلام ونبوة الرُّسُل فَهَذَا مَا يعلم فَسَاده بالإضطرار من دين الْإِسْلَام فانه من الْمَعْلُوم لكل من عرف حَال الرَّسُول واصحابه وَمَا جَاءَ بِهِ من الايمان وَالْقُرْآن أَنه لم يدع النَّاس بِهَذِهِ الطَّرِيقَة أبدا وَلَا تكلم بهَا اُحْدُ من الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعين لَهُم باحسان فَكيف تكون هِيَ اصل الايمان وَالَّذِي جَاءَ بِالْإِيمَان وَأفضل النَّاس إِيمَانًا لم يتكلموا بهَا الْبَتَّةَ وَلَا سلكها مِنْهُم أحد وَالَّذين علمُوا ان هَذِه طَريقَة مبتدعة حزبان حزب ظنُّوا أَنَّهَا صَحِيحَة فِي نَفسهَا لَكِن أعرض السّلف عَنْهَا لطول مقدماتها وغموضها وَمَا يخَاف على سالكها من الشَّك والتطويل وَهَذَا قَول جمَاعَة كالأشعري فِي رسَالَته الى الثغر والخطابي والحليمي وَالْقَاضِي أبي يعلى وَابْن عقيل وَأبي بكر الْبَيْهَقِيّ وَغير هَؤُلَاءِ وَالثَّانِي قَول من يَقُول بل هَذِه طَريقَة بَاطِلَة فِي نَفسهَا وَلِهَذَا ذمها السّلف وَعدلُوا عَنْهَا وَهَذَا قَول ائمة السّلف كَابْن الْمُبَارك وَالشَّافِعِيّ وَاحْمَدْ بن حَنْبَل واسحاق بن رَاهْوَيْةِ وابي يُوسُف وَمَالك ابْن انس وَعبد الْعَزِيز بن الْمَاجشون وَغير هَؤُلَاءِ من السّلف وَحَفْص الْفَرد لما نَاظر الشَّافِعِي فِي مَسْأَلَة الْقُرْآن وَقَالَ الْقُرْآن مَخْلُوق وكفره الشَّافِعِي كَانَ قد ناظره بِهَذِهِ الطَّرِيقَة وَكَذَلِكَ أَبُو عِيسَى مُحَمَّد بن عِيسَى برغوث كَانَ من المناظرين للامام احْمَد فِي مسالة الْقُرْآن بِهَذِهِ الطَّرِيقَة وَقَالَ لَهُم النَّاس إِن هَذَا الاصل الَّذِي ادعيتم اثبات الصَّانِع بِهِ وانه لَا يعرف إِثْبَات خَالق للمخلوقات إِلَّا بِهِ هُوَ بعكس مَا قُلْتُمْ بل هَذَا الاصل يُنَاقض كَون الرب خَالِقًا للْعَالم وَلَا يُمكن مَعَ القَوْل بِهِ القَوْل بحدوث الْعَالم وَلَا الرَّد على
стр. 792
الفلاسفة فالمتكلمون الَّذين ابتدعوه وَزَعَمُوا أَنهم بِهِ نصروا الاسلام وردوا بِهِ على أعدائه كالفلاسفة لَا للاسلام نصروا وَلَا لعَدوه كسروا بل كَانَ مَا ابتدعوه مِمَّا افسدوا بِهِ حَقِيقَة الاسلام على من تَبِعَهُمْ فأفسدوا عقله وَدينه واعتدوا بِهِ على من نازعهم من الْمُسلمين وفتحوا لعدو الاسلام بَابا إِلَى مَقْصُوده فان حَقِيقَة قَوْلهم ان الرب لم يكن قَادِرًا وَلَا كَانَ الْكَلَام وَالْفِعْل مُمكنا لَهُ وَلم يزل كَذَلِك دَائِما مُدَّة اَوْ تَقْدِير مُدَّة لَا نِهَايَة لَهَا ثمَّ انه تكلم وَفعل من غير سَبَب اقْتضى ذَلِك وَجعلُوا مَفْعُوله هُوَ فعله وَجعلُوا فعله وارادته بعلة قديمَة أزلية وَالْمَفْعُول مُتَأَخِّرًا وجلوا الْقَادِر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بِلَا مُرَجّح وكل هَذَا خلاف الْمَعْقُول الصَّرِيح وَخلاف الْكتاب السّنة وأنكروا صِفَاته ورؤيته وَقَالُوا ورؤيته وَقَالُوا كَلَامه مَخْلُوق وَهُوَ خلاف دين الاسلام وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ وأثبتوا الصِّفَات قَالُوا يُرِيد جَمِيع المرادات بارادة وَاحِدَة وكل كَلَام تكلم بِهِ أَو يتَكَلَّم بِهِ انما هُوَ شَيْء وَاحِد لَا يَتَعَدَّد وَلَا يَتَبَعَّض واذا رُؤِيَ رُؤِيَ لَا بمواجهة وَلَا مُعَاينَة وَإنَّهُ لم يسمع وَلم يرى الاشياء حَتَّى وجدت لم يقم بِهِ انه مَوْجُود بل حَاله قبل ان يسمع ويبصر كحاله بعد ذَلِك الى امثال هَذِه الْأَقْوَال الَّتِي تخَالف الْمَعْقُول الصَّرِيح وَالْمَنْقُول الصَّحِيح ثمَّ لما رَأَتْ الفلاسفة ان هَذَا مبلغ علم هَؤُلَاءِ وان هَذَا هُوَ الاسلام الَّذِي عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ علمُوا فَسَاد هَذَا أظهرُوا قَوْلهم بقدم الْعَالم وَاحْتَجُّوا بِأَن تجدّد الْفِعْل بعد ان لم يكن مُمْتَنع بل لَا بُد لكل متجدد من سَبَب حَادث فَيكون الْفِعْل دَائِما ثمَّ ادعوا دَعْوَى كَاذِبَة لم يحسن أُولَئِكَ أَن يبينوا فَسَادهَا وَهُوَ أَنه إِذا كَانَ الْفِعْل دَائِما لزم قدم الأفلاك والعناصر ثمَّ لما أَرَادوا تَقْرِير النُّبُوَّة جعلوها فيضا يفيص على نفس النَّبِي من الْعقل الفعال أَو غَيره من غير ان يكون رب الْعَالمين يعلم
стр. 793
لَهُ رَسُولا معينا وَلَا يُمَيّز بَين مُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَلَا يعلم الجزئيات وَلَا نزل من عِنْده ملك بل جِبْرِيل هُوَ خيال يتخيل فِي نفس النَّبِي وَهُوَ الْعقل الفعال وأنكروا ان تكون السَّمَاوَات تَنْشَق وتنفطر وَغير ذَلِك مِمَّا اخبر بِهِ الرَّسُول ﷺ وَزَعَمُوا ان مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ خطاب الْجُمْهُور بِمَا يخيل اليهم بِمَا يَنْتَفِعُونَ اليه من غير ان يكون الامر فِي نَفسه كَذَلِك وَمن غير ان تكون الرُّسُل بيّنت الْحَقَائِق وَعلمت النَّاس مَا الامر عَلَيْهِ ثمَّ مِنْهُم من يفضل الفيلسوف على النَّبِي وَحَقِيقَة قَوْلهم ان الانبياء كذبُوا للْمصْلحَة لما ادعوهُ من نفع النَّاس وَهل كَانُوا جهلاء على قَوْلَيْنِ لَهُم إِلَى غير ذَلِك من انواع الالحاد وَالْكفْر الصَّرِيح وَالْكذب على النَّبِي ﷺ وعَلى الانبياء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ إِلَى آخر مَا ذكره رَحمَه الله تَعَالَى وَقَول شيخ الاسلام إِنَّهُم يَعْنِي الْمُتَكَلِّمين لَا للاسلام نصروا وَلَا لعَدوه كسروا هُوَ معنى قَول النَّاظِم وأغرتم وَهنا عَلَيْهِم غَارة الخ
قَوْله ولطفتم فِي القَوْل أَو صانعتم يَعْنِي أَنكُمْ لضعف دليلكم صانعتم الفلاسفة وتلطفتم بِالرَّدِّ عَلَيْهِم لِأَن بعض الْمُتَكَلِّمين يصرحون بتكافيء الْأَدِلَّة كَمَا قَالَ الامام شيخ الاسلام ابو اسماعيل عبد الله بن مُحَمَّد الانصاري فِي كتاب ذمّ الْكَلَام قَالَ وَقد سَمِعت مُحَمَّد بن زيد الْعمريّ النسابة اُخْبُرْنَا الْمعَافى سَمِعت ابا الْفضل الْحَارِثِيّ القَاضِي بسرخس يَقُول سَمِعت زَاهِر بن احْمَد يَقُول اشْهَدْ لمات فلَان متحيرا لسَبَب مَسْأَلَة تكافيء الْأَدِلَّة وَذكر إِمَامًا من أَئِمَّة الْمُتَكَلِّمين وَنقل شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية فِي كتاب الْعقل وَالنَّقْل قَالَ وَقد بَلغنِي باسناد مُتَّصِل عَن بعض رؤوسهم وَهُوَ عِنْد كثير مِنْهُم غَايَة فِي هَذَا الْفَنّ انه قَالَ عِنْد الْمَوْت أَمُوت وَمَا علمت شَيْئا الا ان الْمُمكن يفْتَقر الى الْوَاجِب
стр. 794
ثمَّ قَالَ الافتقار وصف عدمي أَمُوت وَمَا علمت شَيْئا وَكَذَلِكَ الاصبهاني اجْتمع بالشيخ ابراهيم الجعبري يَوْمًا فَقَالَ لَهُ بت البارحة أفكر إِلَى الصَّباح فِي دَلِيل على التَّوْحِيد سَالم عَن الْمعَارض فَمَا وجدته وَكَذَلِكَ حَدثنِي من قَرَأَ على ابْن وَاصل الْحَمَوِيّ أَنه قَالَ أَبيت بِاللَّيْلِ واستلقي على ظَهْري وَاضع الملحفة على وَجْهي وابيت أقابل أَدِلَّة هَؤُلَاءِ بأدلة هَؤُلَاءِ وَبِالْعَكْسِ وَأصْبح وَمَا ترجح عِنْدِي شَيْء كَأَنَّهُ يَعْنِي أَدِلَّة الْمُتَكَلِّمين من الفلاسفة انْتهى كَلَام الشَّيْخ
قَوْله قعقعة فِيهَا لَهُم بشنان القعقعة تَحْرِيك الشَّيْء الْيَابِس الصلب مَعَ صَوت مثل السِّلَاح وَغَيره الشنان جمع شن وَهُوَ الْقرْبَة البالية وهم يحركونها اذا أَرَادوا حث الْإِبِل على السّير لتفزع فتسرع قَالَ النَّابِغَة ... كَأَنَّك من جمال بَين اقيش ... يقعقع خلف رجلَيْهِ بشن مثل يضْرب لمن لَا يتضعضع لما ينزل بِهِ من حوادث الدَّهْر وَلَا يروعه مَا لَا حَقِيقَة لَهُ وَمعنى كَلَام النَّاظِم رَحمَه فِي هَذَا الْفَصْل إِنَّكُم أَيهَا النقاة صانعتم الفلاسفة وناظرتموهم مناظرة ضَعِيفَة لم تزدهم الاشرا وإغراء قَوْله وَلأَجل ذَا صرتم مخانيثا لَهُم الخ هَذَا كَمَا يُقَال الْمُعْتَزلَة مخانيث الفلاسفة
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وبحثتم مَعَ صَاحب الاثبات بالتكفير والتضليل والعدوان
وقلبتم ظهر الْمِجَن لَهُ وأجلبتم عَلَيْهِ بعسكر الشَّيْطَان ... وَالله هذي رُتْبَة لَا يختفي ... مضمونها إِلَّا على الثيران ...
стр. 795
.. هَذَا وَبَينهمَا أَشد تفَاوت ... فئتان فِي الرَّحْمَن مختصمان ... هَذَا نفي ذَات الاله وَوَصفه ... نفيا صَرِيحًا لَيْسَ بِالْكِتْمَانِ
لَكِن ذَا وصف الاله بِكُل اَوْ ... صَاف الْكَمَال الْمُطلق الرباني
وَنفى النقائص والعيوب كنفيه التَّشْبِيه للرحمن بالانسان ... فلأي شَيْء كَانَ حربكم لَهُ ... بالجد دون معطل الرَّحْمَن ...
قَوْله وبحثتم مَعَ صَاحب الاثبات الخ أَي انكم خَرجْتُمْ عَن الْحَد فِي بحثكم مَعَ صَاحب الاثبات وكفرتموه وضللمتموه واعتديتم عَلَيْهِ قَوْله وقلبتم ظهر الْمِجَن قَالَ فِي الْقَامُوس الْمِجَن والمجنة بكسرهما والجنان بِالضَّمِّ الترس وقلب مجنه اسقط الْحيَاء وَفعل مَا شَاءَ أَو ملكه أمره أَو اشْتَدَّ بِهِ قَوْله هَذَا نفى ذَات الاله وَوَصفه الخ أَي إِن الْمُعَطل نفى ذَات الرب سُبْحَانَهُ وَصِفَاته وَهَذَا من النَّاظِم فِي نفي ذَات الرب سُبْحَانَهُ على سَبِيل الالزام والمثبت أثبت صِفَات الْكَمَال لرَبه سُبْحَانَهُ وَنفى عَنهُ النقائص والعيوب فلاي شَيْء كَانَ حربكم للمثبت بِالْحَدِّ أَي حاربتموهم أَشد الْحَرْب وَأما المعطلة فصانعتموهم وداهنتموهم فِي الْبَحْث وتأدبتم مَعَهم وانما ذَلِك لخوف استرجاعهم سِلَاحهمْ الَّذِي تسلحتم على نفي صِفَات الرب سُبْحَانَهُ
قَالَ النَّاظِم ... قُلْنَا نعم هَذَا المجسم كَافِر ... أَفَكَانَ ذَلِك كَامِل الايمان ... لَا تنطفي نيران غيظكم على ... هَذَا المجسم يَا أولي النيرَان ...
стр. 796
.. فَالله يوقدها وَيُصلي حرهَا ... يَوْم الْحساب محرف الْقُرْآن
يَا قَومنَا لقد ارتكبتم خطة ... لم يرتكبها قطّ ذُو عرفان
وأعنتم أعداءكم بوفاقكم لَهُم على شَيْء من الْبطلَان ...
أَي لما قُلْنَا للمتكلمين لأي شَيْء كَانَ حربكم للمثبتة اشد الْحَرْب دون المعطلة قَالُوا لنا فِي الْجَواب إِن الْمُثبت كَافِر فَيُقَال لَهُم فَهَل الْمُعَطل كَامِل الايمان
قَوْله وأعنتم أعداءكم بوفاقكم الخ أَي إِنَّكُم معاشر الْمُتَكَلِّمين أعنتم أعداءكم المعطلة على شَيْء من الْبَاطِل كنفي صِفَات الرب سُبْحَانَهُ اَوْ بَعْضهَا وقولكم بِخلق الْقُرْآن وإنكار رُؤْيَة الله سُبْحَانَهُ فِي الْآخِرَة وَغير ذَلِك
قَالَ النَّاظِم ... أخذُوا نواصيكم بهَا ولحاكم ... فغدت تجر بذلة وهوان ... قُلْتُمْ بقَوْلهمْ ورمتم كسرهم ... أَنى وَقد غلقوا لكم برهَان
وكسرتم الْبَاب الَّذِي من خَلفه ... أَعدَاء رسل الله والايمان ... فَأتى عَدو مالكم بقتالهم ... وبحربهم أَبَد الزَّمَان يدان ...
أَي إِن الْمُتَكَلِّمين لما قَالُوا بِبَعْض أَقْوَال المعطلة صَعب الرَّد عَلَيْهِم مِنْهُم لأَنهم قد غلقوا لَهُم برهَان فَلهَذَا عجزوا عَن الرَّد عَلَيْهِم
قَالَ النَّاظِم ... فغدوتم أسرى لَهُم بحبالهم ... أَيْدِيكُم شدت الى الأذقان ...
стр. 797
.. حملُوا عَلَيْكُم كالسباع اسْتقْبلت ... حمرا معقرة ذَوي أرسان
صالوا عَلَيْكُم بِالَّذِي صلتم بِهِ ... أَنْتُم علينا صولة الفرسان
لَوْلَا تحيزكم الينا كُنْتُم ... وسط العرين ممزقي اللحمان
لَكِن بِنَا استنصرتم وبقولنا ... صلنا عَلَيْهِم صولة الشجعان
وليتم الاثبات اذ صلتم بِهِ ... وعزلتم التعطيل عزل مهان
وأتيتم تَغْزُونَا بسرية ... من عَسْكَر التعطيل والكفران
من ذَا بِحَق الله أَجْهَل مِنْكُم ... وأحقنا بِالْجَهْلِ والعدوان
تالله مَا يدْرِي الْفَتى بمصابه ... وَالْقلب تَحت الْخَتْم والخذلان ...
قَوْله لَوْلَا تحيزكم الينا الخ يَعْنِي إِن الْمُتَكَلِّمين فِي بعض الْأَحْوَال يتحيزون الى المثبتة وَأهل الحَدِيث كَمَا صنف الامام أَبُو الْحسن الْأَشْعَرِيّ المصنفات الْكَثِيرَة بعد رُجُوعه عَن مَذَاهِب الْمُعْتَزلَة فِي نصْرَة اهل السّنة واصحاب الحَدِيث كالإبانة فِي أصُول الدّيانَة ومقالات الاسلاميين ورسائل الثغر وَغير ذَلِك وكما قَالَ الْفَخر الرَّازِيّ فِي آخر مصنفاته وَهُوَ كتاب أَقسَام اللَّذَّات لقد تَأَمَّلت الطّرق الكلامية والمناهج الفلسفية فَمَا رَأَيْتهَا تشفي عليلا وَلَا تروي غليلا وَرَأَيْت أقرب الطّرق طَريقَة الْقُرْآن اقْرَأ فِي الاثبات ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه واليه يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ فاطر واقرأ فِي النَّفْي لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير الشورى ﴿وَلَا يحيطون بِهِ علما﴾ طه وَمن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي
стр. 798
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى
فصل فِي مصَارِع النفاة والمعطلين بأسنة أُمَرَاء الاثبات الْمُوَحِّدين الأسنة جمع سِنَان بِكَسْر السِّين وَهُوَ الرمْح ... واذا أردْت ترى مصَارِع من خلا ... من أمة التعطيل والكفران
وتراهم أسرى حَقِيرًا شَأْنهمْ ... أَيْديهم غلت إِلَى الأذقان
وتراهم تَحت الرماح دريئة ... مَا فيهم من فَارس طعان ...
تقدم معنى الدريئة ... وتراهم تَحت السيوف تنوشهم ... من عَن شمائلهم وَعَن ايمان
وتراهم انسلخوا من الوحيين وَالْعقل الصَّرِيح وَمُقْتَضى الْقُرْآن ... وتراهم وَالله ضحكة ساخر ... ولطالما سخروا من الايمان ... قد أوحشت مِنْهُم ربوع زَادهَا الْجَبَّار إيحاشا مدى الْأَزْمَان ...
قَالَ فِي الْقَامُوس الرّبع الدَّار بِعَينهَا حَيْثُ كَانَت جمع رباع وربوع وَأَرْبع وأرباع والمحلة والمنزل وَالنَّفس وَجَمَاعَة النَّاس والموضع يرتبعون فِيهِ فِي الرّبيع كالمربع كمقعد انْتهى ... وخلت دِيَارهمْ وشتت شملهم ... مَا فيهم رجلَانِ مجتمعان ...
стр. 799
.. قد عطل الرَّحْمَن أَفْئِدَة لَهُم ... من كل معرفَة وَمن ايمان ... إِذْ عطلوا الرَّحْمَن من أَوْصَافه ... وَالْعرش أخلوه من الرَّحْمَن ... بل عطلوه عَن الْكَلَام وَعَن صفا ... ت كَمَاله بِالْجَهْلِ والبهتان
فاقرأ تصانيف الامام حَقِيقَة ... شيخ الْوُجُود الْعَالم الرباني
أَعنِي أَبَا الْعَبَّاس أَحْمد ذَلِك الْبَحْر الْمُحِيط بِسَائِر الخلجان ...
الخليج من الْبَحْر شرم مِنْهُ وَهُوَ أَيْضا النَّهر وَقيل جانباه خليجاه وَالْجمع خلج بِضَمَّتَيْنِ قَالَه فِي مُخْتَار الصِّحَاح ... واقرأ كتاب الْعقل وَالنَّقْل الَّذِي ... مَا فِي الْوُجُود لَهُ نَظِير ثَان ... وكذاك منهاج لَهُ فِي رده ... قَول الروافض شيعَة الشَّيْطَان ... وكذاك أهل الاعتزال فانه ... أَرَادَهُم فِي حُفْرَة الجبان
وَكَذَلِكَ التأسيس أصبح نقضه ... أعجوبة للْعَالم الرباني ...
التأسيس الْمَذْكُور هُوَ تأسيس التَّقْدِيس للفخر الرَّازِيّ فِي تَأْوِيل الصِّفَات الخبرية صنفه للْملك الْعَادِل أَي بكر بن أَيُّوب وَقد نقض شيخ الاسلام بِكِتَاب تَخْلِيص التلبيس من تأسيس التَّقْدِيس وَيُسمى ايضا بَيَان تلبيس الْجَهْمِية فِي تأسيس بدعهم الكلامية وَهُوَ كتاب عَظِيم نَفِيس قَالَ تِلْمِيذه الْحَافِظ مُحَمَّد بن عبد الْهَادِي فِي تَرْجَمته المبسوطة لَو سَافر رجل الى الصين فِي تَحْصِيله لما كَانَ كثيرا هُوَ كَمَا قَالَ ... وكذاك أجوبة لَهُ مصرية ... فِي سِتّ أسفار كتبن سمان ...
стр. 800
.. وَكَذَا جَوَاب لِلنَّصَارَى فِيهِ مَا ... يشفي الصُّدُور وَأَنه سفران ...
وَهُوَ الْمُسَمّى بِالْجَوَابِ الصَّحِيح لمن بدل دين الْمَسِيح ... وكذاك شرح عقيدة للاصبها ... ني شَارِح الْمَحْصُول شرح بَيَان
فِيهَا النبوات الَّتِي إِثْبَاتهَا ... فِي غَايَة التَّقْرِير والتبيان
وَالله مَا لأولي الْكَلَام نَظِيره ... أبدا وكتبهم بِكُل مَكَان
وَكَذَا حُدُوث الْعَالم الْعلوِي والسفلي فِيهِ فِي أتم بَيَان ... وَكَذَا قَوَاعِد الاسْتقَامَة أَنَّهَا ... سفران فِيمَا بَيْننَا ضخمان ... وقرأت أَكْثَرهَا عَلَيْهِ فزادني ... وَالله فِي علم وَفِي إِيمَان
هَذَا وَلَو حدثت نَفسِي أَنه ... قبلي يَمُوت لَكَانَ غير الشان
وَكَذَلِكَ تَوْحِيد الفلاسفة الألى ... توحيدهم هُوَ غَايَة الكفران
سفر لطيف فِيهِ نقض أصولهم ... بِحَقِيقَة الْمَعْقُول والبرهان
وكذاك تسعينية فِيهَا لَهُ ... رد على من قَالَ بالنفساني
تسعون وَجها بيّنت بُطْلَانه أَعنِي كَلَام النَّفس ذَا الوحدان ...
أَي إِنَّه ﵀ صنف الْكتاب الْمُسَمّى بالتسعينية وَهُوَ رد على الْقَائِلين بالْكلَام النَّفْسِيّ وان كَلَام الله تَعَالَى معنى وَاحِد قَائِم بِالنَّفسِ على مَا هُوَ مَعْرُوف وَقَوله ذَا الوحدان بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي إِنَّه معنى وَاحِد
стр. 801
.. وَكَذَا قَوَاعِده الْكِبَار وانها ... أوفى من الْمِائَتَيْنِ فِي الحسبان ... لم يَتَّسِع نظمي لَهَا فأسوقها ... فأشرت بعض إِشَارَة لبَيَان
وَكَذَا رسائله الى الْبلدَانِ وَال أَطْرَاف والاصحاب والاخوان ... هِيَ فِي الورى مبثوثة مَعْلُومَة تبْتَاع بالغالي من الْأَثْمَان
وَكَذَا فَتَاوَاهُ فَأَخْبرنِي الَّذِي ... أضحى عَلَيْهَا دَائِم الطوفان
بلغ الَّذِي أَلْقَاهُ مِنْهَا عدَّة الْأَيَّام من شهر بِلَا نُقْصَان ... سفر يُقَابل كل يَوْم وَالَّذِي ... قد فَاتَنِي مِنْهَا بِلَا حسبان ...
أَي إِن فتاوله بلغت ثَلَاثِينَ سفرا ... هَذَا وَلَيْسَ يقصر التَّفْسِير عَن ... عشر كبار لَيْسَ ذَا نُقْصَان
وَكَذَا المفاريد الَّتِي فِي كل مَسْأَلَة فسفر وَاضح التِّبْيَان ... مَا بَين عشر أَو تزيد بضعفها ... هِيَ كَالنُّجُومِ لسالك حيران
وَله المقامات الشهيرة فِي الورى ... قد قامها لله غير جبان ... نصر الاله وَدينه وَكتابه ... وَرَسُوله بِالسَّيْفِ والبرهان
أبدى فضائحهم وَبَين جهلهم ... وَأرى تناقضهم بِكُل مَكَان
وأصارهم وَالله تَحت نعال أهل الْحق بعد ملابس التيجان ... وأصارهم تَحت الحضيض وطالما ... كَانُوا هم الاعلام للبلدان ... وَمن الْعَجَائِب أَنه بسلاحهم ... أرداهم تَحت الحضيض الداني ...
стр. 802
.. كَانَت نواصينا بِأَيْدِيهِم فَمَا ... منالهم إِلَّا أَسِير عان
فغدت نواصيهم بِأَيْدِينَا فَلَا ... يلقوننا الا بِحَبل أَمَان
وغدت مُلُوكهمْ مماليكا لأنصار الرَّسُول بمنة الرَّحْمَن ... وَأَتَتْ جنودهم الَّتِي صالوا بهَا ... منقادة لعساكر الايمان ... يدْرِي بِهَذَا من لَهُ خبر بِمَا ... قد قَالَه فِي ربه الفئتان
والقدم يوحشنا وَلَيْسَ هُنَاكُم ... فحضوره ومغيبه سيان ...
حَاصِل كَلَامه فِي هَذَا الْفَصْل ذكر بعض مؤلفات شَيْخه شيخ الاسلام وَذكر بعض مناقبه وَهِي بَحر لَا سَاحل لَهُ وَقد أفردت المصنفات الْكَثِيرَة فِي مناقبه كالعقود الدرية فِي مَنَاقِب شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية لتلميذه الْحَافِظ مُحَمَّد بن عبد الْهَادِي فِي مُجَلد وَعدد أَسمَاء تصانيفه فِي نَحْو كراس ومناقبه لتلميذه أَي حَفْص الْبَزَّاز فِي كراسين وترجمته المفردة لِلْحَافِظِ ابي عبد الله الذَّهَبِيّ وَهِي غير تراجمه الَّتِي ذكرهَا فِي تواريخه وَقد ذكره الشَّيْخ أَبُو حَفْص عمر بن الوردي فِي تَارِيخه وَأَطْنَبَ فِي تَرْجَمته وَكَذَا ذكره الامام أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن فضل الله الْعمريّ فِي تَارِيخه مسالك الْأَبْصَار فِي ممالك الْأَمْصَار وأسهب وَأَطْنَبَ والحافظ عماد الدّين بن كثير فِي كتاب الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة والحافظ أَبُو الْفرج عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن رَجَب فِي طَبَقَات الْحَنَابِلَة وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن شَاكر فِي ذيله على تَارِيخ ابْن خلكان والحافظ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي والامام ابْن الْعِمَاد فِي شذرات الذَّهَب وَغَيرهم وَمن أَرَادَ معرفَة تصانيفه وعلومه الْعَظِيمَة فَليرْجع الى هَذِه المصنفات ير فِيهَا مَا يثلج صَدره وَالله تَعَالَى يغْفر لَهُ ويرحمه ويجزيه عَن الاسلام خيرا
стр. 803
تَنْبِيه قد نبغ فِي آخر الْقرن الثَّامِن رجل يُقَال لَهُ عَلَاء الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد البُخَارِيّ تكلم فِي شيخ الاسلام بِمَا هُوَ من كَلَام الطغام وَأَشْبَاه الْأَنْعَام وَزعم أَن من سَمَّاهُ شيخ الاسلام فَهُوَ كَافِر وَقد تصدى للرَّدّ عَلَيْهِ فِي هَذِه الضَّلَالَة وقبيح هَذِه الْمقَالة الشَّيْخ الامام الْعَلامَة والمحدث الفهامة الْحَافِظ ابو عبد الله مُحَمَّد بن نَاصِر الدّين الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى بِكِتَاب سَمَّاهُ الرَّد الوافر على من زعم أَن من سمى ابْن تَيْمِية شيخ الاسلام كَافِر وَقد أَجَاد فِيهِ وَأفَاد وَبلغ فِي إفحام الْخصم الْغَايَة وَالْمرَاد وَهُوَ فِي مُجَلد لطيف وَقد مدح هَذَا التَّأْلِيف مَشَايِخ الاسلام وقرظوه بِمَا يشفي الأوام كشيخ الاسلام أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الحَدِيث أَحْمد بن عَليّ بن حجر الْعَسْقَلَانِي صَاحب فتح الْبَارِي وقاضي الْقُضَاة شيخ الاسلام صَالح بن عمر البُلْقِينِيّ الشَّافِعِي والامام قَاضِي الْقُضَاة عبد الرَّحْمَن التفهني الْحَنَفِيّ والعلامة قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد الْبِسَاطِيّ الْمَالِكِي والعلامة الْحَافِظ قَاضِي الْقُضَاة نور الدّين مَحْمُود بن أَحْمد الْعَيْنِيّ الْحَنَفِيّ والامام الْهمام الْعَلامَة الفهامة أَحْمد ابْن نصر الله الْبَغْدَادِيّ الْحَنْبَلِيّ وَالشَّيْخ الامام الْعَالم الْهمام ابراهيم بن مُحَمَّد الْحلَبِي وَالشَّيْخ الامام الْعَلامَة مُفِيد الْقَاهِرَة رضوَان بن مُحَمَّد أَبُو النَّعيم قَوْله والفدم قَالَ فِي الْقَامُوس الفدم العيي عَن الْكَلَام فِي ثقل ورخاوة وَقلة فهم والغليظ الاحمق الجافي جمع فدام وَهِي بهاء فدم ككرم فدامة وفدومة انْتهى
стр. 804
فصل فِي بَيَان أَن الْمُصِيبَة الَّتِي حلت بِأَهْل التعطيل والكفران من جِهَة الْأَسْمَاء الَّتِي مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان ... يَا قوم أصل بلائكم اسماء لم ... ينزل بهَا الرَّحْمَن من سُلْطَان
هِيَ عكستكم غَايَة التعكيس واقتلعت دِيَاركُمْ من الاركان ... فتهدمت تِلْكَ الْقُصُور وأوحشت مِنْكُم ربوع الْعلم والايمان
والذنب ذنبكم قبلتم لَفظهَا ... من غير تَفْصِيل وَلَا فرقان
وَهِي الَّتِي اشْتَمَلت على أَمريْن من ... حق وَأمر وَاضح الْبطلَان
سميتم عرش المهمين حيزا ... والاستواء تحيزا بمَكَان
وجعلتم فَوق السَّمَاوَات العلى ... جِهَة وسقتم نفي ذَا بوزان ...
يَعْنِي أَن الْمُصِيبَة وَالْبَلَاء الَّذِي حل بِأَهْل التعطيل والكفران من جِهَة الاسماء الَّتِي مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان وَذَلِكَ أَنهم سموا عرش الْمُهَيْمِن سُبْحَانَهُ حيزا وَسموا الاسْتوَاء تحيزا وجهة قَالَ ... وجعلتم الاثبات تَشْبِيها وتجسيما وَهَذَا غَايَة الْبُهْتَان ... وجعلتم الْمَوْصُوف جسما قَابل الاعراض والاكوان والألوان ...
стр. 805
.. وجعلتم أَوْصَافه عرضا وَهَذَا كُله جسر الى النكران ...
أَي أَنكُمْ أَيهَا المعطلة سميتم تَشْبِيها وتجسيما وقلتم اذا وصفتم الله بصفاته الَّتِي وصف بهَا نَفسه وَوَصفه بهَا رَسُوله فقد قُلْتُمْ بِأَن الله جسم قَابل للأعراض وَهِي الألوان وَنَحْوهَا والأكوان الاربعة وَهِي الِاجْتِمَاع والافتراق وَالْحَرَكَة والسكون تَعَالَى الله عَن ذَلِك قَالَ ... وكذاك سميتم حُلُول حوادث ... أَفعاله تلقيب ذِي عدوان ... اذ تنفر الاسماع من ذَا اللَّفْظ نفرتها من التَّشْبِيه وَالنُّقْصَان
فكسوتم أَفعاله لفظ الحوا ... دث ثمَّ قُلْتُمْ قَول ذِي بطلَان
لَيست تقوم بِهِ الْحَوَادِث والمرا ... د النَّفْي للأفعال للديان
فاذا انْتَفَت أَفعاله وَصِفَاته ... وَكَلَامه وعلو ذِي سُلْطَان
فَبِأَي شئ كَانَ رَبًّا عنْدكُمْ ... يَا فرقة التَّحْقِيق والعرفان
وَالْقَصْد نفي فعاله عَنهُ بذا التلقيب فعل الشَّاعِر الفتان ... وكذاك حِكْمَة رَبنَا سميتم ... عللا وأغراضا وذان اسمان ... لَا يشعران بمدحه بل ضدها ... فيهون حِينَئِذٍ على الاذهان
نفي الصِّفَات وَحِكْمَة الخلاق والأفعاله إنكارا لهَذَا الشان ... وَكَذَا اسْتِوَاء الرب فَوق الْعَرْش قُلْتُمْ إِنَّه التَّرْكِيب ذُو بطلَان
وكذاك وَجه الرب ﷻ ... وكذاك لفظ يَد وَلَفظ يدان ...
стр. 806
.. سميتم ذَا كُله الاعضاء بل ... سميتموه جوارح الانسان
وسطوتم بِالنَّفْيِ حِينَئِذٍ عَلَيْهِ كنفينا للعيب مَعَ نُقْصَان ... قُلْتُمْ ننزهه عَن الاعراض والأغراض والابعاض والجثمان
وَعَن الْحَوَادِث أَن تحل بِذَاتِهِ ... سُبْحَانَهُ من طَارق الْحدثَان
وَالْقَصْد نفي صِفَاته وفعاله ... والاستواء وَحِكْمَة الرَّحْمَن ...
يَعْنِي النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى أَن المعطلة سموا صِفَات الرب أعراضا وَسموا حكمته أغراضا وعللا وَسموا إِثْبَات وَجهه وَيَده أَو يَدَيْهِ سُبْحَانَهُ أبعاضا وَقَالُوا منزه عَن الاعراض والأغراض والابعاص وَكَذَا سموا قيام أَفعاله بِهِ سُبْحَانَهُ حُلُول الْحَوَادِث وَذَلِكَ كُله لأجل التشنيع على من تبع مَذْهَب السّلف الَّذِي دلّ عَلَيْهِ صَحِيح الْمَنْقُول وصريح الْمَعْقُول وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم فاذا انْتَفَت أَفعاله وَكَلَامه وَصِفَاته وعلوه على عَرْشه فَبِأَي شَيْء كَانَ رَبًّا عنْدكُمْ
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَالنَّاس أَكْثَرهم بسجن اللَّفْظ محبوسون خوف معرة السجان ... وَالْكل إِلَّا الْفَرد يقبل مذهبا ... فِي قالب وَيَردهُ فِي ثَان
وَالْقَصْد أَن الذَّات والاوصاف وَالْأَفْعَال لَا تنفى بذا الهذيان ... سموهُ مَا شِئْتُم فَلَيْسَ الشَّأْن فِي الْأَسْمَاء بل فِي مقصد وَمَعَان
كم ذَا توسلتم بِلَفْظ الْجِسْم والتجسيم للتعطيل والكفران ... وجعلتموه الترس ان قُلْنَا لكم ... الله فَوق الْعَرْش والاكوان ...
стр. 807
.. قُلْتُمْ لنا جسم على جسم تَعَالَى الله عَن جسم وَعَن جثمان
وكذاك ان قُلْنَا الْقُرْآن كَلَامه ... مِنْهُ بدا لم يبد من انسان
كلا وَلَا ملك وَلَا لوح وَلَا ... كن قَالَه الرَّحْمَن قَوْله بَيَان ...
تقدم معنى أَن الْكَلَام بدا مِنْهُ تَعَالَى وَمعنى بدايته ... قُلْتُمْ لنا إِن الْكَلَام قِيَامه ... بالجسم أَيْضا وَهُوَ ذُو حدثان
عرض يقوم بِغَيْر جسم لم يكن ... هَذَا بمعقول لَدَى الأذهان ...
أَي قَالَت النفاة إِذْ قُلْتُمْ إِن كَلَام الله تَعَالَى بدا مِنْهُ لم يبد من انسان وَلَا ملك وَلَا من اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَتَقول النفاة الْكَلَام عرض وَالْعرض لَا يقوم بِغَيْر جسم فكلامكم أَيهَا المثبتة غير مَعْقُول ... وكذاك حِين نقُول ينزل رَبنَا ... فِي ثلث ليل آخر أَو ثَان
قُلْتُمْ لنا إِن النُّزُول لغير أجسام محَال لَيْسَ ذَا إِمْكَان ... وكذاك ان قُلْنَا يرى سُبْحَانَهُ ... قُلْتُمْ أجسم كي يرى بعيان ...
أَي إِذا قُلْنَا إِنَّه سُبْحَانَهُ يرى فِي الْآخِرَة قَالَت المعطلة يلْزم أَنه جسم وَأَن لَهُ جِهَة ... أم كَانَ ذَا جِهَة تَعَالَى رَبنَا ... عَن ذَا فَلَيْسَ يرَاهُ من إِنْسَان ... أما اذا قُلْنَا لَهُ وَجه كَمَا ... فِي النَّقْص أَو قُلْنَا كَذَاك يدان
وكذاك ان قُلْنَا كَمَا فِي النَّص إِن الْقلب بَين أَصَابِع الرَّحْمَن ... وكذاك إِن قُلْنَا الاصابع فَوْقهَا ... كل العوالم وَهِي ذُو رجفان ...
стр. 808
.. وكذاك ان قُلْنَا يَدَاهُ لأرضه ... وسمائه فِي الْحَشْر قابضتان ... وكذاك ان قُلْنَا سيكشف سَاقه ... فيخر ذَاك الْجمع للأذقان
وكذاك ان قُلْنَا يجِئ لفصله ... بَين الْعباد بِعدْل ذِي سُلْطَان
قَامَت قيامتكم كَذَاك قِيَامَة ال ... آتِي بِهَذَا القَوْل فِي الرَّحْمَن ...
أَي إِذا قُلْنَا إِن لَهُ تَعَالَى وَجها كَمَا ورد بِهِ النَّص كَمَا يَلِيق بجلاله أَو قُلْنَا إِن لَهُ سُبْحَانَهُ يدين أَو قُلْنَا كَمَا فِي النَّص ان الْقلب بَين اصابع الرَّحْمَن اَوْ ان الاصابع فَوْقهَا العوالم وانه يقبض أرضه وسماءه فِي الْحَشْر وَأَنه سيكشف عَن سَاق وَأَنه سُبْحَانَهُ يَجِيء لفصل الْقَضَاء وَغير ذَلِك مِمَّا فِي كتاب الله أَو فِي صَحِيح السّنة وحسنها من غير تَشْبِيه وَلَا تَمْثِيل وَلَا تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل قَامَت قيامتكم ورميتمونا بِكُل حجر ومدر
ولنبسط الْكَلَام فِي الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ فَنَقُول وَجه الرب سُبْحَانَهُ حَيْثُ ورد فِي الْكتاب وَالسّنة فَلَيْسَ بمجاز بل على حَقِيقَته وَاخْتلف المعطلة فِي جِهَة التَّجَوُّز فِي هَذَا فَقَالَت طَائِفَة لفظ الْوَجْه زَائِد وَالتَّقْدِير وَيبقى رَبك إِلَّا ابْتِغَاء ربه الْأَعْلَى ويريدون رَبهم وَقَالَت فرقة الْوَجْه بِمَعْنى الذَّات وَهَذَا قَول أُولَئِكَ وان اخْتلفُوا فِي التَّعْبِير عَنهُ وَقَالَت فرقة ثَوَابه وجزاؤه فجلعه هَؤُلَاءِ مخلوقا مُنْفَصِلا قَالُوا لِأَن الَّذِي يُرَاد هُوَ الثَّوَاب قَالَ عُثْمَان بن سعيد الدِّرَامِي وَقد حكى قَول المريسي انه قَالَ فِي قَول النَّبِي ﷺ اذا قَامَ العَبْد يُصَلِّي اقبل الله عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ يحْتَمل ان يقبل الله عَلَيْهِ بنعمته وإحسانه وأفعاله وَمَا أوجب للْمُصَلِّي من الثَّوَاب فَقَوله ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾ الرَّحْمَن أَي مَا توجه بِهِ رَبك من الْأَعْمَال الصَّالِحَة
стр. 809
وَقَوله ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ الْبَقَرَة أَي قبْلَة الله قَالَ الدَّارمِيّ لما فرغ المريسي من إِنْكَار الْيَدَيْنِ ونفيهما عَن الله أقبل قبل وَجه الله ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام لينفيه عَنهُ كَمَا نفى عَنهُ الْيَدَيْنِ فَلم يدع غَايَة فِي إِنْكَار وَجه الله ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام والجحود بِهِ حَتَّى ادّعى ان وَجه الله الَّذِي وَصفه بِأَنَّهُ ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام مَخْلُوق لِأَنَّهُ ادّعى انه أَعمال مَخْلُوق يتَوَجَّه بهَا إِلَيْهِ وثواب وإنعام مَخْلُوق يثيب بِهِ الْعَامِل وَزعم أَنه قبْلَة الله وقبلة الله لَا شكّ مخلوقة ثمَّ سَاق الْكَلَام فِي الرَّد عَلَيْهِ وَذكر الْخطابِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا قَالُوا لما اضاف الْوَجْه إِلَى الذَّات وأضاف النَّعْت الى الْوَجْه فَقَالَ ﴿وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ الرَّحْمَن دلّ على أَن ذكر الْوَجْه لَيْسَ بصلَة وَأَن قَوْله ﴿ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ صفة للْوَجْه وَأَن الْوَجْه صفة للذات
قَالَ النَّاظِم فِي الصَّوَاعِق فَتَأمل رفع قَول ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام عِنْد ذكر الْوَجْه وجره فِي قَول ﴿تبَارك اسْم رَبك ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ الرَّحْمَن فذو الْوَجْه الْمُضَاف بالجلال وَالْإِكْرَام لما كَانَ الْقَصْد الاخبار عَنهُ وَذي الْوَجْه الْمُضَاف اليه بالجلال وَالْإِكْرَام فِي آخر السُّورَة لما كَانَ الْمَقْصُود عين الْمُسَمّى دون الِاسْم فَتَأَمّله
ثمَّ اسْتدلَّ رَحمَه الله تَعَالَى على إبِْطَال هَذِه التأويلات بأوجه مِنْهَا أَنه لَا يعرف فِي لُغَة من لُغَات الْأُمَم وَجه الشَّيْء بِمَعْنى ذَاته وَنَفسه وَغَايَة ماشبه بِهِ الْمُعَطل وَجه الرب أَن قَالَ هُوَ كَقَوْل الْقَائِل وَجه الْحَائِط وَوجه الثَّوْب وَوجه النَّهَار فَيُقَال للمعطل الْمُشبه بِهِ لَيْسَ الْوَجْه فِي ذَلِك بِمَعْنى الذَّات بل هَذَا مُبْطل لِقَوْلِك فان وَجه الْحَائِط أحد جانبيه فَهُوَ مُقَابل لدبره وَمثل هَذَا وَجه الْكَعْبَة ودبرها فَهُوَ وَجه حَقِيقَة وَلكنه بِحَسب الْمُضَاف
стр. 810
اليه فَلَمَّا كَانَ الْمُضَاف اليه بِنَاء كَانَ وَجهه من جنسه وَكَذَلِكَ وَجه الثَّوْب اُحْدُ جانبيه وَهُوَ من جنسه وَكَذَلِكَ وَجه النَّهَار أَوله وَلَا يُقَال لجَمِيع النَّهَار وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَجه النَّهَار اوله وَمِنْه قَوْلهم صدر النَّهَار قَالَ ابْن الاعرابي اتيته بِوَجْه نَهَار وَصدر نَهَار وَأنْشد للربيع بن زِيَاد ... من كَانَ مَسْرُورا بمقتل مَالك ... فليأت نسوتنا بِوَجْه نَهَار ...
وَمِنْهَا أَن حمله على الثَّوَاب الْمُنْفَصِل من أبطل الْبَاطِل فان اللُّغَة لَا تحْتَمل ذَلِك وَلَا يعرف أَن الْجَزَاء يُسمى وَجها للمجاز وَأَيْضًا فالثواب مَخْلُوق وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه استعاذ بِوَجْه الله فَقَالَ أعوذ بِوَجْهِك الْكَرِيم ان تضلني لَا إِلَه أَلا أَنْت الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت وَالْجِنّ والانس يموتون رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَمن دُعَائِهِ يَوْم الطَّائِف أعوذ بِوَجْهِك الْكَرِيم الَّذِي أشرقت لَهُ الظُّلُمَات وَصلح عَلَيْهِ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَا يظنّ برَسُول الله ﷺ أَن يستعيذ بمخلوق
وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ اسألك لَذَّة النّظر الى وَجهك والشوق الى لقائك وَلم يكن ليسأل لَذَّة النّظر الى ثَوَاب الْمَخْلُوق وَلَا يعرف تَسْمِيَة ذَلِك وَجها لُغَة وَلَا شرعا وَلَا عرفا
وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من استعاذ بِاللَّه فأعيذوه وَمن سَأَلَ بِوَجْه الله فَأَعْطوهُ وَفِي السّنَن من حَدِيث جَابر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يسْأَل بِوَجْه الله الا الْجنَّة فَكَانَ طَاوس يكره أَن يسْأَل الانسان بِوَجْه الله
وروى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله لَا ينَام وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن ينَام
следующие страницы →