← Акыда

Акыда · id 6362

توضيح المقاصد شرح نونية ابن القيم الكافية الشافية

أحمد بن عيسى

Полный текст (1 130 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

.. سميتم ذَا كُله الاعضاء بل ... سميتموه جوارح الانسان وسطوتم بِالنَّفْيِ حِينَئِذٍ عَلَيْهِ كنفينا للعيب مَعَ نُقْصَان ... قُلْتُمْ ننزهه عَن الاعراض والأغراض والابعاض والجثمان وَعَن الْحَوَادِث أَن تحل بِذَاتِهِ ... سُبْحَانَهُ من طَارق الْحدثَان وَالْقَصْد نفي صِفَاته وفعاله ... والاستواء وَحِكْمَة الرَّحْمَن ... يَعْنِي النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى أَن المعطلة سموا صِفَات الرب أعراضا وَسموا حكمته أغراضا وعللا وَسموا إِثْبَات وَجهه وَيَده أَو يَدَيْهِ سُبْحَانَهُ أبعاضا وَقَالُوا منزه عَن الاعراض والأغراض والابعاص وَكَذَا سموا قيام أَفعاله بِهِ سُبْحَانَهُ حُلُول الْحَوَادِث وَذَلِكَ كُله لأجل التشنيع على من تبع مَذْهَب السّلف الَّذِي دلّ عَلَيْهِ صَحِيح الْمَنْقُول وصريح الْمَعْقُول وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم فاذا انْتَفَت أَفعاله وَكَلَامه وَصِفَاته وعلوه على عَرْشه فَبِأَي شَيْء كَانَ رَبًّا عنْدكُمْ قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَالنَّاس أَكْثَرهم بسجن اللَّفْظ محبوسون خوف معرة السجان ... وَالْكل إِلَّا الْفَرد يقبل مذهبا ... فِي قالب وَيَردهُ فِي ثَان وَالْقَصْد أَن الذَّات والاوصاف وَالْأَفْعَال لَا تنفى بذا الهذيان ... سموهُ مَا شِئْتُم فَلَيْسَ الشَّأْن فِي الْأَسْمَاء بل فِي مقصد وَمَعَان كم ذَا توسلتم بِلَفْظ الْجِسْم والتجسيم للتعطيل والكفران ... وجعلتموه الترس ان قُلْنَا لكم ... الله فَوق الْعَرْش والاكوان ...

стр. 807

.. قُلْتُمْ لنا جسم على جسم تَعَالَى الله عَن جسم وَعَن جثمان وكذاك ان قُلْنَا الْقُرْآن كَلَامه ... مِنْهُ بدا لم يبد من انسان كلا وَلَا ملك وَلَا لوح وَلَا ... كن قَالَه الرَّحْمَن قَوْله بَيَان ... تقدم معنى أَن الْكَلَام بدا مِنْهُ تَعَالَى وَمعنى بدايته ... قُلْتُمْ لنا إِن الْكَلَام قِيَامه ... بالجسم أَيْضا وَهُوَ ذُو حدثان عرض يقوم بِغَيْر جسم لم يكن ... هَذَا بمعقول لَدَى الأذهان ... أَي قَالَت النفاة إِذْ قُلْتُمْ إِن كَلَام الله تَعَالَى بدا مِنْهُ لم يبد من انسان وَلَا ملك وَلَا من اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَتَقول النفاة الْكَلَام عرض وَالْعرض لَا يقوم بِغَيْر جسم فكلامكم أَيهَا المثبتة غير مَعْقُول ... وكذاك حِين نقُول ينزل رَبنَا ... فِي ثلث ليل آخر أَو ثَان قُلْتُمْ لنا إِن النُّزُول لغير أجسام محَال لَيْسَ ذَا إِمْكَان ... وكذاك ان قُلْنَا يرى سُبْحَانَهُ ... قُلْتُمْ أجسم كي يرى بعيان ... أَي إِذا قُلْنَا إِنَّه سُبْحَانَهُ يرى فِي الْآخِرَة قَالَت المعطلة يلْزم أَنه جسم وَأَن لَهُ جِهَة ... أم كَانَ ذَا جِهَة تَعَالَى رَبنَا ... عَن ذَا فَلَيْسَ يرَاهُ من إِنْسَان ... أما اذا قُلْنَا لَهُ وَجه كَمَا ... فِي النَّقْص أَو قُلْنَا كَذَاك يدان وكذاك ان قُلْنَا كَمَا فِي النَّص إِن الْقلب بَين أَصَابِع الرَّحْمَن ... وكذاك إِن قُلْنَا الاصابع فَوْقهَا ... كل العوالم وَهِي ذُو رجفان ...

стр. 808

.. وكذاك ان قُلْنَا يَدَاهُ لأرضه ... وسمائه فِي الْحَشْر قابضتان ... وكذاك ان قُلْنَا سيكشف سَاقه ... فيخر ذَاك الْجمع للأذقان وكذاك ان قُلْنَا يجِئ لفصله ... بَين الْعباد بِعدْل ذِي سُلْطَان قَامَت قيامتكم كَذَاك قِيَامَة ال ... آتِي بِهَذَا القَوْل فِي الرَّحْمَن ... أَي إِذا قُلْنَا إِن لَهُ تَعَالَى وَجها كَمَا ورد بِهِ النَّص كَمَا يَلِيق بجلاله أَو قُلْنَا إِن لَهُ سُبْحَانَهُ يدين أَو قُلْنَا كَمَا فِي النَّص ان الْقلب بَين اصابع الرَّحْمَن اَوْ ان الاصابع فَوْقهَا العوالم وانه يقبض أرضه وسماءه فِي الْحَشْر وَأَنه سيكشف عَن سَاق وَأَنه سُبْحَانَهُ يَجِيء لفصل الْقَضَاء وَغير ذَلِك مِمَّا فِي كتاب الله أَو فِي صَحِيح السّنة وحسنها من غير تَشْبِيه وَلَا تَمْثِيل وَلَا تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل قَامَت قيامتكم ورميتمونا بِكُل حجر ومدر ولنبسط الْكَلَام فِي الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ فَنَقُول وَجه الرب سُبْحَانَهُ حَيْثُ ورد فِي الْكتاب وَالسّنة فَلَيْسَ بمجاز بل على حَقِيقَته وَاخْتلف المعطلة فِي جِهَة التَّجَوُّز فِي هَذَا فَقَالَت طَائِفَة لفظ الْوَجْه زَائِد وَالتَّقْدِير وَيبقى رَبك إِلَّا ابْتِغَاء ربه الْأَعْلَى ويريدون رَبهم وَقَالَت فرقة الْوَجْه بِمَعْنى الذَّات وَهَذَا قَول أُولَئِكَ وان اخْتلفُوا فِي التَّعْبِير عَنهُ وَقَالَت فرقة ثَوَابه وجزاؤه فجلعه هَؤُلَاءِ مخلوقا مُنْفَصِلا قَالُوا لِأَن الَّذِي يُرَاد هُوَ الثَّوَاب قَالَ عُثْمَان بن سعيد الدِّرَامِي وَقد حكى قَول المريسي انه قَالَ فِي قَول النَّبِي ﷺ اذا قَامَ العَبْد يُصَلِّي اقبل الله عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ يحْتَمل ان يقبل الله عَلَيْهِ بنعمته وإحسانه وأفعاله وَمَا أوجب للْمُصَلِّي من الثَّوَاب فَقَوله ﴿وَيبقى وَجه رَبك﴾ الرَّحْمَن أَي مَا توجه بِهِ رَبك من الْأَعْمَال الصَّالِحَة

стр. 809

وَقَوله ﴿فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ الْبَقَرَة أَي قبْلَة الله قَالَ الدَّارمِيّ لما فرغ المريسي من إِنْكَار الْيَدَيْنِ ونفيهما عَن الله أقبل قبل وَجه الله ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام لينفيه عَنهُ كَمَا نفى عَنهُ الْيَدَيْنِ فَلم يدع غَايَة فِي إِنْكَار وَجه الله ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام والجحود بِهِ حَتَّى ادّعى ان وَجه الله الَّذِي وَصفه بِأَنَّهُ ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام مَخْلُوق لِأَنَّهُ ادّعى انه أَعمال مَخْلُوق يتَوَجَّه بهَا إِلَيْهِ وثواب وإنعام مَخْلُوق يثيب بِهِ الْعَامِل وَزعم أَنه قبْلَة الله وقبلة الله لَا شكّ مخلوقة ثمَّ سَاق الْكَلَام فِي الرَّد عَلَيْهِ وَذكر الْخطابِيّ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيرهمَا قَالُوا لما اضاف الْوَجْه إِلَى الذَّات وأضاف النَّعْت الى الْوَجْه فَقَالَ ﴿وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ الرَّحْمَن دلّ على أَن ذكر الْوَجْه لَيْسَ بصلَة وَأَن قَوْله ﴿ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ صفة للْوَجْه وَأَن الْوَجْه صفة للذات قَالَ النَّاظِم فِي الصَّوَاعِق فَتَأمل رفع قَول ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام عِنْد ذكر الْوَجْه وجره فِي قَول ﴿تبَارك اسْم رَبك ذِي الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ الرَّحْمَن فذو الْوَجْه الْمُضَاف بالجلال وَالْإِكْرَام لما كَانَ الْقَصْد الاخبار عَنهُ وَذي الْوَجْه الْمُضَاف اليه بالجلال وَالْإِكْرَام فِي آخر السُّورَة لما كَانَ الْمَقْصُود عين الْمُسَمّى دون الِاسْم فَتَأَمّله ثمَّ اسْتدلَّ رَحمَه الله تَعَالَى على إبِْطَال هَذِه التأويلات بأوجه مِنْهَا أَنه لَا يعرف فِي لُغَة من لُغَات الْأُمَم وَجه الشَّيْء بِمَعْنى ذَاته وَنَفسه وَغَايَة ماشبه بِهِ الْمُعَطل وَجه الرب أَن قَالَ هُوَ كَقَوْل الْقَائِل وَجه الْحَائِط وَوجه الثَّوْب وَوجه النَّهَار فَيُقَال للمعطل الْمُشبه بِهِ لَيْسَ الْوَجْه فِي ذَلِك بِمَعْنى الذَّات بل هَذَا مُبْطل لِقَوْلِك فان وَجه الْحَائِط أحد جانبيه فَهُوَ مُقَابل لدبره وَمثل هَذَا وَجه الْكَعْبَة ودبرها فَهُوَ وَجه حَقِيقَة وَلكنه بِحَسب الْمُضَاف

стр. 810

اليه فَلَمَّا كَانَ الْمُضَاف اليه بِنَاء كَانَ وَجهه من جنسه وَكَذَلِكَ وَجه الثَّوْب اُحْدُ جانبيه وَهُوَ من جنسه وَكَذَلِكَ وَجه النَّهَار أَوله وَلَا يُقَال لجَمِيع النَّهَار وَقَالَ ابْن عَبَّاس وَجه النَّهَار اوله وَمِنْه قَوْلهم صدر النَّهَار قَالَ ابْن الاعرابي اتيته بِوَجْه نَهَار وَصدر نَهَار وَأنْشد للربيع بن زِيَاد ... من كَانَ مَسْرُورا بمقتل مَالك ... فليأت نسوتنا بِوَجْه نَهَار ... وَمِنْهَا أَن حمله على الثَّوَاب الْمُنْفَصِل من أبطل الْبَاطِل فان اللُّغَة لَا تحْتَمل ذَلِك وَلَا يعرف أَن الْجَزَاء يُسمى وَجها للمجاز وَأَيْضًا فالثواب مَخْلُوق وَقد صَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه استعاذ بِوَجْه الله فَقَالَ أعوذ بِوَجْهِك الْكَرِيم ان تضلني لَا إِلَه أَلا أَنْت الْحَيّ الَّذِي لَا يَمُوت وَالْجِنّ والانس يموتون رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَمن دُعَائِهِ يَوْم الطَّائِف أعوذ بِوَجْهِك الْكَرِيم الَّذِي أشرقت لَهُ الظُّلُمَات وَصلح عَلَيْهِ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَلَا يظنّ برَسُول الله ﷺ أَن يستعيذ بمخلوق وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُول فِي دُعَائِهِ اسألك لَذَّة النّظر الى وَجهك والشوق الى لقائك وَلم يكن ليسأل لَذَّة النّظر الى ثَوَاب الْمَخْلُوق وَلَا يعرف تَسْمِيَة ذَلِك وَجها لُغَة وَلَا شرعا وَلَا عرفا وَمِنْهَا أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من استعاذ بِاللَّه فأعيذوه وَمن سَأَلَ بِوَجْه الله فَأَعْطوهُ وَفِي السّنَن من حَدِيث جَابر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ لَا يَنْبَغِي لأحد أَن يسْأَل بِوَجْه الله الا الْجنَّة فَكَانَ طَاوس يكره أَن يسْأَل الانسان بِوَجْه الله وروى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله لَا ينَام وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَن ينَام

стр. 811

يخْفض الْقسْط وَيَرْفَعهُ يرفع اليه عمل اللَّيْل قبل عمل النَّهَار وَعمل النَّهَار قبل عمل اللَّيْل حجابه النُّور لَو كشفه لأحرقت سبحات وَجهه مَا انْتهى اليه بَصَره من خلقه وَمِنْهَا قَول عبد الله بن مَسْعُود ﵁ لَيْسَ عِنْد ربكُم ليل وَلَا نَهَار نور السَّمَاوَات والارض من نور وَجهه فَهَل يَصح أَن يحمل الْوَجْه فِي هَذَا على مَخْلُوق أَو يكون صلَة لَا معنى لَهُ أَو يكون بِمَعْنى الْقبْلَة والجهة وَهَذَا مُطَابق لقَوْله ﵇ أعوذ بِنور وَجهك الَّذِي أشرقت لَهُ الظُّلُمَات فأضاف النُّور إِلَى الْوَجْه وَالْوَجْه الى الذَّات واستعاذ بِنور الْوَجْه الْكَرِيم فَعلم أَن نوره صفة لَهُ كَمَا أَن الْوَجْه صفة ذاتية وَهُوَ الَّذِي قَالَه ابْن مَسْعُود وَهُوَ تَفْسِير قَوْله ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ النُّور فَلَا تشتغل بأقوال الْمُتَأَخِّرين الَّذين غشت بصائرهم عَن معرفَة ذَلِك فَخذ الْعلم عَن أَهله فَهَذَا تَفْسِير الصَّحَابَة ﵃ وَمِنْهَا أَن الصَّحَابَة ﵃ وَالتَّابِعِينَ وَجَمِيع أهل السّنة والْحَدِيث وَالْأَئِمَّة الاربعة وَأهل الاسْتقَامَة من أتباعهم متفقون على أَن الْمُؤمنِينَ يرَوْنَ وَجه رَبهم فِي الْجنَّة وَهِي الزِّيَادَة الَّتِي فسر بهَا النَّبِي ﷺ وَالصَّحَابَة ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة﴾ يُونُس فروى مُسلم فِي صَحِيحه عَن النَّبِي ﷺ فِي قَوْله ﴿للَّذين أَحْسنُوا الْحسنى وَزِيَادَة﴾ يُونُس قَالَ النّظر الى وَجه الله تَعَالَى فَمن أنكر حَقِيقَة الْوَجْه لم يكن للنَّظَر عِنْده حَقِيقَة وَلَا سِيمَا إِذا أنكر الْوَجْه والعلو فَيَعُود النّظر عِنْده الى خيال مُجَرّد وان احسن الْعبارَة قَالَ هُوَ معنى يقوم بِالْقَلْبِ نسبته اليه كنسبة النّظر الى الْعين وَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَة عِنْده نظر وَلَا وَجه وَلَا لَذَّة تحصل للنَّاظِر

стр. 812

وَمِنْهَا أَن تَفْسِير وَجه الله بقبلة الله وان قَالَه بعض السّلف كمجاهد وَتَبعهُ الشَّافِعِي فانما قَالُوهُ فِي مَوضِع وَاحِد لَا غير وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَللَّه الْمشرق وَالْمغْرب فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ الْبَقَرَة فَهَب ان هَذَا كَذَلِك فِي هَذَا الْموضع فَهَل يَصح أَن يُقَال ذَلِك فِي غَيره من الْمَوَاضِع الَّتِي ذكر الله تَعَالَى فِيهَا الْوَجْه فَمَا يفيدكم هَذَا فِي قَوْله وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام الرَّحْمَن وَقَوله الا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى اللَّيْل وَقَوله إِنَّمَا نطعمكم لوجه الله الدَّهْر على أَن الصَّحِيح فِي قَوْله فثم وَجه الله الْبَقَرَة أَنه كَقَوْلِه فِي سَائِر الْآيَات الَّتِي فِيهَا ذكر الْوَجْه فانه قد اطرد مجيئة فِي الْقُرْآن وَالسّنة مُضَافا الى الرب تَعَالَى على طَريقَة وَاحِدَة وَمعنى وَاحِد فَلَيْسَ فِيهِ مَعْنيانِ مُخْتَلِفَانِ فِي جَمِيع الْمَوَاضِع غير الْموضع الَّذِي ذكره فِي سُورَة الْبَقَرَة وَهُوَ قَوْله فثم وَجه الله وَهَذَا لَا يتَعَيَّن حمله على الْقبْلَة أَو الْجِهَة وَلَا يمْنَع أَن يُرَاد بِهِ وَجه الرب حَقِيقَة فَحَمله على موارده ونظائره كلهَا أولى وَمِنْهَا أَنه لَا يعرف إِطْلَاق وَجه الله على الْقبْلَة لُغَة وَلَا شرعا وَلَا عرفا بل الْقبْلَة لَهَا اسْم يَخُصهَا وَالْوَجْه لَهُ اسْم يَخُصُّهُ فَلَا يدْخل أَحدهمَا على الآخر وَلَا يستعار اسْمه لَهُ نعم الْقبْلَة تسمى وجهة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلكُل وجهة هُوَ موليها فاستبقوا الْخيرَات أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾ الْبَقَرَة وَقد تسمى جِهَة وَأَصلهَا وجهة لَكِن أعلت بِحَذْف فائها كزنة وعدة وَإِنَّمَا سميت قبْلَة ووجهة لِأَن الرجل يقابلها ويواجهها بِوَجْهِهِ وَأما تَسْمِيَتهَا وَجها فَلَا عهد بِهِ فَكيف إِذا أضيف الى الله تَعَالَى مَعَ أَنه لَا يعرف تَسْمِيَة الْقبْلَة وجهة الله فِي شَيْء من الْكَلَام مَعَ أَنَّهَا تسمى وجهة فَكيف يُطلق عَلَيْهَا وَجه الله وَلَا يعرف تَسْمِيَتهَا وَجها وايضا فَمن الْمَعْلُوم أَن قبْلَة الله

стр. 813

الَّتِي نصبها لِعِبَادِهِ هِيَ قبْلَة وَاحِدَة وَهِي الْقبْلَة الَّتِي أَمر الله عباده أَن يتوجهوا اليها حَيْثُ كَانُوا لاكل جِهَة يولي وَجهه اليها فانه يولي وَجهه الى الْمشرق وَالْمغْرب وَالشمَال وَمَا بَين ذَلِك وَلَيْسَت تِلْكَ الْجِهَات قبْلَة الله فَكيف يُقَال أَي وجهة وجهتموها واستقبلتموها فَهِيَ قبْلَة الله فان قيل هَذَا عِنْد اشْتِبَاه الْقبْلَة على الْمُصَلِّي وَعند صلَاته النَّافِلَة فِي السّفر قيل اللَّفْظ لَا شعار لَهُ بذلك الْبَتَّةَ بل هُوَ عَام مُطلق فِي الْحَضَر وَالسّفر وَحَال الْعلم والاشتباه وَالْقُدْرَة وَالْعجز يُوضحهُ أَن إِخْرَاج الِاسْتِقْبَال الْمَفْرُوض والاستقبال فِي الْحَضَر وَعند الْعلم وَالْقُدْرَة وَهُوَ أَكثر أَحْوَال الْمُسْتَقْبل وَحمل الْآيَة على اسْتِقْبَال الْمُسَافِر فِي التنقل على الرَّاحِلَة وَحَال الْغَيْم وَنَحْوه بعيد جدا عَن ظَاهر الْآيَة وإطلاقها وعمومها وَمَا قصد بهَا فان أَيْن من أدوات الْعُمُوم وَقد أكد عمومها بِمَا اراده لتحقيق الْعُمُوم كَقَوْلِه ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُم فَوَلوا وُجُوهكُم شطره﴾ الْبَقَرَة وَالْآيَة صَرِيحَة فِي أَنه أَيْنَمَا ولى العَبْد فثم وَجه الله من حضر أَو سفر فِي صَلَاة وَغَيرهَا وَذَلِكَ أَن الْآيَة لَا تعرض فِيهَا للْقبْلَة وَلَا لحكم الِاسْتِقْبَال بل سياقها لِمَعْنى آخر وَهُوَ بَيَان عَظمَة الرب تَعَالَى وسعته وَأَنه أكبر من كل شَيْء وَأعظم مِنْهُ وَأَنه مُحِيط بالعالم الْعلوِي والسفلي فَذكر فِي أول الْآيَة إحاطة ملكه فِي قَوْله وَللَّه الْمشرق وَالْمغْرب الْبَقَرَة منبها بذلك على ملكه لما ابينهما ثمَّ ذكر عَظمته سُبْحَانَهُ وَأَنه أكبر وَأعظم من كل شئ فأينما ولى العَبْد وَجهه فثم وَجه الله ثمَّ ختم باسمين دالين على السعَة والاحاطة فَقَالَ ﴿إِن الله وَاسع عليم﴾ فَذكر اسْمه الْوَاسِع عقيب قَول فأينما توَلّوا فثم وَجه الله كالتفسير وَالْبَيَان والتقرير لَهُ فَتَأَمّله فَهَذَا السِّيَاق لم يقْصد بِهِ الِاسْتِقْبَال فِي الصَّلَاة بِخُصُوصِهِ وَإِن دخل فِي عُمُوم الْخطاب حضرا وسفرا بِالنِّسْبَةِ الى الْفَرْض وَالنَّفْل وَالْقُدْرَة وَالْعجز

стр. 814

وعَلى هَذَا فالآية بَاقِيَة على عمومها وأحكامها لَيْسَ مَنْسُوخَة وَلَا مَخْصُوصَة بل لَا يَصح دُخُول النّسخ فِيهَا لِأَنَّهَا خبر عَن ملكه للمشرق وَالْمغْرب وَأَنه أَيْنَمَا ولى الرجل وَجهه فثم وَجه الله وَعَن سعته وَعلمه فَكيف يُمكن دُخُول النّسخ والتخصيص فِي ذَلِك وَأَيْضًا هَذِه الْآيَة ذكرت مَا بعْدهَا لبَيَان عَظمَة الرب وَالرَّدّ على من جعل لَهُ عدلا من خلقه الشّركَة مَعَه فِي الْعِبَادَة وَلِهَذَا ذكرهَا بعد الرَّد على من جعل لَهُ ولدا فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا اتخذ الله ولدا سُبْحَانَهُ بل لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ إِلَى قَوْله كن فَيكون الْبَقَرَة فَهَذَا السِّيَاق لَا تعرض فِيهِ للْقبْلَة وَلَا سيق الْكَلَام لأَجلهَا وَإِنَّمَا سيق لذكر عَظمَة الرب وَبَيَان سَعَة علمه وحلمه والواسع من أَسْمَائِهِ فَكيف تَجْعَلُونَ لَهُ شَرِيكا بِسَبَبِهِ وتمنعون بيوته ومساجده ان يذكر فِيهَا اسْمه تسعون فِي خرابها فَهَذَا للْمُشْرِكين ثمَّ ذكر مَا نسبه اليه النَّصَارَى من اتِّخَاذ الْوَلَد ووسط بَين كفر هَؤُلَاءِ وَقَوله تَعَالَى وَللَّه الْمشرق وَالْمغْرب الْبَقَرَة فالمقام مقَام تَقْرِير لأصول التَّوْحِيد والايمان وَالرَّدّ على الْمُشْركين لَا بَيَان فرع معِين جزئي وَمِنْهَا انه لَو أُرِيد بِالْوَجْهِ فِي الْآيَة الْجِهَة والقبلة لَكَانَ وَجه الْكَلَام ان يُقَال فأينما توَلّوا فَهُوَ وَجه الله لِأَنَّهُ إِذا كَانَ المُرَاد بِالْوَجْهِ الْجِهَة فَهِيَ الَّتِي تولي نَفسهَا وَإِنَّمَا يُقَال ثمَّ كَذَا اذا كَانَ أَمْرَانِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَإِذا رَأَيْت ثمَّ رَأَيْت نعيما وملكا كَبِيرا﴾ الدَّهْر فالنعيم وَالْملك ثمَّ لَا إِنَّه نفس الظّرْف وَالْوَجْه لَو كَانَ المُرَاد بِهِ الْجِهَة نَفسهَا لم يكن ظرفا لنَفسهَا فان الشَّيْء لَا يكون ظرفا لنَفسِهِ فَتَأَمّله أَلا ترى أَنَّك إِذا أَشرت الى جِهَة الشرق والغرب لَا يَصح أَن تَقول ثمَّ جِهَة الشرق ثمَّ جِهَة الغرب بل تَقول هَذِه جِهَة الشرق وَهَذِه جِهَة الغرب وَلَو قلت

стр. 815

هُنَاكَ جِهَة الشرق والغرب لَكَانَ ذكر الظّرْف لَغوا وَذَلِكَ لِأَن ثمَّ إِشَارَة الى الْمَكَان الْبعيد فَلَا يشار بهَا الى قريب والجهة والوجهة مِمَّا يحاذيك الى آخرهَا فجهة الشرق والغرب ووجهة الْقبْلَة مِمَّا يتَّصل الى حَيْثُ يَنْتَهِي فَكيف يُقَال فِيهَا ثمَّ اشارة الى الْبعيد بِخِلَاف الاشارة الى وَجه الرب ﵎ فَإِنَّهُ يشار الى ذَاته وَلِهَذَا قَالَ غير وَاحِد من السّلف فثم الله تَحْقِيقا لَان المُرَاد وَجهه الَّذِي هُوَ من صِفَات ذَاته والاشارة اليه بِأَنَّهُ ثمَّ كاشارة اليه بِأَنَّهُ فَوق سمواته وعَلى الْعَرْش وَفَوق الْعَالم وَمِنْهَا أَن تَفْسِير الْقُرْآن بِالْقُرْآنِ هُوَ أولى التفاسير مَا وجد اليه السَّبِيل وَلِهَذَا كَانَ يعتمده الصَّحَابَة والتابعون وَالْأَئِمَّة بعدهمْ وَالله تَعَالَى ذكر فِي الْقُرْآن الْقبْلَة باسم الْقبْلَة وَالْوُجُوه وَذكر وَجهه الْكَرِيم باسم الْوَجْه الْمُضَاف اليه فتفسيره فِي هَذِه الْآيَة بنظائره هُوَ الْمُتَعَيّن وَمِنْهَا أَنَّك إِذا تَأَمَّلت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَجدتهَا مفسرة لِلْآيَةِ مُشْتَقَّة مِنْهَا كَقَوْلِه ﷺ اذا قَامَ احدكم الى الصَّلَاة فانما يسْتَقْبل ربه وَقَوله فان الله يقبل اليه بِوَجْهِهِ عَنهُ وَقَوله اذا قَامَ أحدكُم الى الصَّلَاة فَلَا يبصقن قبل وَجهه وَقَوله فان الله بَينه وَبَين الْقبْلَة وَقَوله ان الله يَأْمُركُمْ بِالصَّلَاةِ فاذا صليتم فَلَا تلتفتوا فان الله ينصب وَجهه لوجه عَبده فِي صلَاته مَا لم يلْتَفت رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ ان العَبْد اذا تَوَضَّأ فَأحْسن الْوضُوء ثمَّ قَالَ الى الصَّلَاة أقبل الله عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ فَلَا ينْصَرف عَنهُ حَتَّى ينْصَرف أَو يحدث حدث سوء وَقَالَ جَابر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ إِذا قَامَ العَبْد يُصَلِّي أقبل الله عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ فاذا الْتفت أعرض الله عَنهُ وَقَالَ يَا ابْن آدم انا خير مِمَّن تلْتَفت

стр. 816

اليه فاذا أقبل على صلَاته أقبل الله عَلَيْهِ فاذا الْتفت أعرض الله عَنهُ انْتهى كَلَام النَّاظِم بِاخْتِصَار قَوْله وَكَذَلِكَ لفظ يَد وَلَفظ يدان قَالَ تَعَالَى ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ الْمَائِدَة قَالَت الْجَهْمِية وَمن تَبِعَهُمْ هَذَا مجَاز فِي النِّعْمَة أَو الْقُدْرَة وَهَذَا فِي الأَصْل قَول الْجَهْمِية وتبعهم الْمُعْتَزلَة وَبَعض الْمُتَأَخِّرين مِمَّن ينتسب الى الاشعري والأشعري وقدماء أَصْحَابه يردون على هَؤُلَاءِ ويبدعونهم ويثبتون الْيَد حَقِيقَة قَالَ عبد الْعَزِيز بن يحيى الْكِنَانِي الْمَالِكِي جليس الشَّافِعِي والخصيص بِهِ وَقد مَاتَ قبل الامام احْمَد فِي كتاب الرَّد على الْجَهْمِية والزنادقة قَالَ يُقَال للجهمي أَتَقول إِن لله وَجها وَله نفس وَله يَد فَيَقُول نعم وَلَكِن معنى وَجه الله هُوَ الله وَمعنى نَفسه عينه وَمعنى يَده نعْمَته قَالَ وَالْجَوَاب ان يُقَال لَهُ فَذكر كلَاما يتَعَلَّق بِالْوَجْهِ وَالنَّفس ثمَّ قَالَ وَأما قَوْله فِي الْيَد أَنَّهَا يَد النِّعْمَة كَمَا تَقول الْعَرَب لَك عِنْدِي يَد فقد قَالَ الله تَعَالَى بِيَدِك الْخَيْر آل عمرَان وَقَالَ فسبحان الَّذِي بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء يس وَقَالَ ﴿تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك﴾ الْملك وَقَالَ يَد الله فَوق أَيْديهم الْفَتْح وَقَالَ بل يَدَاهُ مبسوطتان الْمَائِدَة قَالَ فَزعم الجهمي ان يَد الله نعْمَته فبدل قولا غير الَّذِي قيل لَهُ فَأَرَادَ الجهمي أَن يُبدل كَلَام الله إِذْ أخبر الله أَن لَهُ يدا بهَا ملكوت كل شَيْء فبدل مَكَان الْيَد نعْمَة وَقَالَ الْعَرَب تسمي الْيَد نعْمَة قُلْنَا لَهُ الْعَرَب تسمي النِّعْمَة يدا وتسمي يَد الانسان يدا فاذا أردْت يَد الذَّات جعلت على قَوْلهَا علما ودليلا يعقل بِهِ السَّامع أَنَّهَا ارادت يَد الذَّات وَإِذا أَرَادَت يَد النِّعْمَة

стр. 817

جعلت على قَوْلهَا علما ودليلا يعقل السَّامع كَلَامهَا أَنَّهَا تُرِيدُ يَد النِّعْمَة وَلَا تجْعَل كَلَامهَا مشتبها على سامعه وَمن ذَلِك قَول الشَّاعِر ... ناولت زيدا بيَدي عَطِيَّة ... يدبها رمى كتابا مخضب ... فَدلَّ بِهَذَا القَوْل على يَد الذَّات بالمناولة وبالباء حِين قَالَ بيَدي فَجعل الْبَاء استقصاء للعدد حِين لم يكن لَهُ غير يدين وَقَالَ الآخر حِين أَرَادَ يَد النِّعْمَة ... أشكر يدين لنا عَلَيْك وأنعما ... شكرا يكون مكافيا للمنعم ... فَدلَّ على يَد النِّعْمَة بقوله لنا عَلَيْك ثمَّ قَالَ وأنعما ثمَّ قَالَ يدين فَجعل النُّون مَكَان الْيَاء لم يستقص بهما الْعدَد فَهَذَا قَول الْعَرَب ومذهبها فِي لغاتها وَالله تَعَالَى لم يسم فِي كِتَابه يدا بِنِعْمَة وَلم يسم نعْمَة يدا سمى سُبْحَانَهُ الْيَد يدا وَالنعْمَة نعْمَة فِي جَمِيع الْقُرْآن فَأَما مَا ذكره سُبْحَانَهُ من يدين وَيَد فقد ذكرت ذَلِك فِي صدر الْكَلَام وَأما النِّعْمَة الَّتِي هِيَ عَن الْيَد فَمن ذَلِك قَوْله ﴿واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم﴾ آل عمرَان وَقَوله وَمَا بكم من نعْمَة فَمن الله النَّحْل وَقَوله وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي الْمَائِدَة وَقَوله ﴿وَإِذ تَقول للَّذي أنعم الله عَلَيْهِ وأنعمت عَلَيْهِ﴾ الْأَحْزَاب فَسمى الله النعم باسم النِّعْمَة وَلم يسمهَا بِغَيْر أسمائها وَمثل هَذَا فِي الْقُرْآن كثير وَذكر الله تَعَالَى أَيدي المخلوقين فسماها بِالْأَيْدِي فَقَالَ تَعَالَى وَلَا تجْعَل يدك مغلولة الى عُنُقك الأسراء وَقَالَ تَعَالَى وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا الْمَائِدَة وَقَالَ وَالْمَلَائِكَة باسطو أَيْديهم الْأَنْعَام فَهَذِهِ أيد لَا نعْمَة وَذكر نعْمَته على يَد ونعمة النَّبِي ﷺ فسماها نعْمَة وَلم يسميها يدا ثمَّ أخبر سُبْحَانَهُ عَن يَدَيْهِ أَنَّهُمَا يدان لَا ثَلَاثَة وَجعل الْبَاء استقصاء للعدد

стр. 818

حِين قَالَ ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ فَدلَّ على أَنَّهُمَا يَدي الذَّات لَا يتعارف الْعَرَب فِي لغاتها وَلَا أشعارها الا أَن هَاتين الْيَدَيْنِ يَدي الذَّات لاستقصاء الْعدَد بِالْبَاء وَأما نعم الله فَهِيَ أَكثر وَأعظم من أَن تحصر أَو تعد كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن تعدوا نعْمَة الله لَا تحصوها﴾ ابراهيم قَالَ وَاعْلَم رَحِمك الله أَن قَائِل هَذِه الْمقَالة جَاهِل بلغَة الْقُرْآن وبلغة الْعَرَب ومعانيها وكلامها وَذَلِكَ أَن الله إِذا افْتتح الْخَبَر عَن نَفسه بِلَفْظ الْجمع ختم الْكَلَام بِلَفْظ الْجمع واذا افْتتح الْكَلَام بِلَفْظ الْوَاحِد ختم الْكَلَام بِلَفْظ الْوَاحِد وانما يُغني الْخَبَر عَن نَفسه وان كَانَ اللَّفْظ جمعا فَأَما مَا كَانَ من لفظ الْوَاحِد فَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقضى رَبك أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه﴾ الأسراء فَافْتتحَ الْخَبَر عَن نَفسه بِلَفْظ الْوَاحِد وبمثله ختم الْكَلَام فَقَالَ ﴿أَلا تعبدوا إِلَّا إِيَّاه﴾ الاسراء وَقَالَ رب ارحمهما كَمَا ربياني صَغِيرا الأسراء وَقَالَ ربكُم اعْلَم بكم الاسراء وَأما مَا افتتحه بِلَفْظ الْجمع فَهُوَ قَوْله وقضينا الى بني اسرائيل فِي الْكتاب الاسراء فافتتحه بِلَفْظ الْجمع ثمَّ خَتمه بِمثل مَا افتتحه بِهِ فَقَالَ ﴿فَإِذا جَاءَ وعد أولاهما بعثنَا عَلَيْكُم عبادا لنا﴾ الاسراء وَإِنَّمَا عَنى بذلك نَفسه لِأَنَّهَا كلمة ملوكية تَقُولهَا الْعَرَب وَرُوِيَ ان ابْن عَبَّاس لَقِي أَعْرَابِيًا وَمَعَهُ نَاقَة فَقَالَ لمن هَذِه فَقَالَ الْأَعرَابِي فَقَالَ لَهُ ابْن عَبَّاس كم أَنْتُم فَقَالَ أَنا وَاحِد فَقَالَ ابْن عَبَّاس هَكَذَا قَول الله تَعَالَى نَحن وخلقناه وقضينا انما يَعْنِي نَفسه والمبهم يرد الى الْمُحكم فَكل كلمة فِي الْقُرْآن من لفظ جمع قبلهَا مُحكم من التَّوْحِيد ترد اليه فَمن ذَلِك قَوْله ﴿وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل﴾ الاسراء يرد الى قَوْله وَقضى رَبك الا تعبدوا الا اياه الاسراء وَقَوله ﴿وخلقناكم أَزْوَاجًا﴾ النبأ يرد الى قَوْله انما أمره يس وَقَوله

стр. 819

﴿لما جَاءَ أَمر رَبك﴾ هود وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿أَو لم يرَوا أَنا خلقنَا لَهُم مِمَّا عملت أَيْدِينَا أنعاما﴾ يس يرد إِلَى قَوْله ﴿لما خلقت بيَدي﴾ فَلَمَّا افْتتح الْكَلَام بِلَفْظ الْجمع فَقَالَ ﴿أَو لم يرَوا أَنا خلقنَا لَهُم﴾ يس قَالَ أَيْدِينَا وَلما افْتتح بقوله مَا مَنعك ان تسْجد لما خلقت بيَدي ختم الْكَلَام على مَا افتتحه بِهِ فَهَذَا بَيَان لقوم يفقهُونَ وَقد كَانَ أَكثر قسم النَّبِي ﷺ اذا أقسم أَن يَقُول لَا وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ وَهَذَا لَا يَلِيق بِهِ النِّعْمَة وَهَذَا قَول النَّبِي ﷺ يصدق كتاب الله انْتهى كَلَامه الْأَشْعَرِيّ فِي كتبه يُصَرح باثبات الصِّفَات الخبرية فِي كتبه كلهَا وَمَعْلُوم أَن أحدا لَا يُنكر لَفظهَا وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا حقائقها ومعانيها الظَّاهِرَة وَكَلَام الْأَشْعَرِيّ مَوْجُود فِي الابانة والموجز والمقالات وموجود فِي تصانيف أَئِمَّة أَصْحَابه وأجلهم على الاطلاق القَاضِي أَبُو بكر بن الطّيب وَقد ذكر ذَلِك فِي كتاب الابانة والتمهيد وَغَيرهمَا وَذكره ابْن فورك فِيمَا جمعه من كَلَام ابْن كلاب وَكَلَام الْأَشْعَرِيّ وَذكره الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات والاعتقاد وَذكره ابو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي كتاب الشكاية لَهُ وَذكره ابْن عَسَاكِر فِي كتاب تَبْيِين كذب المفتري حَتَّى الْفَخر الرَّازِيّ وَالسيف الْآمِدِيّ حكوا ذَلِك عَن الْأَشْعَرِيّ وَأَنه أثبت الْيَدَيْنِ صفة لله وَلَكِن غلطوا حَيْثُ ظنُّوا أَن لَهُ قَوْلَيْنِ فِي ذَلِك وَهَذِه كتبه كلهَا لَيْسَ فِيهَا الا الاثبات فَهُوَ الَّذِي يحكيه عَن أهل السّنة وينصره ويحكي خِلَافه عَن الْجَهْمِية والمعتزلة نعم كَانَ قبل ذَلِك يَقُول بقول الْمُعْتَزلَة ثمَّ رَجَعَ عَنهُ وَصرح بمخالفتهم وَاسْتمرّ على ذَلِك حَتَّى مَاتَ قَالَ ابو الْحسن الْأَشْعَرِيّ فِي كتاب الابانة الَّذِي ذكر ابْن عَسَاكِر أَنه آخر كتبه وَعَلِيهِ اعْتمد فِي ذكر مناقبه واعتقاده قَالَ فان سَأَلنَا سَائل فَقَالَ أتقولون إِن لله يدين

стр. 820

قيل نعم نقُول ذَلِك لقَوْل الله تَعَالَى يَد الله فَوق أَيْديهم الْفَتْح وَلقَوْله ﷺ خلق الله آدم بِيَدِهِ وغرس جنَّة عدن بِيَدِهِ وَقَالَ تَعَالَى بل يَدَاهُ مبسوطتان الْمَائِدَة وَفِي الحَدِيث كلتا يَدَيْهِ يَمِين وَلَيْسَ يجوز فِي لِسَان الْعَرَب وَلَا فِي عَادَة أهل الْخطاب أَن يَقُول الْقَائِل عملت كَذَا وَكَذَا بيَدي وَهُوَ بِمَعْنى النِّعْمَة اذا كَانَ الله خَاطب الْعَرَب بلغاتها وَمَا تَجدهُ مفهوما فِي كَلَامهَا ومعقولا فِي خطابها واذ لَا يجوز فِي خطابها أَن يَقُول الْقَائِل فعلت بيَدي وَيَعْنِي النِّعْمَة بَطل أَن يكون معنى بيَدي النِّعْمَة وسَاق الْكَلَام فِي إِنْكَار هَذَا التَّأْوِيل وأطاله جدا وَقرر أَن لفظ الْيَدَيْنِ على حَقِيقَته وَظَاهره وَبَين ان اللُّغَة الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن لَا تحْتَمل مَا تأولته الْجَهْمِية وَقَالَ لِسَان اصحابه وأجلهم أَبُو بكر مُحَمَّد بن الطّيب الباقلاني فِي كتاب التَّمْهِيد وَهُوَ أشهر كتبه فان قَالَ الْقَائِل فَمَا الْحجَّة فِي أَن لله وَجها ويدين قيل قَوْله تَعَالَى ﴿وَيبقى وَجه رَبك ذُو الْجلَال وَالْإِكْرَام﴾ الرَّحْمَن وَقَوله ﴿مَا مَنعك أَن تسْجد لما خلقت بيَدي﴾ فَأثْبت لنَفسِهِ وَجها ويدين فان قَالُوا انما أنكرتم أَن يكون الْمَعْنى خلقت بيَدي أَنه خلقه بقدرته لِأَن الْيَدَيْنِ فِي اللُّغَة تكون بِمَعْنى النِّعْمَة وَبِمَعْنى الْقُدْرَة كَمَا يُقَال لفُلَان عِنْدِي يَد بَيْضَاء وَهَذَا الشَّيْء فِي يَد فلَان وَتَحْت يَده وَيُقَال رجل أيد اذا كَانَ قَادِرًا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿خلقنَا لَهُم مِمَّا عملت أَيْدِينَا أنعاما﴾ يس يُرِيد عَملنَا بقدرتنا وَقَالَ الشَّاعِر ... إِذا مَا راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة بِالْيَمِينِ ... وَكَذَلِكَ قَوْله خلقت بيَدي يَعْنِي بقدرته وَنعمته قَالَ فَيُقَال لَهُ هَذَا بَاطِل لَان قَوْله بيَدي يَقْتَضِي إِثْبَات يدين هما صفة لَهُ فَلَو

стр. 821

كَانَ المُرَاد بهما الْقُدْرَة لوَجَبَ أَن يكون لَهُ قدرَة وَلَا تَزْعُمُونَ أَن لله تَعَالَى قدرَة وَاحِدَة فَكيف يجوز أَن تثبتوا قدرتين وَقد أجمع الْمُسلمُونَ المثبتون للصفات والنافون لَهَا على أَنه لَا يجوز أَن يكون لله تَعَالَى قدرتان فَبَطل مَا قُلْتُمْ وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن يكون خلق الله آدم بنعمتين لِأَن نعم الله تَعَالَى على آدم وَغَيره لَا تحصى وَلِأَن الْقَائِل لَا يجوز أَن يَقُول رفعت الشَّيْء أَو وَضعته بيَدي أَو تَوليته بيَدي وَهُوَ يُرِيد نعْمَته وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن يُقَال لي عِنْد فلَان يدان يَعْنِي نعمتين وانما يُقَال لي عِنْده يدان بيضاوان ولان فعلته بيَدي لَا يسْتَعْمل الا فِي الْيَد الَّتِي هِيَ صفة الذَّات وَيدل على فَسَاد تأويلهم ايضا أَنه لَو كَانَ الامر على مَا قَالُوهُ لم يغْفل عَن ذَلِك إِبْلِيس وَأَن يَقُول وَأي فضل لآدَم عَليّ يَقْتَضِي أَن أَسجد لَهُ وانا أَيْضا بِيَدِك خلقتني وَفِي الْعلم أَن الله تَعَالَى فضل آدم عَلَيْهِ بخلقه بيدَيْهِ دَلِيل على فَسَاد مَا قَالُوهُ فان قَالَ الْقَائِل فَمَا أنكرتم ان يكون يَده وَوَجهه جارحة إِذْ كُنْتُم لَا تعقلون يدا ووجها هما صفة الْجَارِحَة قُلْنَا لَا يجب ذَلِك كَمَا لَا يجب اذا لم نعقل حَيا عَالما قَادِرًا إِلَّا جسما أَن نقضي نَحن وَأَنْتُم ذَلِك على الله وكما لَا يجب اذا كَانَ قَائِما بِذَاتِهِ أَن يكون جوهرا لأَنا وَإِيَّاكُم لم نجد قَائِما بِنَفسِهِ فِي شاهدنا إِلَّا كَذَلِك وَكَذَلِكَ الْجَواب لَهُم إِن قَالُوا فَيجب أَن يكون علمة وَكَلَامه وحياته وَسَائِر صِفَات ذَاته أعراضا أَو أجساما أجناسا أَو حوادث أَو أغيارا لَهُ تَعَالَى ومحتاجة الى قلب انْتهى ... وَالله لَو قُلْنَا الَّذِي قَالَ الصحا ... بة والالى من بعدهمْ بِلِسَان لرجمتمونا بِالْحِجَارَةِ ان قدر ... تمّ بعد رجم الشتم والعدوان وَالله قد كَفرْتُمْ من قَالَ بعض مقالهم يَا أمة الْعدوان ...

стр. 822

.. وجعلتم الْجِسْم الَّذِي قدرتم ... بُطْلَانه طاغوت ذِي الْبطلَان ... ووضعتمم للجسم معنى غير مَعْرُوف بِهِ فِي وضع كل لِسَان وبنيتم نفي الصِّفَات عَلَيْهِ فاجتمعت لكم إِذا ذَاك محذوران ... كذب على لُغَة الرَّسُول وَنفي اثبات الْعُلُوّ لفاطر الاكوان ... أَي إِنَّكُم أَيهَا المعطلة وضعتم للجسم معنى غير مَعْنَاهُ الْمَعْرُوف فِي لُغَة الْعَرَب وسميتم كل مَا هُوَ مركب من الْمَادَّة وَالصُّورَة أَو من الْجَوَاهِر المنفردة أَو مَا يقبل الاشارة الحسية جسما وَلَيْسَ هَذَا معنى الْجِسْم فِي لُغَة الصَّحَابَة الَّتِي جَاءَ بهَا الْقُرْآن كَمَا قَالَ الْجَوْهَرِي فِي صحاحه الْمَشْهُورَة قَالَ أَبُو زيد الْجِسْم والجسد وَكَذَلِكَ الجسمان والجثمان وَقَالَ الاصمعي الْجِسْم والجسمان الْجَسَد والجثمان والشخص قَالَ والأجسم الضخم الْبدن قَالَ شيخ الاسلام فِي كَلَامه على حَدِيث النُّزُول وَقد ادّعى طوائف من النفاة اهل الْكَلَام أَن الْجِسْم فِي اللُّغَة هُوَ الْمُؤلف الْمركب وان استعمالهم لفظ الْجِسْم فِي كل مَا يشار اليه مُوَافق للغة قَالُوا لَان كل مَا يشار اليه فانه يتَمَيَّز مِنْهُ شَيْء عَن شَيْء وكل مَا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ مركب من الْجَوَاهِر المنفردة الَّتِي كل وَاحِد مِنْهَا جُزْء لَا يتَجَزَّأ وَلَا يتَمَيَّز مِنْهُ جَانب عَن جَانب أَو من الْمَادَّة وَالصُّورَة اللَّذين هما جوهران عقليان كَمَا يَقُول ذَلِك بعض الفلاسفة قَالُوا واذا كَانَ هَذَا مركبا مؤلفا فالجسم فِي لُغَة الْعَرَب هُوَ الْمُؤلف الْمركب بِدَلِيل انهم يَقُولُونَ رجل جسيم وَزيد أجسم من عَمْرو إِذْ أَكثر ذَهَابه فِي الْجِهَات لَيْسَ يقصدون بالمبالغة فِي قَوْلهم أجسم وجسيم الا لمن كثرت الْأَجْزَاء المتضمنة والتأليف لأَنهم لَا يَقُولُونَ أجسم فِيمَن كثرت علومه وَقدره وَسَائِر تَصَرُّفَاته غير الِاجْتِمَاع حَتَّى إِذا

стр. 823

كثر الِاجْتِمَاع فِيهِ بتزايد اجزائه قيل أجسم وَرجل جسيم فَدلَّ ذَلِك على أَن قَوْلهم جسم يُفِيد التَّأْلِيف فَهَذَا أصل قَول هَؤُلَاءِ النفاة وَهُوَ مَبْنِيّ على أصلين سَمْعِي لغَوِيّ ونظري عَقْلِي فطري أما السمعي اللّغَوِيّ فَقَوْلهم أَن أهل اللُّغَة يطلقون لفظ الْجِسْم على الْمركب وهم استدلوا عَلَيْهِ بقَوْلهمْ هُوَ أجسم إِذا كَانَ أغْلظ وَأكْثر ذَهَابًا فِي الْجِهَات وَإِن هَذَا يَقْتَضِي أَنهم اعتبروا كَثْرَة الْأَجْزَاء فَيُقَال اما الْمُقدمَة الأولى هُوَ ان اهل اللُّغَة يسمون كل مَا لَهُ مِقْدَار بِحَيْثُ يكون أكبر من غَيره أَو أَصْغَر جسما فَهَذَا لَا يُوجد فِي لُغَة الْعَرَب الْبَتَّةَ وَلَا يُمكن أحدا ان ينْقل عَنْهُم انهم يسمون الْهَوَاء الَّذِي بَين السَّمَاء وَالْأَرْض جسما وَلَا يسمون روح الانسان جسما بل من الْمَشْهُور أَنهم يفرقون بَين الْجِسْم وَالروح وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا رَأَيْتهمْ تعجبك أجسامهم﴾ المُنَافِقُونَ ٤ يَعْنِي أبدانهم دون أَرْوَاحهم الْبَاطِنَة وَقد ذكر نَقله اللُّغَة ان الْجِسْم عِنْدهم هُوَ الْجَسَد وَمن الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة أَن هَذَا اللَّفْظ يتَضَمَّن الْغَلَط والكثافة فَلَا يسمون بِهِ الْأَشْيَاء الْقَائِمَة بِنَفسِهَا اذا كَانَت لَطِيفَة كالهواء وروح الانسان وان كَانَ لذَلِك مِقْدَار يكون بعضه أكبر من بعض لَكِن لَا يُسمى فِي اللُّغَة ذَلِك جسما وَلَا يَقُولُونَ هَذَا الْمَكَان الْوَاسِع أجسم من هَذَا الْمَكَان الضّيق وَإِن كَانَ أكبر مِنْهُ وَإِن كَانَت أجزاؤه زَائِدَة على أَجْزَائِهِ عِنْد من يَقُول بِأَنَّهُ مركب من الْأَجْزَاء لَيْسَ كل مَا هُوَ مركب عِنْدهم من الْأَجْزَاء يُسمى جسما وَلَا يُوجد فِي الْكَلَام قبض جِسْمه وَلَا صعد بجسمه الى السَّمَاء وَلَا أَن الله يقبض أجسامنا كَيفَ يَشَاء إِنَّمَا يسمون ذَلِك روحا وَيفرق بَين مُسَمّى الرّوح ومسمى الْجِسْم كَمَا يفرق بَين الْبدن وَالروح وكما يفرقون بَين الْجَسَد وَالروح فَلَا يطلقون لفظ

стр. 824

الْجَسَد على الْهَوَاء فَلفظ الْجِسْم عِنْدهم يشبه لفظ الْجَسَد قَالَ الْجَوْهَرِي الْجَسَد وَالْبدن تَقول فِيهِ تجسد كَمَا تَقول الْجِسْم تجسم كَمَا تقدم نَقله عَن أَئِمَّة اللُّغَة ان الْجِسْم هُوَ الْجَسَد فَعلم ان هذَيْن اللَّفْظَيْنِ مُتَرَادِفَانِ اَوْ قريبان من الترادف وَلِهَذَا يَقُولُونَ لهَذَا الثَّوْب جَسَد كَمَا يَقُولُونَ لَهُ جسم إِذا كَانَ غليظا ثخينا صفيقا وَتقول الْعلمَاء النَّجَاسَة قد تكون مستخبثة كَالدَّمِ وَالْميتَة وَقد لَا تكون مستجسمة كالرطبة ويسمون الدَّم جسدا كَمَا قَالَ النَّابِغَة ... فَلَا لعَمْرو الَّذِي قد زرته حجَجًا ... وَمَا أريق على الانصاب من جَسَد ... الْمُقدمَة الثَّانِيَة أَنه لَو سلم ذَلِك فَقَوْلهم إِن هَذَا يطلقونه عِنْد تزايد الْأَجْزَاء هُوَ مَبْنِيّ على أَن الْأَجْسَام مركبة من الْجَوَاهِر المنفردة وَهَذَا لَو قدر أَنه صَحِيح فَأهل اللُّغَة لم يعتبروه وَلَا قَالَ اُحْدُ مِنْهُم ذَلِك فَعلم انهم إِنَّمَا لحظوا غلظه وكثافته وَأما كَونهم اعتبروا كَثْرَة الْأَجْزَاء اَوْ قَتلهَا فَهَذَا لَا يتصوره أَكثر عقلاء بني آدم فضلا عَن أَن ينْقل عَن اهل اللُّغَة قاطبة انهم ارادوا ذَلِك بقَوْلهمْ جسيم وأجسم وَالْمعْنَى الْمَشْهُور فِي اللُّغَة لَا يكون مُسَمَّاهُ مَا لَا يفهمهُ إِلَّا بعض النَّاس واثبات الْجَوَاهِر المنفردة امْر خص بِهِ بعض النَّاس فَلَا يكون مُسَمّى الْجِسْم فِي اللُّغَة مَا لَا يعرفهُ إِلَّا بعض النَّاس وَهُوَ الْمركب من ذَلِك وَأما الأَصْل الثَّانِي الْعقلِيّ فَقَوْلهم إِنَّمَا يشار إِلَيْهِ بِأَنَّهُ هُنَا وَهنا فانه مركب من الْجَوَاهِر المنفردة أَو من الْمَادَّة وَالصُّورَة وَهَذَا بحث عَقْلِي وَأكْثر عقلاء بني آدم من أهل الْكَلَام يُنكرُونَ ان يكون ذَلِك مركبا من الْجَوَاهِر المنفردة اَوْ من الْمَادَّة وَالصُّورَة وإنكار ذَلِك قَول ابْن كلاب وَأَتْبَاعه الْكلابِيَّة وَهُوَ قَول الهشامية والنجارية والضرارية وَبَعض الكرامية وَهَؤُلَاء الَّذين

стр. 825

أثبتوا الْجَوْهَر الْفَرد وَزَعَمُوا انا لم نعلم لَا بالحس وَلَا بِالضَّرُورَةِ ان الله أبدع شَيْئا قَائِما بِنَفسِهِ وان جَمِيع مَا نشهده مخلوقا من السَّحَاب والمطر وَالْحَيَوَان والنبات والمعدن بني آدم وَغير بني آدم فانما فِيهِ أَنه أحدث أكوانا فِي الْجَوَاهِر المنفردة كالجمع والتفريق وَالْحَرَكَة والسكون وَأنكر هَؤُلَاءِ أَن يكون الله لما خلقنَا احدث أبدانا قَائِمَة بأنفسها أَو شَجرا اَوْ ثمرا اَوْ شَيْئا قَائِما بِنَفسِهِ وانما احدث عِنْدهم اعراضا واما الْجَوَاهِر المنفردة فَلم تزل مَوْجُودَة ثمَّ من يَقُول إِنَّهَا محدثة مِنْهُم من يَقُول إِنَّهَا محدثة وَمِنْهُم من يَقُول إِنَّهُم علمُوا حدوثها بِأَنَّهَا لم تخل من الْحَوَادِث وَمَا لم يخل من الْحَوَادِث فَهُوَ حَادث الى ان قَالَ وَلِهَذَا صَارَت النفاة اذا اثْبتْ اُحْدُ شَيْئا من الصِّفَات كَانَ ذَلِك مستلزما لِأَن يكون الْمَوْصُوف عِنْدهم جسما وَعِنْدهم الْأَجْسَام متماثلة فصاروا يسمونه مشبها بِهَذِهِ الْمُقدمَات الَّتِي يلْزمهُم مثل مَا ألزموه لغَيرهم وَهِي متناقضة لَا يتَصَوَّر أَن يَنْتَظِم مِنْهَا قَول صَحِيح وَكلهَا مُقَدمَات مَمْنُوعَة عِنْد جَمَاهِير الْعُقَلَاء وفيهَا من تَغْيِير اللُّغَة والمعقول مَا دخل بِسَبَبِهِ هَذِه الأغاليط والشبهات حَتَّى يبْقى الرجل حائرا لَا يهون عَلَيْهِ إبِْطَال عقله وَدينه وَالْخُرُوج عَن الايمان وَالْقُرْآن فان ذَلِك كُله متطابق على إِثْبَات الصِّفَات وَلَا يهون عَلَيْهِ الْتِزَام مَا يلزمونه من كَون الرب مركبا من الْأَجْزَاء أَو مماثلا للمخلوقات فانه يعلم أَيْضا بطلَان هَذَا وَأَن الرب يجب تنزيهه عَن هَذَا فانه سُبْحَانَهُ احْمَد صَمد والأحد يَنْفِي التَّمْثِيل والصمد يَنْفِي أَن يكون قَابلا للتفريق والتجسيم والبعضية فضلا عَن كَونه مؤلفا مركبا ألف من الْأَجْزَاء فيفهمون من يخاطبونه أَن مَا وصف بِهِ الرب نَفسه لَا يعقل الا فِي بدن مثل بدن الانسان بل وَقد يصرحون بذلك وَيَقُولُونَ الْكَلَام لَا يكون

стр. 826

إِلَّا من صُورَة وَصُورَة مركبة مثل فَم الانسان وَنَحْو ذَلِك مِمَّا يَدعُونَهُ وَإِذا قَالَ النفاة لَهُم مَتى قُلْتُمْ إِنَّه يرى لزم أَن يكون مركبا مؤلفا لِأَن المرئي لَا يكون إِلَّا بِجِهَة من الرَّائِي وَمَا يكون بِجِهَة من الرَّائِي لَا يكون إِلَّا جسما والجسم مؤلف مركب من الْأَجْزَاء وَقَالُوا إِذا تكلم بِالْقُرْآنِ أَو غَيره من الْكَلَام لزم ذَلِك واذا كَانَ فَوق الْعَرْش لزم ذَلِك صَار الْمُسلم الْعَارِف بِمَا قَالَ الرَّسُول ﷺ يعلم أَنه يرى فِي الْآخِرَة لما تَوَاتر عِنْده من الْأَخْبَار عَن الرَّسُول ﷺ بِمَا يدل على ذَلِك مَعَ مَا يُوَافق ذَلِك من القضايا الفطرية الَّتِي خلق الله بهَا عباده وَإِذا قَالُوا هَذَا يسْتَلْزم أَن الله مركب من الْأَجْزَاء المنفردة والمركب لَا بُد لَهُ من مركب فَلَزِمَ أَن يكون الله مُحدثا إِذْ الْمركب يفْتَقر إِلَى أَجْزَائِهِ وأجزاؤه تكون غَيره وَمَا افْتقر إِلَى غَيره لم يكن غَنِيا وَاجِب الْوُجُود بِنَفسِهِ حيروه وشككوه إِن لم يَجْعَلُوهُ مُكَذبا لما جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ مُرْتَدا عَن بعض مَا كَانَ عَلَيْهِ من الايمان مَعَ أَن شكه وحيرته تقدح فِي إيمَانه وَدينه وَعلمه وعقله فَيُقَال أما كَون الرب مركبا رَكبه غَيره فَهَذَا من أظهر الْأُمُور فَسَادًا وَهَذَا مَعْلُوم فَسَاده بضرورة الْعقل وَمن قَالَ هَذَا فَهُوَ من أَكثر النَّاس وأجهلهم وأشدهم محاربة لله وَلَيْسَ فِي الطوائف الْمَشْهُورَة من يَقُول بِهَذَا وَكَذَلِكَ إِذا قيل هُوَ مؤلف أَو مركب بِمَعْنى أَنه كَانَت أجزاؤه مفرقة فَجمع بَينهمَا كَمَا يجمع بَين أَجزَاء المركبات من اعتقده فِي الله فَهُوَ من اكفر النَّاس وأظلمهم وَلم يَعْتَقِدهُ أحد من الطوائف الْمَشْهُورَة فِي الْأمة بل أَكثر الْعُقَلَاء عِنْدهم أَن مخلوقات الرب لَيست مركبة هَذَا التَّرْكِيب وانما يَقُول بِهَذَا من يثبت الْجَوَاهِر المنفردة وَكَذَلِكَ من زعم ان الرب مركب مؤلف بِمَعْنى أَنه يقبل التَّفْرِيق والانقسام والتجزئة فَهَذَا من أكفر النَّاس وأجهلهم

стр. 827

وَقَوله شَرّ من قَول الَّذين يَقُولُونَ إِن لله ولدا بِمَعْنى أَنه انْفَصل مِنْهُ فَصَارَ ولدا لَهُ وَقد بسطنا الْكَلَام على هَذَا فِي تَفْسِير ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ وَفِي غير ذَلِك وَأطَال الْكَلَام ﵀ وَهَذَا الَّذِي سقناه من كَلَامه كالشرح لهَذِهِ الأبيات فرحمه الله وَرَضي عَنهُ قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وركبتم إِذا ذَاك تحريفين تَحْرِيف الحَدِيث ومحكم الْقُرْآن ... وكسبتم وزرين وزر النَّفْي والتحريف فاجتمعت لكم كفلان وعداكم أَجْرَانِ أجر الصدْق وَالْإِيمَان حَتَّى فاتكم حظان ... وكسبتم مقتين مقت الهكم ... وَالْمُؤمنِينَ فنالكم مقتان ... ولبستم ثَوْبَيْنِ ثوب الْجَهْل وَالظُّلم الْقَبِيح فبئست الثوبان وتخذتم طرزين طرز الْكَبِير والتيه الْعَظِيم فبئست الطرزان ومددتم نَحْو العلى باعين لَكِن لم تطل مِنْكُم لَهَا الباعان ... وأتيتموها من سوى أَبْوَابهَا ... لَكِن تسورتم من الْحِيطَان ... وغلقتم بَابَيْنِ لَو فتحا لكم ... فزتم بِكُل بِشَارَة وتهان بَاب الحَدِيث وَبَاب هَذَا الْوَحْي من ... يفتحهما فليهنه البابان وفتحتم بَابَيْنِ من يفتحهما ... تفتح عَلَيْهِ مواهب الشَّيْطَان بَاب الْكَلَام وَقد نهيتم عَنهُ وَالْبَاب الْحَرِيق فمنطق اليونان ... فدخلتم دارين دَار الْجَهْل فِي الدُّنْيَا وَدَار الخزي فِي النيرَان ...

стр. 828

.. وطعمتم لونين لون الشَّك والتشكيك بعد فبئست اللونان ... وركبتم أَمريْن كم قد أهلكا ... من أمة فِي سالف الْأَزْمَان ... تَقْدِيم آراء الرِّجَال على الَّذِي ... قَالَ الرَّسُول ومحكم الْقُرْآن وَالثَّانِي نسبتهم الى الألغاز والتلبيس والتدليس والكتمان ... ومكرتم مكرين لَو تمالكم ... لتفصمت فِينَا عرى الايمان أطفأتم نور الْكتاب وَسنة الْهَادِي بذا التحريف والهذيان ... لكنكم أوقدتم للحرب نَا ... را بَين طائفتين مُخْتَلِفَانِ ... وَالله مطفيها بألسنة الألى ... قد خصهم بِالْعلمِ وَالْإِيمَان وَالله لَو غرق المجسم فِي دم التجسيم من قدم إِلَى الآذان ... فالنص أعظم عِنْده وَأجل قد ... را أَن يُعَارضهُ بقول فلَان ... قَوْله طرزين قَالَ فِي الْقَامُوس الطرز الْهَيْئَة والطراز بِالْكَسْرِ علم الثَّوْب مُعرب وطرزه تطريزا أعلمهُ فتطرز وَمُرَاد النَّاظِم الْهَيْئَة أَي اتخذتم هيئتين هَيْئَة الْكبر وهيئة التيه وَالله أعلم

стр. 829

فصل فِي كسر الطاغوت الَّذِي نفوا بِهِ صِفَات ذِي الملكوت والجبروت ... أَهْون بذا الطاغوت لَا عزاسمه ... طاغوت ذِي التعطيل والكفران كم من أَسِير بل جريح بل قَتِيل تَحت ذَا الطاغوت فِي الْأَزْمَان ... وَترى الجبان يكَاد يخلع قلبه ... من لَفظه تَبًّا لكل جبان ... وَترى المخنث حِين يقرع سَمعه ... تبدو عَلَيْهِ شمائل النسوان ويظل منكوحا لكل معطل ... وَلكُل زنديق أخي كفران وَترى صبي الْعقل يفزعه اسْمه ... كالغول حِين يُقَال للصبيان كفران هَذَا الِاسْم لَا سُبْحَانَهُ ... أبدا وَسُبْحَان الْعَظِيم الشان ... قَوْله الطاغوت هُوَ مُشْتَقّ من طغا وَتَقْدِيره طغوت ثمَّ قلبت الْوَاو ألفا قَالَ الواحدي قَالَ جَمِيع أهل اللُّغَة الطاغوت كل مَا عبد دون الله يكون وَاحِدًا وجمعا وَيذكر وَيُؤَنث قَالَ الله تَعَالَى يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا الى الطاغوت وَقد أمروا أَن يكفروا بِهِ النِّسَاء ٦٠ فَهَذَا فِي الْوَاحِد وَقَالَ فِي الْجمع ﴿وَالَّذين كفرُوا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النُّور إِلَى الظُّلُمَات﴾ الْبَقَرَة ٢٥٧ وَقَالَ فِي الْمُؤَنَّث ﴿وَالَّذين اجتنبوا الطاغوت أَن يعبدوها﴾ الزمر ١٧ قَالَ النَّوَوِيّ قَالَ اللَّيْث وَأَبُو عُبَيْدَة وَالْكسَائِيّ وجماهير أهل اللُّغَة الطاغوت كل مَا عبد من دون الله وَقَالَ الْجَوْهَرِي الطاغوت الكاهن والشيطان وكل رَأس فِي الضلال

стр. 830

قَوْله اهون بذا الطاغوت هِيَ صِيغَة تعجب أَي مَا أهونه قَوْله تَبًّا التب والتبيب والتباب النَّقْص والخسار قَوْله المخنث هُوَ اسْم مفعول من خنث فَهُوَ مخنث وَهُوَ بِضَم الْمِيم وَفتح الْخَاء وَالنُّون وتشديدها قَالَ فِي الْقَامُوس الخنث ككتف من فِيهِ انخناث أَي تكسر وتثن وَقد خنث كفرح وتخنث وانخنث قَوْله شمائل النسوان الشمل الطَّبْع جمع شمائل قَالَه فِي الْقَامُوس قَوْله كالغول الغول بِضَم الْغَيْن اسْم وَجمعه أغوال وغيلان قَالَ أَبُو السعادات الغول وَاحِد الغيلان وَهُوَ جنس من الْجِنّ وَالشَّيَاطِين كَانَت الْعَرَب تزْعم أَن الغول فِي الفلوات تتراءى للنَّاس تتلون تلونا فِي صور شَتَّى وتغولهم أَي تضلهم عَن الطَّرِيق وتهلكهم فنفاه النَّبِي ﷺ وأبطله انْتهى وَمعنى كَلَام النَّاظِم ان اسْم الغول اذا ذكر لصبي الْعقل لَا صبي السن أفزعه وهاله كَمَا يفزع الصَّبِي اذا خوف بالغول قَوْله كفران هَذَا الِاسْم هُوَ مصدر كفر يكفر كفرانا ... كم ذَا التترس بالمحال أما ترى ... قد مزقته كَثْرَة السهْمَان ... قَالَ فِي الْقَامُوس الترس مَعْرُوف جمع أتراس وترسة وتراس وتروس والتراس صَاحبه وصانعه والتراسة صَنعته والتتريس والتترس التستر بِهِ ... جسم وتجسيم وتشبيه أما ... تعيون من فشر وَمن هذيان أَنْتُم وضعتم ذَلِك الطاغوت ثمَّ بِهِ نفيتم مُوجب الْقُرْآن ... وجعلتموه شَاهدا بل حَاكما ... هَذَا على من يَا أولي الْعدوان ...

стр. 831

.. أَعلَى كتاب الله ثمَّ رَسُوله ... بِاللَّه فاستحيوا من الرَّحْمَن فقضاؤه بالجور والعدوان مثل قِيَامه بالزور والعدوان ... وقيامه بالزور مثل قَضَائِهِ ... بالجور والعدوان والبهتان ... كم ذَا الجعاجع لَيْسَ شَيْء تحتهَا ... إِلَّا الصدى كالبوم فِي الخربان ... قَوْله إِلَّا الصدى قَالَ فِي مُخْتَار الصِّحَاح الصدى ذكر البوم والصدى أَيْضا الَّذِي يجيبك مثل صَوْتك فِي الْجبَال وَغَيرهَا وَقد أصدى الْجَبَل قَوْله كالبوم قَالَ فِي الْقَامُوس البوم والبومة بضمهما طَائِر كِلَاهُمَا للذّكر وَالْأُنْثَى وبومة لقب مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الْمُحدث ... وَنَظِير هَذَا قَول ملحدكم وَقد ... جحد الصِّفَات لفاطر الاكوان لَو كَانَ مَوْصُوفا لَكَانَ مركبا ... فالوصف والتركيب متحدان ذَا المنجنبق وَذَلِكَ الطاغوت قد ... هدما دِيَاركُمْ الى الْأَركان وَالله رَبِّي قد أعَان بِكَسْر ذَا وبقطع ذَا سُبْحَانَ ذِي الْإِحْسَان ... أَي أَن الله سُبْحَانَهُ قد أعَان بِكَسْر ذَا ... وبقطع ذَا سُبْحَانَ ذِي الْإِحْسَان ... أَي أَن الله سُبْحَانَهُ قد أعَان بِكَسْر الطاغوت وبقطع المنجنيق بالحجج الساطعة والبراهين القاطعة ... فلئن زعمتم ان هَذَا لَازم ... لمقالكم حَقًا لُزُوم بَيَان ... فلنا جوابات ثَلَاث كلهَا ... مَعْلُومَة الايضاح والتبيان منع اللُّزُوم وَمَا بِأَيْدِيكُمْ سوى ... دَعْوَى مُجَرّدَة من الْبُرْهَان لَا يرتضيها عَالم أَو عَاقل ... بل تِلْكَ حِيلَة مُفلس فتان فلئن زعمتم أَن منع لُزُومه مِنْكُم مُكَابَرَة على الْبطلَان ...

стр. 832

معنى كَلَام النَّاظِم ﵀ فِي هَذِه الأبيات إِنَّكُم معاشر المعطلة ألزمتم المثبتة إِذا أثبتوا صِفَات الْبَارِي سُبْحَانَهُ التجسيم والتركيب قَوْله فلئن زعمتم أَن هَذَا لَازم لمقالكم الخ قَوْله فلنا جوابات ثَلَاث إِلَى قَوْله منع اللُّزُوم وَمَا بِأَيْدِيكُمْ سوى دَعْوَى مُجَرّد بِلَا برهَان أَي أَن ذَلِك لَا يلْزم المثبتة لِأَن لَازم الْمَذْهَب لَيْسَ بِمذهب قَوْله فلئن زعمتم ان منع لُزُومه أَي إِذا قُلْنَا باثبات الصِّفَات لم يلْزمنَا تجسيم فان زعمتم ان ذَلِك مُكَابَرَة فلنا جَوَاب ثَان وَهُوَ قَوْله ... فجوابنا الثَّانِي امْتنَاع النَّفْي فِي ... مَا تدعون لُزُومه بِبَيَان ... إِن كَانَ ذَلِك لَازِما للنَّص فالملزوم حق وَهُوَ ذُو برهَان وَالْحق لَازمه فَحق مثله ... أَنى يكون الشَّيْء ذَا بطلَان وَيكون ملزوما بِهِ حَقًا فَذا ... عين الْمحَال وَلَيْسَ ذَا إِمْكَان فَتعين الْإِلْزَام حِينَئِذٍ على ... قَول الرَّسُول ومحكم الْقُرْآن وجعلتم أنباءه مَا تسترا ... خوفًا من التَّصْرِيح والكفران وَالله مَا قُلْنَا سوى مَا قَالَه ... هذي مقالتنا بِلَا كتمان فجعلتمونا جنَّة وَالْقَصْد مَفْهُوم وقاية الْقُرْآن ... يَقُول النَّاظِم الْجَواب الثَّانِي للنفاة إِنَّا لم نقل إِلَّا بِمَا دلّت عَلَيْهِ النُّصُوص القرآنية والاحاديث النَّبَوِيَّة فان كَانَ لازمها التجسيم كَمَا زعمتم فاذا صَحَّ ذَلِك فالملزوم حق لأَنا لم نتبع إِلَّا مَا دلّ عَلَيْهِ كتاب الله وَسنة رَسُوله

стр. 833

لِأَنَّهُ من الْمحَال أَن يكون الشَّيْء بَاطِلا فِي نَفسه وَتَكون ملزوماته حَقًا فَتعين إلزامكم حِينَئِذٍ على قَول الرَّسُول ومحكم الْقُرْآن وإنهما لم يدلا إِلَّا على التجسيم والتشبيه فرميتم اتِّبَاع الرَّسُول بالتشبيه والتجسيم والتركيب تسترا وَهَذَا معنى قَوْله مَا تسترا خوفًا من أَنكُمْ إِذا نسبتم الْكتاب وَالسّنة الى التَّشْبِيه والتجسيم نسبتم الى الْكفْر والضلال والا فالمثبتة لم يَقُولُوا إِلَّا بِمَا قَالَه الله وَرَسُوله لَكِن جعلتم تشنيعكم على أَتْبَاعه جنَّة وقصدكم مَفْهُوم وَالله أعلم قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... هَذَا وثالث مَا نجيب بِهِ هُوَ استفساركم يَا فرقة الْعرْفَان ... مَاذَا الَّذِي تعنون بالجسم الَّذِي ... ألزمتمونا أوضحُوا بِبَيَان تعنون ماهو قَائِم بِالنَّفسِ أَو ... عَال على الْعَرْش الْعَظِيم الشان أَو ذَا الَّذِي قَامَت بِهِ الْأَوْصَاف وأ ... وصاف الْكَمَال عديمة النُّقْصَان أَو مَا تركب بِهِ جَوَاهِر فردة ... أَو صُورَة حلت هيولي ثَان أَو مَا هُوَ الْجِسْم الَّذِي فِي الْعرف أَو ... فِي الْوَضع عِنْد تخاطب بِلِسَان أَو مَا هُوَ الْجِسْم الَّذِي فِي الذِّهْن ذَا ... ك يُقَال تعليمي ذِي الأذهان مَاذَا الَّذِي من ذَاك يلْزم من ثبو ... ت علوه من فَوق كل مَكَان فَأتوا بِتَعْيِين الَّذِي هُوَ لَازم ... فاذا تعين ظَاهر التِّبْيَان فَأتوا ببرهانين برهَان اللزو ... م وَنفي لَازمه فذان اثْنَان وَالله لَو نشرت لكم أشياخكم ... عجزوا وَلَو واطاهم الثَّقَلَان ...

стр. 834

.. إِن كُنْتُم فحولا فابرزوا ... ودعوا الشكاوي حِيلَة النسوان واذا اشتكيتم فاجعلوا الشكوى الى الوحيين لَا القَاضِي وَلَا السُّلْطَان ... هَذَا هُوَ الْجَواب الثَّالِث من أجوبة المثبتة للنفاة وَهُوَ استفسار المثبتة للنفاة مَا مُرَادهم بالجسم هَل هُوَ الْقَائِم بِنَفسِهِ كالهواء وروح الانسان وَنَحْوهمَا اَوْ مَا هُوَ عَال على الْعَرْش أَو مَا قَامَت بِهِ الصِّفَات اَوْ هُوَ الْجِسْم التعليمي وَهُوَ الكمية السارية فِي الْجِسْم الطبيعي الممتدة فِي الْجِهَات الثَّلَاث أعنى الطول وَالْعرض والعمق سمي جسما تعليميا لكَونه مَوْضُوعا للحكمة التعليمية أَعنِي الْحِكْمَة الرياضية وَالَّذِي يدل على تغاير الْمَعْنيين أَنَّك إِذا أخذت شمعة بِعَينهَا وشكلتها بأشكال مُخْتَلفَة بِأَن جَعلتهَا تَارَة كرة وتار مكعبا وَتارَة اسطوانة مثلا فالجسم الطبيعي بَاقٍ بِعَيْنِه وَقد تَغَيَّرت كميته السارية فِي جهاته تغيرات شَتَّى قَوْله أَو صورت حلت هيولي ثَان أَي وَهل المُرَاد بالجسم الْمركب عِنْد الفلاسفة الْمَشَّائِينَ من الهيولي وَالصُّورَة أَو مرادكم الْجِسْم الَّذِي فِي الْعرف أَو فِي الْوَضع فاذا بينتم مرادكم بالجسم أجبناكم حِينَئِذٍ بِالْجَوَابِ الْمركب وَهَذَا معنى قَوْله ... فنجيب بالتركيب حِينَئِذٍ جوا ... با شافيا فِيهِ هدى الحيران ... الْحق إِثْبَات الصِّفَات ونفيها ... عين الْمحَال وَلَيْسَ فِي الْإِمْكَان ... فالجسم إِمَّا لَازم لثبوتها ... فَهُوَ الصَّوَاب وَلَيْسَ ذَا بطلَان أَو لَيْسَ يلْزم من ثُبُوت صِفَاته ... فشناعة الالزام بالبهتان فالمنع فِي احدى المقدمتين مَعْلُوم الْبَيَان إِذا بِلَا نكران

стр. 835

.. الْمَنْع إِمَّا فِي اللُّزُوم أَو انْتِفَاء ... اللَّازِم الْمَنْسُوب للبطلان ... هَذَا هُوَ الطاغوت قد أضحى كَمَا ... أبصرتموه بمنة الرَّحْمَن ... شرع النَّاظِم ﵀ فِي الْجَواب الْقَاطِع الْمركب وَهُوَ ان الْحق إِثْبَات الصِّفَات ونفيها عين الْمحَال وأبطل الْبَاطِل وَحِينَئِذٍ فالجسم إِمَّا لَازم لثبوتها فَيكون هُوَ الصَّوَاب وَإِمَّا أَن يكون لَيْسَ بِلَازِم وَإِنَّمَا الْإِلْزَام بِهِ من تشنيع المعطلة قَوْله فالمنع فِي إِحْدَى المقدمتين وهما القَوْل بالجسم أَو انْتِفَاء اللَّازِم مَعْلُوم بِغَيْر إِنْكَار وَنحن نمْنَع إِحْدَى المقدمتين ونقول إِن كَانَ الْكتاب وَالسّنة قد دلا على التجسيم وَالْعِيَاذ بِاللَّه فَهُوَ حق بِهَذَا الِاعْتِبَار وَلَكِن نَحن نمْنَع اللُّزُوم وَهُوَ الْمُقدمَة الثَّانِيَة وَالله اعْلَم فصل فِي مبدء الْعَدَاوَة الْوَاقِعَة بَين المثبتين الْمُوَحِّدين وَبَين النفاة المعطلين ... يَا قوم تَدْرُونَ الْعَدَاوَة بَيْننَا ... من أجل مَاذَا فِي قديم زمَان إِنَّا تحيزنا إِلَى الْقَوْم وَالنَّقْل الصَّحِيح مُفَسّر الْقُرْآن ... وَكَذَا الى الْعقل الصَّرِيح وفطرة الرَّحْمَن قبل تغير الانسان هِيَ أَربع متلازمات بَعْضهَا ... قد صدقت بَعْضًا على ميزَان وَالله مَا اجْتمعت لديكم هَذِه ... أبدا كَمَا أقررتم بِلِسَان ...

стр. 836

.. إِذْ قُلْتُمْ الْعقل الصَّحِيح يُعَارض الْمَنْقُول من أثر وَمن قُرْآن ... فنقدم الْمَعْقُول ثمَّ نصرف الْمَنْقُول بالتأويل ذِي الألوان فاذا عجزنا عَنهُ ألفيناه لم ... نعبأ بِهِ قصدا الى الاحسان وَلكم بذا سلف لَهُم تابعتم ... لما دعوا للأخذ بِالْقُرْآنِ صدوا فَلَمَّا أَن أصيبوا أَقْسمُوا ... لمرادنا توفيق ذِي الاحسان وَلَقَد أصيبوا فِي قُلُوبهم وَفِي ... تِلْكَ الْعُقُول بغاية النُّقْصَان فَأتوا بأقوال اذا حصلتها ... أسمعت ضحكة هازل مجان هَذَا جَزَاء المعرضين عَن الْهدى ... متعوضين زخارف الهذيان ... معنى كَلَام النَّاظِم فِي هَذِه الأبيات انه يَقُول تَدْرُونَ أَيهَا المعطلة مَا مبدء الْعَدَاوَة الْوَاقِعَة بَيْننَا وَبَيْنكُم وَمَا الَّذِي احدثها ثمَّ أَخذ فِي بَيَان ذَلِك فَقَالَ إِنَّا تحيزنا الى الْقُرْآن وَالنَّقْل الصَّحِيح وَالْعقل الصَّرِيح والفطرة وَأَنْتُم أَخَذْتُم فِيمَا زعمتم بِالْعقلِ وقلتم إِذا تعَارض الْعقل وَالنَّقْل فاما ان نردهما جَمِيعًا وَإِمَّا ان نقبلها جَمِيعًا وَلَا سَبِيل الى ذَلِك وَإِمَّا أَن نقبل النَّقْل ونترك الْعقل وَهُوَ محَال لِأَن الْعقل اصل النَّقْل فَلَو صدقنا النَّقْل وكذبنا الْعقل لأفضى ذَلِك إِلَى تَكْذِيب النَّقْل لِأَن الْعقل أصل النَّقْل فَلذَلِك قدمنَا الْعقل ثمَّ صرفنَا النَّقْل الْمُخَالف بزعمهم لِلْعَقْلِ وَذَلِكَ إِمَّا بالتأويل إِن أمكن وَإِمَّا بالتفويض قَوْله وَلكم بذا سلف الخ هَؤُلَاءِ السّلف هم المُنَافِقُونَ الَّذِي ذكرهم الله تَعَالَى بقوله فِي سُورَة النِّسَاء ﴿وَإِذا قيل لَهُم تَعَالَوْا إِلَى مَا أنزل الله وَإِلَى الرَّسُول رَأَيْت الْمُنَافِقين يصدون عَنْك صدودا﴾ النِّسَاء الْآيَات

стр. 837

قَالَ شيخ الاسلام رَحمَه الله تَعَالَى فِي الْعقل وَالنَّقْل وَفِي هَذِه الْآيَات أَنْوَاع من العبر دَالَّة على ضلال من تحاكم الى غير الْكتاب وَالسّنة وعَلى نفاقة وان زعم انه يُرِيد التَّوْفِيق بَين الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة وَبَين مَا يُسَمِّيه هُوَ عقليات من الْأُمُور الْمَأْخُوذَة عَن بعض الطواغيت من الْمُشْركين وَأهل الْكتاب وَغير ذَلِك من أَنْوَاع الِاعْتِبَار فَمن كَانَ خَطؤُهُ لتَفْرِيطه فِيمَا يجب عَلَيْهِ من اتِّبَاع الْقُرْآن والايمان مثلا أَو لتعديه حُدُود الله بسلوك السَّبِيل الَّتِي نهي عَنْهَا اَوْ لاتباع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله فَهُوَ الظَّالِم لنَفسِهِ وَهُوَ من أهل الْوَعيد بِخِلَاف الْمُجْتَهد فِي طَاعَة الله وَرَسُوله بَاطِنا وظاهرا الَّذِي يطْلب الْحق بِاجْتِهَادِهِ كَمَا امْرَهْ الله وَرَسُوله فَهَذَا مغْفُور لَهُ خَطؤُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿آمن الرَّسُول بِمَا أنزل إِلَيْهِ من ربه والمؤمنون كل آمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله﴾ إِلَى قَوْله ﴿رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا﴾ الْبَقَرَة انْتهى كَلَامه قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... وَاضْرِبْ لَهُم مثلا بشيخ الْقَوْم اذ ... يَأْبَى بكبر ذِي طغيان ثمَّ ارتضى ان صَار قوادا لأر ... بَاب الفسوق وكل ذِي عصيان ... قَوْله وَاضْرِبْ لَهُم مثلا بشيخ الْقَوْم الخ المُرَاد بِهِ إِبْلِيس عَلَيْهِ اللَّعْنَة وَذَلِكَ ان الله أمره بِالسُّجُود لآدَم فعصى كبرا وطغيانا ثمَّ ارتضى بِأَن صَار قوادا لكل فَاسق وعاص نَعُوذ بِاللَّه وَهَذَا مَأْخُوذ من قَول أبي نواس ... عجبت من إِبْلِيس فِي كبره ... وَفِي الَّذِي أظهر من نخوته تاه على آدم فِي سَجْدَة ... وَصَارَ قوادا لذريته ...

стр. 838

قَوْله نخوته قَالَ فِي الْقَامُوس نخا ينخو نخوة افتخر وتعظم وَكَذَا قَوْله تاه أَي تكبر ... وكذاك أهل الشّرك قَالُوا كَيفَ ذَا ... بشر أَتَى بِالْوَحْي وَالْقُرْآن ثمَّ ارتضوا أَن يجْعَلُوا معبودهم ... من هَذِه الْأَحْجَار والاوثان ... أَي أَن أهل الشّرك تكبروا وَقَالُوا الله أكبر وَأجل وَأعظم من أَن يُرْسل بشرا ثمَّ ارتضوا بِأَن جعلُوا آلِهَتهم من الْأَحْجَار والاوثان والجماد أخس حَالا من الْحَيَوَان ... وَكَذَلِكَ عباد الصَّلِيب حموا بتا ... ركهم من النسوان والولدان وَأتوا الى رب السَّمَاوَات العلى ... جعلُوا لَهُ ولدا من الذكران ... أَي إِن عباد الصَّلِيب وهم النَّصَارَى نزهوا بتاركهم من النِّسَاء والولدان ثمَّ جعلُوا لله سُبْحَانَهُ ولدا تَعَالَى الله عَن قَوْلهم البترك الْأَكْبَر هُوَ لوقا النَّاقِل عَن بولس عَن يوحنا عَن شَمْعُون عَن الْمَسِيح ﵇ وأصل التَّرْتِيب عِنْدهم ان القاريء للانجيل من اول وهلة شماس فان تَأَوَّلَه وأتقن حفظه صَار قسيسا ويدوم كَذَلِك مَا دَامَ عِنْده زَوْجَة وَإِن بلغ فِي الْعلم مَا بلغ فان مَاتَت زَوجته فان تزوج خرج عَن مَرَاتِب الْعلم وَيُسمى سالخ القيسوسية فان تنزه عَن الزفر وَمَا يخرج من الْأَرْوَاح صَار بتركا فِي مَذْهَب الأرمن وَأما الرّوم واليعاقبة والنسطورية فيرون أَنه لَا يجوز أَن يكون بتركا إِلَّا من تنزه عَن النِّسَاء وَأكل الْأَرْوَاح وَمَا يخرج مِنْهَا من أول عمره الا الْعَسَل والسمك لِأَنَّهُ خَليفَة الْمَسِيح وَطَاعَة هَؤُلَاءِ فرض على النَّصَارَى وَأما الاسقف والميرون والراهب فأسماء للمتعبدين خَاصَّة فالماكث فِي الْقلَّة ميرون وَكثير السياحة أَسْقُف وتارك النِّسَاء

стр. 839

فَقَط رَاهِب وَشرط الرّوم ملازمته للبس المسوح وخدمة الدَّيْر وَأَن لَا يُصَلِّي خَارج الْكَنِيسَة ... وَكَذَلِكَ الجهمي نزه ربه ... عَن عَرْشه من فَوق ذِي الأكوان حذرا من الْحصْر الَّذِي فِي ظَنّه ... أَو أَن يرى متحيزا بمَكَان فاصأره عدما وَلَيْسَ وجوده ... متحققا فِي خَارج الاذهان لكنما قدماؤهم قَالُوا بِأَن الذَّات قد وجدت بِكُل مَكَان جَعَلُوهُ فِي الْآبَار والأنجاس والخانات والخربات والقيعان ... قَالَ فِي الْقَامُوس الخان الْحَانُوت اَوْ صَاحبه وخان التُّجَّار مَعْرُوف قَوْله القيعان قَالَ فِي الْقَامُوس القاع ارْض سهلة مطمئنة قد انفرجت عَلَيْهَا الْجبَال والآكام جمع قيع وقيعة وقيعان بكسرهن أَي أَن الْجَهْمِية نزهوا الله عَن أَن يكون مستويا على عَرْشه حذرا من أَن يكون محصورا اَوْ متحيزا ثمَّ قَالُوا إِنَّه تَعَالَى لَا دَاخل الْعَالم وَلَا خَارجه وَلَا مُتَّصِل وَلَا مُنْفَصِل فأوقعوا عَلَيْهِ صفة الْمَعْدُوم قَوْله لكنما قدماؤهم قَالُوا بِأَن الذَّات الخ أَي أَن قدماء الْجَهْمِية قَالُوا بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْجُود بِكُل مَكَان تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَلَكِن هَذَا لَيْسَ قَول الْجَهْمِية الْأَوَّلين جَمِيعهم فان هَذَا قَول النجارية والضرارية كَمَا تقدم ذَلِك فِي أَوَائِل هَذَا الشَّرْح فَفِي كَلَامه مُسَامَحَة ... وَالْقَصْد أَنكُمْ تحيزتم الى الآراء وَهِي كَثِيرَة الهذيان فتلونت بكم فجئتم أَنْتُم ... متلونين عجائب الالوان وعرضتم قَول الرَّسُول على الَّذِي ... قد قَالَه الاشياخ عرض وزان ...

стр. 840

.. وجعلتم أَقْوَالهم ميزَان مَا ... قد قَالَه وَالْعدْل فِي الْمِيزَان ... أَي أَن هَذَا ميزَان عائل جَائِز قَالَ فِي الْقَامُوس عَال جَار عَن الْحق وَالْمِيزَان نقص ... ووردتم سفل الْمِيَاه وَلم نَكُنْ ... نرضى بِذَاكَ الْورْد للظمآن وأخذتم أَنْتُم بنيات الطَّرِيق وَنحن سرنا فِي الطَّرِيق الاعظم السُّلْطَان ... بنيات الطَّرِيق هِيَ الطّرق الصغار وتتشعب من الطَّرِيق الْأَعْظَم ثمَّ ترجع اليه ... وجعلتم ترس الْكَلَام مجنة ... تَبًّا لذاك الترس عِنْد طعان ... ورميتم أهل الحَدِيث بأسمهم ... عَن قَوس موتور الْفُؤَاد جبان ... فتترسوا بِالْوَحْي وَالسّنَن الَّتِي ... تتلوه نعم الترس للشجعان ... تقدم تَفْسِير الترس قَوْله موتور هُوَ اسْم مفعول من وتره يتره قَالَ فِي الْقَامُوس وتره يتره وترا وترة وَالْقَوْم جعل شفعهم وترا كأوترهم وَالرجل أفزعه وأدركه بمكروه ووتره مَاله نَقصه إِيَّاه انْتهى قلت وَمِنْه الحَدِيث الَّذِي تفوته صَلَاة الْعَصْر كَأَنَّمَا وتر أَهله وَمَاله ... هُوَ ترسهم وَالله من عدوانكم ... والترس يَوْم الْبَعْث من نيران أفتاركوه لفشركم ومحالكم ... لَا كَانَ ذَاك بمنة الرَّحْمَن ودعوتمونا للَّذي قُلْتُمْ بِهِ ... قُلْنَا معَاذ الله من خذلان فَاشْتَدَّ ذَاك الْحَرْب بَين فريقنا ... وفريقكم وتفاقم الْأَمْرَانِ وتأصلت تِلْكَ الْعَدَاوَة بَيْننَا ... من يَوْم أَمر الله للشَّيْطَان ...

стр. 841

.. بسجوده فعصى وعارض أمره ... بقياسه وبعقله الخوان فَأتى التلاميذ الوقاح فعارضوا ... أخباره بالفشر والهذيان ومعارض لِلْأَمْرِ مثل معَارض الأخبارهم فِي كفرهم صنْوَان ... من عَارض الْمَنْصُوص بالمعقول قد مَا أخبرونا يَا أولي الْعرْفَان أَو مَا عَرَفْتُمْ أَنه القدري والجبري أَيْضا ذَاك فِي الْقُرْآن ... إِذْ قَالَ قد أغويتني وفتنتني ... لأزينن لَهُم مدى الْأَزْمَان فاحتج بالمقدور ثمَّ ابان أَن الْفِعْل مِنْهُ بغية وزيان ... فَانْظُر الى ميراثهم ذَا الشَّيْخ بِالتَّعْصِيبِ وَالْمِيرَاث بالسهمان فسألتكم بِاللَّه من وراثه ... مناومنكم بعد ذَا التِّبْيَان ... حَاصِل كَلَام النَّاظِم فِي هَذِه الأبيات أَن أصل الْعَدَاوَة بَيْننَا وَبَيْنكُم يَا معشر من عَارض أَمر الله بقياسه وعقله من حِين أَمر الله إِبْلِيس بِالسُّجُود لآدَم فعصى وعارض أَمر الله بِالْعقلِ وَالْقِيَاس وَذَلِكَ فِيمَا حكى الله عَنهُ وَهُوَ قَوْله ﴿لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون﴾ الْحجر وَقَوله ﴿أَنا خير مِنْهُ خلقتني من نَار وخلقته من طين﴾ الْأَعْرَاف يَعْنِي النَّار خير وَأفضل من الطين فَأَنا خير من آدم فَهَذَا مُعَارضَة اللعين لِلْأَمْرِ بِالْعقلِ وَالْقِيَاس وَقَوله وأتى التلاميذ الوقاح فعارضوا أخباره الخ أَي أَن النفاة عارضوا الْأَخْبَار بالفشر والهذيان وَقَالُوا الْعقل يُعَارض النَّقْل والقواطع تعَارض اللفظية والأدلة اللفظية لَا تفِيد الْيَقِين وَنَحْو ذَلِك

стр. 842

من الفشر والهذيان وَهَذَا معنى معارضتهم للْخَبَر وَهُوَ معنى قَول النَّاظِم ومعارض لِلْأَمْرِ مثل معَارض الاخبار الخ قَوْله من عَارض الْمَنْصُوص بالمعقول قدما الخ أَن إِبْلِيس حِين احْتج بِالْقدرِ وَهُوَ قَوْله ﴿بِمَا أغويتني لأزينن لَهُم فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ الْحجر فاحتج أَولا بِالْقدرِ والجبر وَهُوَ قَوْله ﴿فبمَا أغويتني﴾ ثمَّ قَالَ ﴿لأزينن لَهُم فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ فتبعته الْقَدَرِيَّة الْمُجبرَة فِي الِاحْتِجَاج بِالْقدرِ وَأَنَّهُمْ مَجْبُورُونَ على أفعالهم وتبعته الْقَدَرِيَّة النفاة وهم الَّذين زَعَمُوا أَن أَفعَال الْعباد غير مخلوقة فِي قَوْله لأزينن لَهُم فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ فالقدرية الْمُجبرَة تبعوه فِي الْجَبْر والقدرية النفاة تبعوه فِي نفي خلق أَفعَال الْعباد فالطائفتان قد عارضتا الْمَنْصُوص بالمعقول وَهَذَا معنى قَول النَّاظِم فَانْظُر الى ميراثهم ذَا الشَّيْخ بِالتَّعْصِيبِ كَمَا هُوَ ظَاهر وَالله أعلم وَقد تقدم الْكَلَام فِي مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فِي خلق افعال الْعباد وَفِي رد مَذْهَب الجبرية ... هَذَا الَّذِي ألْقى الْعَدَاوَة بَيْننَا ... اذ ذَاك واتصلت الى ذَا الْآن أصلتتم أصلا وأصل خصمكم ... اصلا فحين تقَابل الأصلان ظهر التباين فانتشت مَا بَيْننَا الْحَرْب الْعوَان وصيح بالاقران ... أصلتم رأى الرِّجَال وخرصها ... من غير برهَان وَلَا سُلْطَان ... هَذَا وَكم رَأْي لَهُم فبرأي من ... نزن النُّصُوص فأوضحوا بِبَيَان كل لَهُ رَأْي ومعقول لَهُ ... يَدْعُو وَيمْنَع اخذ رَأْي فلَان ...

стр. 843

.. والخصم أصل مُحكم الْقُرْآن مَعَ ... قَول الرَّسُول وفطرة الرَّحْمَن وَبني عَلَيْهِ فاعتلى بُنْيَانه ... نَحْو السما أعظم بذا الْبُنيان وعَلى شفا جرف بنيتم أَنْتُم ... فَأَتَت سيول الْوَحْي والايمان فعلت أساس بنائكم فتهدمت ... تِلْكَ السقوف وخر للاركان الله أكبر لَو رَأَيْتُمْ ذَلِك الْبُنيان حِين علا كَمثل دُخان ... تسمو اليه نواظر من تَحْتَهُ ... وَهُوَ الوضيع وَلَو يرى بعيان فاصبر لَهُ وَهُنَاكَ ورد الطّرف نَلْقَاهُ قَرِيبا فِي الحضيض الداني ... ثمَّ شرع النَّاظِم ﵀ فِي بَيَان أَن التعطيل أساس الزندقة وَالْكفْر وَأَن الاثبات أساس الْعلم والايمان فَقَالَ فصل فِي بَيَان ان التعطيل أساس الزندقة والكفران والاثبات أساس الْعلم والايمان ... من قَالَ إِن الله لَيْسَ بفاعل ... فعلا يقوم بِهِ قيام معَان كلا وَلَيْسَ الامر أَيْضا قَائِما ... بالرب بل من جملَة الاكوان ... أَي من قَالَ إِن الْفِعْل هُوَ الْمَفْعُول والخلق هُوَ الْمَخْلُوق وَالْأَمر هُوَ الْمَأْمُور وَقد تقدم بسط الْكَلَام فِي ذَلِك قَوْله قيام معَان هُوَ بِفَتْح الْمِيم أَي قيَاما معنويا

стр. 844

قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى ... كلا وَلَيْسَ الله فَوق عباده ... بل عَرْشه خلو من الرَّحْمَن فَثَلَاثَة وَالله لَا تبقي من ال ايمان حَبَّة خَرْدَل بوزان ... وَقد استراح معطل هذي الثلا ... ث من الاله وَجُمْلَة الْقُرْآن ... وَمن الرَّسُول وَدينه وشريعته ال اسلام بل من جملَة الاديان ... قَوْله خلو بِكَسْر الْخَاء أَي خَال قَوْله هذي الثَّلَاث وَهن القَوْل بِأَن فعله تَعَالَى وَأمره لَا يقومان بِهِ وَالْقَوْل بِنَفْي الْفَوْقِيَّة والعلو لَا يبقي من الايمان حَبَّة خَرْدَل ... وَتَمام ذَاك جحوده لصفاته والذات دون الْوَصْف ذُو الْبطلَان ... أَي وَتَمام ذَاك جحود صِفَات الرب تَعَالَى مَعَ ان وجود ذَات بِغَيْر صِفَات بَاطِل ... وَتَمام ذَا الايمان إِقْرَار الْفَتى ... بِاللَّه فاطر هذي الاكوان فاذا أقربه وعطل كل مَفْرُوض وَلم يتوق من عصيان ... لم ينقص الايمان حَبَّة خَرْدَل ... أَنى وَلَيْسَ بقابل النُّقْصَان ... هَذَا هُوَ القَوْل بالايمان هُوَ التَّصْدِيق والمعرفة كَمَا هُوَ قَول الْجَهْمِية والاشعري فِي الْمَشْهُور من قوليه وَأَنه لَا يزِيد وَلَا ينقص ... وَتَمام هَذَا قَوْله إِن النُّبُوَّة لَيْسَ وَصفا قَامَ بالانسان لَكِن تعلق ذَلِك الْمَعْنى الْقَدِيم بِوَاحِد من جملَة الانسان ...

стр. 845

.. هَذَا وَمَا ذَاك التَّعَلُّق ثَابتا ... فِي خَارج بل ذَاك فِي الاذهان ... فَتعلق الاقوال لَا يُعْطي الَّذِي ... وقفت عَلَيْهِ الْكَوْن فِي الْأَعْيَان ... هَذَا اذا مَا حصل الْمَعْنى الَّذِي ... قُلْتُمْ هُوَ النَّفْسِيّ فِي الْبُرْهَان لَكِن جُمْهُور الطوائف لم يرَوا ... ذَا مُمكنا بل ذَاك ذُو بطلَان مَا قَالَ هَذَا غَيْركُمْ من سَائِر النظار فِي الْآفَاق والازمان ... تسعون وَجها بيّنت بُطْلَانه ... لَوْلَا القريض لسقتها بوزان ... أَي وَتَمام هَذَا قَوْله إِن النُّبُوَّة لَيْسَ وَصفا قَامَ بِالنَّبِيِّ وَإِن الْمَعْنى الْقَدِيم وَهُوَ الْمَعْنى النَّفْسِيّ تعلق بِهِ وَمَعَ ذَلِك فالتعلق لَيْسَ ثَابتا فِي الْخَارِج بل هُوَ فِي الذِّهْن وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنى النَّفْسِيّ الَّذِي أثبتته الأشاعرة قَوْله مَا قَالَ هَذَا غَيْركُمْ الخ أَي مَا قَالَ هَذَا القَوْل اُحْدُ غَيْركُمْ معشر الأشعرية قَوْله تسعون وَجها الخ هَذِه الْأَوْجه سَاقهَا شيخ الاسلام فِي رسَالَته الْمَعْرُوفَة بالتسعينية قَوْله لَوْلَا القريض قَالَ فِي الْقَامُوس قرضه يقْرضهُ قطعه وجازاه كقارضه وَالشعر قَالَه ... يَا قوم ايْنَ الرب أَيْن كَلَامه ... أَيْن الرَّسُول فأوضحوا بِبَيَان مَا فَوق عرش الرب من هُوَ قَائِل ... طه وَلَا حرفا من الْقُرْآن وَلَقَد شهدتم ان هَذَا قَوْلكُم ... وَالله يشْهد مَعَ أولي الايمان ... وارحمتاه لكم غبنتم حظكم ... من كل معرفَة وَمن ايمان ...
следующие страницы →